كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ{15 جزء}
- من 1 الي 4.
كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ الْمُضْطَرُّ لِذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَبْدَرِيُّ الْقَبِيلِيُّ الْفَاسِيُّ الدَّارِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَلَطَفَ بِهِ .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْفَرِدِ بِالدَّوَامِ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْأَيَّامِ الْمُوجِدِ لِلْخَلْقِ بَعْدَ الْعَدَمِ الْمُفْنِي لَهُمْ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الصُّحُفِ كَمَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ الْعَالِمِ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ أَسْرَارُهُمْ فِي الْحَالِ وَفِي الْقِدَمِ .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ عَبْدٍ مُضْطَرٍّ إلَيْهَا عِنْدَ زَلَّةِ الْقَدَمِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ إلَى أَكْرَمِ الْأُمَمِ .
وَبَعْدُ : فَإِنِّي كُنْت كَثِيرًا مَا أَسْمَعُ سَيِّدِي الشَّيْخَ الْعُمْدَةَ الْعَالِمَ الْعَامِلَ الْمُحَقِّقَ الْقُدْوَةَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ يَقُولُ وَدِدْتُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَيْسَ لَهُ شُغْلٌ إلَّا أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ مَقَاصِدَهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ وَيَقْعُدَ إلَى التَّدْرِيسِ فِي أَعْمَالِ النِّيَّاتِ لَيْسَ إلَّا أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ مَا أَتَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا مِنْ تَضْيِيعِ النِّيَّاتِ فَقَدْ رَآنِي ذَكَرْتُ بَعْضَ مَا كَانَ يُجْرَى عِنْدَهُ مِنْ بَعْضِ الْفَوَائِدِ فِي ذَلِكَ لِبَعْضِ الْإِخْوَانِ فَطَلَبَ أَنْ أَجْمَعَ لَهُ شَيْئًا لِكَيْ يَعْرِفَ تَصَرُّفَهُ فِي نِيَّتِهِ وَفِي عِبَادَتِهِ وَعَلَيْهِ وَتَسَبُّبَهُ فَامْتَنَعْتُ مِنْ ذَلِكَ خَوْفًا مِمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ يَمْضُغُونَ أَلِسَنَتَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ .
وَمِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَوَّلُ مَا تُسَعَّرُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرَجُلٍ عَالِمٍ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ خَلْفَهُ فَيَدُورُ فِيهَا
كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ لَهُ يَا هَذَا أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ } أَوْ كَمَا قَالَ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ أَيْضًا { أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلَانِ رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَيَرَى غَيْرَهُ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ لِعَمَلِهِ بِهِ وَهُوَ يَدْخُلُ النَّارَ لِتَضْيِيعِهِ الْعَمَلَ وَرَجُلٌ جَمَعَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ وَتَرَكَهُ لِوَارِثِهِ فَعَمِلَ بِهِ الْخَيْرَ فَيَرَى غَيْرَهُ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَهُوَ يَدْخُلُ النَّارَ } أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ } وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا فَامْتَنَعْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَحْتَوِ عَلَيْهِ عَمَلٌ فَأَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَكِنْ عَارَضَتْنِي أَحَادِيثُ أُخَرُ لَمْ يُمْكِنِّي الِامْتِنَاعُ لِأَجْلِهَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ مَعْصِيَةٌ وَتَرْكَ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى سِيَّمَا إذَا طُلِبَ مِنِّي فَارْتِكَابُ مَعْصِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَخَفُّ بِالْمَرْءِ مِنْ ارْتِكَابِ مَعْصِيَتَيْنِ بِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ { أَلَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ } أَوْ كَمَا قَالَ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهُ أَعْمَلَ بِهِ مِمَّنْ بَلَّغَهُ إلَيْهِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا ظَهَرَتْ الْفِتَنُ وَشُتِمَ أَصْحَابِي فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَكَتَمَهُ فَهُوَ
كَجَاحِدِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } انْتَهَى وَهَذَا أَمْرٌ خَطَرٌ .
وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يُعَلِّمُوا وَأَخَذَ إذْ ذَاكَ الْعَهْدَ عَلَى الْجُهَّالِ أَنْ يَسْأَلُوا فَأَشْفَقْتُ مِنْ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ فَآثَرْتُهُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً أُخْرَى كَبِيرَةً وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَذْكِرَةً لِي فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَمُطَالَعَتِهِ فَأَتَذَكَّرُ بِهِ مَا كَانَ يَمْضِي مِنْ بَعْضِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فِي مَجَالِسِ سَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ الْإِجَابَةَ قَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيَّ مِنْ وُجُوهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : مِنْ قِبَلِ نَفْسِي لِلتَّذْكِرَةِ .
الثَّانِي : مِنْ قِبَلِ طَالِبِهِ لِئَلَّا أَدْخُلَ بِذَلِكَ فِيمَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ .
الثَّالِثُ : لَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَرَاهُ وَيَعْمَلُ بِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ يَدْعُو لِمُؤَلِّفِهِ الْمُنْكَسِرِ خَاطِرُهُ مِنْ قِلَّةِ الْعَمَلِ لَعَلَّ أَنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَمَلِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إنِّي لَا أَكْرَهُ الْقِصَصَ إلَّا لِثَلَاثٍ قُلْتُ إحْدَاهُنَّ قَوْله تَعَالَى { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } انْتَهَى .
لَكِنْ قَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ وَلَا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ .
قَالَ مَالِكٌ صَدَقَ وَمِنْ هَذَا أَنَّ ارْتِكَابَ مَعْصِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَخَفُّ مِنْ ارْتِكَابِ مَعْصِيَتَيْنِ وَلَقَدْ بَدَأْتُهُ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى مَا أُرِيدُهُ بِآيَاتٍ
وَأَحَادِيثَ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ أَتَيْتُ بِهَا النَّصُّ وَالنِّسْبَةُ لِنَاقِلِهَا وَبَعْضُهَا بِالْمَعْنَى وَعَدَمُ النِّسْبَةِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى نَقْلِهِ ، كُلُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْكُتُبِ الْحَاضِرَةِ فِي الْوَقْتِ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى بَعْضِ حِكَايَاتٍ تَكُونُ تَفْسِيرًا وَبَيَانًا لِمَا الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى بَيَانِهِ وَرُبَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى بَعْضِ الْآدَابِ وَوَجَدْتُ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُونَ بِضِدِّهَا فَاحْتَجْتُ إلَى الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ مَعَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَجْهُ الصَّوَابِ وَيَتَّضِحَ بِحَسَبِ مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى وَبَدَأْتُ فِيهِ بِمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْآكَدُ وَالْأَهَمُّ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَتَّبْتُ ذَلِكَ عَلَى فُصُولٍ لِيَكُونَ كَالْفَصْلِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ فَيَكُونَ أَيْسَرَ لِلْفَهْمِ وَأَهْوَنَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُطَالِعَ مَسْأَلَةً مُعَيَّنَةً بِحَسَبِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ وَمَسْطُورٌ فِيهِ وَهَذَا بِحَسَبِ مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَقْتِ فَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى نُورًا لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ سُلَّمًا يَتَرَقَّى بِهِ إلَى غَيْرِهِ وَأَنْ يُدَقِّقَ النَّظَرَ فِيمَا ذَكَرْتُهُ فَلَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْكَمَالَ وَيَعْذُرُ مَنْ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ فَإِنْ ظَهَرَ غَلَطٌ أَوْ وَهْمٌ أَوْ تَقْصِيرٌ أَوْ غَفْلَةٌ أَوْ جَهْلٌ أَوْ عِيٌّ فَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِذَلِكَ كَثِيرًا وَهُوَ مِنِّي وَمِنْ الشَّيَاطِينِ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً ظَهَرَتْ لَهُ عَوْرَةٌ أَوْ عَيْبٌ فَسَتَرَ أَوْ عَذَرَ فَاسْتَعْذَرَ وَإِنْ ظَهَرَ خَيْرٌ فَبِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَالْمَنِّ لَهُ بَدْءًا وَعَوْدًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْلِحَ مَا وَجَدَ مِنْ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ فِي الْإِصْلَاحِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَأَنَّ الْبِرَّ خَيْرٌ .
وَسَمَّيْتُهُ بِمُقْتَضَى وَضْعِهِ كِتَابَ الْمَدْخَلِ إلَى تَنْمِيَةِ الْأَعْمَالِ بِتَحْسِينِ النِّيَّاتِ
وَالتَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ الْبِدَعِ وَالْعَوَائِدِ الَّتِي اُنْتُحِلَتْ وَبَيَانِ شَنَاعَتِهَا وَقُبْحِهَا .
فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْكَرِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ وَأَنْ يُرِيَنَا بَرَكَتَهُ يَوْمَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَحِينَ حُلُولِ الْإِنْسَانِ فِي رَمْسِهِ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ طَلَبَهُ أَوْ حَضَّ عَلَيْهِ أَوْ كَتَبَهُ أَوْ كَسَبَهُ أَوْ طَالَعَهُ أَوْ نَظَرَ فِيهِ وَاعْتَبَرَ وَسَتَرَ وَنَسْأَلُهُ الْعَفْوَ وَالرَّحْمَةَ وَالْإِقَالَةَ وَسَتْرَ الْعَوْرَاتِ وَتَأْمِينَ الرَّوْعَاتِ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِوَالِدِ وَالِدَيْنَا وَلِمَشَايِخِنَا وَمَشَايِخِهِمْ وَلِمَنْ عَلَّمَنَا وَلِمَنْ عَلَّمْنَاهُ وَلِمَنْ أَفَادَنَا وَلِمَنْ أَفَدْنَاهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ .
فَصْلٌ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى الْأَفْعَالِ كُلِّهَا أَنْ تَكُونَ بِنِيَّةِ حَاضِرَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الْإِخْلَاصُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ جَوَارِحَ ظَاهِرَةً وَجَوَارِحَ بَاطِنَةً فَعَلَى الظَّاهِرَةِ الْعِبَادَةُ وَالِامْتِثَالُ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ، وَعَلَى الْبَاطِنَةِ أَنْ تَعْتَقِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُخْلِصَةً فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَالْأَصْلُ الَّذِي تَتَفَرَّعُ عَنْهُ الْعِبَادَاتُ عَلَى أَنْوَاعِهَا هُوَ الْإِخْلَاصُ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ فَعَلَى هَذَا الْجَوَارِحُ الظَّاهِرَةُ تَبَعٌ لِلْبَاطِنَةِ ، فَإِنْ اسْتَقَامَ الْبَاطِنُ اسْتَقَامَ الظَّاهِرُ جَبْرًا ، وَإِذَا دَخَلَ الْخَلَلُ فِي الْبَاطِنِ دَخَلَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ وَكُلِّيَّتُهُ فِي تَخْلِيصِ بَاطِنِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ إذْ أَنَّ أَصْلَ الِاسْتِقَامَةِ مِنْهُ تَتَفَرَّعُ ، وَهُوَ مَعْدِنُهَا ، وَقَدْ نَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا وَبَيَّنَهُ أَتَمَّ بَيَانٍ فَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَلَّا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ .
وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ فَالْهِجْرَةُ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الْفِعْلِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ لِلَّهِ وَهَذِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الْجَوَارِحُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ النِّيَّةُ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ
أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَلَا تَرَى أَنَّ السَّاجِدَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالسَّاجِدَ لِلصَّنَمِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ عِبَادَةً وَهَذِهِ كُفْرًا بِالنِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ مُحَافِظًا عَلَى نِيَّتِهِ ابْتِدَاءً فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ فِي عَمَلِهِ يَنْظُرَ أَوَّلًا فِي نِيَّتِهِ فَيُحْسِنَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ حَسَنَةً فَيُنَمِّيَهَا إنْ أَمْكَنَ تَنْمِيَتُهَا وَمَا افْتَرَقَ النَّاسُ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِهِمْ تَقَارُبُ أَفْعَالِهِمْ ثُمَّ إنَّهُمْ يَفْتَرِقُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ بِحَسَبِ مَقَاصِدِهِمْ وَتَنْمِيَةِ أَفْعَالِهِمْ .
مِثَالُ ذَلِكَ ثَلَاثُ رِجَالٍ يَخْرُجُونَ إلَى الصَّلَاةِ أَحَدُهُمْ يَخْرُجُ وَيَنْظُرُ إنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَيْتِهِ قَضَاهَا فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ سَاهٍ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَهَذَا لَهُ أَجْرُ الصَّلَاةِ لَيْسَ إلَّا وَالْخُطَى الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا لِلْمَسْجِدِ قَدْ ذَهَبَتْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .
وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَشُرِطَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حُصُولِ هَذَا الْأَجْرِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ وَهَذَا الْمَذْكُورُ قَدْ أَرَادَ غَيْرَهَا بِالْحَاجَةِ الَّتِي نَوَى قَضَاءَهَا .
وَالثَّانِي خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ لَيْسَ إلَّا وَلَمْ يَخْلِطْ مَعَ هَذِهِ النِّيَّةِ غَيْرَهَا ، فَهَذَا أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بَرَكَةُ الْخُطَى إلَى الْمَسْجِدِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ .
وَالثَّالِثُ خَرَجَ بِمَا خَرَجَ بِهِ الثَّانِي لَكِنَّهُ حِينَ خُرُوجِهِ نَظَرَ فِي نِيَّتِهِ إنْ كَانَ يُمْكِنُ تَنْمِيَتُهَا أَمْ
لَا فَوَجَدَ ذَلِكَ مُمْكِنًا مُتَحَصِّلًا فَفَعَلَهُ فَخَرَجَ وَلَهُ مِنْ الْأُجُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ لَيْسَ إلَّا ، بَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ الْأَفْعَالِ دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا مَهْمَا أَمْكَنَ تَنْمِيَتُهَا فَعَلَ ذَلِكَ .
فَيَحْصُلُ بِهِ الْخَيْرُ الْعَظِيمُ وَالسَّعَادَةُ الْعُظْمَى مَعَ رَاحَةِ الْبَدَنِ مِنْ التَّعَبِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ ذَلِكَ بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَهْمَا ظَفِرَ بِشَيْءٍ مِمَّا نَوَاهُ ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهِيَةٍ لِلشَّرْعِ فِي فِعْلِهِ فَلْيُبَادِرْ إلَيْهِ .
وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ تَرْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ كَانَ الْأَوْلَى بِهِ وَالْأَفْضَلُ تَرْكَ النِّيَّةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَاهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ دَخَلَ إذْ ذَاكَ فِي قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ فَتَكُونُ نِيَّتُهُ تُحَصِّلُهُ فِي هَذَا الْمَقْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا تُنَمِّي هَذِهِ الطَّائِفَةُ أَعْمَالَهَا لِاهْتِبَالِهِمْ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ فِيهِ فَإِذَا ظَفِرُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَيَحْصُلُ لَهُمْ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلُ وَمَا لَمْ يَحْصُلْ حَصَلَ لَهُمْ أَجْرُ النِّيَّةِ .
وَقَدْ قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْقَعَ اللَّهُ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ انْتَهَى فَلَا يَزَالُونَ فِي خَيْرٍ دَائِمٍ وَأُجُورٍ مُتَزَايِدَةٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ يَسْهُو حِينَ الْفِعْلِ أَوْ يَفْعَلُهُ بِنِيَّةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ يَفْعَلُهُ وَلَهُ فِيهِ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ .
كَتَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا اعْلَمْ يَا عُمَرُ أَنَّ عَوْنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ بِقَدْرِ النِّيَّةِ فَمَنْ ثَبَتَتْ نِيَّتُهُ تَمَّ عَوْنُ اللَّهِ لَهُ وَمَنْ قَصُرَتْ عَنْهُ نِيَّتُهُ قَصُرَ
عَنْهُ عَوْنُ اللَّهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَكَتَبَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ إلَى أَخِيهِ أَخْلِصْ النِّيَّةَ فِي أَعْمَالِك يَكْفِك قَلِيلُ الْعَمَلِ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : مَنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى النِّيَّةِ بِنَفْسِهِ فَلْيَصْحَبْ مَنْ يُعَلِّمُهُ حُسْنَ النِّيَّةِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : نَظَرْت فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلَمْ يَأْتِنَا إلَّا مِنْ قِبَلِ الْغَفْلَةِ عَنْ النِّيَّةِ ؛ لِأَنِّي نَظَرْت فَوَجَدْت الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا حَرَكَةٌ وَإِمَّا سُكُونٌ وَكِلَاهُمَا عَمَلٌ انْتَهَى كَلَامُهُ بِالْمَعْنَى ، فَإِنْ تَحَرَّكَ الْإِنْسَانُ أَوْ سَكَنَ سَاهِيًا أَوْ غَافِلًا كَانَ ذَلِكَ عَمَلًا عَارِيًّا عَنْ النِّيَّةِ فَيَخْرُجُ أَنْ يَكُونَ عَمَلًا شَرْعِيًّا لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ تَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ مَنْزِلَةً وَأَكْثَرَهُمْ خَيْرًا وَبَرَكَةً الْوَاقِفُ مَعَ نِيَّتِهِ فِي حَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا وَخِيَارِ مَنْ تَقَدَّمَنَا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِتَحْسِينِ نِيَّاتِهِمْ وَتَحْرِيرِهَا فَكَانَتْ حَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ كُلُّهَا عِبَادَةً .
وَنَحْنُ الْيَوْمَ إنَّمَا الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا مَا كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَأُصُولِ الدِّينِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَهَذِهِ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ الْمُوَفَّقِينَ مِنَّا أَعْنِي الْمُحَافِظِينَ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ بِوَاجِبِهَا وَمَنْدُوبِهَا وَبَقِيَ مَا عَدَا هَذِهِ الْأَفْعَالِ عِنْدَنَا عَلَى أَقْسَامٍ فَمِنَّا مَنْ يَفْعَلُهَا لِلدُّنْيَا وَمِنَّا مَنْ يَفْعَلُهَا رَاحَةً وَمِنَّا مَنْ يَفْعَلُهَا غَفْلَةً وَنِسْيَانًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لَنَا فِي تَصَرُّفِنَا فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا .
حَكَى الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّحْبِيرِ لَهُ قَالَ : قِيلَ : إنَّ رَجُلًا مِنْ الصَّالِحِينَ رُئِيَ فِي
الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ : مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك ؟ قَالَ : غَفَرَ لِي وَرَفَعَ دَرَجَاتِي فَقِيلَ لَهُ : بِمَاذَا فَقَالَ لَهُ : هَاهُنَا يُعَامِلُونَ بِالْجُودِ لَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيُعْطُونَ بِالنِّيَّةِ لَا بِالْخِدْمَةِ وَيَغْفِرُونَ بِالْفَضْلِ لَا بِالْفِعْلِ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ وَقَعَ قَحْطٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ فَأَرْسَلَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ إلَى أَخٍ لَهُ فِي اللَّهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ النَّاسِ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ فَجَاءَ الرَّسُولُ إلَى الشَّيْخِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي بَيْتِهِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ : هُوَ فِي أَرْضِهِ يَعْمَلُ فَقَعَدَ يَنْتَظِرُهُ إلَى أَنْ جَاءَ عَشِيَّةً وَمَعَهُ الْبَقَرُ وَآلَةُ الْحَرْثِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَبَلَّغَ إلَيْهِ مَا جَاءَ بِسَبَبِهِ فَسَكَتَ عَنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ جَوَابًا فَبَقِيَ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُنْتَظِرًا رَدَّ الْجَوَابِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الَّذِي أَرْسَلَهُ فَخَرَجَ وَمَرَّ عَلَى الشَّيْخِ ، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي أَرْضِهِ فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي مَا أَرُدُّ لِسَيِّدِي فُلَانٍ فِي الْجَوَابِ فَقَالَ لَهُ : لَوْ عَلِمْت أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنِّي نَفَسٌ لِغَيْرِ اللَّهِ لَقَتَلْت نَفْسِي فَمَنْ يَرَاهُ يَتَسَبَّبُ وَيَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ يَظُنُّ أَنَّهُ طَالِبُ دُنْيَا أَوْ مُبْتَغٍ لَهَا ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْحَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي هَذَا مَعَ غَيْرِهِ فِي الصُّورَةِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ نَفَسٌ عَلَى مَا ذَكَرَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَافْتَرَقَ الْعَمَلَانِ بِمَا احْتَوَى عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَهِيَ النِّيَّةُ وَكَيْفِيَّتُهَا .
حَكَى صَاحِبُ الْقُوتِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَعَ شَيْخِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْعِرَاقِ فِي أَرْضٍ لَهُ يَزْرَعُ ، وَإِذَا بِرَجُلٍ يَمُرُّ كَالسَّحَابِ فَوَقَفَ مَعَ الشَّيْخِ يَتَحَدَّثُ مَعَهُ سَاعَةً ، وَالشَّيْخُ يَقُولُ : لَا أَقْدِرُ ثُمَّ مَضَى فَسَأَلْته مَنْ هَذَا الرَّجُلُ : فَقَالَ : هَذَا بَدَلُ الْإِقْلِيمِ الْفُلَانِيِّ فَقُلْت لَهُ وَمَا طَلَبَ مِنْك حَتَّى امْتَنَعْت مِنْ فِعْلِهِ ؟ فَقَالَ :
طَلَبَ مِنِّي أَنْ أَقِفَ مَعَهُ اللَّيْلَةَ بِعَرَفَةَ فَقُلْت لَهُ يَا سَيِّدِي وَمَا مَنَعَك مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لِي كُنْت نَوَيْت زِرَاعَةَ تِلْكَ الْبُقْعَةِ اللَّيْلَةَ فَانْظُرْ كَيْفَ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لِأَجْلِ زَرْعِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَلَوْ كَانَتْ زِرَاعَتُهَا عِنْدَهُ لِأَمْرٍ مُبَاحٍ لَتَرَكَهَا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ النِّيَّةُ فِيهَا صَالِحَةً بِحَسَبِ مَا نَوَى لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتْرُكَهَا لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ وَفِي قَوْله تَعَالَى وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ حُكِيَ لِي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ سَيِّدِي أَبِي عَلِيٍّ حَسَنٍ الزُّبَيْدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَانَ إمَامًا مُعَظَّمًا مُحْتَرَمًا مُقَدَّمًا عِنْدَ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ الْمَشَايِخِ مِثْلِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ وَسَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ وَنَظَائِرِهِمَا .
قَالَ : كُنْت مَعَ سَيِّدِي حَسَنٍ فِي حَائِطٍ لَهُ يَعْمَلُ فِيهِ ، وَإِذَا بِشَخْصٍ يَدُقُّ الْبَابَ فَمَشَيْت إلَى الْبَابِ لِأَنْظُرَ مَنْ هُوَ فَإِذَا هُوَ سَيِّدِي حَسَنٌ قَدْ لَحِقَنِي فَسَأَلَنِي عَنْ قِيَامِي بِأَيِّ نِيَّةٍ قُمْت فَقُلْت : قُمْت لِأَفْتَحَ الْبَابَ قَالَ : لَا غَيْرَ قُلْت : هُوَ ذَاكَ أَوْ كَمَا قَالَ : قَالَ : فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيَّ وَانْتَهَرَنِي ، وَقَالَ : فَقِيرٌ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ عَارِيَّةٍ عَنْ النِّيَّةِ ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَامَ لِفَتْحِ الْبَابِ وَعَدَّدَ لِي مَا قَامَ بِهِ مِنْ النِّيَّاتِ ، فَإِذَا هِيَ نَحْوُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ نِيَّةً وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا جَاءَ إلَى الْحَجِّ وَوَجَدَ بَعْضَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ فَلَمْ يَجْلِسْ إلَيْهِ وَلَمْ يُسَمِّعْ عَلَيْهِ شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : مَا خَرَجْت
بِهَذِهِ النِّيَّةِ فَلَمَّا أَنْ حَجَّ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَحَلَ إلَى الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ إلَى بَلَدِهِ بِالْيَمَنِ أَوْ غَيْرِهِ فَسَمَّعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ وَهَذَا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ .
وَهُوَ وَاضِحٌ بَيِّنٌ إذْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ .
فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الرِّحْلَةَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هِيَ الْأَصْلُ وَالْعُمْدَةُ وَمَا وَقَعَ بَعْدَهَا مِنْ النِّيَّاتِ فَتَبَعٌ لَهَا وَفَرْعٌ عَنْهَا تَحَفُّظًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَعًا فَيَكُونَ كَقَدَحِ الرَّاكِبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَدَحَ الرَّاكِبِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَاءُ لِقَضَاءِ مَآرِبِهِ مِنْ شُرْبٍ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ تَحْمِيلِ حَوَائِجِهِ كُلِّهَا عَلَيْهَا فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلًا لَا فَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ انْتَهَى .
وَمِنْ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَجْعَلَهُ أَصْلًا وَمَتْبُوعًا لَا فَرْعًا تَابِعًا .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ لَهُ : وَالنِّيَّةُ وَالْعَمَلُ بِهِمَا تَمَامُ الْعِبَادَةِ فَالنِّيَّةُ أَحَدُ جُزْأَيْ الْعِبَادَةِ لَكِنَّهَا خَيْرُ الْجُزْأَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْجَوَارِحِ لَيْسَتْ مُرَادَةً إلَّا لِتَأْثِيرِهَا فِي الْقَلْبِ لِيَمِيلَ إلَى الْخَيْرِ وَيَنْفِرَ عَنْ الشَّرِّ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى
الْأَرْضِ وَضْعَ الْجَبْهَةِ ، بَلْ خُضُوعَ الْقَلْبِ ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَتَأَثَّرُ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الزَّكَاةِ إزَالَةَ الْمِلْكِ ، بَلْ إزَالَةَ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ ، وَهُوَ قَطْعُ عَلَاقَةِ الْقَلْبِ مِنْ الْمَالِ .
ثُمَّ قَالَ فَاجْتَهِدْ أَنْ تُكْثِرَ مِنْ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِك حَتَّى تَنْوِيَ لِعَمَلٍ وَاحِدٍ نِيَّاتٍ كَثِيرَةً وَلَوْ صَدَقْت رَغْبَتُك لَهُدِيت لِطَرِيقِهِ وَيَكْفِيك مِثَالٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَنَّ الدُّخُولَ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْقُعُودَ فِيهِ عِبَادَةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَمَانِيَةُ أُمُورٍ أَوَّلُهَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنَّ دَاخِلَهُ زَائِرُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْوِي ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ زَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ إكْرَامُ زَائِرِهِ وَثَانِيهَا الْمُرَابَطَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا قِيلَ : مَعْنَاهُ انْتَظِرُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَثَالِثُهَا الِاعْتِكَافُ وَمَعْنَاهُ كَفُّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْأَعْضَاءِ عَنْ الْحَرَكَاتِ الْمُعْتَادَةِ فَإِنَّهُ نَوْعُ صَوْمٍ قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي الْقُعُودُ فِي الْمَسَاجِدِ .
وَرَابِعُهَا الْخَلْوَةُ وَدَفْعُ الشَّوَاغِلِ لِلُزُومِ السِّرِّ وَالْفِكْرِ فِي الْآخِرَةِ وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا وَخَامِسُهَا التَّجَرُّدُ لِلذِّكْرِ وَإِسْمَاعُهُ وَاسْتِمَاعُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُذَكِّرُ بِهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَادِسُهَا أَنْ يَقْصِدَ إفَادَةَ عِلْمٍ وَتَنْبِيهَ مَنْ يُسِيءُ الصَّلَاةَ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ حَتَّى يَنْتَشِرَ بِسَبَبِهِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ وَيَكُونَ شَرِيكًا فِيهَا وَسَابِعُهَا أَنْ يَتْرُكَ الذُّنُوبَ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ فِي نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ حَتَّى يَسْتَحِيَ مِنْهُ مَنْ رَآهُ أَنْ يُقَارِفَ ذَنْبًا
وَقِسْ عَلَى هَذَا سَائِرَ الْأَعْمَالِ فَبِاجْتِمَاعِ هَذِهِ النِّيَّاتِ تُزَكَّى الْأَعْمَالُ وَتَلْتَحِقُ بِأَعْمَالِ الْمُقَرَّبِينَ كَمَا أَنَّهُ بِنَقْصِهَا تَلْتَحِقُ بِأَعْمَالِ الشَّيَاطِينِ كَمَنْ يَقْصِدُ مِنْ الْقُعُودِ فِي الْمَسْجِدِ التَّحَدُّثَ بِالْبَاطِلِ وَالتَّفَكُّهَ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ وَمُجَالَسَةَ إخْوَانِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَمُلَاحَظَةَ مَنْ يَجْتَازُ بِهِ مِنْ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ وَمُنَاظَرَةَ مَنْ يُنَازِعُهُ مِنْ الْأَقْرَانِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَاهَاةِ وَالْمُرَاءَاةِ بِاقْتِنَاصِ قُلُوبِ الْمُسْتَمِعِينَ لِكَلَامِهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ .
وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْفُلَ فِي الْمُبَاحَاتِ عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ فَفِي الْخَبَرِ إنَّ الْعَبْدَ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى عَنْ كُحْلِ عَيْنِهِ وَعَنْ فُتَاتِ الطِّيبِ بِأُصْبُعَيْهِ وَعَنْ لَمْسِ ثَوْبِ أَخِيهِ .
فَمِثَالُ النِّيَّةِ فِي الْمُبَاحَاتِ أَنَّ مَنْ يَتَطَيَّبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْصِدَ التَّنْعِيمَ بِلَذَّتِهِ وَالتَّفَاخُرَ بِإِظْهَارِ ثَرْوَتِهِ وَالتَّزْوِيقَ لِلنِّسَاءِ وَأَخْدَانِ الْفَسَادِ وَيَتَصَوَّرُ أَنْ يَنْوِيَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ وَتَعْظِيمَ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَاحْتِرَامَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَدَفْعَ الْأَذَى عَنْ غَيْرِهِ بِدَفْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَإِيصَالَ الرَّاحَةِ إلَيْهِمْ بِالرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَحَسْمَ بَابِ الْغَيْبَةِ إذَا شَمُّوا مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً وَإِلَى الْفَرِيقَيْنِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَطَيَّبَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَمَنْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ اللَّهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَنْتَنُ مِنْ الْجِيفَةِ انْتَهَى .
وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ فَالْمُحَاسَبَةُ حَبْسُ الْأَنْفَاسِ وَضَبْطُ الْحَوَاسِّ وَرِعَايَةُ الْأَوْقَاتِ وَإِيثَارُ الْمُهِمَّاتِ .
يُبَيِّنُ هَذَا وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ : لَوْ قِيلَ : لَكَ إنَّك تَمُوتُ الْآنَ بِمَاذَا كُنْت تَحْتَرِفُ ؟ أَحْتَرِفُ لِأَهْلِي بِالسُّوقِ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَمُوتَ إلَّا عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ فَلَمَّا أَنْ اخْتَارَ الْمَوْتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا فِي السُّوقِ عُلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ مَقَاصِدُهُمْ بِالسُّوقِ مَا كَانَتْ وَلِأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا يَخْرُجُونَ إلَيْهَا ، وَهَلْ هُمْ مُعْرِضُونَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَوْ حَاضِرُونَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْخَيْرِ .
وَقَدْ قَالَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنِّي لَأَنْكِحُ النِّسَاءَ وَمَا لِي إلَيْهِنَّ حَاجَةٌ وَأَطَأهُنَّ وَمَا لِي إلَيْهِنَّ شَهْوَةٌ قِيلَ : وَلِمَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ : رَجَاءَ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ ظَهْرِي مَنْ يُكَاثِرُ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ ، فَهَذَا أَعْظَمُ مَلْذُوذَاتِ الدُّنْيَا رَجَعَ مُجَرَّدًا لِلْآخِرَةِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى رَبِّهِمْ فَمَا بَالُك بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ لَذَّةً وَشَهْوَةً ؟ فَسُبْحَانَ مَنْ مَنَّ عَلَيْهِمْ وَسَقَاهُمْ بِكَأْسِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ الْيَوْمَ قَدْ أَخَذْنَا فِي الضِّدِّ مِنْ أَحْوَالِهِمْ هَذِهِ أَحْوَالُ دُنْيَاهُمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى رَبِّهِمْ وَنَحْنُ الْيَوْمَ قَدْ أَخَذْنَا أَعْظَمَ مَا يُعْمَلُ لِلْآخِرَةِ وَرَدَدْنَاهُ إلَى الدُّنْيَا وَلِأَسْبَابِهَا بَيَانُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ : مَا أَعْمَالُ الْبِرِّ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ .
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَعْظَمَ أَعْمَالِ
الْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الدُّنْيَا صَرْفًا يَقْعُدُ أَحَدُنَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ وَيَبْحَثُ فِيهِ ثُمَّ يَطْلُبُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْوَقْتِ مِنْ طَلَبِ الْمَنَاصِبِ بِهِ وَالرِّيَاسَاتِ وَمَحَبَّةِ الظُّهُورِ وَالرِّفْعَةِ بِهِ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَمَحَبَّةِ الْحَظْوَةِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعَوَامِّ إنْ سَلِمَ مِنْ الدَّاءِ الْعُضَالِ ، وَهُوَ التَّرَدُّدُ إلَى أَبْوَابِهِمْ وَإِهَانَةُ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرْعِيِّ الْعَظِيمِ بِالْوُقُوفِ بِهِ عَلَى أَبْوَابِ الظَّلَمَةِ وَمُعَايَنَةِ مَا الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ يُحَرِّمُهُ وَيَأْمُرُ بِتَغْيِيرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ فِي ثَانِي دَرَجَةٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَفِي ثَالِثِ مَرْتَبَةٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الْعَظِيمِ وَالسَّعَادَةِ الْعَظِيمَةِ كَيْفَ وَقَعَ وَنَزَلَ بِهِ هَذَا النَّاقِدُ الْمِسْكِينُ الْمُتَشَبِّهُ بِالْعُلَمَاءِ الدَّخِيلُ فِيهِمْ تَسَمَّى بِاسْمٍ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ فَنَزَلَ بِهِ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ ؟ لَكِنَّ الْعِلْمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يَنْزِلْ ، وَإِنَّمَا نَزَّلَ نَفْسَهُ وَبَخَسَهَا حَظَّهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْعِلْمِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ تَرَكَ عِلْمَهُ عَلَى رَأْسِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ يُوَبِّخُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ وَيَكُونُ سَبَبًا لِإِهْلَاكِهِ .
يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ قَالَ : رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اُسْتُشْهِدَ
فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ : فَمَا عَمِلْت فِيهَا قَالَ : قَاتَلْت فِيك حَتَّى اُسْتُشْهِدْت قَالَ : كَذَبْت وَلَكِنَّك قَاتَلْت لِيُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ : ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ : فَمَا عَمِلْت فِيهَا قَالَ : تَعَلَّمْت الْعِلْمَ وَعَلَّمْته وَقَرَأْت فِيك الْقُرْآنَ قَالَ : كَذَبْت ، وَلَكِنَّك تَعَلَّمْت الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْت الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ : فَمَا عَمِلْت فِيهَا قَالَ : مَا تَرَكْت مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلَّا أَنْفَقْت فِيهَا لَك قَالَ : كَذَبْت وَلَكِنَّك فَعَلْت لِيُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيَّ ، وَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيمَنْ لَمْ يُرِدْ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ .
وَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رَقَائِقِهِ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَظْهَرُ هَذَا الدِّينُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْبِحَارَ وَحَتَّى تُخَاضَ الْبِحَارُ بِالْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ يَأْتِي أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَإِذَا قَرَءُوهُ قَالُوا : مَنْ
أَقْرَأُ مِنَّا مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ ، وَقَالَ : هَلْ تَرَوْنَ فِي أُوْلَئِكُمْ مِنْ خَيْرٍ قَالُوا : لَا قَالَ : أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَلَّمُهُ إلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ قَالَ : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهُ قَالَ الْقُرَّاءُ الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .
وَفِي كِتَابِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا إنَّ جَهَنَّمَ لَتَتَعَوَّذُ مِنْ شَرِّ ذَلِكَ الْوَادِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْوَادِي لَجُبًّا إنَّ جَهَنَّمَ ، وَذَلِكَ الْوَادِي لَيَتَعَوَّذَانِ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ ذَلِكَ الْجُبِّ ، وَإِنَّ فِي الْجُبِّ لَحَيَّةً إنَّ جَهَنَّمَ وَالْوَادِي وَالْجُبَّ لَيَتَعَوَّذُونَ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ تِلْكَ الْحَيَّةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَشْقِيَاءِ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ الَّذِينَ يَعْصُونَ اللَّهَ تَعَالَى انْتَهَى .
نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ فَانْظُرْ إلَى ذَلِكَ الْمَنْصِبِ الْعَظِيمِ وَالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا كَيْفَ رَجَعَتْ فِي حَقِّ هَذَا الْقَارِئِ الْمِسْكِينِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ وَالْمَسْكَنَةِ الْعُظْمَى بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ مِنْ حُبِّ الرِّيَاسَاتِ وَالْمَنَاصِبِ وَالْمُفَاخَرَةِ ؟
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ رَجَعَ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا ذُكِرَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ عُلَمَاءِ وَقْتِهِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى طَرَفٍ مِمَّا ذُكِرَ وَيُثْنَى عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ بِفَضِيلَةِ الْعِلْمِ يَقُولُ : نَاقِلٌ نَاقِلٌ خَوْفًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَنْصِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُنْسَبَ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذِبًا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ النَّاقِلَ لَيْسَ بِعَالِمٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ صَانِعٌ مِنْ الصُّنَّاعِ كَالْخَيَّاطِ وَالْحَدَّادِ وَالْقَصَّارِ هَذَا إذَا كَانَ نَقْلُهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَإِلَّا كَانَ دَجَّالًا فَيُسْتَعَاذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ هُوَ النَّقْلُ لَيْسَ إلَّا ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُلُوبِ .
وَمِنْ كِتَابِ سِيَرِ السَّلَفِ لِلْحَافِظِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْبَهَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ : رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ إنَّمَا الْعِلْمُ لِمَنْ اتَّبَعَ الْعِلْمَ وَاسْتَعْمَلَهُ وَاقْتَدَى بِالسُّنَنِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ انْتَهَى يُبَيِّنُ هَذَا وَيُوَضِّحُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَنْبَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ الْبَزَّارِ يَقُولُ : مَا أَظُنُّ الْقُرْآنَ إلَّا عَارِيَّةً فِي أَيْدِينَا ، وَذَلِكَ أَنَّا رَوَيْنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَفِظَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمَّا حَفِظَهَا نَحَرَ جَزُورًا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّ الْغُلَامَ فِي دَهْرِنَا هَذَا يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُعَلِّمِ فَيَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لَا يُسْقِطُ مِنْهُ حَرْفًا فَمَا أَحْسَبُ الْقُرْآنَ إلَّا عَارِيَّةً فِي أَيْدِينَا .
وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ فَيَكُونَ قَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطَائِلٍ .
، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : اعْلَمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ حَتَّى تَعْمَلُوا قَالَ : ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ قَوْلِ مُعَاذٍ وَفِيهِ زِيَادَةٌ أَنَّ الْعُلَمَاءَ هِمَّتُهُمْ الرِّعَايَةُ ، وَأَنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمْ الرِّوَايَةُ انْتَهَى نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهَذِهِ الْآثَارُ وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تُبَيِّنُ وَتُوَضِّحُ مُرَادَ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ نُورًا كَانَ بَعِيدًا مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا الْمَذْكُورَةُ هَنِيئًا لَهُ فَمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ
النُّورِ بَقِيَ إمَّا دَجَّالًا أَوْ لِصًّا يَكِيدُ الدِّينَ وَأَهْلَهُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ وَهَذَا الْبَحْثُ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ إذَا سَلِمَ طَالِبُ الْعِلْمِ مِنْ عِوَضٍ يَأْخُذُهُ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَعْلُومٌ يَطْلُبُهُ عَلَى عِلْمِهِ فَقَدْ زَادَ ذَمًّا عَلَى مَذْمُومَاتٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَلَوْ وَقَفَ أَمْرُنَا عَلَى هَذَا لَكَانَ ذَلِكَ رَحْمَةً بِنَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمَرْءُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا عِلْمُهُ يُرْجَى لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ عَلَى التَّرْكِ بَادَرَ إلَيْهِ وَتَابَ وَأَقْلَعَ وَرَجَعَ إلَى الْأَعْلَى وَالْأَكْمَلِ لَكِنَّا لَمْ نَقِفْ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ ، بَلْ زِدْنَا عَلَيْهِ الدَّاءَ الْمُضِرَّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ تَوْبَةٌ وَلَا اسْتِغْفَارٌ ، وَهُوَ أَنَّا نَرَى أَنْفُسَنَا فِي طَاعَةٍ وَخَيْرٍ ، وَأَنَّ وُقُوفَنَا عَلَى أَبْوَابِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنْ بَابِ مَا يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ بِحَسَبِ مَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا وَزَيَّنَ لَنَا الشَّيْطَانُ فَأَيُّ تَوْبَةٍ تَحْدُثُ مَعَ هَذَا الْحَالِ ؟ وَأَيُّ إقَالَةٍ تَقَعُ لِأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا تُرْجَى لِمَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ ؟ أَمَّا الطَّاعَةُ فَلَا يَتُوبُ أَحَدٌ مِنْهَا ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَكَلَّمَ فِي وَقْتِهِ عَلَى شَيْءٍ ظَهَرَ لَهُ أَقَلَّ مِنْ هَذَا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى مَوْتِ الْأَخْيَارِ وَالْبَقَاءِ مَعَ قَوْمٍ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ فَضِيحَةٍ وَلَا عَارٍ انْتَهَى .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا تَأْخُذُهُ عَلَى الْعِلْمِ مِنْ الْمَعْلُومِ نَقُولُ فِيهِ : إنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ فِي نَفْسِ طَلَبِهِ إنَّمَا هُوَ لِلَّهِ وَهَذَا كُلُّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ وَلَوْ قَطَعَ عَنَّا مَا نَأْخُذُهُ مِنْ الْمَعْلُومِ وَبَقِينَا عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ لَا نَبْرَحُ وَلَا نَفْتُرُ عَمَّا كُنَّا
بِصَدَدِهِ لَكَانَتْ دَعْوَانَا صَحِيحَةً وَلَكِنْ نَنْظُرُ إلَى أَنْفُسِنَا فَنَجِدُ الْوَاحِدَ مِنَّا إذَا قُطِعَ عَنْهُ الْمَعْلُومُ تَسَخَّطَ إذْ ذَاكَ وَيَقُولُ إذَا كَانَ مُبْتَدِئًا كَيْفَ يُقْطَعُ عَنِّي وَأَنَا قَدْ قَرَأْت الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ وَحَفِظْت كَذَا ؟ بَلْ لَا نَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى قَطْعِ الْمَعْلُومِ ، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِينَا مَعَ وُجُودِ الْمَعْلُومِ تَجِدُ الطَّالِبَ مِنَّا يَقُولُ : كَيْفَ يَأْخُذُ فُلَانٌ كَذَا وَأَنَا أَكْثَرُ بَحْثًا مِنْهُ وَأَكْثَرُ فَهْمًا وَأَكْثَرُ حِفْظًا لِلْكُتُبِ وَأَكْثَرُ نَقْلًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لَنَا الظَّاهِرَةِ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَّا ؟ ، بَلْ إذَا أَرَادَ الطَّالِبُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ أَنْ يَبْتَدِيَ الْقِرَاءَةَ يَبْتَدِيهِ بِهَذَا الِاسْمِ إنْ كَانَ هُوَ الطَّالِبُ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ وَلِيَّهُ فَكَذَلِكَ فَيَدْخُلُ أَوَّلًا بِنِيَّةِ أَنْ يَنْشَطَ فِي الْعِلْمِ وَيَظْهَرَ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ كِفَايَتُهُ وَحَتَّى يَحْصُلَ عَدَالَتُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَاصِبِ الَّتِي نَحْنُ عَامِلُونَ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْعِلْمُ لِلَّهِ مَعَ هَذَا الْحَالِ وَإِنْ كَانَ مُنْتَهِيًا تَجِدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَائِرِهِ التَّنَافُسَ عَلَى مَنَاصِبِ التَّدْرِيسِ وَالسَّعْيَ فِيهِ إلَى أَبْوَابِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ؟ .
وَالتَّدْرِيسُ بِالْمَعْلُومِ فِي الْغَالِبِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ هَؤُلَاءِ وَمُبَاشَرَتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَهُ طَرَفٌ مِنْ النُّورِ ؟ وَذَلِكَ بَعِيدٌ جِدًّا ثُمَّ إذَا قُطِعَ الْمَعْلُومُ تَسَخَّطَ إذْ ذَاكَ وَيَقُولُ : أَيُّ فَائِدَةٍ لِقُعُودِي وَيُبْطِلُونَ الْمَوَاضِعَ مِنْ الدُّرُوسِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَعْلُومُ فَإِذَا أَتَى الْمَعْلُومُ وَجَدْتنَا نَتَسَابَقُ إلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ وَنَهْرَعُ إلَيْهَا فَصَارَ حَالُنَا كَمَا قَالَ يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَصْبَحْنَا نَذُمُّ الدُّنْيَا بِالْأَلْسُنِ وَنَجُرُّهَا إلَيْنَا بِالْأَيَادِي وَالْأَرْجُلِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ هَذَا هُوَ حَالُ السَّالِمِ
مِنْ النِّيَّةِ السُّوءِ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ فِي الْمَعْنَى ، وَإِلَّا فَأَفْعَالُنَا الْغَالِبُ عَلَيْهَا هَذَا الْمَعْنَى أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْأَذَانِ وَمَا فِيهِ وَفِي فَضْلِ الْإِمَامَةِ وَمَا فِيهَا ، وَالْغَالِبُ عَلَى أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ لَهُ مَعْلُومٌ حِينَئِذٍ يُعْمَرُ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْلُومٌ تُرِكَ مُغْلَقًا حَتَّى يُخْرَبَ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ بِالْهَدْمِ وَالْبَيْعِ .
فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ وَمَيِّزْ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ حَالِ سَلَفِنَا فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ وَحَالِنَا فِي الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي هِيَ لِلْآخِرَةِ تَجِدُ إذْ ذَاكَ الْفَرْقَ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاحِدِ وَقِسْ عَلَى هَذَا وَانْظُرْ بِنَظَرِك أَيَّ شَبَهٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَخَذْنَا وَاَللَّهِ فِي الضِّدِّ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ مِنْ أَحْوَالِنَا وَأَحْوَالِ مَنْ تَقَدَّمَنَا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَقَاءَ فِي هَذَا سُخْفٌ فِي الْعَقْلِ وَحِرْمَانٌ بَيِّنٌ فَيَحْتَاجُ مَنْ لَهُ لُبٌّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتُوبَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ وَيَنْظُرَ بِعَيْنِ الْعِلْمِ فِيهَا وَيُصْلِحَهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ صَلَاحَهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِتَرْكِهَا بَلْ يَكُونُ بِتَرْكِهَا وَبِالْإِقَامَةِ فِيهَا هَذَا رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ فَرُبَّ شَخْصٍ لَا يُنَظِّفُهُ إلَّا التَّرْكُ ، وَآخَرُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّرْكِ ، بَلْ يُبَدِّلُ النِّيَّةَ وَيُحَسِّنُهَا وَيَسْتَقِيمُ حَالُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ أَخْذِ الدَّرْسِ فِي الْمَدَارِسِ فَيُلْتَمَسُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَعْنِي مَنْ هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ التَّرْكُ أَوْ غَيْرُهُ
إلَّا لِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ أَوْ مَنْ يُبَاشِرُهُ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ وَالتَّمْيِيزِ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا فِي غَالِبِ أَحْوَالِنَا إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَيْهَا سُوَيْدَاءُ الْقُلُوبِ إذْ أَنَّا نُصَلِّي كَمَا كَانُوا يُصَلُّونَ وَنَصُومُ كَمَا كَانُوا يَصُومُونَ وَنَحُجُّ كَمَا كَانُوا يَحُجُّونَ وَافْتَرَقْنَا لِأَجْلِ افْتِرَاقِ النِّيَّاتِ فَبَعْضُنَا يَكُونُ افْتِرَاقُهُ كَثِيرًا ، وَبَعْضُنَا يَكُونُ افْتِرَاقُهُ قَلِيلًا بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ .
فَمَنْ لَهُ عَقْلٌ يَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ حَالِهِ أَنْ يُصْلِحَ مَا وَقَعَ مِنْ الْخَلَلِ فِي نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ فَيُحَسِّنَ نِيَّتَهُ وَيُزِيلَ عَنْهَا الشَّوَائِبَ ثُمَّ يُنَمِّيهَا مَا اسْتَطَاعَ جَهْدُهُ وَيَلْجَأُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى مَوْلَاهُ وَيَسْتَغِيثُ بِهِ لَعَلَّهُ يَمُنُّ عَلَيْهِ وَيُلْحِقُهُ بِسَلَفِهِ .
وَكَيْفِيَّةُ الْمَأْخَذِ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ مُحَاوَلَةِ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى الْوُجُوبِ أَوْ إلَى النَّدْبِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : ( : لَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِأَحَبَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْته عَلَيْهِمْ ثُمَّ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَبْقَى تَصَرُّفُهُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ لِلَّهِ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ لِلَّهِ وَإِنْ نَظَرَ نَظَرَ لِلَّهِ وَإِنْ غَضَّ طَرْفَهُ غَضَّهُ لِلَّهِ وَإِنْ بَطَشَ بَطَشَ لِلَّهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : إنَّ الْفَقِيرَ حَالُهُ بَيْنَ الْبَاءِ وَالْأَلْفِ يَعْنِي أَنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ خَالِصَةٌ لِرَبِّهِ قَائِمًا فِيهَا بِهِ إذْ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا فَهُوَ بِهِ وَإِلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَمَلَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ قَوْلَ الْحَلَّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِ لِمَا قِيلَ : لَهُ أَيْنَ اللَّهُ قَالَ : فِي الْجُبَّةِ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْجُبَّةِ الَّتِي عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ تَصَرُّفٌ ، وَإِنَّمَا التَّصَرُّفُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ عَلَى مُقْتَضَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ بِسَبِيلِهِ فَأَفْتَى مَنْ يُشَارُ إلَيْهِ فِي وَقْتِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِقَتْلِهِ ؛ تَحَفُّظًا مِنْهُمْ عَلَى مَنْصِبِ الشَّرِيعَةِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ غَيْرُ مُحَقِّقٍ فَيَدَّعِي شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ وَيَجْعَلَ قُدْوَتَهُ فِي ذَلِكَ الْحَلَّاجَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ
.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ سَهْلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " مَنْ انْتَقَلَ مِنْ نَفَسٍ إلَى نَفَسٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَقَدْ ضَيَّعَ وَأَدْنَى مَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ ضَيَّعَ دُخُولُهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَتَرْكُهُ مَا يَعْنِيهِ ، وَقَدْ قَالُوا : إنَّ الذِّكْرَ عَلَى قِسْمَيْنِ : ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ وَذِكْرٌ بِالْقَلْبِ ، وَهُوَ مَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنْ النِّيَّاتِ وَمِنْ الْوُقُوفِ مَعَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَنُقِلَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِمَنْ هَذِهِ الدَّارُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ : مَا لِي وَهَذَا السُّؤَالُ وَهَلْ هَذِهِ إلَّا كَلِمَةٌ لَا تَعْنِينِي ؟ فَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَصُومَ سَنَةً كَامِلَةً كَفَّارَةً لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ ، وَسَبَبُ هَذَا الْوَاقِعِ مِنْهُ وُقُوفُهُ مَعَ نِيَّتِهِ وَالنَّظَرُ فِيهَا وَتَحْرِيرُهَا وَالِاهْتِمَامُ بِهَا فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ بِأَعْظَمَ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ فَيَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ لُبٌّ إنْ قَدَرَ أَنْ يَعْمَلَ الشَّيْءَ عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِ كَانَ أَوْلَى بِهِ إذْ أَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى رَبِّهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي الْفِعْلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَالْأَفْعَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحْكَامِ الشَّرْعِ خَمْسَةٌ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٌ فَالْحَرَامُ قَدْ تُرِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُرِّمَ وَالْمَكْرُوهُ مَا كَانَ فِي تَرْكِهِ أَجْرٌ فَلَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ تَرْكَ الْأَجْرِ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي دِينِهِ نَهَّابًا .
كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ يَنْهَبَانِ فِيك فَانْهَبْ فِيهِمَا فَهُوَ يَنْهَبُ فِي الْأَعْمَالِ يَفْتَرِسُهَا كَالْأَسَدِ عَلَى فَرِيسَتِهِ يَغْتَنِمُهَا وَيُحَصِّلُهَا ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَضَى عَنْهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ أَبَدًا ، وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَيْهِ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ لِأَجْلِ تَرْكِ الْأَجْرِ فِيهِ وَلِمَا جَاءَ فِي
الْحَدِيثِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَالَ : إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَلَا ، وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا ، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا ، وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الطَّرِيقِ فَالْمَكْرُوهُ عِنْدَهُمْ كَالْمُحَرَّمِ لَا سَبِيلَ إلَى ذِكْرِهِ فَضْلًا عَنْ فِعْلِهِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ وَسَمِعْته يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْحُكَمَاءِ قَالَ : مَا كُنْت لَاعِبًا لَا بُدَّ أَنْ تَلْعَبَ بِهِ فَلَا تَلْعَبَنَّ بِدِينِك .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَعْنَى فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُسَامِحَ أَحَدًا فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي مُسَامَحَتِهِ فِيهِ إثْمٌ وَإِنْ سَامَحَهُ فِي مَالِهِ أَوْ فِي عِرْضِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُصْبِحَ الرَّجُلُ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا فَيَدْعُوهُ إلَى الْفِطْرِ مِنْ صَنِيعٍ يَصْنَعُهُ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ : أَنَّهُ إنْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ لَيُفْطِرَن فَلْيُحَنِّثْهُ وَلَا يُفْطِرُ ، وَإِنْ حَلَفَ هُوَ فَلْيُكَفِّرْ وَلَا يُفْطِرُ وَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الْفِطْرِ فَلْيُطِعْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ رِقَّةً مِنْهُمَا عَلَيْهِ لِاسْتِدَامَةِ صَوْمِهِ انْتَهَى فَبَقِيَتْ الْأَفْعَالُ ثَلَاثَةً وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ فَالْمُبَاحُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ لَا فِي فِعْلِهِ ثَوَابٌ وَلَا فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيْهِ سَاعَةٌ إلَّا ، وَهُوَ فِيهَا طَائِعٌ لِرَبِّهِ مُمْتَثِلٌ أَمْرَهُ ، وَالسَّاعَةُ الَّتِي يَفْعَلُ فِيهَا الْمُبَاحَ يَكُونُ عَرِيًّا عَنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ لَا
يَنْبَغِي .
أَمَّا أَهْلُ الطَّرِيقِ فَالتَّصَرُّفُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُبَاحِ لَا يُمْكِنُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ إنَّمَا يَكُونُ فِي وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ نَظَرْنَا إلَى الْمُبَاحِ فَوَجَدْنَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَنْتَقِلُ إلَى النَّدْبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَبَقِيَتْ الْأَفْعَالُ فِعْلَيْنِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ لَيْسَ إلَّا ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَعْظَمُ أَجْرًا فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ نَظَرْنَا إلَى الْمَنْدُوبِ هَلْ يُمْكِنُ نَقْلُهُ إلَى الْوَاجِبِ أَمْ لَا ؟ فَوَجَدْنَاهُ يَنْتَقِلُ إلَى أَكْثَرِ الْأَعْمَالِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَبَقِيَ التَّصَرُّفُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْوَاجِبُ أَعْنِي فِي غَالِبِ الْحَالِ وَالْمَنْدُوبُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ .
فَصْلٌ فِي الْهُبُوبِ مِنْ النَّوْمِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالتَّصَرُّفِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَإِنْ انْتَبَهَ الْإِنْسَانُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَامَ مِنْ فِرَاشِهِ يَلْبَسُ ثَوْبَهُ فَإِنَّ اللِّبْسَ مِنْ جِهَةِ الْمُبَاحِ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ يَلْبَسُهُ بِنِيَّةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ ثُمَّ لَا يَخْلُو الثَّوْبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُتَزَيَّنُ بِهِ أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ضَمَّ إلَى نِيَّةِ الْوَاجِبِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي إظْهَارِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ .
فَيَنْوِي بِذَلِكَ مُبَادَرَتَهُ إلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مِمَّا لَا يُتَزَيَّنُ بِهِ فَيَنْوِي بِلُبْسِهِ التَّوَاضُعَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالِانْكِسَارَ وَالتَّذَلُّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِظْهَارَ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ إلَيْهِ وَامْتِثَالَ السُّنَّةِ أَيْضًا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْيَاقُوتِ أَوْ كَمَا قَالَ .
وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : مَنْ تَرَكَ لُبْسَ جَمَالٍ ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَالَ بِشْرٌ أَحْسِبُهُ قَالَ : تَوَاضُعًا كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ هَذَا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ اتِّسَاعٌ وَتَرَكَ اللِّبَاسَ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ .
أَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ الثَّوْبِ فَقَدْ بَقِيَ عَلَى الْوُجُوبِ لَيْسَ إلَّا لَكِنْ يَضُمُّ إلَى نِيَّةِ الْوُجُوبِ الرِّضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَتَرْكَ الِاخْتِيَارِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّسْلِيمَ لَهُ فِي حُكْمِهِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ أَجْرًا إذَا أَحْسَنَتْ نِيَّتُهُ فِيمَا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّهُ مَقَامُ الرِّضَى ، وَمَقَامُ الرِّضَى عَزِيزٌ جِدًّا لَا يَقُومُ فِيهِ إلَّا وَاحِدُ
عَصْرِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى ثِيَابٍ كَثِيرَةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا يَلْبَسُهَا لِأَجْلِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيَنْوِي بِذَلِكَ دَفْعَ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ عَنْهُ مُمْتَثِلًا فِي ذَلِكَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالِاضْطِرَارَ فِي لُبْسِهِ مَعَ اعْتِقَادِ النِّيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْفَعُ الْحَرَّ أَوْ الْبَرْدَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ حَكَى بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ قَاعِدًا لِأَجْلِ الدَّرْسِ ، وَإِذَا بِهِ قَدْ أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ ثَوْبَهُ وَأَوْمَأَ لِذَلِكَ وَتَحَرَّكَ إلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَجَعَلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : حَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ إلَى ثَوْبِي فَوَجَدْتنِي قَدْ لَبِسْته مَقْلُوبًا فَعَزَمْت عَلَى تَعْدِيلِهِ ثُمَّ إنِّي فَكَّرْت أَنِّي كُنْت لَبِسْته حِينَ قُمْت مِنْ الْفِرَاشِ بِنِيَّةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَاسْتَغْفَرْت اللَّهَ تَعَالَى مِمَّا أَرَدْت فِعْلَهُ أَوْ كَمَا قَالَ ، وَهَذَا السَّيِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَمْ تَخْلُصْ لَهُ النِّيَّةُ بِحَضْرَةِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ خَلَصَتْ وَخَافَ أَنْ يَشُوبَهَا شَيْءٌ مَا لِأَجْلِ حُضُورِهِمْ فَتَرَكَهُ أَلْبَتَّةَ أَوْ أَرَادَ بِتَرْكِ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ مِمَّا أَرَادَ فِعْلَهُ تَعْلِيمَ الطَّلَبَةِ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ فِي الْأَفْعَالِ كُلِّهَا فَيَكُونُ لُبْسُ الثَّوْبِ مِنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى بَقَائِهَا ، وَإِلَّا لَوْ حَوَّلَهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَعَدَّلَهُ بِنِيَّةِ إكْمَالِ الزِّينَةِ وَإِظْهَارِ النِّعَمِ عَلَى تَرْتِيبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُضَادًّا لِنِيَّتِهِ الْأُولَى لَكِنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ أَخَذَتْ بِالْجِدِّ وَالْحَزْمِ فَمَهْمَا وَقَعَ لَهُمْ شَيْءٌ مَا مِنْ الشَّوَائِبِ أَوْ تَوَهَّمُوهَا بِطَرْفٍ مَا تَرَكُوا الْفِعْلَ أَلْبَتَّةَ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَرَّ بِالْفُرَاتِ وَفِيهِ مَرْكَبٌ مَوْسُوقٌ خَمْرًا ، وَكَانَ
صَاحِبُ الْخَمْرِ مِنْ الظَّلَمَةِ الْمُسَلَّطِينَ عَلَى الْخَلْقِ فِي وَقْتِهِ لَا يُطَاقُ لِشِدَّةِ سَطْوَتِهِ فَطَلَعَ الْمَرْكَبَ وَكَسَرَ مَا هُنَاكَ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَتَعَرَّضُ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْسِيرِ جَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَقَفَ عِنْدَهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَرَكَهَا يَعْنِي لَمْ يَكْسِرْهَا ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ وَمَضَى لِسَبِيلِهِ .
فَلَمَّا أَنْ أَخْبَرُوا الظَّالِمَ بِقِصَّتِهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ فَأُحْضِرَ فَقَالَ : لَهُ مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت فَقَالَ عَمِلْت مَا خَطَرَ لِي فَاعْمَلْ مَا خَطَرَ لَك فَقَالَ لَهُ الظَّالِمُ : فَلِأَيِّ شَيْءٍ تَرَكْت الْجَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لَمْ تَكْسِرْهَا وَكَسَرْت الْجَمِيعَ ؟ فَقَالَ : ذَلِكَ لِأَنِّي لَمَّا أَنْ رَأَيْت الْمُنْكَرَ لَمْ أَتَمَالَك إلَّا أَنْ أُغَيِّرَهُ فَفَعَلْت فَكَانَ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ لَمَّا أَنْ بَقِيَتْ تِلْكَ الْجَرَّةُ خَطَرَ لِي فِي نَفْسِي أَنِّي مِمَّنْ يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ فَرَأَيْت أَنْ قَدْ حَصَلَ لَهَا فِي ذَلِكَ دَعْوَى فَخِفْت أَنْ يَكُونَ كَسْرُ مَا بَقِيَ فِيهِ حَظٌّ لِنَفْسِي فَتَرَكْتهَا وَانْصَرَفْت لِأَسْلَمَ مِنْ آفَاتِهَا أَوْ كَمَا قَالَ فَرَدَّ الظَّالِمُ رَأْسَهُ إلَى خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ لَا يَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا مُعَامَلَةٌ يَفْعَلُ مَا يَخْتَارُ السَّلَامَةَ السَّلَامَةَ أَوْ كَمَا قَالَ : فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ شِدَّةَ مُلَاحَظَتِهِمْ لِنِيَّاتِهِمْ وَإِخْلَاصَهَا وَتَحْرِيرَهَا وَتَحْرِيمَ رَفْعِ الشَّوَائِبِ عَنْهَا وَتَرْكِ الدَّعَاوَى وَالْمُبَاهَاةِ لَا جَرَمَ أَنَّ الظَّالِمَ كَانَ لَا يُطَاقُ رَجَعَ لِأَجْلِ بَرَكَةِ مَا ذَكَرَ مِنْ حَالِهِ خَائِفًا مِنْهُ فَزِعًا وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ تَعَالَى وَسُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِمْ وَاحِدَةٌ لَا يَخْذُلُهُمْ وَلَا يَتْرُكُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتْرَكُ لِنَفْسِهِ مَنْ كَانَ مَعَهَا وَلَوْ فِي وَقْتٍ مَا .
أَمَّا مَنْ كَانَ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَدْ بَتَّ طَلَاقَ نَفْسِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ أَمْرَ هَذَا لَا يُطَاقُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْطِقُ عَنْ
رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَرِيًّا عَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ مُقْبِلًا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ وَيَعْنِيهِ مُعْرِضًا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ جَاءَ مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : لَوْ كَادَتْهُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ لَجَعَلْت لَهُ مِنْ أَمْرِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا .
وَمَنْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي دُنْيَاهُ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَكَرَامَتُهُ حِينَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ ؟ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ وَهَذَا الْخَيْرُ كُلُّهُ أَصْلُهُ النِّيَّةُ وَتَحْرِيرُهَا وَالْوُقُوفُ مَعَهَا وَالِاهْتِمَامُ بِهَا فَكَيْفَ يُغْفَلُ عَنْهَا أَوْ تُتْرَكُ أَوْ يَرْضَى عَاقِلٌ أَنْ يَتْرُكَ لِنَفْسِهِ تَذَكُّرَهَا ؟ هَذَا غَيْرُ كَامِلِ الْعَقْلِ ضَرُورَةً نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ فَحَصَلَ لَنَا فِي لُبْسِ الثَّوْبِ مِنْ النِّيَّاتِ سَبْعَ عَشْرَةَ نِيَّةً .
وَمَنْ نَظَرَ وَأَعْطَاهُ اللَّهُ نُورًا ازْدَادَ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِيهِ فَإِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ عَلَى مَا ذُكِرَ يَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ أَوْ يُزِيلَ حُقْنَةً وَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا فَإِذَا دَخَلَ لِرَاحَةِ نَفْسِهِ فَلَهُ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ وَإِنْ دَخَلَ سَاهِيًا أَوْ غَافِلًا فَكَالْأَوَّلِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَفْعَالَ قَدْ بَقِيَتْ عَلَى قِسْمَيْنِ : وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ .
وَهَذَا عَلَى الْوُجُوبِ لَا شَكَّ فِيهِ وَمَنْ فَعَلَ الْوَاجِبَ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
بَيَانُ وُجُوبِهِ مَا وَقَعَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَاجِبٌ أَعْنِي اسْتِفْرَاغَ مَا فِي الْمَحَلِّ مِنْ مَادَّةِ الْبَوْلِ وَكَذَلِكَ إزَالَةُ الْحُقْنَةِ أَيْضًا وَاجِبَةٌ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ يَقُولُ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ ، وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ .
وَهَذَا نَهْيٌ ، وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَلَا تَقْرَبُوا انْتَهَى وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَالصَّلَاةُ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُهَا عَلَى مَا تَقَرَّرَ إلَّا بِإِزَالَةِ الْحُقْنَةِ فَصَارَتْ إزَالَتُهَا وَاجِبَةً فَإِذَا قَامَ إلَى هَذَا الْوَاجِبِ يَفْعَلُهُ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى نِيَّةِ هَذَا الْوَاجِبِ لَيْسَ إلَّا ، بَلْ يُضِيفُ إلَيْهَا نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ آدَابَ التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَهِيَ تَنُوفُ عَلَى سَبْعِينَ خَصْلَةً يَحْتَاجُ مَنْ قَامَ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِهَا ، وَهِيَ كُلُّهَا مَاشِيَةٌ عَلَى قَانُونِ الِاتِّبَاعِ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ .
الْأُولَى : الْإِبْعَادُ حَتَّى لَا يُرَى لَهُ شَخْصٌ وَلَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ .
الثَّانِيَةُ : الِاسْتِعْدَادُ لِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِيَسِيرٍ مِنْ الْمَاءِ وَالْأَحْجَارِ .
الثَّالِثَةُ : أَنْ يُقَدِّمَ الشِّمَالَ وَيُؤَخِّرَ الْيَمِينَ .
الرَّابِعَةُ
: إذَا خَرَجَ فَلْيُقَدِّمْ الْيَمِينَ أَوَّلًا وَيُؤَخِّرْ الشِّمَالَ .
الْخَامِسَةُ : أَنْ يَتَعَوَّذَ التَّعَوُّذَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الدُّخُولِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ النَّجِسِ الرِّجْسِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .
السَّادِسَةُ : أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إذْ ذَاكَ .
السَّابِعَةُ : أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَهَا إلَّا فِي الْمَنَازِلِ الْمَبْنِيَّةِ فَلَا بَأْسَ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي سَطْحٍ فَأُجِيزَ وَكُرِهَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ هَلْ النَّهْيُ إكْرَامًا لِلْقِبْلَةِ فَيُكْرَهُ أَوْ إكْرَامًا لِلْمَلَائِكَةِ فَيَجُوزُ ؟ وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ إنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ فَيَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّطْحِ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ .
الثَّامِنَةُ : أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِعَوْرَتِهِ فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُمَا يَلْعَنَانِهِ .
التَّاسِعَةُ : أَنْ يَسْتَتِرَ عِنْدَ التَّبَرُّزِ .
الْعَاشِرَةُ : أَنْ يَتَوَقَّى مَسَالِكَ الطُّرُقِ .
الْحَادِيَةَ عَشَرَ : أَنْ يَتَوَقَّى مَهَابَّ الرِّيَاحِ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَقَّى الْبَوْلَ فِي الْمَرَاحِيضِ الَّتِي فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُشْبِهُهَا فِيمَا كَانَ مِنْهَا فِي الرَّبُوعَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ السَّرَابَ مُتَّسَعًا جِدًّا وَالْمَرَاحِيضُ الَّتِي لِلرَّبْعِ كُلُّهَا نَافِذَةٌ إلَيْهِ فَيَتَّسِعُ فِيهِ الْهَوَاءُ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ إلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْمَرَاحِيضِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْأُخْرَى وَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا مَوْضِعَ مَهَابِّ الرِّيَاحِ ، فَمَنْ يَبُولُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبُولَ فِي وِعَاءٍ ثُمَّ يُفَرِّغُهُ فِي الْمِرْحَاضِ فَيَسْلَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
الثَّانِيَةَ عَشَرَ : أَنْ يَتَوَقَّى مَا عَلَا مِنْ الْأَرْضِ .
الثَّالِثَةَ عَشَرَ : أَنْ يُبَالِغَ فِي أَكْثَرِ مَا يَجِدُ مِنْ الْأَرْضِ انْخِفَاضًا وَمِنْهُ سُمِّيَ الْغَائِطُ غَائِطًا
؛ لِأَنَّ الْغَائِطَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ مِنْ الْأَرْضِ فَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا ذَهَبَ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ قِيلَ : ذَهَبَ لِلْغَائِطِ أَيْ : الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَسَمَّوْا الْخَارِجَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ تَنْزِيهًا لِأَسْمَاعِهَا عَمَّا تَنَزَّهَ عَنْهُ أَبْصَارُهَا وَكَانَتْ تَنْظُرُ إلَى الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ مِنْ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي السَّتْرِ وَأَأْمَنُ مِنْ مَهَابِّ الرِّيَاحِ .
الرَّابِعَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَقْعُدَ حَتَّى يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا .
الْخَامِسَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَكْشِفَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ .
السَّادِسَةَ عَشَرَ : إذَا قَعَدَ لَا يَلْتَفِتْ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا .
السَّابِعَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ .
الثَّامِنَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى عَوْرَتِهِ .
التَّاسِعَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا وَكَذَلِكَ فِي النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ أَيْضًا .
الْعِشْرُونَ : أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ إذْ ذَاكَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجِمَاعِ .
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : تَرْكُ الْكَلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ ذِكْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَعِيذَ عِنْدَ الِارْتِيَاعِ وَيَجِبُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فِي أَمْرٍ يَقَعُ مِثْلِ حَرِيقٍ أَوْ أَعْمَى يَقَعُ أَوْ دَابَّةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : لَا يُسَلِّمُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ .
الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : أَنْ يُقِيمَ عُرْقُوبَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهَا .
الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَسْتَوْطِئَ الْيُسْرَى .
الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : أَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَسْرَعُ لِخُرُوجِ الْحَدَثِ .
السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ إلَى أَسْفَلَ خَوْفًا مِنْ الرِّيحِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ .
السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : يُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي الْمَوَاضِعِ
الْمُنْحَدِرَةِ إذَا كَانَ هُوَ مِنْ أَسْفَلَ ؛ لِأَنَّ بَوْلَهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ .
الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : اُخْتُلِفَ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا فَأُجِيزَ وَكُرِهَ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ وَكَانَ الْمَوْضِعُ رَخْوًا فَإِنَّهُ يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ وَجَعِ الصُّلْبِ ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلُوا مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا .
التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : يَبْتَدِي بِغَسْلِ قُبُلِهِ قَبْلَ دُبُرِهِ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ عِنْدَ غَسْلِ دُبُرِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَنَظَّفُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ فَلَا فَائِدَةَ لِغَسْلِهِ أَوَّلًا ، بَلْ يَغْسِلُ الدُّبُرَ وَيَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَةِ أَنْ تُصِيبَ بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ .
الثَّلَاثُونَ : يَغْسِلُ يَدَهُ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ عِنْدَ الْفَرَاغِ فَهُوَ أَنْظَفُ .
الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا .
الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : لَا يَسْتَنْجِي فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ .
الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : لَا يَسْلُتُ ذَكَرَهُ إلَّا بِرِفْقٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ كَالضَّرْعِ كُلَّمَا تَسْلُتُهُ يُعْطِي الْمَادَّةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا ؛ لِعَدَمِ التَّنْظِيفِ .
الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : يُفَرِّجُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ عِنْدَ الْبَوْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَالْإِسْهَالِ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ .
الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنْ لَا يَعْبَثَ بِيَدِهِ .
السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى السَّمَاءِ .
السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : إذَا رَجَعَ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّغَنِيهِ طَيِّبًا وَأَخْرَجَهُ عَنِّي خَبِيثًا .
الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَحْجَارِ وَالْمَاءِ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَطْيَبُ لِلنَّفْسِ .
التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ الْيُسْرَى قَبْلَ أَنْ يُبَاشِرَ النَّجَاسَةَ
بِيَدِهِ لِئَلَّا تَعْلَقَ بِهَا الرَّائِحَةُ .
الْأَرْبَعُونَ : إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحْجَارٌ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فَلَا يَتْرُكُ الِاسْتِجْمَارَ بِالْكُلِّيَّةِ ، بَلْ يَسْتَجْمِرُ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى أَوَّلًا بَعْدَ غَسْلِهَا فَيَسْمَحُ بِهَا الْمَسْرُبَةَ وَمَوْضِعَ النَّجَاسَةِ عَلَى سُنَّةِ الِاسْتِجْمَارِ وَمَا لِلنَّاسِ فِيهِ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَالِاخْتِيَارَاتِ ثُمَّ يَغْسِلُهَا مِمَّا تَعَلَّقَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ بِهَا أَيْضًا إلَى أَنْ يُنَقِّيَ فَإِذَا أَنْقَى طَلَبَ الْوِتْرَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ السَّبْعَ فَإِنْ جَاوَزَهَا سَقَطَ عَنْهُ طَلَبُ الْوِتْرِ .
الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : إذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ فَلْيَكُنْ الْإِنَاءُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى يَسْكُبُ بِهَا الْمَاءَ وَيَدُهُ الْيُسْرَى عَلَى الْمَحَلِّ يَعْرُكُهُ وَيُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ وَيُبَالِغُ فِي التَّنْظِيفِ خِيفَةَ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْفَضَلَاتِ فَيُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ وَعَذَابُ الْقَبْرِ مِنْ هَذَا الْبَابِ .
الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ لَا يَتَغَوَّطَ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ .
الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ لَا يَتَغَوَّطَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ .
الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ تَحْتَ ظِلِّ حَائِطٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَلَاعِنُ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : : اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ انْتَهَى ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ كُلَّهَا هِيَ لِرَاحَةِ النَّاسِ فِي الْغَالِبِ إذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يَسْتَرِيحَ يَطْلُبُ ظِلًّا أَوْ يَرِدَ النَّهْرَ لِلْمَاءِ فَيَجِدُ مَا يَجْعَلُ هُنَاكَ فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ فَعَلَ هَذَا .
السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ يَتَجَنَّبَ الْبَوْلَ فِي كُوَّةٍ فِي الْأَرْضِ إذَا لَاقَاهَا بِعَيْنِ الذَّكَرِ وَاخْتُلِفَ إذَا بَعُدَ عَنْهَا فَوَصَلَ بَوْلُهُ إلَيْهَا فَيُكْرَهُ خِيفَةً مِنْ حَشَرَاتٍ تَنْبَعِثُ عَلَيْهِ مِنْ الْكُوَّةِ وَقِيلَ يُبَاحُ لِبُعْدِهِ مِنْ الْحَشَرَاتِ إنْ كَانَتْ فِيهَا .
السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ يَتَجَنَّبَ بِيَعَ الْيَهُودِ .
الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ يَتَجَنَّبَ كَنَائِسَ النَّصَارَى سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِنَا كَمَا نُهِيَ عَنْ سَبِّ الْآلِهَةِ الْمَدْعُوَّةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِئَلَّا يَسُبُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ .
التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْأَوَانِي النَّفِيسَةِ لِلسَّرَفِ وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ فِي أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِتَحْرِيمِ اتِّخَاذِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا .
الْخَمْسُونَ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي مَخَازِنِ الْغَلَّةِ .
الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الدُّورِ الْمَسْكُونَةِ الَّتِي قَدْ خَرِبَتْ لِلْأَذَى .
الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : يَسْتَرْخِي قَلِيلًا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ اسْتَرْخَى مِنْهُ ذَلِكَ الْعُضْوُ فَيَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ يَغْسِلْهُ عَلَى ظَاهِرِ بَدَنِهِ فَيُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ .
الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ : يَحْذَرُ أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ فَإِنَّهُ مِنْ فِعَالِ أَشْرَارِ النَّاسِ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : يَتَفَقَّدُ نَفْسَهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَيَعْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فَرُبَّ شَخْصٍ يَحْصُلُ لَهُ التَّنْظِيفُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ عَنْهُ وَآخَرُ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ وَيَقْعُدَ ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي أَمْزِجَتِهِمْ وَفِي مَآكِلِهِمْ وَاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَعْهَدُ مِنْ نَفْسِهِ عَادَةً فَيَعْمَلُ عَلَيْهَا فَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ يَتَوَسْوَسَ فِي طَهَارَتِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى مَا يَظْهَرُ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ حَالِ مِزَاجِهِ وَغِذَائِهِ وَزَمَانِهِ فَلَيْسَ الشَّيْخُ كَالشَّابِّ ، وَلَيْسَ مَنْ أَكَلَ الْبِطِّيخَ كَمَنْ أَكَلَ الْجُبْنَ وَلَيْسَ الْحَرُّ كَالْبَرْدِ .
الْخَامِسَةُ
وَالْخَمْسُونَ : إذَا قَامَ لِلِاسْتِبْرَاءِ فَلَا يَخْرُجُ بَيْنَ النَّاسِ وَذَكَرُهُ فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ ثَوْبِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ شَوْهٌ وَمُثْلَةٌ ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ ، وَهَذَا قَدْ نُهِيَ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ضَرُورَةٌ فِي الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ إذْ ذَاكَ فَلْيَجْعَلْ عَلَى فَرْجِهِ خِرْقَةً يَشُدُّهَا عَلَيْهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَإِذَا رَجَعَ مِنْ ضَرُورَتِهِ تَنَظَّفَ إذْ ذَاكَ .
السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ : يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ نَتْفِ إبِطٍ أَوْ غَيْرِهِ لِئَلَّا يُبْطِئَ فِي خُرُوجِ الْحَدَثِ ، وَالْمَقْصُودُ الْإِسْرَاعُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ " إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا يَسَّرَ عَلَيْهِ الطَّهَارَةَ " .
السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : لَا يَسْتَجْمِرُ فِي حَائِطِ مَسْجِدٍ ؛ لِحُرْمَتِهِ وَلَا فِي حَائِطٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَلَا فِي حَائِطِ وَقْفٍ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ ، وَهُوَ فِي حَوْزِ مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ وَكَثِيرًا مَا يُتَسَاهَلُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سِيَّمَا فِيمَا سُبِّلَ لِلْوُضُوءِ فَتَجِدُ الْحِيطَانَ فِي غَايَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْقَذَرِ لِأَجْلِ اسْتِجْمَارِهِمْ فِيهَا ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ .
الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ : يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَجْمِرَ فِي حَائِطِ مِلْكَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَطَرُ أَوْ يُصِيبُهُ بَلَلٌ مِنْ الْمَاءِ وَيَلْتَصِقُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ إلَيْهِ فَتُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ فَيُصَلِّي بِهَا .
وَوَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَائِطِ حَيَوَانٌ فَيَتَأَذَّى بِهِ ، وَقَدْ رَأَيْت عِيَانًا بَعْضَ النَّاسِ اسْتَجْمَرَ فِي حَائِطٍ فَلَسَعَتْهُ عَقْرَبٌ كَانَتْ هُنَاكَ عَلَى رَأْسِ ذَكَرِهِ وَرَأَى مِنْ ذَلِكَ شِدَّةً عَظِيمَةً .
التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : لَا يَسْتَجْمِرُ بِفَحْمٍ ؛ لِأَنَّهُ يُلَوِّثُ الْمَحَلَّ وَلَا بِعَظْمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَقِّي
وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ ؛ لِأَنَّهُ زَادُ إخْوَانِنَا مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ وَلَا بِزُجَاجٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَقِّي ، وَهُوَ مُؤْذٍ وَلَا بِرَوْثٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الدَّعْكِ وَلَا يُنَظِّفُ وَيَتَفَتَّتُ ، وَهُوَ زَادُ دَوَابِّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ وَلَا بِنَجَسٍ ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُهُ تَنْجِيسًا وَلَا بِمَائِعٍ ؛ لِأَنَّهُ يُلَطِّخُ الْمَحَلَّ وَيَزِيدُهُ تَلْوِيثًا وَلَا بِطَعَامٍ لِحُرْمَتِهِ وَلَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ زَبَرْجَدٍ أَوْ يَاقُوتٍ لِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا بِثَوْبٍ حَرِيرٍ وَلَا بِثَوْبٍ رَفِيعٍ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَرَفٌ وَيَسْتَجْمِرُ بِمَا عَدَا مَا ذُكِرَ .
وَقَدْ حَدَّ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِهَذَا حَدًّا يَجْمَعُ كُلَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ آلَاتِ الِاسْتِجْمَارِ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ فَقَالُوا : يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ جَامِدٍ طَاهِرٍ مُنَقٍّ قَلَّاعٍ لِلْأَثَرِ غَيْرِ مُؤْذٍ لَيْسَ بِذِي حُرْمَةٍ وَلَا سَرَفٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ ، وَهُوَ ضَابِطٌ جَيِّدٌ انْتَهَى وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ أَنْ يَعْتَبِرَ إذْ ذَاكَ فِي الْخَارِجِ وَفِي نَتِنِهِ وَقَذَرِهِ فَإِنَّ نَفْسَهُ تَعَافُهُ وَيَعْلَمُ وَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ بِنَفْسِهِ كَذَلِكَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ يُطْرَحُ قَذَرًا مُنْتِنًا تَعَافُهُ نَفْسُ كُلِّ مَنْ يَرَاهُ ، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَمُوتُ فَإِذَا دُفِنَ فِي قَبْرِهِ تَدَوَّدَ فَأَكَلَتْهُ الدِّيدَانُ فَإِذَا أَكَلَتْهُ الدِّيدَانُ رَمَتْهُ مِنْ جَوْفِهَا قَذِرًا مُنْتِنًا ، وَيُعْلَمُ أَنَّ ثَمَّ قَوْمًا لَا يُدَوِّدُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَلَا تَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ الْمُحْتَسِبُونَ .
فَالْمَقَامُ الْأَوَّلُ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إذْ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ طُوِيَ بِسَاطُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَتْ الْمَقَامَاتُ الثَّلَاثُ فَيُنْظَرُ مَا فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ فَيَعْمَلُ عَلَيْهِ لِيَسْلَمَ بِهِ مِنْ
هَذَا الْقَذَرِ وَالنَّتِنِ إنْ كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ سَنِيَّةٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ يُعَايِنُ مَا يُصَارُ إلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي حَالِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ ، وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَنَا حَتَّى يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مَا هُوَ إلَيْهِ صَائِرٌ وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ لُبٌّ نَظَرَ إلَى أَوَّلِهِ فَوَجَدَهُ نُطْفَةً كَمَا عَايَنَ وَنَظَرَ إلَى آخِرِهِ فَوَجَدَهُ كَمَا رَأَى كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِلَى وَسَطِهِ فَوَجَدَهُ حَامِلًا مَا يَرَاهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَخْرُجُ مِنْهُ وَيُعَايِنُهُ فَأَيُّ دَعْوَى تَبْقَى مَعَ هَذَا الْحَالِ ؟ وَأَيُّ نَفْسٍ تَشْمَخُ وَلَوْ كَانَ ثَمَّ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْفَيْضُ الرَّبَّانِيُّ وَالْفَضْلُ الْعَظِيمُ فَيَسْتُرُ الْقَبِيحَ وَيُظْهِرُ الْجَمِيلَ وَيَسْتُرُ الْعَوْرَاتِ وَيُؤْمِنُ الرَّوْعَاتِ ، وَإِلَّا فَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِكُلِّ رَذِيلَةٍ وَنَقِيصَةٍ كَمَا تَرَى .
هَذَا وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَنْظُرَ وَيَعْتَبِرَ فِيمَا انْفَصَلَ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا طَيِّبَ الْمَذَاقِ شَهِيًّا لِلنُّفُوسِ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِعِوَضٍ وَالْعِوَضُ فِي الْغَالِبِ قَدْ جَرَتْ الْحِكْمَةُ بِأَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمُكَابَدَةٍ وَتَعَبٍ فِي الْغَالِبِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ فَهُوَ عَزِيزٌ إذَا يَسَّرَ اللَّهُ أَسْبَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ مَنَعَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِهِ الْجَارِيَةِ عَلَى حِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَمَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِ ثُمَّ ، مَعَ هَذِهِ الْعِزَّةِ الَّتِي لَهُ وَالطَّهَارَةِ الَّتِي لَدَيْهِ إذَا خَالَطْنَا قَلِيلًا سُلِبَتْ طَهَارَتُهُ وَذَهَبَ عِزُّهُ وَصَارَ مُنْتِنًا قَذِرًا يُتَحَامَى عَنْهُ وَيَتَوَلَّى الْوَجْهُ مِنْهُ ، فَهَذَا كَانَ سَبَبُهُ خُلْطَتَهُ لَنَا وَمُمَازَجَتَهُ بِنَا ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِهِ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى فَلْيَنْظُرْ الْإِنْسَانُ إلَى
طَعَامِهِ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ذَهَبَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ إلَى طَعَامِهِ إذَا صَارَ رَجِيعًا لِيَتَأَمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عَاقِبَةُ الدُّنْيَا ، وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَانَى أَهْلُهَا .
وَهَذَا نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَحْدَثَ فَإِنَّ مَلَكًا يَأْخُذُ بِنَاصِيَتِهِ عِنْدَ فَرَاغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلَى نَحْرِهِ مُوقِفًا لَهُ وَمُعْجِبًا فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ عَقْلٌ انْتَهَى ثُمَّ إنَّهُ لَمْ نَجِدْ هَذَا فِي الطَّعَامِ وَحْدَهُ ، بَلْ فِي كُلِّ مَا نُبَاشِرُهُ إنْ لَبِسْنَا ثَوْبًا جَدِيدًا فَعَنْ قَلِيلٍ يَتَوَسَّخُ وَيَتَقَذَّرُ وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَمَزَّقُ وَيَخْلَقُ وَإِنْ مَسَّنَا طِيبًا فَعَنْ قَلِيلٍ تَذْهَبُ رَائِحَتُهُ وَيُسْتَقْذَرُ وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ فَنَتَجَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْتَبِرُ إذْ ذَاكَ وَيَأْخُذُ نَفْسَهُ فِي الْأَدَبِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : الْهَرَبُ مِنْ خِلْطَةِ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ آثَارِ هَذِهِ الْخِلْطَةِ لِغَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا صَارَ الطَّعَامُ فِي جَوْفِهِ هُوَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ إذَا خَالَطَهُ أَحَدٌ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي دِينِهِ أَوْ يَنْفَعُهُ هُوَ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدًا مِنْهُمْ بِسَبَبِ خِلْطَتِهِ كَمَا يَتَغَيَّرُ كُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا ذُكِرَ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ فِي طَبْعِهِ وَمِزَاجِهِ أَعْنِي التَّغْيِيرَ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك ، وَهَذَانِ وَجْهَانِ عَظِيمَانِ فِي السُّلُوكِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ مَعَ الْفَوَائِدِ الْمَاضِيَةِ كُلِّهَا فَهَذِهِ جُمْلَةُ عِبَادَاتٍ كَثِيرَةٍ وَهِيَ عِنْدَنَا عَلَى طَرِيقِ الرَّاحَةِ وَالْإِبَاحَةِ شَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا فَتَحْصُلُ لَنَا مِنْ النِّيَّاتِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ ، وَهَذِهِ الْآدَابُ مِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِالْحَضَرِ وَمِنْهَا مَا هُوَ
مُشْتَرَكٌ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَهُوَ الْغَالِبُ فِيهَا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَيِّنٌ لَا يَحْتَاجُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَعْنِي مَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ أَوْ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِيهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ وَإِزَالَةِ الْحَقْنَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَرَّ يَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَيُفَرِّغُ قَلْبَهُ وَذِهْنَهُ لِذَلِكَ وَيَنْشَطُ إلَيْهِ وَيَمُرُّ بِبَالِهِ الطَّهَارَةُ لِمَاذَا وَلِأَيِّ شَيْءٍ تُرَادُ ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقِفَ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِبَاطِنِهِ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْهُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَيَنْظُرُ إلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْمَعْلُومَةِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مَا يَتَحَرَّكُ لِلْمُخَالَفَةِ أَسْرَعُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ فَأَمَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَوَّلًا بِغَسْلِهَا تَنْبِيهًا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى طَهَارَتِهَا الْبَاطِنَةِ إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ .
فَالْمَطْلُوبُ وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْبَاطِنُ وَتَخْلِيصُهُ مِنْ غَمَرَاتِ هُمُومِ الدُّنْيَا وَمُكَابَدَتِهَا وَالْفِكْرَةِ فِيهَا وَالتَّعَرِّي مِنْ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً هَذِهِ هِيَ الطَّهَارَةُ الْبَاطِنَةُ ، وَالظَّاهِرَةُ تَبَعٌ لِهَذِهِ وَإِشَارَةٌ إلَيْهَا وَتَحْرِيضٌ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَنَبَّهَ الْغَافِلُ وَالسَّاهِي لِلْمُرَادِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْجَلِيلِ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ لَهُ : فَالْوُضُوءُ الَّذِي هُوَ غَسْلُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا مِنْ الْإِسْلَامِ وَطَهَارَةُ الْبَاطِنِ عَلَى مَعْنَى التَّوْبَةِ مِنْ اكْتِسَابِ الْجَوَارِحِ إيمَانًا وَبِهِ يَكْمُلُ الْوُضُوءُ انْتَهَى ثُمَّ إذَا رَتَّبَ غَسْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فِي الْمُخَالَفَةِ فَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى التَّحْرِيكِ أَسْرَعُ مِنْ غَيْرِهِ أُمِرَ بِغَسْلِهِ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ أَوَّلًا ، وَفِيهِ الْفَمُ وَالْأَنْفُ وَالْعَيْنَانِ فَابْتَدَأَ بِالْمَضْمَضَةِ أَوَّلًا عَلَى سَبِيلِ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ وَأَشَدُّهَا حَرَكَةً أَعْنِي
اللِّسَانَ فِيمَا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ قَدْ يَسْلَمُ ، وَهُوَ كَثِيرُ الْعَطَبِ قَلِيلُ السَّلَامَةِ فِي الْغَالِبِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ شَأْنِهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَعْضَاءَ فِي يَوْمٍ تُنَاشِدُهُ فِي أَنْ يُسْلِمَهَا مِنْ آفَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا هَلَكَ لَا يَهْلَكُ وَحْدَهُ بَلْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ وَيُهْلِكُ إخْوَانَهُ .
فَإِذَا جَاءَ الْمُؤْمِنُ إلَى غَسْلِ فَمِهِ يَذْكُرُ إذْ ذَاكَ أَنَّ طَهَارَةَ الظَّاهِرِ إنَّمَا هِيَ إشَارَةٌ إلَى تَطْهِيرِ الْبَاطِنِ فَوَجَدَ إذْ ذَاكَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْهُ الطَّهَارَةُ الْبَاطِنَةُ فَتَابَ إلَى اللَّهِ وَأَقْلَعَ مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ لِسَانُهُ وَنَطَقَ ثُمَّ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا شَمَّ بِأَنْفِهِ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا نَظَرَتْ عَيْنَاهُ وَالْتَذَّتْ فَإِذَا تَابَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ دَخَلَ إذْ ذَاكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا .
جَاءَ الْحَدِيثُ فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ الشَّرْعُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ اللِّسَانُ وَنَظَرَتْ الْعَيْنَانِ بَطَشَتْ الْيَدَانِ وَلَمَسَتَا فَالْيَدَانِ بَعْدَهُمَا فِي تَرْتِيبِ الْمُخَالَفَةِ فَأَمَرَ بِطَهَارَتِهِمَا فَإِذَا جَاءَ إلَى طَهَارَتِهِمَا ابْتَدَأَ بِطَهَارَتِهِمَا بَاطِنًا فَتَابَ مِمَّا لَمَسَتْ يَدُهُ أَوْ تَحَرَّكَتْ النَّدَمُ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا جَاءَ الْحَدِيثُ .
فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظَافِرِ يَدَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ الشَّرْعُ بِمَسْحِ رَأْسِهِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْمَسْحِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْغَسْلِ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ مُخَالَفَةٌ بِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَاوِرٌ لِمَنْ يَقَعُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ ، وَهُوَ اللِّسَانُ وَالْعَيْنَانِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ هُوَ الْمُخَالِفُ لَكِنْ كَانَ مُجَاوِرًا لِلْمُخَالِفِ أُعْطِيَ
حُكْمًا بَيْنَ حُكْمَيْنِ فَأُمِرَ بِالْمَسْحِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْغَسْلِ .
وَأَيْضًا قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأُذُنَيْنِ هَلْ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ أَمْ لَا ؟ وَالْأُذُنَانِ قَدْ يَسْمَعَانِ مَا لَا يَنْبَغِي لَكِنْ لَمَّا كَانَ السَّمْعُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي غَالِبِ الْحَالِ ، وَهُوَ لَا يَتَعَمَّدُهُ خُفِّفَ أَمْرُهُ فَكَانَ الْمَسْحُ فَإِذَا مَسَحَهُ قَدَّمَ طَهَارَتَهُ الْبَاطِنَةَ بِالتَّوْبَةِ مِمَّا سَمِعَتْ الْأُذُنَانِ وَمِمَّا وَقَعَ فِيهِ مِنْ مُجَاوِرِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ النَّدَمُ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا جَاءَ الْحَدِيثُ .
فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ .
ثُمَّ أَمَرَهُ الشَّرْعُ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَيْنِ إذَا نَظَرَتَا وَتَكَلَّمَ اللِّسَانُ وَلَمَسَتْ الْيَدُ وَسَمِعَتْ الْأُذُنُ حِينَئِذٍ تَسْعَى الرِّجْلُ فَالرِّجْلُ آخِرُ الْجَمِيعِ فِي الْمُخَالَفَةِ فَجُعِلَتْ آخِرَ الْجَمِيعِ فِي الْغَسْلِ فَغَسَلَهَا إذْ ذَاكَ وَقَدَّمَ طَهَارَتَهَا الْبَاطِنَةَ فَابْتَدَأَ بِالتَّوْبَةِ مِمَّا سَعَتْ فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ .
النَّدَمُ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا جَاءَ الْحَدِيثُ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظَافِرِ رِجْلَيْهِ فَلَمَّا أَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أَرَادَ صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنْ يُقِيمَهُ فِي أَكْمَلِ الْحَالَاتِ وَأَتَمِّهَا فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ .
إشَارَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى تَطْهِيرِ الْقَلْبِ مِنْ الِالْتِفَاتِ إلَى الْعَوَارِضِ وَالْخَوَاطِرِ وَالْوَسَاوِسِ وَالنَّزَعَاتِ فَفَهِمَ الْمُؤْمِنُ إذْ ذَاكَ الْمُرَادَ فَامْتَثَلَ طَهَارَةَ
الْقَلْبِ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ وَتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ وَالْإِخْلَاصِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ إيمَانُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ جَدِيدًا يَحْتَرِزُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَكُونَ خَلَقًا وَالْخَلَقُ أَنْ لَا يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِتَجْدِيدِ الشَّهَادَةِ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَسْتَفِيقُ مِنْ اللَّيْلِ فَيَمُرُّ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَتَشَهَّدُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : أَمَّا تَشَهُّدِي فَأَتَفَقَّدُ بِهِ الْإِيمَانَ هَلْ بَقِيَ أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ أَعْمَالِي لَا تُشْبِهُ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ .
أَمَّا تَمْشِيَةُ يَدِي عَلَى وَجْهِي فَأَتَفَقَّدُهُ أَنْ يَكُونَ حُوِّلَ إلَى الْقَفَا أَوْ مُسِخَ أَمْ لَا فَإِذَا وَجَدْته سَالِمًا أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي سَتَرَ عَلَيَّ بِفَضْلِهِ وَلَمْ يُعَاقِبْنِي وَيَفْضَحْنِي بِعَمَلِي .
هَذَا قَوْلُهُ وَكَانَ لَهُ قَدَمٌ فِي الدِّينِ وَسَبْقٌ وَتَقَدُّمٌ فَمَا بَالُك بِأَحْوَالِنَا الْيَوْمَ عَلَى مَا يُشَاهِدُ بَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ ، فَبِالْأَحْرَى وَالْأَوْلَى أَنْ نَتَفَقَّدَ الْإِيمَانَ الْيَوْمَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ فَلَمَّا أَنْ أَمَرَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِتَطْهِيرِ الْبَاطِنِ وَتَطْهِيرِ الظَّاهِرِ عَلَى مَا مَضَى شَرَعَ لَهُ عِنْدَ نُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ إذْ ذَاكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ .
وَقَوْلُهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ إشَارَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِي قَبُولِ مَا قَدْ أَتَى بِهِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ كَمُلَ الْحَالُ وَتَمَّتْ النِّعْمَةُ وَقُبِلَ الدُّعَاءُ بِتَخْيِيرِهِ عَلَى أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَبْدٌ قَدْ تَابَ مِنْ كُلِّ مَا جَنَى وَتَطَهَّرَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى
جَاءَ الْحَدِيثُ فِيمَنْ امْتَثَلَ مَا ذُكِرَ مِنْ إسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَكَمَالِهِ أَنَّ صَلَاتَهُ نَافِلَةٌ لَهُ وَالنَّوَافِلُ الزَّوَائِدُ إنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ الذُّنُوبِ شَيْئًا تَكُونُ الصَّلَاةُ لِلتَّوْبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالتَّطْهِيرِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَبَقِيَتْ صَلَاتُهُ نَافِلَةً أَيْ : زَائِدَةً فَكَانَ مَوْضِعُهَا رَفْعَ الدَّرَجَاتِ لَا غَيْرَ ؛ لِأَنَّهُ مَا ثَمَّ شَيْءٌ تُكَفِّرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَتُوبُ مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ اللِّسَانُ وَشَمَّ الْأَنْفُ وَنَظَرَتْ الْعَيْنَانِ وَسَمِعَتْ الْأُذُنَانِ وَبَطَشَتْ الْيَدَانِ وَمَشَتْ الرِّجْلَانِ وَخَطَرَ بِالْقَلْبِ ، فَإِنْ كَانَ سَالِمًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَتْ التَّوْبَةُ لِلْغَفَلَاتِ الْوَاقِعَةِ ، فَإِنْ كَانَ سَالِمًا مِنْ الْغَفَلَاتِ كَانَتْ التَّوْبَةُ لِعَدَمِ التَّوْبَةِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا يَجِبُ لَهَا ، وَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ أَصْلًا فَهَذِهِ سَبْعَةٌ مُنْضَمَّةٌ إلَى شُرُوطِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ فِيهِ .
فَالشُّرُوطُ خَمْسَةٌ : وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَارْتِفَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ .
وَالْفَرَائِضُ ثَمَانِيَةٌ : أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَاثْنَتَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَهُمَا النِّيَّةُ وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَاثْنَتَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا وَهُمَا الْفَوْرُ وَالتَّرْتِيبُ وَسُنَنُهُ اثْنَا عَشْرَ أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَهِيَ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ مَعَ تَجْدِيدِ الْمَاءِ لَهُمَا وَثَمَانِيَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا قِيلَ : إنَّهَا مِنْ السُّنَنِ وَقِيلَ : مِنْ الْفَضَائِلِ ، وَهِيَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ إنْ أَيْقَنَ بِطَهَارَتِهِمَا وَمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وَالِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ قَبْلَ الشِّمَالِ وَالِابْتِدَاءُ بِمُقَدَّمِ
الرَّأْسِ وَرَدُّ الْيَدَيْنِ فِي مَسْحِهِ وَغَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْعَارِضِ وَالْأُذُنِ وَاسْتِيعَابُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَتَرْتِيبُ الْمَفْرُوضِ مَعَ الْمَسْنُونِ .
واسْتِحْباباتِهِ ثَلَاثَةَ عَشْرَ : وَهِيَ السِّوَاكُ وَيَجْزِي الْأُصْبُعُ الْخَشِنُ عَنْهُ وَجَعْلُ الْإِنَاءِ عَلَى الْيَمِينِ وَالتَّسْمِيَةُ وَأَنْ لَا يَتَوَضَّأَ فِي الْخَلَاءِ وَلَا عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَذِكْرُ اللَّهِ وَأَنْ يَقْعُدَ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ عَنْ الْأَرْضِ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ مَا يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْمَاءِ وَالصَّمْتُ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْإِقْلَالُ مِنْ الْمَاءِ مَعَ إحْكَامِ الْغَسْلِ فِي الْأَعْضَاءِ فَجُمْلَةُ هَذِهِ الْآدَابِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
فَصْلٌ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِيهِ فَإِذَا أَسْبَغَ الْوُضُوءَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الَّذِي ذُكِرَ يَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ الْفَرْضَ فَذَلِكَ مُمْكِنٌ بِالنَّذْرِ لَكِنْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْذِرَهُمَا ثُمَّ يَعْجَزَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِمَا نَظَرًا لِلْعَوَارِضِ فَيَحْذَرَ مِنْ هَذَا وَيَتْرُكَ النَّذْرَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَنْذِرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا فَذَلِكَ حَسَنٌ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فِعْلُ الْوَاجِبِ مَعَ عَدَمِ الْعَائِقِ إذْ ذَاكَ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ وَقِسْمٌ أَوْجَبَهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ وَكِلَاهُمَا أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ النَّفْلِ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ الْوُضُوءِ .
لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالنَّدْبِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهَا ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ يَقُولُ مَنْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَرْكَعْ فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَدْعُنِي فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَرَكَعَ وَدَعَانِي فَلَمْ أُجِبْهُ فَقَدْ جَفَوْته وَلَسْت بِرَبٍّ جَافٍ وَلَسْت بِرَبٍّ جَافٍ .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَجْعَلُوهَا قُبُورًا فَيَحْصُلُ لَهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ بِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ مِنْ النِّيَّاتِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعُ نِيَّاتٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
فَصْلٌ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ مَا ذُكِرَ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْوِي بِخُرُوجِهِ الْمَشْيَ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ؛ لِئَلَّا يَبْطُلَ أَجْرُ الْخُطَى إلَى الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا يُرِيدُ غَيْرَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ وَالْأُخْرَى تُمْحَى عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةٌ ، فَإِذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ السَّيِّئَاتِ كَانَتْ الِاثْنَتَانِ بِالْحَسَنَاتِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عِنْدَ الْوُضُوءِ لَيْسَتْ لَهُ سَيِّئَةٌ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ خُرُوجِ الْخَطَايَا حَسَنَاتٌ وَرَفْعُ دَرَجَاتٍ مَعَ أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ سَالِمًا مِنْ الذُّنُوبِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَمَرْتَبَتِهِ ، حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى نِيَّةَ زِيَارَةِ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارَ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَإِزَالَةَ الْأَذَى مِنْهُ وَالِاعْتِكَافَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَوْ الْجِوَارَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ فِي الِاعْتِكَافِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً وَأُمُورًا مَعْلُومَةً عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ وَأَخْذَ الزِّينَةِ لِلْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .
وَتَعَلُّمَ الْعِلْمِ مِنْ الْعَالِمِ وَتَعْلِيمَهُ الْجَاهِلَ وَالْبَحْثَ فِيهِ مَعَ الْإِخْوَانِ وَزِيَارَةَ الْإِخْوَانِ فِيهِ وَزِيَارَةَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَزِيَارَةَ الصُّلَحَاءِ فِيهِ وَاقْتِبَاسَ بَرَكَةِ الِاجْتِمَاعِ بِهِمْ فِيهِ وَاقْتِبَاسَ بَرَكَةِ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ فِيهِ وَعِيَادَةَ الْمَرِيضِ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ مَنْ خَرَجَ يَعُودُ مَرِيضًا خَرَجَ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّتْ الرَّحْمَةُ فِيهِ أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
وَتَعْزِيَةَ الْمُصَابِينَ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ أَجْرٌ مِثْلُ الْمُصَابِ .
فَيَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ رَأَى شَيْئًا يَعْتَبِرُ فِيهِ وَيَنْوِي السَّلَامَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَنْوِي رَدَّ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَيَنْوِي ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي السُّوقِ وَامْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي السَّعْيِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالصَّدَقَةَ عَلَى مُحْتَاجٍ إذَا وَجَدَهُ بِاَلَّذِي يُمْكِنُهُ وَإِعَانَةَ ذِي الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفِ وَقَضَاءَ حَاجَةِ مُضْطَرٍّ إنْ وَجَدَهُ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ مَعَهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ وَيَخْرُجَ مَعَهُ عِدَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ شَاةً أَوْ غَيْرَهَا تُرِيدُ أَنْ تَمُوتَ بِنَفْسِهَا فَتَكُونُ مَعَهُ آلَةُ الذَّبْحِ فَيُغِيثُ صَاحِبَهَا وَيَجْبُرُهَا عَلَيْهِ بِالتَّذْكِيَةِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي النَّفَقَةِ قَدْ يُصَادِفُ مُضْطَرًّا لَهَا فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ ، وَإِلَّا إذَا خَرَجَ عَرِيًّا عَمَّا ذُكِرَ ، وَقَدْ نَوَى إعَانَةَ ذِي الْحَاجَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَكُونُ ذَلِكَ دَعْوَى يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهَا كُلُّ مَنْ يَدَّعِي بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَذَّبَتْهُ شَوَاهِدُ الِامْتِحَانِ وَيَنْوِي إرْشَادَ الضَّالِّ وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْ يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَأَنْ يَحْضُرَهَا إنْ وَجَدَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ ، وَأَنْ يُخْمِدَ بِدْعَةً وَيُظْهِرَ سُنَّةً مَهْمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنْ يَلْقَى الْمُسْلِمِينَ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِقَاءُ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ صَدَقَةٌ وَأَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ بِتَقْدِيمِ الْيَمِينِ وَتَأْخِيرِ الشِّمَالِ .
وَأَنْ يَتَعَوَّذَ التَّعَوُّذَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ
أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ .
وَيَقُولُ : عِنْدَ ذَلِكَ أَيْضًا ( بِسْمِ اللَّهِ آمَنْت بِاَللَّهِ وَتَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ اعْتَزَلَهُ الشَّيْطَانُ يَقُولُ : قَدْ هُدِيَ وَوُقِيَ فَلَيْسَ لِي عَلَيْهِ سَبِيلٌ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَجْعَلُ غِنَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ .
وَيَنْوِي اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ بِأَنْ يُقَدِّمَ الْيَمِينَ وَيُؤَخِّرَ الشِّمَالَ وَأَنْ يَخْلَعَ الشِّمَالَ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ الْيَمِينَ سُنَّتَانِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ ، وَكَيْفِيَّةُ مَا يَفْعَلُ أَنْ يَخْلَعَ الشِّمَالَ أَوَّلًا ثُمَّ يَجْعَلَهَا عَلَى النَّعْلِ مِنْ فَوْقِهَا ثُمَّ يَخْلَعَ بَعْدَهَا الْيَمِينَ فَيُدْخِلَهَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ يُدْخِلَ رِجْلَهُ الشِّمَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجْتَمِعَ السُّنَّتَانِ خَلْعُ الشِّمَالِ أَوَّلًا وَتَقْدِيمُ الْيَمِينِ فِي الْمَسْجِدِ أَوَّلًا وَيَنْوِي اتِّبَاعَ السُّنَّةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَمْسَحَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ الْبَابِ عِنْدَ دُخُولِهِ وَيَنْظُرَ فِي قَعْرِ نَعْلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ أَزَالَهُ وَإِلَّا دَخَلَ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ : اُدْخُلْ فَقَدْ غُفِرَ لَك وَيَنْوِي انْتِظَارَ الصَّلَاةِ لِمَا جَاءَ فِيهِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ مَرَّتَيْنِ وَيَنْوِي جُلُوسَهُ فِي مُصَلَّاهُ لِمَا جَاءَ فِيهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ تَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ : .
وَيَنْوِي الِاقْتِدَاءَ وَالِاقْتِبَاسَ بِآثَارِ مَنْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِمْ أَعْنِي بِالنَّظَرِ إلَى تَعَبُّدِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ .
حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ
صَلَّى بِجَنْبِهِ بَعْضُ النَّاسِ فَجَعَلَ يَدْعُو فِي السُّجُودِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ : يَا أَخِي عَسَى أَنَّك تَذْهَبُ إلَى فُلَانٍ ، وَكَانَ فُلَانٌ مِنْ أَكَابِرِ وَقْتِهِ فَصَلِّ إلَى جَنْبِهِ وَاسْتَمِعْ إلَى الدُّعَاءِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ لَعَلَّك تُفِيدُنِي إيَّاهُ فَمَضَى إلَيْهِ فَصَلَّى إلَى جَنْبِهِ أَيَّامًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ : يَا أَخِي هَؤُلَاءِ قُدْوَتُنَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ لَمْ نَقْتَدِ بِهِمْ فَبِمَنْ نَقْتَدِي فَعَلَّمَهُ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ وَعَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ الِاقْتِبَاسِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ .
فَيَنْوِي حِينَ خُرُوجِهِ الِالْتِفَاتَ إلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمُرَاعَاتِهَا فَإِنَّهَا أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي الدِّينِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ أَهْلًا لِلِاقْتِدَاءِ سَالِمًا مِنْ الْبِدَعِ ، وَإِلَّا فَالتَّغَفُّلُ عَنْهُ يَجِبُ إنْ كَانَ الَّذِي يَرَاهُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْأَخْذِ عَلَى يَدِهِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَهْيُهُ ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ تَغْيِيرِ الْبِدَعِ وَالْمَنَاكِرِ ، وَذَلِكَ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِهِمْ مَوْجُودٌ بِمُطَالَعَتِهِ أَوْ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ فِي ذَلِكَ أَجْرُ مَنْ ذَبَّ عَنْ السُّنَّةِ وَحَمَاهَا وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إزَالَةَ الْأَذَى مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَشَوْكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ إذَا رَأَى مُبْتَلًى فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ فِي عَمَلِهِ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُبْتَلًى فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاهُ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ انْتَهَى .
لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مِنْ
كَسْرِ الْخَوَاطِرِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ أَوْ التَّشْوِيشِ الْوَاقِعِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ وَيَنْوِي أَنْ يَرْفَعَ وَيُكْرِمَ وَيُعَظِّمَ مَا يَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطُّرُقِ بَيْنَ الْأَرْجُلِ مِنْ الْأَوْرَاقِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا أُجُورٌ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّحْبِيرِ لَهُ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى قَالَ : يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كِتَابٌ يُلْقَى بِمَضْيَعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَائِكَةً يَحُفُّونَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَيَرْفَعَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَمَنْ رَفَعَ كِتَابًا مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ فِي عِلِّيِّينَ وَخَفَّفَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ .
وَيُرْوَى عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْت مُولَعًا فِي صِبَايَ بِرَفْعِ الْقَرَاطِيسِ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى عُرِفْت بِذَلِكَ فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فِي صَحْرَاءَ إذْ وَجَدْت قِرْطَاسًا فِيهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَرَفَعْته وَلَمْ يَكُنْ بِإِزَائِي حَائِطٌ وَلَا شَيْءٌ أَرْفَعُهُ فِيهِ فَبَلَعْته فَرَأَيْت فِي النَّوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِي ، وَهُوَ يَقُولُ : يَا مَنْصُورُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيَرَى لَك مَا فَعَلْت .
وَيَنْوِي أَنْ يَرْفَعَ وَيُكْرِمَ وَيُعَظِّمَ مَا يَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطُّرُقِ بَيْنَ الْأَرْجُلِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى مُمْتَهَنَةً فَيُعَظِّمَهَا بِرَفْعِهِ لَهَا وَصِيَانَتِهَا .
وَيَنْوِي غَضَّ الْبَصَرِ ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا وَبَيَّنُوهُ فَقَالُوا : لَيْسَ لِلرَّجُلِ إذَا خَرَجَ فِي السُّوقِ أَنْ يَنْظُرَ إلَّا لِمَوْضِعِ قَدَمِهِ اللَّهُمَّ
إلَّا أَنْ تَكُونَ زَحْمَةٌ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْأَذَى فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ وَذِكْرُ اللَّهِ وَيَنْوِي خَفْضَ الْجَنَاحِ ، وَهُوَ التَّوَاضُعُ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمُعَامَلَتُهُمْ بِالْحُسْنَى وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ تَحْسِينَ الْخُلُقِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَدَمِ أَغْرَاضِهِ لِأَغْرَاضِهِمْ .
وَيَنْوِي حَمْلَ الْأَذَى مِنْ إخْوَانِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكَ الْأَذَى لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَوُجُودَ الرَّاحَةِ لَهُمْ وَيَدْعُو النَّاسَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَيَلْقَى إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ لِمَا جَاءَ فِيهِ .
قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَلَامَةُ الصَّدْرِ لَا تُبْلَغُ بِعَمَلٍ انْتَهَى .
وَيَنْوِي تَرْكَ التَّكَبُّرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَيَنْوِي تَرْكَ الْإِعْجَابِ بِنِيَّتِهِ وَعَمَلِهِ .
وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَمَّنْ غَابَ مِنْ الْإِخْوَانِ لَعَلَّ عَارِضًا يَعْرِضُ لِأَحَدِهِمْ فَيَكُونُ قَادِرًا عَلَى إعَانَتِهِ وَإِزَالَتِهِ .
وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ لَعَلَّ يَسْمَعُ عَلَيْهِمْ خَيْرًا فَيُسَرُّ بِهِ فَيُشَارِكُهُمْ فِي غَزْوِهِمْ فِي الْأُجُورِ بِالسُّرُورِ الَّذِي وَجَدَهُ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ مَاتَ فَلَمْ تُوجَدْ لَهُ حَسَنَةٌ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ لِسُرُورِهِ يَوْمًا وَاحِدًا بِمَا ذُكِرَ ، وَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ مَغْفُولٌ عَنْهُ وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ وَشَأْنِهِ لَعَلَّ يَسْمَعُ خَبَرًا يَتَشَوَّشُونَ مِنْهُ فَيُسَرُّ بِهِ فَلَهُ أَجْرٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ فِي الْعَكْسِ إنْ سَمِعَ عَنْهُمْ مَا يَسُرُّهُمْ تَشَوَّشَ هُوَ فَلَهُ الْأَجْرُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ إنْ سَمِعَ عَنْ
الْمُسْلِمِينَ مَا يُقْلِقُهُمْ جَزِعَ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ الْكَثِيرُ أَجْرٌ بِلَا عَمَلٍ وَلَا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ .
وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَعَلَّ يَسْمَعُ مَا يُسَرُّ بِهِ أَيْضًا مِثْلُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ فِي الْخَيْرِ وَضِدِّهِ لَكِنَّ هَذَا بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ فَإِذَا حَصَلَ الْمُرَادُ سَكَتَ وَأَقْبَلَ عَلَى مَا يَعْنِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ السُّؤَالُ ذَرِيعَةً إلَى التَّحَدُّثِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيرُ عَنْهُ لَمَّا أُثْنِيَ عَلَى رَجُلٍ مَاتَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَعَلَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ كَمَا قَالَ وَهَذَا الْبَابُ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ يَبْتَدِئُونَ بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ وَبِمَسَائِل الْعِلْمِ وَالْإِقْرَاءِ ثُمَّ يُدْرِجُهُمْ إلَى الْحَدِيثِ فِيمَا لَا يَعْنِي إنْ وَقَعَتْ السَّلَامَةُ مِنْ ذِكْرِ غَائِبٍ أَوْ جِدَالٍ يَقَعُ أَوْ مُفَاوَضَةٌ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ آدَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَهُ : اعْلَمْ أَنَّ لِلْكَلَامِ شُرُوطًا أَرْبَعَةً : لَا يَسْلَمُ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ الزَّلَلِ إلَّا بِهَا وَلَا يَعْرَى مِنْ النَّقْصِ إلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهَا : فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ لِدَاعٍ يَدْعُو إلَيْهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي اجْتِلَابِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ .
وَالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ .
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ : أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ .
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ : أَنْ يَتَخَيَّرَ اللَّفْظَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ انْتَهَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مُبَاحٍ وَالْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مُبَاحٍ ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لَهُ .
أَمَّا الْمُبَاحُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ : أَحَدُهَا : شُغْلُ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ الْكَاتِبِينَ بِمَا لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ
وَحَقٌّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْتَحِيَ مِنْهُمَا فَلَا يُؤْذِيهِمَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ .
وَالثَّانِي : رَفْعُ الْكِتَابِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ اللَّغْوُ وَالْهَذْرُ فَلْيَحْذَرْ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ وَلْيَخْشَ اللَّهَ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَظَرَ إلَى رَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الْخَنَا فَقَالَ : يَا هَذَا إنَّمَا تُمْلِي كِتَابًا إلَى رَبِّك فَانْظُرْ مَا تُمْلِي .
وَالثَّالِثُ : قِرَاءَتُهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بَيْنَ يَدَيْ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ عَطْشَانَ عُرْيَانَ جَوْعَان .
وَالرَّابِعُ : اللَّوْمُ وَالتَّعْيِيرُ لِمَاذَا قُلْت وَانْقِطَاعُ الْحُجَّةِ وَالْحَيَاءِ مِنْ رَبِّ الْعِزَّةِ .
وَقَدْ قِيلَ : إيَّاكَ وَالْفُضُولَ فَإِنَّ حِسَابَهُ يَطُولُ وَكَفَى بِهَذِهِ الْأُصُولِ وَاعِظًا لِمَنْ اتَّعَظَ انْتَهَى .
لَكِنْ إنْ اشْتَغَلَ بَعْدَ السُّؤَالِ بِإِلْقَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِمْ أَوْ بِاقْتِبَاسِهَا مِنْهُمْ أَوْ يُدْخِلَ عَلَيْهِمْ سُرُورًا ؛ لِكَوْنِهِمْ يُسَرَّوْنَ بِكَلَامِهِ مَعَهُمْ أَوْ يُسَرُّ هُوَ بِكَلَامِهِمْ مَعَهُ فَحَسَنٌ ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى حَالِ مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ ، وَالْمَقْصُودُ اجْتِنَابُ الْبَطَالَةِ ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ هُوَ فِيهِ عَرِيٌّ عَنْ الطَّاعَةِ .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تُسْرِعُونَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَيَنْوِي امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ فِي الدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك .
وَيَنْوِي أَيْضًا امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ بِأَنْ يُقَدِّمَ الشِّمَالَ وَيُؤَخِّرَ الْيَمِينَ وَيَنْوِيَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ خُرُوجِهِ بِالدُّعَاءِ الْوَارِدِ أَيْضًا فِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك .
وَيَنْوِيَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي أَخْذِ الْقَدَمِ بِالشِّمَالِ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَحِينَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ أَنَّ كُلَّ مُسْتَقْذَرٍ يُتَنَاوَلُ بِالشِّمَالِ ، وَكُلُّ طَاهِرٍ يُتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْمُسْتَحَبُّ فِي التَّخَتُّمِ أَنْ يَكُونَ فِي الشِّمَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَيُجْعَلُ فِي الشِّمَالِ .
فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ وَخَرَجَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ لَعَلَّهُ يَسْلَمُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فَتَرَاهُمْ إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْمَسْجِدَ يَأْخُذُ قَدَمَهُ بِالْيَمِينِ ، وَقَلَّ أَنْ يَخْلُوَ أَحَدُهُمْ مِنْ كِتَابٍ فَيَكُونُ الْكِتَابُ فِي شِمَالِهِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فِي أُمُورِهِ مَحْذُورَاتٌ .
مِنْهَا أَنْ يَجْهَلَ السُّنَّةَ فِي هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ فَإِذَا جَهِلَ الطَّالِبُ السُّنَّةَ فِي مُنَاوَلَةِ كِتَابِهِ وَقَدَمِهِ فَكَيْفَ حَالُهُ فِي غَيْرِهَا ؟ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ .
وَمِنْهَا مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ
عِنْدَ أَوَّلِ دُخُولِهِ بَيْتَ رَبِّهِ وَإِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ وَمِنْهَا ارْتِكَابُهُ الْبِدْعَةَ فَيَسْتَفْتِحُ عِبَادَتَهُ بِهَا .
وَمِنْهَا اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ وَقِلَّةُ تَحَفُّظِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي تَصَرُّفِهِمْ لِأَجْلِ تَصَرُّفِهِ وَمِنْهَا مَا فِيهِ مِنْ التَّفَاؤُلِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ الْجَمِيعِ ، وَهُوَ أَخْذُ كِتَابِهِ بِشِمَالِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ وَحُسْنَ الْعَاقِبَةِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ بِأَنْ لَا يَجْعَلَ نَعْلَهُ فِي قِبْلَتِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ خَلْفَهُ يَتَشَوَّشُ فِي صَلَاتِهِ وَقَلَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ جَمْعُ خَاطِرٍ فِيهَا وَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ لِلطَّهَارَاتِ فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْيَسَارِ ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد نَصًّا صَرِيحًا فِيهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ النَّهْيُ عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ حِينَ رَأَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ النُّخَامَةَ فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ وَرُئِيَ مِنْهُ الْكَرَاهِيَةُ لِذَلِكَ وَوَقَعَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فَإِذَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ النُّخَامَةِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَمَا بَالُك بِالْقَدَمِ الَّتِي قَلَّ أَنْ تَسْلَمَ فِي الطَّرِيقِ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ ؟ فَجَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ فَلَا يَفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى يَمِينِ غَيْرِهِ فَيَجْعَلُهُ إذْ ذَاكَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا سَجَدَ كَانَ بَيْنَ ذَقَنِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَيَتَحَفَّظُ مِنْ أَنْ يُحَرِّكَهُ فِي صَلَاتِهِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مُبَاشِرًا لَهُ فِيهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ لَهُ خِرْقَةٌ أَوْ مِحْفَظَةٌ يَجْعَلُ فِيهَا قَدَمَهُ فَهُوَ أَوْلَى .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا أَمْكَنَهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ .
وَيَنْوِي امْتِثَالَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ مُنَافَرَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْمَنَاكِرِ لِمَا قَدْ نَصَّ
الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ هِجْرَانُ مَنْ هُوَ مُجَاهِرٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَيَنْوِي تَرْفِيعَ بَيْتِ رَبِّهِ وَتَوْقِيرَهُ بِأَنْ لَا يَنْشُدَ فِيهِ شِعْرًا وَلَا يَنْشُدَ فِيهِ ضَالَّةً وَلَا يَرْفَعَ فِيهِ صَوْتًا وَلَا يُصَفِّقَ فِيهِ بِكَفَّيْهِ وَلَا يَضَعَ كِتَابًا مِنْ يَدِهِ ، وَهُوَ قَائِمٌ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بِيَدِهِ ثَوْبٌ فَلَا يَضَعُهُ ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونُ لِوَقْعِهِ فِي الْأَرْضِ صَوْتٌ وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ فَلَا يُلْقِيهَا مِنْ يَدِهِ ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونُ لِوُقُوعِهَا فِي الْمَسْجِدِ صَوْتٌ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ ، وَهُوَ قَائِمٌ يَكُونُ لَهُ صَوْتٌ فَلَا يَفْعَلُهُ ؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي النَّهْيِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ أَنْ يَلْبَسَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَيَتَحَفَّظَ أَنْ يُلْقِيَ نَعْلَهُ فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونَ لِوُقُوعِهِ فِي الْأَرْضِ صَوْتٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ الطَّرِيقِ فَيَقَعَ لِقُوَّةِ الرَّمْيَةِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بَصَقَ فِي نَعْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَلِقُوَّةِ الرَّمْيَةِ يَنْزِلُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ .
وَالْقَذَاةُ هِيَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ وَلَا تُبَالِي الْعَيْنُ بِهَا فَإِذَا كَانَ يُؤْجَرُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ فَكَيْفَ يُدْخَلُ لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ فَيُخَافُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُومَ بِمَا نَوَاهُ كُلَّهُ وَمَا فَعَلَهُ فِي جَنْبِ مَا قَلَّ مِنْ الْأَدَبِ مَعَ بَيْتِ رَبِّهِ فَيَحْصُلُ لَهُ النُّقْصَانُ .
وَيَنْوِي
اجْتِنَابَ اللَّغَطِ فِيهِ وَالْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِي فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ كَالنَّارِ فِي الْحَطَبِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ قَدْ خَرَجَ إلَى تِجَارَةٍ فَيَرْجِعَ خَاسِرًا بِسَبَبِ لَغَطِهِ وَكَلَامِهِ .
وَيَنْوِي الصَّلَاةَ بِالسِّلَاحِ وَيَحْمِلُ ذَلِكَ مَعَهُ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ بِالسِّلَاحِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا أَظُنُّهُ بِسَبْعِينَ .
وَيَنْوِي الِاجْتِنَابَ وَالْكَرَاهَةَ لِمَا يُبَاشَرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنْ الْبِدَعِ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَذْكُرُ عَنْ شَيْخِهِ الْقُدْوَةِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْمُحَقِّقِ سَيِّدِي أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : وَاَللَّهِ مَا أُبَالِي بِكَثْرَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْبِدَعِ ، وَإِنَّمَا أُبَالِي وَأَخَافُ مِنْ تَأْنِيسِ الْقَلْبِ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إذَا تَوَالَتْ مُبَاشَرَتُهَا اشْتَهَتْهَا النُّفُوسُ ، وَإِذَا أَنِسَتْ النُّفُوسُ بِشَيْءٍ قَلَّ أَنْ تَتَأَثَّرَ لَهُ وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ مِنْ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْقَلْبِ هُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ وَالتَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ هُوَ مَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْبُغْضِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَرْئِيِّ وَانْزِعَاجِهِ إذْ ذَاكَ وَقَلَقِهِ ، وَهَذَا فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَحْصُلُ لِمَا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ .
أَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي تُعْهَدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ فَقَدْ أَنِسَتْهَا النُّفُوسُ وَلَا يَجِدُ الْقَلَقَ وَالِانْزِعَاجَ مِنْهَا إذْ ذَاكَ أَعْنِي مَعَ تَكَرُّرِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ الْمُنْتَبِهُونَ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ الْعَارِفُونَ بِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْقَلْبِ هُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ، وَالتَّغْيِيرُ قَدْ عُدِمَ فِي الْغَالِبِ لِاسْتِئْنَاسِ النُّفُوسِ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فَذَهَبَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ، وَإِذَا عُدِمَ أَضْعَفُهُ فَمَاذَا يُرْجَى أَنْ يَبْقَى بَعْدَ عَدَمِ هَذَا الْأَضْعَفِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمُحَمَّدٍ
وَآلِهِ .
يُبَيِّنُ هَذَا وَيَزِيدُهُ إيضَاحًا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْقُوتِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ : أَوَّلُ بِدْعَةٍ رَأَيْت بُلْت الدَّمَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بُلْتُهُ أَصْفَرَ ثُمَّ تَغَيَّرَ الْأَمْرُ إلَى الْعَادَةِ أَوْ كَمَا قَالَ فَلِقُوَّةِ الْإِيمَانِ إذْ ذَاكَ عِنْدَهُ وَمُبَاشَرَةِ مَا لَمْ يَعْهَدْهُ مِنْ السُّنَّةِ قَوِيَ انْزِعَاجُ تِلْكَ النَّفْسِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى تَغَيَّرَ مِزَاجُهُ فَظَهَرَ ذَلِكَ فِي مَائِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَطِبَّاءَ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى مَا بِالْمَرِيضِ مِنْ الشِّكَايَةِ بِالنَّظَرِ إلَى مَائِهِ فَلَمَّا أَنْ اسْتَمَرَّ أَمْرُ تِلْكَ الْبِدْعَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْيِيرِهَا لِلْأُمُورِ الْمَانِعَةِ لَهُ فِي وَقْتِهِ تَغَيَّرَ مِنْ ذَلِكَ الِانْزِعَاجُ الْأَوَّلُ لِاسْتِئْنَاسِ النَّفْسِ بِالْعَوَائِدِ وَبَقِيَ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ بِدْعَةٍ هِيَ الَّتِي بَالَ مِنْهَا هَذَا السَّيِّدُ الدَّمَ ثُمَّ سَكَنَ أَمْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَعَلَّهَا مَا حَدَثَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُنْخُلِ أَوْ الْأُشْنَانِ أَوْ الْخِوَانِ أَوْ مَا يُشَاكِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي زَمَانِهِمْ .
أَمَّا زَمَانُنَا هَذَا فَمَعَاذَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا رَاجِعٌ لِمَا قَالَ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَقَدْ أَحْسَنَ فِيهِ : حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ أَعْنِي مِمَّا رَأَى هَذَا السَّيِّدُ الْعَظِيمُ ، وَهُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ الْبِدْعَةِ رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ إلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ فَانْظُرْ كَيْفَ وَقَعَ مِنْهُ الْإِنْكَارُ لِكُلِّ أَفْعَالِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْأَذَانِ ؟ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَحَ الْكَلَامَ فِي طَرِيقِ الْقَوْمِ ، وَهُوَ رَضِيعُ إحْدَى زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهَا مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَجَدُوهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ يَبْكِي فَسُئِلَ مِمَّ بُكَاؤُك ؟ فَقَالَ : وَمَالِي لَا أَبْكِي وَمَا أَعْرِفُ لَكُمْ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ إلَّا الْقِبْلَةَ هَذَا فِي زَمَانِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَمَا بَالُك وَظَنُّك بِزَمَانِنَا هَذَا وَمَسَاجِدِنَا هَذِهِ ؟ لَكِنْ قَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَكَانَ كَمَا قَالَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا : تَرَكَ سُنَّةً ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إذَا أَطْلَقَهَا الْعُلَمَاءُ فَالْمُرَادُ بِهَا طَرِيقَةُ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَادَتُهُ الْمُسْتَمِرَّةُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ .
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَك مِنْ رُسُلِنَا .
أَيْ : عَادَةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَعَادَةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَك مِنْ رُسُلِنَا فَلَمَّا أَنْ ارْتَكَبْنَا عَوَائِدَ اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا بِحَسَبِ مَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا صَارَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ الَّتِي ارْتَكَبْنَاهَا وَمَضَيْنَا عَلَيْهَا سُنَّةً لَنَا فَإِذَا جَاءَنَا مَنْ يَعْرِفُ السُّنَّةَ وَيَعْمَلُ بِهَا أَنْكَرْنَاهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِخِلَافِ سُنَّتِنَا وَقُلْنَا : هَذَا يَعْمَلُ بِدْعَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى سُنَّتِنَا الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا فَإِذَا نَهَانَا عَنْ عَادَتِنَا وَأَمَرَنَا بِتَرْكِهَا وَتَرَكَهَا هُوَ قُلْنَا : هَذَا يَتْرُكُ السُّنَّةَ أَيْ : يَتْرُكُ السُّنَّةَ الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا فَجَاءَ مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ( عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا إلَى
الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ قَرِيبٍ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْت أَنِّي قَدْ رَأَيْت إخْوَانَنَا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِك قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدُ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَك مِنْ أُمَّتِك ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ دُهْمٌ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ مِنْ غَيْرِهَا ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ : إنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَك فَأَقُولُ : فَسُحْقًا فَسُحْقًا انْتَهَى .
فَأَتَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلَفْظِ التَّبْدِيلِ عَلَى طَرِيقِ الْعُمُومِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّبْدِيلُ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ مِنْ أَحْوَالِنَا فَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْعَوَائِدِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهَا وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ سُخْفٌ فِي الْعَقْلِ وَحِرْمَانٌ بَيِّنٌ فَيَحْتَاجُ لِأَجْلِ هَذَا أَنْ يَنْوِيَ حِينَ الْخُرُوجِ التَّحَفُّظَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا حَتَّى يَكُونَ مُتَيَقِّظًا إذَا وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا فَيُغَيِّرَهُ بِاَلَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ جُهْدُهُ مَرَّةً بِالْيَدِ وَأُخْرَى بِاللِّسَانِ وَأُخْرَى بِالْقَلْبِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ وَرَاءٌ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ تَرْكِ الثَّالِثِ فَإِنَّ تَرْكَهُ خَطَرٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثَالُ ذَلِكَ .
مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مَوْجُودٌ الْيَوْمَ بَيْنَنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ وَالزِّيَادَةِ فِيهِ بِالْمَدِّ الْفَاحِشِ وَالنَّقْصِ بِحَسَبِ مَا يُوَافِقُ نَغَمَاتِهِمْ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا وَمَضَتْ عَلَيْهَا سُنَّتُهُمْ الذَّمِيمَةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هَلْ يَجُوزُ التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ أَمْ لَا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حَيْثُ يَقُولُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ .
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الْأَلْحَانِ فَقَالَ : لَا تُعْجِبُنِي ، وَإِنَّمَا هُوَ غِنَاءٌ يَتَغَنَّوْنَ بِهِ لِيَأْخُذُوا عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فَحَمَلُوهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَى يَتَغَنَّى يَسْتَغْنِي بِهِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ وَقِيلَ : يَجْهَرُ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ .
قَالَ : عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ .
وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَيْ : يَسْتَغْنِي بِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ الْأَخْبَارِ وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِاتِّبَاعِهِ التَّرْجَمَةَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ وَالْمُرَادُ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقُرْآنِ عَنْ عِلْمِ أَخْبَارِ الْأُمَمِ قَالَهُ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ ، وَقِيلَ : إنَّ مَعْنَى يَتَغَنَّى بِهِ يَتَحَزَّنُ بِهِ أَيْ : يَظْهَرُ فِي قَارِئِهِ الْحُزْنُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ السُّرُورِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ وَتِلَاوَتِهِ وَلَيْسَ مِنْ الْغُنْيَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْغُنْيَةِ لَقَالَ : يَتَغَانَى بِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ يَتَغَنَّى بِهِ ذَهَبَ إلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْحَلِيمِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ وَالنَّسَائِيِّ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ .
الْأَزِيزُ بِزَاءَيْنِ صَوْتُ الرَّعْدِ وَغَلَيَانُ الْقِدْرِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَؤُمُّ بِالنَّاسِ فَطَرَّبَ فِي قِرَاءَتِهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ سَعِيدٌ يَقُولُ : أَصْلَحَك اللَّهُ إنَّ الْأَئِمَّةَ لَا تَقْرَأُ هَكَذَا فَتَرَكَ عُمَرُ التَّطْرِيبَ بَعْدُ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ النَّبْرِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَأَنْكَرَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهِ .
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِنْ كَانَ أَذَانُك سَهْلًا سَمْحًا وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ .
أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ .
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ ذَلِكَ فِي الْأَذَانِ فَأَحْرَى أَنَّهُ لَا يُجَوِّزُهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي حَفِظَهُ الرَّحْمَنُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ : وَقَوْلُهُ الْحَقُّ إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ .
قَالَ أَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُخَالِفُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ أَيْ : زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : هُوَ مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ كَمَا قَالُوا : عَرَضْت الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَرَضْت النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ قَالَ : وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ فَقَدَّمَ الْأَصْوَاتَ عَلَى الْقُرْآنِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَرَوَاهُ طَلْحَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ .
أَيْ : الْهَجُوا بِقِرَاءَتِهِ وَاشْغَلُوا بِهِ أَصْوَاتَكُمْ وَاتَّخِذُوهُ شِفَاءً ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْحَضُّ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالدَّأْبُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " حَسِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ " ) .
ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : إنَّ الْقُرْآنَ يُزَيَّنُ بِالْأَصْوَاتِ أَوْ بِغَيْرِهَا ، فَمَنْ تَأَوَّلَ هَذَا فَقَدْ وَاقَعَ أَمْرًا عَظِيمًا ، وَهُوَ أَنْ يُحْوِجَ الْقُرْآنَ إلَى مَنْ يُزَيِّنُهُ كَيْفَ ، وَهُوَ النُّورُ وَالضِّيَاءُ وَالزَّيْنُ الْأَعْلَى لِمَنْ أُلْبِسَ بَهْجَتَهُ وَاسْتَنَارَ بِضِيَائِهِ ؟ ثُمَّ قَالَ : إنَّ فِي التَّرْجِيعِ وَالتَّطْرِيبِ هَمْزَ مَا لَيْسَ بِمَهْمُوزٍ وَمَدَّ مَا لَيْسَ بِمَمْدُودٍ فَتَرْجِعُ الْأَلِفُ الْوَاحِدَةُ أَلِفَاتٍ كَثِيرَةً فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى زِيَادَةٍ فِي الْقُرْآنِ ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ وَافَقَ
ذَلِكَ مَوْضِعَ نَبْرَةٍ صَيَّرَهَا نَبَرَاتٍ وَهَمَزَاتٍ وَالنَّبْرَةُ حَيْثُمَا وَقَعَتْ مِنْ الْحُرُوفِ فَإِنَّمَا هِيَ هَمْزَةٌ وَاحِدَةٌ لَا غَيْرَ إمَّا مَمْدُودَةٌ ، وَإِمَّا مَقْصُورَةٌ ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ .
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ .
، وَقَالَ : فِي صِفَةِ التَّرْجِيعِ ( آ آ آ ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُلْنَا : ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى إشْبَاعِ الْمَدِّ فِي مَوْضِعِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةُ صَوْتِهِ عِنْدَ هَزِّ الرَّاحِلَةِ كَمَا يَعْتَرِي رَافِعَ صَوْتِهِ إذَا كَانَ رَاكِبًا مِنْ انْضِغَاطِ صَوْتِهِ وَتَقْطِيعِهِ وَضِيقِهِ لِأَجْلِ هَزِّ الْمَرْكُوبِ ، وَإِذَا احْتَمَلَ هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ قَالَ : وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يُبْهِمْ مَعْنَى الْقُرْآنِ بِتَرْدِيدِ الْأَصْوَاتِ وَكَثْرَةِ التَّرْجِيعَاتِ فَإِذَا زَادَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ فَذَلِكَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ كَمَا يَفْعَلُهُ الْقُرَّاءُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ أَمَامَ الْمُلُوكِ وَالْجَنَائِزِ وَيَأْخُذُونَ عَلَيْهِمَا الْأُجُورَ وَالْجَوَائِزَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ وَخَابَ عَمَلُهُمْ فَيَسْتَحِلُّونَ بِذَلِكَ تَغْيِيرَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُهَوِّنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الِاجْتِرَاءَ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ يَزِيدُوا فِي تَنْزِيلِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ جَهْلًا بِدِينِهِمْ وَمُرُوقًا عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ وَرَفْضًا لِسِيَرِ الصَّالِحِينَ فِيهِ مِنْ سَلَفِهِمْ وَتَزْيِيغًا إلَى مَا يُزَيِّنُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا فَهُمْ فِي غَيِّهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَبِكِتَابِ اللَّهِ يَتَلَاعَبُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ لَكِنْ .
قَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ رَزِينٍ وَأَبُو
عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَلُحُونَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَسَيَجِيءُ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ اللُّحُونُ جَمْعُ لَحْنٍ ، وَهُوَ التَّطْرِيبُ وَتَرْجِيعُ الصَّوْتِ وَتَحْسِينُهُ بِالْقِرَاءَةِ كَالشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَيُشْبِهُ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُهُ قُرَّاءُ زَمَانِنَا بَيْنَ يَدَيْ الْوُعَّاظِ فِي الْمَجَالِسِ مِنْ اللُّحُونِ الْأَعْجَمِيَّةِ الَّتِي يَقْرَءُونَ بِهَا مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّرْجِيعُ فِي الْقِرَاءَةِ تَرْدِيدُ الْحُرُوفِ كَقِرَاءَةِ النَّصَارَى وَالتَّرْتِيلُ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ التَّأَنِّي فِيهَا وَالتَّمَهُّلُ وَتَبْيِينُ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ تَشْبِيهًا بِالشِّعْرِ الْمُرَتَّلِ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ .
قَالَ : وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ بِدَلَالَةِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّغَنِّي أَنْ يُحَسِّنَ الْقَارِئُ صَوْتَهُ مَكَانَ مَا يُحَسِّنُ الْمُغَنِّي صَوْتَهُ بِغِنَائِهِ إلَّا أَنَّهُ يَمِيلُ بِهِ نَحْوَ التَّحَزُّنِ دُونَ التَّطْرِيبِ أَيْ : قَدْ عَوَّضَ اللَّهُ مِنْ غِنَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ خَيْرًا مِنْهُ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ، فَمَنْ لَمْ يُحَسِّنْ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ الْغِنَاءِ فَلَيْسَ مِنَّا إلَّا أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا يَدْخُلُهَا شَيْءٌ مِنْ التَّغَنِّي وَفُضُولِ الْأَلْحَانِ وَتَرْدِيدِ الصَّوْتِ مِمَّا يُلْبِسُ الْمَعْنَى وَيَقْطَعُ أَوْصَالَ الْكَلَامِ كَمَا قَدْ دَخَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْغِنَاءِ ، وَإِنَّمَا يَلِيقُ بِالْقُرْآنِ حُسْنُ الصَّوْتِ وَالتَّحْزِينُ بِهِ دُونَ مَا عَدَاهُمَا وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً فَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً مَنْ إذَا سَمِعْته يَقْرَأُ رَأَيْت أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى .
وَقَالَ : إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ ؛ فَابْكُوا ، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي التَّحَزُّنِ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ مُتَلَبِّسًا بِحُزْنِ الْقَلْبِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَتَعَاطَ أَسْبَابَ الْحُزْنِ يُمَثِّلُ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَأَنَّ النَّارَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ ، وَذَلِكَ ؛ لِيَكُونَ ظَاهِرُهُ مُوَافِقًا لِبَاطِنِهِ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ مِنْ التَّحْزِينِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ خُشُوعِ النِّفَاقِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَدَنُ خَاشِعًا وَالْقَلْبُ لَيْسَ كَذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَقَدْ رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا يَمْشِي ، وَهُوَ مُنْحَنِي الرَّأْسِ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ : ارْفَعْ رَأْسَك الْخُشُوعُ هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى قَلْبِهِ .
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفَ فَيَحْتَاجُ الْخَارِجُ إلَى الْمَسْجِدِ ؛ لَأَنْ يَكُونَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِئَلَّا يُعْجِبَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَتَأَثَّرُ قَلْبُهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يَرَى وَكَذَلِكَ مَا يُفْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ غَيْرِ الْجَائِزِ مِنْ جِنْسِ مَا ذُكِرَ مِمَّا تَأْبَاهُ السُّنَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَطَلَبَ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ كُلِّهِ فَيَعْرِفُهُ حِينَ رُؤْيَتِهِ ، وَقَدْ صَارَتْ كَأَنَّهَا شَعَائِرُ الدِّينِ ، وَقَلَّ مَنْ يُنْكِرُهَا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَيَنْوِي مَعَ مَا ذُكِرَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِالْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحْضَرَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ إذْ ذَاكَ كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا مِمَّنْ كَانَ غَافِلًا عَنْهَا أَوْ سَاهِيًا .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ رَمَضَانَ إلَى رَمَضَانَ .
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الصَّوْمِ مَا قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُخْبِرًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ فَهَذَا أَجْرُهُ كَمَا تَرَى لَكِنْ لَمَّا أَنْ زَادَ هَذَا نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ زِيدَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَغْفِرَةً مَا بَيْنَ رَمَضَانَ إلَى رَمَضَانَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .
وَقِيَامُ رَمَضَانَ فِيهِ الْأَجْرُ ابْتِدَاءً لَكِنْ لَمَّا أَنْ زَادَ هَذَا فِي نِيَّتِهِ إحْضَارَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ زِيدَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَغْفِرَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ وَالْوَاجِبُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَجْرُهُ أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ لَكِنْ لَمَّا أَنْ زَادَ هَذَا نِيَّةَ الِاحْتِسَابِ فِي فِعْلِهِ زِيدَ لَهُ عَلَى أَجْرِ الْوَاجِبِ أَجْرُ صَدَقَتِهِ انْتَهَى .
وَإِحْضَارُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْفِعْلَ يَسْتَحْضِرُ الْإِيمَانَ إذْ ذَاكَ ، وَأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مُنْقَادًا مُطِيعًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَا مُجْبَرًا وَلَا مُسْتَحِيًا ، بَلْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ لَيْسَ إلَّا وَالِاحْتِسَابُ أَنْ يَحْتَسِبَ تَعَبَ الْفِعْلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ وَمَشَقَّتَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا
عَلَى غَيْرِهِ مِنْ عِوَضٍ يَأْخُذُهُ أَوْ ثَنَاءٍ أَوْ مِدْحَةٍ أَوْ مَظْلِمَةٍ تَرْتَفِعُ عَنْهُ أَوْ يُرْجَعُ إلَيْهِ أَوْ يُسْمَعُ قَوْلُهُ أَوْ إشَارَتُهُ ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُرِيدُ بِهِ بَدَلًا فَإِذَا فَعَلَ الْفِعْلَ الَّذِي يَفْعَلُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَهَذَا التَّرْتِيبِ فَقَدْ أَتَى بِالْمَقْصُودِ وَالْمُرَادِ ، وَقَدْ كَمَّلَ النِّيَّةَ وَأَتَمَّهَا وَنَمَّاهَا فَيُرْجَى لَهُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا وَعَدَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُطَّرِدَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا وَاجِبِهَا وَمَنْدُوبِهَا وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ : كُلُّ مَا ذَكَرْته مُتَعَذِّرٌ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَحْتَاجُ إلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ النَّاسِ أَرْبَابُ ضَرُورَاتٍ فَلَا يُمَكِّنُهُمْ الْوُقُوفُ لِمُرَاعَاةِ مَا ذُكِرَ فَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ .
قَالَ : قَالَ لَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِثَغْرِ عَسْقَلَانَ : سَمِعْت إمَامَ الْحَرَمَيْنِ يَقُولُ يُحْضِرُ الْإِنْسَانُ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ النِّيَّةَ وَيُجَرِّدُ النَّظَرَ فِي الصَّانِعِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ حَتَّى يَنْتَهِيَ نَظَرُهُ إلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ قَالَ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَدْنَى لَحْظَةٍ ؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ ذَلِكَ الْجُهَّالِ يَفْتَقِرُ إلَى الزَّمَانِ الطَّوِيلِ وَتَذَكُّرَهَا يَكُونُ فِي لَحْظَةٍ انْتَهَى .
وَمِنْ تَمَامِ النِّيَّةِ وَتَكْمِلَتِهَا وَحُسْنِهَا وَتَنْمِيَتِهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَصْحَبَةً فِي كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ لَكِنْ هَذَا فِي الْغَالِبِ صَعْبٌ عَسِيرٌ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ ، وَذَلِكَ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ فَيُجْزَى بِالنِّيَّةِ الَّتِي خَرَجَ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ النِّيَّاتِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ اثْنَانِ وَتِسْعُونَ مَعَ مَا يُضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ نِيَّةِ شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَفَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَفَضَائِلِهَا ، وَذَلِكَ سَبْعٌ وَسِتُّونَ .
فَالشُّرُوطُ خَمْسَةٌ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ .
وَتَخْتَصُّ الْجُمُعَةُ بِثَمَانِيَةِ شُرُوطٍ : أَرْبَعٌ لِلْوُجُوبِ ، وَأَرْبَعٌ : لِلْأَدَاءِ فَأَمَّا الْأَرْبَعُ الَّتِي لِلْوُجُوبِ فَهِيَ الذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِقَامَةُ وَمَوْضِعُ الِاسْتِيطَانِ .
أَمَّا الَّتِي لِلْأَدَاءِ فَهِيَ إمَامٌ وَجَمَاعَةٌ وَمَسْجِدٌ وَخُطْبَةٌ .
وَالْفَرَائِضُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ ، وَكَذَلِكَ مِنْ السُّنَنِ وَكَذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِلِ فَالْفَرَائِضُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ عَشْرَةٌ : وَهِيَ النِّيَّةُ وَالطَّهَارَةُ وَمَعْرِفَةُ الْوَقْتِ وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَرَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقِيَامُ وَالْجُلُوسُ الْأَخِيرُ وَتَرْتِيبُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا ثَلَاثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامُ وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ ، وَمِنْهَا خَمْسٌ مُخْتَلِفٌ فِيهَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ الرَّفْعُ مِنْ الرُّكُوعِ وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَتَرْكُ الْكَلَامِ وَالِاعْتِدَالُ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَاثْنَتَانِ مُخْتَلِفٌ فِيهِمَا هَلْ هُمَا شَرْطُ صِحَّةٍ أَوْ شَرْطُ كَمَالٍ ؟ وَهُمَا الْخُشُوعُ وَدَوَامُ النِّيَّةِ .
أَمَّا السُّنَنُ فَأَوَّلُهَا إقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ
الْإِحْرَامِ وَيَخْتَلِفُ فِي الرَّفْعِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَرَفْعُ الرَّأْسِ مِنْهُ وَالسُّورَةُ الَّتِي تُقْرَأُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ بِهَا فِي مَوْضِعِ السِّرِّ ، وَالْإِنْصَاتُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ وَالتَّكْبِيرُ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَقَدْ قِيلَ : أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِانْفِرَادِهَا سُنَّةٌ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِلْإِمَامِ وَالْفَذِّ ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَالْجُلُوسُ لَهُ وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ وَالْجُلُوسُ لَهُ ، وَهُوَ مَا كَانَ مِنْهُ زَائِدًا عَلَى مَا يَقَعُ فِيهِ السَّلَامُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةً وَفَرِيضَةً مُطْلَقَةً فِي غَيْرِهَا وَرَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ وَتَأْمِينُ الْمَأْمُومِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ : وَلَا الضَّالِّينَ وَقَوْلُهُ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ إذَا قَالَ الْإِمَامُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَالْقِنَاعُ لِلْمَرْأَةِ وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .
أَمَّا الْفَضَائِلُ فَأَوَّلُهَا أَخْذُ الرِّدَاءِ وَالتَّيَامُنُ بِالسَّلَامِ وَقِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ وَإِطَالَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَتَخْفِيفُهَا فِي الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَتَوَسُّطُهَا فِي الْعِشَاءِ وَتَقْصِيرُ الْجِلْسَةِ الْأُولَى وَالتَّأْمِينُ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِلْفَذِّ وَالْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ وَقَوْلُ الْفَذِّ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَصِفَةُ الْجُلُوسِ وَالْإِشَارَةُ بِالْأُصْبُعِ فِيهِ وَالْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ وَالْقِيَامُ مِنْ مَوْضِعِهِ سَاعَةَ يُسَلِّمُ وَالسُّتْرَةُ وَاعْتِدَالُ الصُّفُوفِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْيَدَيْنِ فِي الْفَرِيضَةِ .
وَاخْتُلِفَ فِي وَضْعِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ كَرِهَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى كَرَاهِيَتِهَا أَنْ تُعَدَّ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ .
وَالصَّلَاةُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى مَا أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ وَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلرَّجُلِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ .
أَمَّا إقَامَةُ
الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهَا فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ وَسُنَّةٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَهَذَا مُنْتَهَى مَا عَدَّهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَمِعُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآدَابِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ مِائَةً وَتِسْعَةً وَخَمْسِينَ فَإِنْ أَضَافَ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلَى الصَّلَاةِ وَعِنْدَ اصْطِفَافِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالدُّعَاءِ فِيهِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَرْجُوٌّ فِيهِ قَبُولُ الدُّعَاءِ ثُمَّ يَنْوِي الدُّعَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ أَعْنِي دُعَاءَ كُلِّ إنْسَانٍ فِي سِرِّهِ لِنَفْسِهِ وَلِإِخْوَانِهِ دُونَ جَهْرٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا وَيُرِيدَ أَنْ يُعَلِّمَ الْمَأْمُومِينَ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِذَا رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ تَعَلَّمُوا سَكَتَ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ التَّوْبَةَ حِينَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ السَّقَطَاتِ فِي الْكَلَامِ أَوْ الْغَفَلَاتِ وَالْخَطَرَاتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ ، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَاقِدِ لِلنِّكَاحِ يَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ الْعَقْدِ لِيَحْصُلَ الْعَقْدُ مِنْ تَائِبٍ فَتَكُونُ عَدَالَةُ الْوَلِيِّ حَاصِلَةً بِالتَّوْبَةِ الْوَاقِعَةِ إذْ ذَاكَ فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ الَّذِي فِي الْوَلِيِّ غَيْرِ الْعَدْلِ وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ يُحَصِّلُ التَّوْبَةَ ؛ لِكَيْ يَتَّصِفَ بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَعَلَّهُ يَدْخُلُ إذْ ذَاكَ فِي قَوْله تَعَالَى إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ .
وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ تَجْدِيدًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَوْبَتِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَعَ بَابَ الْمَلِكِ بِالدُّخُولِ فِي مُنَاجَاتِهِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ فِي صَلَاتِهِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
فَهَذِهِ أَرْبَعٌ مُضَافَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ
مِائَةً وَثَلَاثَةً وَسِتِّينَ مِنْ الْآدَابِ فَيَنْوِي ذَلِكَ كُلَّهُ فَمَا صَادَفَهُ بَادَرَ إلَى عَمَلِهِ وَمَا لَمْ يُصَادِفْهُ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ ، وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ الْعَدَدِ عَلَى جِهَةِ التَّقْصِيرِ فِي النَّظَرِ وَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ نُورًا وَتَأْيِيدًا وَتَوْفِيقًا يَرَى أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ وَيَعْلَمُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا هُوَ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ النُّورَ لَا يُشْبِهُ الظَّلَامَ ، وَنَظَرُ الْعَالِمِ لَيْسَ كَنَظَرِ الْعَامِّيِّ ، وَنَظَرُ الْعَامِلِ لَيْسَ كَنَظَرِ الْبَطَّالِ ، وَنَظَرُ الْمُتَّبِعِ لَيْسَ كَنَظَرِ الْمُبْتَدِعِ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْفَضَائِلُ فِي الشَّخْصِ وَتَعَرَّى مِنْ هَذِهِ النَّقَائِصِ حَصَلَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَيْسَ إلَّا .
لَكِنْ بَقِيَ فِي هَذَا شَيْءٌ ، وَهُوَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ هَلْ يُجْزِي عَنْهُمَا أَوْ لَا يُجْزِي أَوْ يُجْزِي عَنْ إحْدَاهُمَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ : يُجْزِي عَنْهُمَا لَا يُجْزِي عَنْهُمَا يُجْزِي عَنْ الْجَنَابَةِ لَيْسَ إلَّا يُجْزِي عَنْ الْجُمُعَةِ لَيْسَ إلَّا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ وَيَقُولُ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِيَنِي عَنْ غُسْلِ جُمُعَتِي أَعْنِي أَنَّهُ يَنْوِي بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ وَمَسْأَلَتُنَا مِثْلُهَا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ فَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ الْمَشْيَ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ نَفْسِهَا ثُمَّ يَقُولُ : وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِيَنِي عَنْ كَذَا وَكَذَا فَيَتَعَدَّدُ مَا ذُكِرَ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَا وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا خَرَجَ بِمَا تَقَدَّمَ فَمَا وَافَقَ مِمَّا نَوَاهُ بَادَرَ إلَيْهِ يَفْتَرِسُهُ فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ وَمَا لَمْ يُوَافِقْهُ فِي الْوَقْتِ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْقَعَ اللَّهُ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : انْوُوا بِنَا حَجًّا انْوُوا بِنَا جِهَادًا انْوُوا بِنَا رِبَاطًا وَجَعَلَ يُعَدِّدُ لَهُمْ أَنْوَاعَ الْبِرِّ وَكَثُرَ فَقَالُوا لَهُ : يَا سَيِّدَنَا كَيْفَ وَأَنْتَ عَلَى هَذَا الْحَالِ ؟ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ عِشْنَا وَفَّيْنَا وَإِنْ مُتْنَا حَصَلَ لَنَا أَجْرُ النِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِي النِّيَّةِ وَتَنْمِيَتِهَا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَالْغَافِلُ الْمِسْكِينُ صَحِيحٌ مُعَافًى ، وَهُوَ فِي عَمًى عَنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ سَاهٍ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عَمَلِهِ لَكِنْ إذَا نَوَى مَا ذُكِرَ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا مَهْمَا قَدَرَ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ اتِّسَاعِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ فَعَلَهُ
لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ فَيَقَعُ فِي الْمَقْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى .
فَإِذَا خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى مَا سَبَقَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَخْطِرَ لَهُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَحَدٍ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقَعُ فِي الْبَلِيَّةِ الْعُظْمَى فَكَانَ تَرْكُهُ لِزِيَادَةِ تِلْكَ النِّيَّاتِ أَوْلَى بِهِ ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ إذَا صَحَّتْ فَكَيْفَ بِهِ فِي عَمَلٍ لَمْ يُعْرَفْ صِحَّتُهُ مِنْ سَقَمِهِ ؟ ، بَلْ يَخْرُجُ مُحْسِنَ الظَّنِّ بِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ فَيَتَّهِمُ نَفْسَهُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِهِ الشَّرَّ ، وَيَعْتَقِدُ فِي غَيْرِهِ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ إذَا رَآهُ يَفْعَلُ الشَّرَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَظُنُّهُ مُحَمَّدَ بْنَ وَاسِعٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَفَعَنَا بِبَرَكَاتِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ سِرِّهِ أَنَّهُ مَرَّ مَعَ أَصْحَابِهِ بِمَوْضِعٍ فَرُمِيَ عَلَيْهِ مِنْ كُوَّةِ دَارٍ رَمَادٌ فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ أَنْ يُعَنِّفُوا أَهْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَالَ : لَا تَفْعَلُوا هَذِهِ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَفَأْلٌ حَسَنٌ لِمَنْ اسْتَحَقَّ النَّارَ ثُمَّ صُفِحَ عَنْهُ ، وَوَقْعُ الصُّلْحِ عَلَى الرَّمَادِ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ فِي حَقِّهِ وَمَا كَانَ سَبَبُ هَذَا الْخُلُقِ مِنْهُ إلَّا سُوءَ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ .
وَحُكِيَ عَنْ آخَرَ أَنَّهُ مَرَّ مَعَ أَصْحَابِهِ بِمَوْضِعٍ وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَلَّ أَنْ يُغَيِّرَ مُنْكَرًا فَمَرُّوا بِدُكَّانٍ وَرَجُلٌ يُجَامِعُ امْرَأَةً عَلَى مَسْطَبَةِ الدُّكَّانِ فَغَمَّضَ الشَّيْخُ عَيْنَيْهِ وَمَرَّ فَجَاءَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَأَمْسَكَهُ .
وَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي مَا بَقِيَ لَك هَاهُنَا تَأْوِيلٌ أَوْ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ فَقَالَ : لَهُ الشَّيْخُ أَمَا تَعْذُرُهُمْ يَا أَخِي كَثُرَتْ الْعِيَالُ وَضَاقَتْ الْبُيُوتُ حَتَّى احْتَاجَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِزَوْجَتِهِ لِمِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا تَحْسِينُ ظَنِّهِ بِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَانَ صَاحِبُ حَالٍ فَحَمَلَهُ حَالُهُ عَلَى مَا فَعَلَ ، وَإِلَّا فَتَحْسِينُ الظَّنِّ مُمْكِنٌ وَنَهْيُهُ وَاجِبٌ أَيْضًا ، وَإِنْ
كَانَتْ زَوْجَتُهُ ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلرِّجَالِ أَنْ يَجْتَمِعُوا بِالنِّسَاءِ فِي الطُّرُقِ لِحَدِيثٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ لَكِنَّ الْحَالَ حَامِلٌ لَا مَحْمُولٌ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إذَا مَرَّ عَلَيْك إنْسَانٌ بِجَرَّةِ خَمْرٍ ثُمَّ غَابَ عَنْك وَرَجَعَ عَرِيًّا عَنْهَا لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَقُولَ : شَرِبَهَا وَلَا أَوْصَلَهَا لِمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا ، وَإِنَّمَا تَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاهُ وَتَابَ عَلَيْهِ .
هَكَذَا تَكُونُ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ مَعَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ أَعْنِي هَذِهِ سَبِيلُهُ مَعَهُمْ مَعَ عَدَمِ الْخِلْطَةِ فَيَدْخُلُ إذْ ذَاكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَلَامَةُ الصَّدْرِ لَا تُبْلَغُ بِعَمَلٍ .
أَمَّا مَعَ الْخِلْطَةِ ، فَالسُّنَّةُ سُوءُ الظَّنِّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُمْ سَبَبٌ لِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ ، وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الْحَزْمِ سُوءُ الظَّنِّ
فَإِذَا خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ عَلَى مَا وَصَفَ وَدَخَلَ إلَيْهِ يُحَيِّيهِ فَهُوَ فِي تَحِيَّتِهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ وَإِنْ شَاءَ فَعَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَالِاسْتِحْبَابُ بَيِّنٌ وَالْوُجُوبُ بِنَذْرِهَا فَتَصِيرُ وَاجِبَةً ثُمَّ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ يُحْرِمُ بِهَا وَفِعْلُ الْوَاجِبِ فِيهِ مِنْ الثَّوَابِ مَا فِيهِ .
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَخْلُو أَمْرُهُ مِنْ إحْدَى أُمُورٍ : إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي الدِّينِ كَالْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَالْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْمُؤَدِّبِ وَالْمُجَاهِدِ وَالْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ لِلْعِبَادَةِ التَّارِكِ لِلْأَسْبَابِ ، فَهَؤُلَاءِ سَبْعَةٌ عَلَيْهِمْ يَدُورُ أَمْرُ الدِّينِ فَأَهَمُّهُمْ وَأَعْظَمُهُمْ هُوَ الْعَالِمُ إذْ أَنَّ السِّتَّةَ الْبَاقِينَ كُلَّهُمْ رَاجِعُونَ إلَيْهِ دَاخِلُونَ تَحْتَ أَحْكَامِهِ وَإِشَارَتِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْعِلْمُ إمَامٌ وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَكَانَ فِي عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ هُوَ أَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَبِقَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ : ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ لَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقْرِئُهُمْ الْعَشْرَ فَلَا يُجَاوِزُونَهَا إلَى عَشْرٍ أُخْرَى حَتَّى يَتَعَلَّمُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْعَمَلِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ جَمِيعًا وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ السُّلَمِيِّ قَالَ : كُنَّا إذَا تَعَلَّمْنَا عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ نَتَعَلَّمْ الْعَشَرَةَ الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى نَعْرِفَ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا وَأَمْرَهَا وَنَهْيَهَا انْتَهَى .
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ أَعْلَمَ الْقَوْمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ حَاجَةً إلَى الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةُ أَعْلَى الْمَنَاصِبِ وَأَجَلُّهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَالِمًا أَعْنِي عَلَى طَرِيقِ
الْكَمَالِ ، وَإِلَّا فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْعَالِمِ يَسْتَقِيمُ حَالُهُ وَيَصِيرُ عَالِمًا بِأَحْكَامِ خُطَّتِهِ وَمَرْتَبَتِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْخَمْسَةِ الْبَاقِينَ كُلٌّ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلْمِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي أُهِّلَ إلَيْهِ إمَّا بِالتَّعْلِيمِ أَوْ بِالسُّؤَالِ مِنْ الْعَالِمِ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَهْلِ الْبَلَاءِ إلَى الْجَنَّةِ ، وَالْعُلَمَاءُ وُقُوفٌ فِي الْمَحْشَرِ فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا بِفَضْلِ عِلْمِنَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ أَيْ : أَنَّهُمْ عَلَّمُوهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي بَلَائِهِمْ وَمَا لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأُجُورِ وَكَيْفِيَّةَ الصَّبْرِ وَمَا لِلصَّابِرِينَ فَامْتَثَلُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ فَكَانُوا سَبَبًا لِمَا جَرَى ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمُجَاهِدِينَ وَالْمُصَابِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ .
وَالْعُلَمَاءُ وُقُوفٌ يَقُولُونَ : يَا رَبَّنَا بِفَضْلِ عِلْمِنَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنْتُمْ عِنْدِي كَأَنْبِيَائِي اذْهَبُوا فَاخْتَرِقُوا الصُّفُوفَ فَاشْفَعُوا تُشَفَّعُوا ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِ الْعَالِمِ ، وَتُقَدَّمُ رُتْبَتُهُ بِالذِّكْرِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الرُّتَبِ الْبَاقِيَةِ إذْ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لَهُمْ فِي مَقَامِهِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ وَالْبَاقُونَ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ مُضْطَرُّونَ لَا تَتِمُّ لَهُمْ صَفْقَةٌ وَلَا يَتَقَوَّمُ لَهُمْ أَمْرٌ إلَّا بِدُخُولِ الْعَالِمِ بَيْنَهُمْ ، وَإِلَّا كَانَ سَعْيُهُمْ هَبَاءً مَنْثُورًا فَجَاءَ مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ نِعْمَ الرَّجُلُ الْعَالِمُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ نَفَعَ وَإِنْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ بِاَللَّهِ .
وَبِالْكَلَامِ عَلَى الْعَالِمِ وَتَمْيِيزِ مَقَامِهِ يَنْدَرِجُ غَيْرُهُ فِيهِ مِنْ مُتَعَلِّمٍ أَوْ غَيْرِهِ .
وَأَبْقَيْت بَقِيَّةً مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْبَاقِينَ وَسَنَذْكُرُ كُلًّا مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
( فَصْلٌ ) فِي الْعَالِمِ وَكَيْفِيَّةِ نِيَّتِهِ وَهَدْيِهِ وَأَدَبِهِ فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ جَهْدَهُ مَا اسْتَطَاعَ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَنْ ذُكِرَ إذْ أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَعِمَادُهُ ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ فَرْعٌ عَنْهُ وَتَابِعٌ لَهُ كَأَصْلِ الشَّجَرَةِ إنْ اسْتَقَامَ اسْتَقَامَتْ الْفُرُوعُ وَإِنْ أَصَابَتْ الْأَصْلَ آفَةٌ هَلَكَتْ الْفُرُوعُ وَالنِّيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ لِإِحْرَازِ هَذَا الْأَصْلِ إنْ كَانَ حَسَنًا يَسْلَمُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعَاهَاتِ وَالْآفَاتِ وَالْبَلِيَّاتِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نِيَّةُ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ .
وَلَا يُوجَدُ فِي الْأَعْمَالِ كُلِّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ فِيهِ حَسَنَةً فَإِذَا كَانَتْ النِّيَّةُ حَسَنَةً كَانَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ ، وَإِلَّا فَتَكُونُ الْأَعْمَالُ تَفْضُلُهُ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ النِّيَّةُ فِيهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِابْنِ وَهْبٍ لَمَّا أَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ مَا الَّذِي قُمْت إلَيْهِ بِأَوْجَبَ عَلَيْك مِنْ الَّذِي قُمْت عَنْهُ ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مَا كَانَتْ فَكَانَ طَلَبُ الْعِلْمِ لَا يَفُوقُهُ غَيْرُهُ وَالصَّلَاةُ تُدْرَكُ ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ وَمَسَائِلَ الْعِلْمِ تَفُوتُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَلَا تَتَحَصَّلُ لِلْإِنْسَانِ وَحْدَهُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ مَضَتْ الْحِكْمَةُ وَبِهِ وَقَعَ التَّكْلِيفُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَهُوَ الْآنَ مُتَيَسِّرٌ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مُجَالَسَتِهِ الْإِمَامَ مَالِكًا الَّذِي كَانَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَدْ تَفُوتُهُ مُجَالَسَتُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَالنِّيَّةُ أَوْلَى مَا يُرَاعِي الْعَالِمُ أَوَّلًا ثُمَّ يُنَمِّيهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَيُحَسِّنُهَا وَالْعَالِمُ أَوْلَى بِتَنْمِيَتِهَا وَتَحْسِينِهَا ، إذْ الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ يُبَصِّرُهُ بِذَلِكَ وَيَدُلُّهُ عَلَيْهِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ وَكَيْفِيَّةُ إخْلَاصِ النِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ بِنِيَّةِ أَنْ يَمْتَثِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَيُقْرَأُ أَيْضًا تُعَلِّمُونَ وَتَعْلَمُونَ بِمَعْنَى تَتَعَلَّمُونَ فَتَجْمَعُ الْقِرَاءَاتُ الثَّلَاثُ الْعِلْمَ وَالتَّعْلِيمَ وَالتَّعَلُّمَ .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً .
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى قَفَاهُ ثُمَّ ظَنَنْت أَنْ أُنْفِذَ كَلِمَةً سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجْهِزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا .
وَالْأَجْرُ فِي الْعِنَايَةِ بِالْعِلْمِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ فِيهِ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ قَسَّمَ بَيْنَ عِبَادِهِ الْأَعْمَالَ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالثَّوَابِ .
وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْعُبَّادِ كَتَبَ إلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحُضُّهُ عَلَى الِانْفِرَادِ وَتَرْكِ مُجَالَسَةِ النَّاسِ فَكَتَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ يَقُولُ : إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ قَسَّمَ بَيْنَ عِبَادِهِ الْأَعْمَالَ كَمَا قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ فَرُبَّ رَجُلٍ فُتِحَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي الصِّيَامِ وَرُبَّ رَجُلٍ فُتِحَ لَهُ فِي الصِّيَامِ وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَرُبَّ رَجُلٍ
فُتِحَ لَهُ فِي كَذَا وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي كَذَا فَعَدَّدَ أَشْيَاءَ ثُمَّ قَالَ : وَمَا أَظُنُّ مَا أَنْتَ فِيهِ بِأَفْضَلَ مِمَّا أَنَا فِيهِ ، وَكِلَانَا عَلَى خَيْرٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالسَّلَامُ .
وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا ، الْعَمَلُ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ إذْ هُوَ الَّذِي يُقِرُّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَسْرَةً وَنَدَامَةً رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَسَيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ أَوْ قَالَ لَيْلَةَ تَمَامِهِ يَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي مَاذَا عَمِلْت فِيمَا عَلِمْت يَا ابْنَ آدَمَ ؟ مَاذَا أَجَبْت الْمُرْسَلِينَ ؟ .
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ ( مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ أَوْحَى إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ قُلْ لِلَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي غَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الْكِبَاشِ وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنْ الصَّبْرِ إيَّايَ يُخَادِعُونَ وَبِي يَسْتَهْزِئُونَ لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ .
وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ آدَابِ النُّفُوسِ بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُخَادِعُوا اللَّهَ فَإِنَّهُ مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يُخَادِعْهُ اللَّهُ وَنَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ كَانَ يَشْعُرُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْف يُخَادَعُ اللَّهُ ؟ قَالَ : تَعْمَلُ بِمَا أَمَرَك اللَّهُ بِهِ وَتَطْلُبُ بِهِ غَيْرَهُ وَاتَّقُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ
الشِّرْكُ ، وَإِنَّ الْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ يُنْسَبُ إلَيْهَا يَا كَافِرُ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا خَاسِرُ ضَلَّ عَمَلُك وَبَطَلَ أَجْرُك فَلَا خَلَاقَ لَك الْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَك مِمَّنْ كُنْت تَعْمَلُ لَهُ يَا مُخَادِعُ انْتَهَى .
، وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ مَا جَاءَ فِي نَصِّ التَّنْزِيلِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُخَادِعُونَ اللَّهَ ، وَهُوَ خَادِعُهُمْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : مَعْنَاهُ يُقَابِلُهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ وَمِنْ كِتَابِ الْقُرْطُبِيِّ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ إذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو أَوْ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَتُتَّخَذُ سُنَّةٌ مُبْتَدَعَةٌ تَجْرِي عَلَيْهَا النَّاسُ فَإِذَا غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ : غُيِّرَتْ السُّنَّةُ قِيلَ : مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : إذَا كَثُرَ قُرَّاؤُكُمْ ، وَقَلَّ فُقَهَاؤُكُمْ وَكَثُرَ أُمَرَاؤُكُمْ وَقَلَّ أُمَنَاؤُكُمْ وَالْتُمِسَتْ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَتَفَقَّهَ الرَّجُلُ لِغَيْرِ الدِّينِ ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ أَخَذُوهُ بِحَقِّهِ أَوْ كَمَا يَنْبَغِي لَأَحَبَّهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ طَلَبُوا بِهِ الدُّنْيَا فَأَبْغَضَهُمْ اللَّهُ وَهَانُوا عَلَى النَّاسِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ قَالَ : قَوْمٌ وَصَفُوا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَخَالَفُوهُ بِقُلُوبِهِمْ إلَى غَيْرِهِ انْتَهَى .
وَمِنْ كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لِلْإِمَامِ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يَنْسِبُ الْحِكْمَةَ لِغَيْرِ أَهْلِهَا أَمَّا الْحِكْمَةُ فَقَدْ صَارَ هَذَا الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الطَّبِيبِ ، وَعَلَى الشَّاعِرِ ، وَعَلَى الْمُنَجِّمِ حَتَّى عَلَى الَّذِي
يُخْرِجُ الْقُرْعَةَ وَاَلَّذِي يَجْلِسُ عَلَى شَوَارِعِ الطُّرُقِ لِلْحِسَابِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الَّتِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهَا فَقَالَ : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةٌ مِنْ الْحِكْمَةِ يَتَعَلَّمُهَا الرَّجُلُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا .
ثُمَّ قَالَ وَانْظُرْ كُلَّ مَا ارْتَضَاهُ السَّلَفُ مِنْ الْعُلُومِ قَدْ انْدَرَسَ وَمَا رَكِبَ النَّاسُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَأَكْثَرُهُ مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ ، وَقَدْ صَحَّ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قِيلَ : وَمَنْ الْغُرَبَاءُ ؟ فَقَالَ : الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي وَاَلَّذِينَ يُحْيُونَ مَا أَمَاتُوهُ مِنْ سُنَّتِي وَفِي خَبَرٍ آخَرَ مَرْوِيٍّ هُمْ الْمُتَمَسِّكُونَ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ نَاسٌ قَلِيلُونَ صَالِحُونَ بَيْنَ نَاسٍ كَثِيرٍ مَنْ يَبْغُضُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُحِبُّهُمْ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا رَأَيْتُمْ الْعَالِمَ كَثِيرَ الْأَصْدِقَاءِ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ مُخْلِطٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَطَقَ بِالْحَقِّ أَبْغَضُوهُ انْتَهَى .
وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَيْضًا وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالصَّوْنِ عَنْ طُرُقِ الشُّبُهَاتِ وَيُقَلِّلَ الضَّحِكَ وَالْكَلَامَ بِمَا لَا فَائِدَ فِيهِ وَيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالْحِلْمِ وَالْوَقَارِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلْفُقَرَاءِ وَيَجْتَنِبَ التَّكَبُّرَ وَالْإِعْجَابَ وَيَتَجَافَى عَنْ الدُّنْيَا وَأَبْنَائِهَا إنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ انْتَهَى وَإِنْ لَمْ يَخَفْ خَالَطَهُمْ بِالظَّاهِرِ مَعَ سَلَامَةِ بَاطِنِهِ لِيُبَلِّغَهُمْ أَحْكَامَ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيَتْرُكُ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ وَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالرِّفْقِ وَالْأَدَبِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُؤْمَنُ شَرُّهُ وَيُرْجَى خَيْرُهُ وَيُسْلَمُ مِنْ ضَرِّهِ وَأَنْ لَا يَسْمَعَ مِمَّنْ ثَمَّ عِنْدَهُ وَيُصَاحِبُ مَنْ يُعَاوِنُهُ عَلَى الْخَيْرِ وَيَدُلُّهُ عَلَى الصِّدْقِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيُزَيِّنُهُ وَلَا يَشِينُهُ انْتَهَى .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ التَّقْصِيرِ مُشْفِقًا عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّبْلِيغِ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِذَلِكَ وَيَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ أَقَلُّ عَبِيدِ اللَّهِ وَأَكْثَرُهُمْ حَاجَةً إلَيْهِ وَأَفْقَرُهُمْ إلَى التَّعْلِيمِ كَمَا قِيلَ : الْعَالِمُ عَالِمٌ مَا كَانَ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ جَاهِلٌ فَإِذَا رَأَى نَفْسَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ فَقَدْ جَهِلَ بَلْ مُسْتَرْشِدٌ مُتَعَلِّمٌ يَقْعُدُ مَعَ إخْوَانِهِ يُرْشِدُهُمْ وَيَسْتَرْشِدُ مِنْهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ وَقَعَ لِي سُؤَالٌ مَعَ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا جِئْت أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : لِي أَمَا تَقْرَأُ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَقُلْت : أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك فَقَالَ : لِي كَيْفَ تَتْرُكُ الْعُلَمَاءَ وَتَأْتِي تَقْرَأُ عَلَى مِثْلِي فَقُلْت : أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك فَقَالَ : اسْتَخِرْ اللَّهَ تَعَالَى فَاسْتَخَرْت اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ جِئْت إلَيْهِ فَقُلْت : أَقْرَأُ قَالَ : عَزَمْت قُلْت : نَعَمْ فَقَالَ : لِي لَا يَخْطِرُ بِخَاطِرِك وَلَا يَمُرُّ بِبَالِك أَنَّك تَقْرَأُ عَلَى عَالِمٍ وَلَا أَنَّك بَيْنَ
يَدَيْ شَيْخٍ إنَّمَا نَحْنُ إخْوَانٌ مُجْتَمِعُونَ نَتَذَاكَرُ أَشْيَاءَ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا فَعَلَى أَيِّ لِسَانٍ خَلَقَ اللَّهُ الصَّوَابَ وَالْحَقَّ قَبِلْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا مِنْ الْمَكْتَبِ .
فَإِذَا قَعَدَ الْإِنْسَانُ لِلتَّعْلِيمِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الَّذِي ذُكِرَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مَنْزِلَةً وَأَكْثَرِهِمْ خَيْرًا وَبَرَكَةً أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ ثُمَّ قَعَدَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ نُودِيَ فِي السَّمَوَاتِ عَظِيمًا .
وَبِهَذَا تَوَاطَأَتْ الْأَخْبَارُ وَنَقَلَتْ الْأُمَّةُ خَلْفًا عَنْ سَلَفٍ أَعْنِي تَعْظِيمَ الْعَالِمِ وَرَفْعَ مَنْزِلَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذْ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا الْعُلَمَاءُ ثُمَّ بَعْدَ دَرَجَتِهِمْ دَرَجَةُ الشُّهَدَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ لَوْ وُزِنَ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ وَدَمُ الشُّهَدَاءِ لَرَجَحَ عَلَيْهِ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ .
وَهَذَا بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّ دَمَ الشُّهَدَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ أَوْ سَاعَاتٍ ثُمَّ انْفَصَلَ الْأَمْرُ فِيهِ لِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ، وَمِدَادُ الْعُلَمَاءِ هُوَ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ لَيْلًا وَنَهَارًا ثُمَّ إنَّهُ مُحْتَاجٌ فِيهِ لِمُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يُعَلِّمَ أَوْ يَتَعَلَّمَ ، وَكِلَاهُمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُجَاهِدَةٍ عَظِيمَةٍ لِأَجْلِ خِلْطَةِ النَّاسِ وَمُبَاشَرَتِهِمْ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ عَسِيرٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنَّ كُلَّ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ يَنْفَصِلُ ، وَهُوَ طَيِّبُ النَّفْسِ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ بِذَلِكَ مَضَتْ السُّنَّةُ وَانْقَرَضَ السَّلَفُ عَلَيْهِ .
وَهَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ تَخْلِيصُ الذِّمَّةِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ فِيهَا ، وَعَلَيْهَا مِنْ حُقُوقِ الْإِخْوَانِ فِي الْحَضْرَةِ وَالْغَيْبَةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ وَالذَّبِّ عَنْهُمْ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ لَهُمْ وَمُرَاعَاةِ أَحْوَالِهِمْ وَإِنْصَافِهِمْ فِي الْخِلْطَةِ وَالتَّوْفِيَةُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَعْبٌ عَسِيرٌ فَضْلًا عَنْ مُكَابَدَةِ فَهْمِ الْمَسَائِلِ وَالْوُقُوفِ عَلَى
مَعَانِيهَا وَغَامِضِ خَبَايَاهَا آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ مَعَ مَا يَنْزِلُ مِنْ النَّوَازِلِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ فِي زَمَانِهِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعُلَمَاءَ بِفَضِيلَةٍ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْبَدُ بِتَقْوَاهُمْ وَيُعْرَفُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ بِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ مُدَافِعُونَ لِوُجُودِ كُلِّ فِتْنَةٍ وَمِحْنَةٍ وَحَادِثَةٍ وَبِدْعَةٍ انْتَهَى .
وَهَذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ إذْ بِهِ يُعْبَدُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُطَاعُ وَبِهِ يُنْهَى عَنْ مَعَاصِيهِ وَتُتْرَكُ فَكُلُّ مَنْ تَرَكَ مَعْصِيَةً أَوْ بِدْعَةً فَفِي صَحِيفَتِهِ ، بَلْ وَكُلُّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَعَبَدَ اللَّهَ فَذَلِكَ فِي صَحِيفَتِهِ أَيْضًا .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ فَكَيْفَ تَكُونُ صَحِيفَةُ هَذَا الْعَالِمِ ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ مَنْزِلَتُهُ ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ عِنْدَ الْوُفُودِ عَلَى رَبِّهِ عِنْدَ ظُهُورِ السَّرَائِرِ وَالْمُخَبَّآتِ ؟ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْإِحْيَاءِ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَالِ الْعِلْمُ يَحْرُسُك وَالْمَالُ تَحْرُسُهُ ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ ، وَالْمَالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو بِالنَّفَقَةِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْمُجَاهِدِ ، وَإِذَا مَاتَ الْعَالِمُ انْثَلَمَتْ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا يَسُدُّهَا إلَّا خَلْفٌ مِنْهُ .
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ : لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنْ الْعِلْمِ الْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ وَالْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا خُيِّرَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بَيْنَ الْعِلْمِ
وَالْمَالِ وَالْمُلْكِ فَاخْتَارَ الْعِلْمَ فَأُعْطِيَ الْمَالَ وَالْمُلْكَ مَعَهُ .
وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَنْ النَّاسُ فَقَالَ : الْعُلَمَاءُ قِيلَ : فَمَنْ الْمُلُوكُ ، قَالَ الزُّهَّادُ : قِيلَ ، فَمَنْ السَّفَلَةُ قَالَ الَّذِي يَأْكُلُ بِدِينِهِ دُنْيَاهُ فَلَمْ يَجْعَلْ غَيْرَ الْعَالَمِ مِنْ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْخَاصِّيَّةَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا النَّاسُ عَنْ سَائِرِ الْبَهَائِمِ هُوَ الْعِلْمُ الْإِنْسَانُ إنْسَانٌ بِمَا هُوَ شَرِيفٌ لِأَجْلِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الشَّخْصِ فَإِنَّ الْجَمَلَ أَقْوَى مِنْهُ وَلَا بِعِظَمِ جِسْمِهِ فَإِنَّ الْفِيلَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَلَا بِشَجَاعَتِهِ فَإِنَّ السَّبُعَ أَشْجَعُ مِنْهُ وَلَا بِأَكْلِهِ فَإِنَّ الْجَمَلَ أَوْسَعُ بَطْنًا مِنْهُ وَلَا بِمُجَامَعَتِهِ فَإِنَّ أَخَسَّ الْعَصَافِيرِ أَقْوَى مِنْهُ عَلَى السِّفَادِ ، بَلْ لَمْ يُخْلَقْ الْإِنْسَانُ إلَّا لِلْعِلْمِ .
وَقَدْ ذُكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَمَا جَاءَ فِيهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَأَكْثَرُ ، فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِهِ فَإِنَّهُ أَطْنَبَ فِي ذَلِكَ وَأَمْعَنَ فِيهِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ .
لَكِنْ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى تَكُونُ الْمُؤَاخَذَةُ أَشَدَّ إذْ أَنَّهُ يُحَاسِبُ عَلَى أُمُورٍ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا غَيْرُهُ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَمَدَّ رِجْلَهُ لِيَسْتَرِيحَ ثُمَّ قَبَضَهَا وَجَعَلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِمَّا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ عِنْدَنَا حِسًّا ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ عِنْدَنَا لَا يُؤَاخِذُ السَّائِسَ بِمَا يُؤَاخِذُهُ بِهِ النَّائِبُ وَالْوَزِيرُ كُلٌّ فِي مَرْتَبَتِهِ ، وَكُلٌّ يُخَاطَبُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَعَقْلِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِهَذَا الْعَالِمِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ حَالِهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ مِنْ أَنْ يُدَنِّسَهُ بِمُخَالَفَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ يَتَأَوَّلُهَا أَوْ يُبِيحُهَا أَوْ يَسْهُو عَنْ سُنَّةٍ أَوْ يَغْفُلُ
عَنْهَا أَوْ يَتْرُكُ بِدْعَةً مَعَ رُؤْيَتِهَا بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ عَنْهَا أَوْ يَمُرُّ عَلَيْهِ مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِ عِلْمِهِ لَا يَحُضُّ فِيهِ عَلَى السُّنَّةِ وَلَا يَأْمُرُ فِيهِ بِاجْتِنَابِ الْبِدْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا انْعَقَدَتْ مَجَالِسُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَبِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانُوا يُكَرِّرُونَ مَجَالِسَهُمْ حِينَ كَانَتْ السُّنَنُ قَائِمَةً وَالْبِدَعُ خَامِدَةً فَكَيْفَ بِهِ الْيَوْمَ ؟ .
وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ تَعَيَّنَ الْيَوْمَ عَلَى كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَضْلًا عَنْ مَسَائِلَ لِكَثْرَةِ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ فِي زَمَانِنَا هَذَا وَشَنَاعَتِهَا وَقُبْحِهَا إذْ أَنَّهَا كُلُّهَا صَارَتْ كَأَنَّهَا شَعَائِرُ الدِّينِ وَمِنْ الْأُمُورِ الْمُفْتَرَضَةِ عَلَيْنَا وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَقْوَالِنَا وَتَصَرُّفِنَا وَلَيْسَ لَنَا طَرِيقٌ لِمَعْرِفَةِ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ إلَّا مِنْ مَجَالِسِ عُلَمَائِنَا فَبَانَ مِنْ هَذَا أَتَمَّ بَيَانٍ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُتَعَيَّنٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُبَاشِرْ الْبِدَعَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَرَهَا .
أَمَّا مَعَ رُؤْيَتِهَا فَلَا يُمْكِنُ لِلْعَالِمِ تَرْكُهَا لِمَا وَرَدَ فِي قَوْله تَعَالَى حِينِ قَرَأَ الْقَارِئُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ فَقَالَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَأْخُذُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إذَا ظَهَرَ فِيكُمْ الْمُنْكَرُ فَلَمْ تُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّ اللَّهُ الْكُلَّ بِعَذَابٍ وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَلِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ ثُمَّ بِاللِّسَانِ ثُمَّ بِالْقَلْبِ عَلَى مَا مَرَّ ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إنَّ التَّغْيِيرَ بِالْيَدِ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَبِاللِّسَانِ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَبِالْقَلْبِ مُتَعَيِّنٌ عَلَى غَيْرِهِمَا ، وَمَا قَالُوهُ هُوَ فِي غَالِبِ الْحَالِ ، وَإِلَّا فَقَدْ نَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُ يَتَعَيَّنُ تَغْيِيرُهُ بِالْيَدِ عَلَى غَيْرِ الْأَمِيرِ وَغَيْرِ الْعَالِمِ فَضْلًا عَنْهُمَا .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَنْقَسِمُ التَّغْيِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَالِمِ قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ يَتَغَيَّرُ بِالْيَدِ ، وَقِسْمٌ يَتَغَيَّرُ بِاللِّسَانِ ، وَالشَّاذُّ النَّادِرُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ بِالْقَلْبِ .
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ مَا هَذَا لَفْظُهُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِمَا لَمْ يَصِحَّ لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ إذْ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَأْمُرَ بِالْمُنْكَرِ لِجَهْلِهِ بِحُكْمِهِمَا وَتَتَمَيَّزُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ .
وَالثَّانِي : أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ الْمُنْكَرَ إلَى مُنْكَرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ مِثْلَ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَيُؤَوَّلُ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ إلَى قَتْلِ نَفْسٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إنْكَارَهُ الْمُنْكَرَ مُزِيلٌ لَهُ ، وَأَنَّ أَمْرَهُ مُؤَثِّرٌ وَنَافِعٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وَلَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ .
فَالشَّرْطَانِ : الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مُشْتَرَطَانِ فِي الْجَوَازِ وَالشَّرْطُ الثَّالِثِ مُشْتَرَطٌ فِي الْوُجُوبِ فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْمُرَ وَلَا يَنْهَى ، وَإِذَا
عُدِمَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَوُجِدَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي جَازَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ رَابِعٌ ، وَهُوَ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْلَ فَمَا دُونَهُ فَيَجُوزُ إنْ لَمْ يَأْمَنْ لِحَدِيثِ أَعْظَمُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ : عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ .
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ الْآيَةَ مَعْنَاهُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَقْوَى مَنْ يُنْكِرُهُ ، لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَيَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ وَيَرْجِعُ أَمْرُهُ إلَى خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ سِوَى الْإِنْكَارِ بِقَلْبِهِ وَلَا يَضُرُّهُ مَعَ ذَلِكَ مَنْ ضَلَّ يُبَيِّنُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ : إذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي بَنْيِ إسْرَائِيلَ قِيلَ : وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : إذَا ظَهَرَ الِادِّهَانُ فِي خِيَارِكُمْ وَالْفَاحِشَةُ فِي شِرَارِكُمْ وَتَحَوَّلَ الْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ وَالْفِقْهُ فِي أَرَاذِلِكُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ : سَأَلْت أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْت : كَيْفَ نَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ قُلْت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ الْآيَةَ فَقَالَ : لِي أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهُوا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ ، فَمَنْ صَبَرَ فِيهِنَّ قَبَضَ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ
مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ .
وَمَا أَشْبَهَ زَمَانَنَا هَذَا بِهَذَا الزَّمَانِ تَغَمَّدَنَا اللَّهُ بِعَفْوٍ مِنْهُ وَغُفْرَانٍ انْتَهَى ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا مُنْتَبِهًا لِتَغْيِيرِ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ عِنْدَنَا مَوْجُودٌ مُبَاشَرٌ فِي بَعْضِ مَجَالِسِ عِلْمِنَا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَجَالِسِ ، وَيَا لَيْتَنَا لَوْ كُنَّا نُبَاشِرُهُ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ أَوْ مَكْرُوهٌ إذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنَّا كَذَلِكَ لَرُجِيَ لِأَحَدِنَا أَنْ يُقْلِعَ عَنْ ذَلِكَ وَيَتُوبَ ، وَلَكِنَّا قَدْ أَخَذْنَا أَكْثَرَ ذَلِكَ فَجَعَلْنَاهُ شَعِيرَةً لَنَا وَدِينًا وَتَقْوَى مُقْتَفِينَ فِي ذَلِكَ آثَارَ مَنْ غَلِطَ أَوْ سَهَا أَوْ غَفَلَ مِنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ حُجَّةً أَوْ حُجَجًا مَرْدُودَةً عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِ حَالِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَقَوْلِهِ وَحُجَّتِهِ ، وَنَجْعَلُ ذَلِكَ قُدْوَةً لَنَا فَإِذَا جَاءَ أَحَدٌ يُغَيِّرُ عَلَيْنَا مَا ارْتَكَبْنَا مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ شَنَّعْنَا عَلَيْهِ الْأَمْرَ .
وَقُلْنَا : إنْ حَسَّنَّا بِهِ الظَّنَّ وَكَانَ لَهُ تَوْقِيرٌ فِي قُلُوبِنَا هَذَا وَرَعٌ أَوْ مَرْبُوطٌ قَدْ أَفْتَى فُلَانٌ بِجَوَازِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُغَيِّرُ عَلَيْنَا مِمَّنْ لَا نَعْرِفُهُ وَلَا نَعْتَقِدُهُ فَيَجْرِي عَلَيْهِ مِنَّا مَا لَا يَظُنُّهُ وَلَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ فِينَا
فَصَارَ حَالُنَا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذُكِرَ أَنْ بَقِينَا مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ الَّذِي قَسَّمَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إنَّ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : عَالِمٌ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَالِمٌ فَيُتَعَلَّمُ مِنْهُ وَجَاهِلٌ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ وَعَالِمٌ ، وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّهُ عَالِمٌ فَنَبِّهُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ وَجَاهِلٌ ، وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّهُ جَاهِلٌ فَاهْرَبُوا مِنْهُ فَقَدْ صَارَتْ أَحْوَالُنَا الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الرَّابِعِ ، وَهُوَ الْجَهْلُ وَالْجَهْلُ بِالْجَهْلِ هَذَا هُوَ السُّمُّ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّا لَوْ رَأَيْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَهْلِ لَرُجِيَ لَنَا الِانْتِقَالُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ وَلَكِنْ مَنْ يَنْتَقِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ لَا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ عَنْ ذَلِكَ وَظَنَنَّا بِأَنْفُسِنَا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ، وَلَوْلَا مَا تَرَكَّبَ فِينَا مِنْ سُمِّ الْجَهْلِ مَا أَقَمْنَا الْحُجَّةَ فِي دِينِنَا بِمَنْ سَهَا أَوْ غَلِطَ أَوْ غَفَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْإِنْسَانُ فِي دِينِهِ إلَّا مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ وَذَلِكَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ إلَّا أَوْ مَنْ شَهِدَ لَهُ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَيْرِ ، وَهُوَ الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .
وَقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَصْحَابِي مِثْلُ النُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فَقِيلَ لَهُ : فَمَا بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ الَّتِي ذَكَرْت فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ يَعْنِي لَا شَيْءَ .
وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْقُرُونِ الْمَذْكُورَةِ يَعْنِي فِي غَالِبِ الْحَالِ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَ ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ لَا يُقْتَدَى بِهِمْ ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ أَهْلَ الْعِلْمِ أَلَا تَرَى إلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إذْ قَالَ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْت النَّاسَ وَمَا رَأَيْت النَّاسَ فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِمْ الْعُلَمَاءَ ، فَالنَّاسُ عِنْدَهُمْ هُمْ الْعُلَمَاءُ فَالْحَدِيثُ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ لَيْسَ إلَّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْمَخْصُوصِ الْمُشَارِ إلَيْهِ مِنْ صَاحِبِ الْعِصْمَةِ بِالْخَيْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ الشَّارِعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ وَكَيْفَ خَصَّهُمْ بِالْفَضِيلَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؟ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْقُرُونِ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ لَكِنْ اخْتَصَّتْ تِلْكَ الْقُرُونُ بِمَزِيَّةٍ لَا يُوَازِيهِمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَصَّهُمْ لِإِقَامَةِ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ فَالْقَرْنُ الْأَوَّلُ خَصَّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِخُصُوصِيَّةٍ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ أَنْ يَلْحَقَ غُبَارَ أَحَدِهِمْ فَضْلًا عَنْ عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ خَصَّهُمْ بِرُؤْيَةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُشَاهَدَتِهِ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ غَضًّا طَرِيًّا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَتَلَقَّاهُ مِنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَخَصَّهُمْ بِالْقِتَالِ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّهِ وَنُصْرَتِهِ وَحِمَايَتِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَإِخْمَادِهِ وَرَفْعِ مَنَارِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَائِهِ وَحِفْظِهِمْ آيِ الْقُرْآنَ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ نُجُومًا نُجُومًا فَأَهَّلَهُمْ اللَّهُ لِحِفْظِهِ حَتَّى لَمْ يَضِعْ مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ فَجَمَعُوهُ وَيَسَّرُوهُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالْأَقَالِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَهَّدُوهَا لَهُمْ وَحَفِظُوا أَحَادِيثَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي صُدُورِهِمْ وَأَثْبَتُوهَا
عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ عَدَمِ اللَّحْنِ وَالْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ .
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا شَكَّ فِي الْحَدِيثِ تَرَكَهُ أَلْبَتَّةَ فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَرْنِهِمْ بَلْ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي فَمَا بَالُك بِهِمْ وَهُمْ خَيْرُ الْخِيَارِ ؟ وَصْفُهُمْ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ أَحَدٌ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ نَبِيِّهِ خَيْرًا لَقَدْ أَخْلَصُوا لِلَّهِ تَعَالَى الدَّعْوَةَ وَذَبُّوا عَنْ دِينِهِ بِالْحُجَّةِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلِيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالًا اخْتَارَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ انْتَهَى .
فَلَمَّا أَنْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ طَاهِرِينَ عَقَبَهُمْ التَّابِعُونَ لَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَجَمَعُوا مَا كَانَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مُتَفَرِّقًا وَبَقِيَ أَحَدُهُمْ يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَضَبَطُوا أَمْرَ الشَّرِيعَةِ أَتَمَّ ضَبْطٍ وَتَلَقَّوْا الْأَحْكَامَ وَالتَّفْسِيرَ مِنْ فِي الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِثْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : سَلُونِي مَا دُمْت بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَإِنِّي أَعْرَفُ بِأَزِقَّةِ السَّمَاءِ كَمَا أَنَا أَعْرَفُ بِأَزِقَّةِ الْأَرْضِ " وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ، فَمَنْ لَقِيَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ كَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَعَمَلُهُ ؟ فَحَصَلَ لِلْقَرْنِ الثَّانِي نَصِيبٌ وَافِرٌ أَيْضًا فِي إقَامَةِ
هَذَا الدِّينِ وَرُؤْيَةِ مَنْ رَأَى بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَلِذَلِكَ كَانُوا خَيْرًا مِنْ الَّذِينَ بَعْدَهُمْ ثُمَّ عَقَبَهُمْ التَّابِعُونَ لَهُمْ وَهُمْ تَابِعُو التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِيهِمْ حَدَثَ الْفُقَهَاءُ الْمُقَلَّدُونَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِمْ فِي النَّوَازِلِ الْكَاشِفُونَ لِلْكُرُوبِ فَوَجَدُوا الْقُرْآنَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَجْمُوعًا مُيَسَّرًا وَوَجَدُوا الْأَحَادِيثَ قَدْ ضُبِطَتْ وَأُحْرِزَتْ فَجَمَعُوا مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا وَتَفَقَّهُوا فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَاسْتَخْرَجُوا فَوَائِدَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ وَاسْتَنْبَطُوا مِنْهَا فَوَائِدَ وَأَحْكَامًا وَبَيَّنُوا عَلَى مُقْتَضَى الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَدَوَّنُوا الدَّوَاوِينَ وَيَسَّرُوا عَلَى النَّاسِ وَبَيَّنُوا الْمُشْكِلَاتِ بِاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ مِنْ الْأُصُولِ وَرَدُّوا الْفَرْعَ إلَى أَصْلِهِ وَبَيَّنُوا الْأَصْلَ مِنْ فَرْعِهِ .
فَانْتَظَمَ الْحَالُ وَاسْتَقَرَّ مِنْ الدِّينِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِهِمْ الْخَيْرُ الْعَمِيمُ فَحَصَلَتْ لَهُمْ فِي إقَامَةِ هَذَا الدِّينِ خُصُوصِيَّةٌ أَيْضًا بِلِقَائِهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى صَاحِبَ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُبْقُوا لِمَنْ بَعْدَهُمْ شَيْئًا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُومَ بِهِ ، بَلْ كُلُّ مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ مُقَلِّدٌ لَهُمْ فِي الْغَالِبِ وَتَابِعٌ لَهُمْ ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ فِقْهٌ غَيْرُ فِقْهِهِمْ أَوْ فَائِدَةٌ غَيْرُ فَائِدَتِهِمْ فَمَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يَزِيدَ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهَا فَذَلِكَ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ .
أَمَّا مَا اسْتَخْرَجَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفَرَائِضِ غَيْرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ فَمَقْبُولٌ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ فَعَجَائِبُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لَا يَنْقَضِي إلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ كُلُّ قَرْنٍ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ فَوَائِدَ جَمَّةً خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا وَضَمَّهَا إلَيْهِ لِتَكُونَ بَرَكَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَمِرَّةً إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ .
قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُمَّتِي مِثْلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَيُّهُ أَنْفَعُ أَوَّلُهُ أَوْ آخِرُهُ أَوْ كَمَا قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَعْنِي فِي الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ وَالدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَبْيِينِ الْأَحْكَامِ لَا أَنَّهُمْ يُحْدِثُونَ حُكْمًا مِنْ الْأَحْكَامِ اللَّهُمَّ إلَّا مَا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ مِمَّا لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْبَيَانِ فَيَجِبُ إذْ ذَاكَ أَنْ يُنْظَرَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ عَنْهُمْ الْمُبَيَّنَةِ الصَّرِيحَةِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى أُصُولِهِمْ قَبِلْنَاهُ فَلَمَّا أَنْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ طَاهِرِينَ ثُمَّ أَتَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَلَمْ يَجِدْ فِي هَذَا الدِّينِ وَظِيفَةً يَقُومُ بِهَا وَيَخْتَصُّ بِهَا ، بَلْ وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَ مَا دَوَّنُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ وَاسْتَخْرَجُوهُ وَأَفَادُوهُ فَاخْتَصَّتْ إقَامَةُ هَذَا الدِّينِ بِالْقُرُونِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ إلَّا ، فَلِأَجَلِ ذَلِكَ كَانُوا خَيْرًا مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُمْ وَلَا يَحْصُلُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْخَيْرِ خَيْرٌ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالْخَيْرِ فَبَقِيَ كُلُّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ فِي مِيزَانِهِمْ وَمِنْ بَعْضِ حَسَنَاتِهِمْ فَبَانَ مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَعُلِمَ فَكُلُّ مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ يَقُولُ فِي بِدْعَةٍ إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْ أُصُولِهِمْ ، فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، بَلْ يَحْتَاجُ
أَنْ يَعْرِفَ أَحْوَالَهُمْ فِي الْبِدَعِ أَوَّلًا كَيْفَ كَانَتْ ؟ وَكَيْفَ كَانُوا يُرَاعُونَ هَذَا الْأَصْلَ وَيُسْتَحْفَظُونَ عَلَيْهِ ؟ فَمِنْ ذَلِكَ مَا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَعُمْدَتِهِ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ وَكَيْفِيَّةِ جَمْعِهِ وَمَا قَالُوا : بِسَبَبِ ذَلِكَ وَإِشْفَاقِهِمْ مِنْ الْأَخْذِ فِيهِ مَعَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى جَمْعِهِ إذْ أَنَّهُ لَوْلَا جَمْعُهُ لَذَهَبَ هَذَا الدِّينُ فَانْظُرْ مَعَ جَمْعِهِ وَضَبْطِهِ كَيْفَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ الْكَثِيرُ فِي التَّأْوِيلِ ؟ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ التِّلَاوَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ .
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : أَرْسَلَ إلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ : إنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا أَنْ يَجْمَعُوهُ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ يُجْمَعَ الْقُرْآنُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَقُلْت لِعُمَرَ : كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هُوَ وَاَللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ تَعَالَى لِذَلِكَ صَدْرِي فَرَأَيْت الَّذِي رَآهُ عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ : وَغَيْرُهُ وَعُمَرُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّك رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُك قَدْ كُنْت تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاَللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْت : كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَمَرَ بِهِ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ وَاَللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
فَقُمْت فَتَتَبَّعْت الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعَسِيبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْت مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ غَيْرِهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ إلَى آخِرِ السُّورَةِ انْتَهَى .
فَانْظُرْ مَعَ هَذَا النَّفْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي وَقَعَ بِجَمْعِهِ أَشْفَقُوا أَنْ يَفْعَلُوهُ وَخَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدَثًا يُحْدِثُونَهُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمَا بَالُك بِبِدْعَةٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا نَفْعٌ أَوْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُظُوظُ النُّفُوسِ أَوْ الرُّكُونُ إلَى الْعَوَائِدِ ؟ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَهَا فَضْلًا عَنْ الْكَلَامِ فِيهَا بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِي شَكْلِ الْمُصْحَفِ وَنَقْطِهِ وَتَعْشِيرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الْعُظْمَى الَّتِي قَدْ ظَهَرَتْ فِي الْأُمَّةِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِهِ ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْشِيرَ فِي الْمُصْحَفِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يُحْكِمُهُ .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْشِيرَ وَالطِّيبَ فِي الْمُصْحَفِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ سَمِعْت مَالِكًا حِينَ سُئِلَ عَنْ الْعُشُورِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْحُمْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَلْوَانِ فَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : تَعْشِيرُ الْمُصْحَفِ بِالْحِبْرِ لَا بَأْسَ بِهِ سُئِلَ عَنْ الْمَصَاحِفِ تُكْتَبُ فِيهَا خَوَاتِمُ السُّوَرِ فِي كُلِّ سُورَةٍ مَا فِيهَا مِنْ آيَةٍ قَالَ : إنِّي أَكْرَهُ ذَلِكَ فِي أُمَّهَاتِ الْمَصَاحِفِ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا شَيْءٌ أَوْ تُشَكَّلَ فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّمُ بِهِ الْغِلْمَانُ مِنْ الْمَصَاحِفِ فَلَا أَرَى فِي ذَلِكَ بَأْسًا ، وَقَالَ قَتَادَةُ : بَدَءُوا فَنَقَّطُوا ثُمَّ خَمَّسُوا ثُمَّ عَشَّرُوا ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ كَانَ الْقُرْآنُ مُحْكَمًا مُجَرَّدًا فِي الْمَصَاحِفِ فَأَوَّلُ مَا أَحْدَثُوا فِيهِ النُّقَطَ عَلَى الْبَاءِ وَالتَّاءِ وَالثَّاءِ
وَقَالُوا : لَا بَأْسَ هُوَ نُورٌ لَهُ ثُمَّ أَحْدَثُوا نُقَطًا عِنْدَ مُنْتَهَى الْآيَةِ ثُمَّ أَحْدَثُوا الْفَوَاتِحَ وَالْخَوَاتِمَ .
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ : رَأَى إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي مُصْحَفٍ فَاتِحَةَ سُورَةِ كَذَا فَقَالَ : اُمْحُهُ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لَا تَخْلِطُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَيْسَ مِنْهُ انْتَهَى فَانْظُرْ مَا تَرَتَّبَ عَلَى نَقْطِهِ وَشَكْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى لِلصِّغَارِ ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ مِنْ الْكِبَارِ كَيْفَ كَرِهُوا ذَلِكَ مَعَ هَذِهِ الْفَائِدَةِ الْعُظْمَى ؟ عَلَى هَذَا كَانَ مِنْهَاجُهُمْ فِي تَحَرِّيهِمْ لِلْبِدَعِ .
أَلَا تَرَى إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمَّا أَنْ دَخَلَ الْخَلَاءَ وَرَأَى ذُبَابًا قَدْ وَقَعَ عَلَى فَضْلَةٍ كَانَتْ هُنَاكَ ثُمَّ طَارَ وَوَقَعَ عَلَى ثَوْبِهِ فَعَزَمَ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الذُّبَابِ إذَا خَرَجَ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ غَسْلَهُ أَشْفَقَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَكُونُ بِأَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ بِدْعَةً فِي الْإِسْلَامِ انْتَهَى .
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَتْ الْبِدَعُ عِنْدَهُمْ ؟ وَكَيْفَ كَانَ تَحَرِّيهِمْ لَهَا ؟
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرُوِيَ عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ أَنَّهُ جَاءَ مَعَ الْقُرَّاءِ إلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقِيلَ لَهُ : اقْرَأْ فَرَفَعَ صَوْتَهُ وَطَرِبَ وَكَانَ رَفِيعَ الصَّوْتِ فَكَشَفَ أَنَسٌ عَنْ وَجْهِهِ وَكَانَ عَلَى وَجْهِهِ خِرْقَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَ لَهُ : يَا هَذَا مَا هَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ، وَكَانَ إذَا رَأَى شَيْئًا يُنْكِرُهُ كَشَفَ الْخِرْقَةَ عَنْ وَجْهِهِ وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَكَرِهَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كُلُّهُمْ كَرِهُوا رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ وَالتَّطْرِيبِ فِيهِ انْتَهَى .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْهُمْ فِي أَوْرَادِهِمْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسَاجِدِهِمْ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ كَأَنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَيُسْمَعُ لَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ ، كُلُّ هَذَا إشْفَاقٌ مِنْهُمْ أَنْ يَرْفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَدَثًا لَا سِيَّمَا فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ النَّهْيِ ، وَقَدْ خَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْقُرْآنِ فَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي الْبُحْتُرِيِّ قَالَ أَخْبَرَ رَجُلٌ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ قَوْمًا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيهِمْ رَجُلٌ يَقُولُ : كَبِّرُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا وَسَبِّحُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا وَاحْمَدُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَيَقُولُونَ ذَلِكَ قَالَ : نَعَمْ فَإِذَا رَأَيْتهمْ فَعَلُوا ذَلِكَ
فَأْتِنِي فَأَخْبِرْنِي بِمَجْلِسِهِمْ قَالَ : فَأَتَيْته فَأَخْبَرْته بِمَجْلِسِهِمْ فَأَتَاهُمْ ، وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ لَهُ فَجَلَسَ فَلَمَّا سَمِعَ مَا يَقُولُونَ قَامَ وَكَانَ رَجُلًا حَدِيدًا فَقَالَ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظُلْمًا أَوْ لَقَدْ فُقْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا فَقَالَ : أَحَدُهُمْ مُعْتَذِرًا وَاَللَّهِ مَا جِئْنَا بِبِدْعَةٍ ظُلْمًا وَلَا فُقْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ قَالَ عَلَيْكُمْ بِالطَّرِيقِ فَالْزَمُوهُ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا وَلَئِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَتَضِلُّونَ ضَلَالًا بَعِيدًا .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْجَامِّ فِي ذَمِّ الْعَوَامّ لَهُ : اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً عَلَى ذَمِّ الْبِدْعَةِ وَزَجْرِ الْمُبْتَدِعِ وَتَعْتِيبِ مَنْ يُعْرَفُ بِالْبِدْعَةِ ، فَهَذَا مَفْهُومٌ عَلَى الضَّرُورَةِ بِالشَّرْعِ ، وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي مَحِلِّ الظَّنِّ وَذَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِدْعَةَ وَعُلِمَ بِتَوَاتُرٍ مَجْمُوعُ أَخْبَارٍ تُفِيدُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ جُمْلَتُهَا فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .
وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِمَا ابْتَدَعُوا فِي دِينِهِمْ وَتَرَكُوا سُنَنَ أَنْبِيَائِهِمْ وَقَالُوا بِآرَائِهِمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا مَاتَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ فَقَدْ فُتِحَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَتْحٌ .
وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَشَى إلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَهُ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ بُغْضًا لَهُ فِي اللَّهِ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا وَمَنْ انْتَهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ رَفَعَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ دَرَجَةٍ وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ أَوْ لَقِيَهُ بِالْبِشْرِ أَوْ اسْتَقْبَلَهُ بِمَا يَسُرُّهُ فَقَدْ اسْتَخَفَّ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً وَلَا زَكَاةً وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَيَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ أَوْ كَمَا يَخْرُجُ الشَّعْرُ مِنْ
الْعَجِينِ انْتَهَى مَا نَقَلَهُ بِلَفْظِهِ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَحْوَالُهُمْ مُتَعَدِّدَةٌ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا وَلَا عَدُّهَا وَالْكِتَابُ يَضِيقُ عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْهَا وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَيْفَ كَانَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ عِنْدَنَا مِمَّا نَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى رَبِّنَا ؟ وَكَيْفَ كَانَ إسْرَاعُهُمْ إلَى تَغْيِيرِهَا وَانْزِعَاجُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهَا وَشِدَّتُهُمْ فِي أَمْرِهَا ؟ فَانْظُرْ بِنَظَرِك فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَجِيبِ مَا بَيْنَ حَالِنَا وَحَالِهِمْ إذْ مَا نَتَقَرَّبُ بِهِ الْيَوْمَ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ الِانْزِعَاجِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى اقْتَصَرْت فِي التَّمْثِيلِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ عَلَى مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلِ الدِّينِ وَعُمْدَتِهِ الَّذِي مَنْ يَفْعَلُهُ الْيَوْمَ عِنْدَنَا هُوَ الرَّجُلُ الْأَعْظَمُ الَّذِي تَغْتَنِمُ خَيْرَهُ وَبَرَكَتَهُ فَمَا بَالُك بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَعِبَادَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَأَصْلُ الدِّينِ وَعُمْدَتُهُ وَقِوَامُهُ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ بِالْجُوعِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى إحْرَازِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ مِنْ الْعَاهَاتِ وَالْآفَاتِ الَّتِي تَأْتِي عَلَيْهِ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَغَيْرِهَا وَالْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ مَا الْإِنْسَانُ مُخَاطَبٌ بِهِ فِي تَغْيِيرِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إذَا ظَهَرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ الشَّرِيفِ فَيَبْدَأُ أَوَّلًا بِالتَّغْيِيرِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ كُلٌّ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَيَنْظُرُ إلَى مَا حَدَثَ فِي زَمَانِ مَنْ شُهِدَ فِيهِمْ بِالْخَيْرِ فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ وَيَتَدَيَّنُ بِهِ وَمَا حَدَثَ بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ فَالتَّرْكُ لِذَلِكَ أَوْلَى مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَمُوَاصَلَةِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، وَالتَّدَيُّنُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِبَعْضِ ذَلِكَ وَالْأَخْذُ
عَلَى يَدِ فَاعِلِهِ إنْ كَانَ لِلْإِنْسَانِ شَوْكَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ الْعُلُومِ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ .
قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ : قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ .
وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَالْعَالِمُ لَهُ الشَّوْكَةُ بِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ وَهِيَ الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ كَمَا قِيلَ : مَنْ دَرَسَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَكَلَّمَ وَالنَّاسُ قِيَامٌ وَمَا عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أُمِرَ بِتَغْيِيرِهِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِالْقَوْلِ فَيَذْكُرُ الْحُكْمَ فِيهِ ، فَإِنْ سُمِعَ مِنْهُ وَرُجِعَ إلَيْهِ حَصَلَ الْمُرَادُ وَإِنْ تُرِكَ قَوْلُهُ كَانَ قَدْ أَقَامَ عِنْدَ اللَّهِ عُذْرَهُ وَقَامَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَيَسْلَمُ أَيْضًا مِنْ الْآفَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي عَلَيْهِ فِي عَدَمِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَعَلَّقُ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ لَا يَعْرِفُهُ فَيَقُولُ لَهُ : مَا لَك مَا رَأَيْتُك قَطُّ فَيَقُولُ : بَلَى رَأَيْتنِي يَوْمًا عَلَى مُنْكَرٍ فَلَمْ تُغَيِّرْهُ عَلَيَّ .
أَوْ كَمَا قَالَ ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطَرٌ قَلَّ أَنْ تَقَعَ السَّلَامَةُ مِنْهُ وَبِالْكَلَامِ يَنْجُو مِنْ هَذَا الْخَطَرِ ، وَالْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَلَا تَعَبٌ ، وَأَكْثَرُ الْمَنَاكِرِ وَالْبِدَعِ فِي زَمَانِنَا هَذَا لَيْسَ عَلَى الْعَالِمِ مَشَقَّةٌ وَلَا خَوْفٌ فِي الْكَلَامِ فِيهَا وَلَا فِي الْحَضِّ عَلَى تَرْكِهَا ، وَإِنَّمَا يَتْرُكُهَا مَعَ رُؤْيَتِهَا وَلَا يَحُضُّ عَلَيْهَا فِي مَجْلِسِهِ فِي الْغَالِبِ لِاسْتِئْنَاسِ النُّفُوسِ بِالْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ حَكَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ تَعَالَى : بَلْ قَالُوا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، وَقَدْ
وَرَدَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ، وَقَدْ أَهْلَكَهَا اللَّهُ فَقَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ أَهْلَكْتَهُمْ وَكُنْت أَعْرِفُ فِيهَا رَجُلًا صَالِحًا ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا مُوسَى إنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ لِي مُنْكَرًا فَأَفَادَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّهُ لَوْ غَيَّرَ عَلَيْهِمْ أَيْ : مَنَعَهُمْ مِنْ فِعْلِ الْمُنْكَرِ مَا هَلَكَ وَلَا هَلَكُوا ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ كَمَا أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِتَرْكِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْمُخَالَفَاتِ فَلَمَّا أَنْ وَقَعُوا فِي الْمُخَالَفَاتِ وَسَكَتَ هُوَ كَانَ ذَلِكَ وُقُوعًا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ السُّكُوتِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْمُخَالَفَاتِ فَاسْتَوَى مَعَهُمْ فِي ارْتِكَابِ الْمَنْهِيَّاتِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إذْ ذَاكَ مَنْ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْهُمْ إذْ نَزَلَ بِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْعَذَابَ إنَّمَا يَرْفَعُهُ الِامْتِثَالُ فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ إذْ ذَاكَ مُمْتَثِلٌ فَحَصَلَ مَا حَصَلَ وَهَا هُوَ الْيَوْمَ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا خَفَاءَ فِي وُقُوعِ هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَنَا لِوُقُوعِ مَا يَقَعُ وَسُكُوتِ عُلَمَائِنَا فِي الْجَمِيعِ فَلَا يَتَكَلَّمُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَلَا يَحُضُّونَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ عَلَى تَرْكِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ مُوجِبَاتِ نُزُولِ الْعَذَابِ كُلِّهَا مُتَوَفِّرَةٌ عِنْدَنَا فِي الْغَالِبِ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ .
لَا جَرَمَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْخَسْفُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَعَمَّ الْآفَاقَ وَمِنْ الْأَحْيَاءِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : الْعُلَمَاءُ يُحْشَرُونَ فِي زُمْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْقُضَاةُ يُحْشَرُونَ فِي زُمْرَةِ السَّلَاطِين وَفِي مَعْنَى الْقُضَاةِ كُلُّ فَقِيهٍ قَصَدَ طَلَبَ الدُّنْيَا بِعِلْمِهِ .
قَالَ : وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْدُمُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي مُوسَى صَفِيُّ اللَّهِ حَدَّثَنِي مُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ حَدَّثَنِي مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ حَتَّى أَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ فَفَقَدَهُ مُوسَى فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُ فَلَا يَحُسُّ لَهُ أَثَرًا حَتَّى جَاءَهُ ذَاتَ
يَوْمٍ رَجُلٌ وَفِي يَدِهِ خِنْزِيرٌ وَفِي عُنُقِهِ حَبْلٌ أَسْوَدُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَعْرِفُ فُلَانًا ؟ قَالَ : نَعَمْ هُوَ هَذَا الْخِنْزِيرُ فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا رَبِّ أَسْأَلُك أَنْ تَرُدَّهُ إلَى حَالِهِ حَتَّى أَسْأَلَهُ بِمَ أَصَابَهُ هَذَا ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ يَا مُوسَى لَوْ دَعَوْتنِي بِاَلَّذِي دَعَانِي بِهِ آدَم ، فَمَنْ دُونَهُ مَا أَجَبْتُك فِيهِ وَلَكِنْ أُخْبِرُك لِمَ صَنَعْت هَذَا بِهِ ؟ لِأَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : كَانَ الْخَسْفُ لِمَنْ قَبْلِنَا بِالْإِعْدَامِ وَلِكَرَامَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا رُفِعَ عَنَّا خَسْفُ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَلَبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَخْسِفَ بِأُمَّتِهِ كَمَا فَعَلَ بِمَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ فَشَفَّعَهُ اللَّهُ فِيمَا طَلَبَ فِي الظَّاهِرِ لِيَقَعَ بِذَلِكَ السَّتْرُ .
.
أَمَّا خَسْفُ الْبَاطِنِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَلَى مَا وَرَدَ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لَا يَرْتَابُ أَحَدٌ فِيهِ وَلَا يَشُكُّ أَلَا تَرَى إلَى الْخِنْزِيرِ وَحَالَتِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ التَّنْجِيسِ وَالتَّقْذِيرِ فَانْظُرْ إلَى شَارِبِ الْخَمْرِ هَلْ تَجِدُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ؟ إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعَانِي قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا نَظَرْت إلَى الثُّعْبَانِ تَجِدُهُ نَاعِمًا أَمْلَسَ مَلِيحَ الْمَنْظَرِ فَإِذَا قَرُبْته قَتَلَك بِسُمِّهِ وَأَنْتَ تَرَى كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْوَقْتِ كَذَلِكَ فَتَنْظُرُ فِي أَحَدِهِمْ تَرَى الْعِبَارَةَ الْعَذْبَةَ وَالْكَلَامَ الطَّيِّبَ ، وَكَأَنَّهُ أَعْظَمُ النَّاسِ لَك فِي الْمَحَبَّةِ فَإِذَا اطْمَأْنَنْت إلَيْهِ أَوْ رَكَنْت إلَى جَانِبِهِ أَوْ غِبْت عَنْهُ أَهْلَكَك بِحَسَبِ حَالِهِ وَحَالِك ، إمَّا فِي مَالِك أَوْ عِرْضِك أَوْ دِينِك ، وَذَلِكَ سُمُّهُ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعَانِي
جَامِعَةٌ بَيْنَهُمَا .
أَلَا تَرَى إلَى السَّبُعِ وَحَالَتِهِ وَإِيذَائِهِ وَرُعْبِهِ لِلنَّاسِ وَخَوْفِهِمْ مِنْهُ إذَا سَمِعُوا بِحِسِّهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ ، بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَهُ فَمَا رَآهُ إلَّا وَيَهْلَكُ ، وَهُوَ مَطْبُوعٌ عَلَى الضَّرَرِ الْكُلِّيِّ أَلَا تَرَى إلَى حَالِهِ إذْ قَدْ يَكُونُ شَبْعَانًا رَيَّانًا وَمَعَ ذَلِكَ إذَا رَأَى آدَمِيًّا أَوْ مَاشِيَةً لَمْ يَتَمَالَكْ نَفْسَهُ إلَّا أَنْ يَنْقَضَّ عَلَيْهِ يَعْبَثَ بِهِ وَيَقْتُلَهُ ثُمَّ يَمْضِيَ وَيَتْرُكَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ لِشِبَعِهِ فَانْظُرْ إلَى هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ وَمَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُمْ أُمْنِيَّةً إلَّا وَهِيَ حَاصِلَةٌ فَضْلًا عَنْ الضَّرُورَاتِ ثُمَّ فَضَلَتْ الْأَمْوَالُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ بِهَا حَاجَةٌ يُدْبِرُونَ عَلَى بَعْضِهَا بِالدَّفْنِ ، وَعَلَى بَعْضِهَا بِالْحُرُمَاتِ وَفِي الْبُنْيَانِ وَالْإِسْرَافِ ثُمَّ مَعَ مَا مُدَّ لَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الْأَمْوَالِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْغَالِبِ أَنْ يَتْرُكَ لِلضَّعِيفِ الْمِسْكِينِ دِرْهَمًا يَكْتَسِبُ بِهِ لِنَفْسِهِ وَعَائِلَتِهِ .
بَلْ يَضْرِبُونَ النَّاسَ الْفُقَرَاءَ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الضَّرْبَ الْمُؤْلِمَ وَيَسُوءُونَ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَبْسِ وَالْغَرَامَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَالرُّعْبِ لِلْمَسَاكِينِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يَسْتَطِيعُونَ رُؤْيَتَهُمْ لِشِدَّةِ سَطْوَتِهِمْ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّبُعِ ؟ إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعَانِي جَامِعَةٌ بَيْنَهُمَا .
أَلَا تَرَى إلَى الْكِلَابِ وَحَالَتِهَا وَإِيذَائِهَا وَتَسْلِيطِهَا عَلَى رُعْبِ النَّاسِ مَرَّةً بِرُؤْيَتِهَا وَمَرَّةً بِصَوْتِهَا وَمَرَّةً بِتَقْطِيعِهَا الثِّيَابَ وَإِيذَائِهَا فِي الْبَدَنِ ، وَقَدْ يُؤَوَّلُ أَمْرُهَا أَنَّ كُلَّ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ سَوَاءٌ كَانَ صَبِيًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ضَعِيفًا إلَى الْإِعْدَامِ أَلْبَتَّةَ ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا مَنْ هُوَ كَلْبٌ فَيَهْلَكُ مَنْ قَرُبَ
مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا كَثِيرًا ، وَهُوَ كَثِيرٌ مُتَعَارَفٌ .
فَانْظُرْ إلَى هَؤُلَاءِ الْحَرَسِ الْمُجْتَزِئَةِ الْجَنَادِرَةِ فِي إرْعَابِهِمْ الْمُسْلِمِينَ وَتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالْأَذِيَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي الدِّينِ وَالْبَدَنِ وَالْمَالِ وَالرُّوحِ وَالرُّعْبِ الْحَاصِلِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِلصِّبْيَانِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ الضُّعَفَاءِ الْمَسَاكِينِ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكِلَابِ ؟ إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعَانِي .
أَلَا تَرَى إلَى الْعَقْرَبِ وَحَالَتِهَا وَإِيذَائِهَا وَكَثْرَةِ تَعْقِيدِهَا وَسُمِّهَا ، وَأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا صَدْرٌ فَانْظُرْ إلَى بَعْضِهِمْ تَجِدْهُ كَذَلِكَ ضَيِّقَ الصَّدْرِ وَمَعْقُودَ الْوَجْهِ لَا تَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَهُ لِتَعَقُّدِ وَجْهِهِ وَضِيقِ صَدْرِهِ ، فَإِنْ قَرُبْته وَأَنْتَ لَا تَتَحَفَّظُ عَلَى نَفْسِك مِنْهُ حَصَلَ لَك مِنْهُ الْأَذِيَّةُ الْعُظْمَى إمَّا فِي مَالِك أَوْ بَدَنِك أَوْ عِرْضِك ، وَذَلِكَ سُمُّهُ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ ؟ وَالْمَعَانِي جَامِعَةٌ بَيْنَهُمَا انْتَهَى بِالْمَعْنَى .
وَهَذَا كَثِيرٌ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ وَلَا عَدُّهُ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَمْثِيلًا لِمَنْ لَهُ لُبٌّ فَيَنْظُرُ إلَى كَيْفِيَّةِ الْخَسْفِ الْوَاقِعِ لِكُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ حَالِهِ وَحَالِ دِينِهِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى خَسْفِ الْقُلُوبِ وَعَدَمِ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ الْمُوَاطَأَةُ مِنْ الْبَعْضِ عَلَى ارْتِكَابِ الْمُخَالَفَاتِ وَمِنْ الْبَعْضِ عَلَى السُّكُوتِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ أَوْ سَمَاعِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَغْيِيرَ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالْيَدِ مَرَّةً وَبِاللِّسَانِ مَرَّةً وَالشَّاذُّ لُزُومُ ذَلِكَ بِالْقَلْبِ ، وَهُوَ التَّأْثِيرُ وَالْبُغْضُ الَّذِي يَجِدُهُ فِي قَلْبِهِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ الْآدَابِ فِي ذَلِكَ وَالْكَمَالِ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا قَبْلَ غَيْرِهِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ فَإِذَا اسْتَقَامَتْ النَّفْسُ عَلَى مَا يَنْبَغِي
مِنْ الِامْتِثَالِ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ .
، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ أَوَّلَ دُخُولِهِ لِمَوْضِعِ التَّدْرِيسِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى مَا بَعْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَا يَخْلُو مَوْضِعُ التَّدْرِيسِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْتًا أَوْ مَدْرَسَةً أَوْ مَسْجِدًا وَأَفْضَلُ مَوَاضِعِ التَّدْرِيسِ الْمَسْجِدُ ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لِلتَّدْرِيسِ إنَّمَا فَائِدَتُهُ أَنْ تَظْهَرَ بِهِ سُنَّةٌ أَوْ تَخْمَدُ بِهِ بِدْعَةٌ أَوْ يُتَعَلَّمُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَالْمَسْجِدُ يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ مُتَوَفِّرًا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مُجْتَمَعِ النَّاسِ رَفِيعِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ وَعَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ بِخِلَافِ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَى النَّاسِ إلَّا مَنْ أُبِيحَ لَهُ ، وَذَلِكَ لِأُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ ، وَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ قَدْ أَبَاحَ بَيْتَهُ لِكُلِّ مَنْ أَتَى لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الْبُيُوتَ تُحْتَرَمُ وَتُهَابُ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَحْصُلُ لَهُ الْإِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ فَكَانَ الْمَسْجِدُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ فِي تَوْصِيلِ الْأَحْكَامِ وَتَبْلِيغِهَا لِلْأُمَّةِ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا بِالنَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْمَسْجِدُ أَفْضَلَ مِنْ الْمَدْرَسَةِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ السَّلَفَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَدَارِسُ ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُدَرِّسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَدْرَسَةِ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ وَالْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ لَكِنْ لَمَّا أَنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لِلسَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانَ أَخْذُهُ فِي الْمَسَاجِدِ فِيهِ صُورَةُ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الظَّاهِرِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَجُوزُ وَكَفَى لَنَا أُسْوَةٌ بِهِمْ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَدْرَسَةَ لَا يَدْخُلُهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا آحَادُ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْصِدُ الْمَدْرَسَةَ ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ أَعَمُّهُمْ الْمَسَاجِدَ ، وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا لَهُ رَغْبَةٌ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَإِذَا كَانَ التَّدْرِيسُ أَيْضًا فِي
الْمَدْرَسَةِ امْتَنَعَ تَوْصِيلُ الْعِلْمِ عَلَى مَنْ لَا رَغْبَةَ لَهُ فِيهِ ، وَالْمَقْصُودُ بِالتَّدْرِيسِ كَمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ التَّبْيِينُ لِلْأُمَّةِ وَإِرْشَادُ الضَّالِّ وَتَعْلِيمُهُ وَدَلَالَةُ الْخَيْرَاتِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَدْرَسَةِ ضَرُورَةً ، وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ أَفْضَلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إلَى الْأَفْضَلِ وَيَتْرُكَ مَا عَدَاهُ اللَّهُمَّ إلَّا لِضَرُورَةٍ ، وَالضَّرُورَاتُ لَهَا أَحْكَامٌ أُخَرُ ، وَإِذَا قَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ بَارِزًا لِلنَّاسِ بِمَوْضِعٍ يَصِلُ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمِسْكِينُ وَالْعَامِّيُّ الْجَاهِلُ لِكَيْ يَسْمَعُوا أَحْكَامَ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ يَجْهَلُهَا ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا سَمِعَهَا اسْتَفَادَهَا حِينَ إلْقَاءِ الْمَسَائِلِ وَالْإِيرَادِ عَلَيْهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا .
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ تَنْشِيطًا لَهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْبَحْثِ عَنْهُ وَالْعَمَلِ عَلَى تَحْصِيلِهِ فَيَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتُوبُ مِنْ جَهْلِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ ثَمَّ آخَرُ يَسْأَلُ عَمَّا وَقَعَ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ الْمَحِلَّ قَابِلًا لِلسُّؤَالِ فَسَأَلَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَآخَرُ تَحْصُلُ لَهُ بَرَكَةُ الْعِلْمِ وَحُضُورِ الْمَجْلِسِ وَآخَرُ تَحْصُلُ لَهُ بَرَكَةُ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَجْلِسَ الَّذِي جَلَسَهُ هَذَا الْعَالِمُ هُوَ الْمَجْلِسُ الْمَشْهُودُ خَيْرُهُ الْمَعْرُوفُ بَرَكَتُهُ الْمُسْتَفِيضُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِرُّهُ وَاحْتِرَامُهُ الشَّائِعُ الذَّائِعُ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا حَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .
( وَعَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَا مَجْلِسُكُمْ ؟ قَالُوا : جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ لِمَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ فَقَالَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : الذِّكْرُ وَالْمَجَالِسُ الْمَذْكُورَاتُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَجْلِسُ الْعِلْمِ وَهِيَ مَجَالِسُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا
يَجُوزُ ؟ كَيْفَ يَتَوَضَّأُ ؟ وَمَا يَجِبُ فِيهِ وَمَا يُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يُصَلِّي ؟ وَمَا يَجِبُ فِيهَا وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يَنْكِحُ ؟ وَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يَبِيعُ ؟ وَكَيْفَ يَشْتَرِي ؟ وَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالنُّطْقِ وَالصَّمْتِ فَيَجِبُ أَنْ تَعْرِفَ الْأَحْكَامَ عَلَيْك فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلِهَذَا هِيَ الْإِشَارَةُ ، بَلْ التَّصْرِيحُ مِنْ الصَّحَابِيِّ ، وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ خَرَجَ إلَى النَّاسِ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ فَنَادَى فِيهِمْ مَا بَالُكُمْ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَسَّمُ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ أُمَّتِهِ وَأَنْتُمْ مُشْتَغِلُونَ فِي الْأَسْوَاقِ فَتَرَكُوا السُّوقَ وَأَتَوْا إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدُوا النَّاسَ حِلَقًا حِلَقًا لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ مَا ذَكَرْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ : قَالَ : هَذَا مِيرَاثُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ وَهَا هُوَ ذَا أَوْ كَمَا قَالَ فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُرَادَ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهِ إنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ ، وَقَالَتْ الصَّحَابَةُ فِي حَقِّهِ : مَا كُنَّا نَرَى إلَّا أَنَّ مَلَكًا عَلَى لِسَانِهِ يَنْطِقُ ، وَأَنَّ مَلَكًا مَعَهُ يُسَدِّدُهُ : يَا أَيَّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ رِدَاءً يُحِبُّهُ ، فَمَنْ طَلَب بَابًا مِنْ الْعِلْمِ رَدَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرِدَائِهِ فَإِنْ أَذْنَبَ اسْتَعْتَبَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؛ لِئَلَّا يَسْلُبَهُ رِدَاءَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ تَطَاوَلَ بِهِ ذَلِكَ الذَّنْبُ حَتَّى يَمُوتَ فَعَلَى هَذَا
الْكَلَامِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِهِ بِاللِّسَانِ انْتَهَى .
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ وَالْمُرَادُ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ خَاصَّةً بَلْ الْمَقْصُودُ مَعْرِفَةُ الْإِيمَانِ وَأَحْكَامِهِ وَفُرُوعِهِ وَالْمَشْيِ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَخُصُّهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا وَبِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَابِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ إنْ قَامَ بِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْأَجْرُ الْكَثِيرُ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَقَدْ أَتَى بِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَكُونُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَرْعًا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي حَصَلَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَبِيبُ الدِّينِ ، وَقَدْ عَهِدْنَا فِي مَرَضِ الْبَدَنِ أَنَّ الطَّبِيبَ لَا يُعْطِي الدَّوَاءَ إلَّا بَعْدَ الْحِمْيَةِ فَإِذَا احْتَمَى الْعَلِيلُ حِينَئِذٍ يُعْطِيهِ الطَّبِيبُ الدَّوَاءَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَرْضَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِالْحِمْيَةِ وَيَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الدَّوَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِ الْعَلِيلُ فَقَلَّ أَنْ يُعْطِيَهُ الطَّبِيبُ الدَّوَاءَ ، وَإِنْ أَعْطَاهُ قَلَّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ ، بَلْ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ الْحِمْيَةُ أَوَّلًا وَهِيَ مَجَالِسُ الْعِلْمِ فَيَعْرِفُ مِنْهَا الْإِنْسَانُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوْجَبُ فَيَعْمَلُ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ .
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ فِي الِامْتِثَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى الْمَسَائِلِ بِمَا يَأْتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِفِعْلِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَتَحْصُلُ لَهُ تِلَاوَةُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَالتَّرَضِّي عَنْ أَصْحَابِهِ وَمَعْرِفَةُ فَضْلِهِمْ وَمَحَبَّتُهُمْ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ .
وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ تِلَاوَةُ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَحْصُلُ لِقَلْبِهِ الذِّكْرُ أَيْضًا ، وَهُوَ الْفِكْرَةُ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَتَفَهُّمِهَا وَيَحْصُلُ لِأَعْضَائِهِ أَيْضًا كَسْبُهَا ، وَهُوَ مَا امْتَثَلَتْ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَا اسْتَفَادَتْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى هَذَا الذِّكْرَ لِوَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَهْلِهِ لِحَمْلِهِ لَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَمَعْرِفَتِهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ ذِكْرِهِ هُوَ ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِمَعَارِفِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ لِمُعَامَلَتِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ وَتَصَرُّفِهِ مَعَهُمْ بِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ مِمَّنْ خَالَطَهُ أَوْ اقْتَبَسَ مِنْهُ أَوْ رَآهُ أَوْ رَأَى مَنْ رَآهُ ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِلثَّقَلَيْنِ جِنِّهِمْ ، وَإِنْسِهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ لِتَعَلُّمِهِ حُكْمَ اللَّهِ فِي الْجَمِيعِ وَتَعْلِيمُ ذَلِكَ مِثْلِ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ كَانَ الْعَالِمُ إذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ كُلُّ الْخَلْقِ حَتَّى الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكُ فِي الْمَاءِ لِانْتِفَاعِهِمْ بِهِ فِي تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ فَيَرْتَفِعُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ لِأَجْلِ عِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهِمْ بِالْجَهْلِ عَذَابٌ لَهُمْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْمَقْتَلِ وَنَهَى أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ أَحَدٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعُودَ لِمَ خَدَشَ الْعُودَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : أَهْلُ الذِّكْرِ فِي الْآيَةِ هُمْ الْعُلَمَاءُ فَهُمْ يُسْأَلُونَ عَنْ النَّوَازِلِ وَبِفَتْوَاهُمْ يُعْبَدُ اللَّهُ وَيُطَاعُ وَيُمْتَثَلُ أَمْرُهُ وَيُجْتَنَبُ نَهْيُهُ فَعَلَى هَذَا فَأَهْلُ الذِّكْرِ هُمْ الْعُلَمَاءُ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ ، وَلِهَذَا الْخَيْرِ الْمُتَعَدِّي الْمَذْكُورِ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : لَمَجْلِسُ عَالِمٍ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ .
وَقَالَ تَعَالَى إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ الْخَشْيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ ؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى هِيَ الْمَقْصُودُ وَالْمَطْلُوبُ وَلَا يُرَادُ الذِّكْرُ إلَّا لِأَجْلِهَا ، وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا لِلْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : " إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ " وَإِنَّمَا لِلْحَصْرِ عَلَى مَا قَالَهُ النَّحْوِيُّونَ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ وَأَيْنَ هَذَا الْخَيْرُ كُلُّهُ ، وَهَذَا الْفَضْلُ كُلُّهُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ الْخَيْرَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْخَيْرِ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ فَبَانَ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَالْقَاعِدَةُ فِي أَلْفَاظِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ وَأَوْلَى وَأَفْضَلُ بَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ دُونَ عِلْمٍ مَكْرُوهٍ لِمَا جَاءَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَظُنُّهُ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ( يَا دَاوُد قُلْ لِلظَّالِمِينَ لَا يَذْكُرُونِي فَإِنِّي آلَيْت عَلَى نَفْسِي أَنَّ مَنْ ذَكَرَنِي ذَكَرْته ، فَإِنْ هُمْ ذَكَرُونِي ذَكَرْتهمْ بِالْغَضَبِ ) .
وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمْ مِنْ قَارِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْقُرْآنُ
يَلْعَنُهُ يَقْرَأُ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، وَهُوَ ظَالِمٌ ) انْتَهَى وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الظُّلْمَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ مَدَّ يَدَهُ لِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ الظُّلْمُ أَعَمُّ فَقَدْ يَكُونُ يَظْلِمُ نَفْسَهُ فِي ارْتِكَابِهِ لِلْمُخَالَفَاتِ أَوْ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ يَتْلُو الْقُرْآنَ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَمَعَانِيهِ ، وَذَلِكَ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَتِلَاوَتِهِ بِاللِّسَانِ فَرْعٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْمَقْصُودِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الطَّبِيبِ الْأَعْظَمِ وَصَاحِبِ النُّورِ الْأَكْمَلِ إلَّا عَلَى الْأَصْلِ وَالْمَقْصُودِ الَّذِي يَجْمَعُ الْخَيْرَاتِ كُلَّهَا .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَفَا عَنْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا وَسَاقَهَا فِي فَضْلِ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ مُجْتَمَعِينَ وَفَضْلِ الْقَارِئِينَ وَالسَّامِعِينَ وَبَيَانِ فَضِيلَةِ مَنْ حَضَّهُمْ وَجَمَعَهُمْ عَلَيْهَا وَنَدَبَهُمْ إلَيْهَا ثُمَّ قَالَ : اعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ مُجْتَمَعِينَ مُسْتَحَبَّةٌ لَهُمْ بِالدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ وَأَفْعَالِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ الْمُتَظَافِرَةِ انْتَهَى .
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَعْرِفَةِ تَلَقِّي الصَّحَابَةِ لَهَا كَيْفَ تَلَقَّوْهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ انْتَهَى ؟ .
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى مَا تُرْجِمَ عَلَيْهِ أَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ يَتَرَاسَلُونَ بَيْنَهُمْ صَوْتًا وَاحِدًا ، بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ هَلْ كَانَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ ارْتِكَابِهِمْ ذَلِكَ وَنَهْيِهِمْ عَنْهُ .
وَقَدْ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ نُبَذًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ نَفْسِهِ .
فَقَالَ وَعَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الدِّرَاسَةَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ هِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ فِي قُدُومِهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ الضَّحَّاكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَنْكَرَ هَذِهِ الدِّرَاسَةَ ، وَقَالَ : مَا رَأَيْت وَلَا سَمِعْت وَلَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15
جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
=======================
💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥
ج2.كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهَا وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ : قُلْت لِمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَأَيْت الْقَوْمَ يَجْتَمِعُونَ فَيَقْرَءُونَ جَمِيعًا سُورَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَخْتِمُوهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَعَابَهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ إنَّمَا كَانَ يَقْرَأُ الرَّجُلُ عَلَى الْآخَرِ يَعْرِضُهُ فَقَدْ نَقَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَبَيَّنَهُ ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَرْجَمَهَا مَا قَالَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ثُمَّ نَقَلَ فِعْلَهُمْ عَلَى الضِّدِّ مِمَّا تَرْجَمَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ كَيْفَ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِي الْمَسْجِدِ يُسْمَعُ لَهُمْ فِيهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ كُلُّ إنْسَانٍ يَذْكُرُ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ وَلَا بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ جَمَاعَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إنْكَارُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ وَقَوْلُهُ لَهُمْ : وَاَللَّهِ لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظُلْمًا أَوْ لَقَدْ فُقْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ : لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فَيَجْتَمِعُونَ لِلذِّكْرِ رَافِعِينَ أَصْوَاتَهُمْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْظَمَ النَّاسِ مُبَادَرَةً لِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ وَلَا يُظَنُّ فِيهِمْ غَيْرُ مَا وَصَفَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي إشْفَاقِهِ مِنْ غَسْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ
عَلَيْهِ الذُّبَابُ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَى النَّجَاسَةِ ، وَقَوْلُهُ : وَاَللَّهِ مَا أَكُونُ بِأَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ بِدْعَةً فِي الْإِسْلَامِ أَمَّا قَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ .
فَالدِّرَاسَةُ الْمَذْكُورَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى التِّلَاوَةِ صَوْتًا وَاحِدًا مُتَرَاسِلِينَ ؛ لِأَنَّ الْمُدَارَسَةَ إنَّمَا تَكُونُ تَلْقِينًا أَوْ عَرْضًا ، وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُمْ .
أَمَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ بِمَرْوِيٍّ عَنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ .
أَمَّا خُرُوجُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَا مَجْلِسُكُمْ قَالُوا : جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ ، فَهَذَا أَفْصَحُ بِالْمُرَادِ فِي الْجَمِيعِ وَكَيْفَ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ ؟ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ جَهْرًا لَمْ يَحْتَجْ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى أَنْ يَسْتَفْهِمَهُمْ بَلْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فَلَمَّا أَنْ اسْتَفْهَمَ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ كَانَ سِرًّا وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِمْ جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى سِرًّا إذْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذِكْرُهُمْ جَهْرًا لَمَا كَانَ لِأَخْبَارِهِمْ بِذَلِكَ مَعْنًى زَائِدًا إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَكَانَ جَوَابُهُمْ أَنْ يَقُولُوا : جَلَسْنَا لِمَا سَمِعْته أَوْ لِمَا رَأَيْته مِنَّا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَحَاشَوْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ الْجَوَابُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ فَبَانَ وَاتَّضَحَ أَنَّ ذِكْرَهُمْ كَانَ سِرًّا لَا جَهْرًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً أَوْ كَانُوا يَتَذَاكَرُونَ بَيْنَهُمْ مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عِبَادَةِ
الْأَوْثَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْإِيمَانِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَتَعْظُمُ عِنْدَهُمْ النِّعَمُ عِنْدَ تَذَكُّرِ ذَلِكَ فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا .
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَتَذَاكَرُونَ بَيْنَهُمْ الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ يَسْمَعُهُمْ فَيَتَبَسَّمُ أَحْيَانًا مِنْ حِكَايَاتِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْحَلْقَةُ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهَا قَاعِدَةً لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَحَصَلَ لَهُمْ مَا حَصَلَ مِنْ الْمُبَاهَاةِ بِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا تَذَاكَرُوا ذَلِكَ فِيهِ يَعْرِفُونَ قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَا بِقُدْرَتِهِمْ فَتَعْظُمُ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَنْ هَدَاهُمْ وَأَنْقَذَهُمْ وَأَضَلَّ غَيْرَهُمْ وَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَاهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ كَمَا جَاءَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الذِّكْرَ الْخَفِيَّ يَفْضُلُ الْجَلِيَّ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا مَا هُوَ أَفْضَلُ وَيَفْعَلُونَ الْمَفْضُولَ وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَرَاهُمْ يَفْعَلُونَ الْمَفْضُولَ وَلَا يُرْشِدُهُمْ إلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يُنَبِّهُهُمْ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى مَجْلِسَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَرْغَبُونَ إلَيْهِ .
وَالثَّانِي : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ فَقَالَ : أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَسْأَلُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ .
أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّمَا بُعِثْت مُعَلِّمًا ثُمَّ عَدَلَ إلَيْهِمْ وَجَلَسَ مَعَهُمْ
انْتَهَى .
فَقَدْ فَسَّرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الذِّكْرَ الَّذِي كَانَ بِالْحَلْقَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ الدُّعَاءُ ، وَالدُّعَاءُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ لَا يَكُونُ إلَّا جَهْرًا إذْ أَنَّهُمْ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الدَّاعِي وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ كَيْفِيَّةَ الدُّعَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَحَادِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا نَصٌّ عَلَى الْمُرَادِ الَّذِي تَرْجَمَ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ وَتَقَرَّرَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَرْكُ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيْنَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ .
رَوَى الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : مَنْ اسْتَمَعَ إلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا ) .
فَانْظُرْ إنْ كَانَ فِي هَذَا شَيْءٌ يَمَسُّ مُرَادَهُ إذْ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَنْ اسْتَمَعَ إلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَصْوَاتٍ جُمْلَةٍ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ بَلْ ذَلِكَ أَعَمُّ ، وَإِذَا كَانَ أَعَمَّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهِمْ وَعَادَتِهِمْ وَلَا سَبِيلَ إلَى عُرْفِ غَيْرِهِمْ وَعَادَتِهِمْ .
ثُمَّ قَالَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُدَرِّسُ الْقُرْآنَ مَعَهُ نَفَرٌ يَقْرَءُونَ جَمِيعًا ، فَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي أَرَادَ فِي تَرْجَمَتِهِ إذْ التَّدْرِيسُ لَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ حَضَرَ بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ وَتَعْلِيمُهُ لِوَاحِدٍ لَيْسَ إلَّا فِيهِ كَتْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَمَنْ كَتَمَ عِلْمًا أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ عَلَى مَا وَرَدَ ، وَهَذَا مُتَعَارَفٌ مُتَعَاهَدٌ مِنْ زَمَانِهِمْ إلَى زَمَانِنَا هَذَا فَعَلَى التَّدْرِيسِ لِلْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ مُجْتَمِعَيْنِ هَذَا فِي آيَةٍ ، وَهَذَا فِي أُخْرَى ، وَهَذَا فِي سُورَةٍ ، وَهَذَا فِي سُورَةٍ أُخْرَى ، وَهَذَا فِي حِزْبٍ ، وَهَذَا فِي آخَرَ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْجَمَاعَةِ إذَا اجْتَمَعُوا
يُرِيدُونَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ وَلَا يَسَعُهُمْ الْوَقْتُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ هَلْ يَقْرَأُ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي حِزْبٍ وَاحِدٍ ؛ لِعُذْرِ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَقْرَأُ إلَّا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَقَالَ : مَرَّةً يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَرَأَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ بَقِيَ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِكَثْرَتِهِمْ وَضِيقِ الْوَقْتِ .
وَمَرَّةً قَالَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِقَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى فَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مَا فُهِمَ هَذَا النَّقْلُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَهُوَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُدَرِّسُهُمْ الْقُرْآنَ إمَّا تَلْقِينًا أَوْ فِي الْأَلْوَاحِ أَوْ فِي الْمَصَاحِفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْجَمَاعَةُ يَقْرَءُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ .
أَمَّا الْحُفَّاظُ يَجْتَمِعُونَ لِلْقِرَاءَةِ يَقْرَءُونَ مَعًا لِلثَّوَابِ فَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَلَا بِمَرْوِيٍّ عَنْهُمْ .
، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَذَانِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ إذْ إنَّ ذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ عَلَى زَمَانِ مَنْ مَضَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَعَلَى رَأْسِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَيُصَرِّحُ بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنَّ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا .
فَذَكَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا يُمْكِنُ فِيهِ فَالتَّهْجِيرُ ذَكَرَ لَهُ الِاسْتِبَاقَ إذْ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِيهِ وَالْعَتَمَةُ وَالصُّبْحُ ذَكَرَ لَهُمَا الْحَبْوَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ رَاحَةٍ وَغَفْلَةٍ وَنَوْمٍ وَكَسَلٍ فَذَكَرَ لَهُ مَا يَلِيقُ بِالْكَسَلِ ، وَهُوَ الْحَبْوُ ، وَلَمَّا كَانَ الْأَذَانُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فِيهِ الِاسْتِبَاقُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَدْ يَأْتُونَ مَعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَالزَّمَانُ لَا يَسَعُهُمْ لِلْأَذَانِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ لَا يَسَعُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمْ أَوْلَى بِهَذِهِ الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ اسْتَوَوْا فِي الْإِتْيَانِ فَاحْتَاجُوا إلَى الْقُرْعَةِ فِي ذَلِكَ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ .
لَكِنْ قَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إذَا تَزَاحَمَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْأَذَانِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَيَجُوزُ الْأَذَانُ جَمَاعَةً وَشَرَطُوا فِي جَوَازِهِ أَنْ لَا يَكُونَ نَسَقًا وَاحِدًا بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمْ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَالْآخَرُ فِي التَّكْبِيرِ وَالْآخَرُ فِي الْحَيْعَلَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْشِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَوْتِ صَاحِبِهِ هَذَا
الَّذِي أَجَازَهُ عُلَمَاؤُنَا .
أَمَّا مَا اعْتَادَهُ الْمُؤَذِّنُونَ الْيَوْمَ مِنْ الْأَذَانِ جَمَاعَةً مُتَرَاسِلِينَ نَسَقًا وَاحِدًا مُجْتَمَعِينَ فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ جَوَازُهُ وَهَا هُوَ الْيَوْمَ هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَعْمُولُ بِهِ وَمَنْ فَعَلَ غَيْرَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ كَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي الدِّينِ وَأَتَى بِشَيْءٍ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُعْهَدُ .
وَكَذَلِكَ فِي الْمُدَارَسَةِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ كَانُوا يَدْرُسُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْفُرُوعَ وَالْأَحْكَامَ مُجْتَمَعِينَ يَتَلَقَّى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حِفْظَ ذَلِكَ وَفَوَائِدَهُ فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ الْيَوْمَ وَصَارَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْيَوْمَ إلَّا الْعَوَائِدُ الَّتِي ارْتَكَبْنَاهَا وَمَضَتْ عَلَيْهَا عَادَتُنَا وَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ تَرَكْنَاهُ وَرَجَعْنَا نَنْقُلُ عَنْ عَوَائِدَ اتَّخَذْنَاهَا لِأَنْفُسِنَا وَاصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا أَنَّهَا سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَلَفِنَا وَخَلْفِنَا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاقِلَ الْمَذْكُورَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ .
وَقَدْ نَقَلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِعْلَ السَّلَفِ حِينَ ذَكَرَ لَهُ ابْنُ وَهْبٍ مَا ذَكَرَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَعَابَهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُنْكِرَ نَقْلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَلَا يَرُدُّهُ لِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ثِقَتِهِ وَأَمَانَتِهِ فِي نَقْلِهِ عَنْهُمْ .
أَمَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ مَذْهَبِهِ ، فَهَذَا الَّذِي الْإِنْسَانُ مُخَيَّرٌ فِيهِ إنْ شَاءَ قَلَّدَهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَلَّدَ غَيْرَهُ .
أَمَّا نَقْلُهُ عَنْ السَّلَفِ فَلَيْسَ إلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ سَبِيلٍ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ فِعْلَ السَّلَفِ فَذَلِكَ يُمْكِنُ إنْ كَانَ التَّأْوِيلُ تَقْبَلُهُ أَحْوَالُهُمْ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذَا مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِكَوْنِ مَذْهَبِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الْأَخْذِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذْ أَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ عَنْهُ مُخْتَصًّا
بِبَلَدِهِ يَقُولُ بِهِ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا بَلَدُهُ عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ عَنْهُ فِي لَفْظِهِ بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِ فَلَمَّا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَهْلَ بَلَدِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلَ غَيْرُهُ ذَلِكَ وَصَرَّحَ بِهِ وَلَيْسَ بِبَلَدِهِ ، بَلْ بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهَا فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ عَامٌّ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا .
وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سَبَبَ هَذَا كُلِّهِ التَّقْلِيدُ فِي أُمُورِ الدِّينِ لِمَنْ سَهَا أَوْ غَفَلَ أَوْ غَلِطَ ، وَأَنَّ التَّقْلِيدَ إنَّمَا يَكُونُ لِخَيْرِ الْقُرُونِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالْخَيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْقِرَاءَةِ جَمَاعَةً وَالذِّكْرِ جَمَاعَةً أَنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ فَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ أَوْ نَقَلَ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُهُ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهِيَتِهِ ؟ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ أَوْ يَكْرَهَهُ فَلَمَّا أَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي كَرَاهِيَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ فِيهِ إلَّا التَّرْكَ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْإِنْكَارَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ إذَا شَغَلَ عَبْدِي ثَنَاؤُهُ عَلَيَّ أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مِنْ غُدْوَةٍ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ) .
وَقَالَ :
هُمْ يَتَحَلَّقُونَ الْحِلَقَ وَيَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ هَذَا تَفْسِيرُ خَادِمِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يُقَابِلُهُ تَفْسِيرُ مُتَأَخِّرِي هَذَا الزَّمَانِ ؟ وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَزَالُ الْفَقِيهُ يُصَلِّي قِيلَ : وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ : لَا تَلْقَاهُ إلَّا وَذِكْرُ اللَّهِ عَلَى لِسَانِهِ يُحِلُّ حَلَالًا وَيُحَرِّمُ حَرَامًا .
قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ ظَفِرْت بِهَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُهَيْمِنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَارُونَ وَمُوسَى لَمَّا بَعَثَهُمَا إلَى فِرْعَوْنَ وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي فَسَمَّى تَبْلِيغَ الرِّسَالَةِ ذِكْرًا فَعَلَى هَذَا يَتَحَقَّقُ أَنَّ حِلَقَ الْعِلْمِ وَمَا يَتَحَاوَرُونَ فِيهِ فِي الْعِلْمِ وَيَتَرَاجَعُونَ مِنْ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ أَنَّهَا حِلَقُ الذِّكْرِ ، وَهَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يَعْنِي أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ .
نَقَلَ ذَلِكَ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الذِّكْرِ لَهُ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَالَمِ الْيَوْمَ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى الْعَوَائِدِ الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا وَلَا لِكَوْنِ سَلَفِنَا مَضَوْا عَلَيْهَا إذْ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا غَفْلَةٌ أَوْ غَلَطٌ أَوْ سَهْوٌ وَلَكِنْ يُنْظَرُ إلَى الْقُرُونِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، فَإِنْ فَعَلَ هُوَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا يَرَاهُ مَصْلَحَةً فِي وَقْتِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيَعْتَرِفَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ مُحْدِثٌ وَيُبَيِّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ .
قَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْخُذُ هَذِهِ الْأَحْزَابَ وَيَقْرَؤُهَا جَمَاعَةً وَيَذْكُرُهَا جَمَاعَةً بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ دَأْبُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى مَوْتِهِ وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِضَرُورَةٍ ، وَهِيَ أَنَّ الْهِمَمَ قَدْ قَلَّتْ وَقَلَّ فَقِيرٌ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ أَوْ الْعَصْرَ ثُمَّ يَقُومُ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَقْرَأُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْمَشْهُودَيْنِ إلَّا أَنَّهُمْ يَقُومُونَ مِنْ مُصَلَّاهُمْ إمَّا لِلنَّوْمِ إنْ كَانَ فِي الصُّبْحِ أَوْ لِلتَّحَدُّثِ فِيمَا لَا يَعْنِي إنْ كَانَ فِي الْعَصْرِ إنْ سَلِمُوا مِنْ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَلَمَّا أَنْ تَحَقَّقُوا وُقُوعَ هَذَا الْمَحْذُورِ وَدَعَوْهُ لِهَذَا الْمَكْرُوهِ ؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْذُورَاتِ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى السُّنَنِ وَحِفْظِهَا فَيُنَبِّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا وَيُعَلِّمُهُمْ بِالْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا وَيُخْبِرُهُمْ بِالضَّرُورَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِفِعْلِهَا وَلِأَجْلِ الْغَفْلَةِ عَنْ هَذَا التَّنْبِيهِ وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ الِادِّعَاءِ بِهَا بِأَنَّهَا سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ تَحْسِينُ ظَنِّهِمْ بِمَشَايِخِهِمْ
وَعُلَمَائِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُخَالِفُونَ ، وَأَنَّهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا : مَنْ لَمْ يَرَ خَطَأَ شَيْخِهِ صَوَابًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَيُحْمَلُ لِأَجْلِ هَذَا مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا فَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ بِذِكْرِهِ لِذَلِكَ وَتَعْلِيلِهِ ؛ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا .
وَقَدْ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ الْقُدْوَةِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْمُحَقِّقِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّمَّاطِ رَحِمَهُ اللَّهُ حَكَى لِي ذَلِكَ عَنْهُ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ كَانَ عَارِفًا بِالْفِقْهِ مَعْرِفَةً جَيِّدَةً وَكَانَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَهُ فِي مَجَالِسِهِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ لَيْسَ لَهُمْ شُغْلٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا الْبَحْثَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَهَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ ؟ فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فِيهِ يَأْتُونَ إلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُرِيدُونَهَا فَيَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ إلَى الْفُقَهَاءِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْهَا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُحِلْهُمْ عَلَى غَيْرِهِ ، وَهُوَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِالنَّوَازِلِ الَّتِي كَانَتْ تَنْزِلُ بِهِمْ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ أَخَافُ أَنْ أُفْتِيَهُمْ فَيَقَعَ لَهُمْ الْخَلَلُ بِسَبَبِ أَنِّي إنْ مِتُّ بَقِيَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ مَوْقُوفًا عَلَيَّ لَا يَعْرِفُونَ أَمْرَ دِينِهِمْ إلَّا مِنْ جِهَتِي فَيَقُولُونَ : قَالَ الشَّيْخُ كَذَا وَذَهَبَ الشَّيْخُ إلَى كَذَا ، وَكَانَ طَرِيقُ الشَّيْخِ كَذَا .
فَيَظُنُّونَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ خُرُوجُهَا مِنْ قِبَلِ الْمَشَايِخِ فَيُرْسِلُهُمْ إلَى الْفُقَهَاءِ لِسَدِّ هَذِهِ الثُّلْمَةِ وَلِكَيْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا أَصْلُهُ وَعِمَادُهُ وَاَلَّذِي يَقَعُ بِهِ الْحَلُّ وَالرَّبْطُ عِنْدَنَا هُوَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ فَرْعٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَنْتَظِمُ الْحَالُ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ .
فَانْظُرْ رَحِمَك
اللَّهُ إلَى مُحَافَظَةِ هَذَا السَّيِّدِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى مَنْصِبِ الشَّرِيعَةِ كَيْفَ تَرَكَ أَنْ يُجِيبَ الْفُقَرَاءَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ؟ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ مَعْرُوفًا وَمَنْسُوبًا إلَى تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ وَتَسْلِيكِهِمْ وَتَرَقِّيهمْ فِي الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمُنَازَلَاتِ خَافَ أَنْ يُنْسَبَ مَا يُفْتِي بِهِ مِنْ الْفِقْهِ إلَى مَا كَانَ بِصَدَدِهِ مِنْ التَّرْبِيَةِ فَتَرَكَ الْمَنْدُوبَ ، وَهُوَ الْفَتْوَى فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَحَفُّظًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُنْسَبَ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ الَّذِي عَنْهُ يُؤْخَذُ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَحَفَّظَ مِنْهُ هَذَا السَّيِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَفْسَدَ الْيَوْمَ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ تَجِدُ أَحَدَهُمْ يَعْمَلُ الْبِدْعَةَ وَيَتَهَاوَنُ بِهَا فَتَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ تُرْشِدُهُ إلَى التَّرْكِ فَيَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِكَوْنِهِ رَأَى شَيْخَهُ وَمَنْ يَعْتَقِدُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَيَقُولُ : كَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ بِدْعَةً .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي فُلَانٌ يَعْمَلُهَا ؟ فَيَسْتَدِلُّ بِفِعْلِ سَلَفِهِ وَخَلْفِهِ وَشُيُوخِهِ عَلَى جَوَازِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ ، وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فَصَارَ فِعْلُ الْمَشَايِخِ حُجَّةً عَلَى مَا تَقَرَّرَ بِأَيْدِينَا مِنْ أَمْرِ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ وَلَا مِمَّنْ شَهِدَ لَهُمْ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ .
وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مَرْدُودٌ إذْ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَوَقَعَ الْخَلَلُ فِي الشَّرِيعَةِ بِسَبَبِهِ فَأَيٌّ مَنْ اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وَفَعَلَهُ وَأَيٌّ مَنْ كَرِهَ شَيْئًا وَتَرَكَهُ يَقَعُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَقْصًا مَعَاذَ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ بِأَيْدِينَا الْيَوْمَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ هَذِهِ الْمِلَّةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ التَّبْدِيلِ
فَكُلُّ مَنْ أَتَى بِشَيْءٍ مُخَالِفٍ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسَلَفُهَا فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ مَحْجُوجٌ بِفِعْلِهِمْ وَبِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَذْهَبَ شَرِيعَةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْنِي التَّقْلِيدَ لِأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ دُونَ دَلِيلٍ يَدُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ أَمْرُهُمْ أَنَّهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مِنْ الْأَحَدِ إلَى الْأَحَدِ يُجَدِّدُ لَهُمْ الْقِسِّيسُ شَرِيعَةً جَدِيدَةً بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ لَهُمْ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي وَقْتِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيه نَظَرُهُ وَتَسْدِيدُهُ عَلَى زَعْمِهِ فَتَجِدُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ لَقَدْ جَدَّدَ الْيَوْمَ شَرِيعَةً مَلِيحَةً ، وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَالِ فَإِنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ مَغْفُولٌ عَنْهُ وَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُ إلَّا مَنْ كَانَ مُرَاقِبًا لَهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ يَزِنُهَا عَلَى أَفْعَالِ السَّلَفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَقْتَدِيَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ إلَّا بِمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُتَقَدِّمِينَ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِلَّا فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَّبِعِينَ مِنْهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَتَبَيَّنُ لَهُ .
أَمَّا إنْ نَظَرَ إلَى أَفْعَالِهِمْ وَوَزَنَهَا بِغَرَضٍ غَيْرِ هَذَا فَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّشَاغُلِ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَالْبَحْثِ عَنْ مَثَالِبِهِمْ ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ لَكِنْ نَذْكُرُ أَوَّلًا مَا بَقِيَ مِنْ الْفَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا النَّاقِلُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ .
فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ نَقْلِهِ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي نَقَلَهَا فِي ذَلِكَ : وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ مَا ذُكِرَ مِنْ إنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَ فَلَمَّا أَنْ نَقَلَ قَوْلَ مَالِكٍ لِابْنِ وَهْبٍ ، وَأَنَّهُ عَابَ مَا ذُكِرَ لَهُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَكَرِهَهُ ، وَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ نَقَلَ هَذَا عَنْهُ : ، فَهَذَا الْإِنْكَارُ مِنْهُ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلْفُ وَلِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ فَهُوَ مَتْرُوكٌ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْبَابِهَا انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذِهِ السُّنَّةِ مِنْ هَذَا النَّاقِلِ مَعَ حِذْقِهِ وَحِفْظِهِ كَيْفَ أَتَى بِنَقْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ وَإِعَابَتِهِ ؟ وَلَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ بِتَأْوِيلٍ وَلَا بِنَقْلٍ عَنْ غَيْرِهِمْ بِضِدِّ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَأْتِ إلَّا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَا مِنْ فِعْلِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَابَلَ مَا نَقَلَهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ بِقَوْلِهِ : أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ فِعْلَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهُمْ لَمْ يَنْقُلُوا مِنْ مَذْهَبِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ بَلْ نَقَلُوا عَنْ سَلَفِهِمْ وَلَمْ يُقَابِلْهُمْ بِأَنَّ غَيْرَهُمْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقَلَّدِينَ .
وَنَقْلُ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يَرُدُّهُ النَّقْلُ عَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْهُمْ وَنَقْلُهُمْ يَرُدُّ كُلَّ مَا تُرْجِمَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُ وَيُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ غَيْرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فَتَبَيَّنْ ذَلِكَ وَتَفَهَّمْهُ يَظْهَرْ لَك الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ
هَذَا .
أَمَّا فَضِيلَةُ جَمْعِهِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَفِيهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ هَلْ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَتَى بِهِ مَا يَمَسُّ مُرَادَهُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ إلَّا أَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ وَفِي نَفْسِهِ أَنَّ ذَلِكَ طَاعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا عَهِدَ عَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكَ وَمَضَوْا عَلَيْهِ فَظَنَّ أَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ عَنْهُمْ فِي الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ أَنَّهُ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ الِاجْتِمَاعِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ فَأَتَى بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ إلَى الِاتِّبَاعِ وَالْقُرْبِ فَجَعَلَهُ فِيمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَا هَذَا عَلَيْك بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَآكَدُ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ اتِّبَاعُ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالسُّنَّةِ مِنَّا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مَعَ خَيْرِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيُبَيِّنُ السَّبَبَ فِي فِعْلِهِ وَالضَّرُورَةَ الدَّاعِيَةَ إلَيْهِ مَخَافَةً مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْمُتَقَدِّمِينَ مَا لَمْ يَفْعَلُوا وَأَنْ يَخْتَلِطَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ الْمُحْدِثِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْهَبُ إلَى غَيْرِ مَا كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا فَكَانَ يَقُولُ إنَّ بَطَالَةَ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالنَّوْمِ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ جَهْرًا إنْ كَانَ الذِّكْرُ جَهْرًا سَالِمًا مِنْ الدَّسَائِسِ الْمَحْذُورَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ فِيهِ فَإِنْ دَخَلَهُ شَيْءٌ مِنْ الدَّسَائِسِ فَهُوَ الْخُسْرَانُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ
الْخُسْرَانِ وَكَانَ يُبَيِّنُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا الْحَدِيثُ الْوَارِدُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي أَنَّ الذِّكْرَ الْخَفِيَّ يَفْضُلُ الْجَلِيَّ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً .
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ وَذَكَرَ فِيهِمْ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَمِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَنَا وَعُلِمَ أَنَّ التَّاجِرَ إذَا وَجَدَ الرِّبْحَ فِي سِلْعَةٍ سَبْعِينَ دِينَارًا وَأُخْرَى وَاحِدًا أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا فِيهِ رِبْحُ سَبْعِينَ وَلَا يَأْخُذُ السِّلْعَةَ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا الدِّينَارُ الْوَاحِدُ فَإِنْ عَكَسَ التَّاجِرُ ذَلِكَ وَأَخَذَ السِّلْعَةَ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا الدِّينَارُ الْوَاحِدُ وَتَرَكَ السِّلْعَةَ الَّتِي يَأْخُذُ فِيهَا السَّبْعِينَ قُلْنَا عَنْهُ تَاجِرٌ سَفِيهٌ وَالتَّاجِرُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْمُؤْمِنُ لِأَنَّهُ يَتَّجِرُ فِيمَا يَبْقَى وَغَيْرُهُ يَتَّجِرُ فِيمَا يَفْنَى ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَقْدُمُ عَلَى فِعْلٍ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَاحِدٌ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ سَبْعُونَ هَذَا سَفَهٌ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذِهِ التِّجَارَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا تَفَاضَلُوا بِحَسَبِ نِيَّاتِهِمْ وَمُحَاوِلَةِ أَعْمَالِهِمْ وَتَنْمِيَتِهَا فَيَحْتَاجُ عَلَى هَذَا أَنْ يُبَادِرَ إلَى تِلَاوَةِ السِّرِّ وَالذِّكْرِ فِي السِّرِّ إذْ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ بِسَبْعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ .
فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى سِرًّا فَلَوْ ذَكَرَ اللَّهَ مَثَلًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِينَ فَتَكُونُ الثَّلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ بِمِائَتَيْ حَسَنَةٍ وَعَشْرِ حَسَنَاتٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَخْفِقَ رَأْسَهُ فِي نَوْمِهِ مِنْ وَقْتِهِ ذَلِكَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مَرَّاتٍ وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَفِيقَ عَلَى نَفْسِهِ قَلِيلًا يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَذْكُرُ اللَّهَ مَا قَدَرَ لَهُ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِينَ ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النَّوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ ، وَهُوَ مُنْكَسِرُ الْخَاطِرِ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِشَيْءٍ وَيَرَى أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ غَنِمَ وَحَصَّلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَشْهُورِ خَيْرًا ، وَهُوَ فِي غَفْلَةٍ وَنَوْمٍ فَيَحْصُلُ لَهُ التَّذَلُّلُ وَالِانْكِسَارُ فَيَكُونُ مَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِمَّا فَاتَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ اُطْلُبُونِي عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي .
هَذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا الْأَفْذَاذُ فَإِنْ زَادَ عَلَى هَذَا بِأَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ فَهُوَ أَعْظَمُ وَأَعْلَى لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ دُعَاءَ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابٌ هَذَا وَأَخُوهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنْ الْخَطَأِ وَلَا مِنْ الزَّلَلِ فَمَا بَالُك بِاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ رِضًا مِمَّنْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي وَصْفِهِمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنْ ارْتَضَى فَتَكُونُ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ إلَى أَنْ يَقُومَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مُصَلَّاهُ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَيُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى كَعُمْرَةٍ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ أَيَبْقَى عَلَيْهِ ذَنْبٌ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَظُنَّ ذَلِكَ أَحَدٌ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ انْتَهَى .
فَاجْتَمَعَ اسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ بَرَكَةِ الذِّكْرِ الْخَفِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَعَ رَاحَةِ الْبَدَنِ فِي الْمَشْيِ أَوْ رَفْعِ الصَّوْتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّعَبِ مَعَ التَّحَقُّقِ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي الذِّكْرِ بِالْجَهْرِ مَعَ تَرْكِ التَّعَبِ وَمَعَ حُصُولِ فَضِيلَةِ تَرْكِ الْكَلَامِ لِمَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لَهُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْكَلَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَقْبَلَ عَلَى الذِّكْرِ أُجِرَ عَلَى الذِّكْرِ ، وَعَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ وَإِنْ تَرَكَ الْكَلَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ أُجِرَ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ نَامَ مِنْ حِينِ صَلَاتِهِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَوْ فِي أَكْثَرِهَا مُتَيَقِّظًا مُقْبِلًا عَلَى التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأُجُورِ بِتَعْظِيمِ النِّيَّةِ وَالْأَعْمَالِ وَمُحَاوَلَةِ ذَلِكَ وَتَنْمِيَتِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهَا إلَّا الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ صَلَّى الصُّبْحَ وَقَامَ مِنْ حِينِهِ مِنْ مُصَلَّاهُ حَتَّى لَا تَجِدُ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ سَبِيلًا إلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ جَهْرًا فَقَدْ يَتْعَبُ مِمَّا يَرْفَعُ صَوْتُهُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ
لَمْ يَصِلْ إلَى الْمِائَتَيْنِ وَالْعَشَرَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي الثَّلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إلَى أَجْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأَجْلِ تَضْعِيفِ الْأُجُورِ لِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهَذَا إذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ كُلِّ مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ رِيَاءٌ أَوْ سُمْعَةٌ أَوْ حُظْوَةٌ عِنْدَ شَيْخِهِ أَوْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ أَوْ يُقَالُ عَنْهُ أَوْ يُشَارُ إلَيْهِ أَوْ تُقَبَّلُ يَدُهُ أَوْ يُثْنَى عَلَيْهِ وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ الْعَجَبِ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى أَنَّهُ عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ بِسَبَبِ تَعْمِيرِهِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ بِالذِّكْرِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَالْبَطَالَةُ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَجَبِ .
وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ مُجْتَمَعِينَ عَلَى ذَلِكَ صَوْتًا وَاحِدًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي هُوَ بَابُ الْجَوَازِ إلَى بَابِ هَلْ يُكْرَهُ أَوْ يَجُوزُ لِأَنَّ الذِّكْرَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ هَلْ يُعْمَلُ رَعْيًا لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ لِكَيْ يَسْلَمُوا مِنْ الْبَطَالَةِ وَالْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي أَوْ لَا يُعْمَلُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى فِعْلِهِ رَعْيًا لِلْمَصْلَحَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى مَنْعِهِ لِأَنَّ تِلْكَ صُورَةٌ لَمْ تَكُنْ لِمَنْ مَضَى وَكَفَى بِهَا وَلَوْ كَانَ فِيهَا التَّنْشِيطُ وَغَيْرُهُ إذْ أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ مُخَالِفٌ لِلِاقْتِدَاءِ .
أَلَا تَرَى إلَى جَوَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَامِلِهِ حِينَ كَتَبَ لَهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ كَثُرَ عِنْدَنَا شُرْبُ الْخَمْرِ وَكَثُرَتْ الْحُدُودُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَفَتَرَى أَنْ أَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَحُدَّهُ فَإِنْ شَرِبَ فَحُدَّهُ فَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فَلَا رَدَّهُ اللَّهُ
أَوْ كَمَا قَالَ وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ النَّوْمِ وَالْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي بِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ فَلَا رَدَّهُ اللَّهُ وَلَوْ سُومِحَ فِي هَذَا لَذَهَبَ الدِّينُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ لِأَنَّهُ إذَا وَجَدْنَا مَنْ لَمْ يَرْجِعْ بِالسُّنَّةِ أَحْدَثْنَا لَهُ فِي الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا شَيْئًا لِيَرْجِعَ بِهِ عَمَّا لَا يَنْبَغِي وَفِي هَذَا ذَهَابُ الدِّينِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عُمَرَ حَيْثُ سَدَّ هَذَا الْبَابَ فَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَ لَهُ الشَّرْعُ فَلَا حَاجَةَ بِهِ .
ثُمَّ نَرْجِعُ لِمَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ مِنْ تَقْطِيعِ الْآيَاتِ لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ نَفَسُهُ فِي آيَةٍ فَيَتَنَفَّسُ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُتِمَّ الْآيَةَ فَيَجِدُ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ مَعَهُ قَدْ سَبَقُوهُ بِالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إلَى أَنْ يَقْرَأَ مَا فَاتَهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهُمْ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَيَحْتَاجُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَ آيَاتٍ وَيَتْرُكَ أُخَرَ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ أُنْزِلَ وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ تَخْتَلِطُ آيَةُ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ وَآيَةُ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِيهِ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ لَا يَقْدِرُ مَنْ يَقْرَأُ مَعَ جَمَاعَةٍ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِ مَا وُصِفَ وَلَوْ احْتَرَزَ مَا عَسَى ، وَهَذَا أَيْضًا إذْ سَلِمَ مِنْ الْجَهْرِ بِذَلِكَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي التَّلْبِيَةِ فِي الْحَجِّ الْجَهْرُ لَكِنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَعْقِرُ حَلْقَهُ فَإِذَا كَرِهُوا ذَلِكَ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْجَهْرُ فَمَا بَالُك فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْإِسْرَارُ وَالْإِخْفَاءُ وَكَثِيرًا
مَا تَجِدُ مِنْ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَقْعُدُونَ لِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْأَحْزَابِ تَنْعَقِرُ أَصْوَاتُهُمْ لِشِدَّةِ انْزِعَاجِهِمْ فِي جَهْرِهِمْ وَيَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَهَذَا أَيْضًا مُشَاهَدٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ بَاشَرَهُمْ وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ النَّهْيِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَوَجَدَهُمْ يَتَنَفَّلُونَ وَيَجْهَرُونَ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ مَا لَمْ تَضُرَّ التِّلَاوَةُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لَهَا فَإِذَا أَضَرَّتْ بِهَا مُنِعَتْ وَقَلَّ أَنْ يَخْلُوَ مَسْجِدٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنْ خَلَتْ فَهِيَ مُعَرَّضَةٌ لِلصَّلَاةِ فَإِذَا دَخَلَ الدَّاخِلُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِتَحِيَّتِهِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ لِفَرِيضَةٍ فَإِنْ دَخَلَ لِفَرِيضَةٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى فَعَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ فَالدَّاخِلُ إلَى الْمَسْجِدِ يَجِدُ التَّشْوِيشَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى صَلَاتِهِ فَيُمْنَعُ كُلُّ مَا يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّي .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ يَتَشَوَّشُ مِنْهُ فَفِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِنَصِّ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ أَوْلَادٌ وَعَائِلَةٌ يَشْتَغِلُ خَاطِرُهُ بِحَدِيثِهِمْ وَكَلَامِهِمْ فَفِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِخَاطِرِهِ وَهَمِّهِ وَتَحْصِيلُ جَمْعِ خَاطِرِهِ وَهَمِّهِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ فَضِيلَةِ التَّنَفُّلِ فِي الْبَيْتِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِذَا جَاءَ الْإِنْسَانُ إلَى الْمَسْجِدِ لِيُحَصِّلَ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً فِي
بَيْتِهِ فَيَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ مَا هُوَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا فِي بَيْتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ .
وَقَدْ وَرَدَ لَأَنْ تَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِقِرَابِ الْأَرْضِ ذُنُوبًا فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ بِتَبِعَةٍ مِنْ التَّبِعَاتِ لِأَنَّك إذَا لَقِيته بِذُنُوبٍ بَيْنَك وَبَيْنَهُ تَلْقَاهُ غَنِيًّا كَرِيمًا مُتَفَضِّلًا مَنَّانًا لَا تَضُرُّهُ السَّيِّئَاتُ وَلَا تَنْفَعُهُ الْحَسَنَاتُ وَلَا يُنْقِصُهُ الْعَطَاءُ غَنِيًّا عَنْ عَذَابِك غَيْرَ مُحْتَاجٍ لِحَسَنَاتِك ، وَإِذَا لَقِيته بِشَيْءٍ مِنْ التَّبَعَاتِ فَصَاحِبُ التَّبَعَاتِ فَقِيرٌ مُضْطَرٌّ شَحِيحٌ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فَزِعٌ مَذْعُورٌ مُشْفِقٌ مِنْ عَدَمِ الْخَلَاصِ يَتَمَنَّى أَنْ لَوْ وَجَدَ حَقًّا لَهُ عَلَى أَبَوَيْهِ أَوْ بَنِيهِ لَعَلَّهُ يَتَخَلَّصُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ لَهُ قِبَلَ أَحَدٍ حَقٌّ قَلَّ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلَوْ كَانَ ذَرَّةً وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُعْلَمُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَعْنِي مَنْعَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ وُجُودِ مُصَلٍّ يَقَعُ لَهُ التَّشْوِيشُ بِسَبَبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى أَوْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ مِنْ صَلَاةِ الْجَهْرِ أَنَّهُ إذَا قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَإِنَّهُ يَخْفِضُ صَوْتَهُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ فَيَجْهَرُ فِي ذَلِكَ بِأَقَلَّ مَرَاتِبِ الْجَهْرِ ، وَهُوَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه خِيفَةَ أَنْ يُشَوِّشَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسْبُوقِينَ ، هَذَا وَهُوَ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ فَمَا بَالُك بِرَفْعِ صَوْتِ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْكَلَامُ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ ذِكْرِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ
النَّارُ الْحَطَبَ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَذِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ تَأَذَّتْ الْمَلَائِكَةُ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ جَهْرًا أَوْ جَمَاعَةً يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ لِنَصِّ الْعُلَمَاءِ وَفِعْلِهِمْ ، وَهُوَ أَخْذُ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ سُئِلَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ عِلْمٌ وَرَفْعُ صَوْتٍ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عِلْمٌ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ ، وَقَدْ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ كَأَخِي السِّرَارِ فَإِذَا كَانَ مَجْلِسُ عِلْمٍ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ فَلَيْسَ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ فَإِنْ وُجِدَ رَفْعُ صَوْتٍ مُنِعَ مِنْهُ وَأُخْرِجَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ مَسْجِدُنَا هَذَا لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ .
وَهُوَ عَامٌّ وَالضَّرَرُ وَاقِعٌ فَيُمْنَعُ ، وَإِذَا كَانَ فِي الذِّكْرِ بِالْجَهْرِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ وَإِنْ سَلِمَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا فَقَدْ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا الْبَاقُونَ وَالْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ فَإِذَا سَلِمْت أَنْتَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ لِحُسْنِ نِيَّتِك وَقَصْدِك الظَّاهِرِ فَيُحْتَاجُ أَنْ تُرَاعِيَ حَقَّ أَخِيك الْمُؤْمِنِ وَجَلِيسِك إنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ عَنْ صُحْبَةِ سَاعَةٍ فَقَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ مَا يَعْرِفُ بِهِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الدَّسَائِسِ وَغَيْرِهَا فَيَقَعُ فِي الْمَحْذُورِ وَتَكُونُ أَنْتَ بِنِيَّتِك الصَّالِحَةِ فِي هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي أَصْلَحْته سَبَبًا لِأَخِيك وَجَلِيسِك وَشَرِيكِك فِي ذِكْرِ رَبِّك لِعَدَمِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَهُ وَحَصَلَتْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ نَامَ عَلَى الْحَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ذَكَرَ اللَّهَ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْ
هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا وَغَيْرُهُ مُعَرَّضٌ لَهَا ، وَقَدْ قِيلَ لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا فَإِنْ قِيلَ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ جَهْرًا وَجَمَاعَةً فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ وَجَاءَ فِعْلُ السَّلَفِ بِأَحَدِهِمَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ .
أَمَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .
وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ حَيْثُ قَالَ وَاخْتَارَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ الصَّلَاةِ وَيُخْفِيَا الذِّكْرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا يَجِبُ أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْهُ فَيَجْهَرُ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ ثُمَّ يُسِرُّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِتْ بِهَا يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالدُّعَاءِ لَا تَجْهَرْ تَرْفَعْ وَلَا تُخَافِتْ حَتَّى لَا تُسْمِعَ نَفْسَك وَأَحْسَبُ مَا رَوَى ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ تَهْلِيلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَكْبِيرِهِ كَمَا رَوَيْنَاهُ إنَّمَا جَهَرَ قَلِيلًا لِيَتَعَلَّمَ النَّاسُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَامَّةَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي كَتَبْنَاهَا مَعَ هَذَا وَغَيْرِهَا لَيْسَ يُذْكَرُ
فِيهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ تَهْلِيلٌ وَلَا تَكْبِيرٌ ، وَقَدْ يُذْكَرُ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِمَا وَصَفْت وَيُذْكَرُ انْصِرَافُهُ بِلَا ذِكْرٍ ، وَقَدْ ذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُكْثَهُ وَلَمْ تَذْكُرْ جَهْرًا وَأَحْسَبُ أَنَّهُ لَمْ يَمْكُثْ إلَّا لِيَذْكُرَ ذِكْرًا غَيْرَ جَهْرٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا مِثْلُ ذَا قُلْت مِثْلُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ يَكُونُ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ عَلَيْهِ وَيُقَهْقِرُ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ وَأَكْثَرُ عُمْرِهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مِمَّا رَأَى أَحَبَّ أَنْ يُعَلِّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ كَيْفَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالرَّفْعُ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَعَةً انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ .
فَهَذَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ فَإِنْ حَصَلَ التَّعْلِيمُ أَمْسَكَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ جَهْرًا وَجَمَاعَةً فَإِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ التَّعْلِيمَ بَلْ الثَّوَابَ .
وَالْجَوَابُ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيّ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمُجَاهِدِينَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ إلَى الْآنَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُجَاهِدِينَ إذَا صَلَّوْا الْخَمْسَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُكَبِّرُوا جَهْرًا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ قَالَ فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَنْسُوخًا بِالْإِجْمَاعِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِهِ وَالْإِجْمَاعُ لَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِ انْتَهَى ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ .
أَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَيُسْتَحْسَنُ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ .
أَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي دَاوُد ( عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ ضَجِيجَ النَّاسِ بِالْمَسْجِدِ يَقْرَءُونَ
الْقُرْآنَ فَقَالَ طُوبَى لِهَؤُلَاءِ كَانُوا أَحَبَّ النَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ الْجَهْرُ لَيْسَ إلَّا وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِرَاءَةُ جَمَاعَةً عَلَى مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَعَادَتَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ وَمَا رُوِيَ عَنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى عَادَتِهِمْ وَعَادَتُهُمْ إنَّمَا كَانَتْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَلَى سَبِيلِ التَّلْقِين أَوْ الْعَرْضِ فَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَلَقَّنُونَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ يَعْرِضُونَ أَوْ يَدْرُسُونَ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى شَيْخِهِ أَوْ عَلَى رَفِيقِهِ وَجَلِيسِهِ فَسَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ضَجَّتَهُمْ فَذَكَرَ مَا ذَكَرَ فِي حَقِّهِمْ وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى فَضِيلَةِ مَجْلِسِ الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَجَالِسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَمُدَارَسَتَهُ هُوَ أَصْلُ الْعُلُومِ كُلِّهَا ، وَهُوَ مَعْدِنُ الْجَمِيعِ فَإِذَا حُفِظَ فَقَدْ حُفِظَ عَلَى النَّاسِ أَصْلُ دِينِهِمْ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانُوا أَحَبَّ النَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ اسْتَدَلَّ النَّاقِلُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى إبَاحَةِ الْقُرْآنِ جَمَاعَةً وَجَهْرًا أَيْضًا بِأَنْ قَالَ وَفِي إثْبَاتِ الْجَهْرِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ .
أَمَّا الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ .
فَهَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيِّنٌ فِي الْجَهْرِ لَيْسَ إلَّا دُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ مِنْ الْجَمْعِ عَلَى ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَيْضًا رَاجِعٌ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي رُوِيَ عَنْهُمْ فِيهَا الْجَهْرُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُمْ ذَلِكَ مُطْلَقًا بَلْ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ قَدْ كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَوَاعَدُونَ لِضَرُورَاتِهِمْ لِقِيَامِ الْقُرَّاءِ بِاللَّيْلِ
وَكَذَلِكَ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ فَيَقْرَأُ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِكَيْ يَسْمَعُوا كَلَامَ رَبِّهِمْ وَكَذَلِكَ عِنْدَ إحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ وَتَلْبِيَتِهِمْ طُولَ إحْرَامِهِمْ وَذِكْرِهِمْ بَعْدَ الْإِحْلَالِ مِنْ إحْرَامِهِمْ بِمِنًى كَانُوا يَسْمَعُونَ تَكْبِيرَ أَهْلِ مِنًى وَهُمْ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ اتِّصَالِ التَّكْبِيرِ وَكَثْرَةِ النَّاسِ وَكَذَلِكَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ وَفِي تَعَلُّمِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ وَفِي إقْرَائِهِمْ وَفِي مُذَاكَرَتِهِمْ وَبَحْثِهِمْ وَكَذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِمَامِ تَعْلِيمَ الْمَأْمُومِينَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا ذُكِرَ مِنْ جَهْرِهِمْ فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ مَعْلُومَةٍ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ عَنْهُمْ مِنْ الْجَهْرِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنْهُمْ ، وَعَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ عَنْهُمْ ، وَعَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ الِاجْتِمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَكُلُّ مَا وَرَدَ عَلَيْك مِمَّا يُشْبِهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْهَا إنْ رُجِعَ إلَى نَقْلِ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يَتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وَيَتْرُكُ تَأْوِيلَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ كُلِّهِ وَزُبْدَتِهِ وَفَائِدَتِهِ هُوَ أَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مِنْ ذِكْرِ الْفَضَائِلِ وَالْخَيْرَاتِ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ فَالْمُرَادُ بِهَا هَذَا الْمَجْلِسُ الَّذِي جَلَسَهُ هَذَا الْعَالِمُ لِتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَذْكَارِ دَاخِلٌ مُنْطَوٍ تَحْتَ فَضِيلَةِ هَذَا الْمَجْلِسِ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْتَرِمَهُ وَيُعَظِّمَهُ إذْ أَنَّهُ أَعْظَمُ شَعَائِرِ الدِّينِ وَأَزْكَاهَا وَأَرْجَحُهَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمُ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، وَقَالَ تَعَالَى ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
وَمِنْ جُمْلَةِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْعُظْمَى الْإِجْلَالُ لَهَا بِالْفِعْلِ فَإِذَا نَطَقَ بِلِسَانِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فَيَكُونُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ أَوْ النَّدْبِ لِيَتَّصِفَ بِالْعَمَلِ كَمَا اتَّصَفَ بِالْقَوْلِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي قَوْله تَعَالَى كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ
وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُؤَذِّنِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنَّ يُؤَذِّنَ عَلَى طَهَارَةٍ لِيَكُونَ عَقِبَ أَذَانِهِ يَرْكَعُ لِأَنَّهُ مُنَادٍ إلَى الصَّلَاةِ فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ لِمَا نَادَى إلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِأَذَانِهِ لِأَجْلِ عَمَلِهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا خَرَجَ مِنْ عَامِلٍ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ عَامِلٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَيُسْتَحَبُّ لِأَجْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا يَأْمُرُ بِهِ حَتَّى يَنْتَفِعَ النَّاسُ بِأَمْرِهِ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا ذَكَرَ الْمُحَرَّمَ أَوْ الْمَكْرُوهَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ إلَى التَّرْكِ فَيَكُونُ سَالِمًا مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْذُورَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ بِحَسَبِ جَهْدِهِ وَطَاقَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَهَذَا آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
فَمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ فَلَا يُقْرَبُ لِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ وَالنَّهْيُ إذَا وَرَدَ يَتَنَاوَلُ الْمُحَرَّمَ وَالْمَكْرُوهَ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ إذَا وَرَدَ يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ هَذَا الْعَالِمُ عَلَى التَّرْكِ بِالْكُلِّيَّةِ وَغَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فِي ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْبِدَعِ فَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَيَكُونُ مُسْتَتِرًا وَيَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَهُوَ أَقَلُّ الْمَرَاتِبِ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ هَذَا مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَعْنِي التَّسَتُّرَ بِالْبِدَعِ وَالْمُخَالَفَاتِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ بُلِيَ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ بِشَيْءٍ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَةَ وَجْهِهِ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ ) أَوْ كَمَا قَالَ وَالْحُدُودُ رَاجِعَةٌ إلَى حَالِ مَا يَقَعُ مِنْ الشَّخْصِ فَرُبَّ فِعْلٍ حَدُّهُ الْجَلْدُ وَآخَرَ حَدُّهُ الْهِجْرَانُ وَآخَرَ حَدُّهُ الْبُغْضُ وَآخَرَ حَدُّهُ الزَّجْرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَكِنْ الْعَالِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسَتُّرُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ شَرَّهُ وَمَعْصِيَتَهُ وَمُخَالَفَتَهُ وَبِدْعَتَهُ إنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ خَيْرَهُ كَذَلِكَ
مُتَعَدٍّ لَكِنْ التَّعَدِّي بِهَذَا الْفَنِّ أَكْثَرُ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النُّفُوسِ الِاقْتِدَاءُ فِي شَهَوَاتِهَا وَمَلْذُوذَاتِهَا وَعَادَاتِهَا أَكْثَرُ مِمَّا تَقْتَدِي بِهِ فِي التَّعَبُّدِ الَّذِي لَيْسَ لَهَا فِيهِ حَظٌّ فَإِذَا رَأَتْ ذَلِكَ مِنْ عَالِمٍ وَإِنْ أَيْقَنَتْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ بِدْعَةٌ تُعْذِرُ نَفْسَهَا فِي ارْتِكَابِهَا لِذَلِكَ إنْ سَلِمَتْ مِنْ سُمِّ الْجَهْلِ تَقُولُ لَعَلَّ عِنْدَ هَذَا الْعَالِمِ الْعِلْمَ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَوْ رَخَّصَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ لَهُمْ ، وَهُوَ كَثِيرٌ مُشَاهَدٌ فَإِذَا رَأَتْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ يَرْتَكِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ الِاسْتِصْغَارُ وَالتَّهَاوُنُ بِمَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ السُّمُّ الْقَاتِلُ .
وَقَدْ قَالُوا ارْتِكَابُ الْكَبَائِرِ أَهْوَنُ مِنْ الِاسْتِصْغَارِ بِالصَّغَائِرِ لِأَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ يُرْجَى لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى اللَّهِ وَيَتُوبَ وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالصَّغَائِرِ قَلَّ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ قَالُوا لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَهَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الصَّغَائِرَ إذَا اجْتَمَعَتْ صَارَتْ كَبَائِرَ فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْبِدَعِ سَبَبًا لِعَطَبِ مَنْ يَرَاهُ مِمَّنْ هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ رُتْبَةً فِي الدِّينِ لِاقْتِدَائِهِ بِهِ وَاسْتِسْهَالِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ سَبَكَ الْفَقِيهُ أَبُو الْمَنْصُورِ فَتْحُ بْنُ عَلِيٍّ الدِّمْيَاطِيُّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مِنْهَا أَيُّهَا الْعَالِمُ إيَّاكَ الزَّلَلْ وَاحْذَرْ الْهَفْوَةَ فَالْخَطْبُ جَلَلْ هَفْوَةُ الْعَالِمِ مُسْتَعْظَمَةٌ إنْ هَفَا أَصْبَحَ فِي الْخَلْقِ مَثَلْ وَعَلَى زَلَّتِهِ عُمْدَتُهُمْ فِيهَا يَحْتَجُّ مَنْ أَخْطَأَ وَزَلْ لَا تَقُلْ يُسْتَرُ عَلَى زَلَّتِي بَلْ بِهَا يَحْصُلُ فِي الْعِلْمِ الْخَلَلْ إنْ تَكُنْ عِنْدَك مُسْتَحْقَرَةً فَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ
وَالنَّاسِ جَبَلْ لَيْسَ مَنْ يَتْبَعُهُ الْعَالِمُ فِي كُلِّ مَا دَقَّ مِنْ الْأَمْرِ وَجَلْ مِثْلُ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ جَهْلُهُ إنْ أَتَى فَاحِشَةً قِيلَ جَهِلْ اُنْظُرْ الْأَنْجُمَ مَهْمَا سَقَطَتْ مَنْ رَآهَا وَهْيَ تَهْوِي لَمْ يُبَلْ فَإِذَا الشَّمْسُ بَدَتْ كَاسِفَةً وَجَلَ الْخَلْقُ لَهَا كُلَّ الْوَجَلْ وَتَرَامَتْ نَحْوَهَا أَبْصَارُهُمْ فِي انْزِعَاجٍ وَاضْطِرَابٍ وَزَجَلْ وَسَرَى النَّقْصُ لَهُمْ مِنْ نَقْصِهَا فَغَدَتْ مُظْلِمَةً مِنْهَا السُّبُلْ وَكَذَا الْعَالِمُ فِي زَلَّتِهِ يَفْتِنُ الْعَالَمَ طُرًّا وَيُضِلْ يُقْتَدَى مِنْهُ بِمَا فِيهِ هَفَا لَا بِمَا اسْتَعْصَمَ فِيهِ وَاسْتَقَلْ فَهُوَ مِلْحُ الْأَرْضِ مَا يُصْلِحُهُ إنْ بَدَا فِيهِ فَسَادٌ أَوْ خَلَلْ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَحْتَرِزَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُجَالِسُهُ أَوْ يُبَاشِرُهُ كَمَا يَحْتَرِزُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِحَقِّ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ وَلِحَقِّ الصُّحْبَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَلِلْوَاجِبِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْإِرْشَادِ وَالتَّغْيِيرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِاللِّسَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدًا مِنْ جُلَسَائِهِ قَدْ خَالَفَ سُنَّةً أَوْ ارْتَكَبَ بِدْعَةً أَوْ تَهَاوَنَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَهَاهُ بِلُطْفٍ وَعَلَّمَهُ بِرِفْقٍ .
قَالَ تَعَالَى فِي التَّغْيِيرِ عَلَى عَدُوٍّ مِنْ أَعْدَائِهِ مُنَازِعٍ لَهُ فِي مُلْكِهِ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا فَإِذَا كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي حَقِّ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُتَمَرِّدِ فَمَا بَالُك فِي حَقِّ أَخٍ مُسْلِمٍ رَفِيقٍ جَلِيسٍ جَاءَ مُسْتَرْشِدًا مُتَعَلِّمًا فَيَجِبُ أَنْ يَرْفُقَ بِهِ فَيَأْخُذَ أَمْرَهُ بِاللُّطْفِ وَالسِّيَاسَةِ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النُّفُوسِ النُّفُورُ عِنْدَ زَجْرِهَا عَنْ الشَّيْءِ فَيَحْتَاجُ الْعَالِمُ إذْ ذَاكَ إلَى أَمْرَيْنِ ضِدَّيْنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا : مُرَاعَاةُ جَانِبِ السُّنَّةِ وَالتَّغْيِيرُ وَالِانْزِعَاجُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَالرِّفْقُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي حَقِّ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلِّمُوا وَارْفُقُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا أَوْ كَمَا قَالَ فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ إذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فِي أَحَدٍ مِنْ إخْوَانِهِ أَوْ جُلَسَائِهِ أَوْ الْمُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ يَنْظُرُ فِيهِمْ بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ فَيَرْضَى لِرِضَى الشَّرْعِ وَيَغْضَبُ لِغَضَبِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُرْجَى لَهُ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَعْنِي فِي اتِّبَاعِهِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ الْوَاصِفُ لَهُ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا فَإِذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ حُرَمِ اللَّهِ
يُنْتَهَكُ كَانَ أَسْرَعَ النَّاسِ إلَيْهَا نُصْرَةً انْتَهَى .
فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْحَمِيَّةُ وَالنُّصْرَةُ لِلْعَالِمِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا الرِّفْقُ فَلَا يُنَفِّرُهُمْ بَلْ يَسْتَجْلِبُهُمْ وَيَسْرِقُ طَبَائِعَهُمْ بِالسِّيَاسَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا إلَى قَانُونَ الِاتِّبَاعِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَصَاحَ النَّاسُ بِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَزْرِمُوهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى أَتَمَّ بَوْلَهُ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ عَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ وَإِلَى مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ فَلْيُعَامِلْ كُلَّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ اللُّطْفِ وَالسِّيَاسَةِ وَالشِّدَّةِ وَالْغِلْظَةِ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَسَاوَوْا فَرُبَّ شَخْصٍ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِاللُّطْفِ فَإِنْ أَخَذْته بِالشِّدَّةِ نَفَّرْته وَرُبَّ شَخْصٍ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِالْغِلْظَةِ فَإِنْ أَخَذْته بِاللُّطْفِ أَطْمَعْته وَقَلَّ أَنْ يَنْتَهِيَ
( فَصْلٌ ) فَإِذَا شَرَعَ هَذَا الْعَالِمُ فِي أَخْذِ الدَّرْسِ وَقَرَأَ الْقَارِئُ فَيَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَيَخْشَعُ قَلْبُهُ وَتَخْشَعُ جَوَارِحُهُ لِهَذَا الْمَقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَحْكَامَهُ وَلَعَلَّ بَرَكَةَ مَا يَحْصُلُ لَهُ هُوَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ جُلَسَاؤُهُ فَيَتَأَدَّبُونَ بِأَدَبِهِ وَيَتَأَسَّوْنَ بِهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ حِينَ دَخَلَ عَلَى مَالِكٍ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُرِيدُونَ سَمَاعَ الْحَدِيثِ قَالَ فَدَخَلْت فَوَجَدْت أَصْحَابَهُ قُعُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ فَقُلْت سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَلَامًا إلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ رَدَّ السَّلَامَ فَقُلْت مَا بَالُكُمْ أَفِي الصَّلَاةِ أَنْتُمْ فَرَمَقُونِي بِأَطْرَافِ أَعْيُنِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي قِصَّةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا .
وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا أَنَّ مَالِكًا كَانَ عِنْدَهُ التَّعْظِيمُ لِلْمَقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ فَسَرَى ذَلِكَ لِطَلَبَتِهِ .
وَكَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ أَبَدًا فِي خَلْقِهِ أَيْ مَنْ قَرَأَ عَلَى شَخْصٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْرِقَ طِبَاعَهُ وَطَرِيقَهُ وَاصْطِلَاحَهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا كَانَ بَعْضُهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ أَوَّلًا بِالْأَدَبِ فِيمَا ذَكَرَ فَيَجْمَعُ هِمَّتَهُ وَخَاطِرَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقَارِئِ فَإِذَا فَرَغَ الْقَارِئُ اسْتَفْتَحَ هُوَ الْإِقْرَاءَ فَيَسْتَعِيذُ إذْ ذَاكَ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِكَيْ يُكْفَى شَرُّهُ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى لِكَيْ يَعْتَزِلَهُ الشَّيْطَانُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سُمِّيَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ابْتِدَائِهِ عُزِلَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ حُضُورُهُ .
ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ فِي مَجْلِسِهِ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ ذُكِرَ
وَحَيْثُ كَانَ ثُمَّ يَتَرَضَّى عَنْ أَصْحَابِهِ لِتَكْمُلَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةُ فِي مَجْلِسِهِ لِأَنَّهُمْ الْأَصْلُ الَّذِينَ أَسَّسُوا مَا جَلَسَ إلَيْهِ ثُمَّ يَجْعَلُ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَتَعَرَّى مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَكُونَ سَبْعًا كَانَ أَحْسَنَ كَذَلِكَ كَانَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ يُسْنِدُ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي تَسْدِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَيَفْتَقِرُ فِي ذَلِكَ وَيَضْطَرُّ إلَيْهِ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَتَعَرَّى إذْ ذَاكَ مِنْ فَهْمِهِ وَذِهْنِهِ وَمُطَالَعَتِهِ وَبَحْثِهِ ، وَأَنَّهُ الْآنَ كَأَنْ لَا يَعْرِفْ شَيْئًا فَإِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذْ ذَاكَ كَانَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَتْحًا مِنْهُ وَكَرَمًا لَا لِأَجْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُحَاوَلَةِ الْمُطَالَعَةِ وَالدَّرْسِ وَالْفَهْمِ ثُمَّ يَسْتَجِيرُ بِرَبِّهِ مِنْ عَثَرَاتِ اللِّسَانِ وَمِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَمِنْ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِمَا قَدْ تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَرَأَ الْقَارِئُ وَيَذْكُرُ مَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَيُوَجِّهُ أَقْوَالَهُمْ وَيَرُدُّ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ إلَى أُصُولِهِمْ الَّتِي اسْتَخْرَجُوا الْأَحْكَامَ مِنْهَا ، وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيَكُونُ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِهِ لِلْعُلَمَاءِ يَتَرَضَّى عَنْهُمْ وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ وَيُعَرِّفُ مَنْ يَحْضُرُهُ بِقَدْرِهِمْ وَفَضِيلَتِهِمْ وَحَقِّ سَبْقِهِمْ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحِكَايَاتُ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَمُجَالَسَتِهِمْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفِقْهِ لِأَنَّهَا آدَابُ الْقَوْمِ وَأَخْلَاقُهُمْ انْتَهَى .
ثُمَّ يُوَجِّهُ مَذْهَبَهُ وَيَنْتَصِرُ لَهُ ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ التَّحَفُّظِ عَلَى مَنْصِبِ غَيْرِ إمَامِهِ أَنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ مَا يَنْسِبُ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنْ الْغَلَطِ
وَالْوَهْمِ لِغَيْرِ إمَامِهِ فَإِنْ كُنْت عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا فَلَا يَدْخُلُك غَضَاضَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ الْكُلُّ جَعَلَهُمْ اللَّهُ رَحْمَةً لَك لِأَنَّهُمْ أَطِبَّاءُ دِينِك كُلَّمَا اعْوَجَّ أَمْرٌ فِي الدِّينِ قَوَّمُوهُ وَكُلَّمَا وَقَعَ لَك خَلَلٌ فِي دِينِك اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى ذَهَابِهِ عَنْك وَتَلَافِي أَمْرِك وَإِصْلَاحِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الدَّوَاءِ لَك عَلَى مَا اقْتَضَى اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مُقْتَضَى الْأُصُولِ فِي تَخْلِيصِك مِنْ عِلَّتِك وَحَمِيَّتِك وَإِعْطَاءِ الدَّوَاءِ لَك فَإِذَا رَجَعْت إلَى طَبِيبٍ مِنْهُمْ وَسَكَنْت إلَى وَصْفِهِ وَمَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَك فَلَا يَكُنْ فِي قَلْبِك حَزَازَةٌ مِنْ الْأَطِبَّاءِ الْبَاقِينَ الَّذِينَ قَدْ شَفَوْا مَرَضَ غَيْرِك مِنْ إخْوَانِك الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَدْ أَقَامَهُمْ اللَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ وَتَدْبِيرِ دِينِهِمْ فَإِيَّاكَ إيَّاكَ أَنْ تَجِدَ فِي قَلْبِك حَزَازَةً لِبَعْضِهِمْ وَإِنْ قَامَ لَك الدَّلِيلُ وَوَضَحَ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ لِأَنَّ مَنْ قَالَ مَا قَالَ مَا قَالَهُ مَجَّانًا بَلْ مُسْتَنِدًا إلَى الْأُصُولِ وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا يَبْحَثُ مَعَك لَرَأَيْت مَذْهَبَهُ هُوَ الصَّوَابُ لِمَا يَظْهَرُ لَك مِنْ بَحْثِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ رَأَيْته رَجُلًا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى هَذَا الْعَمُودِ أَنَّهُ مِنْ ذَهَبٍ لَفَعَلَ فَيَكُونُ قَلْبُك وَاعْتِقَادُك مَعَ لِسَانِك مُجِلًّا لَهُمْ وَمُعَظِّمًا وَمُحْتَرِمًا وَإِنْ كُنْت قَدْ خَالَفْتَهُمْ بِالرُّجُوعِ إلَى إمَامِك فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ فَإِنَّك لَمْ تُخَالِفْهُمْ فِي أَكْثَرِ الْفُرُوعِ فَالْأُصُولُ قَدْ جَمَعَتْ الْجَمْعَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
أَلَا تَرَى إلَى جَوَابِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْخَلِيفَةِ لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْأَقَالِيمِ بِكِتَابِ الْمُوَطَّأِ وَبِالْأَمْرِ أَنْ لَا يَقْرَأَ أَحَدٌ إلَّا إيَّاهُ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ لَا تَفْعَلْ يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْأَقَالِيمِ ، وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ عَنْهُمْ .
فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَرْجَحُ عَلَى مُقْتَضَى الْأُصُولِ وَالنَّظَرِ فَلَمْ يَطْعَنْ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَعِبْهُ وَلَمْ يَقُلْ الْأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إلَى مَا رَأَيْته فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ يَتَأَسَّى بِهَذَا الْإِمَامِ فِي التَّسْلِيمِ لِمَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَحْكَامِ مَعَ اعْتِقَادِ الصَّوَابِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ دُونَ تَغْلِيطِ غَيْرِهِ أَوْ تَوْهِيمِهِ ثُمَّ يَمْشِي فِيمَا قَعَدَ إلَيْهِ عَلَى مَا جَلَسَ إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ التَّأَدُّبِ وَالِاحْتِرَامِ فَيَتَكَلَّمُ بِلُطْفٍ وَرِفْقٍ وَيَحْذَرُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ وَأَنْ يَنْزَعِجَ فَيُؤْذِيَ بَيْتَ رَبِّهِ إنْ كَانَ فِيهِ وَبِرَفْعِ صَوْتِهِ يَخْرُجُ عَنْ أَدَبِ الْعِلْمِ وَعَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَيُوقِعُ مَنْ جَالَسَهُ فِي ذَلِكَ لِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ وَكَذَا أَيْضًا يُحَذِّرُ أَنْ يَرْفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ مِنْ جُلَسَائِهِ فَإِنْ رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ نَهَاهُ بِرِفْقٍ وَأَخْبَرَهُ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ إذْ ذَاكَ فِيهِ مَحْذُورَاتٌ .
مِنْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْعِلْمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إنْكَارُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ وَمِنْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ فِيهِ ، وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ .
وَمِنْهَا قِلَّةُ الْأَدَبِ مَعَ الْعَالِمِ الَّذِي حَكَى مَذْهَبَهُ أَوْ كَلَامَهُ إذْ ذَاكَ وَإِنْ كَانُوا فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَذَاكَرُونَهُ أَوْ أَوْرَدُوهُ إذْ ذَاكَ شَاهِدًا لِمَسْأَلَتِهِمْ فَهُوَ أَعْظَمُ فِي النَّهْيِ وَأَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ فَيَقَعُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي حَبْطِ
الْعَمَلِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَيْنَ رَفْعِهِ عَلَى حَدِيثِهِ كَذَا قَالَ إمَامُ الْمُحَدِّثِينَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّرْسِ فَأُورِدَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ وَالتَّنْظِيرَاتُ أَنْ لَا يُجِيبَ أَحَدًا عَنْ مَسْأَلَتِهِ وَلْيَمْضِ فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ وَيُسْكِتُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يُسْكِتُهُ لِأَنَّ الْإِيرَادَ إذْ ذَاكَ يَخْلِطُ الْمَجْلِسَ وَلَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ فَيُبَيِّنُ هُوَ الْمَسْأَلَةَ لِنَفْسِهِ وَيُوَجِّهُهَا وَيَسْتَدِلُّ لَهَا وَيُورِدُ عَلَيْهَا وَيَعْتَرِضُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَنْظُرُهَا بِمَا يُشْبِهُهَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَمَا يَقْرَبُ مِنْهَا ثُمَّ يُفَرِّعُ عَلَيْهَا مَا يَحْتَمِلُ مِنْ التَّفْرِيعِ بَعْدَ حَلِّهِ أَوَّلًا لِلَفْظِ الْكِتَابِ وَتَبْيِينِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ صُورَةَ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لِجَمِيعِ مَنْ حَضَرَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ لِأَنَّ حَلَّ لَفْظِ الْكِتَابِ مَطْلُوبٌ مِنْ الْجَمِيعِ مِنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِمَّنْ يَحْفَظُ الْكِتَابَ وَمِمَّنْ لَا يَحْفَظُهُ ، وَهُوَ أَقَلُّ فَائِدَةَ حُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ فَذَلِكَ الَّذِي تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي فَهْمِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُحَصِّلُ الْجَمِيعَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَصِّلُ الْبَعْضَ عَلَى قَدْرِ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَهْمِ فَيَكُونُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ يَسِيرُ سَيْرَ الضَّعِيفِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
سِيرُوا بِسَيْرِ أَضْعَفِكُمْ فَإِذَا تَحَصَّلَ لِلضَّعِيفِ مَقْصُودُهُ ، وَهُوَ حَلُّ لَفْظِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ إلَى مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ يَتَدَرَّجُ بَعْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى مَا مَرَّ وَالتَّأَدُّبُ وَحُسْنُ السَّمْتِ وَالْوَقَارُ مُسْتَصْحَبٌ مَعَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِذَا فَرَغَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَالْبَيَانِ فَلْيُعْطِ إذْ ذَاكَ سَكْتَةً وَيُعْلِمْ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الْكَلَامَ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيُورِدْهُ الْآنَ فَإِذَا كَانَ
بَقِيَ شَيْءٌ أَوْرَدُوهُ إذْ ذَاكَ فَيَتَنَبَّهُ الشَّيْخُ إلَيْهِ فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ وَالْغَائِبُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إذْ ذَاكَ لِأَحَدٍ مَا يَقُولُ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُرِيدُ الْقَائِلُ أَنْ يَقُولَ إذَا سَكَتَ لِآخَرِ الْمَجْلِسِ يَجِدُ الشَّيْخَ قَدْ أَوْرَدَهُ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَبَيَّنَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ شَتَّ عَنْهُ فَيَسْتَدْرِكُ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ جَوَابِ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ وَبَيَانِهِ فَلْيَقْرَأْ الْقَارِئُ إذْ ذَاكَ ثُمَّ يَمْشِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ تَبَيَّنَتْ الْمَسَائِلُ لِكُلِّ الْحَاضِرِينَ وَانْتَفَعُوا ، وَقَدْ يَقْطَعُونَ الْكِتَابَ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِخِلَافِ أَنْ لَوْ بَقِيَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ فِي أَوَّلِ الْإِقْرَاءِ إذْ لِكُلِّ وَاحِدٍ إيرَادٌ وَسُؤَالٌ وَغَرَضٌ قَدْ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ جَوَابِ الْبَعْضِ إلَّا ، وَقَدْ طَالَ الْمَجْلِسُ وَثَقُلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ وَلَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ فَائِدَةٌ فَإِذَا سَكَتُوا إلَى أَنْ يَفْرُغَ كَلَامُ الشَّيْخِ انْتَفَعَ الْجَمِيعُ وَقَلَّ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ إشْكَالٌ أَوْ سُؤَالٌ لِأَنَّ الشَّيْخَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْمَجْلِسِ ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِوَظِيفَتِهِ فَقَدْ نَظَرَ إلَيْهِ وَحَصَّلَ مَا لَمْ يُحَصِّلْ غَيْرُهُ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا إذَا أُورِدَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ أَنْ لَا يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ صَاحِبُ السُّؤَالِ بِكَلَامِهِ إلَى آخِرِهِ أَوْ الْمُعْتَرِضُ بِاعْتِرَاضِهِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ بِآخِرِهِ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي حَقِّ مَنْ جَالَسَهُ أَنْ لَا يُجِيبُوا عَنْ الْمَسَائِلِ حَتَّى يَفْرُغَ مَنْ يُلْقِيهَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ .
وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا الْيَوْمَ تَجِدُ أَحَدَ الطَّلَبَةِ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةٍ أَوْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهَا أَوْ يُعَارِضَهَا أَوْ يَنْظُرَ بِهَا أَوْ يَسْتَدِلَّ لَهَا فَيُقْطَعُ الْكَلَامُ فِي فَمِهِ ، وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَنْطِقْ مِنْهُ إلَّا بِشَيْءٍ مَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَسْرِقُ مِنْهُ بَعْضُ النَّاسِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ فَيُقْطَعُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَيَسْتَبِدُّ هُوَ بِالْجَوَابِ أَوْ إلْقَاءِ الْمَسْأَلَةِ لِنَفْسِهِ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ وَأَصْلُهُ الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَالْمُبَاهَاةُ وَالْفَخْرُ وَمَحَبَّةُ النَّقْلِ عَنْهُ وَمَحَبَّةُ الظُّهُورِ عَلَى الْأَقْرَانِ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَدْرَكْت النَّاسَ وَهُمْ يَتَعَلَّمُونَ السُّكُوتَ ثُمَّ هُمْ الْيَوْمَ يَتَعَلَّمُونَ الْكَلَامَ انْتَهَى .
فَيَحْذَرُ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ فَإِنْ وَقَعَ امْتَثَلَ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّغْيِيرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَأْتُونَ بِالْمَسَائِلِ الْعَظِيمَةِ وَالْفَوَائِدِ النَّفِيسَةِ وَلَا يُرِيدُونَ أَنْ تُنْسَبَ إلَيْهِمْ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فَكَانُوا مِنْ ذَلِكَ بُرَآءَ لِشِدَّةِ إخْلَاصِهِمْ وَمُرَاقَبَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ .
، وَقَدْ قَالَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَدِدْت أَنَّ النَّاسَ انْتَفَعُوا بِهَذَا الْعِلْمِ وَلَا يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَقَالَ أَيْضًا رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ مَا نَاظَرْت أَحَدًا قَطُّ فَأَحْبَبْت أَنْ يُخْطِئَ ، وَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَلَّمْت أَحَدًا قَطُّ إلَّا أَحْبَبْت أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ وَتَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى .
وَنَحْنُ الْيَوْمَ مَعَ قِلَّةِ الْإِخْلَاصِ وَقِلَّةِ الْيَقِينِ وَالْجَزَعِ مِنْ الْخَلْقِ وَالطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ نُحِبُّ أَنْ يُسْمَعَ مَا نُلْقِيهِ وَيُخْبَرُ عَنَّا بِهِ وَيُشَاعُ وَيُذَاعُ كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ الْمُوَاطَأَةُ لِبَعْضِنَا بَعْضًا فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ حِينَ جُلُوسِهِ يَعْمَلُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَتَنَبَّهُ فِي نَفْسِهِ لَهَا وَيُنَبِّهُ أَصْحَابَهُ عَلَيْهَا انْحَسَمَتْ وَقَلَّ أَنْ يَقَعَ فِي مَجْلِسِهِ خَلَلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجْحَدَ ضَرُورَةً وَأَنْ لَا يَنْزَعِجَ عِنْدَ إيرَادِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا وَالْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ بِهَا لِأَنَّ الِانْزِعَاجَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْعُلَمَاءِ وَلَا مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَكَذَلِكَ جَحْدُ الْحَقِّ لَيْسَ مِنْ شِيَمِهِمْ بَلْ مِنْ شِيَمِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا أَيْضًا فِي نَفْسِهِ وَفِي مَجْلِسِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ حِينَ جُلُوسِهِ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ عَلَى لِسَانِ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ قَبْلَهُ وَيَسَّرَ بِهِ وَلَا يَخْتَارُ بِنِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالصَّوَابِ فِي كُلِّ دَرْسِهِ لَيْسَ إلَّا بَلْ يَخْتَارُ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ وَلَا يُعَيِّنُ جِهَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ انْتَهَى وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَأْخُذُ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَنْ يَعْرِفُهُ فَكَيْفَ يَأْخُذُ بِهِ مَنْ يَجْهَلُهُ بَلْ النَّاسُ مُطَالَبُونَ بِتَصَرُّفِ هَذَا الْعَالِمِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَكَمَا لَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُحِبُّ لَهَا أَنْ تَتَكَلَّمَ إلَّا بِالْحَقِّ وَالصَّوَابِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَيَمْتَثِلُ هَذَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيُرْشِدُ غَيْرَهُ إلَيْهِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنَّ يَتَفَقَّدَ إخْوَانَهُ وَجُلَسَاءَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ وَالْفُرُوعِ بِمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ وَالْعَمَلِ بِهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا وَمَعْرِفَةِ فَضْلِهَا وَعُلُوِّ قَدْرِهَا ، وَقَدْرِ مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا وَيَتْبَعُهَا وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْبِدْعَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا وَمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنْ الْمَقْتِ لِفَاعِلِهَا فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ الْيَوْمَ هُوَ الْأَصْلُ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ لِأَنَّا نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ طَلَبَةِ هَذَا الزَّمَانِ يَقْعُدُونَ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ صِغَارٌ مِمَّ يَشِيبُونَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنْ حُضُورِ الْمَجَالِسِ وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ مِنْهُمْ مَنْ إذَا ذَكَرْت لَهُ سُنَّةً أَوْ بِدْعَةً يَعْرِفُهَا أَوْ يَتَنَبَّهُ لَهَا لِمَا قَدْ تَرَبَّى عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ هَذَا الْفَنِّ إلَّا قَوْلَهُ إنْ كَانَ حَاذِقًا نَبِيهًا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى كَذَا وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى كَذَا ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَذَا ، وَقَالَ الرَّبِيعُ كَذَا فَيَبْحَثُ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ وَلَا يَعْرِفُ غَيْرَ ذَلِكَ وَهَذَا قُبْحٌ عَظِيمٌ شَنِيعٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْمَنْسُوبَةُ لِلْعُلَمَاءِ تَسْأَلُ أَحَدَهُمْ عَنْ السُّنَّةِ فِي بَعْضِ تَصَرُّفِهِ لَا يَعْرِفُهَا أَوْ بِدْعَةٍ فِي زَمَانِهِ لَا يَعْلَمُهَا بَلْ يَحْتَاجُ عَلَى جَوَازِهَا لِأَجْلِ الْعَوَائِدِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا نَبَّهَهُمْ عَلَى مَا ذُكِرَ تَيْقَظُوا لِلسُّنَّةِ فِي تَصَرُّفِهِمْ فَأَحَبُّوهَا وَتَنَبَّهُوا لِلْبِدْعَةِ فَأَبْغَضُوهَا وَهَذَا الْيَوْمَ مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَسْأَلَةٍ فَكَيْفَ بِهَذَا الْعَالِمِ الَّذِي قَعَدَ يُعَلِّمُ الْأَحْكَامَ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ فَإِذَا تَكَلَّمَ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ عُرِفَتْ السُّنَّةُ إذْ ذَاكَ مِنْهُ وَعُرِفَتْ الْبِدْعَةُ وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ أَنْ يَبْقَى كُلُّ مَنْ حَضَرَ يَعْلَمُ مِنْ أَيِّ قِسْمٍ هُوَ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ يَتَصَرَّفُ وَهَلْ هُوَ فِي سُنَّةٍ أَوْ فِي بِدْعَةٍ وَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ
لِبَقَاءِ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ نَظِيفًا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ غَيْرُ مَا هُوَ فِيهِ فَتَزُولُ بِسَبَبِهِ هَذِهِ الثُّلْمَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا فِي زَمَانِنَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي تُنْسَبُ إلَى أَنَّهَا مِنْ السُّنَّةِ فَإِذَا نَبَّهَ عَلَيْهَا هَذَا الْعَالِمُ عُرِفَتْ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ يَتْبَعُ وَيَمْتَثِلُ لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ وَإِنْ عُدِمَ فِي بَعْضِهِمْ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا إذَا قَعَدَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى لِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ رَبِّهِ وَتَعْلِيمِهَا لَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ ثُمَّ قَعَدَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ نُودِيَ فِي السَّمَوَاتِ عَظِيمًا أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَيَنْفِي عَنْهُ الشَّوَائِبَ مَا اسْتَطَاعَ جَهْدَهُ وَهَذَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ .
أَمَّا مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ فَلَيْسَ هُوَ مُكَلَّفًا بِأَنْ لَا يَقَعَ إنَّمَا عَلَيْهِ إذَا وَقَعَ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَيُبْغِضُهُ لِأَنَّ تَكْلِيفَ أَنْ لَا يَقَعَ مِمَّا لَا يُطَاقُ ، وَقَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَا يَقْعُدُ لَأَنْ يَرْأَسَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ يُقَالَ فُلَانٌ مُدَرِّسٌ أَوْ مُفِيدٌ أَوْ يَبْحَثُ أَوْ نَبِيهٌ أَوْ حَاذِقٌ أَوْ صَاحِبُ فَهْمٍ مَعَ أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ هَذَا الْيَوْمَ لِكَثْرَةِ تَغَالِيهِمْ فِي الشَّخْصِ فَإِذَا رَأَوْا أَحَدًا يَتَكَلَّمُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى مَا يَنْبَغِي قَالُوا عَنْهُ مُجْتَهِدٌ هَذَا الشَّافِعِيُّ الصَّغِيرُ هَذَا مَالِكٌ الصَّغِيرُ وَانْسَاغَ لَهُ ذَلِكَ وَمَوَّهَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَحَسِبَ أَنَّهُ كَمَا قَالُوا فَيَكُونُ مِثْلُهُ إذْ ذَاكَ كَمَا قَالُوا مِثْلَ نَائِمٍ يَرَى فِي نَوْمِهِ مَا يَسُرُّهُ وَيُعْجِبُهُ فَيَفْرَحُ بِهِ وَيُخَيَّلُ لَهُ أَنَّهُ حَقٌّ ثُمَّ يَنْتَبِهُ فَلَا يَجِدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ حَالُ هَذَا سَوَاءٌ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ النَّاسُ بِمَا تَكَلَّمُوا بِهِ حَسِبَ نَفْسَهُ إذْ ذَاكَ كَمَا قَالُوا هَذَا ضَرْبٌ مِنْ الْحِلْمِ فَلَوْ تَيَقَّظَ مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ وَالْغَفْلَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا أَوْ نَظَرَ إلَى مَا مَيَّزَ اللَّهُ بِهِ مَالِكًا وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْفَهْمِ الْعَظِيمِ وَالتَّقْوَى الْمَتِينَةِ لَتَلَاشَى عِلْمُهُ إذْ ذَاكَ وَفَهْمُهُ وَتَقْوَاهُ وَيَجِدُ نَفْسَهُ كَمَا قَالَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ رَأَى بَعْضَ
الْعُلَمَاءِ بِجَامِعِ مِصْرَ ، وَهُوَ يَقُولُ قَالَ مَالِكٌ كَذَا ، وَهُوَ خَطَأٌ وَذَهَبَ مَالِكٌ لِكَذَا ، وَهُوَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ كَذَا فَقَالَ مَا أَرَى هَذَا إلَّا مِثْلَ رَجُلٍ جَاءَ إلَى الْبَحْرِ فَرَأَى أَمْوَاجَهُ وَعَجِيجَهُ فَجَاءَ إلَى جَانِبِهِ فَبَالَ بَوْلَةً ، وَقَالَ هَذَا بَحْرٌ آخَرَ انْتَهَى فَكَذَلِكَ هَذَا يَجِدُ نَفْسَهُ سَوَاءً أَوْ أَعْظَمَ فَإِذَا تَيَقَّظَ مِنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِ لِكَثْرَةِ مَا يَجِدُ عِنْدَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ الْفَضَائِلِ تَلَاشَى مَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ وَرَأَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ التَّقْصِيرِ وَالْجُمُودِ وَارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي فِي عِلْمِهِ وَتَصَرُّفِهِ
( فَصْلٌ ) فِي ذِكْرِ النُّعُوتِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهَا كَبِيرٌ أَوْ صَغِيرٌ وَهِيَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْقَرِيبَةِ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى ، بَلْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، وَهِيَ فُلَانُ الدِّينِ وَفُلَانُ الدِّينِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَتَحَفَّظُ نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَيَذُبُّ عَنْ السُّنَّةِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَهُوَ الْآنَ رَاعٍ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَهُ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَإِذَا نَطَقَ أَحَدٌ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ نَهَاهُ بِرِفْقٍ وَتَلَطَّفَ بِهِ فِي التَّعْلِيمِ ، وَنَبَّهَهُ بِمَا وَرَدَ فِي التَّزْكِيَةِ مِنْ النَّهْيِ .
وَكَذَلِكَ إذَا نَادَاهُ أَحَدٌ بِهَذَا الِاسْمِ فَيُعَلِّمُهُ كَمَا ذُكِرَ ، وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَجْلِسِ أَنْ لَا يَسْتَجِيبَ لِمَنْ نَادَاهُ بِهَذَا الِاسْمِ حَتَّى يُنَادِيَهُ بِالِاسْمِ الْمَشْرُوعِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَجْلِسَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ خُصُوصًا التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ وَالتَّعْلِيمُ بِالرِّفْقِ ؛ لِأَنَّهُ لِذَلِكَ قَعَدَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ فِيهَا مِنْ التَّزْكِيَةِ مَا فِيهَا فَيَقَعُ بِسَبَبِهَا فِي الْمُخَالَفَةِ بِدَلِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وقَوْله تَعَالَى أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إثْمًا مُبِينًا وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُزَكُّوا عَلَى اللَّهِ أَحَدًا وَلَكِنْ قُولُوا إخَالُهُ كَذَا وَأَظُنُّهُ كَذَا .
وَأَمَّا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ أَسْمَاءِ
اللَّهِ الْحُسْنَى ، فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَزْكِيَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ ثُمَّ قَالَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مَا قَدْ كَثُرَ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ وَالْعَجَمِ مِنْ نَعَتْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَةَ وَالثَّنَاءَ كَزَكِيِّ الدِّينِ وَمُحْيِي الدِّينِ وَعَلَمِ الدِّينِ وَشَبَهِ ذَلِكَ انْتَهَى .
فَإِذَا نَادَاكَ مُنَادٍ بِهَذَا الِاسْمِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَنْبَغِي لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَكَّى الْغَيْرَ وَهُوَ مَوْضِعُ النَّهْيِ وَأَنْتَ إذَا اسْتَحْبَبْتَ لَهُ صِرْت مِثْلَهُ لِمَا تَقَدَّمَ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ ، وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَمِنْهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَادِقًا وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَاذِبًا .
وَقَدْ سُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيَسْرِقُ الْمُؤْمِنُ ؟ قَالَ : قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ ، قِيلَ : أَيَزْنِي الْمُؤْمِنُ ؟ قَالَ : قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ ، قِيلَ : أَيَكْذِبُ الْمُؤْمِنُ قَالَ : إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَا انْتَهَى .
وَقَدْ
قَالَ تَعَالَى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَقَدْ وَرَدَ فِيمَنْ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إمْسَاكِهَا فَأَرَاهَا الْمِخْلَاةَ فَتَأْتِي عَلَى أَنَّ الْعَلَفَ فِيهَا فَيُمْسِكُهَا أَنَّهَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ كَذْبَةٌ يُحَاسَبُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ صِيَانَتِهِ .
أَلَا تَرَى إلَى الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ رَحَلَ مِنْ بِلَادِهِ إلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ لِيَسْمَعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ فَلَمَّا أَنْ جَلَسَ عِنْدَهُ جَاءَ صَغِيرٌ لِيَقَعَ مِنْ مَوْضِعٍ فَقَبَضَ الشَّيْخُ يَدَهُ لِكَيْ يَظُنَّ الصَّبِيُّ أَنْ فِي يَدِهِ شَيْئًا يُعْطِيهِ إيَّاهُ لِيَأْتِيَ فَيَأْخُذُ مَا فِيهَا ، فَقَامَ الْبُخَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَرَكَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ كَذِبًا وَقَدْحًا فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، فَإِذَا قَالَ مَثَلًا مُحْيِي الدِّينِ أَوْ زَكِيُّ الدِّينِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَيُقَالُ لَهُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَحْيَا الدِّينَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي زَكَّى الدِّينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ إذْ ذَاكَ حِينَ السُّؤَالِ بَلْ حِينَ أَخْذِهِ صَحِيفَتَهُ فَيَجِدُهَا مَشْحُونَةً بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّزْكِيَةِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي مَعْنَى الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ هَلْ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ يَكْتُبُونَ كُلَّ مَا يَتَلَفَّظُ بِهِ الشَّخْصُ الْمُكَلَّفُ كَانَ مَا كَانَ أَوْ لَا يَكْتُبُونَ إلَّا مَا تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ .
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ بِسَبِيلِهَا إذْ أَنَّهَا احْتَوَتْ عَلَى أَشْيَاءَ مَذْمُومَةٍ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، وَهِيَ تَزْكِيَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَتَزْكِيَتُهُ لِغَيْرِهِ وَالْكَذِبُ وَمُخَالَفَةُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّا
لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَلَوْ وَقَفَ أَمْرُنَا عَلَى هَذَا لَكَانَ قَرِيبًا أَنْ لَوْ كَانَ سَائِغًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا كَذِبًا وَتَزْكِيَةً يُرْجَى لِأَحَدِنَا التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ وَلَكِنْ زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرَ الْمَخُوفَ وَهُوَ أَنَّا نَرَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِحَسَبِ مَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا مِنْ أَنَّ النَّاسَ إذَا خُوطِبُوا بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ تَشَوَّشُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَتَوَلَّدَتْ الشَّحْنَاءُ وَالْبَغْضَاءُ فَوَضَعْنَا لَهُمْ التَّزْكِيَةَ الْخَالِصَةَ حَتَّى لَا يَتَشَوَّشُوا وَلَا تَتَوَلَّدُ الْبَغْضَاءُ وَلَا الْعَدَاوَةُ ، لَا جَرَمَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَالشَّحْنَاءَ قَدْ كَمَنَتْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَحَصَلَ مِنْهَا أَوْفَرُ نَصِيبٍ ، كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ فَبَقِيَتْ الْبَوَاطِنُ مُتَنَافِرَةً مَعَ الْأَذْهَانِ فِي الظَّاهِرِ ، فَأَدَّتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ إلَى الْأَمْرِ الْمَخُوفِ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْمُنَافِقِ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ وَمُعْتَقَدُهُ خِلَافَ ظَاهِرِهِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ تَجُوزُ لَمَا كَانَ أَحَدٌ أَوْلَى بِهَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَنَّهُمْ شُمُوسُ الْهُدَى وَأَنْوَارُ الظُّلَمِ وَهُمْ أَنْصَارُ الدِّينِ حَقًّا كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ .
أَلَا تَرَى إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّاتِي اخْتَارَهُنَّ اللَّهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاصْطَفَاهُنَّ لِمَا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا فِيهِنَّ مِنْ الشِّيَمِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَحْوَالِ الْعَالِيَةِ الْمُرْضِيَةِ لَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِزَيْنَبِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ لَهَا : مَا اسْمُكِ فَقَالَتْ : بَرَّةُ فَكَرِهَ ذَلِكَ الِاسْمَ وَقَالَ لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ .
لِمَا فِيهِ مِنْ اشْتِقَاقِ اسْمِ الْبِرِّ ، وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهَا مَا
اُخْتِيرَتْ لِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إلَّا وَفِيهَا مِنْ الْبِرِّ بِحَيْثُ الْمُنْتَهَى ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَرِهَ ذَلِكَ الِاسْمَ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنْ التَّزْكِيَةِ فَجَدَّدَ اسْمَهَا زَيْنَبَ ، وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدَّدَ اسْمَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَسَمَّاهَا جُوَيْرِيَةَ ، فَإِذَا كَرِهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ فِيهِ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَنَهَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ فَمَا بَالُك بِأَحْوَالِنَا الْيَوْمَ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ ، فَقَالَ : إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِحُكْمِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا فَمَا لَكَ مِنْ الْوَلَدِ ، فَقَالَ : لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ ، قَالَ : شُرَيْحٌ ، قَالَ : فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ .
، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّمَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مَجَازٌ لَا عِبْرَةَ بِهَا ، وَقَدْ صَارَتْ أَيْضًا كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ حَتَّى لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ إلَّا بِهَا فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ بَابِ التَّزْكِيَةِ إلَى بَابِ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ كَالْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يَرُدُّهُ مَا نُشَاهِدُهُ فِي الْوُجُودِ مُبَاشَرَةً ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا إذَا قِيلَ لَهُ اسْمُهُ الْعَلَمُ الشَّرْعِيُّ كَالْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ تَشَوَّشَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ نَادَاهُ بِذَلِكَ وَوَجَدَ عَلَيْهِ الْحَنَقَ لِكَوْنِهِ تَرَكَ ذَلِكَ الِاسْمَ وَعَدَلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَهَذَا يُوَضِّحُ وَيُبَيِّنُ
أَنَّ التَّزْكِيَةَ بَاقِيَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَأَنَّهَا لَمْ تَبْرَحْ وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مَوْضِعِهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْكَذِبُ وَالتَّزْكِيَةُ لَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مَا ظَهَرَتْ إلَّا مِنْ قِبَلِهِمْ ، وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى وَالدِّينِ يَقُولُ : إنَّهُ أَدْرَكَ أَبَاهُ وَمَنْ كَانَ فِي سِنِّهِ لَا يَتَسَمَّوْنَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَا يَعْرِفُونَهَا .
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ التُّرْكَ لَمَّا تَغَلَّبُوا عَلَى الْخِلَافَةِ تَسَمَّوْا إذْ ذَاكَ هَذَا شَمْسُ الدَّوْلَةِ ، وَهَذَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ ، وَهَذَا نَجْمُ الدَّوْلَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَتَشَوَّفَتْ نُفُوسُ بَعْضِ الْعَوَامّ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ إلَى تِلْكَ الْأَسْمَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْفَخْرِ ، فَلَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إلَيْهَا لِأَجْلِ عَدَمِ دُخُولِهِمْ فِي الدَّوْلَةِ فَرَجَعُوا إلَى أَمْرِ الدَّيْنِ ، فَكَانُوا فِي أَوَّلِ مَا حَدَثَتْ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ مَوْلُودٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُكَنِّيَهُ لِفُلَانِ الدِّينِ إلَّا بِأَمْرٍ يَخْرُجُ مِنْ جِهَةِ السَّلْطَنَةِ فَكَانُوا يُعْطُونَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْوَالَ حَتَّى يُسَمَّى وَلَدُ أَحَدِهِمْ بِفُلَانِ الدِّينِ ، فَلَمَّا أَنْ طَالَ الْمَدَى وَصَارَ الْأَمْرُ إلَى التُّرْكِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ بِالدَّوْلَةِ مَعْنًى إذْ أَنَّهَا قَدْ حَصَلَتْ لَهُمْ فَانْتَقَلُوا إلَى الدَّيْنِ ، ثُمَّ فَشَا الْأَمْرُ وَزَادَ حَتَّى رَجَعُوا يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ يُعْطُونَهُ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا عَمَلَ ، ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ مُتَعَارَفًا مُتَعَاهَدًا حَتَّى أَنِسَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَتَوَاطَئُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
كَانَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِالْعَالِمِ وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ فَصَارَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُحْدِثَ
الْأَعَاجِمُ ، وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ شَيْئًا فَيُقْتَدَى بِالْعَالِمِ وَبِهِمْ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَكْسِ الْأُمُورِ وَانْقِلَابِ الْحَقَائِقِ .
أَلَا تَرَى إلَى الْإِمَامِ الْحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَرْضَ قَطُّ بِهَذَا الِاسْمِ وَكَانَ يَكْرَهُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ وَصَحَّ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : إنِّي لَا أَجْعَلُ أَحَدًا فِي حِلٍّ مِمَّنْ يُسَمِّينِي بِمُحْيِي الدَّيْنِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ إذَا حَكَى شَيْئًا عَنْ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ قَالَ يَحْيَى النَّوَوِيُّ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إنَّا نَكْرَهُ أَنْ نُسَمِّيَهُ بِاسْمٍ كَانَ يَكْرَهُهُ فِي حَيَاتِهِ .
فَعَلَى هَذَا فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ إنَّمَا وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ تَفَعُّلًا وَهُمْ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَسَمَّى الرَّجُلُ بِيَاسِينَ وَلَا بِجِبْرِيلَ وَلَا بِمُهْدٍ .
قِيلَ فَالْهَادِي قَالَ هَذَا أَقْرَبُ ؛ لِأَنَّ الْهَادِيَ هَادِي الطَّرِيقِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ حَرْبٍ وَمُرَّةٍ وَجَمْرَةٍ وَحَنْظَلَةٍ انْتَهَى .
ثُمَّ الْعَجَبُ مِمَّنْ يَتَسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فِي كَوْنِهِمْ أَكْثَرُوا النَّكِيرَ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَخْذِهِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي ، ثُمَّ إنَّهُمْ اقْتَدُوا فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِمَنْ أَحْدَثَهَا فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ وَلَيْسُوا بِالْمَدِينَةِ بَلْ بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعَمَلُ أَثْبُتُ مِنْ الْأَحَادِيثِ قَالَ : مَنْ اقْتَدَى بِهِ وَإِنَّهُ لَضَعِيفٌ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ .
وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ التَّابِعِينَ تَبْلُغُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ الْأَحَادِيثُ فَيَقُولُونَ مَا نَجْهَلُ هَذَا وَلَكِنْ مَضَى الْعَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ .
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ جَرِيرٍ رُبَّمَا قَالَ لَهُ أَخُوهُ لِمَ لَمْ تَقْضِ بِحَدِيثِ كَذَا فَيَقُولُ : لَمْ أَجِدْ النَّاسَ عَلَيْهِ قَالَ النَّخَعِيُّ لَوْ رَأَيْت الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَوَضَّئُونَ إلَى الْكُوعَيْنِ مَا تَوَضَّأْتُ كَذَلِكَ وَأَنَا أَقْرَؤُهَا إلَى الْمَرَافِقِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يُتَّهَمُونَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَهُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ وَهُمْ أَحْرَصُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَظُنُّ ذَلِكَ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا ذُو رِيبَةٍ فِي دِينِهِ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ السُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ سُنَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ الْحَدِيثُ مَضَلَّةٌ إلَّا لِلْفُقَهَاءِ يُرِيدُ أَنَّ غَيْرَهُمْ قَدْ يَحْمِلُ الشَّيْءَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَهُ تَأْوِيلٌ مِنْ حَدِيثٍ غَيْرِهِ أَوْ دَلِيلٌ يَخْفَى عَلَيْهِ أَوْ مَتْرُوكٌ أَوْجَبَ تَرْكَهُ غَيْرُ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَقُومُ بِهِ
إلَّا مَنْ اسْتَبْحَرَ وَتَفَقَّهَ .
قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِنَّمَا فَسَدَتْ الْأَشْيَاءُ حِينَ تَعَدَّى بِهَا مَنَازِلُهَا وَلَيْسَ هَذَا الْجَدَلُ مِنْ الدَّيْنِ بِشَيْءٍ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ ، وَمِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْأَمْرِ الْمَاضِي الْمَعْرُوفِ الْمَعْمُولِ بِهِ .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى مَكِيدَةِ الشَّيْطَانِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَمَا أَوْقَعَ فِيهَا مِنْ سُمِّهِ السَّمُومِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ نَبِيٍّ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَيْهِمْ مَلَكَا يُقَدِّسُهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ انْتَهَى .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَيُوقِفُ الْعَبْدَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اسْمُهُ أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ قَالَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ : عَبْدِي أَمَا اسْتَحَيْتَ مِنِّي وَأَنْتَ تَعْصِينِي وَاسْمُك اسْمُ حَبِيبِي مُحَمَّدٍ فَيُنَكِّسُ الْعَبْدُ رَأْسَهُ حَيَاءً وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ فَعَلْت فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ خُذْ بِيَدِ عَبْدِي وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ ، فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أُعَذِّبَ بِالنَّارِ مَنْ اسْمُهُ اسْمُ حَبِيبِي .
فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْعِنَايَةُ الْعُظْمَى فِي اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ فَكَيْفَ بِهَا فِي اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَفَى بِهَا بَرَكَةً أَنَّهُمْ يَنْطِقُونَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَوْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَتَعُودُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتُهُ ، فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ هَذِهِ
الْبَرَكَةَ وَعُمُومَهَا أَرَادَ أَنْ يُزِيلَهَا عَنْهُمْ بِعَادَتِهِ الذَّمِيمَةِ وَشَيْطَنَتِهِ الْكَمِينَةِ فَلَمْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُزِيلَهَا إلَّا بِضِدِّهَا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالضِّدِّ ، ثُمَّ إنَّهُ لَا يَأْتِي لِأَحَدٍ إلَّا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ الْغَالِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ وَالرِّيَاسَةِ أَبْدَلَ لَهُمْ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ الْمُبَارَكَةَ بِمَا فِيهِ ذَلِكَ نَحْوَ عِزِّ الدَّيْنِ وَشَمْسِ الدَّيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عُلِمَ ، فَنَزَّلَ التَّزْكِيَةَ مَوْضِعَ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْمُبَارَكَةِ ، وَلَمَّا أَنْ كَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ التَّوَاضُعُ وَتَرْكُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ أَتَى لِبَعْضِهِمْ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْبَلُونَهُ مِنْهُ فَأَوْقَعَهُمْ فِي الْأَلْقَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالُوا لِمُحَمَّدٍ حَمُّو ، وَلِأَحْمَدَ حَمْدُوسٌ ، وَلِيُوسُفَ يَسْوَ وَلِعَبْدِ الرَّحْمَن رَحْمُو إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ مُتَعَارَفٌ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْطَى لِكُلِّ إقْلِيمٍ الشَّيْءَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْبَلُونَهُ مِنْهُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هَذَا فَكَيْفَ يُتَّبَعُ أَوْ كَيْفَ يُرْجَعُ إلَيْهِ هَذَا إذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ التَّزْكِيَةِ وَالْكَذِبِ فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِهِمَا وَالْعَالِمُ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ أَنْ يَنْصَحَ نَفْسَهُ وَيَنْصَحَ جُلَسَاءَهُ وَإِخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ بِإِظْهَارِ سُنَّةٍ وَالْإِرْشَادِ إلَيْهَا وَإِخْمَادِ بِدْعَةٍ وَالنَّهْيِ عَنْهَا وَالتَّهَاوُنِ بِهَا .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَائِدَةِ إلَّا مَعْرِفَةُ الذُّنُوبِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَغْتَنِمَ مَا سِيقَ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ الشَّامِلَةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ حَصَلَ لَهُ إذْ ذَلِكَ وَصَارَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ لَهُ بِهَذَا وَالْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ الْعَشَرَةُ رِضْوَانُ
اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَهْلُ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ مَا جَاءَ مِنْ الْأَفْرَادِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، ثُمَّ هَذَا الْعَالِمُ الْمَذْكُورُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ فَكَأَنَّمَا أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ وَأَيُّ غَنِيمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ مَشْهُودًا لَهُ بِالْجَنَّةِ ، وَهُوَ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْعَجِيبِ .
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِينَنَا عَلَى مَا يَقْرَبُنَا إلَيْهِ بِمَنِّهِ .
وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى كُنَى الرِّجَالِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ الْكَلَامِ فِي نُعُوتِ النِّسَاءِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .
( فَصْلٌ ) فِي اللِّبَاسِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ وَفِيمَنْ يُجَالِسُهُ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فِي تَفْصِيلِ ثِيَابِهِ مِنْ طُولِ هَذَا الْكُمِّ وَالِاتِّسَاعِ وَالْكِبَرِ الْخَارِقِ الْخَارِجِ عَنْ عَادَةِ النَّاسِ ، فَيَخْرُجُونَ بِهِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَيَقَعُونَ بِسَبَبِهِ فِي الْمَحْذُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ كُمَّ بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ الْيَوْمَ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفَصِّلُ مِنْ ذَلِكَ الْكُمِّ ثَوْبًا لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إزْرَةُ الْمُسْلِمِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَزِيدُ فِي ثَوْبِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ إذْ أَنَّ مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ بِهِ حَاجَةٌ فَمَنَعَهُ مِنْهُ وَأَبَاحَ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ ، فَلَهَا أَنْ تَجُرَّ مِرْطَهَا خَلْفَهَا شِبْرًا أَوْ ذِرَاعًا لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ ، وَهِيَ التَّسَتُّرُ وَالْإِبْلَاغُ فِيهِ إذْ أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ وَذَلِكَ فِيهَا بِخِلَافِ الرِّجَالِ .
وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ سِعَةَ الثَّوْبِ وَطُولَهُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ .
وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفِهْرِيُّ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ سِرَاجِ الْمُلْكِ وَالْخُلَفَاءِ لَهُ قَالَ : وَلَمَّا دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ سَيِّدُ الْعِبَادِ فِي زَمَانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ
وَكَانَ ثَوْبُهُ إلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ قَالَ لَهُ بِلَالٌ مَا هَذِهِ الشُّهْرَةُ يَا ابْنَ وَاسِعٍ فَقَالَ لَهُ ابْنُ وَاسِعٍ أَنْتُمْ شَهَرْتُمُونَا هَكَذَا كَانَ لِبَاسُ مَنْ مَضَى وَإِنَّمَا أَنْتُمْ طَوَّلْتُمْ ذُيُولَكُمْ فَصَارَتْ السُّنَّةُ بَيْنَكُمْ بِدْعَةً وَشُهْرَةً انْتَهَى .
فَتَوْسِيعُ الثَّوْبِ وَكِبَرُهُ وَتَوْسِيعُ الْكُمِّ وَكِبَرُهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ بِهِ حَاجَةٌ فَيُمْنَعُ مِثْلُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَإِنْ كَانَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ لَكِنْ تَصَرُّفًا غَيْرَ تَامٍّ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمِلْكَ التَّامَّ ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَوَاضِعَ وَمَنَعَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَوَاضِعَ ، فَالْمَالُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ هُوَ مَالُهُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي يَدِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى أَنْ يَصْرِفَهُ فِي كَذَا وَلَا يَصْرِفُهُ فِي كَذَا ، وَهَذَا بَيِّنٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ أَحَدُهُمْ مَالِي مَالِي وَلَيْسَ لَك مِنْ مَالِكَ إلَّا مَا أَكَلْت فَأَفْنَيْتَ وَمَا لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ وَمَا تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى مَعَهُ عَمَلُهُ أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ عَبْدٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ تَصَرُّفِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ الْمَالَ إلَّا حَيْثُ أُجِيزَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ إذْ أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيمَا لَا يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ وَمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ صِفَةِ الِاتِّسَاعِ وَالْكِبَرِ فِي الثِّيَابِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ إذْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِهِ حَاجَةٌ فَيُمْنَعُ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ لَبِسَ ثَوْبًا فَوَجَدَ كُمَّهُ يَزِيدُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ
فَطَلَبَ شَيْئًا يَقْطَعُهُ بِهِ فَلَمْ يَجِدْ فَأَخَذَ حَجَرًا وَأَلْقَى كُمَّهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَجَعَلَ يَرُضُّهُ بِهِ حَتَّى قَطَعَ مَا فَضَلَ عَنْ أَصَابِعِهِ ، ثُمَّ تَرَكَهُ كَذَلِكَ مُدَلًّى حَتَّى خَرَجَتْ الْخُيُوطُ مِنْهُ وَتَدَلَّتْ فَقِيلَ لَهُ فِي خِيَاطَتِهِ فَقَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ بِثَوْبٍ كَذَلِكَ وَلَمْ يَخِطْهُ بَعْدُ حَتَّى تَقَطَّعَ الثَّوْبُ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطَعَ كُمَّ رَجُلٍ إلَى قَدْرِ أَصَابِعِ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ أَعْطَاهُ فَضْلَ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ خُذْ هَذَا وَاجْعَلْهُ فِي حَاجَتِكَ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي طُولِ الْكُمَّيْنِ عَلَى قَدْرِ الْأَصَابِعِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَرَآهُ مِنْ السَّرَفِ وَخَشَى عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَهُ مِنْهُ عُجْبٌ فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي كِتَابِهِ قَالَ : وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْكَثِيرَةِ الْأَثْمَانِ قَالَ : وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ثَوْبُ أَحَدِهِمْ مِنْ سَبْعَةِ دَرَاهِمَ إلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَكَانُوا لَا يُجَاوِزُونَ هَذَا إلَّا نَادِرًا أَوْ كَمَا قَالَ .
وَأَمَّا الْخُرُوجُ بِهِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ فَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ حَالُهُمْ بِهِ كَيْفَ هُوَ لِخُرُوجِهِمْ بِهِ عَنْ زِيِّ سَائِرِ النَّاسِ وَتَكَلُّفِهِمْ فِي حَمْلِهِ أَنْ تَرَكُوهُ مُدَلًّى ثَقُلَ عَلَيْهِمْ فِي مَشْيِهِمْ فَتَقِلُ مُرُوءَةُ أَحَدِهِمْ بِسَبَبِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ الْكَثِيرِ بِسَبَبِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَاطِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ بِسَبَبِهِ وَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ بِهِ احْتَاجَ إلَى حَمْلِهِ وَفِي حَمْلِهِ كُلْفَةٌ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي ثَقُلَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ سِيَّمَا إذَا كَانَ بِبِطَانَةٍ وَتَرَكَهُ مُدَلًّى ، وَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ بِهِ كَانَ حَامِلًا لِثُقْلٍ فِي صَلَاتِهِ فَهُوَ شُغْلٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِذَا كَانَ شُغْلًا فِي الصَّلَاةِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ أَنْ يَكْفِتَ أَحَدٌ شَعْرَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَضُمَّ ثَوْبَهُ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ شُغْلٌ فِي الصَّلَاةِ .
فَإِذَا ضَمَّ ثَوْبَهُ حِينَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَعَ فِي هَذَا النَّهْيِ الصَّرِيحِ وَإِنْ لَمْ يَضُمَّ وَتَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ انْفَرَشَ عَلَى الْأَرْضِ حِينَ السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ فَيُمْسِكُ بِهِ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَتْ تَنْقَطِعُ مِنْ عِنْدِ مَنَاكِبِهِمْ لِشِدَّةِ تَرَاصِّهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُسَوِّيَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمْ تَرْصِيصَ الصُّفُوفِ وَكَيْفَ هِيَ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ وَرِجَالٌ مُوَكَّلُونَ بِالصَّلَاةِ ، فَإِنْ رَأَوْا أَحَدًا صَلَّى فِي صَفٍّ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ إلَى الْقِبْلَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَهُ ذَهَبُوا بِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَى الْحَبْسِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا مَوْضِعُ قِيَامِهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْحُصْرُ الْيَوْمَ عَلَى مَا يُعْهَدُ
وَيُعْلَمُ ، وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَلَا بُدَّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بِدْعَةِ هَذِهِ السَّجَّادَةِ .
فَإِذَا بَسَطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ احْتَاجَ لِأَجْلِ سِعَةِ ثَوْبِهِ أَنْ يَبْسُطَ شَيْئًا كَبِيرًا لِيَعُمَّ ثَوْبَهُ عَلَى سَجَّادَتِهِ فَيَكُونُ فِي سَجَّادَتِهِ اتِّسَاعٌ خَارِجٌ فَيُمْسِكُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَوْضِعَ رَجُلَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا إنْ سَلِمَ مِنْ الْكِبْرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَضُمُّ إلَى سَجَّادَتِهِ أَحَدًا ، فَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ ذَلِكَ وَوَلَّى النَّاسُ عَنْهُ وَتَبَاعَدُوا مِنْهُ هَيْبَةً لَكُمِّهِ وَثَوْبِهِ وَتَرَكَهُمْ هُوَ وَلَمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْقُرْبِ إلَيْهِ فَيُمْسِكُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ غَاصِبًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الْمَنْصُوصِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَمْسَكَهُ بِسَبَبِ قُمَاشِهِ وَسَجَّادَتِهِ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ حَاجَةٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ غَاصِبٌ لَهُ فَيَقَعُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ بِسَبَبِ قُمَاشِهِ وَسَجَّادَتِهِ وَزِيِّهِ ، فَإِنْ بَعَثَ سَجَّادَتَهُ إلَى الْمَسْجِدِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ فَفُرِشَتْ لَهُ هُنَاكَ وَقَعَدَ هُوَ إلَى أَنْ يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ بِالنَّاسِ ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ فَيَقَعُ فِي مَحْذُورَاتٍ جُمْلَةً مِنْهَا غَصْبُهُ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَمِلَتْ السَّجَّادَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْجِزَهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ إلَّا مَوْضِعُ صَلَاتِهِ وَمِنْ سَبَقَ كَانَ أَوْلَى وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِأَنَّ السَّبَقَ لِلسَّجَّادَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ لِبَنِي آدَمَ فَيَقَعُ فِي الْغَصْبِ أَوَّلًا لِكَوْنِهِ مَنَعَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِمَّنْ سَبَقَهُ ، فَإِذَا جَاءَ كَانَ غَاصِبًا لِمَا زَادَ عَلَى مَوْضِعِ صَلَاتِهِ بَلْ
غَاصِبًا لِلْمَوْضِعِ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ كَانَ أَحَقَّ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهُ فَيَكُونُ غَيْرُهُ هُوَ الْمُقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ هُوَ ، فَلَمَّا أَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مَنْ سَبَقَهُ كَانَ غَاصِبًا وَمِنْهَا تَخَطِّيهِ لِرِقَابِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ إتْيَانِهِ لِلسَّجَّادَةِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنَّهُ مُؤْذٍ وَنَهَى عَنْهُ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِي دَخَلَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ : اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت فَنَهَاهُ وَأَخْبَرَ بِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مُؤْذٍ .
وَقَدْ وَرَدَ كُلُّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ فَيَقَعُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَيْضًا مِنْ نَصْبِ بِسَاطٍ كَبِيرٍ فِي الْمَسْجِدِ لِكَيْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ هُوَ وَبَعْضُ خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ ، ثُمَّ يَبْسُطُ عَلَى الْبِسَاطِ هَذِهِ السَّجَّادَةَ فَيُمْسِكُ فِي الْمَسْجِدِ مَوَاضِعَ كَثِيرَةً غَاصِبًا لَهَا فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ مَا يَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْخُيَلَاءِ ، وَهَذَا أَمْرٌ لَوْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْأَعَاجِمِ أَوْ الْجُهَلَاءِ بِدِينِهِمْ لَوَجَبَ عَلَى الْعَالِمِ تَحْذِيرُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَزَجْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ وَالْأَخْذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ أَوْ وَعْظُهُمْ إنْ كَانَ يَخَافُ شَوْكَتَهُمْ فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ الْعَالِمُ فِي نَفْسِهِ .
كَانَ النَّاسُ يَقْتَبِسُونَ أَثَارَ الْعَالِمِ وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ وَيَرْجِعُونَ عَنْ عَوَائِدِهِمْ لِعَوَائِدِهِ فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ فَصَارَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَعَاجِمِ وَغَيْرِهِمْ يُحْدِثُونَ أَشْيَاءَ مِثْلَ هَذَا وَغَيْرِهِ فَيُسْكَتُ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَأْتِي الْعَالِمُ فَيَتَشَبَّهُ بِهِمْ فِي فِعْلِهِمْ فَكَانَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِالْعُلَمَاءِ فَرَجَعْنَا نَقْتَدِي بِفِعْلِ الْجُهَلَاءِ ، وَهَذَا الْبَابُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تُرِكَتْ مِنْهُ السُّنَنُ غَالِبًا أَعْنِي اتِّخَاذَ عَوَائِدَ يَقَعُ الِاصْطِلَاحُ عَلَيْهَا وَيُمْشَى عَلَيْهَا فَيَنْشَأُ نَاسٌ عَلَيْهَا لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهَا وَيَتْرُكُونَ مَا وَرَاءَهَا ،
فَجَاءَ مَا قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ رَحِمَهُ اللَّهُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَيْلَكُمْ يَا مَعَاشِرَ الْعُلَمَاءِ السُّوءِ الْجَهَلَةِ بِرَبِّهِمْ جَلَسْتُمْ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ تَدْعُونَ النَّاسَ إلَى النَّارِ بِأَعْمَالِكُمْ فَلَا أَنْتُمْ دَخَلْتُمْ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ أَعْمَالِكُمْ وَلَا أَنْتُمْ أَدْخَلْتُمْ النَّاسَ بِهَا بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ قَطَعْتُمْ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُرِيدِ وَصَدَدْتُمْ الْجَاهِلَ عَنْ الْحَقِّ فَمَا ظَنُّكُمْ غَدًا عِنْدَ رَبِّكُمْ إذَا ذَهَبَ الْبَاطِلُ بِأَهْلِهِ وَقَرَّبَ الْحَقُّ أَتْبَاعَهُ انْتَهَى .
عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى أَنَّهُ كَانَ لِعُلَمَائِهِمْ لِبَاسٌ يُعْرَفُونَ بِهِ غَيْرُ لِبَاسِ النَّاسِ جَمِيعًا لَا مَزِيَّةَ لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي الثَّوْبِ وَلَا فِي التَّفْصِيلِ بَلْ لِبَاسُ بَعْضِهِمْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ لِتَوَاضُعِهِمْ وَوَرَعِهِمْ وَزُهْدِهِمْ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ وَلِفَضِيلَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّرْعِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يُبَادِرُ إلَى الْأَفْضَلِ وَالْأَرْجَحِ وَالْأَزْكَى فِي الشَّرْعِ .
نَعَمْ إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَسْتَحِبُّ لِلْقَارِئِ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ أَبْيَضَ يَعْنِي يَفْعَلُ ذَلِكَ تَوْقِيرًا لِلْعِلْمِ فَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَسِخًا وَلَا قَذِرًا بَلْ نَظِيفًا مِنْ الْأَوْسَاخِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يُخَالِفُ لِبَاسَ النَّاسِ بِسَبَبِ عِلْمِهِ .
قَدْ كَانَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ يُوَقِّرُ بِهَا مَجَالِسَ الْحَدِيثِ حِينَ كَانَ يَقْرَؤُهُ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحَدِيثِ إلَّا عَلَى الْعَادَةِ ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا طَلَبَهُ الْفُقَهَاءُ لِلدَّرْسِ سَأَلَهُمْ مَا يُرِيدُونَ ، فَإِنْ أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَسَائِلَ الْفِقْهِ خَرَجَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَجِدُونَهُ عَلَيْهَا لَا يَزِيدُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّ أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْحَدِيثَ دَخَلَ إلَى بَيْتِهِ وَاغْتَسَلَ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَتَبَخَّرَ بِالْمِسْكِ وَالْعُودِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الْحَدِيثِ وَيُطْلِقُ الْبَخُورَ بِالْمِسْكِ وَالْعُودِ طُولَ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ تَعْظِيمًا لِلْحَدِيثِ .
وَلَقَدْ حَكَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ ، وَلَوْنُهُ يَتَغَيَّرُ وَيَصْفَرُّ وَيَتَلَوَّنُ إلَى أَنْ فَرَغَ الْمَجْلِسُ وَانْقَضَى النَّاسُ أَخْرَجَ الْخُفَّ مِنْ رِجْلِهِ ، فَإِذَا فِيهِ عَقْرَبٌ قَدْ لَسَعَتْهُ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَالَ : فَقُلْت لَهُ يَا إمَامُ مَا مَنَعَك أَنْ تَخْلَعَهُ فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ ضَرَبَتْك فَقَالَ : اسْتَحْيَيْتُ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ يُقْرَأُ وَأَقْطَعُهُ لِضُرٍّ أَصَابَ بَدَنِي أَوْ كَمَا قَالَ .
فَكَانَ تَعْظِيمُهُ لِلْحَدِيثِ كَمَا تَرَى .
وَهَذَا اللِّبَاسُ الْيَوْمَ لَمْ يَجْعَلُوهُ لِمَجْلِسِ الْحَدِيثِ بَلْ لِمَجَالِسِ غَيْرِهِ ، وَلَوْ كَانُوا فِي مَجْلِسِ الْحَدِيثِ فَتَجِدُهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ إذْ ذَاكَ ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَةَ .
قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ عَلَى حَدِيثِهِ ، فَيُوَقِّرُونَ مَجَالِسَ الْحَدِيثِ فِي اللِّبَاسِ وَيُقِلُّونَ الْأَدَبَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَالْبَحْثِ وَالِانْزِعَاجِ إذْ ذَاكَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي يَقْرَؤُنَّهُ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ اللِّبَاسِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَمِنْ أَمْرِهِ بِإِزْرَةِ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَمَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ التَّأْكِيدِ فِي لُبْسِ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ إلَّا فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةُ لِبَاسِ النَّاسِ لِفَقِيهٍ وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَمَجَالِسُ الْعِلْمِ اللُّبْسُ لَهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ ، وَقَدْ جُعِلَتْ الْيَوْمَ هَذِهِ الثِّيَابُ لِلْفَقِيهِ كَأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلطَّالِبِ مِنْهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الدَّرْسِ إلَّا بِهَا ، فَإِنْ قَعَدَ بِغَيْرِهَا قِيلَ عَنْهُ مُهِينٌ يَتَهَاوَنُ بِمَنْصِبِ الْعِلْمِ لَا يُعْطِي الْعِلْمَ حَقَّهُ لَا يَقُومُ بِمَا يَجِبُ لَهُ فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ وَدَثَرَتْ السُّنَّةُ ، وَنُسِيَ فِعْلُ السَّلَفِ بِفَتْوَى مَنْ غَفَلَ أَوْ وَهَمَ وَاتِّبَاعِهَا وَشَدِّ الْيَدِ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا جَاءَتْ فِيهَا حُظُوظُ النَّفْسِ وَمَلْذُوذَاتُهَا ، وَهِيَ التَّمْيِيزُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالْأَقْرَانِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَبِسَ ذَلِكَ الثَّوْبَ عِنْدَهُمْ قِيلَ هُوَ فَقِيهٌ فَيَتَمَيَّزُ إذْ ذَلِكَ عَنْ الْعَوَامّ وَهَذِهِ دَرَجَةٌ لَا
تَحْصُلُ لَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ دَرَجَةُ فَضِيلَةٍ تَنْقُلُهُ عَنْ دَرَجَةِ الْعَوَامّ فَبِنَفْسِ اللُّبْسِ لِتِلْكَ الثِّيَابِ انْتَقَلَتْ دَرَجَتُهُ عَنْهُمْ وَرَجَعَ مَلْحُوقًا بِالْفُقَهَاءِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
رَجَعَ الْفِقْهُ بِالزِّيِّ دُونَ الدَّرْسِ وَالْفَهْمِ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْإِشَارَةُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِقَوْلِهِ : إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا انْتَهَى .
وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْعَوَامَّ لَا يَأْتُونَ الْعَوَامَّ يَسْأَلُونَهُمْ وَلَا يَرْأَسُ عَامِّيٌّ عَلَى آخَرَ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ لَكِنْ لَمَّا صَارَ الْفِقْهُ عِنْدَهُمْ لَهُ خِلْعَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا فَجَاءَ هَذَا الْمُبْتَدِئُ فَلَبِسَ تِلْكَ الْخِلْعَةَ ، وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا أَوْ عَرَفَ الْبَعْضَ وَلَمْ يَعْرِفْ الْبَعْضَ ، وَرَآهُ الْعَوَامُّ عَلَى زِيِّ مَنْ هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَانِهِمْ فَسَأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ تَقَعُ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْخِلْعَةِ يَمْنَعُهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ لِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى قِلَّةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فَيَسْقُطُ مِنْ أَعْيُنِهِمْ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، فَتُجْمَعُ عَلَيْهِ هَذِهِ الدَّسِيسَةُ السُّمَيَّةُ مَعَ نَزْغِ الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيلِهِ وَتَزْيِينِهِ فَيُفْتِي بِرَأْيِهِ وَبِمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَيَقِيسُ مَسْأَلَةً عَلَى غَيْرِهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا مِثْلُهَا أَوْ تُقَارِبُهَا وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْصِبٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَعْظَمَ فَيُرْتَكَبُ الْمَحْظُورَ وَيُدْخِلُ نَفْسَهُ فِي الْخَطَرِ وَيُفْتِي فَيَضِلُّ بِارْتِكَابِهِ لِلْبَاطِلِ وَيُضِلُّ غَيْرَهُ فَحَصَلَتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ الْعُظْمَى بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ
السُّنَّةِ فِي اللِّبَاسِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجَرَّبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَشْهُورٌ بَيْنَهُمْ أَنَّ السُّنَّةَ إذَا تُرِكَتْ فِي شَيْءٍ لَا يَأْتِي مَا عُمِلَ عِوَضًا مِنْهَا إلَّا تُرِكَ الْخَيْرُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي قَدَمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْخَيْرُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ .
وَالْجَنَّةُ لَا تُنَالُ إلَّا مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أَعْنِيَ بِاتِّبَاعِهِ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا حُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ لَهُ ثَوْبٌ فِيهِ إحْدَى عَشْرَةَ رُقْعَةً إحْدَاهَا مِنْ أُدْمٍ وَمَا زَالَ النَّاسُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَغَيْرِهِ إلَّا بِحُسْنِ هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ أَوْ حُسْنِ كَلَامِهِ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَالِمُ يُعْرَفُ بِلَيْلِهِ إذَا النَّاسُ نَائِمُونَ وَبِنَهَارِهِ إذَا النَّاسُ مُفْطِرُونَ وَبِبُكَائِهِ إذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ وَبِصَمْتِهِ إذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ وَبِخُشُوعِهِ إذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ وَبِحُزْنِهِ إذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُوضَ مَعَ مَنْ يَخُوضُ وَلَا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيُصْفَحُ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هَلْ قَالَا الْعَالِمُ يُعْرَفُ بِوُسْعِ كُمِّهِ وَطُولِهِ وَوُسْعِ ثَوْبِهِ وَحُسْنِهِ بَلْ وَصَفُوهُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ أَوْصَافِنَا الْيَوْمَ كَثِيرًا ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَصِفُوا الْعَالِمَ إلَّا بِمِثْلِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ .
قَالُوا وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ حَامِدًا وَلِنِعَمِهِ شَاكِرًا وَلَهُ ذَاكِرًا وَعَلَيْهِ مُتَوَكِّلًا وَبِهِ مُسْتَعِينًا وَإِلَيْهِ رَاغِبًا وَبِهِ مُعْتَصِمًا وَلِلْمَوْتِ ذَاكِرًا وَلَهُ مُسْتَعِدًّا .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنْ ذَنْبِهِ رَاجِيًا
عَفْوَ رَبِّهِ وَيَكُونَ خَوْفُهُ فِي صِحَّتِهِ أَغْلِبُ عَلَيْهِ انْتَهَى .
فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَكُونُ زِيُّهُ كَذَا وَلِبَاسُهُ كَذَا .
حِينَ كَانَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا انْتَفَعَ النَّاسُ بِهِمْ وَوَجَدُوا الْبَرَكَةَ وَالْخَيْرَ وَالرَّاحَةَ عَلَى أَيْدِيهِمْ ، حَكَى لِي سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ شَيْخِهِ سَيِّدِي أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى بُسْتَانِهِ لِيَعْمَلَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ يَخْرُجُ إلَى حَائِطِهِ يَعْمَلُ بِيَدِهِ وَإِذَا بِبَعْضِ الظَّلَمَةِ أَخَذُوهُ مَعَ غَيْرِهِ فِي السُّخْرَةِ لِبْسَتَانِ السُّلْطَانِ فَمَضَى مَعَهُمْ وَقَعَدَ يَعْمَلُ مَعَهُمْ إلَى أَنْ جَاءَ الْوَزِيرُ وَدَخَلَ لَلِبْسَتَانِ لِيَنْظُرَ مَا عُمِلَ فِيهِ فَإِذَا بِهِ ، وَقَدْ وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى الشَّيْخِ ، وَهُوَ يَعْمَلُ فَطَأْطَأَ عَلَى قَدَمَيْهِ يُقَبِّلُهُمَا وَيَقُولُ : يَا سَيِّدِي مَا جَاءَ بِك هُنَا فَقَالَ : أَعْوَانُكُمْ الظَّلَمَةُ .
فَقَالَ : يَا سَيِّدِي عَسَى أَنَّك تُقِيلُنَا وَتَخْرُجُ فَأَبَى ، فَقَالَ لَهُ : وَلِمَ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ إخْوَانِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ أَخْرُجُ وَهُمْ فِي ظُلْمِكُمْ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِمْ فَأَبَى فَقَالَ لَهُ : وَلِمَ ؟ فَقَالَ لَهُ : غَدًا تَأْخُذُونَهُمْ أَنْتُمْ إنْ كَانَتْ لَكُمْ بِهِمْ حَاجَةٌ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تَابُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوا أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا انْتَهَى .
فَانْظُرْ إلَى بَرَكَةِ زِيِّ الْعَالِمِ إذَا كَانَ مِثْلَ زِيِّ النَّاسِ وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ هَذَا فِي وَاحِدَةٍ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهَا وَغَيْرِهَا فَلَوْ كَانَ عَلَى الشَّيْخِ إذْ ذَلِكَ لِبَاسٌ يُعْرَفُ بِهِ لَمْ يُؤْخَذْ فَكَانَتْ تِلْكَ الْبَرَكَةُ تُمْتَنَعُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ أُخِذُوا إذْ ذَلِكَ فِي ظُلْمِ السُّلْطَانِ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى هَذِهِ الْحِكَايَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِهَذَا السَّيِّدِ الْجَلِيلِ يُؤْخَذُ مِنْهَا الِاسْتِحْبَابُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ لِبَاسُهُ مِثْلَ لِبَاسِ سَائِرِ
النَّاسِ لِتَحْصُلَ بِهِ الْمَنْفَعَةُ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ .
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَكْرَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَشَحُّوا عَلَى دِينِهِمْ وَأَعَزُّوا الْعِلْمَ وَصَانُوهُ وَأَنْزَلُوهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَخَضَعَتْ لَهُمْ رِقَابُ الْجَبَابِرَةِ وَانْقَادَتْ لَهُمْ النَّاسُ وَكَانُوا لَهُمْ تَبَعًا وَعَزَّ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ ، وَلَكِنَّهُمْ أَذَلُّوا أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يُبَالُوا بِمَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِمْ إذَا سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ وَبَذَلُوا عِلْمَهُمْ لِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا لِيُصِيبُوا بِذَلِكَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، فَذَلُّوا وَهَانُوا عَلَى النَّاسِ انْتَهَى .
فَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لَا يُكَابَرُ فِيهَا لِوُجُودِهَا حِسِّيَّةً مُشَاهَدَةً عِنْدَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَّا مَعَ مَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْ الْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالْخُيَلَاءِ .
فَأَيْنَ هَذَا مِمَّا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَدِمَ إلَى الشَّامِ وَكَانَ عَلَى جَمَلٍ خِطَامُهُ لِيفٌ وَرَحْلُهُ وَزَادُهُ تَحْتَهُ وَمُرَقَّعَتُهُ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ الْأَجْنَادُ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا أَبْيَضَ وَأَنْ يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا لِيُرْهِبَ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ فَفَعَلَ ، فَلَمَّا أَنْ اسْتَوَى عَلَى الْبِرْذَوْنِ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَقِيلُوا عُمَرَ عَثْرَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَكُمْ فَرَجَعَ إلَى ثَوْبِهِ وَجَمَلِهِ وَقَالَ بِالْإِيمَانِ اعْتَزَزْنَا فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَتْحِ الْبِلَادِ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَهْلُ التَّارِيخِ ، وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَإِنَّمَا عَزَّ الْفَقِيهُ بِفَهْمِ الْمَسَائِلِ وَشَرْحِهَا وَمَعْرِفَتِهَا وَمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا وَتَعْظِيمِهَا وَتَرْفِيعِهَا وَتَعْلِيمِ مَا حَصَلَ مِنْ بَرَكَتِهَا وَخَيْرِهَا وَمَعْرِفَةِ الْبِدَعِ وَتَجَنُّبِهَا وَتَبْيِينِ شُؤْمِهَا وَمَقْتِهَا وَظَلَامِهَا وَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَقْتِ لِفَاعِلِهَا أَوْ الْمُسْتَهِينِ لِلْقَلِيلِ مِنْهَا وَتَبْيِينِ مَا يَحْصُلُ لِفَاعِلِ هَذَا كُلِّهِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ ،
وَمِنْ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْمَعْرِفَةِ بِهِ وَخَشْيَتِهِ وَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ وَالْعَمَلِ بِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فَجَعَلَ عَزَّ وَجَلَّ خِلْعَةَ الْعُلَمَاءِ الْخَشْيَةَ وَجَعَلَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ خِلْعَةَ الْعَالِمِ تَوْسِيعَ الثِّيَابِ وَالْأَكْمَامِ وَكِبَرِهَا وَحُسْنِهَا وَصِقَالَتِهَا
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ مَعَ الْعِمَامَةِ إلَى طَيْلَسَانٍ فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ قَدْ خَنَقَ نَفْسَهُ بِهِ وَيَتَفَقَّدُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ مِنْ جَوَانِبِ خَدَّيْهِ أَنْ يَكُونَ مَالَ إلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَيَظْهَرُ وَجْهُهُ لِلنَّاسِ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ تَحْتَجِبُ تَخَافُ أَنْ تُبَيِّنَ وَجْهَهَا لِلرِّجَالِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَيَغْرِزُ الْإِبَرَ فِي الطَّيْلَسَانِ مَعَ الْعِمَامَةِ حَتَّى لَا يَكْشِفَهُ الْهَوَاءُ عَنْ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ ، وَهَكَذَا تَفْعَلُ الْمَرْأَةُ بِالْقِنَاعِ وَالْخِمَارِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ تُمْسِكُ ذَلِكَ بِالْإِبَرِ وَتَتَحَفَّظُ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ تَنْكَشِفَ رَأْسُهَا مِنْ قِنَاعِهَا أَوْ يَبِينَ وَجْهُهَا لِغَيْرِ مَحَارِمِهَا ، وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الرِّدَاءُ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ وَالْعَذْبَةُ لَكِنَّ الرِّدَاءَ كَانَ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا وَنَحْوَهَا ، وَالْعِمَامَةُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَنَحْوَهَا يُخْرِجُونَ مِنْهَا التَّلْحِيَةَ وَالْعَذْبَةَ وَالْبَاقِي عِمَامَةٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قَالَ الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ .
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ : قَعَطَ الرَّجُلُ عِمَامَتَهُ يَقْتَعِطُهَا اقْتِعَاطًا أَيْ أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَتَلَحَّ بِهَا .
وَقَدْ نَهَى عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ فَسَّرَ الِاقْتِعَاطَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ، وَمِنْ مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ الِاقْتِعَاطُ أَنْ يَعْتَمَّ الرَّجُلُ بِالْعِمَامَةِ ، وَلَا يَتَلَحَّى وَالْمُقْتَعَطَةُ الْعِمَامَةُ ، وَقَدْ اقْتَعَطَهَا .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْمُعْتَمِّ لَا يُدْخِلُ تَحْتَ ذَقَنِهِ مِنْهَا فَكَرِهَ ذَلِكَ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ
رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ فِعْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ اقْتِعَاطُ الْعَمَائِمِ هُوَ التَّعْمِيمُ دُونَ حَنَكٍ ، وَهُوَ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ قَدْ شَاعَتْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَنَظَرَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمًا إلَى رَجُلٍ قَدْ اعْتَمَّ وَلَمْ يَحْتَنِكْ فَقَالَ : اقْتِعَاطٌ كَاقْتِعَاطِ الشَّيْطَانِ ذَلِكَ عِمَامَةُ الشَّيَاطِينِ وَعَمَائِمُ قَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ الْمُؤْتَفِكَاتِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْوَاضِحَةِ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ وَدَارِهِ بِالْعِمَامَةِ دُونَ تَلَحٍّ ، وَأَمَّا بَيْنَ الْجَمَاعَاتِ وَالْمَسَاجِدِ فَلَا يَنْبَغِي تَرْكُ الِالْتِحَاءِ ، فَإِنَّ تَرْكَهُ مِنْ بَقَايَا عَمَائِمِ قَوْمِ لُوطٍ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَقَدْ شَدَّدَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْكَرَاهَةَ فِي تَرْكِ التَّحْنِيكِ .
قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الْعِمَامَةِ يَعْتَمُّ بِهَا الرَّجُلُ ، وَلَا يَجْعَلُهَا تَحْتَ حَلْقِهِ فَأَنْكَرَهَا وَقَالَ : إنَّهَا مِنْ عَمَائِمِ الْقِبْطِ فَقِيلَ لَهُ ، فَإِنْ صَلَّى بِهَا كَذَلِكَ قَالَ : لَا بَأْسَ وَلَيْسَتْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ إلَّا أَنْ تَكُونَ عِمَامَةً قَصِيرَةً لَا تَبْلُغُ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا اعْتَمَّ جَعَلَ مِنْهَا تَحْتَ ذَقَنِهِ وَسَدَلَ طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْمَعُونَةِ لَهُ : وَمِنْ الْمَكْرُوهِ مَا خَالَفَ زِيَّ الْعَرَبِ وَأَشْبَهَ زِيَّ الْعَجَمِ كَالتَّعْمِيمِ مِنْ غَيْرِ حَنَكٍ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا عِمَامَةُ الشَّيَاطِينِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ السُّنَّةُ فِي الْعِمَامَةِ أَنْ يُسْدِلَ طَرَفَهَا إنْ شَاءَ أَمَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِنْ شَاءَ مِنْ خَلْفِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، وَقَالَ : لَا بُدَّ مِنْ التَّحْنِيكِ فِي الْهَيْئَتَيْنِ ، وَأَمَّا حُكْمُ
طَرَفِ الْعِمَامَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْيِيرُ الْعُلَمَاءِ فِي سَدْلِهِ إنْ شَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، وَفِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ أَرْخَى طَرَفَ عِمَامَتِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِمَّنْ أَدْرَكْته يُرْخِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ الذُّؤَابَةَ وَلَكِنْ يُرْسِلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ إرْسَالَ الذُّؤَابَةِ بَيْنَ الْيَدَيْنِ بِدْعَةٌ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ السَّلَفِ فَيَكُونُ هُوَ قَدْ أَصَابَ السُّنَّةَ وَهُمْ قَدْ أَخَطَؤُهَا وَابْتَدَعُوهَا أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ قَالَ الْقَرَافِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا انْتَهَى .
وَمَا حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ مَا أَفْتَى حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَذْبَةَ دُونَ تَحْنِيكٍ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ الْمَكْرُوهِ ؛ لِأَنَّ وَصْفَهُمْ بِالتَّحْنِيكِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ امْتَازُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَإِلَّا فَمَا كَانَ لِوَصْفِهِمْ بِالتَّحْنِيكِ فَائِدَةٌ إذْ الْكُلُّ مُجْتَمِعُونَ فِيهِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّمَا الْمَكْرُوهُ فِي الْعِمَامَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِهِمَا ، فَإِنْ كَانَا مَعًا فَهُوَ الْكَمَالُ فِي امْتِثَالِ السُّنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ خَرَجَ بِهِ عَنْ الْمَكْرُوهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَعَلَى هَذَا إذَا أَرْخَى الْعَذْبَةَ وَتَقَنَّعَ أَكْمَلَ السُّنَّةَ كَمَا لَوْ تَحَنَّكَ وَأَرْخَى الْعَذْبَةَ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَمُّونَ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ طُلُوعَهَا إنَّمَا يَكُونُ فِي زَمَانِ الْحَرِّ فَيُزِيلُونَهَا عَنْ رُءُوسِهِمْ ، وَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فِي هَذَا الزَّمَانِ كَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي الدَّيْنِ حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَرُدُّونَ
شَهَادَتَهُ وَيَقَعُونَ فِي حَقِّهِ بِنِسْبَتِهِ أَنَّهُ دَاخِلٌ بِذَلِكَ فِي جُمْلَةِ الْمُوَلِّهِينَ وَأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ بِسَبَبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ ذَلِكَ فَرَجَعَ فِعْلُ السَّلَفِ جُرْحَةً فِي حَقِّ مَنْ اقْتَدَى بِهِمْ ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ مَنْ حَضَرَ السَّمَاعَ وَرَقَصَ وَسَقَطَتْ عِمَامَتُهُ وَظَهَرَ مِنْهُ فِعْلُ الْمَجَانِينِ ، وَمَا يُذْهِبُ الْمُرُوءَةَ وَالْحِشْمَةَ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُسْقِطُونَهُ وَرُبَّمَا نَسَبُوهُ إلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَرُبَّمَا اعْتَقَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذِهِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي الْعِمَامَةِ وَمَا تَكَلَّمُوا عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إنَّ الْعِمَامَةَ دُونَ تَحْنِيكٍ وَدُونَ عَذْبَةٍ جَائِزَةٌ لَيْسَتْ بِمَكْرُوهَةٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللُّبْسَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ وَتَرَكَهُ وَمَضَى .
فَانْظُرْ إلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ الْعَجِيبِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنْ النُّصُوصِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اللُّبْسُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ مُطْلَقًا .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَرْضَ مِنْهُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتُرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَفِي حَقِّ الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ ، وَالسُّنَّةُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ جَسَدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الِامْتِثَالِ ، ثُمَّ الْعِمَامَةُ عَلَى صِفَتِهَا فِي السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالرِّدَاءُ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ بِثِيَابٍ غَيْرِ ثِيَابِ مِهْنَتِهِ ، فَأَيْنَ الْمُبَاحُ الْمُطْلَقُ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ كُلُّهُ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، ثُمَّ لَوْ تَنَزَّلْنَا مَعَهُ إلَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ فَالْأَكْلُ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ ، لَكِنَّ السُّنَّةَ فِيهِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ أَوَّلِهِ
وَيَأْكُلَ بِيَمِينِهِ ، وَلَا يَأْكُلُ بِيَسَارِهِ وَأَنْ لَا يَنْهَشَ الْخُبْزَ كَاللَّحْمِ وَأَنْ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ وَيُكْثِرَ مَضْغَهَا وَأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ حَاضِرًا وَأَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ آخِرِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي شُرْبِهِ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا ، وَكَذَلِكَ الدُّخُولُ إلَى الْبَيْتِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ ، وَالسُّنَّةُ فِيهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْيُمْنَى وَيُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ، فَإِذَا كَانَ نَفْسُ لُبْسِ الْعِمَامَةِ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ فِعْلِ سُنَنٍ بِهَا مِنْ تَنَاوُلِهَا بِالْيَمِينِ وَقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ إنْ كَانَ مَا لَبِسَهُ جَدِيدًا وَامْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي صِفَةِ التَّعْمِيمِ مِنْ فِعْلِ التَّحْنِيكِ وَالْعَذْبَةِ وَتَصْغِيرِ الْعِمَامَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَارِكِ شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ وَالْآدَابِ : إنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُقَبَّحَ لَهُ فِعْلُهُ وَيُذَمَّ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِلَّا هُجِرَ مِنْ أَجْلِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ خِلَافِ السُّنَّةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ دُونَ كَرَاهَةٍ مَعَ النُّصُوصِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : رَحِمَهُ اللَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْيَمَنِ وَأَنَّهُ ارْتَدَى بُرْدَةً وَكَانَتْ طَوِيلَةً فَانْجَرَّتْ مِنْ خَلْفِهِ فَقِيلَ لَهُ ارْفَعْ ارْفَعْ فَانْجَرَّتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ .
هَكَذَا الشَّيْءُ يُجْعَلُ بِغَيْرِ قَدْرٍ وَعَزَلَهُ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا قِيلَ لَهُ ارْفَعْ ارْفَعْ لَمَّا انْجَرَّتْ خَلْفَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا .
فَطُولُ الرِّدَاءِ مَكْرُوهٌ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهُ فَيَجُرُّهُ مِنْ خَلْفِهِ ، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِمَنْ فَعَلَهُ بَطَرًا فَالتَّوَقِّي مِنْ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍّ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي يَنْبَغِي .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ : اعْلَمْ أَنَّ مِفْتَاحَ السَّعَادَةِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ حَتَّى فِي هَيْئَةِ أَكْلِهِ وَقِيَامِهِ وَنَوْمِهِ وَكَلَامِهِ لَسْتُ أَقُولُ ذَلِكَ فِي آدَابِهِ فَقَطْ ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِهْمَالِ السُّنَنِ الْوَارِدَةِ فِيهَا بَلْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْعَادَاتِ فَبِهِ يَحْصُلُ الِاتِّبَاعُ الْمُطْلَقُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فَعَلَيْك بِأَنْ تَتَسَرْوَلَ قَاعِدًا وَتَتَعَمَّمَ قَائِمًا وَتَأْكُلَ بِيَمِينِك وَتُقَلِّمَ
أَظْفَارِكَ وَتَبْتَدِئَ بِمُسَبِّحَةِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَتَخْتِمَ بِإِبْهَامِهَا ، وَفِي الرِّجْلِ تَبْتَدِئُ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى وَتَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِك وَسَكَنَاتِك فَلَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ لَا يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُنْقَلُ كَيْفِيَّةُ أَكْلِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَهَا أَحَدُهُمْ فَلَبِسَ الْخُفَّ وَابْتَدَأَ بِالْيَسَارِ فَكَفَّرَ عَنْهُ بِكُرِّ حِنْطَةٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَسَاهَلَ فِي امْتِثَالِ ذَلِكَ فَتَقُولُ : هَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَادَاتِ فَلَا مَعْنَى لِلِاتِّبَاعِ فِيهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَغْلِقُ عَنْك بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ السَّعَادَاتِ انْتَهَى .
قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي غَرِيبِهِ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْكُرُّ بِالْبَصْرَةِ سِتَّةُ أَوْقَارٍ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْكُرُّ سِتُّونَ قَفِيزًا وَالْقَفِيزُ ثَمَانِيَةُ مَكَاكِيكَ وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفُ ، وَهُوَ ثَلَاثُ كِيلَجَاتٍ ، فَالْكُرُّ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ اثْنَا عَشْرَ وَسْقًا كُلُّ وَسْقٍ سِتُّونَ صَاعًا انْتَهَى .
فَإِنْ زَادَ فِي كِبَرِ الْعِمَامَةِ قَلِيلًا لِأَجْلِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيُسَامَحُ فِيهِ ، وَالذُّؤَابَةُ لَمْ يَكُونُوا يُرْسِلُونَ مِنْهَا إلَّا الْقَلِيلَ نَحْوَ الذِّرَاعِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ قَلِيلًا .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الطَّيْلَسَانِ أَنَّهُ رِيبَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ إنَّمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ فِي زَمَانِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَةِ هَذَا الطَّيْلَسَانِ الْيَوْمَ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِهِمْ .
وَمِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ سُكَيْنَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ أَوْ فَاطِمَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ رَأَتْ بَعْضَ وَلَدِهَا مُقَنِّعًا رَأْسَهُ فَقَالَتْ لَهُ : اكْشِفْ عَنْ رَأْسِك ، فَإِنَّ الْقِنَاعَ رِيبَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا مَنْ تَقَنَّعَ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَعْنَى فِي هَذَا بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَقَنَّعَ بِاللَّيْلِ اُسْتُرِيبَ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ تَقَنَّعَ لِسُوءٍ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ اغْتِيَالِ أَحَدٍ أَوْ شَبَهِ ذَلِكَ ، وَإِذَا تَقَنَّعَ بِالنَّهَارِ لَمْ يُكْرِمْهُ مَنْ لَقِيَهُ ، وَلَا وَفَّاهُ حَقَّهُ ، وَلَا عَرَفَ مَنْزِلَتَهُ وَاضْطَرَّهُ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ وَذَلِكَ إذْلَالٌ لَهُ .
وَمِنْ كِتَابِ مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَالْمِقْنَعَةُ مَا تُقَنِّعُ بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا ، وَالْقِنَاعُ أَوْسَعُ مِنْهَا ، وَمِنْ صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ وَالْمِقْنَعُ وَالْمِقْنَعَةُ بِالْكَسْرِ مَا تُقَنِّعُ بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا وَالْقِنَاعُ أَوْسَعُ مِنْ الْمِقْنَعَةِ ، وَمِنْ النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ الرَّأْسُ مَوْضِعُ الْقِنَاعِ قَالَ : وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ .
قِنَاعُ الْقَلْبِ غِشَاؤُهُ تَشْبِيهًا بِقِنَاعِ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْمِقْنَعَةِ .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى جَارِيَةً عَلَيْهَا قِنَاعٌ فَضَرَبَهَا بِالدُّرَّةِ وَقَالَ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مِنْ لِبَاسِهِنَّ انْتَهَى .
فَمَا نَقَلُوهُ دَلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمِقْنَعَةَ وَالْقِنَاعَ مَعًا مُخْتَصَّانِ بِالْمَرْأَةِ ، وَأَمَّا قِنَاعُ الرَّجُلِ ، وَهُوَ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِرِدَائِهِ وَيَرُدَّ طَرَفَهُ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ ؛
لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ ، وَالرِّدَاءُ هُوَ السُّنَّةُ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ دُونَ أَنْ يُغَطِّيَ بِهِ رَأْسَهُ ، فَإِنْ غَطَّى بِهِ رَأْسَهُ صَارَ قِنَاعًا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا الطَّيْلَسَانُ الْمَعْهُودُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيُكْرَهُ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ هَذَا التَّكَلُّفَ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ فِيهِ وَمَا لَمْ يَخْرُجُ بِهِ إلَى حَدِّ هَذَا الْكِبَرِ الشَّنِيعِ ، وَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ أَيْضًا وَالْبَقْيَارُ الَّذِي يُرْسِلُونَهُ بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ لَا بَأْسَ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ حَرِيرًا خَالِصًا ، وَلَا غَالِبُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ إلَى حَدِّ هَذَا الْكِبَرِ وَأَنْ يَنْظُرَ إلَى عِطْفِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ فَيَعْدِلُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى لِبَاسِهَا وَزِينَتِهَا وَتَعْدِيلِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ فَالزِّينَةُ وَالتَّعْدِيلُ لَهَا زِيَادَةٌ لِلرَّجُلِ فِي بَاعِثِ الشَّهْوَةِ لَهَا ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَيَكْفِيهِ مِنْ الزِّينَةِ لُبْسُ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ لَا غَيْرُ دُونَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مِنْ الزِّينَةِ وَالتَّعْدِيلِ الْخَارِجِ عَنْ عَوَائِدِ مَنْ مَضَى مِنْ الرِّجَالِ أَوْ لُبْسِ حَرِيرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ الْيَوْمَ ، فَتَجِدُ كُمَّ أَحَدِهِمْ لَهُ سِجَافٌ مِنْ حَرِيرٍ نَحْوُ شِبْرٍ ، وَكَذَلِكَ فِي أَذْيَالِ ثَوْبِهِ وَذَلِكَ شَرَفٌ وَخُيَلَاءُ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الْحَرِيرِ فِي ثَوْبِ الرَّجُلِ الْخَيْطُ الرَّقِيقُ وَذَلِكَ قَدْرُ الْأُصْبُعِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْخِلَافُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ إلَى كَمَالِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ تَجِدُ سَرَاوِيلَهُ قَدْ نَزَلَتْ عَنْ حَدِّ الْكَعْبَيْنِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ
لِلنَّهْيِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ وَيُوَسِّعُونَ ذَلِكَ كَثِيرًا وَيَتَّخِذُونَهُ مِنْ أَرْفَعِ الْقُمَاشِ حَتَّى تَنْكَشِفَ الْعَوْرَةُ بِسَبَبِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَتَخَفَّفَ فِي بَيْتِهِ وَخَلْوَتِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ ، وَالسَّرَاوِيلُ لَا تَسْتُرُهُ لِرِقَّةِ قُمَاشِهِ فَالْبَشَرَةُ ظَاهِرَةٌ مِنْ تَحْتِهِ ، وَكَذَلِكَ إذَا وَقَفَ يَجْمَعُ رُكْبَتَيْهِ ، وَهُوَ قَاعِدٌ أَوْ اضْطَجَعَ وَرَفَعَ رُكْبَتَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ تَنْكَشِفُ الْعَوْرَةُ أَيْضًا لَسِعَةِ كُمِّهِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الطَّرْزِ فِي أَكْتَافِ ثَوْبِهِ فَتَجِدُهُ يَرْفَعُ الطَّيْلَسَانَ عَنْ كَتِفَيْهِ وَيُشَمِّرُهُ خِيفَةً عَلَى الطَّرْزِ أَنْ يَتَخَبَّأَ عَنْ النَّاسِ فَلَا يَرَوْنَهُ ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ النِّسَاءِ وَزِينَتِهِنَّ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بِهِنَّ .
وَإِنَّمَا أُبِيحَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا نَاقِصَةٌ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ إنَّكُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدَيْنٍ .
فَأُبِيحَ لَهُنَّ الْحَرِيرُ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِنُقْصَانِهِنَّ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَهُوَ مَحَلُّ الْكَمَالِ فَقَدْ كَمَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَزَيَّنَهُ فَمَا لَهُ وَلِزِينَةِ النَّاقِصَاتِ ؟ فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ مِمَّا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ نَقْصٌ مِنْ كَمَالِ زِينَتِهِ الَّتِي زَيَّنَهُ اللَّهُ بِهَا ، وَأَمَّا الْعَالِمُ فَقَدْ زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَالًا عَلَى كَمَالٍ وَزَيَّنَّهُ وَتَوَّجَهُ بِتَاجِ الرِّيَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَمَا لَهُ وَلِلزِّينَةِ وَالرِّيَاسَةِ بِالْقُمَاشِ بَلْ هِيَ عَاهَةٌ وَآفَةٌ أَتَتْ عَلَى الزِّينَةِ الَّتِي زَيَّنَهُ اللَّهُ بِهَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا لِذَلِكَ .
وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مَا جَرَّتْ إلَيْهِ بِدْعَةُ هَذِهِ اللِّبْسَةِ الَّتِي جَعَلُوهَا عَلَامَةً عَلَى الْفَقِيهِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى مُحَرَّمٍ اتِّفَاقًا
، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْمُخَايِلِينَ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ إذَا عَمِلُوا الْخَيَالَ بِحَضْرَةِ بَعْضِ الْعَوَامّ وَغَيْرِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يُخْرِجُونَ فِي أَثْنَاءِ لَعِبِهِمْ لُعْبَةً يُسَمُّونَهَا بِأَبَّةِ الْقَاضِي فَيَلْبَسُونَ زِيَّهُ مِنْ كِبَرِ الْعِمَامَةِ وَسِعَةِ الْأَكْمَامِ وَطُولِهَا وَطُولِ الطَّيْلَسَانِ فَيَرْقُصُونَ بِهِ وَيَذْكُرُونَ عَلَيْهِ فَوَاحِشَ كَثِيرَةً يَنْسِبُونَهَا إلَيْهِ فَيَكْثُرُ ضَحِكُ مَنْ هُنَاكَ وَيَسْخَرُونَ بِهِ وَيُكْثِرُونَ النُّقُوطَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَوْ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ لَسَلِمُوا مِنْ هَذِهِ الْإِهَانَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، فَإِنَّ الْمُتَّبِعَ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَمَاهُ عَنْ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْطِنِ سُوءٍ حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِيهِ أَحَدٌ لَكَانَ مُحَارِبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَثُرَ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يَتْرُكْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذْ الْجَنَابُ رَفِيعٌ جِدًّا لَا يَتَحَمَّلُ الدَّنَسَ ، نَعَمْ إنَّمَا يَحْتَاجُ الْعَالِمُ أَنْ يَتَزَيَّنَ وَيُزَيِّنَ مَا زَيَّنَهُ اللَّهُ بِهِ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَإِطْرَاحِهَا وَتَرْكِ الْمُبَاهَاةِ بِهَا وَلُبْسِ الْخَشِنِ وَأَكْلِ الْغَلِيظِ وَالْهَرَبِ مِنْ الدُّنْيَا وَمِنْ زِينَتِهَا وَمِنْ أَبْنَائِهَا مَعَ النَّصِيحَةِ لَهُمْ وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَطَلَبِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا وَمَحَبَّةِ أَهْلِهَا وَخِدْمَتِهِمْ وَالنَّصِيحَةِ لَهُمْ وَالتَّوَاضُعِ لَهُمْ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
هَذِهِ هِيَ زِينَةُ الْعَالِمِ الَّتِي تُزَيِّنُهُ وَتَرْفَعُهُ وَتُعَظِّمُهُ وَتَزِيدُ رِيَاسَتُهُ بِسَبَبِهَا وَيَرْتَفِعُ قَدْرُهُ وَيَعْلُو أَمْرُهُ وَيَظْهَرُ عِلْمُهُ وَيَتَمَيَّزُ وَيَتَوَاضَعُ لَهُ مَنْ يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ بِهِ مَنْ سُلْطَانٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ عَامِّيٍّ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا يُحْكَى عَنْ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ هَيْبَةِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ
وَالْعَوَامِّ لَهُ مَعَ جُلُوسِهِ فِي الدُّرُوسِ وَغَيْرِهَا مَرَّةً بِكُلُوثَةٍ عَلَى رَأْسِهِ وَمَرَّةً بِقَبَاءٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حُكِيَ عَنْهُ فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلَّا رِفْعَةً وَعِزًّا لِاتِّصَافِهِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ وَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْوَقْتِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ مَا يَلْبَسُونَهُ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ أَنَّ ذَلِكَ بِفَتْوَاهُ ، فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُمْ فِي ذَلِكَ إلَى فَتْوَاهُ فَهُوَ غَلَطٌ مَحْضٌ وَخَطَأٌ صُرَاحٌ وَوُقُوعٌ فِي حَقِّهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي وَادِّعَاءٌ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لَا يُجِيزُهُ ، وَلَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ إخْوَانه الْمُسْلِمِينَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ جَوَابٌ فِي فَتَاوِيهِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ فِيهَا فَقِيلَ لَهُ : هَلْ فِي لُبْسِ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُوَسَّعَةِ الْأَرْدَانِ وَالْعَمَائِمِ الْكَبِيرَةِ بَأْسٌ أَوْ بِدْعَةٌ تَسْتَعْقِبُ تَوْبِيخًا فِي الْقِيَامَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَالَزِيقِ وَالتَّضْرِيبِ يَضُرُّ بِأَهْلِ الْوَرَعِ أَمْ لَا ؟ .
فَأَجَابَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِمَا هَذَا نَصُّهُ : الْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاقْتِصَادِ فِي اللِّبَاسِ ، وَإِفْرَاطُ تَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ وَالثِّيَابِ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ ، وَلَا تُجَاوِزُ الثِّيَابُ الْأَعْقَابَ فَمَا زَادَ عَلَى الْأَعْقَابِ فَفِي النَّارِ ، وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ فَيُسْأَلُوا ، فَإِنِّي كُنْتُ مُحْرِمًا فَأَنْكَرْتُ عَلَى جَمَاعَةِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ لَا يَعْرِفُونَنِي مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْ آدَابِ الطَّوَافِ فَلَمْ يَقْبَلُوا ، فَلَمَّا لَبِسْت ثِيَابَ الْفُقَهَاءِ وَأَنْكَرْت عَلَى الطَّائِفِينَ مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْ آدَابِ الطَّوَافِ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا ، فَإِنَّ لُبْسَ شِعَارِ الْفُقَهَاءِ لِمِثْلِ هَذَا الْغَرَضِ كَانَ فِيهِ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ .
وَأَمَّا الْمُبَالَغَةُ فِي
تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمِنْ فِعْلِ أَهْلِ الرُّعُونَةِ وَالِالْتِفَاتِ إلَى الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِأُولِي الْأَلْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا بِنَظَرِ الْإِنْصَافِ فِي جَوَابِ هَذَا الْعَالِمِ هَلْ فِيهِ شَيْءٌ يُبِيحُ مَا ذَكَرُوهُ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُفْهَمَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدَّمَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِأَنْ قَالَ عَنْ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ فَبَعْدَ أَنْ قَعَّدَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَصَرَّحَ بِهَا حِينَئِذٍ قَالَ : وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ فَتَحَفَّظَ أَوَّلًا بِذِكْرِ الْبِدْعَةِ وَالسَّرَفِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ، ثُمَّ تَحَفَّظَ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ : الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَلَوْ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسَكَتَ لَكَانَ لِلْمُنَازِعِ فِيهِ طَرِيقٌ مَا إلَى الْمَيْلِ إلَى غَرَضِهِ الْخَسِيسِ ، فَلَمَّا أَنْ وَصَفَ الْعُلَمَاءَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ أَزَالَ الِاحْتِمَالَ بِالْكُلِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ إذَا كَانَ ذَا دِينٍ لَمْ يُسَامِحْ نَفْسَهُ فِي ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ ، وَلَا فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ وَاسْتَقَرَّ مِنْ أَحْوَالِهِمْ سَلَفًا وَخَلْفًا نَقْلًا عَمَّنْ مَضَى وَمُبَاشَرَةً فِيمَنْ يُبَاشِرُهُ مِنْهُمْ وَيُعَايِنُهُ ، فَإِذَا كَانَ حَالُهُمْ فِي الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ عَلَى مَا ذَكَرَ فَكَيْفَ يَرْتَكِبُونَ الْمُحَرَّمَ الْمَمْنُوعَ فِعْلُهُ ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ وَالسَّرَفَ مَمْنُوعَانِ مُحَرَّمَانِ لَا قَائِلَ مِنْهُمْ بِغَيْرِهِ فَكَيْفَ يَأْتِي الْعَالِمُ الدَّيِّنُ يَقَعُ فِي مُحَرَّمَاتٍ ثَلَاثٍ ، وَهِيَ الْبِدْعَةُ وَالسَّرَفُ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ لِأَحَدٍ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ أَحْوَالِنَا أَنَّ لُبْسَنَا تِلْكَ الثِّيَابِ وَتَعَلُّقَنَا بِقَوْلِهِ : وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ ، وَرَأَيْنَا بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ الْيَوْمَ
إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ يَلْبَسُ تِلْكَ الثِّيَابَ فَقُلْنَا هَذِهِ تِلْكَ الثِّيَابُ جَهْلًا مِنَّا بِأَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ مِنْهُمْ وَصِفَتِهِمْ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى حَالِ مَنْ تَعَلَّقُوا بِفَتْوَاهُ وَمَا جَرَى لَهُ حِينَ سَأَلَهُ السَّائِلُ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ شَيْءٌ فَقَطَعَ نِصْفَ عِمَامَتِهِ وَدَفَعَهَا لَهُ ، ثُمَّ مَرَّ وَسَأَلَهُ آخَرُ فَأَعْطَاهُ النِّصْفَ الْآخَرَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ خُذْ عِمَامَتِي فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي أَتَمْشِي هَكَذَا بَيْنَ النَّاسِ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ جَوَابًا وَمَشَى لِسَبِيلِهِ وَشَقَّ الطَّرِيقَ مِنْ بَابِ زُوَيْلَةَ إلَى مَا بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ ، وَالنَّاسُ يَتَزَاحَمُونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَفْتُونَهُ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ ، فَلَمَّا أَنْ جَلَسَ فِي الْمَدْرَسَةِ قَالَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْعِمَامَةَ لِمَنْ جَاءَ النَّاسُ يَسْتَفْتُونَ إلَيْكَ أَوْ إلَيَّ أَوْ كَمَا قَالَ فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِمَنْ هَذَا حَالُهُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا اسْتَبَاحُوهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى وَمَا شَابَهَهُ قَالَ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا أَتَى عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا لِوَضْعِهِمْ الْأَسْمَاءَ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتٍ ؛ لِأَنَّ لِبَاسَ الْعُلَمَاءِ كَانَ عَلَى وَجْهٍ مَعْرُوفٍ فِيمَنْ مَضَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ ، ثُمَّ تَغَيَّرَ ذَلِكَ وَصَارَ لِبَاسُهُمْ الْيَوْمَ عَلَى مَا يُعْهَدُ ، فَجَاءَ هَذَا الْعَالِمُ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَظَنَّ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْمَقَالَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ الْعُلَمَاءُ الْمَذْكُورُونَ وَأَنَّ هَذِهِ الثِّيَابَ هِيَ الْمُرَادُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلِبَاسِهِمْ ، وَمَنْ اقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَوَقَعَ الِاسْمُ عَلَى غَيْرِ مُسَمًّى فَوَقَعَ مَا وَقَعَ بِسَبَبِ وَضْعِ الْأَسْمَاءِ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتٍ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى قَوْلِهِ فِي تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ
ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الرُّعُونَةِ وَالِالْتِفَاتِ إلَى الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ مَعَ أَنَّ تَحْسِينَ الْخِيَاطَةِ لَيْسَ فِيهِ خَطَرٌ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ مَا ذَكَرَ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُحَرَّمُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ يُبِيحُهُ أَوْ يَسْتَحِبُّهُ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ الصَّوَابِ ، وَلَا يُتَعَقَّلُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ ، وَاَلَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَشَنَّعَ أَمْرَهُ وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ تَحْسِينُ الْخِيَاطَةِ فَكَيْفَ بِهِ الْيَوْمَ تَرَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَزْيَاقَ وَهَذِهِ التَّضَارِيبَ وَهَذِهِ السَّجَفَ الَّتِي رَجَعَتْ الْيَوْمَ كُلُّهَا حَرِيرًا الْخِرْقَةُ وَالْخَيْطُ مَعًا فَبَانَ وَاتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا نَسَبُوهُ إلَى هَذَا الْإِمَامِ إنْ كَانَ تَعَلُّقُهُمْ بِفَتْوَاهُ وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهُمْ بِفَتْوَى غَيْرِهِ ، فَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ .
وَإِنْ وُجِدَ هَذَا فَمَحْمُولٌ عَلَى الثَّوْبِ النَّقِيِّ النَّظِيفِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَلَا مَكْرُوهٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ مَا يُنْقَلُ عَنْهُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ لَيْسَ إلَّا ، وَمَنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ فَلَا سَبِيلَ أَنْ يُرْجَعَ إلَى نَقْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الدِّينِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَعُرِفَتْ فَأَيُّ مَنْ خَالَفَهَا عُرِفَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْحَافِظِ الْجَلِيلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا اللِّبَاسِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَا يَأْخُذُهَا حَصْرٌ لَكِنْ نُشِيرُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا ، فَمِنْهَا مَا ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِهِ يُغْسَلُ لَهُ ثَوْبُهُ وَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَلْبَسُهُ فَلَبِسَ ثَوْبَ زَوْجَتِهِ وَجَلَسَ يَشْغَلُ وَلَدَهُ حَتَّى تَفْرُغَ أُمُّهُ مِنْ غَسْلِهِ ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَى خَبْزِ الْعَجِينِ فِي الْفُرْنِ فَأَخَذَ الطَّبَقَ عَلَى يَدِهِ وَالْوَلَدَ عَلَى ذِرَاعِهِ الْآخَرِ وَخَرَجَ لَأَنْ يَخْبِزَ ، وَإِذَا بِامْرَأَةٍ عَجُوزٍ لَقِيَتْهُ فَطَلَبَتْ مِنْهُ أَدَاءَ شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَذَهَبَ مَعَهَا فِي الْوَقْتِ ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَالْعَجِينُ عَلَى يَدِهِ وَوَلَدُهُ عَلَى ذِرَاعِهِ حَتَّى جَاءَ إلَى الْقَاضِي وَجَمَاعَةُ الشُّهُودِ عِنْدَهُ فَأَدَّى الشَّهَادَةَ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي : وَمَا حَمَلَك عَلَى أَنْ تَأْتِيَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَقَالَ لَهُ : غَسَلْت ثَوْبِي وَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَلْبَسُهُ فَلَبِسْت ثَوْبَ الزَّوْجَةِ وَكُنْت أَشْغَلُ الْوَلَدَ عَنْ أُمِّهِ ، ثُمَّ احْتَجْتُ إلَى الْخُبْزِ فَخَرَجَتْ لِأَخْبِزَ فَلَقِيَتْنِي هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَطَلَبَتْ مِنِّي أَدَاءَ الشَّهَادَةِ ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيَّ فَخِفْت أَنَّهُ لَا يَطُولُ الْعُمُرُ فَبَادَرْت إلَى خَلَاصِ الذِّمَّةِ ، وَبَعْدَهَا أُدْرِكُ قَضَاءَ حَاجَتِي فَرَدَّ الْقَاضِي رَأْسَهُ إلَى الْعُدُولِ فَقَالَ لَهُمْ : أَفِيكُمْ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا فَقَالُوا : لَا فَقَالَ : وَأَيْنَ الْعَدَالَةُ .
وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُتَقَدِّمِهِمْ وَمُتَأَخِّرِهِمْ مِنْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمَغْرِبِ إلَى الْآنَ لَا يَعْرِفُونَ ثِيَابَ الدُّرُوسِ ، وَلَا يَعْرُجُونَ عَلَيْهَا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَقَّى مِنْ الْأَمْرِ بَقِيَّةً تُعَرِّفُ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ الْعَالِمَ الْكَبِيرَ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَالْمُقَلَّدَ فِي النَّوَازِلِ الَّذِي يَحْضُرُ عِنْدَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ إذَا قَعَدَ لِأَخْذِ
الدُّرُوسِ لَا يُعْرَفُ مِنْ بَيْنِهِمْ بَلْ هُوَ أَقَلُّهُمْ لِبَاسًا ؛ لِأَنَّهُ أَزْهَدُهُمْ وَأَوْرَعُهُمْ فَهُوَ أَقَلُّهُمْ تَكَلُّفًا مِنْ الدُّنْيَا وَرُبَّمَا يَخْرُجُ لِلسُّوقِ لِشِرَاءِ حَاجَتِهِ بِيَدِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَّخِذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ خَادِمًا ، وَلَا يَشْتَرُونَ عَبْدًا ، وَلَا يَتَّخِذُونَ مَرْكُوبًا بَلْ يَحْمِلُ أَحَدُهُمْ حَاجَتَهُ بِيَدِهِ وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ فِي يَدِهِ الْخُضْرَةُ وَالْكَانُونُ وَاللَّحْمُ وَالْعَجِينُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا أَتَاهُ الْقَاضِي بِجَمَاعَتِهِ لِيَسْتَفْتِيَهُ فِي بَعْضِ النَّوَازِلِ ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فِي السُّوقِ فَيَقِفُ مَعَهُمْ وَيُفْتِيهِمْ ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ وَيَمُرُّ هُوَ إلَى بَيْتِهِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَجْسُرُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا أَوْ يَمْشِيَ مَعَهُ اتِّقَاءً عَلَى خَاطِرِهِ وَعَمَلًا عَلَى مَا يَخْتَارُهُ مِنْهُمْ ، وَإِذَا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ مِنْ الدَّرْسِ خَرَجَ وَحْدَهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَنْ يَتْبَعُهُ اتِّقَاءً عَلَى خَاطِرِهِ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو الْحَسَنِ الزَّيَّاتُ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ أَخْذِ الدُّرُوسِ وَوَجَدَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ يَنْتَظِرُونَهُ يَسْأَلُهُمْ مَا تُرِيدُونَ ، فَإِنْ أَخْبَرُوهُ أَجَابَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَاجَةٌ يَسْأَلُهُمْ أَيَّ طَرِيقٍ تُرِيدُونَ فَيُخْبِرُونَهُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي يُرِيدُهَا هُوَ لِكَيْ يَمْشُوا مَعَهُ فَيَقُولُ هُوَ : أَنَا أَمْضِي مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي يُرِيدُونَهَا فَيُبْعِدُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّرِيقَ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَارًّا بِالطَّرِيقِ فَلَقِيَهُ أَحَدٌ فَسَأَلَهُ وَقَفَ مَعَهُ حَتَّى يُجِيبَهُ ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ سَأَلَهُ أَيَّ طَرِيقٍ تُرِيدُ فَيَقُولُ لَهُ الشَّخْصُ هَذِهِ الطَّرِيقَ لِلطَّرِيقِ الَّتِي يَرَى الشَّيْخُ مَارًّا إلَيْهَا فَيَقُولُ هُوَ : وَأَنَا أُرِيدُ هَذِهِ الطَّرِيقَ لِطَرِيقٍ غَيْرِ تِلْكَ وَرُبَّمَا رَجَعَ إلَى الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَى مِنْهَا وَيُبْعِدُ عَلَى نَفْسِهِ خَوْفًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ
أَنْ يُوطَأَ عَقِبَهُ أَوْ يُقَالُ عَنْهُ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ وَالدَّرْسِ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ اللِّبَاسِ ، وَلَا يَقْصِدُ لِذَلِكَ لِبَاسًا مُعَيَّنًا إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَكَانَ يَخْرُجُ فِي زَمَانِ الصَّيْفِ بِقَمِيصٍ خَامٍ غَلِيظٍ يَصِلُ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ أَوْ نَحْوِهِ وَلِبَاسٍ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ طَاقِيَّةٌ طَاقٌ وَاحِدٌ وَمِنْدِيلٌ أَوْ خِرْقَةٌ يَجْعَلُهَا عَلَى أَكْتَافِهِ حِينَ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُزِيلُهَا إذَا فَرَغَ مِنْهَا وَيَجْعَلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ زَادَ عَلَى ذَلِكَ دَلَقًا وَاحِدًا غَلِيظًا وَفُوطَةً تُسَاوِي سَبْعَةَ دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَهَا وَعِمَامَةً خَمْسَ طَيَّاتٍ أَوْ نَحْوَهَا ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْرُجُ يَمْلَأُ الْمَاءَ مِنْ الْبَحْرِ بِيَدِهِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلَى بَيْتِهِ ، فَإِنْ لَقِيَهُ أَحَدٌ وَسَأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَنْهُ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ فَيَبَرُّ قَسَمَهُ ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ عَكْسُ هَذَا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ نَلْبَسُ هَذِهِ الْخِلَعَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا لَعَلَّ أَنْ نُنْسَبَ بِسَبَبِهَا إلَى الْعُلَمَاءِ ، وَلَعَلَّ أَنْ يُسْمَعَ مِنَّا وَيُرْجَعَ إلَيْنَا فِي حُظُوظِ أَنْفُسِنَا ، وَأَمَّا أَخْذُ الْعِلْمِ النَّافِعِ مِنَّا وَالِاقْتِدَاءُ بِنَا فِي الْخَيْرِ فَبَعِيدٌ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك ، وَإِنْ وَطِئَ أَحَدٌ عَقِبَنَا وَمَشَى مَعَنَا نَرَى لَهُ تِلْكَ الْحُرْمَةَ وَنَنْظُرُ لَهُ فِي الْمَصْلَحَةِ بِتَنْزِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ ، كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ حُبُّ الرِّيَاسَةِ مِنَّا وَالْحَظْوَةُ وَإِيثَارُ الظُّهُورِ عَلَى الْخُمُولِ وَمَحَبَّةُ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَالْجَاهِ وَمَا فَعَلْنَاهُ هُوَ الَّذِي يُذْهِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ عَنَّا وَيَأْتِي بِضِدِّهِ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ مَا مِنْ آدَمِيٍّ إلَّا وَبِرَأْسِهِ حَكَمَةٌ مِثْلُ حَكَمَةِ الدَّابَّةِ بِيَدِ مَلَكٍ ، فَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ الْمَلَكُ وَقَالَ لَهُ : ارْتَفِعْ رَفَعَكَ اللَّهُ وَإِنْ ارْتَفَعَ ضَرَبَهُ الْمَلَكُ وَقَالَ لَهُ اتَّضِعْ وَضَعَكَ
اللَّهُ .
أَوْ كَمَا قَالَ مَعَ أَنَّ الْعَالِمَ إنَّمَا يُزَيِّنُهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ بِمَعْرِفَةِ مَذَاهِبِ النَّاسِ وَاخْتِلَافِهِمْ وَالْمُشَارَكَةِ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ وَاللِّبَاسِ الْحَسَنِ عَلَى زِيِّ مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلْمِ بَلْ يُزِيلُ بَهْجَتَهُ وَيَكُونُ سَبَبًا إلَى ضِدِّ مَا يُوَرِّثُهُ الْعِلْمُ مِنْ الْوَقَارِ وَالْهَيْبَةِ وَالسُّكُونِ ، وَلَوْ كَانَتْ الزِّينَةُ تَزِيدُ فِي الْعِلْمِ شَيْئًا لَمْ يَجْرِ عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا جَرَى لِأَجْلِ حُسْنِ وَجْهِهِ الَّذِي هُوَ خِلْقَةٌ خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا لَا مُسْتَعَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَلَدِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمَلُ مِنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَدْ سُجِنَ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ حُسْنِ وَجْهِهِ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ عَلَى بَرَاءَتِهِ بِالشَّاهِدِ الَّذِي أَنْطَقَهُ اللَّهُ بِتَصْدِيقِهِ وَبَيَانِ بَرَاءَتِهِ ، وَبَعْدَ إقْرَارِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ فَحُبِسَ بَعْد ذَلِكَ كُلِّهِ لِحُسْنِ وَجْهِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ فَدَلَّ قَوْله تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ سُجِنَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ لِعِلَّةِ حُسْنِ وَجْهِهِ وَلِيُغَيِّبُوهُ عَنْهَا وَعَنْ غَيْرِهَا فَطَالَ فِي السِّجْنِ حَبْسُهُ حَتَّى إذَا عَبَّرَ الرُّؤْيَا وَقَفَ الْمَلِكُ عَلَى عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَاشْتَاقَ إلَيْهِ وَرَغِبَ فِي صُحْبَتِهِ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْمَلِكِ عِنْدَمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ يُوسُفَ وَمَعْرِفَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُ ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ وَحُسْنَ عِبَارَتِهِ صَيَّرَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَفَوَّضَ إلَيْهِ الْأُمُورَ فَتَبَرَّأَ مِنْهَا وَصَارَ يُعِينُ الْمَلِكَ كَأَنَّهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ ،
فَكَانَ هَذَا الَّذِي بَلَغَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ لَا بِحُسْنِهِ وَلَا بِجَمَالِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنَّك الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَلَمْ يَقُلْ إنِّي حَسَنٌ جَمِيلٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ فَوَاَللَّهِ مَا يُبَالِي الْمَرْءُ عَلَى هَذَا بِحُسْنِ وَجْهِهِ أَوْ قُبْحِهِ ، وَلَا بِحُسْنِ ثَوْبِهِ وَكُمِّهِ كَانَ مَا كَانَ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَشِينُهُ عَدَمُ عِلْمِهِ وَسُوءُ فَهْمِهِ ، وَاَلَّذِي يُزَيِّنُهُ كَثْرَةُ عِلْمِهِ وَجَوْدَةُ فَهْمِهِ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
أَنَّهُ كَانَ لَهُ لِبَاسٌ خَاصٌّ لَا يَلْبَسُ إلَّا إيَّاهُ بَلْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَلْبَسُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّفَ فَكَانَ يَخْرُجُ بِالْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ وَالرِّدَاءِ وَرُبَّمَا خَرَجَ بِالْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ دُونَ الرِّدَاءِ وَرُبَّمَا خَرَجَ بِالْقَلَنْسُوَةِ دُونَ الْعِمَامَةِ وَالرِّدَاءِ وَرُبَّمَا خَرَجَ عُرْيًا مِنْ الْجَمِيعِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْقَلَانِسُ مَا كَانَ لَهَا ارْتِفَاعٌ فِي الرَّأْسِ عَلَى أَيِّ شَكْلٍ كَانَتْ انْتَهَى ، وَقَدْ لَبِسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقَبَاءَ وَالضَّيِّقَ مِنْ الثِّيَابِ وَالْوَاسِعَ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ صِفَةُ هَذِهِ الثِّيَابِ الَّتِي فِي وَقْتِنَا هَذَا ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يُطَالَبُ بِالِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِدَاءِ وَالْفَضَائِلِ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مِنْ النَّقْصِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ تِلْكَ الثِّيَابِ لَا يَتَّصِفُ
بِالتَّوَاضُعِ غَالِبًا ، وَالتَّوَاضُعُ أَصْلٌ فِي الدِّينِ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانَ يَزْعُمُ فِي نَفْسِهِ التَّوَاضُعَ ، فَالتَّوَاضُعُ فِي النَّفْسِ دَعْوَى بِغَيْرِ حَقِيقَةٍ ، وَلَوْ كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ التَّوَاضُعَ لَظَهَرَ فِي اتِّبَاعِهِ لِسَلَفِهِ فِي اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ لُبْسُ ذَلِكَ مِنْهُ حُرْمَةً لِلْعِلْمِ لَيْسَ إلَّا ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ حُرْمَةَ الْعِلْمِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِتِلْكَ الْخِلْعَةِ فَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ وَيَسْتَغْفِرَ وَيَعْتَرِفَ بِخَطَئِهِ ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ ازْدِرَاءٌ بِالْمَاضِينَ إذْ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ أَصْلًا فَيَكُونُ هُوَ أَعْرَفُ مِنْهُمْ بِإِقَامَةِ حُرْمَةِ الْعِلْمِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يُقِيمُونَ حُرْمَتَهُ فَيَكُونُ هُوَ أَعْرَفَ مِنْ سَلَفِهِ وَأَفْضَلَ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِهَذَا اللِّبَاسِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى حِرْمَانِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ فَلَقَدْ رَأَيْت وَبَاشَرْت مَنْ لَهُ أَوْلَادٌ يُرِيدُ أَنْ يُشْغِلَهُمْ بِالْعِلْمِ فَيُمْتَنَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَجْلِ قِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُحَصِّلَ لِأَحَدِهِمْ تِلْكَ الثِّيَابَ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ يُحْضِرَهُ مَجْلِسَ الْعِلْمِ بِغَيْرِهَا فَتَرَكُوا تَعَلُّمَ الْعِلْمِ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ لَإِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ إذْ أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ يُخَالَفُ إبْلِيسُ وَبِتَرْكِهِ يُطَاعُ ، فَأَيُّ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ فَتَنَبَّهْ لَهَا ، وَسَبَبُ هَذَا كُلِّهِ الْوُقُوعُ فِيمَا وَقَعْنَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ إذْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَنَا عِلْمٌ وَفَهْمٌ لَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَضَائِلَ وَالْخَيْرَاتِ لِمَنْ تَقَدَّمَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِاتِّبَاعِهِمْ فَإِذَا خَالَفْنَاهُمْ فَمَا يَحْصُلُ لَنَا إلَّا النَّقْصُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ الْعِلْمُ أَوَّلًا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى جُلُودِ الضَّأْنِ وَبَقِيَتْ مَفَاتِحُهُ فِي صُدُورِ
الرِّجَالِ وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : وَقَدْ قَلَّتْ الْمَفَاتِيحُ وَإِنْ وُجِدَ مِفْتَاحٌ فَقَلَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِيمًا انْتَهَى .
وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ عُدِمَتْ الْمَفَاتِيحُ فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ صَارَتْ الْعُلُومُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِحُسْنِ الثِّيَابِ وَطُولِهَا وَوُسْعِهَا .
وَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَى هَذَا اللِّبَاسِ مَا أَشْنَعَهَا ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ مُصَانًا مُرَفَّعًا مُعَظَّمًا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ إلَّا أَهْلُهُ الْمُتَّصِفُونَ بِهِ فَلَمَّا أَنْ لَبِسُوا لَهُ خِلْعَةً يَخْتَصُّ بِهَا بَقِيَ يَدَّعِيهِ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بَلْ مَغْمُوسٌ فِي الْجَهْلِ وَاخْتَلَطَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَالِمُ مَعَ الْعَامِّيِّ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا حَتَّى لَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ عُدُولِ هَذَا الْوَقْتِ الْمَشْهُورِينَ تَيَمَّمَ عَنْ جُرْحٍ أَصَابَ يَدَهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى مَذْهَبِ إمَامِهِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَمَسَحَ أُصْبُعَ الْجَرِيحِ فِي حَائِطٍ وَقَالَ هَذَا التَّيَمُّمُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ مَا قَالَ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ : وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْجَرِيحِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّيَمُّمِ عَنْهُ فَلَوْ بَقِيَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ فِي هَدْيِ الْعَالِمِ وَسَمْتِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَتَقَشُّفِهِ وَخَوْفِهِ وَقَلَقِهِ وَهَرَبِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَأَبْنَائِهَا وَحُسْنِ مَنْطِقِهِ وَعُذُوبَةِ عِبَارَتِهِ وَوُقُوفِهِ عَلَى بَابِ رَبِّهِ وَدَعْوَى النَّاسِ إلَى ذَلِكَ وَتَوَاضُعِهِ وَإِشْفَاقِهِ عَالِمًا بِأَهْلِ زَمَانِهِ مُتَحَفِّظًا مِنْ سُلْطَانِهِ سَاعِيًا فِي خَلَاصِ نَفْسِهِ وَنَجَاةِ مُهْجَتِهِ مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عَرَضِ دُنْيَاهُ مُجَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ وَيَكُونُ أَهَمُّ أُمُورِهِ عِنْدَهُ الْوَرَعَ فِي دِينِهِ وَاسْتِعْمَالَ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَمُرَاقَبَتَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عِنْدَهُ ، فَلَوْ بَقِيَ الْعُلَمَاءُ عَلَى بَعْضِ هَذَا لَحُفِظَ بِهِمْ الْعِلْمُ وَتَمَيَّزَ أَهْلُهُ
مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَكِنْ خَلَطُوا فَتَخَلَّطَ الْأَمْرُ وَانْدَرَسَ وَصَارَ لَا يُعْرَفُ الْعَالِمُ مِنْ الْعَامِّيِّ لِتَقَارُبِ النِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ وَالْحَالِ ، فَتَجِدُ لِبَاسَ بَعْضِ الْعَوَامّ كَلِبَاسِ الْعَالَمِ لِيُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي مَنْصِبٍ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يَعْرِفُهُ .
وَتَجِدُ تَصَرُّفَ الْعَالِمِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَتَصَرُّفِ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِنْ الْجَائِزِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَمْنُوعِ إنَّمَا هُوَ فِي الدُّرُوسِ جَارٍ عَلَى اللِّسَانِ لَيْسَ إلَّا ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّصَرُّفِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ فَقَلَّ أَنْ تَجِدَ إذْ ذَاكَ أَحَدًا مِنْهُمْ فِي الْغَالِبِ يَقُومُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ بِلِسَانِهِ فِي دَرْسِهِ ، فَالْعَارِفُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الْيَوْمَ بِمَسَائِلِ الْفِقْهِ الْمَاهِرُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ بِاللِّسَانِ دُونَ التَّصَرُّفِ أَعْنِي فِي الْغَالِبِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقْعُدُ يَبْحَثُ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ وَيُحَرِّرُ فِيهَا النَّقْلَ عَنْ الْعُلَمَاءِ بِالْمَنْعِ أَوْ الْكَرَاهَةِ وَيَنْفُضُ تِلْكَ الْأَكْمَامَ إذْ ذَاكَ وَيَضْرِبُ عَلَى الْحَصِيرِ وَيُقِيمُ الْغَبَرَةَ الَّتِي تَحْتَهُ ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ فَيُرْسِلُ إلَى السُّوقِ مَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ الْعَبْدَ الصَّغِيرَ وَالصَّبِيَّ الصَّغِيرَ وَالْمَرْأَةَ وَمَنْ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا وَلَا قَرَأَ ، وَفِي السُّوقِ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَوَامّ الْجَهَلَةِ بِمَا يَلْزَمُهُمْ فِي سِلَعِهِمْ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَمِنْ أَيْنَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الْمَفَاسِدُ وَمِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الرِّبَا فَيَقَعُ الْبَيْعُ مِنْ جَاهِلٍ وَالشِّرَاءُ مِنْ مِثْلِهِ .
هَذَا هُوَ حَالُ بَعْضِهِمْ وَإِلَّا فَالْغَالِبُ مِنْهُمْ يُبَاشِرُونَ شِرَاءَ حَوَائِجِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يَعْرُجُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كَوْنِهِ لَا يُجِيزُ الْبَيْعَ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ بَيْنَهُمْ فِي الْغَالِبِ بَلْ مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَعْدُومٌ بَيْنَهُمْ ، وَهُوَ قَرِيبٌ ؛ لِأَنَّهُ يُجِيزُ إذَا عُدِمَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَا شَارَكَهُمَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَى الْبَاطِنِيِّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ فَتَكْفِي الْمُعَاطَاةُ ، وَهُوَ أَنْ
تُعْطِيَهُ وَيُعْطِيَكَ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مَذْكُورٍ فِي كُتُبِهِمْ .
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الِاسْتِئْمَانِ وَالِاسْتِرْسَالِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ لَهُ بِعْنِي كَيْفَ بِعْت فَهَذَانِ وَجْهَانِ سَهْلَانِ قَرِيبَانِ وَمَعَ هَذَا التَّسَاهُلِ وَالتَّرْخِيصِ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ عَلَى مَا يُشَاهَدُ مِنْ بَعْضِهِمْ مُبَاشَرَةً مِنْ شِرَاءِ حَوَائِجِهِمْ عَلَى يَدِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَمَنْ لَا يَعْلَمُ ، وَفِي السُّوقِ أَيْضًا مِثْلُهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَدْ يَخْرِقُونَ الْإِجْمَاعَ بِسَبَبِ التَّعَاطِي فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ إنْ كَانُوا اكْتَسَبُوهُ أَوَّلًا مِنْ وَجْهِ حِلٍّ فَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْحَرَامِ الْبَيِّنِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْكَسْبُ أَيْضًا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَقُبْحٌ عَلَى قُبْحٍ وَسَبَبُ هَذَا كُلِّهِ حُبُّ الرِّيَاسَةِ وَالْحَيَاءُ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَرَوْهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَحْمِلُ الْحَاجَةَ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وَضْعًا مِنْ حَقِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِهِ .
وَأَمَّا دُخُولُ الْأَسْوَاقِ وَشِرَاءُ الْحَاجَةِ بِالْيَدِ وَمُبَاشَرَتُهَا فَهِيَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا فَبَقِيَتْ عِنْدَهُمْ الْيَوْمَ كَأَنَّهَا عَيْبٌ كَمَا صَارَ الثَّوْبُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَهُمْ عَيْبًا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ثِيَابِهِمْ وَخِلَعِهِمْ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ الْبَلَاءِ بِمَنِّهِ فَهَذِهِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ فِيهَا وُجُوهٌ مِنْ الْحِكْمَةِ عَدِيدَةٌ ، مِنْهَا التَّوَاضُعُ ، وَمِنْهَا امْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِيَدِهِ ، وَمِنْهَا لِقَاءُ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمُبَاشَرَتُهُمْ وَاغْتِنَامُ بَرَكَةُ بَعْضِهِمْ وَإِرْشَادُ الْبَاقِينَ ، وَمِنْهَا النَّظَرُ فِي تَصْفِيَةِ الْغِذَاءِ وَتَخْلِيصِهِ مِنْ الرِّبَا وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَمَا لَا يَنْبَغِي ، وَمِنْهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَوْضِعِ الْغَفْلَةِ سِيَّمَا فِي وَقْتِنَا هَذَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي نِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى السُّوقِ وَعَدَدِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ بِالدُّرَّةِ مَنْ يَقْعُدُ فِي السُّوقِ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ وَيَقُولُ : لَا يَقْعُدُ فِي سُوقِنَا مَنْ لَا يَعْرِفُ الرِّبَا أَوْ كَمَا كَانَ يَقُولُ .
وَقَدْ أَمَرَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإِقَامَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ مِنْ السُّوقَةِ لِئَلَّا يُطْعِمَ النَّاسَ الرِّبَا .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْكُرُ أَنَّهُ أَدْرَكَ بِالْمَغْرِبِ الْمُحْتَسِبَ يَمْشِي عَلَى الْأَسْوَاقِ وَيَقِفُ عَلَى كُلِّ دُكَّانٍ فَيَسْأَلُ صَاحِبَ الدُّكَّانِ عَنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَلْزَمُهُ فِي سِلَعِهِ وَمِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الرِّبَا فِيهَا وَكَيْفَ يَتَحَرَّزُ عَنْهَا ، فَإِنْ أَجَابَهُ أَبْقَاهُ فِي الدُّكَّانِ وَإِنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَقَامَهُ مِنْ الدُّكَّانِ ، وَيَقُولُ : لَا نُمَكِّنُك أَنَّك تَقْعُدُ بِسُوقِ الْمُسْلِمِينَ تُطْعِمُ النَّاسَ الرِّبَا أَوْ مَا لَا يَجُوزُ انْتَهَى .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُسْتَظَلَّ بِجِدَارِ صَيْرَفِيٍّ مَعَ أَنَّ الْأَحْكَامَ كَانَتْ إذْ ذَاكَ ظَاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَحْكَامِ فَعَلَى هَذَا الْفَتْوَى الْيَوْمَ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ غَالِبًا لِلْجَهْلِ بِالْأَحْكَامِ ، وَتَصَرُّفُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِمَا لَا يَنْبَغِي فِي جُلِّ الْبِيَاعَاتِ فَالْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ الْيَوْمَ حُكْمُ الصَّيْرَفِيِّ إذْ ذَاكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا كَيْفَ كَانَ الْعَوَامُّ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْقَرِيبِ مِنَّا وَكَيْفَ حَالُ الْعُلَمَاءِ الْيَوْمَ وَمَا بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ أَمْرٌ طَائِلٌ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
سُنَّةٌ فِيهَا وُجُوهٌ مِنْ الْحِكَمِ عَدِيدَةٌ صَارَ الْعَالِمُ مِنَّا يَسْتَحِي مِنْ فِعْلِهَا وَيَحْتَشِمُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا ، كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْعَوَائِدِ فِي التَّصَرُّفِ وَالْمَلْبَسِ وَتَرْكِ النَّظَرِ إلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَإِلَى فِعْلِ الْمَاضِينَ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ .
( فَصْلٌ ) فِي الْقِيَامِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ وَفِيمَنْ جَالَسَهُ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَكَثُرَ وُقُوعُهَا عِنْدَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَّا مِمَّنْ يَعْرِفُ الْعِلْمَ وَمِمَّنْ لَا يَعْرِفُهُ أَعْنِي فِي الْأَكْثَرِ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ، وَهُوَ هَذَا الْقِيَامُ الَّذِي اعْتَادَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَحَافِلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ سِيَّمَا إنْ كُنَّا فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ فَهُوَ أَشَدُّ فِي الْكَرَاهَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ يَذْكُرُ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا دَخَلَ أَحَدٌ عَلَيْنَا إذْ ذَاكَ قَطَعْنَا مَا كُنَّا فِيهِ وَقُمْنَا إلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْنَا ، فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ صَبِيًّا صَغِيرًا أَوْ شَابًّا أَوْ مَنْ لَا بَالَ لَهُ فِي دِينِهِ فَيَكُونُ أَعْظَمَ فِي قِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ الْعَالِمِ الَّذِي حَكَيْنَا إذْ ذَاكَ قَوْلَهُ أَوْ مَذْهَبَهُ ، فَإِنْ كَانَ مَجْلِسُنَا إذْ ذَاكَ لِلْحَدِيثِ فَهُوَ أَعْظَمُ ؛ لِأَنَّهُ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِلَّةُ احْتِرَامٍ وَعَدَمُ مُبَالَاةٍ أَنْ يُقْطَعَ حَدِيثُهُ لِأَجْلِ غَيْرِهِ فَكَيْفَ لِبِدْعَةٍ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُوَقِّرُونَ مَجْلِسَ الْحَدِيثِ حَتَّى فِي رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَرْفَعُوهَا إذْ ذَاكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَةَ قَالَ مَالِكٌ وَلَا فَرْق بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ عَلَى حَدِيثِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ بَلْ كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ حَدِيثَهُ ، وَلَا يَتَحَرَّكُونَ وَإِنْ أَصَابَهُمْ الضُّرُّ فِي أَبْدَانِهِمْ وَيَتَحَمَّلُونَ الْمَشَقَّةَ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ إذْ ذَاكَ احْتِرَامًا لِحَدِيثِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ صِفَةِ تَوْقِيرِهِمْ لِلْحَدِيثِ كَيْفَ كَانَ وَمَا جَرَى لِمَالِكٍ
رَحِمَهُ اللَّهُ فِي لَسْعِ الْعَقْرَبِ لَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَهُوَ لَمْ يَتَحَرَّكَ ، وَتَحَمُّلُهُ لِلَسْعِهَا تَوْقِيرًا لِجَانِبِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لِضُرٍّ أَصَابَ بَدَنَهُ مَعَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِيمَا وَقَعَ بِهِ فَكَيْفَ بِالْحَرَكَةِ وَالْقِيَامِ إذْ ذَاكَ لَا لِضَرُورَةٍ بَلْ لِبِدْعَةٍ ، سِيَّمَا إنْ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْكَلَامِ الْمُعْتَادِ فِي سَلَامِ بَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ مِنْ التَّمَلُّقِ وَالتَّزْكِيَةِ وَالْأَيْمَانِ بِوُجُودِ الْمَحَبَّةِ وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ وَإِحْنَاءِ الرَّأْسِ وَرُكُوعِهِ بَلْ يَقْرُبُ بَعْضُهُمْ مِنْ السُّجُودِ بَلْ يَفْعَلُونَهُ لِبَعْضِ كُبَرَائِهِمْ وَمَشَايِخِهِمْ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ وَصَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ لَا زَادَ رَزِينٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ سَفَرٍ انْتَهَى .
وَهَذَا فِيهِ وُجُوهٌ مِنْ الْمَحْذُورَاتِ مِنْهَا ارْتِكَابُ النَّهْيِ فِي التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ نَهَانَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ ، وَقِيَامُ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ مِنْ فِعْلِهِمْ .
وَمِنْهَا أَنَّ فِيهِ إذْلَالًا لِلْقَائِمِ وَإِذْلَالًا لَلْمَقُومِ إلَيْهِ .
أَمَّا إذْلَالُ الْقَائِمِ فَبِقِيَامِهِ حَصَلَتْ لَهُ الذِّلَّةُ .
وَأَمَّا الْمَقُومُ إلَيْهِ فَلِأَنَّهُ يَنْحَطُّ إذْ ذَاكَ وَيُقَبِّلُ يَدَهُ أَوْ يُشِيرُ إلَى الْأَرْضِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاشِرُ بَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ وَذَلِكَ إذْلَالٌ مَحْضٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ ، وَلَا يَشُكُّ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنَ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ وَمِنْهَا الْحَلِفُ بِاَللَّهِ إذْ ذَاكَ ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُوَقِّرُونَ الْحَلِفَ كَثِيرًا وَتَكْثِيرُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِنْ
الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُمْ ، وَالْيَمِينُ هُنَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُوَقِّرُ أَنْ يَذْكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا عَلَى سَبِيلِ الذِّكْرِ حَتَّى إذَا اُضْطُرُّوا فِي الدُّعَاءِ إلَى مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِمْ بِالْمُكَافَأَةِ لَهُ يَقُولُونَ جُزِيت خَيْرًا خَوْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ بِغَيْرِ صِفَةِ الذِّكْرِ .
وَمِنْهَا مَا يَحْصُلُ مِنْ حِرْمَانِ بَرَكَةِ السُّنَّةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ بِالسَّلَامِ الْمَشْرُوعِ أَوْ الْمُصَافَحَةِ الْمَشْرُوعَةِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا .
وَمِنْهُ أَيْضًا عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَاهُ غُفِرَ لَهُمَا وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَافَحَ عَالِمًا صَادِقًا فَكَأَنَّمَا صَافَحَ نَبِيًّا مُرْسَلًا انْتَهَى .
وَقَدْ وَرَدَ فِي السَّلَامِ مِنْ الْفَضْلِ وَالتَّرْغِيبِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ كَفَى بِهِ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَنْطِقُونَ بِهِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِثَالِ وَالتَّشْرِيعِ فَيَكُونُ بِسَبَبِهِ مِنْ الذَّاكِرِينَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إخْبَارًا عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : مَنْ ذَكَرَنِي ذَكَرْتُهُ وَأَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي .
فَيَحْصُلُ لَهُمْ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ وَالنِّعْمَةُ الشَّامِلَةُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ السَّلَامَ الْمَشْرُوعَ إذْ ذَاكَ بَيْنَنَا مَتْرُوكٌ ، وَكَذَلِكَ الْمُصَافَحَةُ ، فَإِنْ وَقَعَ مِنَّا السَّلَامُ كَانَ قَوْلُنَا صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ مَسَّاكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ يَوْمٌ مُبَارَكٌ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ وَإِنْ كَانَ دُعَاءً وَالدُّعَاءُ كُلُّهُ حَسَنٌ لَكِنْ إذَا لَمْ يُصَادِمْ سُنَّةً كَانَ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا بِحَسَبِ الْوَاقِعِ وَالنِّيَّةِ ، وَأَمَّا إنْ صَادَمَ سُنَّةً فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي مَنْعِهِ ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْبِدَعِ هَلْ تُمْنَعُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ لَا تُمْنَعُ إلَّا إذَا عَارَضَتْ السُّنَنَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَهَذَا مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي عَارَضَ سُنَّةً ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السَّلَامَ الشَّرْعِيَّ بِسَبَبِهِ وَأَحَلَّ الْقِيَامَ وَالدُّعَاءَ مَحَلَّهُ ، وَلَا قَائِلٌ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ قَالَ الْعَالِمُ مَثَلًا أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ السَّلَامِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْعَوَامَّ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي الْبِدَعِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ السُّنَّةَ فَيَظُنُّونَ أَنَّ تِلْكَ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا .
وَإِنْ وَقَعَتْ الْمُصَافَحَةُ بَيْنَنَا إذْ ذَاكَ كَانَ عِوَضًا عَنْهَا تَقْبِيلُ الْيَدِ ، وَقَدْ وَقَعَ إنْكَارُ الْعُلَمَاءِ لِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَبَّلُ يَدُهُ عَالِمًا أَوْ صَالِحًا أَوْ هُمَا مَعًا فَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ .
وَأَمَّا تَقْبِيلُ يَدِ غَيْرِ هَذَيْنِ فَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ يَقُولُ بِجَوَازِهِ لَا سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَبَّلُ يَدُهُ ظَالِمًا أَوْ بِدْعِيًّا أَوْ مِمَّنْ يُرِيدُ تَقْبِيلَ يَدَهُ وَيَخْتَارُهُ فَهُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ الْوَاقِعُ بِالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ وَبِمَنْ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُمَا لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَعِيدِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ وَتَرْكِ الِامْتِثَالِ .
كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ تَرْكُ السُّنَّةِ أَوْ التَّهَاوُنُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُتْرَكُ أَبَدًا إلَّا وَيَنْزِلُ بِمَوْضِعِهَا عُقُوبَةٌ لِتَارِكِهَا بِدْعَةٌ أَوْ بِدَعٌ .
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا مِنْ سَيِّئَةٍ إلَّا وَلَهَا أُخَيَّاتٌ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ فَنَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ : إنَّ كُلَّ شَيْءٍ إذَا تَمَّ نَقَصَ ، وَإِنْ هَذَا الْقَمَرَ قَدْ تَمَّ فَهُوَ يَنْقُصُ بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ، وَإِنِّي لَا أَرَى الْإِسْلَامَ إلَّا وَقَدْ تَمَّ ، وَإِنِّي لَا أَرَاهُ إلَّا وَسَيَنْقُصُ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَانَ الْأَمْرُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا قَالَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا زَالَ يَنْقُصُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَهُوَ بَعْدُ فِي نَقْصٍ كَمَا سَبَقَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ بِرَحْمَتِهِ انْتَهَى .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ عَامٍ إلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( مَا مِنْ سَنَةٍ إلَّا وَتُحْيُونَ
فِيهَا بِدْعَةً وَتُمِيتُونَ فِيهَا سُنَّةً وَلَنْ تُمِيتُوا سُنَّةً فَتَرْجِعُ إلَيْكُمْ أَبَدًا ) وَهَا هُوَ ذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوا السَّلَامَ وَهُوَ السُّنَّةُ وَاسْتَعْمَلُوا الْقِيَامَ وَالدُّعَاءَ صَارَ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ مُنْكَرٌ لَا يُعْرَفُ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ السَّلَامَ الشَّرْعِيَّ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ وَقَالُوا عَنْهُ لَا يُنْصِفُ فِي السَّلَامِ مَا يُسَاوِي أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْئًا لَا يَعْبَأُ بِأَحَدٍ لَا يَلْتَفِتُ إلَى أَحَدٍ مُتَكَبِّرٌ لَا يُعَاشَرُ مُتَجَبِّرٌ لَا يُخَالَطُ ، وَإِنْ حَسَّنُوا الظَّنَّ بِهِ قَالُوا : مَرْبُوطٌ يَابِسٌ مُشَدِّدٌ ثَقِيلٌ ، وَلَرُبَّمَا وَجَدُوا عَلَيْهِ فِي قُلُوبِهِمْ وَلَمْ يُقَرِّبُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَا مِنْ مَجَالِسِهِمْ حَنَقًا عَلَيْهِ فِيمَا عَامَلَهُمْ بِهِ فَصَارَ مَا مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً مَنْ عَامَلَهُمْ بِذَلِكَ وَجَدُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ وَالْجَهْلِ بِهَا وَالْحِرْمَانِ مِنْ بَرَكَتِهَا وَبَرَكَةِ مَعْرِفَتِهَا وَبَرَكَةِ مَعْرِفَةِ أَهْلِهَا .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ أَتَى بِالْمُصَافَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَرَكَ تَقْبِيلَ الْيَدِ لَوَجَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا وَجَدُوا عَلَى مَنْ قَبْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى وَمَا نَحَوْنَا نَحْوَهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِحُذَيْفَةَ : كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْتَ بِدْعَةً قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ يَتَحَرَّزُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ كُلِّهِ وَيَتَفَطَّنُ لَهُ وَيَرْعَاهُ إذْ هُوَ رَاعٍ لِمَنْ حَضَرَهُ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَحَصَلَ فِي هَذَا الْقِيَامِ وَمَا جَرَّ إلَيْهِ مِنْ الْخِصَالِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا مَا هَذَا عَدَدُهُ ، وَهِيَ مَحَبَّةُ الْقِيَامِ وَفِعْلِهِ وَالِانْحِنَاءِ وَالرُّكُوعِ وَالْكَذِبِ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ التَّزْكِيَةِ وَالتَّمَلُّقِ
وَتَكْرَارِ ذَلِكَ وَالْيَمِينِ عَلَيْهِ وَتَكْرَارِهَا وَالْمُدَاهَنَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ وَالتَّكَبُّرِ بِذَلِكَ وَالِاحْتِقَارِ لِمَنْ لَا يُقَامُ لَهُ وَالرِّيَاءِ بِالْقِيَامِ وَمَا جَرَّ إلَيْهِ ، وَذَلِكَ اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ .
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَغْتَرَّ أَوْ يَمِيلَ إلَى بِدْعَةٍ لِدَلِيلٍ قَامَ عِنْدَهُ عَلَى إبَاحَتِهَا مِنْ أَجْلِ اسْتِئْنَاسِ النُّفُوسِ بِالْعَوَائِدِ أَوْ بِفَتْوَى مُفْتٍ قَدْ وَهِمَ أَوْ نَسِيَ أَوْ جَرَى عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْذَارِ مَا يَجْرِي عَلَى الْبَشَرِ وَهُوَ كَثِيرٌ ، بَلْ إذَا نَقَلَ إبَاحَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَأْخَذِ الْعَالِمِ الْمَسْأَلَةَ وَتَجْوِيزِهِ إيَّاهَا مِنْ أَيْنَ اخْتَرَعَهَا وَكَيْفِيَّةِ إجَازَتِهِ لَهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا الدِّينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَحْفُوظٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ فِيهِ قَوْلًا وَيَتْرُكُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ فَيُرْجَعُ لِلْقَوَاعِدِ وَلِلدَّلَائِلِ الْقَائِمَةِ ، وَيَكُونُ قَوْلُ هَذَا الْعَالِمِ بَيَانًا وَتَفْهِيمًا وَبَسْطًا لِلْقَوَاعِدِ وَالدَّلَائِلِ ، وَإِنْ أَتَى عَلَى مَا يَقُولُهُ بِدَلِيلِ فَيُنْظَرُ فِي الدَّلِيلِ ، فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا قُبِلَ وَكَانَ لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ وَأَجْرُ الْإِصَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَمْ يُقْبَلْ وَكَانَ لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ هُوَ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى نِيَّتِهِ وَجَدِّهِ وَنَظَرِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَأْتِي بِمَسْأَلَةٍ إلَّا وَيَأْتِي بِمَأْخَذِهَا وَدَلِيلِهَا فَيُسْنِدُهَا إلَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَوْ إلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إلَى إجْمَاعٍ أَوْ إلَى أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَوْ فَتَاوِيهِمْ أَوْ أَحْكَامِهِمْ فَيَقُولُ : وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَبِذَلِكَ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَبِذَلِكَ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَبِذَلِكَ كَانَ رَبِيعَةُ يُفْتِي وَكَانَ ابْنُ هُرْمُزَ يَفْعَلُ كَذَا وَيَقُولُ كَذَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ فِي إسْنَادِهِ كُلَّ مَسْأَلَةٍ يَرُدُّهَا إلَى أَصْلِهَا
وَيَعْزُوهَا إلَى نَاقِلِهَا وَالْمُفْتِي فِيهَا أَوْ الْمُنْفَرِدِ فِيهَا أَوْ إجْمَاعِ النَّاسِ فِيهَا هَذَا مَعَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُجْمَعِ عَلَى تَقْلِيدِهِمْ قَدْ اسْتَفَاضَ عَنْهُمْ وَشَاعَ وَذَاعَ شَهَادَتَهُمْ لَهُ بِالتَّقَدُّمَةِ وَقَدْ سُمِّيَ إمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا أَتَوْا بِالْمَسْأَلَةِ ذَكَرُوا مَأْخَذَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُهَا بَيِّنًا جِدًّا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى ذِكْرِهِ لِكَثْرَةِ وُضُوحِهِ لِلْغَالِبِ مِنْ النَّاسِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا دَأْبُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُجْمَعِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِهِمْ فَكَيْفَ الْمُتَأَخِّرُ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَلْنَرْجِعْ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ أَمْرِ الْقِيَامِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْجَائِزِ أَوْ الْمَنْدُوبِ وَأَلَّفَ عَلَيْهِ تَأْلِيفًا فِي إبَاحَتِهِ وَنَدْبِهِ وَحَاوَلَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْقِسْمِ الْمَكْرُوهِ ، وَجَعَلَ التَّأْلِيفَ الَّذِي أَلَّفَهُ عَلَى بَابَيْنِ : الْبَابُ الْأَوَّلُ : فِيمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي التَّرْغِيبِ لِذَلِكَ وَالنَّدْبِ إلَيْهِ .
وَالْبَابُ الثَّانِي : فِيمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَالِاسْتِعْذَارِ عَنْهُ فَمَنْ يَنْظُرُ هَذَا الْكِتَابَ أَوْ يَقِفُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَعْرِفُ بِهِ مَأْخَذًا لِمَسَائِلَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ مِنْ الْقِسْمِ الْجَائِزِ أَوْ الْمَنْدُوبِ ، فَنَحْتَاجُ إذَنْ أَنْ نَنْظُرَ إلَى مَأْخَذِ دَلِيلِهِ وَاسْتِبَاحَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَشَهِدَتْ لَهُ الْأُصُولُ قَبِلْنَا وَسَلَّمْنَا وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ نَحْتَاجُ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ وَمَا الْجَائِزُ مِنْهُ وَمَا الْمَنْدُوبُ وَمَا الْمَكْرُوهُ مِنْهُ وَمَا الْمَمْنُوعُ .
وَقَدْ نَقَلَ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ آيَةً وَأَحَادِيثَ جُمْلَةً عَلَى جَوَازِ الْقِيَامِ أَوْ النَّدْبِ
إلَيْهِ .
فَعَلَى هَذَا نَحْتَاجُ أَنْ نَأْتِيَ بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَاحِدًا وَاحِدًا وَنُبَيِّنَ مَعْنَى كُلِّ دَلِيلٍ وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ لِلْمَنْعِ لَا لِلْجَوَازِ بَعْدَ بَيَانِ مَأْخَذِ دَلِيلِهِ وَإِيضَاحِهِ فَمِنْ أَيِّ قِسْمٍ ظَهَرَ لَك الصَّوَابُ فَاسْلُكْهُ وَاَللَّهُ يُرْشِدُنَا وَإِيَّاكَ لِطَرِيقِ السَّدَادِ وَيُجَنِّبُنَا وَإِيَّاكَ طَرِيقَ الْجَحْدِ وَالْعِنَادِ وَأَنْ يَرْزُقَنَا وَإِيَّاكَ الْإِنْصَافَ وَالِاتِّصَافَ بِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ .
فَبَدَأَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ فَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ : وَمِنْ الْخَفْضِ لَهُمْ وَالْإِكْرَامِ أَنْ يُحْتَرَمُوا بِالْقِيَامِ لَا عَلَى طَرِيقِ الرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ بَلْ عَلَى طَرِيقِ التَّكَرُّمِ وَالِاحْتِرَامِ وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ مَنْ لَا يُحْصَى مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْوَرَعِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَمَاثِلِ وَالْأَعْلَامِ ، فَاَلَّذِي يَخْتَارُ الْقِيَامَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْمَزِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَطَلَبَتِهِ وَالْوَالِدَيْنِ وَالصَّالِحِينَ وَسَائِرِ أَخْيَارِ الْبَرِيَّةِ ، فَقَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ جُمَلٌ مِنْ الْأَخْبَارِ وَأَنَا أَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ الْكَرِيمُ جُمَلًا مِمَّا بَلَغَنِي فِيمَا ذَكَرْته لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهَا مِمَّا حَذَفْتُهُ وَذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَأَقَاوِيلِ السَّلَفِ النَّيِّرَةِ الْحُكْمِيَّةِ : أَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُومُوا إلَى خَيْرِكُمْ أَوْ إلَى سَيِّدِكُمْ .
وَقَدْ احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَمِمَّنْ احْتَجَّ بِهِ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فَتَرْجَمَ لَهُ بَابَ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ ، وَكَذَلِكَ
تَرْجَمَ لَهُ غَيْرَهُ .
وَمِمَّنْ احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ صَاحِبُ الصَّحِيحِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : لَا أَعْلَمُ فِي قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ حَدِيثًا أَصَحَّ مِنْ هَذَا قَالَ : وَهَذَا الْقِيَامُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى هَذِهِ السُّنَّةِ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَلَى الْقِيَامِ ، وَالْمُخَاطَبُ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ مُنْدَرِجُونَ بَعْدَهُ فِي الْخِطَابِ وَاَللَّهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ فَهَلْ يُنْقَلُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ قَامَ لِأَحَدٍ أَوْ أَمَرَ بِالْقِيَامِ لِأَحَدٍ مَعَ أَنَّهُ نَدَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فَهَلْ بَعْدَ نَدْبِهِ لِذَلِكَ كَانَ يَقُومُ لِتَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ بَلْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَنَدْبِهِ إلَى تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ كَانَ خَفْضُ جَنَاحِهِ لَهُمْ بِالتَّوَاضُعِ وَالتَّنَازُلِ عَنْ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا الَّتِي وَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَهُ بِهَا إلَى مُخَاطَبَتِهِ الضَّعِيفَ الْفَقِيرَ فِي دُنْيَاهُ أَوْ الْفَقِيرَ فِي إيمَانِهِ فَيُبَاسِطُهُمْ وَيُؤَانِسُهُمْ بِحَدِيثِهِ وَمُبَاشَرَتِهِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَتَعْلِيمِهِ وَتَهْذِيبِهِ وَتَقْوِيَتِهِ يَقِينَ هَذَا وَإِيمَانَ هَذَا وَتَدْرِيبِهِمْ إلَى الثِّقَةِ بِوَعْدِ اللَّهِ وَمَضْمُونِهِ وَمَا وَهَبَ لِأَوْلِيَائِهِ وَمَا تَوَعَّدَ بِهِ أَعْدَاءَهُ .
هَذَا وَمَا شَابَهَهُ هُوَ الَّذِي نُقِلَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ خَفْضِ جَنَاحِهِ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَيْهِ لَا الْقِيَامُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُبَيِّنُ لِلْأَحْكَامِ وَعَنْهُ تُتَلَقَّى ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَيْهِ وَقْتَ
الْبَيَانِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ .
وَكَذَلِكَ نَدْبُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ إنَّمَا هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الَّذِي ذَكَرَ فَيَلْطُفُ بِالْكَبِيرِ فِي دُنْيَاهُ فِي تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مَعَ إظْهَارِ الْبَشَاشَةِ إلَيْهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَالْمَوَدَّةِ وَالْأُنْسِ وَالْبَسْطِ بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ وَالدُّنُوِّ مِنْ الْمَنْزِلَةِ الْمُقَرِّبَةِ لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَهُ وَالْمُبَاسِطِ لَهُ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنْ كَانَ كَبِيرًا فِي دِينِهِ بِسَبَبِ صَلَاحٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ هُمَا مَعًا فَيَلْطُفُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ أَعْنِي فِي الْأُنْسِ وَالدُّنُوِّ وَالْبَسْطِ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَنْزِلَةَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ مَنْزِلَةِ الدُّنْيَا فَيَعْظُمُ فِي إكْرَامِهِ عَلَى مَا وَرَدَ لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُبَيِّنُ لِلْأَحْكَامِ فَأَفْعَالُهُ مُفَسِّرَةٌ وَمُبَيِّنَةٌ لِأَقْوَالِهِ وَأَحَادِيثِهِ وَلِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَيَمْتَثِلُ قَوْلُهُ وَأَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَا امْتَثَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ وَمَعَ أَصْحَابِهِ وَعَلَى مَا امْتَثَلَهُ أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ مَنْ لَا يُحْصَى مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ - الْفَصْلَ إلَى آخِرِهِ - فَلَوْ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا وَسَكَتَ لَكَانَ يَخْطُرُ لِلسَّامِعِ الَّذِي لَمْ يُحَصِّلُ بَعْدُ شَيْئًا أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ السُّنَّةُ ، وَلَكِنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ أَتَى بِذِكْرِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَذِكْرِ مَذَاهِبِهِمْ وَاسْتِنَادِهِمْ إلَى مَا ذَكَرَ وَعَيَّنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَبَسَطَ وَظَهَّرَ الْأَمْرَ لِلْعَالِمِ وَغَيْرِهِ .
ثُمَّ ذَكَرَ أَوَّلًا الْحَدِيثَ الْمُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قُومُوا إلَى خَيْرِكُمْ أَوْ إلَى سَيِّدِكُمْ فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَازَعُ فِي صِحَّتِهِ ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي الْقِيَامِ كَمَا ذَكَرَ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ لِلْأَنْصَارِ ، وَالْأَصْلُ فِي أَفْعَالِ الْقُرْبِ الْعُمُومُ ، وَلَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ قُرْبَةٌ تَخُصُّ بَعْضَ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَرِينَةً تَخُصُّ بَعْضَهُمْ فَتَعُمُّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ .
فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ بِالْقِيَامِ مِنْ طَرِيقِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا نَدَبَ إلَيْهِ ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ خُصُوصًا بِخَفْضِ الْجَنَاحِ وَأُمَّتُهُ عُمُومًا فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَلَا فَعَلُوهُ بَعْدَ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْأَنْصَارِ ، بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقِيَامَ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ إذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَاشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي الْأَمْرِ بِهِ وَفِي فِعْلِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْقِيَامِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورَاتِ الْمُحْوِجَاتِ لِذَلِكَ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ وَبِسَاطِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ إذْ ذَاكَ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فِي الْمَسْجِدِ مُثْقَلًا بِالْجِرَاحِ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَتَرَكَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجُوزًا تَخْدُمُهُ ، فَلَمَّا أَنْ نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِهِ أَرْسَلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ فَأُتِيَ بِهِ عَلَى
دَابَّةٍ وَهُمْ يُمْسِكُونَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لِئَلَّا يَقَعَ عَنْ دَابَّتِهِ ، فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ إذْ ذَاكَ قُومُوا إلَى خَيْرِكُمْ أَوْ إلَى سَيِّدِكُمْ أَيْ قُومُوا فَأَنْزَلُوهُ عَنْ الدَّابَّةِ .
وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى مَا ذَكَرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ لِيُنْزِلُوهُ عَنْ الدَّابَّةِ لِمَرَضٍ بِهِ انْتَهَى .
لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ جَرَتْ أَنَّ الْقَبِيلَةَ تَخْدُمُ سَيِّدَهَا فَخَصَّهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَنْزِيلِهِ وَخِدْمَتِهِ عَلَى عَادَتِهِمْ الْمُسْتَمِرَّةِ بِذَلِكَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرْتُمْ ، وَهُوَ الْإِنْزَالُ عَنْ الدَّابَّةِ لَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِذَلِكَ مَنْ يَقُومُ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ وَهُمْ نَاسٌ مِنْ نَاسٍ ، فَلَمَّا أَنْ عَمَّهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَمِيعُ إذْ أَنَّ بِبَعْضِهِمْ تَزُولُ الضَّرُورَةُ الدَّاعِيَةُ إلَى تَنْزِيلِهِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ وَشَمَائِلِهِ اللَّطِيفَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ خَصَّ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْقَوْلِ وَالْأَمْرِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إظْهَارًا لِخُصُوصِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ قَبِيلَتِهِ ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ انْكِسَارُ خَاطِرٍ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ وَكَانَتْ إشَارَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ نَظَرُهُ أَوْ أَمْرُهُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَكْبَرِ الْخُصُوصِيَّةِ ، فَأَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ بِذَلِكَ عُمُومًا تَحَفُّظٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَنْكَسِرَ خَاطِرُ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ يَتَغَيَّرَ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ مِثْلَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مَنْ قَامَ بِهِ أَجْزَأَ عَنْ الْبَاقِينَ ، فَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ لِلْقَرَائِنِ الَّتِي قَارَنَتْهُ ، وَهِيَ هَذِهِ وَمَا
تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الْقُرَبِ تَعُمُّ ، وَلَا تَخُصُّ قَبِيلَةً دُونَ أُخْرَى ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِذَلِكَ هَلْ كَانَ لِلْأَنْصَارِ خُصُوصًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَا وَقَعَ مِنْ الْجَوَابِ يَعُمُّ الْقَبِيلَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ غَائِبٌ قَدِمَ وَالْقِيَامُ لِلْغَائِبِ مَشْرُوعٌ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ لِتَهْنِئَتِهِ بِمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ هَذِهِ التَّوْلِيَةِ وَالْكَرَامَةِ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ .
وَالْقِيَامُ لِلتَّهْنِئَةِ مَشْرُوعٌ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ : الْقِيَامُ لِلرَّجُلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : وَجْهٌ يَكُونُ الْقِيَامُ فِيهِ مَحْظُورًا وَوَجْهٌ يَكُونُ فِيهِ مَكْرُوهًا وَوَجْهٌ يَكُونُ فِيهِ جَائِزًا وَوَجْهٌ يَكُونُ فِيهِ حَسَنًا .
فَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مَحْظُورًا لَا يَحِلُّ فَهُوَ أَنْ يَقُومَ إكْبَارًا وَتَعْظِيمًا لِمَنْ يُحِبُّ أَنْ يُقَامَ إلَيْهِ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا عَلَى الْقَائِمِينَ إلَيْهِ ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ الْقِيَامُ فِيهِ مَكْرُوهًا فَهُوَ أَنْ يَقُومَ إكْبَارًا وَتَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا لِمَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يُقَامَ إلَيْهِ ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى الْقَائِمِينَ إلَيْهِ فَهَذَا يُكْرَهُ لِلتَّشَبُّهِ بِفِعْلِ الْجَبَابِرَةِ وَمَا يُخْشَى أَنْ يُدْخِلَهُ مِنْ تَغْيِيرِ نَفْسِ الْمَقُومِ إلَيْهِ ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ الْقِيَامُ فِيهِ جَائِزًا فَهُوَ أَنْ يَقُومَ تَجِلَّةً وَإِكْبَارًا لِمَنْ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ ، وَلَا يُشْبِهُ حَالُهُ حَالَ الْجَبَابِرَةِ وَيُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ نَفْسُ الْمَقُومِ إلَيْهِ لِذَلِكَ وَهَذِهِ صِفَةٌ مَعْدُومَةٌ إلَّا مَنْ كَانَ بِالنُّبُوَّةِ مَعْصُومًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَتْ نَفْسُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالدَّابَّةِ الَّتِي رَكِبَ عَلَيْهَا فَمَنْ سِوَاهُ بِذَلِكَ أَحْرَى ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ الْقِيَامُ فِيهِ حَسَنًا فَهُوَ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ إلَى الْقَادِمِ عَلَيْهِ مِنْ سَفَرٍ فَرِحًا بِقُدُومِهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَوْ إلَى الْقَادِمِ عَلَيْهِ سُرُورًا بِنِعْمَةٍ أَوْلَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا لِيُهَنِّئَهُ بِهَا أَوْ لِقَادِمٍ عَلَيْهِ مُصَابٍ بِمُصِيبَةٍ لِيُعَزِّيَهُ بِمُصَابِهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْآثَارِ ، وَلَا يَتَعَارَضُ شَيْءٌ مِنْهَا انْتَهَى .
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ نَدَبَكَ الشَّرْعُ أَنْ تَمْشِيَ إلَيْهِ لِأَمْرٍ حَدَثَ عِنْدَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْك
الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ فَالْقِيَامُ إلَيْهِ إذْ ذَاكَ عِوَضٌ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي فَاتَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ، فَقَدْ حَصَلَ الْقِيَامُ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الْقِسْمِ الْمَنْدُوبِ لِتَهْنِئَتِهِ بِمَا أَوْلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نِعْمَتِهِ بِتِلْكَ التَّوْلِيَةِ الْمُبَارَكَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَقَدْ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ .
فَقَدْ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْ احْتَجَّ بِهِ ، وَهُوَ أَبُو دَاوُد وَمُسْلِمٌ ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ دَأْبُهُمْ أَبَدًا فِي الْحَدِيثِ هَذَا ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إلَى فِقْهِ الْحَدِيثِ فَيُبَوِّبُونَ عَلَيْهِ وَيَذْكُرُونَ فَوَائِدَهُ فِي تَرَاجِمِهِمْ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَمَا قَالُوا فِي الْبُخَارِيِّ : رَحِمَهُ اللَّهُ جُلُّ فِقْهِهِ فِي تَرَاجِمِهِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ فِي غَالِبِ أَمْرِهِمْ إلَى التَّفْصِيلِ بِالْجَوَازِ أَوْ الْمَنْعِ أَوْ الْكَرَاهَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إنَّمَا شَأْنُهُمْ سِيَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَالْفُقَهَاءُ يَتَعَرَّضُونَ لِذَلِكَ كُلِّهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا دَاوُد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ بَوَّبَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي وَقَعَ النَّهْيُ فِيهِ عَنْ الْقِيَامِ فَقَالَ : بَابُ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلنَّاسِ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ تَرْجَمَتِهِ وَتَبْوِيبِهِ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ فِقْهَهُ اقْتَضَى مَنْعَ الْقِيَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَقُلْ : بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْقِيَامِ ، وَلَا اسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ ، وَلَا جَوَازِ الْقِيَامِ بَلْ قَالَ : بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ وَلَمْ يَزِدْ ، وَلَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ قَالَ : بَابُ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلنَّاسِ فَيَلُوحُ مِنْ فَحْوَى خِطَابِهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِالْكَرَاهَةِ ، وَلَا يَقُولُ بِالْجَوَازِ ، وَهَذَا كُلُّهُ بَيِّنٌ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا لَمْ نَقُلْ بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَلَمْ نَأْخُذْ مِنْهُ الْحُكْمَ فَلَا سَبِيلَ
إلَى أَنْ نَحْكُمَ بِأَنَّهُ أَخَذَ بِأَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَرَكَ الْآخَرَ إلَّا بِقَرِينَةٍ ، وَالْقَرِينَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى مَا ذَكَرَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَخْرَجَ الْإِمَامَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ تَوْبَتِهِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ فَذَكَرَهُ إلَى قَوْلِهِ وَانْطَلَقْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي وَاَللَّهِ مَا قَامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ انْتَهَى .
اسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الْقِيَامِ بِفِعْلِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَوْنُهُ قَامَ إلَيْهِ ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ بَلْ لَا يُعْطِي الْحَدِيثُ وَنَصُّهُ غَيْرَ ذَلِكَ .
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِيَامُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ إذْ ذَاكَ أَوْ مَشْرُوعًا لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتْرُكَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا شَرَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَدَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مَنْ جَالَسَهُ إذْ ذَاكَ يَجْهَلُ هَذَا الْمَنْدُوبَ أَوْ الْجَائِزَ حَتَّى لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ قَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَمْ يَنْهَهُ ، وَهَذَا وَقْتُ الْبَيَانِ وَتَأْخِيرُهُ لَا يَجُوزُ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ وَصَرَّحَ فِيهِ بِالْقِيَامِ لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، وَهُوَ كَوْنُهُ قَامَ لِتَهْنِئَتِهِ وَمُصَافَحَتِهِ فَكَانَ قِيَامُهُ لِثَلَاثِ مَعَانٍ ، وَهِيَ الْبِشَارَةُ وَالْمُصَافَحَةُ وَالتَّهْنِئَةُ وَلَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ الْقِيَامِ إذْ لَوْ كَانَ لَصَرَّحَ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِغَيْرِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ غَيْرُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ عَلَى أَنَّ التَّهْنِئَةَ وَالْبِشَارَةَ وَالْمُصَافَحَةَ تَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ
عَلَى قَدْرِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْخُلْطَةِ وَالْمُمَازَجَةِ بِخِلَافِ السَّلَامِ ، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ ، فَقَدْ يَكُونُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبٍ مَا ذَكَرَ فَكَانَ مَا صَدَرَ مِنْهُ لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَمْرٌ تَقَرَّرَ ، وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَسَاوَوْا فِي كَثْرَةِ الْمَوَدَّةِ وَتَأْكِيدِ الْحُقُوقِ ، فَرُبَّ شَخْصٍ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ وَآخَرَ لَهُ حَقَّانِ وَآخَرَ لَهُ ثَلَاثُ حُقُوقٍ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَارَ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ لَيْسَ إلَّا إنْ كَانَ ذِمِّيًّا ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا كَانَ لَهُ حَقَّانِ ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبًا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ صِهْرًا كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا كَانَ لَهُ خَمْسَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ صَدِيقَا صَاحِبَ سِرٍّ كَانَ لَهُ سِتَّةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ رَأْيٍ وَنَظَرٍ فِي الْعَوَاقِبِ ، وَلَا يُخْرَجُ عَنْ رَأْيِهِ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ كَانَ لَهُ سَبْعَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ كَانَ لَهُ ثَمَانِيَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ كَانَ لَهُ تِسْعَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ صَالِحًا كَانَ لَهُ عَشْرَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا كَانَ لَهُ أَحَدَ عَشْرَ حَقًّا ، فَإِنْ كَانَ يُدْلِي بِقَرَابَتَيْنِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ حَقًّا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ كَثِيرٌ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ فِعْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى خُصُوصِيَّةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ ، فَيَأْتِي عَلَى هَذَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ كَانَ مُمْتَثِلًا مَا يَلْزَمُهُ وَمَا يُنْدَبُ إلَيْهِ مَنْ قَامَ حَتَّى بَشَّرَ وَهَنَّأَ وَقَعَدَ .
وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى بَلْ هُوَ الْأَوْجَبُ ؛ لِأَنَّا إذَا حَمَلْنَا قِيَامَ طَلْحَةَ لِأَجْلِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَأَنَّهُ مِنْ الْمَنْدُوبِ فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَقُمْ قَدْ
زَهِدَ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ ، وَقَدْ زَهِدَ فِي فِعْلِ الْمَنْدُوبِ وَتَمَالَئُوا عَلَى تَرْكِهِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مُبَاشِرٌ لَهُمْ وَلَمْ يَنْهَهُمْ وَلَمْ يُرْشِدْهُمْ وَلَمْ يُعَلِّمْهُمْ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ هَذَا بِالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ صَالِحِي أُمَّتِهِ فَكَيْفَ بِمُتَقَدِّمِيهَا فَكَيْفَ بِالصَّحَابَةِ الْخِيَارِ خِيَارِ الْخِيَارِ فَكَيْفَ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يُقِرُّ عَلَى النِّسْيَانِ ، وَلَا الْغَلَطِ ، وَلَا الْوَهْمِ لِعِصْمَتِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبِ أَوْ الْمَنْدُوبِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَبَانَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَمْرُ وَاتَّضَحَ أَنَّ قِيَامَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ لَا عَلَى الْجَوَازِ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهَا قَالَتْ : وَكَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ انْتَهَى .
اسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ مَشْرُوعٌ بِمَا ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِي كُلِّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْبَابِ مَا يُبَيِّنُ بِهِ مُرَادَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ لَوْ سَلَّمَ لَهُ ظَاهِرُهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ الْقِيَامُ ، وَهُوَ التَّقْبِيلُ وَإِجْلَاسُ الْوَارِدِ فِي مَجْلِسِ صَاحِبِ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ نَدَبَ إلَى تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْزِلَةٌ أَعْظَمُ مِنْ مَنْزِلَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ،
ثُمَّ مَنْزِلَتُهَا بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهَا ) فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهَا فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ وَأَنَّهَا بِضْعَةٌ مِنْهُ فَيَجِبُ تَرْفِيعُهَا وَتَعْظِيمُهَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : تَرْفِيعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا تَرْفِيعٌ لِنَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُعْرَفُ مِنْهُ تَرْفِيعٌ ، وَلَا تَعْظِيمٌ قَطُّ لِنَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ إلَّا مَا كَانَ صَادِرًا بِسَبَبِ تَرْفِيعِ جَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى .
أَلَا تَرَى إلَى وَصْفِ وَاصِفِهِ وَكَانَ لَا يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ فَإِذَا رَأَى حُرْمَةً مِنْ حُرَمِ اللَّهِ تُنْتَهَكُ كَانَ أَسْرَعَ النَّاسِ إلَيْهَا نُصْرَةً وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا وَرَدَ عَنْ نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ فِي كَلَامِهِنَّ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي تَفْضِيلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِزِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ لَهَا وَسَأَلْنَهُ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَحَبَّةِ فَأَجَابَهُنَّ بِأَنْ قَالَ : لَمْ يُوحَ إلَيَّ فِي فِرَاشِ إحْدَاكُنَّ إلَّا فِي فِرَاشِهَا وَلِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَلَّمَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ لِمَا اُخْتُصَّتْ بِهِ وَلِكَوْنِهَا أَيْضًا أُخِذَ عَنْهَا شَطْرُ الدِّينِ ، فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ وَمَا شَاكَلَهَا كَانَ إيثَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَحَبَّتُهُ فِي خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا غِرْتُ مِنْ أَحَدٍ مَا غِرْت مِنْ خَدِيجَةَ وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أُدْرِكْهَا قَدْ كَانَتْ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ تَأْتِيهِ فَيُكْرِمُهَا وَيَقُولُ : كَانَتْ تَأْتِينَا فِي أَيَّامِ خَدِيجَةَ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا مَيَّزَهَا اللَّهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا .
أَلَا تَرَى
أَنَّ تَفْضِيلَهُ لِعَائِشَةَ كَانَ لِلْمَعَانِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، وَخَدِيجَةُ لَهَا مَعَانٍ أُخَرُ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لِمَنْ طَالَعَ الْأَحَادِيثَ أَوْ سَمِعَهَا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَزِيَّةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَلَّمَ عَلَيْهَا عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَيْنَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ بَيْنَهُمَا مَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ كُنَّ الْكُلُّ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْكَامِلَةُ وَالْخَيْرُ الشَّامِلُ ؛ لِأَنَّهُنَّ مَا اُخْتِرْنَ لِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إلَّا لِاحْتِوَائِهِنَّ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَمَكْرُمَةٍ لَكِنَّ زِيَادَةَ الْخُصُوصِيَّةِ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَزِيدُ لِكُلِّ شَخْصٍ فِي الْمَحَبَّةِ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي صِفَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ أَيْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ عَلَى مَا مَرَّ لَيْسَ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ ، وَلَا لِلْهَوَى فِيهِ مَطْمَعٌ ، وَلَا لِلْعَادَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ صِفَةُ الْأَوْلِيَاءِ فَمَا بَالُك بِصِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَمَا بَالُك بِصِفَةِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ قُطْبِ دَائِرَةِ الْكَمَالِ وَمَحَلِّ الْفَضَائِلِ الْعَلِيَّةِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا كُلُّ الْبَشَرِ عَدَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَحَاصِلُهُ أَنَّ تَعْظِيمَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي تَقْبِيلِهَا حِينَ دُخُولِهَا عَلَيْهِ وَإِجْلَاسِهَا فِي مَجْلِسِهِ لِأَجْلِ مَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ الشِّيَمِ الْكَرِيمَةِ وَاللَّطَائِفِ الْجَمِيلَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خُصُوصِيَّةٌ تَمْتَازُ بِهَا إلَّا حُصُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي صَحِيفَتِهَا فَأَيُّ صَحِيفَةٍ مِثْلُ هَذِهِ وَأَيُّ مَزِيَّةٍ أَكْبَرُ مِنْهَا وَاَللَّهِ مَا وُجِدَتْ قَطُّ ،
وَلَا تُوجَدُ أَبَدًا ، فَسُبْحَانَ مَنْ مَنَّ عَلَيْهَا بِمَا مَنَّ وَتَكَرَّمَ بِمَا تَكَرَّمَ فَكَانَ قِيَامُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقِيَامُهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ بُيُوتَهُمْ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ ضِيقِهَا ، وَقَدْ كَانَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ شَظَفِ الْعَيْشِ وَقِلَّةِ الدُّنْيَا سِيَّمَا فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الَّتِي أَثَّرَتْ الطَّاحُونُ فِي يَدِهَا فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى أَبِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالرِّفْدُ قَدْ أَتَاهُ فَحَمَلَهَا عَلَى حَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاخْتَارَ لَهَا مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ فَأَعْطَى النَّاسَ وَتَرَكَهَا لِقُوَّةِ نُورِ إيمَانِهَا ، وَعَلَّمَهَا عِوَضًا عَنْ الْخَادِمِ الَّتِي طَلَبَتْ إذَا أَوَتْ إلَى فِرَاشِهَا أَنْ تُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ .
وَقَدْ كَانَتْ تَقْعُدُ الْأَيَّامَ لَا تَأْكُلُ شَيْئًا وَفِيهَا وَفِي بَعْلِهَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ الْآيَةَ فِي قِصَّةٍ مِنْ الْمُجَاهِدَةِ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهَا أَهْلُ التَّفْسِيرِ ، وَمَنَاقِبُهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ يَطُول تَتَبُّعُهَا ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَعَرِّضَةِ لِهَذَا الْفَنِّ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقْلَالَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا كَانُوا يَمْتَنِعُونَ بِسَبَبِهِ مِنْ فِرَاشٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَضْطَرُّونَ إلَيْهِ أَوْ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ .
أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَ : فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَلَوْ كَانَ ثَمَّ وِسَادَةٌ غَيْرُهَا لَجَعَلُوهَا لَهُ دُونَ وِسَادَتِهِمْ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا إلَّا وَطَاءٌ وَاحِدٌ ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَلَيْهِ وَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُوهَا فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْعُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْأَرْضِ ،
وَهِيَ عَلَى حَائِلٍ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَصْلًا فَاحْتَاجَتْ إلَى الْقِيَامِ مِنْ مَجْلِسِهَا حَتَّى يَقْعُدَ أَبُوهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَائِلِ ، ثُمَّ تَقْعُدُ هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا عَلَى طَرَفِ الْحَائِلِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا دَخَلَتْ هِيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَى أَبِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُفَضِّلُهَا وَيُعَظِّمُهَا بِتَفْضِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْعُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى حَائِلٍ ، وَهِيَ تَقْعُدُ مُبَاشِرَةً لِلْأَرْضِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى يُجْلِسَهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ جَالِسًا لِأَجْلِ الْمَنْزِلَةِ الْعُظْمَى الَّتِي لَهَا عِنْدَ رَبِّهَا ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُ وَقِيَامَهَا كَانَ لِمَا ذُكِرَ ، وَهُوَ الْإِفْسَاحُ فِي الْمَجْلِسِ وَالْإِيثَارُ بِهِ مَعَ التَّقْبِيلِ الْمَذْكُورِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي الْحَدِيثِ مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا ، وَهُوَ نَصْرٌ فِي عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَفِي هَذَا الْجَوَابِ وَإِيضَاحِهِ مَقْنَعٌ مَعَ الْإِنْصَافِ ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهِ فَلَوْ جِئْنَا بِقِرَابِ الْأَرْضِ أَجْوِبَةً وَاضِحَةً لَا يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ ، وَلَا الْقَبُولُ ؛ لِأَنَّ الْإِنْصَافَ هُوَ رَأْسُ الْخَيْرِ وَزُبْدَتُهُ وَمَنْبَعُهُ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ وَاتَّضَحَ فَاسْلُكْ أَيَّ الطَّرِيقِينَ شِئْتَ وَاَللَّهُ يُرْشِدُنَا وَإِيَّاكَ لِطَرِيقِ الرَّشَادِ وَيُجَنِّبُنَا وَإِيَّاكَ طَرِيقَ الْجَحْدِ وَالْعِنَادِ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ عَمْرَو بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ انْتَهَى .
اسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ مَشْرُوعٌ وَمَنْدُوبٌ بِقِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَقَدْ نَطَقَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ : كُلُّ كَلَامٍ مَأْخُوذٌ مِنْهُ وَمَتْرُوكٌ إلَّا كَلَامُ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا بِنَظَرِ الْإِنْصَافِ إلَى هَذَا الْعَالِمِ كَيْفَ جَعَلَ الْقِيَامَ لِلْأَخِ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ وَنَقَلَ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُمْ لِأَبِيهِ ، وَلَا لِأُمِّهِ وَإِنَّمَا قَامَ لِأَخِيهِ وَالْقَضِيَّةُ وَاحِدَةٌ وَالْمَوْضِعُ وَاحِدٌ ، وَقَدْ قَدَّمَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ قَوْلَهُ الَّذِي يَخْتَارُ الْقِيَامَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِخْوَةَ ، ثُمَّ أَتَى بِهَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَيْهِ لَا لَهُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ لِلْوَالِدَيْنِ وَأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْضَحُ دَلِيلٍ وَأَقْوَمُ طَرِيقٍ عَلَى أَنَّ مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الْقِيَامِ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَأَمْرِهِ بِذَلِكَ لِعُذْرٍ كَانَ هُنَاكَ مَوْجُودًا مِنْ غَيْرٍ قَصْدٍ لِلْقِيَامِ نَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَإِكْرَامِهِمَا وَقَرَنَ رِضَاهُمَا بِرِضَاهُ وَسَخَطَهُمَا بِسَخَطِهِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَلَوْ كَانَ الْقِيَامُ لَهُمَا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَتْرُكَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ أَوْجَبَ بِرَّهُمَا مَعَ إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ وَقَعَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقِيَامُ لِأَخِيهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي الْجَوَازِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ قِيَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَخِيهِ
قَدْ تَبَيَّنَ ، وَاتَّضَحَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ السَّبَبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقِيَامُ لَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ أَبُوهُ بَسَطَ لَهُ طَرَفَ رِدَائِهِ فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ بَسَطَ لَهَا طَرَفَ رِدَائِهِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلَ أَخُوهُ قَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى أَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ قِيَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا ، إمَّا أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ يُوَسِّعَ لَهُ فِي الرِّدَاءِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ وَحَالِ رِدَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رِدَاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَا نُقِلَ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا وَنَحْوَهَا فَمِنْ أَيْنَ يَسْعَ عَلَى هَذَا أَرْبَعَةً فَضَاقَ الرِّدَاءُ عَنْ أَرْبَعَةٍ ، وَمِنْ أَخْلَاقِهِ الْكَرِيمَةِ وَمُعَاشَرَتِهِ الْجَمِيلَةِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَقْعُدَ هُوَ بِنَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ وَأَبَوَاهُ عَلَى الرِّدَاءِ وَأَخُوهُ عَلَى الْأَرْضِ مُبَاشِرًا لَهَا فَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى فَسَحَ لَهُ فِي الرِّدَاءِ حَتَّى وَسِعَهُمْ أَوْ حَتَّى وَسَّعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ لِئَلَّا يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَنْ دَخَلَ الْحَائِطَ وَكَانَ مَعَهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَخَذَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ وَقَسَمَهُ نِصْفَيْنِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا مُعْوَجًّا وَالْآخَرُ مُسْتَقِيمًا فَأَخَذَ الْمُعْوَجَّ وَأَعْطَى الْمُسْتَقِيمَ لِلْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَنِي الْمُسْتَقِيمَ وَأَخَذْتَ الْمُعْوَجَّ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ عَنْ صُحْبَةِ سَاعَةٍ إذَا سَأَلَنِي أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ فَضَّلْتُكَ فِيهَا عَلَى نَفْسِي فَإِذَا كَانَ هَذَا دَأْبَهُ وَخُلُقَهُ وَمُعَامَلَتَهُ مَعَ رَجُلٍ لَمْ يُشَارِكْهُ إلَّا فِي دُخُولِ
حَائِطٍ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ مَعَ مَنْ شَارَكَهُ فِي الرَّضَاعِ وَالْحِجْرِ وَالتَّرْبِيَةِ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ وَأَبٍ وَاحِدٍ أَعْنِي : الْجَمِيعُ مِنْ الرَّضَاعِ فَكَيْفَ يَكُونُ بِرُّهُ بِهِ وَإِكْرَامُهُ لَهُ فَلَمْ يُمْكِنُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَمَا شَابَهَهَا أَنْ يَقْعُدَ عَلَى حَائِلٍ عَنْ الْأَرْضِ وَأَخُوهُ دُونَ حَائِلٍ .
وَأَمَّا إكْرَامُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُ بِالْقِيَامِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ إكْرَامَ الْوَالِدَيْنِ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَتَرَكَهُ لَكَانَ قَدْ تَرَكَ لِوَالِدَيْهِ شَيْئًا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَهُمَا ، وَهَذَا لَا يَخْطُرُ لِمَنْ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَلَوْ عَلِمَ هَذَا الْقَائِلُ مَا فِي هَذَا الَّذِي قَرَّرَ مِنْ الْخَطَرِ مَا قَالَهُ ، وَلَا تَكَلَّمَ بِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : إنَّ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنَ هِشَامٍ كَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا مِنْ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْيَمَنَ فَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَ إلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ انْتَهَى .
اسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّدْبِ إلَى الْقِيَامِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَهَذَا لَا يُنَازَعُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَامٌّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَدَمُ قِيَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبَوَيْهِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِيَامُ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَفَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبَوَيْهِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَكُلُّ مَا يَرِدُ مِنْ الْقِيَامِ فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْبِرِّ
وَالِاحْتِرَامِ لِمَا ذُكِرَ .
وَقَدْ أَجَازَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْقِيَامَ لِلْغَائِبِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْوَارِدِ أَنَّكَ تَأْتِي إلَيْهِ فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْكَ فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ أَنَّك تَقُومُ مَاشِيًا إلَيْهِ عِوَضًا عَمَّا فَاتَكَ مِنْ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ نَصَّ الْحَدِيثُ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ بَابِهِ .
وَكَذَلِكَ قَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ فَقَبَّلَهُ وَعَانَقَهُ وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَدْرَى بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ أَكْثَرَ هَلْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَقَدْ حَمَلَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْقِيَامِ لِلْغَائِبِ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ انْتَهَى .
فَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَ لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ ضَرُورَةً لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ فَكَيْفَ لِسَيِّدِ الْعُلَمَاءِ وَقُدْوَتِهِمْ أَجْمَعِينَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَالِمَ إذَا قَعَدَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَلْقَةً كُلُّ إنْسَانٍ يَتْرُكُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ صَلَاةِ نَافِلَةٍ وَبَحْثٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَجُلُوسٍ فِي مُصَلَّاهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يَسْمَعُ إذْ ذَاكَ وَيَسْتَفِيدُ مِنْ الْعَالِمِ ، فَإِذَا فَرَغَ الْعَالِمُ وَانْصَرَفَ انْصَرَفَ النَّاسُ بِانْصِرَافِهِ إلَى مَا كَانُوا بِصَدَدِهِ أَوْ إلَى قَضَاءِ بَعْضِ ضَرُورَاتِهِمْ أَوْ إلَى مُصَلَّاهُمْ أَوْ إلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورَاتِ الْمُحْوِجَةِ إلَى الْحَرَكَةِ وَالْقِيَامِ ، وَبُيُوتُ ==========ج3......==============
ج3333333.......... كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ إذْ ذَاكَ مَفْتُوحَةٌ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ إذْ ذَاكَ فِي الصِّغَرِ بِحَيْثُ قَدْ عُلِمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إسْرَاعِهِ فِي الْمَشْيِ بِحَيْثُ قَدْ عُلِمَ فَلَا يُمْكِنُهُمْ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَسْتَوُوا قِيَامًا إلَّا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَخْرَجَ عَنْ بِشْرِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَافِحُكُمْ إذَا لَقِيتُمُوهُ ؟ قَالَ : مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إلَّا صَافَحَنِي ، وَبَعَثَ إلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيَّ فَأَتَيْته ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ فَالْتَزَمَنِي وَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا بِنَظَرِ الْإِنْصَافِ أَيُّ شَيْءٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمُصَافَحَةِ وَالِالْتِزَامِ وَبَيْنَ الْقِيَامِ بَلْ فِيهِ التَّعَرُّضُ لِتَرْكِ الْقِيَامِ أَلْبَتَّةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْبَيْتِ عَلَى السَّرِيرِ وَالْتَزَمَهُ إذْ ذَاكَ وَلَمْ يَقُمْ إلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ أَلْبَتَّةَ ، وَلَوْ كَانَ مَنْدُوبًا إذْ ذَاكَ لَفَعَلَهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَرْمَيَيْنِ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ انْتَهَى .
اُنْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ إلَى هَذَا الدَّلِيلِ مَا أَعْجَبَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَفْتَحَ لَهُ الْبَابَ فَفَتَحَهُ لَهُ وَاعْتَنَقَهُ فَأَخَذَ هُوَ مِنْهُ الدَّلِيلَ لِلْقِيَامِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَقَامَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْقِيَامِ إلَى فَتْحِ الْبَابِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ ؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ قَدْ قَدِمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُجِيزُونَ ذَلِكَ لِلْقَادِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي التَّقْسِيمِ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَيُّوبَ فَجَاءَ يُونُسُ فَقَالَ حَمَّادٌ قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ أَوْ قَالَ لِسَيِّدِنَا ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ أَتَاهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ لَمَّا رَآهُ أَحْمَدُ وَثَبَ إلَيْهِ قَائِمًا وَأَكْرَمَهُ فَلَمَّا مَضَى قَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ : يَا أَبَتِ أَبُو إبْرَاهِيمَ شَابٌّ عَمِلَ بِهِ هَذَا الْعَمَلَ وَتَقُومُ إلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا بُنَيَّ لَا تُعَارِضْنِي فِي مِثْلِ هَذَا أَلَا أَقُومُ لِابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ قَالَ : قَامَ وَكِيعٌ لِسُفْيَانَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قِيَامَهُ فَقَالَ أَتُنْكِرُ عَلَيَّ قِيَامِي وَأَنْتَ حَدَّثْتَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إجْلَالَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَأَخَذَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ إلَى جَانِبِهِ .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ : كُنْت عِنْدَ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ يَعْنِي الْحَافِي الزَّاهِدَ فَجَاءَ رَجُلٌ يُسَلِّمُ عَلَى بِشْرٍ فَقَامَ إلَيْهِ بِشْرٌ فَقُمْتُ لِقِيَامِهِ فَمَنَعَنِي مِنْ الْقِيَامِ ، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ قَالَ لِي بِشْرٌ يَا بُنَيَّ تَدْرِي لِمَ مَنَعْتُكَ مِنْ الْقِيَامِ لَهُ ؟ قُلْتُ : لَا قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ ، وَكَانَ قِيَامُكَ لِقِيَامِي فَأَرَدْتُ أَنْ لَا تَكُونَ لَكَ
حَرَكَةٌ إلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ آدَابِ الصُّحْبَةِ قَالَ : وَيَقُومُ لِإِخْوَانِهِ إذَا أَبْصَرَهُمْ مُقْبِلِينَ ، وَلَا يَقْعُدُ إلَّا بِقُعُودِهِمْ وَأَنْشَدُوا فَلَمَّا بَصُرْنَا بِهِ مُقْبِلًا حَلَلْنَا الْحَبَا وَابْتَدَرْنَا الْقِيَامَ فَلَا تُنْكِرُنَّ قِيَامِي لَهُ ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ يُجِلُّ الْكِرَامَ انْتَهَى .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْجُلَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْقِيَامِ الْجَائِزِ الْمَنْدُوبِ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيمَا تَقَدَّمَ لَا عَلَى قَصْدِ قِيَامٍ لَيْسَ إلَّا ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعَ أَنَّ هَذَا الْعَالِمَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآثَارِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ أَنْكَرُوا عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَخْذِهِ بِعَمَلِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّهُمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَعِنْدَهُمْ اسْتَقَرَّ أَمْرُ الشَّرِيعَةِ وَبَانَ مَا اُسْتُنْسِخَ وَمَا بَقِيَ وَقَلَّ أَنْ تَذْهَبَ عَنْهُمْ السُّنَنُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الْقَرِيبِ ، وَمَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ كُلِّهَا وَأَكْثَرَ مِنْهَا أَكْثَرُوا النَّكِيرَ عَلَيْهِ وَشَدَّدُوا ، ثُمَّ يَأْتِي هَذَا الْعَالِمُ بَعْدَ إنْكَارِهِ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَ يَشْرَعُ النَّدْبَ فِي الْقِيَامِ بِفِعْلِ آحَادِ النَّاسِ فِي أَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَعَلَّهَا لِأَعْذَارٍ وَقَعَتْ لَهُمْ إذْ ذَاكَ كَامِنَةٍ عِنْدَهُمْ بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ مَوْجُودَةٌ كَمَا أَبْدَيْنَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَنْهَضُ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَلَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ : الْقَاعِدَةُ الْأُولَى : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ .
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَاسِخٍ ، وَلَا مُعَارِضٍ .
الْقَاعِدَةُ
الثَّالِثَةُ : إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ إجْمَاعُ أَكْثَرِهِمْ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى آيَةٍ مُحْكَمَةٍ أَوْ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَاسِخٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَنْهَضُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلِ ، بَلْ وَقَعَ لِلْآحَادِ مِنْ النَّاسِ فِي أَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَا يَنْهَضُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلِ فَكَيْفَ يَسْتَدِلُّ هَذَا الْقَائِلُ لِجَوَازِ ذَلِكَ بِعَمَلِ آحَادٍ مِنْ النَّاسِ فِي أَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا وَقَعَ النَّكِيرُ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كَوْنِهِ يَتَشَرَّعُ بِعَمَلِهِمْ ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَشْرِيعٍ .
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَشْرِيعٌ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا شَكَّ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي بَابِ الْمَنْدُوبِ ، وَبَابُ الْمَنْدُوبِ مَشْرُوعٌ ، وَلَوْ جَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ لَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا مُسْتَقِيمًا أَوْ سَلِمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ الْقَفَّاصِ قَالَ : النُّبَلَاءُ مِنْ الرِّجَالِ وَالْعُلَمَاءِ يَكْرَهُونَ قِيَامَ الرَّجُلِ لَهُمْ لِكَرَاهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مُبَاحٌ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَقُومَ لِلنَّاسِ انْتَهَى ، وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْقِيَامَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِكَرَاهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ مُبَاحٌ لِبَعْضِ النَّاسِ وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقِيَامِ الْمَنْدُوبِ أَوْ الْجَائِزِ مَا تَقَرَّرَ فَافْهَمْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاكَ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ
اللَّهُ هَذَا مَا تَيَسَّرَ نَاجِزًا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ مِنْ التَّرْخِيصِ فِي الْقِيَامِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَبِأَمْرِهِ بِذَلِكَ لِلْأَنْصَارِ وَبِتَقْرِيرِهِ حِينَ فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ وَمِنْ فِعْلِ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي مَوَاطِنَ وَجِهَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَمِنْ جِهَةِ أَئِمَّةِ النَّاسِ فِي أَعْصَارِهِمْ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالزُّهْدِ انْتَهَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ حِينَ أُتِيَ بِهِ وَمَا الْمُرَادُ بِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْجَوَازِ بَلْ لِلْمَنْعِ أَقْرَبُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ .
وَقَدْ عَمِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْجُزْءَ الَّذِي عَمِلَهُ فِي إبَاحَةِ الْقِيَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِيمَا وَرَدَ مِنْ التَّرْخِيصِ فِي الْقِيَامِ .
الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِيمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْقِيَامِ وَالْجَوَابِ عَنْهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مُسْتَوْفًى وَبَقِيَ الْفَصْلَانِ اللَّذَانِ بَعْدَهُ .
فَقَالَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مُسْلِمٌ لَا يُنَازَعُ فِيهِ إلَّا أَنَّ تَعْظِيمَ الْحُرُمَاتِ وَالشَّعَائِرِ قَدْ عُرِفَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْقِيَامِ فِيهَا مَجَالٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا مُسْلِمٌ ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ التِّرْمِذِيُّ .
( عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ انْتَهَى .
حَاصِلُهُ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ ، وَفِي نَفْسِهِ أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ عَلَى مَا قُرِّرَ قَبْلُ فَأَخَذَ يَسْتَدِلُّ بِكُلِّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَتْرُكَ بِرَّ وَالِدِيهِ وَإِكْرَامَهُمَا بِالْقِيَامِ .
وَانْظُرْ هَلْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَتَى بِهَا فِي
تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ أَنَّ أَحَدًا قَامَ لِأَحَدٍ بَلْ نَزَّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي إجْلَاسِهِمْ وَفِي إطْعَامِهِمْ زَائِدًا عَلَى غَيْرِهِمْ فَنَمْتَثِلُ ذَلِكَ عَلَى مَا وَرَدَ عَنْهُمْ فَلَوْ وَرَدَ عَنْهُمْ الْقِيَامُ لِأَشْرَافِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ لَاقْتَفَيْنَاهُ وَقَبِلْنَاهُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ الْقُدْوَةُ وَنَحْنُ الْأَتْبَاعُ وَمَا يُخَالِفُهُمْ إلَّا جَاحِدٌ أَوْ مُعَانِدٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُوَسَّعُ الْمَجَالِسُ إلَّا لِثَلَاثٍ لِذِي عِلْمٍ وَلِذِي سِنٍّ وَلِذِي سُلْطَانٍ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا كَيْفَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا تُوَسَّعُ الْمَجَالِسُ إلَّا لِثَلَاثٍ وَلَمْ يَقُلْ لَا يُقَامُ إلَّا لِثَلَاثٍ فَيُحْمَلُ إكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ ، وَإِجْلَالُهُ وَبِرُّهُ عَلَى مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا عَلَى مَا يَخْطُرُ لَنَا مِنْ عَوَائِدِنَا الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا ، فَهَلْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى فِي تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ مَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْقِيَامِ ، وَاحِدٌ نَقُومُ إلَيْهِ وَنَمْشِي إلَيْهِ خُطُوَاتٍ ، وَآخَرُ نَقُومُ إلَيْهِ لَيْسَ إلَّا ، وَآخَرُ نَقُومُ إلَيْهِ نِصْفَ قَوْمَةٍ ، وَآخَرُ رُبْعَ قَوْمَةٍ ، وَآخَرُ التَّحَرُّكَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَآخَرُ لَا نَتَحَرَّكُ لَهُ إلَّا بِالْبَشَاشَةِ ، وَآخَرُ لَا بَشَاشَةَ وَلَا غَيْرَهَا ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اعْتِزَائِهِ إلَى صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ أَصْلًا بَلْ لِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بَلْ لِأَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ بَلْ لِأَحَدٍ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ ، وَشَيْءٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذِهِ الْقُرُونِ فَإِطْرَاحُهُ يَتَعَيَّنُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْبَغَوِيّ ( قَدْ كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَائِمًا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعَهُ
السَّيْفُ وَالْمِغْفَرُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحِ انْتَهَى .
اُنْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ وَإِيَّانَا لِهَذَا الْعَجَبِ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّ الْقِيَامَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ كَانَ خَادِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُخَاطِبُ قَبَائِلَ الْعَرَبِ وَيَذُبُّ عَنْهُ مَنْ أَرَادَ أَذِيَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الْمُتَمَرِّدِينَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا لَا يُنْكَرُ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ بَلْ هُوَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُغِيرَةِ أَنْ يَقْعُدَ إذْ ذَاكَ وَيَتْرُكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْعَدُوِّ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ فَكَيْفَ يَسْتَدِلُّ أَحَدٌ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْوَاجِبِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ لِلدَّاخِلِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، فَلَوْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ لَكَانَ أَقْرَبَ إذْ أَنَّ قِيَامَ الْمُغِيرَةِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، فَعَلَى هَذَا بَانَ أَنَّ الْقِيَامَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ مَضَتْ أَرْبَعَةٌ وَبَقِيَ الْخَامِسُ الَّذِي هُوَ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَاجِبُ مِثْلُ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ .
هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى الْفَصْلِ الثَّانِي الَّذِي قَرَّرَهُ ، وَهُوَ تَنْزِيلُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ .
وَبَقِيَ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الْقِيَامِ وَمَا أَجَابَ عَنْهُ .
فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ التِّرْمِذِيُّ : ( عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَتَرْجَمَ التِّرْمِذِيُّ لِهَذَا بَابُ كَرَاهَةِ قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ .
أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ ( خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ صَفْوَانَ حِينَ رَأَيَاهُ فَقَالَ : اجْلِسَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلَيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَتَرْجَمَ لَهُ بَابُ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلنَّاسِ .
أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَا فَقُمْنَا إلَيْهِ فَقَالَ : لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقُومُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ فَهَذَا مَا بَلَغَنَا فِي النَّهْيِ .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَقْرَبُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَافَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ الْفِتْنَةَ بِإِفْرَاطِهِمْ فِي تَعْظِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَكَرِهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامَهُمْ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَمْ يَكْرَهْ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بَلْ قَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامُوا لِغَيْرِهِ بِحَضْرَتِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ
ذَلِكَ بَلْ أَقَرَّهُ وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْقِيَامِ لِسَعْدٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ بَيَانَ هَذَا كُلِّهِ ، وَهَذَا جَوَابٌ وَاضِحٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْأُنْسِ وَكَمَالِ الْوُدِّ وَالصَّفَاءِ مَا لَا يَحْتَمِلُ زِيَادَةً بِالْإِكْرَامِ بِالْقِيَامِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقِيَامِ مَقْصُودٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ فُرِضَ صَاحِبُ الْإِنْسَانِ قَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِيَامِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَقَدْ أُولِعَ أَكْثَرُ النَّاسِ بِالِاحْتِجَاجِ بِهِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ الْأَصَحُّ وَالْأَوْلَى وَالْأَحْسَنُ بَلْ الَّذِي لَا حَاجَةَ إلَى مَا سِوَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ .
وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ الصَّرِيحَ الظَّاهِرَ مِنْهُ الزَّجْرُ الْأَكْبَرُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْقِيَامِ بِنَهْيٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْآتِي أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَحَبَّةُ الْقِيَامِ .
وَلَا يُشْتَرَطُ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَخُطُورُ ذَلِكَ بِبَالِهِ حَتَّى إذَا لَمْ يَخْطُرُ ذَلِكَ بِبَالِهِ وَقَامُوا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقُومُوا فَلَا ذَمَّ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَحَبَّ فَقَدْ ارْتَكَبَ التَّحْرِيمَ سَوَاءٌ قِيمَ لَهُ أَوْ لَمْ يُقَمْ ، فَمَدَارُ التَّحْرِيمِ عَلَى الْمَحَبَّةِ ، وَلَا تَأْثِيرَ لِقِيَامِ الْقَائِمِ ، وَلَا نَهْيِهِ فِي حَقِّهِ بِحَالٍ ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنْ قَالَ : مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ بِأَنَّ قِيَامَ الْقَائِمِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ هَذَا فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قُلْنَا هَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ لَا يَسْتَحِقُّ سَائِلُهُ جَوَابًا .
فَإِنْ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ قِيلَ : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَحَبَّةِ فَحَسْبُ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا بِنَظَرِ
الْإِنْصَافِ كَيْفَ قَرَّرَ أَحَادِيثَ النَّهْيِ وَصَحَّحَهَا ، ثُمَّ أَجَابَ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ وَفِيهِ مَا فِيهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَّرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَقَامُوا بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكْرَهْ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ قَالَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى مَا ظَهَرُوا لَهُ وَاسْتَقَرَّ فِي ذِهْنِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَلَمْ يَكُنْ لِضَرُورَةٍ أَدَّتْ إلَيْهِ كَمَا قَدْ أَبْدَيْنَاهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَقُمْنَا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَيُّ إطْرَاءٍ فِي ذَلِكَ إنْ جَعَلْنَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَوَاحِدٍ مِنَّا لَمْ نَزِدْ لَهُ شَيْئًا فِي الْإِكْرَامِ فَلَوْ عُكِسَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَمْرُ فَقَالَ : لَمْ تَكُنْ الصَّحَابَةُ يَقُومُونَ ، وَلَا قَامَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدٍ ، ثُمَّ قَامُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَنَهَاهُمْ لَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا مُسْتَقِيمًا إذْ أَنَّا لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لَخَالَفْنَا الْعَادَةَ الَّتِي يُعَامِلُ بَعْضُنَا بَعْضًا بِهَا وَزِدْنَا لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْخَوْفُ مِنْ الْإِطْرَاءِ ، وَأَمَّا إذَا عَامَلْنَاهُ مُعَامَلَةَ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ وَمُعَامَلَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَنَا فَهَذَا لَا يُقَالُ أَنَّ فِيهِ إطْرَاءً إذْ أَنَّا نَزَّلْنَاهُ مَنْزِلَةَ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مُعَامَلَةِ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ وَمُعَامَلَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَنَا ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لِهَذَا السَّيِّدِ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا ذَكَرَهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لَوَقَعَنَا فِي مُخَالَفَةِ نَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ .
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَوْقِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ فَإِذَا قَرَّرْنَا أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَكُنَّا نَفْعَلُهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ بَعْضُنَا مَعَ بَعْضٍ ، وَلَا نَفْعَلُهُ مَعَهُ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَنَكُونُ قَدْ ارْتَكَبْنَا النَّهْيَ مُصَادَمَةً إذْ أَنَّا تَرَكْنَا تَوْقِيرَهُ فِي ذَلِكَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنْ نَظُنَّ بِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَكَيْفَ يَتَّفِقُ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِهِ بَلْ فِي هَذَا الْقَوْلِ خَطَرٌ عَظِيمٌ لَوْ تَأَمَّلَهُ هَذَا الْقَائِلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ، وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ أَلَا تَرَى إلَى جَوَابِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا أَنْ سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ مَحْسُوسًا ظَاهِرًا بَيِّنًا فِي عَوَائِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُعَامَلَتِهِ الْجَمِيلَةِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِالْأَمْرِ بِتَوْقِيرِهِ فَكَيْفَ يَنْهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ شَيْءٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ هَذَا أَمْرٌ لَا يُتَعَقَّلُ وَإِنَّمَا هِيَ عَادَةٌ اسْتَمَرَّتْ فَوَقَعَ الِاسْتِئْنَاسُ بِهَا لِمُرُورِهَا ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو مِنْ الْغَفْلَةِ فَوَقَعَ مَا وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ لِلسُّنَّةِ فَبَعِيدَةٌ عَنْ مَنْصِبِ الْعُلَمَاءِ فَكَيْفَ بِالْأَخْيَارِ مِنْهُمْ ، وَقَدْ وَرَدَ مَنْ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، فَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَاَللَّهُ يَعْفُو عَنْ الْجَمِيعِ ، إذْ لَوْلَا الْعَفْوُ مَا اسْتَحَقَّ أَحَدٌ النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ إلَّا مَنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّنْ قَدْ عَلِمَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ يَكُونُ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْقِيَامِ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَوَاضِعَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْء ، وَأَمَّا بَعْدَ الْإِنْزَالِ فَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ أَمْرٌ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ
التَّوْقِيرِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهَذَا بَابٌ ضَيِّقٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْغَلَطِ وَالْغَفَلَاتِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تُفَضِّلُوا الْأَنْبِيَاءَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وَلَا فَخْرَ وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ آدَم فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مُتَعَارِضَةٌ كَمَا تَرَى وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا هُوَ أَنَّ حَدِيثَ الْمُسَاوَاةِ وَعَدَمِ التَّفْضِيلِ كَانَ قَبْلَ الْإِنْزَالِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَالْإِخْبَارِ لَهُ بِالْأَمْرِ ، وَأَحَادِيثُ التَّفْضِيلِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ لَهُ بِذَلِكَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أَعْنِي بِالتَّفْضِيلِ مِنْ غَيْرِ تَنْقِيصٍ يَلْحَقُ الْمَفْضُولَ كَمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ بَلْ مَسْأَلَتُنَا آكَدُ وَأَوْلَى .
لِأَنَّ فِيهَا الْقُرْآنَ يُتْلَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ، وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ ، ثُمَّ مَنَعَهُ وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ مُتَنَاقِضٌ .
وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ يَغْشَانَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً فَجَاءَ يَوْمًا فِي وَسَطِ الْقَائِلَةِ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ عَلَى السُّرَرِ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ إلَّا أَمْرٌ حَدَثَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي قَاعِدٌ عَلَى السَّرِيرِ فَوَسَّعَ لَهُ فِي السَّرِيرِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَقَالَ الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الصُّحْبَةُ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ كَيْفَ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَسَّعَ لَهُ وَلَمْ يَقُمْ وَكَانَ أَكْثَرَ
النَّاسِ بِرًّا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا وَتَعْظِيمًا وَتَرْفِيعًا وَتَوْقِيرًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا جَوَابٌ وَاضِحٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ انْتَهَى فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذَا اللَّفْظِ مِنْ هَذَا السَّيِّدِ مَا أَعْجَبَهُ .
وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ مَا هَذَا لَفْظُهُ : قِيلَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَالرَّجُلُ يَقُومُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْفِقْهُ وَالْفَضْلُ فَيُجْلِسُهُ فِي مَجْلِسِهِ قَالَ يُكْرَهُ ذَلِكَ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ قِيلَ لَهُ : فَالْمَرْأَةُ تُبَالِغُ فِي بِرِّ زَوْجِهَا فَتَلْقَاهُ فَتَنْزِعُ ثِيَابَهُ وَنَعْلَيْهِ وَتَقِفُ حَتَّى يَجْلِسَ قَالَ : أَمَّا تَلَقِّيهَا وَنَزْعُهَا ثِيَابَهُ وَنَعْلَيْهِ فَلَا بَأْسَ ، وَأَمَّا قِيَامُهَا حَتَّى يَجْلِسَ فَلَا ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ الْجَبَابِرَةِ رُبَّمَا يَكُونُ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ ، فَإِذَا طَلَعَ قَامُوا إلَيْهِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَيُقَالُ : إنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ أَوَّلَ مَا وَلِيَ حِينَ خَرَجَ إلَى النَّاسِ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إنْ تَقُومُوا نَقُمْ وَإِنْ تَقْعُدُوا نَقْعُدْ وَإِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَفْظُ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَيْفَ يَقُولُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذَا جَوَابٌ وَاضِحٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ وَعَدَالَةُ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَقَدُّمُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ مَشْهُورَةٌ مَعْلُومَةٌ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَوَابِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَالْوَاجِبُ الْعُدُولُ عَنْهُ لِمَا وَرَدَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا صِفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشِدَّةِ تَوْقِيرِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهَيْبَتِهِمْ لَهُ حَتَّى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَتَأَمَّلُوهُ ، وَلَا
يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَمِنْ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَلَأْتُ عَيْنِي مِنْهُ قَطُّ حَيَاءً مِنْهُ وَتَعْظِيمًا لَهُ ، وَلَوْ قِيلَ لِي صِفْهُ لَمَا كِدْت ) انْتَهَى .
هَذَا قَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهُوَ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُبَاسِطُهُمْ وَيَتَوَاضَعُ لَهُمْ وَيُؤَانِسُهُمْ لَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُ ، وَلَا أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَهَابَةِ وَالْجَلَالَةِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوضِحُهُ مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ رُكُوعِهِ الْفَجْرَ قَالَتْ : إنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً قَالَ حَدِّثِينِي يَا حُمَيْرَاءُ ، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ بِالْأَرْضِ ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الصَّلَاةِ .
وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ خَرَجَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَمَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنْ الْخَلْعِ وَالْقُرْبِ وَالتَّدَانِي فِي مُنَاجَاتِهِ وَسَمَاعِ كَلَامِ رَبِّهِ وَتِلَاوَتِهِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي يَكِلُّ اللِّسَانُ أَنْ يَصِفَ بَعْضَهَا لَمَا اسْتَطَاعَ بَشَرٌ أَنْ يَتَلَقَّاهُ .
وَلَا يُبَاشِرُهُ ، وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ فَيَتَحَدَّثُ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْ يَضْطَجِعُ بِالْأَرْضِ حَتَّى يَحْصُلُ التَّأْنِيسُ بِجِنْسِهِمْ ، وَهُوَ حَدِيثُهُ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْ جِنْسُ أَصْلِ الْخِلْقَةِ الَّتِي هِيَ الْأَرْضُ ، فَإِذَا تَحَصَّلَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ حِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَيْهِمْ ، وَأَمَّا قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَابَلَةَ تِلْكَ الْأَنْوَارِ الْجَلِيلَةِ ، وَلَا سَمَاعَ تِلْكَ
الْأَلْفَاظِ الْعَذْبَةِ الْمَعْدُومَةِ فِي غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رِفْقًا بِهِمْ وَلِكَيْ يَتَوَصَّلَ إلَى أَنْ يُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ أَحْكَامَهُ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا فَهَذَا التَّوْقِيرُ وَالْمَهَابَةُ حَاصِلٌ فِيهِمْ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ مِنْهُمْ كَثِيرًا بَلْ ذَلِكَ فِي أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ أَعْظَمُ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ وَأَكْثَرُ .
أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ هَابَا الْكَلَامَ مَعَ قُرْبِهِمَا وَذُو الْيَدَيْنِ تَكَلَّمَ فَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتَأَكَّدَ أَمْرُهُ مَعَهُ كَانَ أَكْثَرَ هَيْبَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَكْثَرَ تَوْقِيرًا وَأَعْظَمَ احْتِرَامًا وَأَكْبَرَ إجْلَالًا ، وَإِذَا قُلْنَا أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَيَكُونُونَ قَدْ تَرَكُوهُ لِأَجْلِ قُرْبِهِمْ مِنْهُ فَتُعْطِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ كَانَ أَقَلَّ تَوْقِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَجْلِ الْأُنْسِ وَكَمَالِ الْمَوَدَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّوْقِيرِ ، وَكَذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنْ يَكُونَ الصَّالِحُونَ وَالْأَوْلِيَاءُ أَقَلَّ تَوْقِيرًا مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَجْلِ الْأُنْسِ وَكَمَالِ الْمَوَدَّةِ ، وَهَذَا عَكْسُ مَا ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ وَمَا اسْتَقَرَّ مِنْ أَحْوَالِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ وَنَقْلِ الْأُمَّةِ عَنْ الْأُمَّةِ فَيَأْتِي عَلَى هَذَا الْجَوَابِ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَلْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَجَدْنَا اسْتِعْمَالَ الْأَدَبِ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْبَعِيدِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي دُخُولِهِ عَلَى مَالِكٍ وَقِصَّتِهِ مَعَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ
النَّاسِ إلَيْهِ كَانُوا كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرَ لِشِدَّةِ هَيْبَتِهِمْ لَهُ وَتَوْقِيرِهِمْ لِجَنَابِهِ وَتَعْظِيمِهِمْ لِحُرْمَتِهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لِأَجْلِ بُعْدِهِ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا كَانَ لَهُمْ ، فَلَوْ عُكِسَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَمْرُ .
وَقَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ الصَّاحِبُ تَأَكَّدَتْ صُحْبَتُهُ ، وَلَا لَزِمَ أَمْرُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِيَامِ لَكَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ الْقَبُولِ مِنْهُ لِأَجْلِ أَنَّ مَنْ قَرُبَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ازْدَادَ قُرْبًا إلَى اللَّهِ ، وَمَنْ ازْدَادَ قُرْبًا إلَى اللَّهِ ازْدَادَ إلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْقِيرًا وَتَعْزِيرًا وَتَبْجِيلًا وَهَيْبَةً وَإِعْظَامًا وَإِجْلَالًا ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مَحْسُوسٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ أَمْرٌ نَافِذٌ وَيَرْجِعُ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيُنَفِّذُ تَجِدُ أَخْوَفَ النَّاسِ مِنْهُ وَأَهْيَبَهُمْ لَهُ وَأَوْقَرَهُمْ لِدِينِهِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَهُمْ إلَيْهِ ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ مُطَالَبُونَ بِآدَابٍ لَا يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُمْ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ لِزِيَادَةِ خُصُوصِيَّتِهِمْ وَمَزِيَّتِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَإِذَا تَرَكُوا مِنْهَا شَيْئًا عُوقِبُوا عَلَى تَرْكِهَا وَيَتْرُكُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَلَا يُبَالُونَ فَلَا يُعَاقَبُونَ وَمَا ذَاكَ إلَّا ؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ الْحُرْمَةُ عَلَيْهِ أَقْوَى ، وَالْآدَابُ تُطْلَبُ مِنْهُ أَكْثَرَ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَدَّ رِجْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ لِيَسْتَرِيحَ ، ثُمَّ ضَمَّهَا مِنْ سَاعَتِهِ وَجَعَلَ يَسْتَغْفِرُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ جُلَسَائِهِ : أَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا مُبَاحًا فَقَالَ : أَمَّا لَكُمْ فَنَعَمْ .
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَاوَرَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ مُدَّةً لَمْ يَبُلْ فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ وَلَمْ يَسْتَنِدْ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلْهَيْبَةِ الْقَائِمَةِ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ لِأَجْلِ قُرْبِهِ ، وَكَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَنْظُرْ إلَى السَّمَاءِ لِأَجْلِ
الْهَيْبَةِ وَالْإِعْظَامِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ وَحِكَايَتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُكْتَبَ أَوْ تُحْصَرَ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَوَابِهِ عَنْ الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ إلَى آخَرِ كَلَامِهِ وَعِبَارَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرُدُّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُصُولُ وَاسْتَقَرَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ ، وَهُوَ قَدْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ انْتَهَى .
فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْك أَخُوك الْمُؤْمِنُ فَقُمْت إلَيْهِ وَسُرَّ بِذَلِكَ فَقَدْ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِيَامِك أَنْتَ وَحَرَكَتِك لَهُ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ : مَدَارُ التَّحْرِيمِ عَلَى الْمَحَبَّةِ فَحَسْبُ سَوَاءٌ قِيمَ لَهُ أَوْ لَمْ يَقُمْ قَدْ ارْتَكَبَ التَّحْرِيمَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ إنَّمَا صَدَرَتْ مِنْهُ لِمُشَاهَدَتِهِ لِلْقِيَامِ فَلَوْ كَانَ لَا يَقُومُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ لَمْ تَتَشَوَّفْ نَفْسُهُ إلَيْهِ وَلَمْ تُحِبُّهُ وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ قَاعِدَتُهُ فِي تَصَرُّفِهِ كُلِّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مَعَ نَفْسِهِ وَمَعَ غَيْرِهِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ لِسَانُ الْعِلْمِ وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ شَيْئَانِ هُمَا خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنْ عَمِلْت بِهِمَا أَتَكَفَّلُ لَك بِالْجَنَّةِ ، وَلَا أَطْوَلُ عَلَيْك قِيلَ وَمَا هُمَا قَالَ تَعْمَلُ مَا تَكْرَهُ إذَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَتَتْرُكُ مَا تُحِبُّ إذَا كَرِهَهُ اللَّهُ أَوْ قَالَ : فَلَيْسَ الْإِنْسَانُ مُكَلَّفًا بِأَنْ لَا يَقَعَ لَهُ مَحَبَّةُ الشَّيْءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِأَنْ لَا
يَرْضَى بِهِ وَإِنْ كَانَتْ نَفْسُهُ تُحِبُّهُ فَيَكْرَهُهُ لِكَرَاهِيَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، وَقَدْ قِيلَ مِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ ، فَإِذَا أَحَبَّ وَلَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى وُقُوعِ مَا أَحَبَّ فَقَدْ عُصِمَ مِنْ وُقُوعِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الَّذِي يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ أَنْ يُعَافِيَهُ مِنْهُ ، وَلَا يَرْضَاهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُصَاةِ ، وَهُوَ تَبَوُّءُ مَقْعَدِهِ مِنْ النَّارِ لَا يَفْعَلُهُ بِهَذَا الْأَخِ الْمُؤْمِنِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا انْتَهَى ، وَهَذَا الْفِعْلُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ ؛ لِأَنَّك تَكْرَهُ الشَّيْءَ لِنَفْسِك وَتُوقِعُ فِيهِ غَيْرَك بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْخَدِيعَةِ وَالْمَكْرِ ، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ بُعَدَاءُ عَنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَكُلُّ بَابٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ كَانَتْ سَبَبًا إلَى نَجَاةِ أَخِيك مِنْ النَّارِ وَاجِبٌ أَنْ تُعَامِلَهُ بِهَا .
وَكَذَلِكَ فِي الْعَكْسِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، فَكُلُّ بَابٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ كَانَتْ سَبَبًا إلَى عِقَابِهِ وَتَوْبِيخِهِ وَدُخُولِهِ دَارَ الْهَوَانِ وَالْغَضَبِ وَاجِبٌ عَلَيْكَ أَنْ تُعْفِيَهُ مِنْهَا ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ فَإِذَا قُمْتَ إلَيْهِ ، فَإِنَّكَ لَمْ تَنْصَحْهُ بَلْ غَشَشْتَهُ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ بَلْ يَنْبَغِي أَوْ يَجِبُ أَنْ يَعْرِضَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا الْقِيَامَ ، فَإِنْ رَأَى نَفْسَهُ أَنَّهَا تُحِبُّ ذَلِكَ وَتَشْتَهِيهِ وَتُؤْثِرُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَهُ مَعَ أَخِيهِ
الْمُؤْمِنِ لِئَلَّا يُوقِعَهُ فِي الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنْ رَأَى نَفْسَهُ أَنَّهَا لَا تُحِبُّ ذَلِكَ وَتَكْرَهُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَامِلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ هُوَ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ فَيَنْظُرُ إلَى نَفْسِهِ فَمَا يُحِبُّ أَنْ يُفْعَلَ مَعَهُ فَعَلَهُ هُوَ مَعَ أَخِيهِ ، وَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُفْعَلَ مَعَهُ لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَهُ أَلْبَتَّةَ ، وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ كُلُّهُ هُوَ الَّذِي قَالَ هَذَا السَّيِّدُ فِيهِ : هَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ جَوَابًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ بِمَا يَسَّرَ اللَّهُ فِي الْوَقْتِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَفَهْمُهُمْ لِلْحَدِيثِ ، وَمَعْنَاهُ لَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ فِعْلِنَا وَفَهْمِنَا بَلْ أَوْجَبَ ؛ لِأَنَّهُمْ تَلْقَوْهُ مُشَافَهَةً مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى مُعَاوِيَةَ الَّذِي تَلَقَّى الْحَدِيثَ مِنْ فِي صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ كَيْفَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ ، وَذَلِكَ الَّذِي فَهِمَ فَكَانَ يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ فِي فَهْمِهِ وَفِقْهِهِ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى رُوَاةِ الْحَدِيثِ كَيْفَ بَوَّبُوا عَلَيْهِ بَابَ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلنَّاسِ ، بَابَ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلرَّجُلِ ، وَلَمْ يَقُولُوا بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ وَلَمْ يَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالُوا فِي عَكْسِهِ .
حَيْثُ قَالُوا : بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ فَيُعْطِي ذَلِكَ أَوْ يُفِيدُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْكَرَاهَةِ ، وَلَا يَقُولُونَ بِالْجَوَازِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا أَنْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَامُوا إلَيْهِ : لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا جَمَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ شَيْئَيْنِ الْأَوَّلَ النَّهْيَ وَالثَّانِيَ التَّعْلِيلَ ، وَهُوَ كَوْنُ الْقِيَامِ إذَا وَقَعَ بِنَفْسِهِ يَكُونُ تَعْظِيمًا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَبَيَّنَ لَهُمْ كَيْفِيَّةَ الْقِيَامِ الْجَائِزِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ الْقِيَامَ إذَا وَقَعَ وَلَمْ يَكُنْ بِنِيَّةِ التَّعْظِيمِ كَانَ جَائِزًا ، وَهَذَا وَقْتُ الْبَيَانِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ بَلْ لَوْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ مَا احْتَاجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى نَهْيِهِمْ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ مِنْهُمْ بِإِكْرَامِهِ وَتَبْجِيلِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَلِعِلْمِهِ مِنْهُ أَنَّهُمْ مُمْتَثِلُونَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ .
ثُمَّ اُنْظُرْ أَيْضًا إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَنَا مِنْ أَصْلِ الشَّرْعِ وَالطَّبْعِ وَالْعَادَةِ وَالتَّجْرِبَةِ أَنَّ النَّفْسَ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ غَالِبَةٌ مَكَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ مُتَكَبِّرَةٌ مُتَجَبِّرَةٌ مُنَازِعَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ ، فَالشَّيْطَانُ عَلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الشَّيْطَنَةِ وَالتَّمَرُّدِ وَالْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالْعِصْيَانِ لَا يُنَازِعُ الرُّبُوبِيَّةَ ، وَهِيَ تُنَازِعُهَا ، فَإِنْ شَعَرَتْ مِنْ صَاحِبِهَا أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ مِنْهَا مَا تُبْدِيهِ مِنْ أَحْوَالِهَا السَّيِّئَةِ رَمَتْهُ بِالْجَمِيعِ وَأَظْهَرَتْهُ لَدَيْهِ ، وَإِنْ شَعَرَتْ مِنْهُ أَنَّهُ يَرُدُّهَا عَنْ أَحْوَالِهَا الْمُسْتَهْجَنَةِ قَلَّ أَنْ تُظْهِرَ لَهُ شَيْئًا مِنْ خَبَايَاهَا وَبَقِيَتْ تُمَارِي عَلَيْهِ فِي حُظُوظِهَا وَتَزْعُمُ أَنَّهَا طَالِبَةٌ لِلثَّوَابِ وَالْخَيْرِ ، وَهِيَ طَالِبَةٌ لِشَهَوَاتِهَا وَحُظُوظِهَا خِيفَةً مِنْهَا إنْ أَظْهَرَتْ مَا أَكَنَّتْهُ أَنْ لَا يُمَكِّنَهَا
صَاحِبُهَا مِنْ مُرَادِهَا ، وَالْغَالِبُ مِنْهَا مَحَبَّةُ الْحُظْوَةِ وَالشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ عَلَى الْأَقْرَانِ ، وَمَحَبَّةُ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ عَلَى النَّاسِ وَالْكِبْرِ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقِيَامِ إلَيْهَا فَأَيْنَ النَّفْسُ الَّتِي تَقِفُ لِذَلِكَ وَيَحْصُلُ لَهَا الِانْكِسَارُ وَالتَّذَلُّلُ وَتَرَاهُ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَتَنْوِيهِ عَلَى مَا زَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ ، وَالْعَجَبُ مِنْ هَذَا السَّيِّدِ كَيْفَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا النَّهْيَ الصَّرِيحَ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ وَلَمْ يُخَصِّصْهُ بِحَالَةٍ فَقَالَ : هَذَا يَجُوزُ بِنِيَّةِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ .
فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ : إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِوُرُودِ الْأَحَادِيثِ الْمُعَارِضَةِ فِي فِعْلِ الْقِيَامِ .
فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ عَنْ الْقِيَامِ الْمَذْكُورِ مَا كَانَ سَبَبُهُ وَمَا جَرَى فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ وَلِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَفِيمَا وَقَعَ مِنْ الْجَوَابِ مَقْنَعٌ مَعَ الْإِنْصَافِ ، وَقَدْ وَقَعَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ الْحَرِيصَةُ الْمُبَالِغَةُ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ فَإِذَا رَأَتْهُ دَاخِلًا تَلَقَّتْهُ فَأَخَذَتْ عَنْهُ ثِيَابَهُ وَنَزَعَتْ نَعْلَيْهِ وَلَمْ تَزَلْ قَائِمَةً حَتَّى يَجْلِسَ فَقَالَ : أَمَّا تَلَقِّيهَا إيَّاهُ وَنَزْعُهَا ثِيَابَهُ وَنَعْلَيْهِ فَلَا أَرَى فِي ذَلِكَ بَأْسًا ، وَأَمَّا قِيَامُهَا فَلَا أَرَى ذَلِكَ ، وَلَا أَرَى أَنْ تَفْعَلَهُ هَذَا مِنْ التَّجَبُّرِ وَالسُّلْطَانِ فَقُلْتُ وَاَللَّهِ مَا ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ ، وَلَا يَشْتَهِي هَذِهِ الْحَالَةَ ، وَلَكِنَّهَا تُرِيدُ إكْرَامَهُ وَتَوْقِيرَهُ وَتَأْدِيَةَ حَقِّهِ وَأَنَّهُ لَيَنْهَاهَا عَنْ ذَلِكَ وَيَمْنَعُهَا مِنْهُ فَقَالَ لِي : كَيْفَ اسْتِقَامَتُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ؟ فَقُلْت لَهُ : مِنْ أَقْوَمِ النَّاسِ طَرِيقَةً فِي كُلِّ أَمْرِهَا ؟ فَقَالَ : تُؤَدِّي حَقَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا ، وَأَمَّا هَذَا فَلَا أَرَى أَنْ
تَفْعَلَهُ ، إنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْجَبَابِرَةِ ، وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ الْوُلَاةِ يَكُونُ النَّاسُ جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَهُ فَإِذَا طَلَعَ عَلَيْهِمْ قَامُوا لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا ، وَلَا أُحِبُّهُ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ ، فَأَرَى أَنْ تَدَعَ هَذَا وَتُؤَدِّيَ حَقَّهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلدَّابَّةِ الَّتِي رَكِبَ مَا نَزَلْتُ عَنْهَا حَتَّى تَغَيَّرْت قَالَ : قَالَ مَالِكٌ وَلِعُمَرَ فَضْلُهُ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ : لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا بِالسُّجُودِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا فَانْظُرْ مَعَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ وَالْحَقِّ الَّذِي لِلزَّوْجِ بِنَصِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ لَهَا مَالِكٌ الْقِيَامَ لَهُ لِفَهْمِهِ مَنْعَ الْقِيَامِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقِيَامِ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهَذَا نَصُّ الْإِمَامِ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الْعُظْمَى الَّتِي وَقَعَتْ بِسَبَبِ جَوَازِ هَذَا الْقِيَامِ كَيْفَ وَقَعَ بِسَبَبِهِ ارْتِكَابُ مَا نَهَيْنَا عَنْهُ ، وَهُوَ هَذَا الْقِيَامُ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي الْقِيَامِ إذْلَالًا لِلْقَائِمِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْإِسْلَامُ يَعْلُو ، وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ انْتَهَى ، وَقَدْ عَلَا هَذَا الْعَدُوُّ الْكَافِرُ عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْحَالِ بِسَبَبِ مَا أُجِيزَ مِنْ الْقِيَامِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْمُؤْمِنُ لَا يَذِلَّ نَفْسَهُ أَوْ كَمَا قَالَ فَهُوَ قَدْ نَهَى أَنْ يَذِلَّ نَفْسَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ مُسْلِمٍ فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ مَعَ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ
أَوْ مُنَافِقٍ عَدُوٍّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَاءِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يَكُونُ الْقِيَامُ إلَيْهِ وَكَيْفَ يَكُونُ الذُّلُّ لَهُ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَدَمِ الْحَيَاءِ مِنْ الِارْتِكَابِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا أَجَازُوا ذَلِكَ إذَا خَافُوا الْفِتْنَةَ مِنْهُ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ خِيفَةَ الْفِتْنَةِ إنَّمَا سَبَبُهَا اسْتِعْمَالُنَا نَحْنُ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلْنَاهُ بَيْنَنَا شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ وَاحِدٌ مِنَّا لَوَجَدْنَا عَلَيْهِ الْوَجْدَ الشَّدِيدَ ، فَلَمَّا أَنْ ارْتَكَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَاصْطَلَحْنَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا طَلَبَهُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ مِنَّا ؛ لِأَنَّ شَهَوَاتِ النُّفُوسِ وَالْحُظُوظَ ؛ النَّاسُ الْكُلُّ مُشْتَرَكُونَ فِي مَحَبَّتِهَا وَالْقَوْلِ بِهَا إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ سِيَّمَا مَنْ كَانَ شَارِدًا عَنْ بَابِ رَبِّهِ مُعْرِضًا عَنْ مَوْلَاهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ شُرُودٌ وَإِعْرَاضٌ أَعْظَمُ وَأَدْهَى وَأَمَرُّ مِنْ الْمُخَالَفَةِ بِالْكُفْرِ وَجَحْدِ الْوَحْدَانِيَّةِ ، فَيَكُونُ مَحَبَّةُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ فَلَوْ وَقَفْنَا نَحْنُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلَمْ نَزِدْ عَلَيْهَا شَيْئًا ، وَلَا نَسْتَحْسِنُهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا إلَّا مَا اسْتَحْسَنَهُ صَاحِبُ شَرِيعَتِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْضَاهُ لَنَا وَرَآهُ مَصْلَحَةً لَنَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ يُخَالِطُنَا فِيهِ ، وَلَا يَطْلُبُهُ مِنَّا ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ عَلَى اتِّبَاعِهِ فِي أَمْرٍ مَا أَبَدًا لِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ .
أَلَا تَرَى أَنَّ السَّلَامَ الْمَشْرُوعَ وَمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مِنْ الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حِسًّا وَمَعْنًى كَيْفَ يَتَحَامَاهُ أَهْلُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ عَنْ آخِرِهِمْ ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ مَعَ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَا مَعَ مَنْ يُعَامِلُونَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَوْ كَانَ هَذَا
الْقِيَامُ مَشْرُوعًا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَتَحَامَوْهُ كَمَا تَحَامَوْا السَّلَامَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا شَرَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ انْتَفَتْ مِنْهُ حُظُوظُ النَّفْسِ ، فَلَيْسَ لَهُمْ إلَيْهِ سَبِيلٌ ، وَمَا يُسْتَعْمَلُ لِحُظُوظِ النَّفْسِ هُوَ الَّذِي يُشَارِكُنَا فِيهِ أَهْلُ الْمِلَلِ ، فَلَوْ أَنْكَرْنَا الْقِيَامَ ابْتِدَاءً بَعْضُنَا لِبَعْضٍ مَا طَلَبَهُ أَهْلُ الْمِلَلِ مِنَّا ، وَقَدْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الْقِيَامِ أَلْبَتَّةَ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُهُ ، وَلَا يُعَامِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِهِ ، فَلَمَّا أَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ بَانَ أَمْرُهُ وَاتَّضَحَ وَزَالَ إشْكَالُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ نَهَى فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ عَلَّلَهُ هَاهُنَا بِأَنَّهُ فِعْلُ الْأَعَاجِمِ حَتَّى نَهَى عَنْهُ ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ انْتَهَى .
وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا فِتْنَةً أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ الْفِتْنَةَ الْمَخُوفَةَ مَا هِيَ ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ لَوْ تَسَبَّبَ الذِّمِّيُّ فِي قَطْعِ رِيَاسَتِهِمْ أَوْ قَطْعِ مَنْصِبٍ لَهُمْ أَوْ قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ جَامِكِيَّتِهِمْ أَوْ عَقَدَ وَجْهَهُ فِي وُجُوهِهِمْ أَوْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ عِنْدَ أُسْتَاذِهِ بِأَمْرٍ مَا كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُمْ فِي جَوَازِ الْقِيَامِ لِأَهْلِ الْمِلَلِ مَعَاذَ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا وَقَعَ الْخَوْفُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مَعْلُومٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَشْهُورٌ بَيْنَهُمْ لَيْسَ عَلَى مَا تُسَوِّلُ لَنَا حُظُوظُ أَنْفُسِنَا وَيُزَيِّنُ لَنَا شَيْطَانُنَا وَيَحْمِلُنَا عَلَيْهِ قِلَّةُ يَقِينِنَا ، وَأَعْظَمُ فِتْنَةً
وَأَدْهَاهَا وَأَمَرُّهَا هَذَا الْأَمْرُ الْمُفْظِعُ الَّذِي وَقَعْنَا فِيهِ وَاصْطَلَحْنَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّا نَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزًا أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهِ مُعْضِلَةٌ عَظِيمَةٌ لَا تُسْتَدْرَكُ ، وَلَا يُمْكِنُ تَلَافِيهَا لِتَعَذُّرِ وُقُوعِ التَّوْبَةِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَكُونُ مِنْ الْجَائِزِ ، وَلَا مِنْ الْمَنْدُوبِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْمَعَاصِي .
فَالْحَاصِلُ مِنْ أَحْوَالِنَا فِيهِ أَعْنِي فِي الْقِيَامِ أَنَّا ارْتَكَبْنَا بِهِ بِدْعَةً جَرَّتْ إلَى حَرَامٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْقِيَامُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى ارْتِكَابِ الْبِدَعِ ، وَالتَّسَامُحِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي ، وَمَعْذِرَةِ بَعْضِ عُلَمَائِنَا وَتَسَامُحِهِمْ وَتَغَافُلِهِمْ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ حَتَّى اُرْتُكِبَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْكَثِيرُ الْكَبِيرُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَسْئُولُ فِي التَّجَاوُزِ وَالْعَفْوِ عَمَّا مَضَى ، وَالتَّدَارُكِ وَاللُّطْفِ وَالْإِقَامَةِ مِمَّا بَقِيَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ .
وَقَدْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ هَذَا الْقِيَامَ يَتَعَيَّنُ الْيَوْمَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ ، وَقَدْ أَمَرَنَا بِتَرْكِ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا الْحَدِيثَ .
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى مَا اُحْتُرِزَ مِنْهُ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ : إمَّا أَنْ يَقُومَ لِكُلِّ دَاخِلٍ عَلَيْهِ أَوْ الْعَكْسِ ، وَإِمَّا أَنْ يَقُومَ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ مَذْهَبٌ لِحُرْمَةِ الْعِلْمِ وَالْمُرُوءَةِ وَقَلَّ أَنْ يَسْتَقِرَّ لَهُ قَرَارٌ فِي مَجْلِسٍ وَيَشْتَغِلُ عَنْ كُلِّ ضَرُورَاتِهِ لِكُلِّ دَاخِلٍ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا .
وَهَذَا شَنِيعٌ وَمَعَ شَنَاعَتِهِ يَمْنَعُ مَا الْإِنْسَانُ قَاعِدٌ إلَيْهِ وَيَشْتَغِلُ عَنْهُ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ .
وَإِنْ قَامَ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ
بَعْضٍ فَهُوَ مَوْضِعُ الْفِتْنَةِ وَالتَّدَابُرِ وَالتَّقَاطُعِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَقُومَ لِأَحَدٍ فَيَسْلَمُ النَّاسُ مِمَّا يَقَعُ بَيْنَهُمْ وَتَنْحَسِمُ مَادَّةُ التَّدَابُرِ وَالتَّقَاطُعِ وَتَبْقَى حُرْمَةُ الْعِلْمِ قَائِمَةً ، وَالْمُرُوءَةُ مَوْجُودَةً ، وَبَرَكَةُ الِاتِّبَاعِ حَاصِلَةً ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَجَزْنَا ذَلِكَ لِأَجْلِ مَا يَقَعُ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ التَّغْيِيرِ لَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الشَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَوَامَّ كُلَّمَا أَحْدَثُوا حَدَثًا فِي الدِّينِ إنْ لَمْ نُوَافِقْهُمْ عَلَيْهِ حِفْظًا لِخَوَاطِرِهِمْ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ لَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى مَا ذُكِرَ ، وَهَذَا عَكْسُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ مَضَتْ أَنَّ الْعَوَامَّ يُحْدِثُونَ وَالْعُلَمَاءَ يُنْكِرُونَ وَيَزْجُرُونَ فَصَارَ الْيَوْمَ الْحَالُ بِالْعَكْسِ الْعَوَامُّ يُحْدِثُونَ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَتَّبِعُونَ وَبَعْضُهُمْ لَا يُنْكِرُونَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ أَوْ كَمَا قَالَ .
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ .
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى حَائِلٍ مُرْتَفِعٍ دُونَ مَنْ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ صُورَةَ التَّرَفُّعِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شِيَمِ الْعُلَمَاءِ إذْ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُدَرِّسِ التَّوَاضُعَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّنْ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى شَيْءٍ مِثْلِ فَرْوَةٍ ، أَوْ بِسَاطٍ ، أَوْ شَيْءٍ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَعَابَهُ وَقَالَ : أَتُتَّخَذُ الْمَسَاجِدُ بُيُوتًا وَرَخَّصَ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ ، فَعَلَى هَذَا إنْ اضْطَرَّ الْمُدَرِّسُ ، أَوْ غَيْرُهُ إلَى شَيْءٍ يَجْعَلُهُ تَحْتَهُ فَلْيَكُنْ قَدْرَ الضَّرُورَةِ وَلْيُبَيِّنْ عُذْرَهُ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ الْمَاضِينَ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَصَابَهُ مَرَضٌ فَاِتَّخَذَ الدَّرْسَ فِي بَيْتِهِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُ لِأَجْلِ مَرَضِهِ ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنْ الْغَدِ خَرَجَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَقَعَدَ خَارِجًا عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ : هَلَّا تَقْعُدُ بِمَوْضِعِك بِالْأَمْسِ ؛ لِأَنَّهُ أَكَنُّ لَك لِأَجْلِ مَرَضِك فَقَالَ : إنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَوْقَ جُلَسَائِي وَكَانَ الْمَوْضِعُ عُلُوُّهُ عَنْ أَصْحَابِهِ عَرْضُ أُصْبُعَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي هَذَا شَيْءٌ يَسِيرٌ ، فَقَالَ : لَوْ وَجَدْت سَبِيلًا أَنْ أَحْفِرَ حُفْرَةً تَحْتَ الْأَرْضِ فَأَقْعُدَ تَحْتَ جُلَسَائِي لَفَعَلْت ذَلِكَ ، أَوْ كَمَا قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ وَفُضَلَائِهِمْ يَقْعُدُونَ عَلَى حَائِلٍ دُونَ جُلَسَائِهِمْ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْلِسُ إلَى أَخْذِ الدُّرُوسِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ ، ثُمَّ بَعَثَ لَهُ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ سَجَّادَةً مِنْ صُوفٍ فَبَقِيَ يَتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِهِ فِي إرْسَالِهَا إذْ أَنَّ السَّجَّادَاتِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ بِدْعَةٌ ، وَمِثْلُهُ بَعِيدٌ أَنْ يَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا ، ثُمَّ قَالَ : مَا أَرْسَلَهَا إلَّا
لِحِكْمَةٍ فَتَرَكَهَا فِي بَيْتِهِ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فَمَا كَانَ إلَّا قَلِيلٌ وَأَخَذَهُ مَغَصٌ فِي فُؤَادِهِ بِسَبَبِ بُرُودَةِ الْبَلَاطِ الَّتِي تَصْعَدُ مِنْ تَحْتِ الْحَصِيرِ فَبَقِيَ يَخْرُجُ بِهَا إلَى الْمَسْجِدِ وَيَطْوِيهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى قَدْرِ جُلُوسِهِ لَيْسَ إلَّا وَيَسْجُدُ عَلَى الْحَصِيرِ ، وَكَانَ يَقُولُ : هَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا أَرْسَلَهَا هَذَا السَّيِّدُ ، فَهَذَا دَأْبُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَالْعُلَمَاءُ أَوْلَى مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ وَيُقْتَفَى آثَارُهُمْ وَيُهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاوِحِ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ إذْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ ، وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُعْهَدُ فِي الْبُيُوتِ أَنْ تُعْمَلَ فِي الْمَسَاجِدِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي غَيْرِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَدَارِسِ لِضَرُورَةِ الْحَرِّ وَالذُّبَابِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَنُهَا مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ ، أَوْ يُقْطَعُ بِهَا حُصْرُ الْوَقْفِ عِنْدَ الْبَحْثِ وَالِانْزِعَاجِ عِنْدَ إيرَادِ الْمَسَائِلِ ، وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَهُ الْمَرَاوِحَ الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ الَّتِي يَرُوحُ بِهَا النَّاسُ قَالَ : وَمَا كَانَ ذَلِكَ يُفْعَلُ فِيمَا مَضَى ، وَلَا أُجِيزُ لِلنَّاسِ أَنْ يَأْتُوا بِالْمَرَاوِحِ يَتَرَوَّحُونَ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ هَذِهِ الْحَلْقَةِ الَّتِي تُعْمَلُ لَهُ فِي كَوْنِ الطَّلَبَةِ يَبْعُدُونَ عَنْهُ وَالسَّلَفُ كَانُوا لَا يَبْعُدُونَ بَلْ تَمَسُّ ثِيَابُ الطَّلَبَةِ ثِيَابَ الْمُدَرِّسِ لِقُرْبِهِمْ مِنْهُ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلرِّيَاسَةِ فَذَمُّهُ أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ
فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَجْلِسِهِ مَكَانٌ مُمَيَّزٌ لِآحَادِ النَّاسِ بَلْ كُلُّ مَنْ سَبَقَ لِمَوْضِعٍ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ كَمَا هُوَ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ ، وَلَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَوْضِعِهِ جَبْرًا وَيَجْلِسُ فِيهِ غَيْرُهُ لِلنَّهْيِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ قَامَ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْهُ لِضَرُورَةٍ وَعَادَ كَانَ بِهِ أَحَقَّ أَيْضًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ مَعْلُومًا عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ فِيهِ إلَّا فُلَانٌ ، وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي فَتْوَاهُ وَعِلْمِهِ ، فَإِنْ جَلَسَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ أَوْ يُعْلَمْ بِمَشَقَّةٍ فَهَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْبُوقُ صَاحِبَ عِلْمٍ وَفَضِيلَةٍ فَحَيْثُمَا جَلَسَ كَانَ صَدْرًا ، وَلَيْسَتْ الْمَوَاضِعُ بِاَلَّتِي تُصَدِّرُ النَّاسَ ، وَلَا تَرْفَعُهُمْ وَإِنَّمَا يَرْفَعُ الْمَرْءُ مَا هُوَ حَامِلُهُ مِنْ عِلْمٍ وَفَضِيلَةٍ وَدِينٍ وَتَقْوَى ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّخْصِيصُ لِمَنْ ذُكِرَ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ فِي فَتْوَاهُ وَعِلْمِهِ ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ مُقْتَضَاهُ الْعُمُومُ فَالضَّرُورَةُ خَصَّصَتْ الدَّلِيلَ الْعَامَّ ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ دَلِيلٍ خُصَّ وَذَلِكَ كَثِيرٌ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَسَّعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى الضَّرَرِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَنْزَعِجَ عَلَى مَنْ آذَاهُ وَيُجَاهِدَ نَفْسَهُ لِتَرْتَاضَ فَيُحْسِنَ لَهُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ لَا يُؤَاخِذُ مَنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالْأَذِيَّةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ وَيُوَاجِهُهُ بِمَا يُوَاجِهُ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ الْمُحِبِّينَ وَالْمُعْتَقِدِينَ مِنْ طَيِّبِ الْقَوْلِ وَحُسْنِ الْعِبَارَةِ وَعَدَمِ الْجَفَاءِ تَقَرُّبًا بِذَلِكَ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا يُقَابِلُ الشَّرَّ بِمِثْلِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا شِيَمُهُمْ الْحِلْمُ وَالْإِقَالَةُ وَالصَّفْحُ وَالْعَفْوُ ، أَلَا تَرَى إلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَانَ قَاضِي بِلَادِ إفْرِيقِيَّةَ فَكَانَ إذَا قَعَدَ لِأَخْذِ الدُّرُوسِ أَتَاهُ إنْسَانٌ لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ فَيُحَدِّثُهُ فِي أُذُنِهِ سَاعَةً ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ مُدَّةً ، وَكَانَ إذَا أَقْبَلَ يَقُولُ الْقَاضِي لِجَمَاعَتِهِ أَفْسِحُوا لَهُ فَيَأْتِي وَيَفْعَلُ الْعَادَةَ ، ثُمَّ انْقَطَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مُدَّةً فَسَأَلَ عَنْهُ مَنْ حَضَرَهُ فَقَالُوا لَا نَعْرِفُ خَبَرَهُ فَقَالَ اُطْلُبُوهُ فَإِذَا وَجَدْتُمُوهُ فَأْتُونِي بِهِ فَوَجَدُوهُ فَأَتَوْا بِهِ إلَيْهِ فَأَخَذَهُ وَخَلَا بِهِ وَقَالَ لَهُ مَا مَنَعَك مِنْ عَادَتِك فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي لِي بَنَاتٌ قَدْ كَبِرْنَ وَاحْتَجْنَ إلَى التَّزْوِيجِ وَأَنَا فَقِيرٌ فَقَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ إنْ أَغْضَبْت فُلَانًا فَنَحْنُ نُزِيلُ فَقْرَك وَنُجَهِّزُ بَنَاتَك ، أَوْ كَمَا قَالُوا فَبَقِيتُ تِلْكَ الْمُدَّةَ أَجِيءُ إلَيْك فَأَقْذِفُك وَأَشْتُمُك وَأَفْعَلُ مَا قَدْ رَأَيْت لَعَلَّك تَغْضَبُ يَوْمًا مَا لِيَحْصُلَ لِي مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَيِسْتُ مِنْ غَضَبِك تَرَكْت ذَلِكَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ لَوْ أَخْبَرْتنِي كُنْت أَقُومُ لَك بِضَرُورَتِك أَعَلَيْكَ سَفَرٌ فَقَالَ يَا سَيِّدِي أَيُّ شَيْءٍ أَشَرْت بِهِ عَلَيَّ فَعَلْته ، فَأَمَرَ الْكَاتِبَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِالْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ إلَى نُوَّابِهِ بِالْبِلَادِ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ، وَمِمَّنْ يَعْتَنِي بِهِ
الْقَاضِي فَسَافَرَ إلَى الْبِلَادِ ، ثُمَّ رَجَعَ وَمَعَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ مَا أَزَالَ فَقْرَهُ وَجَهَّزَ بَنَاتَه .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا مُعَامَلَتَهُ مَعَ مَنْ شَتَمَهُ وَقَذَفَهُ فَيَكُونُ الْعَالِمُ يَقْتَدِي بِهَذَا السَّيِّدِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ فِي الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَالشِّيَمِ الْجَمِيلَةِ ، وَقُدْوَتُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سُنَّةُ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ انْتَهَى .
فَمِنْ جُمْلَةِ أَخْلَاقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَرُتْبَتُهُ مُنِيفَةٌ وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى أَوَّلُهَا ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الَّذِي يُؤْذِيكَ هُوَ الْمُحْسِنُ إلَيْك .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ : جُبِلَتْ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا وَإِذَا نَظَرْت إلَى النَّاسِ وَجَدْتَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُحْسِنٌ وَمُسِيءٌ فَالْمُحْسِنُ جُبِلَ قَلْبُك عَلَى مَحَبَّتِهِ ، وَهَذَا الْمُحْسِنُ إنَّمَا أَحْسَنَ إلَيْك بِشَيْءٍ يَفْنَى ، وَإِذَا نَظَرْت إلَى الْمُسِيءِ بِعَيْنِ التَّحْقِيقِ فَهُوَ مُحْسِنٌ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ إلَيْك بِالْبَاقِي إذْ أَنَّك تَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَإِلَّا أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِك ، وَشَأْنُ أَهْلِ التَّوْفِيقِ اغْتِنَامُ الْبَاقِي فَيَنْبَغِي لَك أَنْ تُكَافِئَهُ عَلَى إحْسَانِهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا يُبَيِّنُ هَذَا وَيُوَضِّحُهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَارًّا بِطَرِيقٍ فَلَقِيَهُ إنْسَانٌ فَصَفَعَهُ وَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ فَرَآهُ جَمَاعَةٌ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ قَالُوا لَهُ : أَتَعْرِفُ مَنْ هَذَا الَّذِي صَفَعْتَهُ قَالَ لَا قَالُوا هُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فَرَجَعَ إلَيْهِ
فَطَأْطَأَ عَلَى قَدَمِهِ فَقَبَّلَهَا وَقَالَ وَاَللَّهِ يَا سَيِّدِي مَا عَرَفْتُك وَسَأَلَهُ الْمُحَالَلَةَ فَقَالَ لَهُ وَاَللَّهِ مَا ارْتَفَعَتْ يَدُك عَنِّي حَتَّى سَأَلْت اللَّهَ تَعَالَى لَك الْمَغْفِرَةَ فَقَالَ لَهُ وَمَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ لِأَنَّك لَمَّا صَفَعْتنِي عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُثِيبُنِي عَلَى ذَلِكَ وَمَا كُنْت بِاَلَّذِي تُوصِلُ إلَيَّ خَيْرًا فَأُوصِلُ إلَيْك شَرًّا .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَوْ كُنْت مُغْتَابًا لِأَحَدٍ لَاغْتَبْت وَالِدَيْ ؛ لِأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِحَسَنَاتِي فَهُمْ أَبَدًا يَنْظُرُونَ إلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ وَعَوَاقِبِهَا ، وَغَيْرُهُمْ إلَى ضِدِّهَا .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى إلَى هَذَا الْمَقَامِ الْأَسْنَى الَّذِي يَحْصُلُ لِكَاظِمِ الْغَيْظِ إذْ أَنَّ ذَلِكَ يُدْخِلُهُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَامَةُ الصَّدْرِ لَا تُبْلَغُ بِعَمَلٍ فَنَفْيُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تُبْلَغَ سَلَامَةُ الصَّدْرِ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا مُتَحَصِّلٌ بِمَا ذَكَرَ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ أَنْ يَتَّكِئَ عَلَى الْيَدِ الْيُسْرَى إذَا جَعَلَهَا مِنْ خَلْفِهِ قَلِيلًا وَيَتَّكِئَ عَلَى شَحْمَتَيْ أَصْلِ كَفِّهِ تِلْكَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ تِلْكَ الْهَيْئَةَ مِنْ فِعْلِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ .
( فَصْلٌ ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْمَعَ مَنْ يَنِمُّ عِنْدَهُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَنْقُلُ أَخْبَارَ النَّاسِ وَمَا جَرَى لَهُمْ مِمَّا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِي هَذَا الْبَابِ مَجَالًا كَبِيرًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي لِأَحَدٍ إلَّا مِنْ الْبَابِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ لِلْعَالِمِ ، أَوْ الْعَابِدِ فَيُوَسْوِسُ لَهُ بِالزِّنَا ، أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ يَأْتِي بِذِكْرِ شَخْصٍ غَائِبٍ فَيُذْكَرُ بِخَيْرٍ فَيَقُومُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ وَيَسْتَثْنِي بِقَوْلِهِ : إلَّا أَنَّ فِيهِ كَذَا وَأَنَّهُ كَذَا ، فَيَتَرَتَّبُ الْإِثْمُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ ، فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا ، وَرَدَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَيَتَنَفَّسَ فَيَحْرِقُ بِنَفَسِهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً ، أَوْ كَمَا وَرَدَ وَهَا هُوَ ذَا بَيِّنٌ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَثْنِي إذَا اسْتَثْنَى وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ فَقَدْ بَاءُوا جَمِيعًا بِالْإِثْمِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ .
( فَصْلٌ ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْغِيبَةِ ؛ لِأَنَّهَا مُصِيبَةٌ عُظْمَى فِي الدِّينِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّحْذِيرِ عَنْ ذَلِكَ إلَّا قَوْله تَعَالَى وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْغِيبَةُ قَالَ ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ حَسْبُك مِنْ صَفِيَّةَ قِصَرُهَا قَالَ لَقَدْ قُلْت كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِهَا مَاءُ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَانًا فَقَالَ : مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إنْسَانًا وَلِي كَذَا وَكَذَا وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ رَزِينٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ وَلَا مُجَاهِرٍ وَكُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إلَّا الْمُجَاهِرُونَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ ، أَوْ يَمْشِي بِالْحَدِيثِ إلَى الْأَمِيرِ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرَجَ إلَيْهِمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ وَالْأَدِلَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى هَذَا وَأَشْبَاهِهِ كَثِيرَةٌ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْكِي أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُبَارَكِينَ بِتُونُسَ فَلَمَّا أَنْ أَرَادُوا الطَّعَامَ أَبْطَأَ
وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ مَا زَالَتْ عَادَتُهُ هَكَذَا ، فَقَامَ سَيِّدِي حَسَنٌ الزُّبَيْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ الْيَوْمَ لِي سَنَةٌ لَمْ أَسْمَعْ غِيبَةً فَسَمَّعْتُمُوهَا لِي الْيَوْمَ ، وَاَللَّهِ لَا أَقْعُدُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ وَخَرَجَ مِنْ حِينِهِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ شَيْئًا ، فَقِسْ عَلَى هَذَا وَانْظُرْ بِنَظَرِك أَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا رَخَّصَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، وَذَلِكَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا : وَهِيَ غِيبَةُ الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ بِفِسْقِهِ ، وَصَاحِبِ بِدْعَةٍ يَدْعُو إلَيْهَا ، وَصَاحِبِ بِدْعَةٍ يُخْفِيهَا ، فَإِذَا ظَفِرَ بِأَحَدٍ أَلْقَاهَا إلَيْهِ ، وَالْغِيبَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِخَصْمِهِ ، وَإِذَا سَأَلَ الْحَاكِمُ عَنْ أَحَدٍ فَغِيبَتُهُ جَائِزَةٌ وَعِنْدَ الْعَالِمِ لِلْفَتْوَى ، وَعِنْدَ مَنْ يُرْجَى تَغْيِيرُ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ ، وَعِنْدَ الْخُطْبَةِ ، وَعِنْدَ الْمُرَافَقَةِ فِي السَّفَرِ ، وَكَذَلِكَ فِي التِّجَارَةِ لِلشَّرِكَةِ ، وَكَذَلِكَ فِيمَنْ يَشْتَرِي دَارًا فَسَأَلَ عَنْ جَارِهَا أَوْ دُكَّانًا ، وَالتَّجْرِيحُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالْمُشَاوَرَةُ فِي أَمْرٍ مَا مِنْ أُمُورِ الْمُخَالَطَةِ ، أَوْ الْمُجَاوِرَةِ ، أَوْ الْمُصَاهَرَةِ ، وَتَجْرِيحُ الْمُحَدِّثِينَ لِلرُّوَاةِ ، وَذِكْرُ الرَّجُلِ بِاسْمٍ قَبِيحٍ يَشْتَهِرُ بِهِ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَجِ وَالْأَخْفَشِ فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الْمُسْتَثْنَاةُ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَصْحَابُ الْمُكُوسِ وَالظَّلَمَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُنْتَصِبِينَ لِظُلْمِ الْعِبَادِ وَأَذِيَّتِهِمْ فِي الْعِرْضِ ، أَوْ الْمَالِ ، أَوْ الْبَدَنِ ، وَلَا يُعَيِّنُ بَعْضَ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ إذَا خَشِيَ الْفِتْنَةَ ، فَإِنْ أَمِنَ عَيَّنَ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ الْمَذْكُورُ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَيَحْذَرُونَهُ وَيَهْجُرُونَهُ ، وَلَا يَتَعَاطَوْنَ مِثْلَ فِعْلِهِ
( فَصْلٌ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَنْعُ مِنْ النُّعُوتِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْكَذِبِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْكَذِبُ صُرَاحًا ، فَيَتَحَرَّزُ مِنْهُ أَنْ يَقَعَ فِي مَجْلِسِهِ ، فَإِنْ وَقَعَ فَلْيَنْقِمْ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ ، أَوْ يَمْنَعْهُ مِنْ حُضُورِ الْمَجْلِسِ حَتَّى يَتُوبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُقْلِعَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ وَشُرُوطِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ إلَّا بِقَلْبِهِ قَامَ وَتَرَكَهُ ، وَلَا يَكُونُ مُنْكِرًا بِقَلْبِهِ إنْ قَعَدَ ، وَيَأْثَمُ إلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْ الْخُرُوجِ لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَلَيْسَ هِيَ الْحَيَاءُ وَتَعْبِيسُ وَجْهِ الْمُنْكَرِ بَلْ مَا يُعَدُّ إنْكَارًا شَرْعِيًّا .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ : كُلُّ مَنْ شَاهَدَ مُنْكَرًا وَلَمْ يُنْكِرْ وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ شَرِيكٌ فِيهِ ، فَالسَّامِعُ شَرِيكُ الْمُغْتَابِ وَيَجْرِي هَذَا فِي جَمِيعِ الْمَعَاصِي حَتَّى فِي مُجَالَسَةِ مَنْ يَلْبَسُ الدِّيبَاجَ وَيَتَخَتَّمُ بِالذَّهَبِ وَيَجْلِسُ عَلَى الْحَرِيرِ ، وَالْجُلُوسِ فِي دَارٍ أَوْ حَمَّامٍ عَلَى حِيطَانِهَا صُوَرٌ ، أَوْ فِيهَا أَوَانٍ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَالْجُلُوسِ فِي مَسْجِدٍ يُسِيءُ النَّاسُ الصَّلَاةَ فِيهِ فَلَا يُتِمُّونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، وَالْجُلُوسُ فِي مَجْلِسِ وَعْظٍ يَجْرِي فِيهِ ذِكْرُ الْبِدْعَةِ ، أَوْ فِي مَجْلِسِ مُنَاظَرَةٍ ، أَوْ مُجَادَلَةٍ يَجْرِي فِيهَا الْأَذَى ، أَوْ الْأَبْحَاثُ بِالسَّفَهِ وَالشَّتْمِ .
وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ خَالَطَ النَّاسَ كَثُرَتْ مَعَاصِيه وَإِنْ كَانَ تَقِيًّا فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْمُدَاهَنَةَ فَلَا تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَيَشْتَغِلُ بِالْحِسْبَةِ وَالْمَنْعِ ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُجُوبُ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَلَمْ يُتْرَكْ الْمُنْكَرُ وَنَظَرَ إلَيْهِ بِعَيْنِ الِاسْتِهْزَاءِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي مُنْكَرَاتٍ يَرْتَكِبُهَا الْفُقَهَاءُ وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَهَا هُنَا يَجُوزُ
السُّكُوتُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الزَّجْرُ بِاللِّسَانِ ، وَيَجِبُ أَنْ يُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَلَيْسَ يَجُوزُ مُشَاهَدَةُ الْمَعْصِيَةِ بِالِاخْتِيَارِ ، فَمَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسِ الشُّرْبِ فَهُوَ فَاسِقٌ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ وَمَنْ جَالَسَ مُغْتَابًا ، أَوْ لَابِسَ حَرِيرٍ ، أَوْ آكِلَ رِبًا ، أَوْ حَرَامٍ فَهُوَ فَاسِقٌ وَلْيَقُمْ مِنْ مَوْضِعِهِ .
الثَّانِي : أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ بِأَنْ يَرَى زُجَاجَةً فِيهَا خَمْرٌ فَيَكْسِرُهَا ، أَوْ يَسْلُبَ آلَةَ الْمَلَاهِي مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا وَيَضْرِبَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُضْرَبُ ، أَوْ يُصَابُ بِمَكْرُوهٍ فَهَا هُنَا يُسْتَحَبُّ الْحِسْبَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ .
ثُمَّ قَالَ عُمْدَةُ الْحِسْبَةِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : اللُّطْفُ وَالرِّفْقُ وَالْبُدَاءَةُ بِالْوَعْظِ عَلَى سَبِيلِ اللِّينِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعُنْفِ وَالتَّرَفُّعِ وَالْإِدْلَالِ بِدَلَالَةِ الصَّلَاحِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ دَاعِيَةَ الْمَعْصِيَةِ وَيَحْمِلُ الْعَاصِي عَلَى الْمَنَاكِرِ وَعَلَى الْأَذَى ، ثُمَّ إذَا آذَاهُ وَلَمْ يَكُنْ حَسَنَ الْخُلُقِ غَضِبَ لِنَفْسِهِ وَتَرَكَ الْإِنْكَارَ لِلَّهِ وَاشْتَغَلَ بِشِفَاءِ غَلِيلِهِ مِنْهُ فَيَصِيرُ عَاصِيًا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَارِهًا لِلْحِسْبَةِ يَوَدُّ لَوْ تُرِكَتْ الْمَعْصِيَةُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ ، وَإِذَا أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعْتَرِضُ كَانَ ذَلِكَ لَمَا فِي نَفْسِهِ مِنْ دَلَالَةِ الِاحْتِسَابِ وَعِزَّتِهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا رَفِيقٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ رَفِيقٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ حَلِيمٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ حَلِيمٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ فَقِيهٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ فَقِيهٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ وَوَعَظَ الْمَأْمُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاعِظٌ بِعُنْفٍ فَقَالَ يَا رَجُلُ : اُرْفُقْ فَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك إلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ فَقَالَ لَهُ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ غُلَامًا شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي فِي الزِّنَا فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقِرُّوهُ أَقِرُّوهُ اُدْنُ مِنِّي فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّك فَقَالَ لَا جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاك فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِك قَالَ لَا قَالَ كَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ حَتَّى ذَكَرَ الْأُخْتَ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ وَهُوَ يَقُولُ كَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الزِّنَا .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِلْفُضَيْلِ إنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ فَقَالَ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ إلَّا دُونَ حَقِّهِ ، ثُمَّ خَلَا بِهِ وَعَاتَبَهُ بِالرِّفْقِ فَقَالَ يَا أَبَا عَلِيٍّ : إنْ لَمْ نَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ فَإِنَّا نُحِبُّ الصَّالِحِينَ .
الْعُمْدَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ قَدْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ فَهَذَّبَهَا وَتَرَكَ مَا يَنْهَى عَنْهُ أَوَّلًا .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا كُنْت تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ فَلْتَكُنْ مُرَاعِيًا لَهُ قَبْلَ أَخْذِ النَّاسِ بِهِ وَإِلَّا هَلَكْت فَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى حَتَّى يَنْفَعَ كَلَامُهُ وَإِلَّا اُسْتُهْزِئَ بِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا بَلْ يَجُوزُ الِاحْتِسَابُ لِلْعَاصِي أَيْضًا .
قَالَ أَنَسٌ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ : لَا نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى نَعْمَلَ بِهِ كُلَّهُ قَالَ بَلْ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلَّهُ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُرِيدُ أَنْ لَا يَظْفَرَ الشَّيْطَانُ مِنْكُمْ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ وَهُوَ أَنْ لَا تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى تَفْعَلُوا الْأَمْرَ كُلَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا
يُؤَدِّي إلَى حَسْمِ بَابِ الْحِسْبَةِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يُعْصَمُ مِنْ الْمَعَاصِي
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ الْمِزَاحِ الْمُخْرِجِ عَنْ حَدِّ الْوَقَارِ وَإِنْ كَانَ الْمِزَاحُ جَائِزًا إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ وَإِبْقَاءِ هَيْبَةِ الْعِلْمِ وَوَقَارِهِ أَلَا تَرَى إلَى وَاصِفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ وَكَانَ يَمْزَحُ ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لِلَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى جَمَلٍ فَقَالَ لَهُ لَا أَحْمِلُك إلَّا عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ ، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَخَرَجَ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْمِلَنِي عَلَى جَمَلٍ فَقَالَ لَا أَحْمِلُك إلَّا عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ فَقَالُوا لَهُ وَهَلْ الْجَمَلُ إلَّا وَلَدُ النَّاقَةِ .
وَمِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي شَكَتْ زَوْجَهَا فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا : هُوَ الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ فَأَتَتْ الْمَرْأَةُ إلَى زَوْجِهَا فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا فَجَعَلَتْ تَفْتَحُ عَيْنَيْهِ وَتَنْظُرُ الْبَيَاضَ فَاسْتَفَاقَ مِنْ نَوْمِهِ وَسَأَلَهَا عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ بِكَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا أَمَّا عَلِمْت أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ فِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَرَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ تَخْفِيفًا لِأُمَّتِهِ وَرَحْمَةً بِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهَذَا هُوَ تَوْقِيرُ مَجَالِسِ الْعِلْمِ لَا بِالْقُمَاشِ وَحُسْنِ الْمَلْبَسِ بَلْ بِحُسْنِ السَّمْتِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذِكْرِ الْآدَابِ سَلَفٌ صَالِحٌ مِنْهُمْ الْإِمَامَانِ الْكَبِيرَانِ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا ذَكَرْت نُبَذًا مِمَّا احْتَاجَ إلَيْهِ الْوَقْتُ فِي الْأَمْرِ الظَّاهِرِ ، وَمَنْ طَلَبَ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ فَلْيَلْتَمِسْهُ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
، ثُمَّ نَرْجِعُ الْآنَ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ حِينَ خُرُوجِ الْعَالِمِ إلَى الْمَسْجِدِ وَتَحِيَّتِهِ لَهُ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْفَرْضِ فَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ مُشْتَغِلًا بِإِلْقَاءِ الْعِلْمِ إذْ ذَاكَ فَلْيَتْرُكْ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ هُوَ وَجُلَسَاؤُهُ وَيَشْتَغِلُونَ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ مَا هُوَ فَرْضٌ يُتْرَكُ لِفَرْضٍ فَيُقَالُ هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ يُتْرَكُ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَةِ مَالِكٍ مَعَ ابْنِ وَهْبٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ لَهُ مَا الَّذِي قُمْت إلَيْهِ بِأَوْجَبَ عَلَيْك مِنْ الَّذِي قُمْت عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا فِي الْمَسْجِدِ إذْ ذَاكَ ، فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَهَا رُكُوعٌ قَبْلَهَا فَإِنْ كَانَتْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَهِيَ مِنْ السُّنَنِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُمَا فَرْضًا فَلَهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنْ يَنْذِرَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِهِمَا فَتَصِيرُ فَرْضًا فِي سُنَّةٍ ، وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِمَا ثُمَّ يُصَلِّي الْفَرْضَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُفْعَلُ فِيهِ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ قَبْلُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَمِنْ الْآدَابِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا بَعْدَهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِيمَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، أَوْ يُسْتَحَبُّ وَفِيمَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ ، أَوْ يُسْتَحَبُّ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ يَقَعُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي تَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ ، أَوْ تَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ فَيُنْظَرُ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَشْهُودِ وَهُوَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ الَّذِي يُتَكَلَّمُ فِيمَا يُفْعَلُ فِيهِ مَا هُوَ الْأَوْلَى بِهِ فِيهِ فَيُقَدَّمُ فِعْلُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ .
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا جَاءَ أَحَدٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةِ عِلْمٍ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقُولُ يَأْتِي أَحَدُهُمْ فِي صِفَةِ شَيْطَانٍ وَيَسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةِ عِلْمٍ إنْكَارًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ
فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اقْتِدَاءً مِنْهُ بِالسَّلَفِ السَّابِقِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِيثَارًا مِنْهُ اشْتِغَالَ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالتَّوَجُّهِ وَالْعِبَادَةِ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى زَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رَاغِبِينَ فِي الْعِلْمِ ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ انْتَشَرُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ ، وَأَمَّا الْيَوْمَ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ انْتَشَرُوا فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا وَالِانْهِمَاكِ عَلَيْهَا غَالِبًا فَقَلَّ أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ وَيَأْتُوا الْمَسَاجِدَ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ الَّذِي يُعَلِّمُ الْعِلْمَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَسَيَأْتِي إذَا كَانَ فِي الْمَدْرَسَةِ ، أَوْ غَيْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا فَيَنْبَغِي ، أَوْ يَجِبُ إشْغَالُ هَذَا الْوَقْتِ بِالْكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ ، وَآكَدُهَا الْفِقْهُ وَالْكَلَامُ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَا يَجُوزُ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يُمْنَعُ لَعَلَّهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ وَيَتَعَلَّمُونَ أَحْكَامَ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَدْعُوهُمْ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَالْإِصْغَاءِ إلَى فَوَائِدِهِ ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ، وَعَهْدِي مِنْ عَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ يَأْخُذُونَ الدُّرُوسَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيَأْتِي الْعَوَامُّ إلَيْهِمْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ أَمْرَ دِينِهِمْ ، وَكَانَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الزَّيَّاتُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَدُ شُيُوخِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْخُذُ الدَّرْسَ فِي رِسَالَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَيُلِينُ عِبَارَتَهُ لِيُوَصِّلَ إلَى الْعَوَامّ فَهْمَ الْعِلْمِ ، وَلَا يَسْمَعُ سُؤَالَ طَالِبٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَيَقُولُ لَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ دَرْسُ كِتَابِ التَّهْذِيبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنِّي إذَا اشْتَغَلْت بِالْبَحْثِ مَعَكُمْ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَقُومُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينُ إلَى أَسْبَابِهِمْ
وَدَكَاكِينِهِمْ فَهَذِهِ صِفَةُ الْعُلَمَاءِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِمْ وَالْمُقْتَدَى بِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا جَرَمَ أَنَّ الْعَوَامَّ صَارُوا فِي دَكَاكِينِهِمْ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِعِلْمِ مَا يُحَاوِلُونَهُ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ ، وَتَجِدُهُمْ يَبْحَثُونَ فِي دَكَاكِينِهِمْ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي الْمَسَائِلِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ لِيُوقِف بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَإِنْ كَانَ هُوَ عَلَى وُضُوءٍ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْ الْإِشْرَاقِ وَتُجْزِئُ عَنْ الضُّحَى إنْ نَوَاهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا فَرْضًا فَعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فَرَغَ مِنْ مَجْلِسِ الْعِلْمِ عِنْدَ الْإِشْرَاقِ ، أَوْ قَبْلَهُ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَقْطَعُهُ حَتَّى يُتِمَّهُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ فَلْيَرْكَعْ كَمَا سَبَقَ ، ثُمَّ يَنْصَرِفْ لِسَبِيلِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْآدَابُ فِي خُرُوجِهِ مِنْهُ وَيَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ سُرْعَةَ الْعُودِ إلَى الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ وَعَدَّ مِنْهُمْ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ فَإِذَا ذَهَبَ مَارًّا إلَى بَيْتِهِ فَلَهُ فِي رُجُوعِهِ إلَيْهِ نِيَّاتٌ عَدِيدَةٌ تَارَةً تَكُونُ عَلَى الْوُجُوبِ وَتَارَةً تَكُونُ عَلَى النَّدْبِ ، فَأَمَّا الْوُجُوبُ فَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ لِيَقُومَ بِالْحَقِّ الَّذِي لَهُمْ عَلَيْهِ وَأَنْ يُرْشِدَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَيَتَفَقَّدَ أَحْوَالَهُمْ وَمَا يَتَعَاطَوْنَهُ فِي فَرْضِهِمْ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُمُورِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ لِمَا وَرَدَ : كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَشْيِ النَّاسِ مَعَهُ وَمِنْ خَلْفِهِ وَمِنْ وَطْءِ عَقِبِهِ وَتَقْدِيمِهِمْ نَعْلَهُ وَاتِّكَائِهِ عَلَى أَحَدٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَثَارُهُ مِنْ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ غَالِبًا ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُتَوَاضِعًا لَكِنْ ظَاهِرُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ تُنَافِي ذَلِكَ وَتَجُرُّ إلَى الْمَذْمُومِ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَكَفَى بِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَضَرُّ مَا عَلَى الْإِنْسَانِ وَطْءُ عَقِبِهِ ، أَوْ كَمَا قَالَ وَوَطْءُ الْعَقِبِ هُوَ الْمَشْيُ خَلْفَهُ
( فَصْلٌ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، أَوْ يُنْدَبُ لَهُ فِي الطَّرِيقِ حِينَ خُرُوجِهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَهُ فِي رُجُوعِهِ
( فَصْلٌ ) فَإِذَا بَدَأَ بِدُخُولِ بَيْتِهِ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَيُقَدِّمُ الْيَمِينَ وَيُؤَخِّرُ الشِّمَالَ كَمَا وَرَدَ فِي خُرُوجِهِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ ذُكِرَ فَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ إنْ كَانُوا حُضُورًا وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ دُخُولِهِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كَامِلَةً لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَ الْمَوْلِجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا لِمَا جَاءَ فِيهِ أَيْضًا
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْكَعَ فِي بَيْتِهِ قَبْلَ جُلُوسِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهَا فَرْضًا كَمَا تَقَدَّمَ
فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَهْلَهُ بِمَسَائِلِ الْعِلْمِ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ تَعْلِيمِ غَيْرِهِمْ طَلَبًا لِثَوَابِ إرْشَادِهِمْ فَخَاصَّتُهُ وَمَنْ تَحْتَ نَظَرِهِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُمْ رَعِيَّتُهُ وَمِنْ الْخَاصَّةِ بِهِ كَمَا سَبَقَ " كُلُّكُمْ رَاعٍ " الْحَدِيثَ ، فَيُعْطِيهِمْ نَصِيبَهُمْ فَيُبَادِرُ لِتَعْلِيمِهِمْ لِآكَدِ الْأَشْيَاءِ فِي الدِّينِ أَوَّلًا وَأَنْفَعِهَا وَأَعْظَمِهَا فَيُعَلِّمُهُمْ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَيُجَدِّدُ عَلَيْهِمْ عِلْمَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوهُ وَيُعَلِّمُهُمْ الْإِحْسَانَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْوُضُوءَ وَالِاغْتِسَالَ وَصِفَتَهُمَا وَالتَّيَمُّمَ وَالصَّلَاةَ وَمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ ، وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ سَمِعْتُ سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَمَّا أَنْ تَأَهَّلْت قُلْت لِلزَّوْجَةِ لَا تَتَحَرَّكِي ، وَلَا تَتَكَلَّمِي بِكَلِمَةٍ فِي غَيْبَتِي إلَّا وَتَعْرِضِيهَا عَلَيَّ حِينَ آتِي لِأَنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَصَرُّفِك كُلِّهِ ، كُنْت مَسْئُولًا عَنْ نَفْسِي لَيْسَ إلَّا وَأَنَا الْآنَ مَسْئُولٌ عَنْ نَفْسِي وَعَنْكِ فَأُسْأَلُ عَنْ عَشْرِ صَلَوَاتٍ ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ ، وَكُلُّ مَا أَنَا مُطَالَبٌ بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَغَيْرِهَا حَتَّى بَالَغَ مَعَهَا بِأَنْ قَالَ لَهَا إنْ نَقَلْتِ الْكُوزَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَأَخْبِرِينِي بِهِ قَالَ وَذَلِكَ خِيفَةً مِنْ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ تَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِيهِ فَبَقِيَتْ تُخْبِرُنِي بِكُلِّ تَصَرُّفِهَا إلَى أَنْ طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَبَقِيَتْ تُخْبِرُنِي بِمَا يَظْهَرُ لَهَا أَنَّ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ وَتَسْكُتُ عَنْ الْبَاقِي فَوَجَدْت نَفْسِي قَلِقًا خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً قَدْ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ فَبَقِيت إذَا دَخَلْت الْبَيْتَ يُنْطِقُ اللَّهُ لِي جِدَارَ الْبَيْتِ حِينَ أَدْخُلُ فَيَقُولُ لِي جَمِيعَ تَصَرُّفِهَا فَأَجْلِسُ فَتَعْرِضُ عَلَيَّ كُلَّ
مَا تُرِيدُهُ مِمَّا يَظْهَرُ لَهَا أَنَّ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةً كَمَا تَقَدَّمَ فَأَقُولُ لَهَا هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ فَتَقُولُ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهَا هُوَ ذَاكَ ، فَأَقُولُ لَهَا وَفَعَلْت كَذَا وَكَذَا وَأَذْكُرُ لَهَا بَقِيَّةَ تَصَرُّفِهَا فَتَقُولُ : أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْبَابُ عَلَيَّ مُغْلَقًا ، وَلَا أَجِدُ مَعِي فِي الْبَيْتِ أَحَدًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلْته فَمَنْ أَخْبَرَك فَمَا بَقِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ حَتَّى تُخْبِرَنِي فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا كَيْفِيَّةَ نَظَرِهِمْ إلَى تَخْلِيصِ ذِمَمِهِمْ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ فَهِمُوا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَعَمِلُوا بِهِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ وَأَعَادَ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمَنِّهِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ آكَدِ الْأَشْيَاءِ وَأَهَمِّهَا تَفَقُّدُ الْقِرَاءَةِ إذْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامِ وَاجِبَةٌ وَسُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ فَالْوَاجِبَةُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ بِجَمِيعِ حُرُوفِهَا وَحَرَكَاتِهَا وَشَدَّاتِهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا وَالسُّنَّةُ سُورَةٌ مَعَهَا وَالْفَضِيلَةُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَعْنِي فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ ؛ لِأَنَّ أَفْضَلَهَا طُولُ الْقِيَامِ فِيهَا .
أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَيْثُ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ ، ثُمَّ آلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ النِّسَاءِ ، ثُمَّ الْمَائِدَةِ حَتَّى سَمِعْت هَذَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ رَكَعَ .
وَحَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَةِ الْوِتْرِ الْخَتْمَةَ كُلَّهَا ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي وَلَدِهِ وَعَبْدِهِ وَأَمَتِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهِمْ عُجْمَةٌ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى النُّطْقِ فَلَا حَرَجَ ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِالتَّصْرِيحِ فِيهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَ عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ وَمَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دِينِ هِمَا كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ إذْ لَا فَرْقَ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِ ، وَقَدْ كَثُرَ الْجَهْلُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ بِهَذَا الْمَعْنَى حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى أَنَّ الْعَبْدَ وَالْجَارِيَةَ لَا حَظَّ لَهُمَا فِي تَعْلِيمِ ذَلِكَ حَتَّى لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَذْكُرُ شَيْئًا لَوْ اعْتَقَدَهُ لَكَانَ كُفْرًا لَا شَكَّ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهُوَ جَهْلٌ وَسَخَفٌ وَبِدْعَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْهُ وَهُوَ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ
مِنْ قَوْلِهِمْ : إنَّ صَلَاةَ الْعَبْدِ وَصَوْمَهُ وَبَاقِيَ عِبَادَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ ، أَوْ لِسَيِّدَتِهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
وَكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُنَّ مَا يَخُصُّهُنَّ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي الْحَيْضِ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَرِّفَهُنَّ أَنَّ الْحَيْضَ عَلَى سِتِّ مَرَاتِبَ : أَوَّلُهُ أَسْوَدُ ، ثُمَّ حُمْرَةٌ ، ثُمَّ صُفْرَةٌ ، ثُمَّ غُبْرَةٌ ، ثُمَّ كُدْرَةٌ ، ثُمَّ قَصَّةٌ ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَتَصِيرُ جَافَّةً ، فَالْخَمْسَةُ الْأُوَلُ حَيْضٌ وَالْقَصَّةُ وَالْجُفُوفُ نَقَاءٌ وَكَثِيرًا مَا يُتَسَاهَلُ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْبَابِ لِقِلَّةِ سُؤَالِهِنَّ وَمَنْ يُعَلِّمُهُنَّ ، فَمِنْهُنَّ مَنْ تَرَى أَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا يَحْرُمُ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَأَمَّا الصُّفْرَةُ وَالْغُبْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فَلَا بَأْسَ بِالْوَطْءِ فِيهَا عِنْدَهُمْ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الْأُوَلِ وَبَعْدَهَا يَجُوزُ الْوَطْءُ وَمِنْهُنَّ مَنْ تَعْتَقِدُ أَنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ فَإِنْ رَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ مُضِيِّهَا لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ وَانْتَظَرَتْ تَمَامَهَا دُونَ غُسْلٍ وَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَوَطْءٍ ، وَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَصَامَتْ وَوُطِئَتْ مَعَ وُجُودِ الْحَيْضِ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ انْتَهَى فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ وَتَغَفُّلِ الْأَزْوَاجِ ، ثُمَّ يُعَلِّمُهُنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَقَلَّهَا وَمَا بَيْنَهُمَا وَيُعَرِّفُهُنَّ مَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ إلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَلْ يُقَدَّرُ لَهَا قَدْرَ زَمَنِ الْغَسْلِ بِلَا تَرَاخٍ ، أَوْ زَمَنِ الرَّكَعَاتِ ، وَكَذَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ
قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَالصُّبْحُ إلَى أَنْ يَبْقَى لَهَا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُحَقِّقُ لَهُنَّ الطُّهْرَ بِمَاذَا يَكُونُ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَخْتَلِفْنَ فِي هَذَا فَوَاحِدَةٌ يَكُونُ طُهْرُهَا بِالْجُفُوفِ وَأُخْرَى يَكُونُ طُهْرُهَا بِالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ ، وَيُعَلِّمُهُنَّ أَيْضًا مَوَانِعَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَذَلِكَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً مِنْهَا عَشَرَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ وَهِيَ : مَنْعُ رَفْعِ حَدَثِهَا مِنْ حَيْضَتِهَا .
وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ صِحَّةُ فِعْلِهَا .
صِحَّةُ فِعْلِ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ .
مَسُّ الْمُصْحَفِ .
دُخُولُ الْمَسْجِدِ .
الِاعْتِكَافُ وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ .
الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ .
الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ .
وَمِنْهَا خَمْسَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ : مَنْعُ وَطْئِهَا فِيمَا تَحْتَ الْإِزَارِ .
مَنْعُ وَطْئِهَا بَعْدَ النَّقَاءِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ الْمَشْهُورُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ مَنْعُ رَفْعِ حَدَثِ غَيْرِهَا .
مَنْعُ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ مَائِهَا .
قِرَاءَتُهَا الْقُرْآنَ ظَاهِرًا الْمَشْهُورُ الْجَوَازُ ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا هَذَا وَهِيَ أَنْ تَقْعُدَ الْمَرْأَةُ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا فَتَطْلُبَ الصَّابُونَ فِي يَوْمٍ وَتَغْسِلَ ثِيَابَهَا فِي الثَّانِي وَتَغْتَسِلَ فِي الثَّالِثِ وَتُصَلِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَتَقْعُدُ مُدَّةً بِغَيْرِ صَلَاةٍ فِي ذِمَّتِهَا ، ثُمَّ تَرْتَكِبُ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَهِيَ أَنَّهَا لَا تُصَلِّي إلَّا مَا أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ غُسْلِهَا ، وَلَا تَقْضِي مَا فَوَّتَتْهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا سَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مُرْتَدٌّ ، أَوْ مُسْلِمٌ فَمَنْ قَالَ : إنَّهُ مُرْتَدٌّ قَالَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَيَعُودُ إلَى الْإِسْلَامِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ عُظْمَى فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيَقْضِيَ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ اسْتِقَامَتُهُ .
وَكَذَلِكَ يُنَبِّهُهُنَّ أَيْضًا عَلَى مَا إذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ وَزَادَ عَلَى عَادَتِهَا وَانْقَطَعَ ، وَحُكْمُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ تَمَادَى بِهَا وَلَمْ يَنْقَطِعْ وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُنَبِّهَهُنَّ عَلَى مَا يَفْعَلُ بَعْضُهُنَّ مِنْ أَنَّهُنَّ إذَا انْقَطَعَ الْحَيْضُ عَنْ إحْدَاهُنَّ خَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ فَتَغْتَسِلُ فِيهِ ، وَهِيَ لَا تَدْرِي أَحْكَامَ الْغُسْلِ وَمَا يَلْزَمُهَا فِيهِ بَلْ تُنَظِّفُ جَسَدَهَا وَتَقْتَصِرُ عَلَيْهِ ، فَلَوْ صَلَّتْ بِهَذَا الْغُسْلِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا ، وَلَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا إذْ أَنَّهَا لَمْ تَغْتَسِلْ بَعْدُ مِنْ حَيْضَتِهَا الْغُسْلَ الشَّرْعِيَّ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ تَغْتَسِلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ مِنْ حَيْضَتِهَا ، أَوْ جَنَابَتِهَا ، أَوْ هُمَا مَعًا ، فَإِذَا نَوَتْ النِّيَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ فَقَدْ صَحَّ غُسْلُهَا وَاسْتَبَاحَتْ الصَّلَاةَ وَالْوَطْءَ وَكُلَّ مَا كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ فِي حَالِ حَيْضِهَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ إزَالَةِ الْوَسَخِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُنَّ مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا هُوَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ وَالتَّنَظُّفِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِجَهْلِهِنَّ بِالْحُكْمِ فِي ذَلِكَ وَيُنَبِّهُهُنَّ عَلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ النِّسَاءِ بَلْ الْمُحَرَّمَةِ وَهِيَ أَنَّهُنَّ يَعْتَقِدْنَ أَنَّ إحْدَاهُنَّ لَا تَطْهُرُ حَتَّى تُدْخِلَ يَدَهَا فِي فَرْجِهَا وَتَغْسِلَ دَاخِلَهُ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَا غُسْلَ لَهَا فَجَرَّتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ إلَى مُحَرَّمٍ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهَا إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ تَغْتَسِلْ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهِيَ لَمْ تَغْتَسِلْ فَتَتْرُكْ الْغُسْلَ نَهَارًا مُحَافَظَةً مِنْهَا عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ بِسَبَبِ أَنَّهَا تُفْطِرُ بِإِدْخَالِ يَدِهَا فِي فَرْجِهَا ، فَلَوْ أَنَّهَا لَمْ
تَفْعَلْ هَذَا الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ اغْتَسَلَتْ نَهَارًا وَحَصَلَ لَهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ مَعًا عَلَى أَنَّهَا لَوْ اغْتَسَلَتْ نَهَارًا لَصَحَّ صَوْمُهَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ فِعْلِهَا هَذَا الْمُحَرَّمَ الشَّنِيعَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفْطِرُ بِذَلِكَ عِنْدَهُ وَيَنْتَقِضُ بِهِ وُضُوءُهَا دُونَ غُسْلِهَا ؛ لِأَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَمَسُّ فَرْجَهَا هَلْ عَلَيْهَا وُضُوءٌ أَمْ لَا فَقَالَ : إنْ أَلْطَفَتْ فَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ قِيلَ وَمَا مَعْنَى أَلْطَفَتْ قَالَ أَنْ تَفْعَلَ كَمَا يَفْعَلُ شِرَارُ النِّسَاءِ وَهِيَ أَنْ تُدْخِلَ أُصْبُعَهَا مَعَهَا انْتَهَى .
وَسَبَبُ هَذَا عَدَمُ الْعِلْمِ وَعَدَمُ الْفَهْمِ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْحَيْضِ قَالَ : خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً وَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحَى وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ ، أَوْ قَالَ تَوَضَّئِي بِهَا .
قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى .
وَذَلِكَ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ لَهُ رَائِحَةٌ فَقَدْ يَشُمُّهَا الرَّجُلُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْفِرَاقِ ، وَالْوُضُوءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَضَاءَةِ يُقَالُ : وَجْهٌ وَضِيءٌ أَيْ حَسَنٌ نَظِيفٌ فَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ تَنْظِيفُ الْمَحَلِّ وَتَطْيِيبُهُ ، وَصِفَةُ مَا تَفْعَلُ أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُطْنِ ، أَوْ غَيْرِهِ فَتَجْعَلُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْمِسْكِ وَلَوْ قَلَّ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ إنْ تَعَذَّرَ الْمِسْكُ فَتُرْسِلَهُ مَعَهَا بِرِفْقٍ وَتَلْحِمُ عَلَيْهِ بِحَفَّاضٍ وَتَتْرُكُهُ حَتَّى تَظُنَّ أَنَّ مَا فِي الْمَحَلِّ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ هَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلَيْسَ هُوَ غَسْلُ بَاطِنِ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ كَمَا يَزْعُمْنَ .
وَمَعَ ذَلِكَ
فَفِيهِ أَذِيَّةُ لَهَا وَلِلزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا وَصَلَ إلَى بَاطِنِ الْفَرْجِ مَعَ الْأَصَابِعِ أَرْخَى الْمَحَلَّ وَبَرَّدَهُ وَوَسَّعَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِ الضَّرَرِ وَالْإِخْلَالِ بِالْفَرْضِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهَا أَنْ تَغْسِلَ الْمَحَلَّ كَمَا تَغْسِلُهُ الْبِكْرُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ لَا تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ وَغَيْرَهُنَّ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهُنَّ بِمَا أَحْدَثَ بَعْضُ النِّسَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِمَّنْ لَهَا مَنْظَرٌ وَسِمَنٌ فَتَخَافُ إنْ صَامَتْ أَنْ يَذْهَبَ بَعْضُ جَمَالِهَا ، أَوْ سِمَنِهَا فَتُفْطِرُ خِيفَةً مِنْ ذَلِكَ ، وَهِيَ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ اسْتِحْلَالًا فَتَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا عَلَى اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ فَهِيَ مُرْتَكِبَةٌ لِمَعْصِيَةٍ كُبْرَى يَجِبُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : التَّوْبَةُ ، وَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَتُؤَدَّبُ إنْ عَثَرَ عَلَيْهَا عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فَيَحْتَاجُ الْعَالِمُ أَنْ يَتَبَتَّلَ لِتَعْلِيمِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِلْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إلَى قَوْلِهِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فَسَوَّى بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ تَجِدُ أَوْلَادَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ وَإِمَاءَهُمْ فِي غَالِبِ أَمْرِهِمْ مُشْتَرَكِينَ فِي هَذِهِ الْفَضَائِلِ كُلِّهَا .
أَلَا تَرَى إلَى بِنْتِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا أَنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَكَانَ مِنْ أَحَدِ طَلَبَةِ وَالِدِهَا فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ أَخَذَ رِدَاءَهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ : إلَى أَيْنَ تُرِيدُ
فَقَالَ : إلَى مَجْلِسِ سَعِيدٍ أَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ فَقَالَتْ : لَهُ اجْلِسْ أُعَلِّمُكَ عِلْمَ سَعِيدٍ .
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْمُوَطَّأَ فَإِنْ لَحَنَ الْقَارِئُ فِي حَرْفٍ ، أَوْ زَادَ ، أَوْ نَقَصَ تَدُقُّ ابْنَتُهُ الْبَابَ فَيَقُولُ أَبُوهَا لِلْقَارِئِ ارْجِعْ فَالْغَلَطُ مَعَك فَيَرْجِعُ الْقَارِئُ فَيَجِدُ الْغَلَطَ .
وَكَذَلِكَ مَا حُكِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَأَنَّهُ اشْتَرَى خَضِرَةً مِنْ جَارِيَةٍ وَكَانُوا لَا يَبِيعُونَ الْخَضِرَةَ إلَّا بِالْخُبْزِ فَقَالَ لَهَا : إذَا كَانَ عَشِيَّةً حِينَ يَأْتِينَا الْخُبْزُ فَائْتِينَا نُعْطِيك الثَّمَنَ فَقَالَتْ : ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَقَالَ لَهَا : وَلِمَ فَقَالَتْ : لِأَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ غَيْرُ يَدٍ بِيَدٍ فَسَأَلَ عَنْ الْجَارِيَةِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهَا جَارِيَةُ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَعَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ كَانَ حَالُهُمْ وَإِنَّمَا عَيَّنْت مَنْ عَيَّنْت تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ ، وَقَدْ كَانَ فِي زَمَانِنَا هَذَا سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَرَأَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ الْخَتْمَةَ فَحَفِظَتْهَا .
وَكَذَلِكَ رِسَالَةُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنِصْفُ الْمُوَطَّإِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَكَذَلِكَ ابْنَتَاهَا قَرِيبَانِ مِنْهَا فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي زَمَانِنَا فَمَا بَالُكَ بِزَمَانِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَحْمِلُ أَهْلَهُ وَمَنْ يَلُوذُ بِهِ عَلَى طَلَبِ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ فَيَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ جُهْدَهُ فَإِنَّهُمْ آكَدُ رَعِيَّتِهِ وَأَوْجَبُهُمْ عَلَيْهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ فَيُنَبِّهُهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
فَصْلٌ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَيَتَحَرَّزُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ طَعَامٌ خَاصٌّ بِهِ وَزُبْدِيَّةٌ خَاصَّةٌ بِهِ وَكُوزٌ خَاصٌّ بِهِ أَلَا تَرَى حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كُنْت أَشْرَبُ مِنْ الْإِنَاءِ فَيَأْخُذُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْرَبُ مِنْهُ فَيَضَعُ فَاهُ فِي مَوْضِعِ فِي انْتَهَى .
وَهَذَا تَشْرِيعٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتَغْتَنِمَ أُمَّتُهُ بَرَكَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَتَكُونُ مَنْفَعَتُهُمْ عَامَّةً بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ .
وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُؤْرُ الْمُؤْمِنِ شِفَاءٌ فَيُحْرَمُ الْمِسْكِينُ هَذِهِ الْبَرَكَةَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ انْتَهَى فَإِذَا كَانَ لَهُ طَعَامٌ خَاصٌّ بِهِ فَهُوَ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ بِالْعَالِمِ الَّذِي هُوَ إمَامُهُمْ وَقُدْوَتُهُمْ وَهَذِهِ دَسِيسَةٌ مِنْ دَسَائِسِ إبْلِيسَ دَسَّهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِوَاسِطَةِ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُنَّ يَجِدْنَ السَّبِيلَ إلَى إطْعَامِ الرَّجُلِ مَا يَخْتَرْنَ مِنْ السِّحْرِ وَغَيْرِهِ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ وَدِينِهِنَّ إذْ أَنَّهُنَّ مَصَائِدُ الشَّيْطَانِ وَغَيْرَتُهُنَّ تَحْمِلُهُنَّ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ يُشَارِكُهُنَّ فِي الْأَكْلِ مَا وَجَدَ إبْلِيسُ لِفَتْحِ هَذَا الْبَابِ مِنْ سَبِيلٍ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى شَيْنِ الْبِدْعَةِ كَيْفَ تَجُرُّ إلَى مُحَرَّمَاتٍ ، وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ فَاعِلَهُ مُتَّصِفٌ بِالْكِبْرِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى النَّاسِ بِالتَّوَاضُعِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ الْأَكْلِ وَحْدَهُ لِمَا وَرَدَ شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ وَضَرَبَ عَبْدَهُ وَمَنَعَ رِفْدَهُ انْتَهَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا فِي ذَلِكَ بِسَبَبِ حَمِيَّةٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ صَوْمٍ ، أَوْ وِصَالٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ
كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ قَدْ خَرَجَ هَذَا عَنْ هَذَا الْبَابِ إلَى بَابِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُخَلَّى مَنْ أَتَاهُ بِطَعَامٍ أَنْ يُذِيقَهُ مِنْهُ شَيْئًا مَا وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامٍ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ ، أَوْ أَكْلَةً ، أَوْ أَكْلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ انْتَهَى .
وَمَا ذَاكَ إلَّا لِقُوَّةِ بَاعِثِ الشَّهْوَةِ عَلَى الْخَادِمِ ، وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ بَيْنَ الْخَادِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يُبَاشِرُ ذَلِكَ ، أَوْ يَرَاهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْأَكْلِ وَالْعَيْنَانِ تَنْظُرَانِ حَتَّى لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ هِرٌّ ، أَوْ كَلْبٌ فَقَدْ جَعَلَهُ الْعُلَمَاءُ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ مَنْ عَمِلَ لَهُ الطَّعَامَ ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ فَلْيُنَاوِلْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيَكُونُ مَا يُنَاوِلُهُ مِنْ أَوَّلِهِ لَا مَنْ فَضْلَتِهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ الْأَكْلِ وَأَحَدٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ إذْ ذَاكَ فَإِنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ قَلَّ إنْ سَلِمَ مِنْ وُجُودِ الْكِبْرِ ، وَكَثِيرٌ مَنْ يَفْعَلُ الْيَوْمَ هَذَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الذُّبَابُ كَثِيرًا فَيَقُومُ شَخْصٌ عَلَى رُءُوسِ الْآكِلِينَ فَيَنُشُّ عَلَيْهِمْ وَيُرَوِّحُ وَهَذَا مِنْ الْبِدَعِ ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فَلْيَكُنْ فَاعِلُهُ جَالِسًا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَمِنْ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ عَبْدَهُ ، أَوْ أَمَتَهُ ، أَوْ كَائِنًا مَنْ كَانَ
( فَصْلٌ ) فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ يَدُهُ نَظِيفَةً أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَتْ نَظِيفَةً فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْغَسْلِ ، أَوْ التَّرْكِ ، وَالْغَسْلُ أَوْلَى إلَّا أَنَّ الْتِزَامَهُ أَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَدِهِ شَيْءٌ ، أَوْ حَكَّ بَدَنَهُ ، أَوْ مَسَّ عَرَقَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ يَعْنِي الْجُنُونَ وَيَنْوِي بِغَسْلِهِ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ ، وَهَذَا فِيمَا كَانَ لَهُ مِنْ الطَّعَامِ دَسَمٌ ، فَإِنْ يَكُنْ لَا بَأْسَ بِتَرْكِ الْغَسْلِ ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَنْدَلُونَ بِأَقْدَامِهِمْ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى تَرْفِيعِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ فِي الْيَدِ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ مَا تَمَنْدَلُوا بِالْأَقْدَامِ ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلَعْقِ الْيَدِ بَعْدَ الْأَكْلِ ، أَوْ يُلْعِقُهَا أَخَاهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَصْعَةً بَقِيَ لُعَاقُهَا قَالَ فَلَعِقْتُهَا فَشَبِعْت ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ لَهُ ، وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ سَاعَةً ، ثُمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ وَدَعَا بِالْوَضُوءِ لِغَسْلِ يَدِهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْدَءُوا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَغْسِلُ فَقَالَ مَالِكٌ إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا يَغْسِلُ يَدَهُ فَاغْسِلْ أَنْتَ يَدَك فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ لَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ بَلَدِنَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ إيَّاكُمْ وَزِيَّ الْعَجَمِ
وَأُمُورَهَا ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إذَا أَكَلَ مَسَحَ يَدَهُ بِظَهْرِ قَدَمَيْهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ أَفَتَرَى لِي تَرْكَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إيْ وَاَللَّهِ فَمَا عَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ إلَى ذَلِكَ انْتَهَى .
فَإِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى آدَابٍ مِنْهَا أَنْ يُشْعِرَ نَفْسَهُ فَيَنْظُرَ فِيمَا حَضَرَهُ كَمْ مِنْ عَالَمٍ عُلْوِيٍّ وَسُفْلِيٍّ خَدَمَهُ فِيهِ لِمَا قِيلَ : إنَّ الرَّغِيفَ لَا يَحْضُرُ بَيْنَ يَدَيْ آكِلِهِ حَتَّى يَخْدُمَ فِيهِ ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عَالِمًا عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ فَإِذَا أَشْعَرَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَيَعْلَمُ قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي إحْضَارِ هَذَا الرَّغِيفِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَدِّرُ شُكْرَهَا بِأَنْ يَعْلَمَ مَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ النِّعَمِ وَعَجْزَهُ عَنْ شُكْرِهَا .
ثُمَّ الْأَكْلُ فِي نَفْسِهِ عَلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ : وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٌ ، فَالْوَاجِبُ مَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ لِأَدَاءِ فَرْضِ رَبِّهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَالْمَنْدُوبُ مَا يُعِينُهُ عَلَى تَحْصِيلِ النَّوَافِلِ وَعَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ ، وَالْمُبَاحُ الشِّبَعُ الشَّرْعِيُّ وَالْمَكْرُوهُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ قَلِيلًا وَلَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ ، وَالْمُحَرَّمُ الْبِطْنَةُ وَهُوَ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ الْمُضِرُّ لِلْبَدَنِ وَرُتْبَةُ الْعَالِمِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَكْلِ الْمُبَاحِ وَالْمَنْدُوبِ ، وَقَدْ سَبَقَ حَدُّهُمَا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَلْيَقُلْ عِنْدَهُ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ أَوْ مَعَهَا كَيْفِيَّةَ السُّلُوكِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَكْلِهِ فَيَنْوِيَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَكْلِهِ ذَلِكَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ انْتَهَى .
وَيُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الِافْتِقَارِ وَالْحَاجَةِ وَالْإِضْرَارِ وَالْمَسْكَنَةِ مَعَ نِيَّةِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ الْمُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ فِي التَّقْسِيمِ ، وَنَوْعٌ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَالتَّعَلُّقِ بِمَوْلَاهُ
وَالشُّكْرِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ فِي أَكْلِهِ وَفِي تَخْلِيصِهِ مِنْ آفَةِ أَكْلِهِ فَإِنَّ لَهُ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالطَّعَامِ وَآخَرَ بِالشَّرَابِ فَإِذَا أَخَذَ لُقْمَةً سَوَّغَهَا لَهُ الْمَلَكُ وَمِثْلُهُ فِي الشَّرَابِ ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ يَشْرَقُ تَخَلَّى عَنْهُ الْمَلَكُ بِإِذْنِ رَبِّهِ حَتَّى يَنْفُذَ فِيهِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي تَسْوِيغِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ وَالشَّرْبَةِ فَكَيْفَ بِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُفَكِّرُ فِي حَالِهِ حِينَ الْأَكْلِ إذْ أَنَّهُ مُتَوَقَّعٌ لِلْمَوْتِ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ وَفِي كُلِّ شَرْبَةٍ ، وَكَثِيرٌ مَنْ جَرَى لَهُ ذَلِكَ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا جَرَى فِي مَجْلِسِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ قَالَ : إنَّ اللَّهَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ بِالنِّعَمِ قَتَلَ بِالنِّعَمِ وَلَوْ كَانَ مَا كَانَ ، أَوْ كَمَا قَالَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَيَقْتُلُ بِالزُّبْدِ فَقَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ الْمَجْلِسِ قَالَ : مَا أَتَغَدَّى الْيَوْمَ إلَّا بِالزُّبْدِ حَتَّى أَرَى مَا قَالَهُ الْحَسَنُ أَأَحَدٌ يَمُوتُ بِالزُّبْدِ فَأَخَذَ خُبْزًا وَزُبْدًا وَجَاءَ إلَى بَيْتِهِ فَرَفَعَ لُقْمَةً فَأَكَلَهَا فَشَرِقَ بِهَا فَمَاتَ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَنْ طَلَبَ أَهْلَ الْكِتَابِ لِلْمُبَاهَلَةِ فَامْتَنَعُوا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ فَعَلُوا لَمَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرِيقِهِ ، أَوْ كَمَا قَالَ : فَإِذَا كَانَ الْمَوْتُ مُتَوَقَّعًا مَعَهُ فِي حَالِ بَلْعِهِ رِيقَهُ فَمَا بَالُكَ بِاللُّقْمَةِ ، أَوْ الشَّرْبَةِ ، وَالْمَوْتُ مُتَوَقَّعٌ مَعَهُ فِي حَالِ طَلَبِهِ لِلْحَيَاةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي غَالِبِ الْحَالِ لَا يَطْلُبُهُمَا النَّاسُ إلَّا لِلْحَيَاةِ ، وَقَدْ يَمُوتُ بِهِمَا فَنَفْسُ سَبَبِ الْحَيَاةِ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ إنَّ الْمَلَكَ الَّذِي يَتَنَاوَلُ اللُّقْمَةَ وَالْآخَرَ الَّذِي يَتَنَاوَلُ الشَّرْبَةَ
وَظِيفَتُهُمَا التَّسْوِيغُ لَيْسَ إلَّا وَلَهُ مَلَكٌ آخَرُ مُوَكَّلٌ بِالْغِذَاءِ فَيَقْسِمُ قُوتَهُ عَلَى الْبَدَنِ فَيُرْسِلُ لِكُلِّ عُضْوٍ وَجَارِحَةٍ وَعِرْقٍ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَيَحْتَمِلُهُ بَعْدَ تَصْفِيَتِهِ فَيُعْطَى اللَّطِيفُ لَطِيفًا وَالْكَثِيفُ كَثِيفًا قُدْرَةُ قَادِرٍ ، وَمَلَكٌ آخَرُ يَأْخُذُ مَا لَا قُوتَ فِيهِ وَهُوَ الْفَضْلَةُ فَيُرْسِلُهُ لَلْمُصْرَانِ فَلَوْ بَقِيَ مَعَهُ ذَلِكَ الثُّفْلُ لَمَاتَ بِهِ ، أَوْ زَادَ خُرُوجُهُ عَلَى الْعَادَةِ لَمَاتَ فَهُوَ عَبْدٌ مُفْتَقِرٌ مُضْطَرٌّ مُحْتَاجٌ إلَى شَيْءٍ يَأْكُلُهُ وَإِلَى مَنْ يُسَوِّغُهُ لَهُ وَإِلَى مَنْ يَدْفَعُهُ عَنْهُ .
فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَرَقَّبَ الْمَوْتَ عِنْدَ كُلِّ نَفَسٍ ؛ لِأَنَّ أَنْفَاسَهُ عَلَيْهِ مَعْدُودَةٌ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا نَعُدُّ عَلَيْهِمْ الْأَنْفَاسَ فَتَصِيرُ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَاءَ إلَى شَيْخِهِ لِيَزُورَهُ قَالَ فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَوَجَدْته يُصَلِّي فَأَوْجَزَ فِي صَلَاتِهِ وَقَالَ لِي مَا حَاجَتُك فَإِنِّي مَشْغُولٌ فَقُلْت لَهُ وَمَا شَغَلَك ؟ قَالَ أُبَادِرُ خُرُوجَ رُوحِي وَقَالَ غَيْرُهُ جِئْت إلَى شَيْخِي لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَأَى فِي كِسَائِي عُقْدَةً فَقَالَ مَا هَذِهِ فَقُلْت أَخِي فُلَانٌ أَعْطَانِي لُوَيْزَاتٍ عَزَمَ عَلَيَّ أَنْ أُفْطِرَ عَلَيْهَا فَقَالَ لِي وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّك تَعِيشُ إلَى الْمَغْرِبِ وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُك بَعْدَهَا أَبَدًا ، أَوْ كَمَا قَالَ .
وَكَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ يَتَلَفَّتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالُوا لَهُ لِمَنْ أَنْتَ تَتَلَفَّتُ قَالَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَنْظُرُ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ يَأْتِي لِقَبْضِ رُوحِي
وَلِمَصَالِحِ الْإِنْسَانِ مَلَائِكَةٌ عَدِيدَةٌ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِحِفْظِهِ وَحِرَاسَتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا نَامَ فَهُوَ مَحْرُوسٌ مِنْ الْخَشَاشِ وَالْجَانِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِحِرَاسَتِهِ بِالْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهِ ، وَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَمْرًا تَخَلَّوْا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَمِنْ مُسْنَدِ ابْنِ قَانِعٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَكَّلَ اللَّهُ بِالْعَبْدِ سِتِّينَ وَثَلَاثَمِائَةِ مَلَكٍ يَذُبُّونَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِالْبَصَرِ سَبْعَةُ أَمْلَاكٍ وَلَوْ وُكِلَ الْعَبْدُ إلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ انْتَهَى .
فَإِذَا نَظَرَ الْعَبْدُ إلَى هَذِهِ الْحِكَمِ تَبَيَّنَ لَهُ قَدْرُ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ إذْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْفَظُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَتَحْرُسُهُ بَعْدَ الْمَمَاتِ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْحَفَظَةَ تَصْعَدُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَقُولُ يَا رَبَّنَا وَكَّلْتَنَا بِعَبْدِك فُلَانٍ ، وَقَدْ مَاتَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، أَوْ كَمَا قَالَ فَمَا نَفْعَلُ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْزِلَا إلَى قَبْرِهِ وَاعْبُدَانِي وَاكْتُبَا لَهُ ذَلِكَ فِي صَحِيفَتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَانْظُرْ إلَى هَذِهِ الْمِنَّةِ الْعُظْمَى وَالْكَرْمِ الشَّامِلِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا ذَلِكَ يَا ذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي حَالِ أَكْلِهِ وَكَيْفِيَّةِ أَمْرِهِ فَيَكُونُ مَشْغُولًا بِذَلِكَ التَّفَكُّرِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَجِيءُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ بَقِيَ أَكْلُهُمْ أَكْلَ الْمَرْضَى وَنَوْمُهُمْ نَوْمَ الْغَرْقَى فَيَكُونُ مُشْعِرًا نَفْسَهُ بِذَلِكَ مُتَهَيِّئًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَغَيْرِهَا .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُسَمِّي عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ وَإِنْ كَانَ حَسَنًا فَالِاتِّبَاعُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَلَا يُسَمِّي عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ إذْ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ فَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ لَا مُشَرِّعُونَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّبِعِينَ ، وَكَذَلِكَ لَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَرَدَ بِسْمِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ لُقْمَةٍ بِسْمِ اللَّهِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ وَفِي الثَّالِثَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثُمَّ يُسَمِّي بَعْدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ وَهَذَا مِثْلُ مَا سُئِلَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ قِيلَ لَهُ كَيْفَ نَقُولُ فِي الرُّكُوعِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ، أَوْ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَقُولُ وَبِحَمْدِهِ تَحَفُّظًا مِنْهُ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إذْ أَنَّهُ ذِكْرٌ حُسْنٌ لَكِنَّ الِاتِّبَاعَ لَا يَفُوقُهُ غَيْرُهُ أَبَدًا ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ وَهُوَ قَائِمٌ ، أَوْ مَاشٍ بَلْ حَتَّى يَجْلِسَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ الْجُلُوسَ إلَى الطَّعَامِ عَلَى الْهَيْئَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى وَيَضَعَ الْيُسْرَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا وَالْهَيْئَةُ الثَّانِيَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَنْ يُقِيمُهُمَا مَعًا وَالْهَيْئَةُ الثَّالِثَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَنْ يَجْلِسَ كَجُلُوسِهِ لِلصَّلَاةِ ، وَأَمَّا جُلُوسُ الْمُتَرَبِّعِ وَالْجَالِسِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ الْكَابِّ رَأْسَهُ عَلَى الطَّعَامِ فَهَاتَانِ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَكُبَّ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ فَضَلَاتِ فَمِهِ فِي الطَّعَامِ سِيَّمَا إذَا كَانَ سُخْنًا فَيَعَافُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَيَعَافُهُ غَيْرُهُ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ الْعِمَامَةُ كَبِيرَةً فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَنْعِ غَيْرِهِ
مِنْ مَدِّ يَدِهِ لِلْمَائِدَةِ ، أَوْ حَصْرِهَا وَكَفَى بِهَاتَيْنِ الْهَيْئَتَيْنِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فِيهِمَا .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْسَبُ أَكْثَرُ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْمَائِلُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْبَدَنِ إذْ كَانَ مَعْلُومٌ أَنَّ الْآكِلَ مَاثِلًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ ضَغْطٍ يَنَالُهُ فِي مَجَارِي طَعَامِهِ ، وَلَا يُسِيغُهُ ، وَلَا يَسْهُلُ نُزُولُهُ إلَى مَعِدَتِهِ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ وَإِنَّمَا الْمُتَّكِئُ هَا هُنَا هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ وَكُلُّ مَنْ اسْتَوَى قَاعِدًا عَلَى وِطَاءٍ فَهُوَ مُتَّكِئٌ وَالِاتِّكَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوِكَاءِ وَوَزْنُهُ الِافْتِعَالُ وَمِنْهُ الْمُتَّكِئُ وَهُوَ الَّذِي أَوْكَأَ مُقْعَدَتَهُ وَشَدَّهَا بِالْقُعُودِ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ ، وَالْمَعْنَى إنِّي إذَا أَكَلْت لَمْ أَقْعُدْ مُتَّكِئًا عَلَى الْأَوْطِئَةِ وَالْوَسَائِدِ فِعْلُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَيَتَوَسَّعَ فِي الْأَلْوَانِ وَلَكِنِّي آكُلُ عَلَقَةً وَآخُذُ مِنْ الطَّعَامِ بُلْغَةً فَيَكُونُ قُعُودِي مُتَوَفِّزًا لَهُ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْعُدُ مُقْعِيًا وَيَقُولُ : أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ انْتَهَى .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ الْمُقْعِي هُوَ الَّذِي يُلْصِقُ أَلْيَتَهُ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبُ سَاقَيْهِ انْتَهَى ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ بِيَدِهِ ، وَلَا يُدْخِلَ أَصَابِعَهُ فِي فَمِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى الْقَصْعَةِ فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا شَيْءٌ مِنْ لُعَابِهِ فَيَعَافُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ ، أَوْ يَعَافُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَرَاهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ
جَاهِلًا ، أَوْ نَاسِيًا فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ إنْ لَمْ يَكُنْ اكْتَفَى مِنْ الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّ لَعْقَ الْأَصَابِعِ إنَّمَا شُرِعَ بَعْدَ الطَّعَامِ خَوْفًا مِنْ الِاسْتِقْذَارِ وَحِفْظًا لِنَعَمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تُمْتَهَنَ وَطَرَدُوا ذَلِكَ حَتَّى فِي التَّمْرِ قَالُوا : إنَّهُ إذَا أَكَلَ التَّمْرَ يَأْخُذُ نَوَاةَ التَّمْرِ عَلَى ظَهْرِ يَدِهِ فَيُلْقِيهَا ، أَوْ يُلْقِيهَا بِفِيهِ خِيفَةً مِنْ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ النَّوَاةَ مِنْ فِيهِ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ أَنْ يَتَعَلَّقَ لُعَابُهُ بِالتَّمْرَةِ الَّتِي يَرْفَعُهَا ثَانِيًا ، وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَهُ نَوًى وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ حَتَّى يَمَسَّهُ الْجُوعُ ، وَلَا يَأْكُلَ بِالْعَادَةِ دُونَ أَنْ يَجِدَهُ ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَطِيبَ لَهُ الْخُبْزُ وَحْدَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَذُمَّ طَعَامًا لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَمَّ طَعَامًا قَطُّ إنْ أَعْجَبَهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَعْجِلَ عَلَى الْأَكْلِ إذَا كَانَ الطَّعَامُ سُخْنًا لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ رُفِعَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ ثَلَاثٍ الْحَارِّ وَالْغَالِي وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَارًا وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ بِهَذِهِ الْمَلَاعِقِ ، وَلَا بِغَيْرِهَا وَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : مُخَالَفَةُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ فِي فَمِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَى الطَّعَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِلَّةُ الْمَنْعِ .
وَالثَّالِثُ : فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الرَّفَاهِيَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَأَرْبَابُ الْأَعْذَارِ لَهُمْ حُكْمٌ خَاصٌّ بِهِمْ مَعْلُومٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْحَدِيثَ عَلَى الطَّعَامِ فَإِنَّ تَرْكَهُ عَلَى الطَّعَامِ بِدْعَةٌ ، وَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ فَإِنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ بِدْعَةٌ أَيْضًا وَلِأَنَّهُ قَدْ يَشْغَلُ غَيْرَهُ عَنْ الْأَكْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدْعِيَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ الْكَلَامَ ، فَإِنَّ الْأُنْسَ بِالْكَلَامِ جَانِبٌ قَوِيٌّ مِنْ الْقِرَى .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَمْزَحَ عَلَى الْأَكْلِ خِيفَةَ أَنْ يَشْرَقَ هُوَ ، أَوْ غَيْرُهُ ، أَوْ يَشْتَغِلَ عَنْ ذِكْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْضَارِ ذِكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِ النِّعَمِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ فَعَلَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ خَيْرَ الطَّعَامِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمِعُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكُ لَكُمْ فِيهِ وَلِمَا رُوِيَ مَنْ أَكَلَ مَعَ مَغْفُورٍ غُفِرَ لَهُ وَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ مِنْ الْفَوَائِدِ : أَحَدُهُمَا : بَرَكَةُ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ .
وَالثَّانِي : كَثْرَةُ الْبَرَكَةِ لِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ تَحْصُلُ فِي الطَّعَامِ إذَا حَضَرَهُ
وَاحِدٌ مِنْ الْمُبَارَكِينَ ، أَوْ أَكَلَ مِنْهُ فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ مَلَائِكَةٌ مَعَهُ فَبِقَدْرِ عَدَدِ الْجَمَاعَةِ تَتَضَاعَفُ الْمَلَائِكَةُ وَمَهْمَا كَثُرَ عَلَيْهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ ذُنُوبٌ كَانَتْ الْبَرَكَةُ فِيهِ أَكْمَلَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُ مِنْ الطَّعَامِ ثُلُثَ بَطْنِهِ وَلِلْمَاءِ الثُّلُثُ وَلِلنَّفَسِ الثُّلُثُ فَهُوَ مِنْ الْآدَابِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْعَقَ الْإِنَاءَ إذَا فَرَغَ الطَّعَامُ مِنْهُ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْقَصْعَةَ تَسْتَغْفِرُ لِلَاعِقِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَبِعَ الشِّبَعَ الشَّرْعِيَّ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَجُوعَ فَيَلْعَقَهَا ، أَوْ يَأْتِيَ غَيْرَهُ مُحْتَاجًا فَيَلْعَقَهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ يُلْقِمَ زَوْجَتَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ وَأَوْلَادِهِ وَخَدَمِهِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ أَصْهَارًا كَانُوا ، أَوْ ضُيُوفًا ، أَوْ أَصْدِقَاءَ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ فَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى اللُّقْمَةُ يَضَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ مَعَ أَنَّ وَضْعَ اللُّقْمَةِ فِي فِي امْرَأَتِهِ لَهُ فِيهَا اسْتِمْتَاعٌ فَغَيْرُهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى الَّذِي هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ ذَلِكَ إلَّا لِلَّهِ خَالِصًا ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَعْنِي إحْضَارَ الطَّعَامِ وَالْإِطْعَامِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الثَّوَابُ ابْتِدَاءً لَكِنْ لَمَّا أَنْ زَادَ هَذَا نِيَّةَ الِاحْتِسَابِ جَعَلَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الِاحْتِسَابِ صَدَقَةً ، فَإِنْ اسْتَحْضَرَ مَعَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ كَانَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَغْفِرَةُ مَا تَقَدَّمَ كَمَا مَرَّ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ وَيُكْثِرَ الْمَضْغَةَ لِلسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ فِي أَوَّلِ اللُّقْمَةِ أَنْ يَبْدَأَ فِي مَضْغِهَا بِنَاحِيَةِ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ هِيَ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَلَا فَيَمِّنُوا أَلَا فَيَمِّنُوا أَلَا فَيَمِّنُوا وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَأْكُلُ كَيْفَ شَاءَ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ شَابًّا جَاءَ لِزِيَارَتِهِ فَقَدَّمَ لَهُ شَيْئًا لِلْأَكْلِ فَابْتَدَأَ الْأَكْلَ بِجِهَةِ الْيَسَارِ فَقَالَ لَهُ مَنْ شَيْخُك فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي إنَّ نَاحِيَةَ الْيَمِينِ تُوجِعُنِي فَقَالَ لَهُ كُلْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْك وَعَمَّنْ رَبَّاك ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى يُقَالُ : إنَّ الشَّخْصَ إذَا وَرَدَ يُعْرَفُ فِي تَصَرُّفِهِ مَنْ هُوَ فَإِنْ كَانَتْ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ عَلَى السُّنَّةِ عُرِفَ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ الْعَوَامّ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ فِي كَمْ يَعْرِفُ الشَّخْصَ قَالَ إنْ سَكَتَ فَمِنْ يَوْمِهِ وَإِنْ نَطَقَ فَمِنْ حِينِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا ذُكِرَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا مِمَّا يَلِيه اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَكْلُ مَعَ أَهْلِهِ ، أَوْ هُوَ الَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ فَلَهُ أَنْ يَجُولَ بِيَدِهِ حَيْثُ شَاءَ .
وَكَذَلِكَ فِي الْفَاكِهَةِ وَالتَّمْرِ عُمُومًا مَعَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ ، وَلَا أَعْلَاهَا بَلْ مِنْ جَانِبِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ اللُّقْمَةُ أَمَاطَ عَنْهَا الْأَذَى وَأَكَلَهَا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَقْرِنَ فِي التَّمْرِ وَمَا أَشْبَهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ لُقْمَةً حَتَّى يَبْتَلِعَ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ أَخْذَهَا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ مِنْ الشَّرَهِ وَالْبِدْعَةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى الْآكِلِينَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ وَيَتْرُكَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، فَلِهَذِهِ الْمُصْلِحَةِ يَتَفَقَّدُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَيَأْمُرُهُ بِالْأَكْلِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُصَوِّتَ بِالْمَضْغِ ، فَإِنْ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَمَكْرُوهٌ كَمَا لَا يُصَوِّتُ بِمَجِّ الْمَاءِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ حِينَ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ وَمَكْرُوهٌ أَيْضًا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ عَدَمَ الرِّيَاءِ فِي الْأَكْلِ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَاءَى فِي أَكْلِهِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَائِيَ فِي عَمَلِهِ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ أَصْحَابَهُ أَثْنَوْا عَلَى شَخْصٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِرَارًا وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَرُدُّ جَوَابًا فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ سُكُوتِهِ فَقَالَ : رَأَيْتُهُ يُرَائِي فِي أَكْلِهِ وَمَنْ رَاءَى فِي أَكْلِهِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَائِيَ فِي عَمَلِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا أَخَذَ لُقْمَةً لَا يَرُدُّ بَعْضَهَا إلَى الصَّحْفَةِ خِيفَةً مِنْ إصَابَةِ لُعَابِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا وَلَكِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْعَالِمِ فِي الْأَكْلِ رُتْبَتَيْنِ قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا قَبْلُ فَإِذَا كَانَتْ الْأَلْوَانُ اسْتَدْعَى ذَلِكَ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى رُتْبَتَيْهِ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ لَوْنٍ شَهْوَةً بَاعِثَةً غَالِبًا فَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْأَلْوَانِ لِأَجْلِ شَهْوَةِ عِيَالِهِ ، أَوْ غَيْرِهِمْ فَلَهُ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَوْنًا وَاحِدًا مِنْ الطَّعَامِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الِاتِّبَاعِ وَبَيْنَ شَهْوَةِ مَنْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ .
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدَّمَ إلَيْهِ أَلْوَانَ طَعَامٍ فَفَرَّغَ الْجَمِيعَ فِي صَحْفَةٍ وَاحِدَةٍ ، ثُمَّ خَلَطَهَا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَكَلَ تَحَفُّظًا مِنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِلسُّنَّةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَابِلَ الْأَطْعِمَةَ فَيَأْكُلُ ثَقِيلًا بِخَفِيفٍ وَرَطْبًا بِيَابِسٍ وَحَارًّا بِبَارِدٍ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْسِمَ الصَّائِمُ أَكْلَهُ بَيْنَ الْفُطُورِ وَالسُّحُورِ فَيَسْلَمُ مِنْ الشِّبَعِ وَيَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُتَابِعَ الشَّهَوَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُسْرِفَ فِي الْأَكْلِ ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ وَهُوَ يَشْتَهِيهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْهَشَ الْبِضْعَةَ وَيَرُدَّهَا فِي الْقَصْعَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُسْتَقْذَرٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى حَائِلٍ عَنْ الْأَرْضِ ، وَلَا يَأْكُلُ عَلَى هَذِهِ الْأَخْوِنَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ وَفِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْكِبْرِ .
وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْقُوتِ لَهُ أَنَّ أَوَّلَ مَا حَدَثَ مِنْ الْبِدَعِ أَرْبَعٌ وَهِيَ الْمُنْخُلُ وَالْخُوَانُ وَالْأُشْنَانُ وَالشِّبَعُ انْتَهَى .
أَمَّا الْمُنْخُلُ فَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَطْحُونُ بِالْيَدِ ، أَوْ بِرَحَى الْمَاءِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنْخُلَ بِدْعَةٌ إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ إلَّا مِنْ بَابِ التَّرَفُّهِ ، وَإِنْ كَانَ الطَّحِينُ بِالدَّوَابِّ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنْخُلَ يَتَعَيَّنُ إنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ رَوْثِ الدَّوَابِّ ، وَأَمَّا الْخُوَانُ فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَفِي بَعْضِهَا يَأْكُلُ عَلَى سُفْرَةٍ .
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْخُوَانَ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ وَهُوَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ جِنْسُهُ مِنْ نُحَاسٍ ، أَوْ خَشَبٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْمُتَّبِعِينَ إذَا جَاءَتْهُ زُبْدِيَّةٌ لَهَا قَعْرٌ مُرْتَفِعٌ يَكْسِرُ قَعْرَهَا وَحِينَئِذٍ يَأْكُلُ مِنْهَا وَيَقُولُ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ خُوَانًا لِعُلُوِّهَا عَنْ الْأَرْضِ فَنَقَعُ فِي التَّشَبُّهِ بِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَأَمَّا الْأُشْنَانُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ ، أَوْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ ؛ لِأَنَّ لُحُومَهَا لَيْسَتْ فِيهَا ذَفْرَةٌ
بَلْ لَهَا رَائِحَةٌ عِطْرِيَّةٌ كَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي دِيَارِ مِصْرَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَظِّفَ يَدَيْهِ مِنْ ذَفَرِ لُحُومِهَا ، وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الْأُشْنَانُ فَيَسْتَغْنِي بِغَيْرِهِ مَا اسْتَطَاعَ تَحَفُّظًا عَلَى السُّنَّةِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى غَسْلِهِ بِهِ فَعَلَ ، وَأَمَّا الشِّبَعُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَرَاتِبُ الْأَكْلِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْعَالِمُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ
، فَإِذَا أَكَلَ مَعَ الضَّيْفِ فَلَهُ زِيَادَةُ آدَابٍ مِنْهَا أَنْ يَخْدُمَ الضَّيْفَ بِنَفْسِهِ إنْ اسْتَطَاعَ وَيَنْوِيَ بِذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَلَّى أَمْرَ أَصْحَابِ النَّجَاشِيِّ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ فَقِيلَ لَهُ أَلَا نَكْفِيكَ فَقَالَ خَدَمُوا أَصْحَابِي فَأُرِيدُ أَنْ أُكَافِئَهُمْ فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ صَبَّ الْمَاءِ عَلَى يَدِ الضَّيْفِ حِينَ غَسْلِ يَدَيْهِ ، وَيُقَدِّمَ لَهُ مَا حَضَرَ وَلْيَحْذَرْ التَّكَلُّفَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى التَّبَرُّمِ بِالضَّيْفِ ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ بَلْ هُوَ قَبِيحٌ مِنْ الْفِعْلِ ، وَيَنْبَغِي إذَا حَضَرَ مَنْ دَعَا أَنْ يُقَدِّمَ لَهُمْ مَا عِنْدَهُ مُعَجِّلًا ، وَلَا يُبْطِئُ لِيَتَكَثَّرَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَخَيَّرَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الدَّاعِي إنَّمَا يَأْكُلُ مَا حَضَرَ وَيَنْبَغِي إنْ خُيِّرَ الْمَدْعُوُّ أَنْ لَا يَتَشَطَّطَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَكَلُّفٌ وَيُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى مَنْ خَيَّرَهُ ، وَالتَّكَلُّفُ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا بِالدَّيْنِ ، وَلَيْسَ لَهُ جِهَةٌ يُعَوِّضُ مِنْهَا ، أَوْ يَكُونُ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الدَّيْنَ مُتَكَرِّهًا لِمَا يَبْذُلُ لَهُ ، أَوْ يَكُونُ الْمُتَدَايِنُ يَصْعُبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ وَجْهَهُ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ هُوَ التَّكَلُّفُ الْمَمْنُوعُ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ الدَّيْنُ يُسَرُّ بِذَلِكَ وَالْآخَرُ يُدْخِلُ عَلَيْهِ السُّرُورَ مَعَ كَوْنِ الْوَفَاءِ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي شَيْءٍ ، وَمَا أَعَزَّهُ إذَا كَانَ لِلَّهِ خَالِصًا بَلْ هَذَا النَّوْعُ مَفْقُودٌ فِي زَمَانِنَا هَذَا .
وَيَنْبَغِي لِلْمَدْعُوِّ أَنْ لَا يُعْطِيَ مِنْ الطَّعَامِ لِأَحَدٍ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بَعْضَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ أَخْذُهُ فَيَخْتَلِسُونَهُ وَيَجْعَلُونَهُ تَحْتَهُمْ حَتَّى إذَا رَجَعُوا إلَى بُيُوتِهِمْ أَخْرَجُوهُ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ السَّرِقَةِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ .
وَيَنْبَغِي إذَا حَضَرَ مَنْ دُعِيَ وَأُحْضِرَ الطَّعَامُ فَلَا يُنْتَظَرُ مَنْ غَابَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْضِرَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْحِفَ بِأَهْلِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَلْوَانًا ؛ لِأَنَّ الضَّيْفَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ غَيْرُ حُكْمِ أَهْلِ الْبَيْتِ إذْ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا الْأَلْوَانَ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ بِخِلَافِ الضُّيُوفِ فَقَدْ لَا يُقِيمُونَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَهْوَةُ بَعْضِ الضُّيُوفِ فِي لَوْنٍ ، وَآخَرُ شَهْوَتُهُ فِي آخَرَ ، فَإِذَا كَانَتْ الْأَلْوَانُ لِهَذَا الْغَرَضِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَلَهُ فِي ذَلِكَ جَزِيلُ الثَّوَابِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْجَمِيعِ وَفِي إدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَدْ عُلِمَ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إذَا جَاءَهُ الْأَضْيَافُ يُقَدِّمُ لَهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَا يَقُومُ بِنَفَقَتِهِ شَهْرًا ، أَوْ نَحْوَهُ فَيُقَالُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ : قَدْ وَرَدَ أَنَّ بَقِيَّةَ الضَّيْفِ لَا حِسَابَ عَلَى الْمَرْءِ فِيهَا فَكَانَ لَا يَأْكُلُ إلَّا فَضْلَةَ الضُّيُوفِ لِأَجْلِ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَرُوحَ عَلَيْهِمْ صَاحِبُ الْبَيْتِ ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَكَذَلِكَ يَنُشُّ ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ قَائِمًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ .
وَيَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَأْكُلُونَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ لِمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ أَرْبَعَةً لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا .
الْآكِلُ وَالْجَالِسُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْمُلَبِّي وَزَادَ بَعْضُ النَّاسِ قَارِئَ الْقُرْآنِ .
وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْبَيْتِ ، أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ مَقَامَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَكْلِ إينَاسًا لِلضُّيُوفِ فَيُؤَاكِلُهُمْ ، وَلَا يُمْعِنُ فِي الْأَكْلِ حَتَّى إذَا شَبِعَ الْأَضْيَافُ ، أَوْ قَارَبُوا حِينَئِذٍ يَأْكُلُ بِانْشِرَاحٍ وَيَعْزِمُ عَلَيْهِمْ بِالْأَكْلِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ بَعْضُهُمْ بِدُونِ شِبَعٍ ، وَقَدْ كَانَ بِمَدِينَةِ فَاسَ رَجُلٌ مِنْ التُّجَّارِ فَكَانَ يَعْمَلُ الطَّعَامَ الشَّهِيَّ فِي بَيْتِهِ وَيَجْمَعُ الْفُقَرَاءَ فَيَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى أَيْدِيهِمْ حَتَّى غَسْلِهَا ، وَيُقَدِّمُ لَهُمْ الطَّعَامَ ، فَإِذَا شَبِعُوا قَعَدَ يَأْكُلُ وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مَعَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ اشْتَهَتْ نَفْسِي هَذَا الطَّعَامَ فَجَعَلْت كَفَّارَةَ شَهْوَتِهَا أَنْ تَأْكُلُوهُ قَبْلِي فَإِذَا فَرَغَ مِنْ غَسْلِ أَيْدِيهِمْ وَقَفَ لَهُمْ عَلَى الْبَابِ وَدَفَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ شَيْئًا مِنْ الْفِضَّةِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْخُبْزَ قَبْلَ الْأُدْمِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِالْأُدْمِ بَعْدَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ غَيْرَ مُتَطَلِّعَةٍ لِشَيْءٍ يَبْقَى بَعْدَ الْأَضْيَافِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ النَّاسِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَصِفَ طَعَامًا لِلْحَاضِرَيْنِ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ التَّشْوِيشُ بِذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ .
وَيَنْبَغِي لِلْمَدْعُوِّ إنْ كَانَ عِنْدَهُ الْخَبَرُ بِالدَّعْوَةِ أَنْ يُصْبِحَ مُفْطِرًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَذَلِكَ فِقْهٌ حَالٌّ ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَدْعُوُّ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِنْدَهُ الْخَبَرُ وَكَانَ صَائِمًا فَلْيَدَعْ .
وَيَنْبَغِي لِلْمَدْعُوِّ أَنْ لَا يَسْتَحْقِرَ مَا دُعِيَ إلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ لَوْ دُعِيت إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْت وَلَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْت وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ الضَّيْفَ فِي أَثْنَاءِ أَكْلِهِ وَيَجْعَلَ خِيَارَ الطَّعَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلَا يُحْوِجُهُ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَحْيِ مِنْ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الضَّيْفُ فِيهِ مِنْ الْإِدْلَالِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ
فَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَفَرْقَدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى حَضَرَا عَلَى طَعَامٍ فَكَانَ فَرْقَدٌ يَلْتَقِطُ اللُّبَابَ مِنْ الْأَرْضِ وَيَأْكُلُهُ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الصَّحْفَةِ شَيْئًا ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَنْظُرُ إلَى أَطْيَبِ الطَّعَامِ فَيَأْكُلُهُ ، فَلَمَّا أَنْ خَرَجَا جَاءَ إنْسَانٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ إلَى فَرْقَدٍ فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ مَا رَأَى مِنْهُ فَقَالَ : لَهُ أَغْتَنِمُ بَرَكَةَ سُؤْرِ الْإِخْوَانِ وَلِأُكْرِمَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنِّي إنْ لَمْ أَلْتَقِطْ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ فَتَدُوسُهُ الْأَقْدَامُ ، ثُمَّ رَاحَ إلَى الْحَسَنِ فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلَ فَرْقَدًا فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنِّي مَا أَجَبْتُهُ حِينَ دَعَانِي إلَّا لِأُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَيْهِ وَكَيْفَمَا بَالَغْت فِي الْأَكْلِ وَتَنَاوَلْت أَطَايِبَ الطَّعَامِ الَّذِي انْتَخَبَهُ فَفِيهِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ مَنْ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ فَرْقَدٍ فِي أَكْلِهِ فَيُؤَكِّدُ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ فَيُسَرُّ بِهِ وَيَشْكُرُهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي إذَا حَضَرَ الْخُبْزُ بَيْنَ يَدَيْ الْجَمَاعَةِ فَلَا يَنْتَظِرُونَ غَيْرَهُ مِنْ الْأُدْمِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ عَدَمَ احْتِرَامٍ لِلْخُبْزِ ، وَاحْتِرَامُهُ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، فَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ كَثِيرًا أَبْقَاهُ عَلَى حَالِهِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كَسَّرَهُ ، وَإِنْ كَسَّرَهُ مَعَ كَثْرَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ سَتْرًا عَلَى الْآكِلِينَ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَتَكْسِيرُ الْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَفِيهِ انْتِهَاكٌ لِحُرْمَةِ الْخُبْزِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَعَضُّ فِي الْخُبْزِ حِينَ الْأَكْلِ ، وَلَا يَنْهَشُهُ بِخِلَافِ اللَّحْمِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَتْ الْعَضَّ وَالنَّهْشَ فِي اللَّحْمِ دُونَ الْخُبْزِ ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَتَسَاهَلُونَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ فَيَقْطَعُونَ اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ إذَا أَرَادُوا أَكْلَهُ وَمِثْلُهُ الْخُبْزُ ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَفْعَلَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كُسِّرَ الْخُبْزُ يَجْعَلُ النَّاحِيَةَ الْمَكْسُورَةَ مِنْ جِهَةِ الْآكِلِينَ ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ لِنَاحِيَةِ الزَّبَادِيِّ فَإِنَّ تَعَمُّدَ ذَلِكَ بِدْعَةٌ بَلْ يَضَعُ الْخُبْزَ كَيْفَ تَيَسَّرَ ، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَنْفُخُ فِي الطَّعَامِ ، وَلَا فِي الشَّرَابِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِنْ رِيقِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بُصَاقًا فِيهِ وَهُوَ مُسْتَقْذَرٌ وَفِيهِ امْتِهَانٌ لَهُ ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَنَاوَلُ اللُّقْمَةَ بِشِمَالِهِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ يَدِهِ الْيَمِينِ ، وَهِيَ الْمُسَبِّحَةُ وَالْإِبْهَامُ وَالْوُسْطَى إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَرِيدًا وَمَا أَشْبَهَهُ فَيَأْكُلُ بِالْخَمْسَةِ مِنْهَا كَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَمَضَى عَمَلُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَؤُنَّ بِأَكْلِ
اللَّحْمِ قَبْلَ الطَّعَامِ ، وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا إلَّا الشَّيْءَ الْخَفِيفَ كَالْبَقْلِ وَغَيْرِهِ لَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَنَاوَلَ تَمَرَاتٍ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ ، وَكَذَلِكَ لَا يَشْرَبُ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ خِيفَةَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي شُرْبِهِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يُخْلِيَ الْمَائِدَةَ مِنْ شَيْءٍ أَخْضَرَ بَقْلٍ ، أَوْ غَيْرِهِ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ : إنَّهُ يَنْفِي الْجَانَّ ، أَوْ الشَّيَاطِينَ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَإِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ فَلَا يَجْعَلُ عَلَيْهِ الْخُبْزَ خِيفَةَ أَنْ يَتَلَوَّثَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ الطَّعَامَ وَيَجْعَلُهُ عَلَى الْخُبْزِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَأْكُلُ ذَلِكَ الْخُبْزَ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُلَوَّثُ فَلَا يُجْعَلُ الْخُبْزُ عَلَيْهِ احْتِرَامًا لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَأْكُلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمْسَحَ يَدَهُ فِي الْخُبْزِ فَإِنَّ فِيهِ امْتِهَانًا لَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُخَلِّي أَضْيَافَهُ مِنْ شَيْءٍ حُلْوٍ وَإِنْ قَلَّ ، بَلْ هُوَ آكَدُ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ ، فَلَوْ أَطْعَمَهُمْ لَوْنًا وَاحِدًا مَعَ شَيْءٍ حُلْوٍ بَعْدَهُ كَانَ أَوْلَى مِنْ عَمَلِ الْأَلْوَانِ ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حُلْوٌ فَإِنْ جَمَعَهُمَا فَيَا حَبَّذَا ، وَيَنْبَغِي لَهُ إنْ كَانَتْ أَلْوَانًا وَقَدَّمَ لَهُمْ بَعْضَهَا ، وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُهَا أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَلْوَانِ كَذَا وَكَذَا حَتَّى لَا يَكْتَفُوا مِنْ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ لَوْ عَلِمَ بِالطَّعَامِ الثَّانِي لَانْتَظَرَهُ فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَأَتَى بِهِ وَحْدَهُ عَلَى كِفَايَةٍ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَحْرِمُهُ شَهْوَتَهُ وَيَحْرِمُ نَفْسَهُ مِنْ سُرُورِهِ بِأَكْلِ الْمَدْعُوِّ فَيَكُونُ قَدْ بَخَسَ نَفْسَهُ حَظَّهَا ، وَكَذَلِكَ يُخْبِرُهُمْ بِالْحَلَاوَةِ إنْ كَانَ مَا أَحْضَرَهَا مَعَ الطَّعَامِ ، وَكَذَلِكَ الْفَاكِهَةُ وَالنَّقْلُ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي إنْ كَانَتْ أَلْوَانًا أَنْ يُقَدِّمَ خَفِيفَهَا قَبْلَ ثَقِيلِهَا فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْأَكْلِ الْتَقَطَ
مَا سَقَطَ مِنْ اللُّبَابِ .
وَيَنْبَغِي لِلْأَضْيَافِ أَنْ يَتْرُكُوا فَضْلَةً مِنْ الطَّعَامِ وَإِنْ قَلَّ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ ، وَقَدْ تَكُونُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ فِي بَقِيَّةِ سُؤْرِهِ ، وَيُقَدِّمُ لَهُمْ مَا يَغْسِلُونَ بِهِ أَيْدِيَهُمْ فَيَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ كَمَا فَعَلَ قَبْلَ الْأَكْلِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْغَسْلِ أَفْضَلُهُمْ ، ثُمَّ يَدُورُ عَلَى يَمِينِ مَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِمْ الْمَاءَ لِلْغَسْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ آخِرَهُمْ غَسْلَ يَدٍ وَأَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصُبُّ عَلَيْهِمْ الْمَاءَ لِلْغَسْلِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْصُقَ أَحَدٌ فِي الْمَاءِ ، وَلَا يَغْسِلُ بِالْأُشْنَانِ ، وَلَا بِالتُّرَابِ فَإِذَا غَسَلُوا بِالْمَاءِ مَسَحُوا أَيْدِيَهُمْ بَعْدَ الْغَسْلِ بِأَخْمَصِ أَقْدَامِهِمْ إنْ كَانَتْ نَظِيفَةً ، أَوْ بِخِرْقَةِ صُوفٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ شَيْءٍ خَشِنٍ عَدَا الْمُحَرَّمِ شَرْعًا لِيُزِيلُوا بِذَلِكَ بَقِيَّةَ الدَّسَمِ عَنْ أَيْدِيهِمْ مُحَافَظَةً عَلَى النَّظَافَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْغَسْلِ بِالْأُشْنَانِ وَالتُّرَابِ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَشْرَبَ هَذَا الْمَاءَ إذْ أَنَّ شُرْبَهُ شِفَاءٌ وَمَا زَالَ السَّلَفُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ بِالْأُشْنَانِ وَالتُّرَابِ يَحْرِمُ بَرَكَةَ ذَلِكَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَيَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ التُّرَابُ وَالْأُشْنَانُ وَالْبُصَاقُ وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَشْرَبُ هَذَا الْمَاءَ فَيَغْسِلُ بِمَا شَاءَ مِنْ تُرَابٍ وَغَيْرِهِ .
وَالْغَسْلُ بِالْأُشْنَانِ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَعَ تَعَذُّرِ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَشْفُونَ بِهَذَا الْمَاءِ وَيَتَشَاحُّونَ عَلَيْهِ وَيَتَنَافَسُونَ فِيهِ حَتَّى أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ النِّدَاءَ عَلَيْهِ وَيَبِيعُونَهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُمْ بَرَكَةُ ذَلِكَ اغْتِنَامًا مِنْهُمْ لِلْبَرَكَةِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَقَعَ فِي
قِصَّةِ هِرَقْلَ لَمَّا أَنْ سَأَلَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ حَالُهُمْ فِي تَصَرُّفِهِمْ مَعَهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُمْ يَتَبَرَّكُونَ بِالْمَاءِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ وَبِبُصَاقِهِ وَمَا شَاكَلَهُمَا فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَكَذَلِكَ الْمُتَّبِعُونَ لَهُ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ هَذِهِ الْبَرَكَةُ حَاصِلَةٌ لَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مِثْلَهَا لَكِنْ بِبَرَكَةِ الِاتِّبَاعِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ وَرِثُوا مِنْهَا أَوْفَرَ نَصِيبٍ .
وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَنَا بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَعْظَمَ بِهَا وَكَانَ يُعْرَفُ بِابْنِ الْمَغِيلِيِّ وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّلَحَاءِ الْكِبَارِ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا إلَى أَنْ أَشْرَفَ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ، وَكَانَ بِالْبَلَدِ طَبِيبٌ حَاذِقٌ فِي وَقْتِهِ عَارِفٌ بِالطِّبِّ فَأَيِسَ مِنْهُ ، وَقَالَ لَهُمْ اُتْرُكُوهُ يَأْكُلُ كُلَّ مَا شَاءَ وَاخْتَارَ فَإِنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهُ عَلَى مُقْتَضَى مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ الصَّنْعَةِ ، فَأَرْسَلَتْ زَوْجَةُ الْقَاضِي إلَى الشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي عُثْمَانَ الْوَرْكَالِيِّ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا جَرَى مِنْ الطَّبِيبِ فَأَخَذَ الشَّيْخُ الْمَاءَ وَتَوَضَّأَ فِي إنَاءٍ ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِمَاءِ وُضُوئِهِ إلَى زَوْجَةِ الْقَاضِي وَقَالَ لَهَا اسْقِيهِ هَذَا الْمَاءَ فَسَقَتْهُ ذَلِكَ ، ثُمَّ بَقِيَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَامَ يُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَأُتِىَ لَهُ بِإِنَاءٍ فَقَضَى حَاجَتَهُ فِيهِ فَوَجَدْت فِيهِ كُبَّةً عَظِيمَةً سَوْدَاءَ فَتَعَجَّبَ كُلُّ مَنْ رَآهَا فَأَرْسَلَتْ زَوْجَةُ الْقَاضِي إلَى الطَّبِيبِ الَّذِي مَا شَكَّ أَنَّهُ يَمُوتُ كَمَا تَقَدَّمَ فَأَرَتْهُ مَا خَرَجَ مِنْهُ فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ عَجَبًا شَدِيدًا وَقَالَ : هَذَا أَمْرٌ إلَهِيٌّ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، فَأَمَّا الْبَشَرُ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا مِنْ فُؤَادِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَوْ بَقِيَ مَعَهُ لَقَتَلَهُ ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِ فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ
تَعَالَى إلَى هَذِهِ الْبَرَكَةِ كَيْفَ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي الْمُتَّبِعِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ الْعِصَابَةُ فِيهِمْ مَنْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ مَعْرُوفٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخْفَاهُ فَلَا يُعْرَفُ فَيَغْتَنِمُ بَرَكَةَ الْجَمِيعِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ حَضَرَهُ وَغَيْرَهُمْ عَلَى مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ بَلْ الْمُحَرَّمِ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَهِيَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ غَسْلِ الْأَيْدِي بِمَاءِ الْوَرْدِ وَتَنْشِيفِهَا بِالْمَنَادِيلِ وَالْفُوَطِ الْحَرِيرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ وَظِيفَةَ الْعَالِمِ فِي التَّغْيِيرِ الْكَلَامُ بِاللِّسَانِ فَيَبُثُّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ إذَا قَدَرَ بِشَرْطِهِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْكُلَ أَحَدٌ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَاءُ ، فَإِنَّ الْأَكْلَ بِغَيْرِ حُضُورِهِ بِدْعَةٌ إذْ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ وَفِيهِ خَطَرٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْرَقُ بِاللُّقْمَةِ فَلَا يَجِدُ مَا يُسِيغُهَا بِهِ فَيَكُونُ قَدْ تَسَبَّبَ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ انْتَشَرَ وَخَرَجَ ، وَلَا يَلْبَثُ ، وَلَا يَتَحَدَّثُ بَعْدَ تَمَامِ الطَّعَامِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَعْجِلَ بِرَفْعِ السُّفْرَةِ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ : الْأَوَّلُ : بَسْطُ الْجَمَاعَةِ بِزِيَادَةِ الْأُنْسِ لَهُمْ .
الثَّانِي : لَعَلَّ أَنْ يَأْتِيَ وَارِدٌ فَيَحْصُلُ لِمَنْ حَضَرَ بَرَكَتُهُ ، أَوْ أَجْرُهُ ، أَوْ هُمَا مَعًا .
الثَّالِثُ : لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ مَا دَامَ الْمَأْكُولُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَهَذَا عَامٌّ وَلَوْ فَرَغُوا مِنْ الْأَكْلِ فَتُتْرَكُ لِأَجْلِ ذَلِكَ .
الرَّابِعُ : أَنَّ فِي تَرْكِهَا التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ ، وَالتَّشَبُّهُ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَمْتَثِلُوا السُّنَّةَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْأَكْلِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ أَبْدِلْنَا خَيْرًا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَبَنًا فَالسُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ زِدْنَا مِنْهُ .
وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ طَلَبُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْفِطْرَةِ أَعْنِي فِطْرَةَ الْإِسْلَامِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ أُتِيَ لَهُ بِطَسْتَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَمْلُوءٌ لَبَنًا ، وَالْآخَرُ خَمْرًا ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى طَسْتِ اللَّبَنِ فَوَقَعَ النِّدَاءُ قَبَضَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْفِطْرَةِ فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَسْتَزِيدُ مِنْهَا فَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَقَعَ الْإِشْكَالُ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خُيِّرَ أَنْ تُسَيَّرَ مَعَهُ جِبَالُ تِهَامَةَ ذَهَبًا وَفِضَّةً تُسَيَّرُ لِسَيْرِهِ وَتَقِفُ لِوُقُوفِهِ فَأَبَى فَكَيْفَ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ مِنْ هَذَا الشَّيْءِ
الْيَسِيرِ ؟ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ ، فَأَيُّ ذَلِكَ قَالَ : فَقَدْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ وَإِنْ أَتَى بِالْجَمِيعِ فَيَا حَبَّذَا ، وَيَزِيدُ الضَّيْفُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ انْتَهَى زَادَ بَعْضُهُمْ وَذَكَرَكُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِشُرْبِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِالْبَدَنِ عَلَى مُقْتَضَى صِنَاعَةِ الطِّبِّ سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ سُخْنًا فَإِنَّهُ يُبَخِّرُ الْفَمَ وَيُتْلِفُ الْأَسْنَانَ وَيُفَجِّجُ الطَّعَامَ وَيُنْزِلُهُ مِنْ الْمَعِدَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْضَجُ وَذَلِكَ ضَرَرٌ كَبِيرٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ
، فَإِذَا شَرِبَ شَيْئًا نَوَى بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّيَّاتِ فِي الْأَكْلِ ، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ فَقَطْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَكْلِ فَفِي الشُّرْبِ هُنَا كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ فِي الْأَكْلِ لَا يُسَمِّي عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ وَفِي الشُّرْبِ يُسَمِّي عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فَإِنَّ السُّنَّةَ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَتْ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ مَرَّةً وَالتَّحْمِيدَ فِي آخِرِهِ كَمَا سَبَقَ وَجَعَلَتْ فِي الشُّرْبِ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَيَمُصَّ الْمَاءَ مَصًّا ، ثُمَّ يَقْطَعَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى ، ثُمَّ يُسَمِّيَ ، ثُمَّ يَشْرَبَ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ يَحْمَدَ اللَّهَ عَقِبَهَا ، ثُمَّ يُسَمِّيَ ، ثُمَّ يَشْرَبَ حَتَّى يَرْوَى ، ثُمَّ يَحْمَدَ اللَّهَ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ وَيُدْرِجَ شُرْبَ الْمَاءِ فَتَكُونُ الْأُولَى هِيَ الْأَقَلُّ وَالثَّانِيَةُ أَكْثَرَ مِنْهَا وَالثَّالِثَةُ يَبْلُغُ بِهَا كِفَايَتَهُ .
وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِنِيَاطِ الْقَلْبِ مَوْضِعًا رَقِيقًا لَطِيفًا فَإِذَا جَاءَ الْمَاءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً قَطَعَهُ ، وَقَدْ يَمُوتُ بِسَبَبِهِ فَيُؤْنِسُ الْأُولَى بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيمَنْ شَرِبَ الْمَاءَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّ الْمَاءَ يُسَبِّحُ فِي جَوْفِهِ مَا بَقِيَ فِي جَوْفِهِ فَيَبْقَى فِي عِبَادَةٍ وَإِنْ كَانَ نَائِمًا ، أَوْ غَافِلًا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ لِمَعَالِمِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد : رَحِمَهُ اللَّهُ
وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ الشُّرْبِ نَفَسًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ نَهْيُ تَأْدِيبٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَرَعَهُ جَرْعًا وَاسْتَوْفَى رِيَّهُ مِنْهُ نَفَسًا وَاحِدًا تَكَاثَرَ الْمَاءُ فِي مَوَارِدِ حَلْقِهِ وَأَثْقَلَ مَعِدَتَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ ( ثَلَاثَةٍ كَانَ أَنْفَعَ لِرِيِّهِ وَأَخَفَّ لِمَعِدَتِهِ وَأَحْسَنَ فِي الْأَدَبِ وَأَبْعَدَ مِنْ فِعْلِ ذِي الشَّرَهِ انْتَهَى .
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هُوَ فِي شُرْبِ الْمَاءِ ، وَأَمَّا اللَّبَنُ فَيَعُبُّهُ عَبًّا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَيُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ وَيَحْمَدُهُ فِي آخِرِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ الْعَبِّ وَالْمَصِّ وَيَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ وَيُسِرُّ بِالتَّحْمِيدِ ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُنَبِّهَهُمْ عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَخْذِ فِي الْأَكْلِ ، بِخِلَافِ التَّحْمِيدِ جَهْرًا فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بَعْدُ ، وَأَمَّا فِي شُرْبِ الْمَاءِ فَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ لَكِنَّ الْعَالِمَ الْجَهْرُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى لِيُقْتَدَى بِهِ .
وَيَنْبَغِي لِلْجَمَاعَةِ أَنْ لَا يَرْفَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ قَبْلَ أَصْحَابِهِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَحْمَدُ جَهْرًا كَمَا تَقَدَّمَ إذْ فِي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَمَّا هُمْ بِصَدَدِهِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِمَا وَرَدَ مِنْ نَهْيِ الشَّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ وَكَفَى بِهِ .
وَالثَّانِي : خَشْيَةَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِنَاءِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ فَيَتَأَذَّى بِهَا الشَّارِبُ وَلَهُ أَنْ يَشْرَبَ قَائِمًا لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أُتِيَ لَهُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَشَرِبَ قَائِمًا ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ أَحَدَكُمْ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ قَائِمًا ، وَقَدْ { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ وَهُوَ قَائِمٌ } .
وَيَنْبَغِي إنْ كَانَ فِي كُوزٍ ثُلْمَةٌ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ الْوَسَخِ ، وَقَدْ نَصَّ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ نَاحِيَةِ أُذُنِ الْكُوزِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِي السَّقْيِ بِأَفْضَلِهِمْ ، ثُمَّ يَدُورُ عَلَى يَمِينِهِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ بَعْضُ مَنْ يَحْتَرِمُونَهُ قَامُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ شُرْبِهِ فَيَنْحَنُونَ لَهُ وَيُقَبِّلُونَ أَيْدِيَهُمْ وَبَعْضُهُمْ يَقُومُونَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الشُّرْبِ وَيَفْعَلُونَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَبَعْضُهُمْ يَقُومُونَ نِصْفَ قَوْمَةٍ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا ، أَوْ أَكْثَرَ مَعَ الْإِشَارَةِ إلَى الْأَرْضِ بِالتَّقْبِيلِ وَقَوْلِهِمْ صِحَّةٌ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ وَفِيهِ التَّشَبُّهُ بِالْأَعَاجِمِ وَبَعْضُهُمْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يَقُولُ لِمَنْ يَفْرُغُ مِنْ الشُّرْبِ صِحَّةٌ وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ دُعَاءً حَسَنًا فَاِتِّخَاذُهُ عَادَةً عِنْدَ الشُّرْبِ بِدْعَةٌ .
فَإِنْ قِيلَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُمِّ أَيْمَنَ لَمَّا أَنْ شَرِبَتْ بَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صِحَّةٌ يَا أُمَّ أَيْمَنَ لَنْ تَلِجَ النَّارُ بَطْنَك } .
فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَاءٌ يُشْرَبُ وَإِنَّمَا هُوَ الْبَوْلُ ، وَهُوَ إذَا شُرِبَ عَادَ بِالضَّرَرِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : صِحَّةٌ لِيَنْفِيَ عَنْهَا مَا تَتَوَقَّعُهُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ بَوْلِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ دُعَاءً وَإِخْبَارًا وَذَلِكَ بِخِلَافِ شُرْبِ الْمَاءِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَذَا اللَّفْظُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْطِنِ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا
أَنْ يَكُونَ بِدْعَةً ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْمِلَ الْآدَابَ مَعَهُمْ حَتَّى يَحُوزَ فَضِيلَةَ الِاتِّبَاعِ وَالسَّبَقِ فَيُقَدِّمُ لَهُمْ نِعَالَهُمْ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ وَيَمْشِي مَعَهُمْ خُطُوَاتٍ لِتَوْدِيعِهِمْ ، وَقَدْ وَرَدَ { ثَلَاثٌ مُحَقَّرَاتٌ أَجْرُهُنَّ كَبِيرٌ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى يَدِ أَخِيكَ حَتَّى يَغْسِلَهَا وَتَقْدِيمُ نَعْلِهِ إذَا خَرَجَ وَإِمْسَاكُ الدَّابَّةِ لَهُ حَتَّى يَرْكَبَهَا } فَيَحْصُلُ لَهُ فِي هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ فَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِالِاتِّبَاعِ مَعَ حُصُولِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْإِخْوَانِ ، وَهَذِهِ مِنْ أَكْمَلِ الْحَالَاتِ .
هَذَا حَالُ الْعَالِمِ مَعَ الضَّيْفِ .
وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا دُعِيَ الْعَالِمُ إلَى دَعْوَةٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَارِعَ إلَى الدَّعَوَاتِ كُلِّهَا مَا خَلَا دَعْوَةَ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُنْكَرٌ بَيِّنٌ وَهُوَ فِي الْأَكْلِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ ، فَإِنْ أُهْدِيَ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَنْظُرْ فِي ذَلِكَ بِلِسَانِ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ ، فَلِسَانُ الْعِلْمِ مَعْرُوفٌ ، وَكَذَلِكَ الْوَرَعُ ، وَالْوَرَعُ أَعْلَى وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّهِمَا يَسْلُكُ ، وَلَهُ فِي الْعِلْمِ سَعَةٌ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْوَرَعُ ، وَيَنْظُرُ فِي سَبَبِ صَاحِبِ الطَّعَامِ ، فَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا بِلِسَانِ الْعِلْمِ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا قَامَ عَلَيْهِ بِسَطْوَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَزَجَرَهُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ فَيَتَلَطَّفُ لَهُ فِي الْجَوَابِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْعَادَةِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَهِيَ أَنْ يُهْدِيَ أَحَدُ الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ طَعَامًا فَلَا يُمْكِنُ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْوِعَاءَ فَارِغًا حَتَّى يَرُدَّهُ بِطَعَامٍ ، وَكَذَلِكَ الْمُهْدِي إنْ رَجَعَ إلَيْهِ الْوِعَاءُ فَارِغًا وَجَدَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ وَكَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ الْمُهَادَاةِ بَيْنَهُمَا ، وَلِسَانُ الْعِلْمِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ غَيْرَ يَدٍ بِيَدٍ ، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا وَيَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْبِيَاعَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا ، وَقَدْ سُومِحَ فِي ذَلِكَ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُسَلَّمٌ لَوْ مَشَوْا فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْهَدَايَا الشَّرْعِيَّةِ لَكِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ضِدَّ ذَلِكَ لِطَلَبِهِمْ الْعِوَضَ ، فَإِنَّ الدَّافِعَ يَتَشَوَّفُ لَهُ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ يَحْرِصُ عَلَى الْمُكَافَأَةِ ، فَخَرَجَ بِالْمُشَاحَّةِ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا إلَى بَابِ الْبِيَاعَاتِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يُنَبِّهُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ
فَصْلٌ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ طَبِيبًا لِمَلِكٍ مِنْ الْمُلُوكِ فَمَرِضَ الْمَلِكُ مَرَضًا شَدِيدًا وَكَانَ الْيَهُودِيُّ لَا يُفَارِقُ عِيدَهُ ، فَجَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَرَادَ الْيَهُودِيُّ أَنْ يَمْضِيَ إلَى سَبْتِهِ فَمَنَعَهُ الْمَلِكُ فَمَا قَدَرَ الْيَهُودِيُّ أَنْ يَسْتَحِلَّ سَبْتَهُ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سَفْكَ دَمِهِ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ إنَّ الْمَرِيضَ لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ يَوْمَ السَّبْتِ فَتَرَكَهُ الْمَلِكُ وَمَضَى لَسَبْتِهِ ، ثُمَّ شَاعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الْبِدْعَةُ ، وَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْتَمِدُونَهَا حَتَّى أَنِّي رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ يَنْسِبُهَا إلَى السُّنَّةِ وَيَسْتَدِلُّ بِزَعْمِهِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَارَ الْقُبُورَ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَأَخَذَ مِنْ هَذَا بِزَعْمِهِ أَنَّ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ يَوْمَ السَّبْتِ تَفَاؤُلًا عَلَى مَوْتِ الْمَرِيضِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّفَاؤُلِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّشَاؤُمِ وَالطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمَا ، وَالْمُسْلِمُونَ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَيْضًا وَهِيَ أَنَّ مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ مَعَهُ بِشَيْءٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَإِلَّا وَقَعَ الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي ، وَلَمْ تَرِدْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ بَلْ الْمَطْلُوبُ الْعِيَادَةُ لَيْسَ إلَّا فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا وَالصَّدَقَاتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي هَدَايَا الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ فِي الطَّعَامِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى تَرْكِ شَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ إذَا اشْتَكَى صَاحِبُهُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَدْخُلُ بِهِ عَلَيْهِ تَرَكَ عِيَادَتَهُ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْقَطِيعَةِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْعَمَى وَالضَّلَالِ .
هَذَا حَالُ الْعَالِمِ فِي مُنَاوَلَةِ غِذَائِهِ مَعَ أَهْلِهِ وَأَضْيَافِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى ذِكْرِ بَقِيَّةِ تَصَرُّفِهِ فِي بَيْتِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ بِدْعَةِ هَذِهِ الْأَسَامِي الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي نُعُوتِ الرِّجَالِ مَا أَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ الْحَافِظُ الْقُدْوَةُ الْمَعْرُوفُ بِالنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ فَكَفَى غَيْرَهُ مُؤْنَةَ ذَلِكَ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَلْتَمِسْهُ فِي كِتَابِهِ .
لَكِنْ بَقِيَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ النُّعُوتَ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : شَنِيعٌ قَبِيحٌ وَهُوَ النَّعْتُ بِسِتِّ الْخَلْقِ وَسِتِّ الْإِسْلَامِ وَسِتِّ الْحُكَّامِ وَسِتِّ الْقُضَاةِ وَسِتِّ الْعُلَمَاءِ وَسِتِّ الْفُقَهَاءِ وَسِتِّ النَّاسِ وَسِتِّ النِّسَاءِ وَسِتِّ الْكُلِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
أَلَّا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْعُلَمَاءُ وَالصُّلَحَاءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْيَارِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ وَالْمُتَلَفِّظُ بِهِ لَا يَعْتَقِدُونَ دُخُولَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ تَحْتَ الْعُمُومِ ، وَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ فَهُوَ تَعَمُّدُ كَذِبٍ مَحْضٍ بِلَا ضَرُورَةٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالتَّزْكِيَةِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ .
وَأَمَّا مَا سِوَاهَا كَسِتِّ الْعِرَاقِ وَسِتِّ الْيَمَنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّزْكِيَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ تَسْمِيَتُهُنَّ بِأُمِّ فُلَانِ الدِّينِ وَفُلَانُ الدِّينِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّزْكِيَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ نُعُوتِ الرِّجَالِ لَكِنْ نَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّاتِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِنَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَعَظَّمَ فِيهِ قَدْرَهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ
النِّسَاءِ } الْآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي لَا يُشَكُّ فِيهَا ، وَلَا يُرْتَابُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى تَعْظِيمِ الْحُرُمَاتِ وَالشَّعَائِرِ ، مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُسَمِّ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النُّعُوتِ الْمُحْدَثَةِ وَكَفَى بِهَا ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ ابْنَتِهِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي قَالَ فِي حَقِّهَا { فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي } فَإِذَا كَانَتْ بَضْعَةً مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَاهِيكَ بِهَا مَنْزِلَةً رَفِيعَةً فَيَجِبُ تَعْظِيمُهَا مَا أَمْكَنَ ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَزِدْ عَلَى اسْمِهَا الْمَعْلُومِ شَيْئًا وَوَاجِبٌ الِاعْتِقَادُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَّى لَهَا حَقَّهَا وَلِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَتُكْرَمُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَعْلُومَةِ لَهُنَّ فِيهَا شَيْءٌ مَا مِنْ الْخَيْرِيَّةِ لَمْ يَتْرُكْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَبَيَّنَ الْجَوَازَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً لِتَعْظِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلشَّعَائِرِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَعْظِيمَهُنَّ مِنْ الشَّعَائِرِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ النُّعُوتُ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ أَعْنِي أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً مِنْ التَّزْكِيَةِ وَالْكَذِبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمَا بِالنُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَكَانَ أَمْرُهَا أَقْرَبَ ، وَلَكِنْ وَضَعُوا النُّعُوتَ فِي بَابِ الْمَكْرُوهِ ، أَوْ الْمُحَرَّمِ بِحَسَبِ حَالِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَهَؤُلَاءِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُنَاتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَسْمَاؤُهُنَّ مَعْلُومَةٌ وَهُنَّ اللَّاتِي أُمِرْنَا بِأَخْذِ شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْهُنَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { تَرَكْتُ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي } انْتَهَى .
فَهَذِهِ عِتْرَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الرَّاوِي عَنْهُنَّ عَنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ زِيَادَةً عَلَى أَسْمَائِهِنَّ الْمَعْرُوفَةِ هَذَا مَعَ عِلْمِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُنَّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ حُقُوقِهِنَّ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } فَهَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَظُنَّ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ الَّتِي وَصَفَهُمْ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالْخَيْرِيَّةِ أَنَّهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ فَاتَهُمْ تَعْظِيمُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْخَيْرِيَّةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِهِمْ لَكِنَّهُ عَلَى أُصُولِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمْ فَنَعَمْ ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَيَرْجِعُ إلَى بَابِ الْمَكْرُوهِ ، أَوْ الْمُحَرَّمِ وَهَذِهِ النُّعُوتُ الْمُحْدَثَةُ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَحَدِهِمَا ، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ مَثَلًا أُمُّ شَمْسِ الدِّينِ وَأُمُّ ضِيَاءِ الدِّينِ وَنَحْوُهُمَا فَلَا خَفَاءَ أَنَّهَا احْتَوَتْ عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّزْكِيَةِ وَهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا ، فَأَمَّا الْكَذِبُ فَحَرَامٌ ، وَأَمَّا التَّزْكِيَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ مَا ذُكِرَ فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الشَّخْصِ فَمَكْرُوهٌ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِينَ أَثْنَوْا عَلَى الرَّجُلِ بِحَضْرَتِهِ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ
، أَوْ ظَهْرَ أَخِيكُمْ } فَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّنَا نُنْكِرُ الْكُنَى الشَّرْعِيَّةَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ مِنْهَا لَيْسَ فِيهِ تَزْكِيَةٌ .
وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ } فَهَلْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ التَّزْكِيَةِ ، وَكَذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ رُومَانَ وَأُمُّ مَعْبَدٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَقِسْ عَلَى هَذَا تُصِبْ ، فَالْكُنَى الْمَشْرُوعَةُ أَنْ يُكَنَّى الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ ، أَوْ بِوَلَدِ غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُكَنَّى بِوَلَدِهَا ، أَوْ بِوَلَدِ غَيْرِهَا كَمَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ { عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ وَجَدَتْ عَلَى كَوْنِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ تَتَكَنَّى بِهِ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : تَكَنِّي بِابْنِ أُخْتِك يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا } ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ التَّكَنِّي بِالْحَالَةِ الَّتِي الشَّخْصُ مُتَّصِفٌ بِهَا كَأَبِي تُرَابٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمَا أَشْبَهَهُمَا ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيُكَنَّى الصَّبِيُّ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ كَنَّيْت ابْنَك أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَلَا أَفْعَلُهُ وَلَكِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يُكَنُّونَهُ فَمَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ فِي تَكْنِيَةِ الصَّبِيِّ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَحْسَنُ عِنْدَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي كُنْيَةِ ابْنِهِ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَفْعَلُهُ وَلَكِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يُكَنُّونَهُ وَإِنَّمَا كَانَ تَرْكُهُ أَحْسَنَ لِمَا فِي ظَاهِرِهِ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْكَذِبِ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا وَلَدَ لَهُ يُكَنَّى بِذَلِكَ لِلْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ وَالِدُ الْمُكَنَّى بِاسْمِهِ ، وَإِنَّمَا تُجْعَلُ الْكُنْيَةُ الَّتِي يُكَنَّى بِهَا عَلَمًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ فِي لُبْسِ النِّسَاءِ قَدْ تَقَدَّمَ رَحِمَك اللَّهُ نِيَّةُ الْعَالِمِ وَهَدْيُهُ فِي لُبْسِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَبَقِيَ الْكَلَامُ هُنَا عَلَى لُبْسِ أَهْلِهِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ فِي لِبَاسِهِنَّ ، وَهُنَّ كَمَا وَرَدَ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ فَلُبْسُهُنَّ كَذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، فَالذِّكْرُ لِلنِّسَاءِ وَالْكَلَامُ مَعَ مَنْ سَامَحَهُنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَزْوَاجِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَأْخُذُ عَلَى أَهْلِهِ وَبِرَدِّهِنَّ لِلِاتِّبَاعِ مَهْمَا اسْتَطَاعَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَلْبَسْنَ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الضَّيِّقَةِ الْقَصِيرَةِ وَهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَوَرَدَتْ السُّنَّةُ بِضِدِّهِمَا ؛ لِأَنَّ الضَّيِّقَ مِنْ الثِّيَابِ يَصِفُ مِنْ الْمَرْأَةِ أَكْتَافَهَا وَثَدْيَيْهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ ، هَذَا فِي الضَّيِّقِ ، وَأَمَّا الْقَصِيرُ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهُنَّ أَنْ يَجْعَلْنَ الْقَمِيصَ إلَى الرُّكْبَةِ ، فَإِنْ انْحَنَتْ أَوْ جَلَسَتْ أَوْ قَامَتْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا ، وَوَرَدَتْ السُّنَّةُ أَنَّ ثَوْبَ الْمَرْأَةِ تَجُرُّهُ خَلْفَهَا وَيَكُونُ فِيهِ وُسْعٌ بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يَصِفُهَا ، فَإِنْ قُلْنَ إنَّ السَّرَاوِيلَ يُغْنِي مِنْ الثَّوْبِ الطَّوِيلِ فَصَحِيحٌ أَنَّ فِيهِ سُتْرَةً لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ السُّرَّةِ وَهُنَّ يَعْمَلْنَهُ تَحْتَهَا بِكَثِيرٍ .
وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَحُكْمِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ وَحُكْمُهُمَا أَنَّ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ لَا يَكْشِفُهُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْبَدَنِ ، فَتَكُونُ قَدْ ارْتَكَبَتْ النَّهْيَ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى حَدِّ السَّرَاوِيلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ كَثِيفًا لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ وَقَدْ اتَّخَذَ بَعْضُهُنَّ هَذَا السَّرَاوِيلَ عِنْدَ الْخُرُوجِ لَيْسَ إلَّا ، وَأَمَّا فِي الْبَيْتِ فَتَقْعُدُ بِدُونِهِ وَهِيَ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُ زَوْجِهَا أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ
الثَّوْبُ الرَّفِيعُ وَالضَّيِّقُ الَّذِي يَصِفُ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا جَارِيَةٌ فِي الْبَيْتِ أَوْ عَبْدٌ أَوْ أَخٌ أَوْ وِلْدَانٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ظُهُورِ أَطْرَافِهَا لِذِي الْمَحَارِمِ ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَقْعُدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ بِهَذِهِ الثِّيَابِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ بِغَيْرِ سَرَاوِيلَ بَيْنَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ، وَلَا يَلْبَسْنَ السَّرَاوِيلَ إلَّا عِنْدَ الْخُرُوجِ فَيَكُونُ الْعَالِمُ يَنْهَى عَنْ هَذِهِ الْقَبَائِحِ وَيَذُمُّهَا وَيُعَلِّمُهُنَّ أَمْرَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ .
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ لُبْسِ الْقَبَاطِيِّ قَالَ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَشِفُّ فَإِنَّهَا تَصِفُ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْقَبَاطِيُّ ثِيَابٌ ضَيِّقَةٌ مُلْتَصِقَةٌ بِالْجَسَدِ لِضِيقِهَا فَتُبْدِي ثَخَانَةَ جِسْمِ لَابِسِهَا مِنْ نَحَافَتِهِ وَتَصِفُ مَحَاسِنَهُ وَتُبْدِي مَا يُسْتَحْسَنُ مِمَّا لَا يُسْتَحْسَنُ فَنَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَلْبَسْنَهَا النِّسَاءُ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } .
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ عَنْ هَذِهِ الْعَمَائِمِ الَّتِي يَعْمَلْنَهَا عَلَى رُؤْسِهِنَّ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ } قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا هَذَا نَصُّهُ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ } يَعْنِي أَنَّهُنَّ كَاسِيَاتٌ بِالثِّيَابِ عَارِيَّاتٌ مِنْ الدِّينِ لِانْكِشَافِهِنَّ وَإِبْدَاءِ بَعْضِ مَحَاسِنِهِنَّ ، وَقِيلَ كَاسِيَاتٌ ثِيَابًا رِقَاقًا يَظْهَرُ مَا تَحْتَهَا وَمَا خَلْفَهَا فَهُنَّ كَاسِيَاتٌ فِي الظَّاهِرِ عَارِيَّاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَقِيلَ كَاسِيَاتٌ فِي الدُّنْيَا بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ مِنْ الْحَرَامِ وَمِمَّا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ ، عَارِيَّاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ } قِيلَ مَعْنَاهُ زَائِغَاتٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ طَاعَةِ الْأَزْوَاجِ وَمَا يَلْزَمُهُنَّ مِنْ صِيَانَةِ الْفُرُوجِ وَالتَّسَتُّرِ عَنْ الْأَجَانِبِ وَمُمِيلَاتٌ يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ الدُّخُولَ فِي مِثْلِ فِعْلِهِنَّ ، وَقِيلَ مَائِلَاتٌ مُتَبَخْتِرَاتٌ يُمِلْنَ رُءُوسَهُنَّ وَأَعْطَافَهُنَّ لِلْخُيَلَاءِ وَالتَّبَخْتُرِ وَمُمِيلَاتٌ لِقُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَطِيبِ رَائِحَتِهِنَّ ، وَقِيلَ يَتَمَشَّطْنَ الْمَيْلَاءَ يَهِيَ مِشْطَةُ الْبَغَايَا ، وَالْمُمِيلَاتُ اللَّوَاتِي يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ مِشْطَةَ الْمَيْلَاءِ ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَلَى رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ } مَعْنَاهُ يُعَظِّمْنَ رُءُوسَهُنَّ بِالْخُمُرِ وَالْمَقَانِعِ وَيَجْعَلْنَ عَلَى رُءُوسِهِنَّ شَيْئًا يُسَمَّى عِنْدَهُنَّ النَّاهِرَةَ لَا عَقْصُ الشَّعْرِ وَالذَّوَائِبُ الْمُبَاحَةُ لِلنِّسَاءِ انْتَهَى .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { عَلَى
رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ } فَهَذَا مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ ، إذْ أَنَّ فِي عِمَامَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سَنَامَيْنِ ، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ أَنَّ رَأْسَهَا يَعْتَلُّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْعِمَامَةِ ؛ لِأَنَّهُنَّ اتَّخَذْنَهَا عَادَةً مِنْ فَوْقِ الْحَاجِبَيْنِ وَفِي ذَلِكَ مَفَاسِدُ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحِلٌّ لِاسْتِمْتَاعِ الرَّجُلِ وَأَعْظَمُ جَمَالٍ فِيهَا وَجْهُهَا وَهِيَ تُغَطِّي أَكْثَرَهُ فَتَقَعُ بِذَلِكَ فِي الْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ زَوْجَهَا حَقَّهُ وَلَوْ رَضِيَ زَوْجُهَا بِذَلِكَ فَإِنَّهَا تُمْنَعُ مِنْهُ لِمُخَالَفَتِهَا لِلسُّنَّةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ مَسْتُورَةً ، فَإِذَا احْتَاجَتْ إلَى الْوُضُوءِ تَحْتَاجُ إلَى كَشْفِهَا حَتَّى تَغْسِلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا غَسَلَتْهُ فَقَدْ تُسْتَهْوَى ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ قَدْ اعْتَادَ التَّغْطِيَةَ فَإِذَا كَشَفَتْهُ عِنْدَ الْغَسْلِ قَدْ تَتَضَرَّرُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ فَرْضَيْنِ : أَحَدُهُمَا : غَسْلُ الْوَجْهِ .
وَالثَّانِي : مَسْحُ الرَّأْسِ .
وَالثَّالِثُ : الزِّينَةُ الَّتِي جَمَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي وَجْهِهَا سَتَرَتْهَا عَنْ زَوْجِهَا ، وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ لِلْفِرَاقِ ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بَشِعَةَ الْمَنْظَرِ ، فَإِنْ قِيلَ : إنَّ فِيهِ بَعْضَ جَمَالٍ لَهَا فَهَذَا نَادِرٌ وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ جَمَالٌ لَهَا فَتُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا لِلسُّنَّةِ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ
فَصْلٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ تَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ الَّتِي أَحْدَثْنَهَا مَعَ قِصَرِ الْكُمِّ فَإِنَّهَا إذَا رَفَعَتْ يَدَهَا ظَهَرَتْ أَعْكَانُهَا وَنُهُودُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ الْمُتَبَرِّجَاتِ ، وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُنَّ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْقَصِيرِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَتَرْكِ السَّرَاوِيلِ وَتَقِفُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فِي بَابِ الرِّيحِ عَلَى هَذِهِ السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا ، فَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ أَوْ الْتَفَتَ رَأَى عَوْرَتَهَا ، وَالشَّرْعُ أَمَرَهَا بِالتَّسَتُّرِ الْبَالِغِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ .
فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُنَّ السُّنَّةَ فِي الْخُرُوجِ إنْ اضْطَرَّتْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ فِي حَفْشِ ثِيَابِهَا وَهُوَ أَدْنَاهُ وَأَغْلَظُهُ ، وَتَجُرُّ مِرْطَهَا خَلْفَهَا شِبْرًا أَوْ ذِرَاعًا وَيُعَلِّمُهُنَّ السُّنَّةَ فِي مَشْيِهِنَّ فِي الطَّرِيقِ ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ حَكَمَتْ أَنْ يَكُونَ مَشْيُهُنَّ مَعَ الْجُدَرَانِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ الطَّرِيقَ } وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ وَقَدْ اخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ : اسْتَأْخِرْنَ فَلَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تُضَيِّقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ } فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْصَقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى أَنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا انْتَهَى .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ وَأَمَامَهُ امْرَأَةٌ فَقَالَ لَهَا : تَنَحِّي عَنْ الطَّرِيقِ فَقَالَتْ : الطَّرِيقُ وَاسِعٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهَا فَإِنَّهَا جَبَّارَةٌ } انْتَهَى .
وَلَمَّا كَانَ مَشْيُهُنَّ مَعَ الْجُدْرَانِ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْبَوْلِ هُنَاكَ لِئَلَّا يَنْجَسَ مِرْطُ مَنْ مَرَّتْ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَفَوَائِدُهَا مُتَعَدِّدَةٌ ، وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ السُّنَنِ كَيْفَ انْدَرَسَتْ فِي زَمَانِنَا هَذَا حَتَّى بَقِيَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تُعْرَفْ لِمَا ارْتَكَبْنَ مِنْ ضِدِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَتَقْعُدُ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَادَتِهِنَّ بِحَفْشِ ثِيَابِهَا وَتَرْكِ زِينَتِهَا وَبِحَمْلِهَا ، وَبَعْضُ شَعْرِهَا نَازِلٌ عَلَى جَبْهَتِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوْسَاخِهَا وَعَرَقِهَا حَتَّى لَوْ
رَآهَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَنَفَرَ بِطَبْعِهِ مِنْهَا غَالِبًا فَكَيْفَ بِالزَّوْجِ الْمُلَاصِقِ لَهَا ، فَإِذَا أَرَادَتْ إحْدَاهُنَّ الْخُرُوجَ تَنَظَّفَتْ وَتَزَيَّنَتْ وَنَظَرَتْ إلَى أَحْسَنِ مَا عِنْدَهَا مِنْ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ فَلَبِسَتْهُ ، وَتَخْرُجُ إلَى الطَّرِيقِ كَأَنَّهَا عَرُوسٌ تُجَلِّي ، وَتَمْشِي فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ وَتُزَاحِمُ الرِّجَالَ وَلَهُنَّ صَنْعَةٌ فِي مَشْيِهِنَّ حَتَّى أَنَّ الرِّجَالَ لَيَرْجِعُونَ مَعَ الْحِيطَانِ حَتَّى يُوَسِّعُوا لَهُنَّ فِي الطَّرِيقِ أَعْنِي الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ ، وَغَيْرُهُمْ يُخَالِطُوهُنَّ وَيُزَاحِمُوهُنَّ وَيُمَازِحُوهُنَّ قَصْدًا ، كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ عَدَمُ النَّظَرِ إلَى السُّنَّةِ وَقَوَاعِدِهَا وَمَا مَضَى عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِذَا نَبَّهَ الْعَالِمُ عَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ انْسَدَّتْ هَذِهِ الْمَثَالِمُ وَرُجِيَ لِلْجَمِيعِ بَرَكَةُ ذَلِكَ فَمَنْ رَجَعَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي فَهُوَ الْقَصْدُ الْحَسَنُ وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ عُلِمَ أَنَّهُ مُكْتَسِبٌ لِلذُّنُوبِ فَيَبْقَى مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَفِي الْكَسْرِ مِنْ الْخَيْرِ مَا قَدْ عُلِمَ ، وَمَنْ انْكَسَرَ رُجِيَ لَهُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ
فَصْلٌ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى شِرَاءِ حَوَائِجِهِنَّ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ وَيَنْبَغِي لَهُ إنْ كَانَتْ لِأَهْلِهِ حَاجَةٌ مِنْ شِرَاءِ ثَوْبٍ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلْيَتَوَلَّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَتْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِذَلِكَ أَوْ بِمَنْ يَقُومُ عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَعْلُومٌ ، وَلَا يُمَكِّنْهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ أَلْبَتَّةَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الْمُنْكَرِ الْبَيِّنِ الَّذِي يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْهُنَّ الْيَوْمَ جِهَارًا أَعْنِي فِي جُلُوسِهِنَّ عِنْدَ الْبَزَّازِينَ وَالصَّوَّاغِينَ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهَا تُنَاجِيهِ وَتُبَاسِطُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ بَيْنَهُمَا ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى وُقُوعِ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { بَاعِدُوا بَيْنَ أَنْفَاسِ النِّسَاءِ وَأَنْفَاسِ الرِّجَالِ } ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ { لَوْ كَانَ عِرْقٌ مِنْ الْمَرْأَةِ بِالْمَشْرِقِ وَعِرْقٌ مِنْ الرَّجُلِ بِالْمَغْرِبِ لَحَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ } ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَكَيْفَ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْكَلَامِ وَالْمُزَاحِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ لِلْمَرْأَةِ فِي عُمْرِهَا ثَلَاثَ خَرَجَاتٍ : خَرْجَةٌ لِبَيْتِ زَوْجِهَا حِينَ تُهْدَى إلَيْهِ ، وَخَرْجَةٌ لِمَوْتِ أَبَوَيْهَا ، وَخَرْجَةٌ لِقَبْرِهَا ، فَأَيْنَ هَذَا الْخُرُوجُ مِنْ هَذَا الْخُرُوجِ ، وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا حَاصِلَةٌ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِنَّ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ فِيمَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ أَمْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالصَّرْفِ وَكَيْفِيَّةِ حُكْمِ الرِّبَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِهِنَّ مَعَ الْجَهْلِ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، بَلْ أَكْثَرُ الرِّجَالِ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { الْغَيْرَةُ مِنْ الْإِيمَانِ } أَوْ كَمَا قَالَ وَمَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِسَاءِ الْإِفْرِنْجِ شَبَهٌ ؛ فَإِنَّ نِسَاءَهُنَّ
يَبِعْنَ وَيَشْتَرِينَ وَيَجْلِسْنَ فِي الدَّكَاكِينِ وَالرِّجَالُ فِي الْبُيُوتِ ، وَالشَّرْعُ قَدْ مَنَعَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ .
فَصْلٌ فِي السُّكْنَى عَلَى الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ السُّكْنَى عَلَى الْبَحْرِ مَهْمَا اسْتَطَاعَ جَهْدَهُ وَذَلِكَ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ ، وَمَنْ كَانَ فِي دَارٍ عَلَى الْبَحْرِ فَهُوَ كَالْجَالِسِ عَلَى الطَّرِيقِ ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ طَرِيقٌ لِلْمُرُورِ فِيهِ بِالْمَرَاكِبِ ، فَإِذَا نَظَرَ كَشَفَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَشْتَمِلُ عَلَى عَوْرَاتٍ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا : كَشْفُ عَوْرَاتِ النَّوَاتِيَّةِ كَمَا هُوَ وَاقِعٌ مَرْئِيٌّ ، وَكَذَلِكَ كَشْفُ عَوْرَاتِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُغْتَسِلِينَ فِيهِ ، وَالْكَلَامُ الْفَاحِشُ الَّذِي يُمْنَعُ لِلرِّجَالِ سَمَاعُهُ فَكَيْفَ بِالْمَرْأَةِ ؟ وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَكُونُ مَعَهُمْ الْمَغَانِي فِي الشَّخَاتِيرِ ، وَغَيْرِهَا فَإِحْدَاهُنَّ تَضْرِبُ بِالطَّارِ ، وَأُخْرَى بِالشَّبَّابَةِ ، وَمَعَهُنَّ مَنْ يُصَوِّتُ بِالْمِزْمَارِ مَعَ رَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ بِالْغِنَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ظُهُورِ هَذِهِ الْعَوْرَاتِ الْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرِهَا .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ أَهْلَهُ يَنْكَشِفْنَ بِجُلُوسِهِنَّ فِي الطُّرُقَاتِ وَغَيْرِهَا وَيُشَاهِدْنَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَغَيْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ بَنَاتٌ أَوْ إمَاءٌ أَوْ غَيْرُهُنَّ فَتَزِيدُ الْمَفَاسِدُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الثَّالِثُ : أَنَّ شَاطِئَ الْبَحْرِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى وَلَا لِغَيْرِهَا إلَّا الْقَنَاطِرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، وَالظِّلِّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهَا مَرَافِقُ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَنْ جَاءَ يَرْتَفِقُ بِهَا يَجِدُ هُنَاكَ نَجَاسَةً فَيَقُولُ لَعَنْ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَإِذَنْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ اللَّعْنَ بِهَذَا الْفِعْلِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَنَهَاهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يُلْعَنُونَ
بِسَبَبِهِ ، هَذَا وَهُوَ مِمَّا يَذْهَبُ بِالشَّمْسِ ، وَالرِّيحِ وَغَيْرِهِمَا فَكَيْفَ بِالْبِنَاءِ عَلَى النَّهْرِ الْمُتَّخَذِ لِلدَّوَامِ غَالِبًا ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ اتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ لَا يَجُوزُ تَضْيِيقُهَا انْتَهَى .
وَالْبِنَاءُ عَلَى النَّهْرِ أَكْثَرُ ضَرَرًا وَأَشَدُّ مِنْ تَضْيِيقِ الطَّرِيقِ ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ يُمْكِنُ الْمُرُورُ فِيهَا مَعَ تَضْيِيقِهَا بِخِلَافِ النَّهْرِ فَمَنْ بَنَى عَلَيْهِ كَانَ غَاصِبًا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْرِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا جَاءَ أَحَدٌ يَرِدُ الْمَاءَ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَدُورَ مِنْ نَاحِيَةٍ بَعِيدَةٍ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَكَانَ مَنْ أَحْوَجَهُ إلَى ذَلِكَ غَاصِبًا ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَنْ أَرْسَلَ سَجَّادَتَهُ إلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ إتْيَانِهِ فَوُضِعَتْ هُنَاكَ لِيَحْصُلَ بِهَا الْمَكَانُ ، أَوْ كَانَ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَصْبٌ ، هَذَا وَهُوَ مِمَّا لَا يَدُومُ فَكَيْفَ بِالْبِنَاءِ عَلَى النَّهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ ؟ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ حَرِيمَ الْعُيُونِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَحَرِيمَ الْأَنْهَارِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَاخْتَلَفُوا فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ فَقِيلَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، وَقِيلَ خَمْسُونَ ، وَقِيلَ ثَلَثُمِائَةٍ ، وَقِيلَ خَمْسُمِائَةٍ ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَوْضِعِ الْبِئْرِ وَلِأَيِّ شَيْءٍ هِيَ هَلْ هِيَ لِلزَّرْعِ أَوْ لِلْمَاشِيَةِ أَوْ فِي الْبَادِيَةِ أَوْ فِي الْبَلَدِ ، نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ حَدًّا إلَّا مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَعَلَى هَذَا وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ ذِرَاعٍ إذَا أَضَرَّ بِهِمْ يُمْنَعُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } وَعَكْسُهُ إنْ كَانَ أَقَلَّ وَلَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ لَمْ يُمْنَعْ ، ثُمَّ أَفْضَى الْأَمْرُ مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ امْتَنَعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْهُ لِلشُّرْبِ وَغَيْرِهِ إلَّا مَوَاضِعَ قَلِيلَةً ، وَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فِتَنٌ لِمَنْعِ أَصْحَابِ الدُّورِ مَنْ يَرِدُ الْمَاءَ مِنْ السَّقَّائِينَ الَّذِينَ يَبِيعُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ جَرَتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ إلَى أَنْ وَصَلَتْ إلَى عِمَادِ الدِّينِ وَأَصْلِهِ ، وَهُوَ الصَّلَاةُ بِإِفْسَادِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى أَحَدٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ فِي الصِّحَّةِ ، وَالْفَسَادِ وَهَذَا مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ كَمَوْضِعِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ } انْتَهَى .
فَإِذَا كَانَتْ مَنْزِلَةُ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْعُظْمَى فَكَيْفَ يَرْضَى لَبِيبٌ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي مَوْضِعٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْبَحْرِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْضُلَ شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الْعِمَارَةِ أَوْ يَنْهَدَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنْ الدُّورِ فَيَقَعُ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ غَالِبًا فَتَجِيءُ الْمَرَاكِبُ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ خَبَرٌ فَتَمُرُّ عَلَى ذَلِكَ فَيَكْسِرُهَا غَالِبًا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْحِجَارَةُ مَبْنِيَّةً بَارِزَةً مَعَ الزَّرَابِيِّ الْخَارِجَةِ عَنْ الْبُيُوتِ فِي دَاخِلِ الْبَحْرِ ، ثُمَّ مَعَ هَذِهِ الْأَذِبَّةِ يَمْنَعُونَ أَصْحَابَ الْمَرَاكِبِ مِنْ أَنْ يَلْتَصِقُوا إلَيْهَا ، وَالْمَوْضِعُ مُبَاحٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ اخْتِصَاصٌ .
الْخَامِسُ : أَنَّ الْمَرَاكِبَ قَدْ تَأْتِي فِي وَقْتِ هَوْلِ الْبَحْرِ مَعَ ثِقَلِهَا بِالْوَسْقِ فَيُرِيدُ صَاحِبُهَا أَنْ يُرْسِيَ فِي الْمَوْضِعِ الْقَرِيبِ مِنْهُ لِيَسْلَمَ مِنْ آفَاتِ الْبَحْرِ فَلَا يَجِدُ لِذَلِكَ سَبِيلًا مِنْ كَثْرَةِ الدُّورِ الَّتِي هُنَاكَ فَيَمْضِي لِسَبِيلِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الدُّورَ ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَرَقِهِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي
ذِمَّةِ الْبَانِي هُنَاكَ .
السَّادِسُ : مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يَلْبَسْنَ وَيَتَحَلَّيْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ الَّتِي عَلَى الْبَحْرِ عَلَى مَا اعْتَدْنَهُ مِنْ الْعَوَائِدِ الذَّمِيمَةِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الطُّرُقَاتِ وَعَلَيْهِنَّ مِنْ جَمَالِ الزِّينَةِ ، وَالتَّحَلِّي مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِأَنَّهُنَّ يُبَالِغْنَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذَا شَعَرْنَ أَنَّ الْعُيُونَ تَنْظُرُ إلَيْهِنَّ ، فَقَدْ يَرَاهَا مِنْ يَشْغَفُ قَلْبُهُ بِصُورَتِهَا فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْهَا فَيَحْتَالُ الْحِيَلَ الْكَثِيرَةَ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهَا إمَّا بِالطَّوَاعِيَةِ مِنْهَا إنْ قَدَرَ أَوْ يَأْتِي بِاللَّيْلِ قَهْرًا ، فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا وَقَعَتْ الْفَاحِشَةُ الْكُبْرَى ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ ، وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَقَدْ يَشْغَفُ آخَرُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْحُلِيِّ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنُزُولِ الْمَنَاسِرِ عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ وَمَا يُقَارِبُهُ مِنْ السَّرِقَةِ ، وَالْخِلْسَةِ ، وَقَدْ تَشْغَفُ هِيَ بِبَعْضِ مَنْ تَرَاهُ مِنْ الشَّبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّجُلِ ، وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقُلُوبَ تَتَعَلَّقُ غَالِبًا بِمَا رَأَتْ ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ الْعِلْمِ عِنْدَهُمَا ، فَإِذَا قَرُبَ زَوْجَتَهُ قَدْ يَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ الصُّورَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِهَا ، وَكَذَلِكَ هِيَ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ شَرِبَ الْمَاءَ يَعُدُّ أَنَّهُ خَمْرٌ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَصِيرُ فِي حَقِّهِ حَرَامًا ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
السَّابِعُ : أَنَّ فِي ذَلِكَ سَرَفًا وَإِضَاعَةَ مَالٍ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا ، إذْ لَا يَخْلُو السَّاكِنُ هُنَاكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَسْكُنَ فِي مِلْكِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُنَ بِأُجْرَةٍ ، فَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ ، فَقَدْ أَضَاعَ مَالَهُ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ كَمَا قَدْ عَلِمَ مِنْ
مُجَاوِرَةِ الْبَحْرِ فَفِي ذَلِكَ تَغْرِيرٌ بِمَالِهِ وَبِأَهْلِهِ وَبِوَلَدِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } وَهَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَدْ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، وَإِنْ كَانَ يَسْكُنُ بِالْأُجْرَةِ فَلَا يُثَابُ عَلَى مَا دَفَعَ مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مِنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِمِصْرَ قَبْلَ هَذَا الزَّمَنِ إذَا عُرِضَ عَلَيْهِمْ الْمِلْكُ لِلْبَيْعِ صَعِدُوا عَلَى سَطْحِهِ ، فَإِذَا رَأَوْا الْبَحْرَ لَا يُعْطُونَ فِيهِ شَيْئًا وَيَقُولُونَ عَنْهُ : إنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِمَا يَخَافُونَ عَلَيْهِ مِنْ وُصُولِ الْبَحْرِ إلَيْهِ فَيُتْلِفَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْا الْبَحْرَ حِينَئِذٍ يَتَسَاوَمُونَ فِيهِ ، وَهُمْ الْيَوْمَ بِضِدِّ ذَلِكَ يُرِيدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبْنِيَ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ وَمَنْ بَنَى فِي قَلْبِ الْبَحْرِ ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَنْ رَمَى مَالَهُ فِيهِ إلَّا أَنَّ الَّذِي رَمَى مَالَهُ فِيهِ هُوَ الَّذِي عَجَّلَ إتْلَافَهُ ، وَاَلَّذِي بَنَى فِيهِ أَجَّلَ إتْلَافَهُ ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَعَلَى هَذَا فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى بِنَاءِ الْمَسْكَنِ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ بِمَوْضِعٍ يَرَاهُ مِنْهُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ فِي الْبُعْدِ بِحَيْثُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُ إذْ كَانَ كَذَلِكَ انْزَاحَتْ تِلْكَ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا وَسَقَطَ عَنْهُ التَّغْيِيرُ وَغَيْرُهُ .
وَهَذَا طَرِيقٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قَبْلُ كَمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ أَحْدَثَ مِئْذَنَةً عَلَى دُورٍ سَبَقَتْهَا أَنَّهُ إذَا صَعِدَ الْمُؤَذِّنُ عَلَيْهَا وَرَأَى النَّاسَ فِي بُيُوتِهِمْ وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَإِنْ مَيَّزَ ذَلِكَ مُنِعَ إحْدَاثُهَا ، وَالصُّعُودُ عَلَيْهَا
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ حُكْمَ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِ ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : بَعِيدٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِي إحْيَائِهِ ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، فَأَمَّا الْبَعِيدُ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي إحْيَائِهِ إلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ ، وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ .
وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ كَالْأَفْنِيَةِ الَّتِي يَكُونُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا ضَرَرًا بِالطَّرِيقِ وَشِبْهُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِحَالٍ ، وَلَا يُبِيحُ ذَلِكَ الْإِمَامُ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
فَصْلٌ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْقُبُورِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُنَّ مَيِّتٌ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ حَكَمَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِنَّ { قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِنِسَاءٍ خَرَجْنَ فِي جِنَازَةٍ أَتَحْمِلْنَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ قُلْنَ لَا قَالَ : أَفَتُنْزِلْنَهُ قَبَرَهُ فِيمَنْ يُنْزِلُهُ قُلْنَ : لَا قَالَ : أَفَتَحْثِينَ عَلَيْهِ التُّرَابَ فِيمَنْ يَحْثِي قُلْنَ : لَا قَالَ : فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ } { وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ لَقِيَهَا فِي طَرِيقٍ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت فَقَالَتْ مِنْ عِنْدِ جِيرَانٍ لَنَا عَزَّيْتُهُمْ فِي مَيِّتِهِمْ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكَدَاءَ يَعْنِي الْقُبُورَ فَقَالَتْ : لَا وَاَللَّهِ سَمِعْتُك تَنْهَى عَنْهَا فَقَالَ : لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكَدَاءَ وَذَكَرَ وَعِيدًا شَدِيدًا } ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لَعَنْ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ ، وَالسُّرُجَ } أَخْرَجَهُ أَبُو دؤاد فِي سُنَنِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نِسَاءً فِي جِنَازَةٍ فَطَرَدَهُنَّ وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَأَرْجِعُ إنْ لَمْ تَرْجِعْنَ ، وَحَصَبَهُنَّ بِالْحِجَارَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ فِي حُضُورِ الْجِنَازَةِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : قَوْلٌ بِالْمَنْعِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَالثَّانِي بِالْجَوَازِ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ ، وَالتَّحَفُّظِ عَكْسُ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ .
وَالثَّالِثُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَجَالَّةِ ، وَالشَّابَّةِ فَيَجُوزُ لِلْمُتَجَالَّةِ وَيُمْنَعُ لِلشَّابَّةِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي نِسَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَكُنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ فِي الِاتِّبَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا خُرُوجَهُنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَمَعَاذَ
اللَّهِ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، أَوْ مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ ، أَوْ غَيْرَةٌ فِي الدِّينِ بِجَوَازِ ذَلِكَ ، فَإِنْ وَقَعَتْ ضَرُورَةٌ لِلْخُرُوجِ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ الذَّمِيمَةِ فِي هَذَا
وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ لِبَعْضِهِمْ فِي بِنَاءِ هَذِهِ الدُّورِ فِي الْقُبُورِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّارِعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرَعَ دَفْنَ الْأَمْوَاتِ فِي الصَّحْرَاءِ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْإِيمَانَ بُنِيَ عَلَى النَّظَافَةِ ، فَإِذَا دُفِنَ الْمُؤْمِنُ فِي الصَّحْرَاءِ ، فَالصَّحْرَاءُ عَطْشَانَةٌ فَأَيُّ فَضْلَةٍ خَرَجَتْ مِنْ الْمَيِّتِ شَرِبَتْهَا الْأَرْضُ فَيَبْقَى الْمُؤْمِنُ نَظِيفًا فِي قَبْرِهِ .
فَلَمَّا أَنْ رَأَى الشَّيْطَانُ هَذِهِ السُّنَّةَ الْمُبَارَكَةُ ، وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ سَوَّلَ لَهُمْ ضِدَّهَا ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ مَيِّتٌ خَرَجُوا بِأَهْلِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ إلَى قَبْرِهِ فَيَسْكُنُونَ فِي دَارٍ إلَى جَانِبِهِ وَلَا بُدَّ لِلدَّارِ مِنْ بَيْتِ الْخَلَاءِ وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمِيَاهِ ، فَإِذَا أَقَامُوا هُنَاكَ نَزَلَتْ تِلْكَ الْفَضَلَاتُ وَهِيَ سَرِيعَةُ السَّرَيَانِ فِي الْأَرْضِ فَتَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ فَتُنَجِّسُهُ ، وَيَنْمَاعُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ بِالْفَضَلَاتِ الَّتِي تَخْرُجُ ، وَالنَّجَاسَاتُ الَّتِي انْجَذَبَتْ إلَيْهِ عَكْسُ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَهُمْ يُقِيمُونَ عَلَى مَيِّتِهِمْ هُنَاكَ بِقَدْرِ عِزَّتِهِ عِنْدَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُقِيمُ الشَّهْرَ ، وَالشَّهْرَيْنِ ، وَالثَّلَاثَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ وَمَا جَرَّتْ إلَيْهِ ، فَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ ، وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ الْمَبِيتِ فِي الْقُبُورِ لِمَا يُخْشَى مِنْ كَشْفِ أَسْرَارِ الْمَوْتَى ، وَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ عَنَّا رَحْمَةً بِنَا فَمَنْ يَبِتْ هُنَاكَ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ إلَى زَوَالِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى شَيْئًا يَذْهَبُ بِهِ عَقْلُهُ .
وَنَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِنَارٍ حِين تَشْيِيعِهِ إلَى قَبْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَفَاؤُلٌ رَدِيءٌ وَهَؤُلَاءِ يُوقِدُونَ الشُّمُوعَ وَغَيْرِهَا عِنْدَهُ مَعَ مَا يُوقِدُونَهُ مِنْ الْأَحْطَابِ لِطَعَامِهِمْ اللَّهُمَّ
عَافِنَا مِنْ قَلْبِ الْحَقَائِقِ ، وَقَدْ قَالَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ إنَّهُ بَنَى دَارًا حَوْلَ الْقُبُورِ فَسَكَنَ هُنَاكَ فَأَصْبَحَتْ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهِ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا رَأَتْ فِي النَّوْمِ شَيْخًا كَبِيرًا ذَا شَيْبَةٍ وَجَمَالٍ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ وَهُوَ يَقُولُ نَحْنُ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ سُكَّانٌ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَأَنْتُمْ تَدُقُّونَ عَلَى رُؤْسِنَا بِالْهَاوُنِ بِاللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ ، وَقَدْ شَوَّشْتُمْ عَلَيْنَا قَالَ فَأَخْلَيْت ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَأَمَرْت بِهَدْمِهِ عَنْ آخِرِهِ فَالْبِنَاءُ فِي الْقُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَلَا يَحِلُّ الْبِنَاءُ فِيهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ تَارِيخَ مِصْرَ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَنْ فَتْحَ مِصْرَ وَأَخَذَ الْبِلَادَ مِنْ الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ مِصْرَ أَعْطَاهُ الْمُقَوْقِسُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ الْقَرَافَةِ مَالًا جَزِيلًا فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كِتَابًا يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ الْمُقَوْقِسَ أَعْطَاهُ فِي أَرْضٍ مِنْ الْأَمْوَالِ كَذَا وَكَذَا ، وَهِيَ لَا تَنْفَعُ لِشَيْءٍ وَرَأَيْت أَنَّ هَذَا الْمَالَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَأْخُذُ هُوَ أَرْضًا لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا لَكِنِّي وَقَفْت فِي ذَلِكَ لِأَمْرِك فَانْظُرْ مَا تَرَى فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا بَعْدُ فَاسْأَلْهُ لِمَاذَا بَذَلَ هَذَا الْمَالَ فِيهَا ، وَهِيَ لَا تَنْفَعُ لِشَيْءٍ فَسَأَلَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ : إنَّا نَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّى لَا أَعْرِفُ تُرْبَةَ
الْجَنَّةِ إلَّا لِأَجْسَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَاجْعَلْهَا لِمَوْتَاهُمْ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَإِذَا جَعَلَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ مُنِعَ الْبِنَاءُ فِيهَا .
وَقَدْ قَالَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ وَأَسْكُنُ إلَى قَوْلِهِ : إنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى هَدْمِ كُلِّ مَا فِي الْقَرَافَةِ مِنْ الْبِنَاءِ كَيْفَ كَانَ فَوَافَقَهُ الْوَزِيرُ فِي ذَلِكَ وَفَنَّدَهُ وَاحْتَالَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ : إنَّ فِيهَا مَوَاضِعَ لِلْأُمَرَاءِ وَأَخَافُ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ بِسَبَبٍ ذَلِكَ ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَعْمَلَ فَتَاوَى فِي ذَلِكَ فَيَسْتَفْتِي فِيهَا الْفُقَهَاءَ : هَلْ يَجُوزُ هَدْمُهَا أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قَالُوا بِالْجَوَازِ فَعَلَ الْمَلِكُ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى فَتَاوِيهِمْ فَلَا يَقَعُ تَشْوِيشٌ عَلَى أَحَدٍ .
فَاسْتَحْسَنَ الْمَلِكُ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَشَارَ بِهِ قَالَ : فَأَخَذَ الْفَتَاوَى وَأَعْطَاهَا إلَيَّ وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْشِيَ بِهَا عَلَى مَنْ وُجِدَ فِي الْوَقْتِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَمَشَيْت بِهَا عَلَيْهِمْ مِثْلُ الظَّهِيرِ التَّزْمَنْتِيِّ وَابْنِ الْجُمَّيْزِيِّ وَنَظَائِرِهِمَا فِي الْوَقْتِ ، فَالْكُلُّ كَتَبُوا خُطُوطَهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ : إنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَهْدِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلِّفَ أَصْحَابَهَا رَمْيَ تُرَابِهَا فِي الْكِيمَانِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ .
قَالَ فَأَعْطَيْت الْفَتَاوَى لِلْوَزِيرِ فَمَا أَعْرِفُ مَا صَنَعَ فِيهَا وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ وَسَافَرَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ إلَى الشَّامِ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ فَلَمْ يَرْجِعْ وَمَاتَ بِهِ ، فَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِيهَا فَعَلَى هَذَا ، فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدْ خَالَفَهُمْ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ بَشِيرٍ : وَلَيْسَتْ الْقُبُورُ مَوْضِعَ زِينَةٍ وَلَا مُبَاهَاةٍ ؛ وَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ بِنَائِهَا عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْمُبَاهَاةَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ
يَحْرُمُ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ وَوَقَعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ بَيْتٌ أَنَّهُ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ وَقَالَ : لَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ وَلَا كَرَامَةَ ، وَظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمِ ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَنَفَّذَ وَصِيَّتَهُ ، وَنَهَى عَنْهَا ابْتِدَاءً انْتَهَى .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَيَأْتِي عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ ، بَلْ هَذَا الْغَصْبُ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا غَصْبٌ لِحَقِّ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ ، وَالْأَوَّلُ لِلْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ ، فَالْأَحْيَاءُ قَدْ يُمْكِنُ التَّحَلُّلُ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْأَمْوَاتِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ قَبْرًا لِيُدْفَنَ فِيهِ إذَا مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَمَنْ سَبَقَ كَانَ أَوْلَى بِالْمَوْضِعِ مِنْهُ وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا غَصْبَ فِي ذَلِكَ .
وَفِيهِ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ حَفَرَ لَهُ ، وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا مَعَ وُجُودِ السَّلَامَةِ مِنْ هَتْكِ الْحَرِيمِ ، وَالْمَخَاوِفِ الَّتِي تَقَعُ لَهُمْ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَلَامٍ وَلَا بَيَانٍ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَذُبُّ عَنْ الدِّينِ وَيَذْكُرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَغَيْرَهَا ، وَيُعَظِّمُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَيَنْشُرُهَا حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا مِنْ الْقَبَائِحِ ، وَيُبَيِّنَ السُّنَّةَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَلَّ مَنْ يَعْلَمُ آدَابَهَا فِي الْوَقْتِ أَعْنِي فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، ثُمَّ أَبَاحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا } .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ } فَجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَائِدَةَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ تَذْكِرَةَ الْمَوْتِ
وَصِفَةُ السَّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ أَنْ يَقُولَ ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمُؤْمِنَاتِ ، وَالْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُسْلِمَاتِ رَحِمَ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ ) انْتَهَى .
ثُمَّ يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ ) وَمَا زِدْت ، أَوْ نَقَصْت فَوَاسِعٌ ، وَالْمَقْصُودُ الِاجْتِهَادُ لَهُمْ فِي الدُّعَاءِ ، فَإِنَّهُمْ أَحْوَجُ النَّاسِ لِذَلِكَ لِانْقِطَاعِ أَعْمَالِهِمْ ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي قِبْلَةِ الْمَيِّتِ وَيَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَجْلِسَ فِي نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ إلَى رَأْسِهِ ، أَوْ قُبَالَةِ وَجْهِهِ ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا حَضَرَهُ مِنْ الثَّنَاءِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ الْمَشْرُوعَةَ ، ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بِمَا أَمْكَنَهُ ، وَكَذَلِكَ يَدْعُو عِنْدَ هَذِهِ الْقُبُورِ عِنْدَ نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِهِ ، أَوْ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي زَوَالِهَا وَكَشْفِهَا عَنْهُ وَعَنْهُمْ ، وَهَذِهِ صِفَةُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عُمُومًا .
فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الْمُزَارُ مِمَّنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ فَيَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ ، وَكَذَلِكَ يَتَوَسَّلُ الزَّائِرُ بِمَنْ يَرَاهُ الْمَيِّتُ مِمَّنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يَبْدَأُ بِالتَّوَسُّلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذْ هُوَ الْعُمْدَةُ فِي التَّوَسُّلِ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، وَالْمُشَرَّعُ لَهُ فَيَتَوَسَّلُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ
إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّك فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ ) انْتَهَى .
ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِأَهْلِ تِلْكَ الْمَقَابِرِ أَعْنِي بِالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدِيهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِأَقَارِبِهِ وَلِأَهْلِ تِلْكَ الْمَقَابِرِ وَلِأَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَحْيَائِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلِمَنْ غَابَ عَنْهُ مِنْ إخْوَانِهِ وَيَجْأَرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ عِنْدَهُمْ وَيُكْثِرُ التَّوَسُّلَ بِهِمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اجْتَبَاهُمْ وَشَرَّفَهُمْ وَكَرَّمَهُمْ فَكَمَا نَفَعَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَفِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ ، فَمَنْ أَرَادَ حَاجَةً فَلْيَذْهَبْ إلَيْهِمْ وَيَتَوَسَّلُ بِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ وَعُلِمَ مَا لِلَّهِ تَعَالَى بِهِمْ مِنْ الِاعْتِنَاءِ ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ ، وَمَا زَالَ النَّاسُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَالْأَكَابِرِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا يَتَبَرَّكُونَ بِزِيَارَةِ قُبُورِهِمْ وَيَجِدُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ حِسًّا وَمَعْنًى ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِسَفِينَةِ النَّجَاءِ لِأَهْلِ الِالْتِجَاءِ فِي كَرَامَاتِ الشَّيْخِ أَبِي النَّجَاءِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى ذَلِكَ مَا هَذَا لَفْظُهُ : تَحَقَّقَ لِذَوِي الْبَصَائِرِ ، وَالِاعْتِبَارِ أَنَّ زِيَارَةَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ مَحْبُوبَةٌ لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ مَعَ الِاعْتِبَارِ ، فَإِنَّ بَرَكَةَ الصَّالِحِينَ جَارِيَةٌ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ كَمَا كَانَتْ فِي حَيَاتِهِمْ
وَالدُّعَاءُ عِنْدَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ ، وَالتَّشَفُّعُ بِهِمْ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ انْتَهَى ، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَذْهَبْ إلَيْهِمْ وَلْيَتَوَسَّلْ بِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } انْتَهَى .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ آدَابِ السَّفَرِ مِنْ كِتَابِ الْإِحْيَاءِ لَهُ مَا هَذَا نَصُّهُ : الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يُسَافِرَ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ إمَّا لِجِهَادٍ ، أَوْ حَجٍّ إلَى أَنْ قَالَ : وَيَدْخُلُ فِي جُمْلَتِهِ زِيَارَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَقُبُورِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ ، وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَكُلُّ مَنْ يُتَبَرَّكُ بِمُشَاهَدَتِهِ فِي حَيَاتِهِ يُتَبَرَّكُ بِزِيَارَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيَجُوزُ شَدُّ الرِّحَالِ لِهَذَا الْغَرَضِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } .
لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ زِيَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَالْعُلَمَاءِ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ ، وَإِنْ كَانَ يَتَفَاوَتُ فِي الدَّرَجَاتِ تَفَاوُتًا عَظِيمًا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَذَكَرَ الْعَبْدَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ لِرِسَالَةِ ابْن أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا هَذَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا النَّذْرُ لِلْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ فَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ الْحَجُّ ، وَالْعُمْرَةُ وَإِلَى الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَمِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ حَجٌّ
وَلَا عُمْرَةٌ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُسْلِمٌ صَحِيحٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا مُشْرِكٌ ، أَوْ مُعَانِدٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي كِتَابِ اتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ قَالَ : اتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبَةٌ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ يُرِيدُ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ .
وَالْحَاصِلُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ أَنَّهَا قُرْبَةٌ مَطْلُوبَةٌ لِنَفْسِهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِغَيْرِهَا فَتَنْفَرِدُ بِالْقَصْدِ وَشَدِّ الرَّحَّالِ إلَيْهَا ، وَمَنْ خَرَجَ قَاصِدًا إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا فَهُوَ فِي أَجَلِّ الطَّاعَاتِ وَأَعْلَاهَا فَهَنِيئًا لَهُ ، ثُمَّ هَنِيئًا لَهُ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّك يَا كَرِيمُ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : اُنْظُرْ إلَى سِرِّ مَا وَقَعَ مِنْ هِجْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْمَدِينَةِ وَإِقَامَتِهِ بِهَا حَتَّى انْتَقَلَ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَذَلِكَ أَنَّ حِكْمَةَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ مَضَتْ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَتَشَرَّفُ الْأَشْيَاءُ بِهِ لَا هُوَ يَتَشَرَّفُ بِهَا فَلَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَكَّةَ إلَى انْتِقَالِهِ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى لَكَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ قَدْ تَشَرَّفَ بِمَكَّةَ ، إذْ أَنَّ شَرَفَهَا قَدْ سَبَقَ بِآدَمَ ، وَالْخَلِيلِ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ لِعِبَادِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ كَانَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ هِجْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْمَدِينَةِ فَتَشَرَّفَتْ الْمَدِينَةُ بِهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا وَقَعَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْبِقَاعِ
الْمَوْضِعُ الَّذِي ضَمَّ أَعْضَاءَهُ الْكَرِيمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا وَانْظُرْ إلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي بَاشَرَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَجِدْهَا أَبَدًا تَتَشَرَّفُ بِحَسَبِ مُبَاشَرَتِهِ لَهَا وَبِقَدْرِ ذَلِكَ يَكُونُ التَّشْرِيفُ أَلَا تَرَى { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ فِي الْمَدِينَةِ : تُرَابُهَا شِفَاءٌ } .
وَمَا ذَاكَ إلَّا لِتَرَدُّدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِتِلْكَ الْخُطَى الْكَرِيمَةِ فِي أَرْجَائِهَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، أَوْ إغَاثَةِ مَلْهُوفٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمَّا أَنْ كَانَ مَشْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِهِ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَرَدُّدِهِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ عَظُمَ شَرَفُهُ بِذَلِكَ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَلَمَّا أَنْ كَانَ تَرَدُّدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَ بَيْتِهِ وَمِنْبَرِهِ أَكْثَرَ مِنْ تَرَدُّدِهِ فِي الْمَسْجِدِ كَانَتْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ الشَّرِيفَةُ بِنَفْسِهَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ } انْتَهَى .
وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا يُحَصِّلُ لِصَاحِبِهِ رَوْضَةً فِي الْجَنَّةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا بِنَفْسِهَا تُنْقَلُ إلَى الْجَنَّةِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ
، ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْآدَابِ ، وَهُوَ فِي زِيَارَةِ الْعُلَمَاءِ ، وَالصُّلَحَاءِ وَمَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِمْ .
وَأَمَّا عَظِيمُ جَنَابِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَيَأْتِي إلَيْهِمْ الزَّائِرُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ قَصْدُهُمْ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ ، فَإِذَا جَاءَ إلَيْهِمْ فَلْيَتَّصِفْ بِالذُّلِّ ، وَالِانْكِسَارِ ، وَالْمَسْكَنَةِ ، وَالْفَقْرِ ، وَالْفَاقَةِ ، وَالْحَاجَةِ ، وَالِاضْطِرَارِ ، وَالْخُضُوعِ وَيُحْضِرْ قَلْبَهُ وَخَاطِرَهُ إلَيْهِمْ ، وَإِلَى مُشَاهَدَتِهِمْ بِعَيْنِ قَلْبِهِ لَا بِعَيْنِ بَصَرِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَبْلَوْنَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَيَتَرَضَّى عَنْ أَصْحَابِهِمْ ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ عَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ ، ثُمَّ يَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ فِي قَضَاءِ مَآرِبِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَيَسْتَغِيثُ بِهِمْ وَيَطْلُبُ حَوَائِجَهُ مِنْهُمْ وَيَجْزِمُ بِالْإِجَابَةِ بِبَرَكَتِهِمْ وَيُقَوِّي حُسْنَ ظَنِّهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ بَابُ اللَّهِ الْمَفْتُوحِ ، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِمْ فَلْيُرْسِلْ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَسَتْرِ عُيُوبِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ السَّادَةُ الْكِرَامُ ، وَالْكِرَامُ لَا يَرُدُّونَ مَنْ سَأَلَهُمْ وَلَا مَنْ تَوَسَّلَ بِهِمْ ، وَلَا مَنْ قَصَدَهُمْ وَلَا مَنْ لَجَأَ إلَيْهِمْ هَذَا الْكَلَامُ فِي زِيَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُمُومًا .
فَصْلٌ وَأَمَّا فِي زِيَارَةِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ ، وَالْآخِرِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَكُلُّ مَا ذُكِرَ يَزِيدُ عَلَيْهِ أَضْعَافَهُ أَعْنِي فِي الِانْكِسَارِ ، وَالذُّلِّ ، وَالْمَسْكَنَةِ ؛ لِأَنَّهُ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ الَّذِي لَا تُرَدُّ شَفَاعَتُهُ وَلَا يَخِيبُ مَنْ قَصْدَهُ وَلَا مَنْ نَزَلَ بِسَاحَتِهِ وَلَا مَنْ اسْتَعَانَ ، أَوْ اسْتَغَاثَ بِهِ ، إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قُطْبُ دَائِرَةِ الْكَمَالِ وَعَرُوسُ الْمَمْلَكَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ رَأَى صُورَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَإِذَا هُوَ عَرُوسُ الْمَمْلَكَةِ فَمَنْ تَوَسَّلَ بِهِ ، أَوْ اسْتَغَاثَ بِهِ ، أَوْ طَلَبَ حَوَائِجَهُ مِنْهُ فَلَا يُرَدُّ وَلَا يَخِيبُ لِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْمُعَايَنَةُ ، وَالْآثَارُ وَيَحْتَاجُ إلَى الْأَدَبِ الْكُلِّيِّ فِي زِيَارَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ الزَّائِرَ يُشْعِرُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا هُوَ فِي حَيَاتِهِ ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ أَعْنِي فِي مُشَاهَدَتِهِ لِأُمَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَحْوَالِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ وَعَزَائِمِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ جَلِيٌّ لَا خَفَاءَ فِيهِ .
فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ : هَذِهِ الصِّفَاتُ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَالْجَوَابُ أَنَّ كُلَّ مَنْ انْتَقَلَ إلَى الْآخِرَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَحْوَالَ الْأَحْيَاءِ غَالِبًا ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ الْمُنْتَهَى مِنْ حِكَايَاتٍ وَقَعَتْ مِنْهُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ حِينَ عَرْضِ أَعْمَالِ الْأَحْيَاءِ عَلَيْهِمْ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ أَشْيَاءُ مَغِيبَةٌ عَنَّا .
وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِعَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ ، وَالْكَيْفِيَّةُ فِيهِ غَيْرُ
مَعْلُومَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا وَكَفَى فِي هَذَا بَيَانًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ } انْتَهَى .
وَنُورُ اللَّهِ لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ هَذَا فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ؟ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ : ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إلَّا وَتُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ ؛ فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } ، قَالَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْآبَاءِ ، وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا تَعَارُضَ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْعَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى .
فَالتَّوَسُّلُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ مَحَلُّ حَطِّ أَحْمَالِ الْأَوْزَارِ وَأَثْقَالِ الذُّنُوبِ ، وَالْخَطَايَا ؛ لِأَنَّ بَرَكَةَ شَفَاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعِظَمَهَا عِنْدَ رَبِّهِ لَا يَتَعَاظَمُهَا ذَنْبٌ ، إذْ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ الْجَمِيعِ فَلْيَسْتَبْشِرْ مَنْ زَارَهُ وَيَلْجَأْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ لَمْ يَزُرْهُ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا مِنْ شَفَاعَتِهِ بِحُرْمَتِهِ عِنْدَك آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
وَمَنْ اعْتَقَدَ خِلَافَ هَذَا فَهُوَ الْمَحْرُومُ أَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا
اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } فَمَنْ جَاءَهُ وَوَقَفَ بِبَابِهِ وَتَوَسَّلَ بِهِ وَجَدَ اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنْ خُلْفِ الْمِيعَادِ ، وَقَدْ وَعَدَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالتَّوْبَةِ لِمَنْ جَاءَهُ وَوَقَفَ بِبَابِهِ وَسَأَلَهُ وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ، فَهَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ وَلَا يَرْتَابُ إلَّا جَاحِدٌ لِلدِّينِ مُعَانِدٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْحِرْمَانِ ، وَقَدْ جَاءَ بَعْضُهُمْ إلَى زِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَدْخُلْ الْمَدِينَةَ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ، بَلْ زَارَ مِنْ خَارِجِهَا أَدَبًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَدْخُلُ فَقَالَ : أَمِثْلِي يَدْخُلُ بَلَدَ سَيِّدِ الْكَوْنَيْنِ لَا أَجِدُ نَفْسِي تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِ الْخَلِيفَةِ لَمَّا أَنْ أَتَى إلَيْهِ بِالْبَغْلَةِ لِيَرْكَبَهَا حَتَّى يَأْتِيَ إلَيْهِ لِعُذْرِهِ فِي كَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ انْخَلَعَتْ يَدَاهُ وَرُكْبَتَاهُ مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي قَدْ وَقَعَ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحِكَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَ ، وَقَالَ : مَوْضِعٌ وَطِئَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَقْدَامِهِ الْكَرِيمَةِ مَا كَانَ لِي أَنْ أَطَأَهُ بِحَافِرِ بَغْلَةٍ وَمَشَى إلَيْهِ مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إلَى الْخَلِيفَةِ فِي خَارِجِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَجَرَى لَهُ مَعَهُ مَا جَرَى .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْخَلِيفَةِ لَمَّا أَنْ سَأَلَهُ إذَا دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ يَتَوَجَّهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ إلَى الْقِبْلَةِ فَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَيْفَ تَصْرِفُ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ
الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ لَهُ : وَزِيَارَةٌ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْمُسْلِمِينَ مَجْمَعٌ عَلَيْهَا وَفَضِيلَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي } .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ زَارَنِي فِي الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كَانَ فِي جِوَارِي وَكُنْت لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي } قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمِمَّا لَمْ يَزَلْ مِنْ شَأْنِ مَنْ حَجَّ الْمُرُورُ بِالْمَدِينَةِ ، وَالْقَصْدُ إلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالتَّبَرُّكُ بِرُؤْيَةِ رَوْضَتِهِ وَمِنْبَرِهِ وَقَبْرِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَلَامِسِ يَدَيْهِ وَمَوَاطِئِ قَدَمَيْهِ ، وَالْعَمُودِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ وَيَنْزِلُ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ فِيهِ عَلَيْهِ وَبِمَنْ عَمَّرَهُ وَقَصَدَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالِاعْتِبَارُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ سَمِعْت بَعْضَ مَنْ أَدْرَكْته يَقُولُ : بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ { إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا مُحَمَّدٌ يَقُولُهَا سَبْعِينَ مَرَّةً نَادَاهُ مَلَكٌ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا فُلَانُ وَلَمْ تَسْقُطْ لَهُ حَاجَةٌ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَهْدِيِّ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا وَدَّعْته قَالَ لِي أَلَك حَاجَةٌ إذَا أَتَيْت الْمَدِينَةَ سَتَرَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ قَالَ غَيْرُهُ وَكَانَ يُبْرِدُ إلَيْهِ
الْبَرِيدَ مِنْ الشَّامِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ : إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا يَقِفُ وَوَجْهُهُ إلَى الْقَبْرِ لَا إلَى الْقِبْلَةِ ، وَيَدْنُو وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ بِيَدِهِ ، وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَبْرِ رَأَيْته مِائَةَ مَرَّةٍ ، وَأَكْثَرُ مَا يَفْعَلُ يَجِيءُ إلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَى أَبِي حَفْصٍ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَيَقُولُ إذَا دَخَلَ مَسْجِدَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : بِسْمِ اللَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَصَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك وَجَنَّتِك وَاحْفَظْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، ثُمَّ اقْصِدْ إلَى الرَّوْضَةِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ ، وَالْمِنْبَرِ فَارْكَعْ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ وُقُوفِك بِالْقَبْرِ تَحْمَدُ اللَّهَ فِيهِمَا وَتَسْأَلُهُ تَمَامَ مَا خَرَجْت إلَيْهِ ، وَالْعَوْنَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ كَانَتْ رَكْعَتَاك فِي غَيْرِ الرَّوْضَةِ أَجْزَأْتُك ، وَفِي الرَّوْضَةِ أَفْضَلُ ، ثُمَّ تَقِفُ بِالْقَبْرِ مُتَوَاضِعًا مُتَوَقِّرًا فَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا يَحْضُرُك وَتُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتَدْعُو لَهُمَا قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ وَخَرَجَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَإِذَا خَرَجَ جَعَلَ آخِرَ عَهْدِهِ الْوُقُوفَ بِالْقَبْرِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ خَرَجَ مُسَافِرًا ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطَةِ : وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْوُقُوفُ بِالْقَبْرِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ فَقِيلَ لَهُ إنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدِمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ إلَّا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ
فِي الْيَوْمِ مَرَّةً ، أَوْ أَكْثَرَ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً فَقَالَ : لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلَدِنَا ، وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَيُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ ، أَوْ أَرَادَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا خَرَجُوا مِنْهَا ، أَوْ دَخَلُوهَا أَتَوْا الْقَبْرَ فَسَلَّمُوا قَالَ ، وَذَلِكَ دَأْبِي قَالَ الْبَاجِيُّ : فَفَرْقٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْغُرَبَاءِ ؛ لِأَنَّ الْغُرَبَاءَ قَاصِدُونَ إلَى ذَلِكَ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ بِهَا لَمْ يَقْصِدُوهَا مِنْ أَجْلِ الْقَبْرِ ، وَالتَّسْلِيمِ .
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ يَبْدَأُ بِالرُّكُوعِ قَبْلَ السَّلَامِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْهِنْدِيِّ وَمَنْ وَقَفَ بِالْقَبْرِ لَا يَلْتَصِقْ بِهِ وَلَا يَمَسَّهُ وَلَا يَقِفْ عِنْدَهُ طَوِيلًا انْتَهَى .
يَعْنِي بِالْوُقُوفِ طَوِيلًا أَنَّ الْحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ دَاخِلُ الدَّرَابِيزِ ، فَإِذَا وَقَفَ طَوِيلًا ضَيَّقَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ خَارِجَ الدَّرَابِيزِ فَذَلِكَ الْمَوْضِعُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقَّ الصَّلَاةِ وَانْتِظَارَهَا ، وَالِاعْتِكَافَ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ مِنْ دَاخِلِ الدَّرَابِيزِ الَّتِي هُنَاكَ ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ مَحَلُّ احْتِرَامٍ وَتَعْظِيمٍ فَيُنَبِّهُ الْعَالِمُ غَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ تِلْكَ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ هُنَاكَ فَتَرَى مِنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ يَطُوفُ بِالْقَبْرِ الشَّرِيفِ كَمَا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ الْحَرَامِ وَيَتَمَسَّحُ بِهِ وَيُقَبِّلُهُ وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ مَنَادِيلَهُمْ وَثِيَابَهُمْ يَقْصِدُونَ بِهِ التَّبَرُّكَ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالِاتِّبَاعِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَا كَانَ سَبَبُ عِبَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ لِلْأَصْنَامِ
إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَرِهَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ التَّمَسُّحَ بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ ، أَوْ بِجُدْرَانِ الْمَسْجِدِ ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَبَرَّكُ بِهِ سَدًّا لِهَذَا الْبَابِ وَلِمُخَالِفَةِ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ التَّعْظِيمِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُلُّ مَا عَظَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعَظِّمُهُ وَنَتَّبِعُهُ فِيهِ ، فَتَعْظِيمُ الْمُصْحَفِ قِرَاءَتُهُ ، وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهِ لَا تَقْبِيلُهُ وَلَا الْقِيَامُ إلَيْهِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ تَعْظِيمُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ لَا التَّمَسُّحُ بِجُدْرَانِهِ .
وَكَذَلِكَ الْوَرَقَةُ يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ فِيهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى ، أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
تَرْفِيعُهُ إزَالَةُ الْوَرَقَةِ مِنْ مَوْضِعِ الْمَهَانَةِ إلَى مَوْضِعٍ تُرْفَعُ فِيهِ لَا بِتَقْبِيلِهَا ، وَكَذَلِكَ الْخُبْزُ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مُلْقًى بَيْنَ الْأَرْجُلِ ؛ تَعْظِيمُهُ أَكْلُهُ لَا تَقْبِيلُهُ ، وَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ تَعْظِيمُهُ اتِّبَاعُهُ لَا تَقْبِيلُ يَدِهِ وَقَدَمِهِ ، وَلَا التَّمَسُّحُ بِهِ ، فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ تَعْظِيمُهُ بِاتِّبَاعِهِ لَا بِالِابْتِدَاعِ عِنْدَهُ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي الْمُصْحَفِ مُصَيْحِفٌ ، وَفِي الْكِتَابِ كُتَيِّبٌ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ حِينَ مُنَاوَلَتِهِمْ الْمُصْحَفَ ، وَالْكِتَابَ لَفْظَةَ حَاشَاك ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ مُسَيْجِدٌ وَفِي الدُّعَاءِ اُدْعُ لِي دُعَيْوَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ شَنِيعَةٌ قَبِيحَةٌ لَوْ عَلِمُوا مَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ مَا تَكَلَّمُوا بِهَا ، إذْ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَعْظِيمُهُ مَطْلُوبٌ ، وَالتَّصْغِيرُ ضِدُّهُ ، وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَعَنْ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } انْتَهَى ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الذَّمُّ الْعَظِيمُ فِيمَنْ اتَّخَذَ الْمَوْضِعَ مَسْجِدًا فَكَيْف بِالطَّوَافِ
عِنْدَهُ
، وَأَمَّا أَكْلُ التَّمْرِ عِنْدَهُ فِي الرَّوْضَةِ الْمُشَرَّفَةِ فَمَمْنُوعٌ ، إذْ أَنَّ فِيهِ قِلَّةُ أَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ مَعَهُ وَمَعَ مَسْجِدِهِ وَمَعَ رَوْضَتِهِ الَّتِي عَظَّمَهَا وَرَفَعَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ عَامَّتَهُمْ يُلْقُونَ النَّوَى هُنَاكَ وَهُوَ أَذًى فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الذُّبَابُ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْأَذَى لِلْمَوْضِعِ الشَّرِيفِ مَا فِيهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُعَامِلُ الْمَوْضِعَ الَّذِي عَظَّمَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالنَّقِيضِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَكَلَ التَّمْرَ حَصَلَ لُعَابُهُ فِي النَّوَاةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا وَيُلْقِيهَا فِي الْمَسْجِدِ وَلُعَابُهُ عَلَيْهَا ، وَهَذَا بُصَاقٌ فِي الْمَسْجِدِ ، وَفِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ وَقِلَّةِ الِاحْتِرَامِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ ===============ج4444444444..===========
ج44444444.... كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
فَإِذَا زَارَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ قَدَرَ أَنْ لَا يَجْلِسَ فَهُوَ بِهِ أَوْلَى ، فَإِنْ عَجَزَ ، فَلَهُ أَنْ يَجْلِسَ بِالْأَدَبِ ، وَالِاحْتِرَامِ ، وَالتَّعْظِيمِ ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ الزَّائِرُ فِي طَلَبِ حَوَائِجِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ أَنْ يَذْكُرَهَا بِلِسَانِهِ ، بَلْ يُحْضِرُ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْلَمُ مِنْهُ بِحَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ وَأَرْحَمُ بِهِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ الْفَرَاشِ تَقَعُونَ فِي النَّارِ وَأَنَا آخُذُ بِحُجُزِكُمْ عَنْهَا } .
أَوْ كَمَا قَالَ ، وَهَذَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ أَعْنِي فِي التَّوَسُّلِ بِهِ وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ بِجَاهِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ زِيَارَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِسْمِهِ فَلْيَنْوِهَا كُلَّ وَقْتٍ بِقَلْبِهِ وَلْيُحْضِرْ قَلْبَهُ أَنَّهُ حَاضِرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَشَفِّعًا بِهِ إلَى مَنْ مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي رُقْعَتِهِ الَّتِي أَرْسَلَهَا إلَيْهِ مِنْ أَبْيَاتٍ إلَيْك أَفِرُّ مِنْ زَلَلِي وَذَنْبِي وَأَنْتَ إذَا لَقِيت اللَّهَ حَسْبِي وَزَوْرَةُ قَبْرِك الْمَحْجُوجُ قِدَمًا مُنَايَ وَبُغْيَتِي لَوْ شَاءَ رَبِّي ، فَإِنْ أُحْرَمْ زِيَارَتَهُ بِجِسْمِي فَلَمْ أُحْرَمْ زِيَارَتَهُ بِقَلْبِي إلَيْك غَدَتْ رَسُولَ اللَّهِ مِنِّي تَحِيَّةُ مُؤْمِنٍ دَنِفٍ مُحِبِّ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا شَفَاعَتَهُ وَلَا عِنَايَتَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ وَأَدْخَلْنَا بِفَضْلِك فِي زُمْرَةِ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ بِجَاهِهِ عِنْدَك ، فَإِنَّ جَاهَهُ عِنْدَك عَظِيمٌ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَوَّلِ خُلَفَائِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَتَرَضَّى عَنْهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا حَضَرَهُ ، ثُمَّ
يَفْعَلُ كَذَلِكَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَتَوَسَّلُ بِهِمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَدِّمُهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ شَفِيعَيْنِ فِي حَوَائِجِهِ ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْبَقِيعِ لِيَزُورَ مَنْ فِيهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَتَى إلَى الْبَقِيعِ بَدَأَ بِثَالِثِ الْخُلَفَاءِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ثُمَّ يَأْتِي قَبْرَ الْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَأْتِي مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَكَابِرِ وَيَنْوِي امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَزُورُ أَهْلَ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الزِّيَارَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا قُرْبَةٌ بِنَفْسِهَا مُسْتَحَبَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا فِي الدِّينِ ظَاهِرَةٌ بَرَكَتُهَا عِنْدَ السَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ ، وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ كَثِيرَةً بِالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ ، وَالسَّلَامِ .
فَأَمَّا الزَّائِرُ أَيَّامًا وَيَرْجِعُ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَجِوَارِهِ ، وَالْمُقَامِ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَإِنَّهُ عَرُوسُ الْمَمْلَكَةِ وَبَابُ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ دِينًا وَدُنْيَا وَأُخْرَى فَيَذْهَبُ إلَى أَيْنَ ، وَقَدْ فَرَّقَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بَيْنَ الْأَفَّاقِي ، وَالْمُقِيمِ فِي التَّنَفُّلِ بِالطَّوَافِ ، وَالصَّلَاةِ فَقَالُوا : الطَّوَافُ فِي حَقِّ الْأَفَّاقِي أَفْضَلُ لَهُ ، وَالتَّنَفُّلُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ أَفْضَلُ ، وَمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى فَمَنْ كَانَ مُقِيمًا خَرَجَ إلَى زِيَارَةِ أَهْلِ الْبَقِيعِ وَمَنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلْيَغْتَنِمْ مُشَاهَدَتَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ، وَقَدْ قَالَ لِي سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ : مَا جَلَسْت فِي الْمَسْجِدِ إلَّا الْجُلُوسَ فِي
الصَّلَاةِ ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ ، وَمَا زِلْت وَاقِفًا هُنَاكَ حَتَّى رَحَلَ الرَّكْبُ وَلَمْ أَخْرُجْ إلَى بَقِيعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَمْ أَزُرْ غَيْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ قَدْ خَطَرَ لِي أَنْ أَخْرُجَ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَقُلْت : إلَى أَيْنَ أَذْهَبُ ؟ هَذَا بَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَفْتُوحُ لِلسَّائِلِينَ ، وَالطَّالِبِينَ ، وَالْمُنْكَسِرِينَ ، وَالْمُضْطَرِّينَ ، وَالْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يُقْصَدُ مِثْلُهُ ، فَمَنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا ظَفَرَ وَنَجَحَ بِالْمَأْمُولِ ، وَالْمَطْلُوبِ ، أَوْ كَمَا قَالَ
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ ذَلِكَ ، فَإِذَا زَارَ فَلْيَعْتَبِرْ فِي حَالِ مَنْ زَارَهُ وَمَا صَارَ إلَيْهِ فِي قَبْرِهِ مِنْ الْحَمَإِ الْمَسْنُونِ وَهِيَ الطِّينَةُ الْحَارَّةُ الْمُنْتِنَةُ الْعَفِنَةُ ، وَمَاذَا سُئِلَ عَنْهُ ، وَبِمَاذَا أَجَابَ وَمَا هُوَ حَالُهُ هَلْ فِي جَنَّةٍ ، أَوْ ضِدِّهَا ، وَيَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَرَفْعِ مَا بِهِ مِنْ الْكَرْبِ إنْ كَانَ بِهِ وَيَسْأَلُ لَهُ جَلْبَ الرَّحْمَةِ وَرَفْعَ الدَّرَجَاتِ وَيُشْعِرُ نَفْسَهُ أَنَّهُ حَصَلَ فِي عَسْكَرِهِمْ ، إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ كَمَا قِيلَ : مَنْ عَاشَ مَاتَ وَمَنْ مَاتَ فَاتَ وَأَنَّهُ الْآنَ كَأَنَّهُ يَسْأَلُ وَيُفَكِّرُ فِي مَاذَا يُجِيبُ ، وَهُوَ فِي قَبْرِهِ وَحِيدٌ فَرِيدٌ قَدْ رَحَلَ عَنْهُ أَهْلُهُ وَمَعَارِفُهُ وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيَكُونُ مَشْغُولًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ } انْتَهَى .
فَيَتَعَلَّقُ بِمَوْلَاهُ فِي الْخَلَاصِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَطِرَةِ الْعَظِيمَةِ وَيَلْجَأُ إلَيْهِ وَيَتَوَسَّلُ
وَلَا يَقْرَأُ الزَّائِرُ عِنْدَ قَبْرِ الْمَيِّتِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَغْلِهِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَحْتَاجُ صَاحِبُهَا إلَى التَّدَبُّرِ وَإِحْضَارِ الْفِكْرَةِ فِيمَا يَتْلُوهُ وَفِكْرَتَانِ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ لَا يَجْتَمِعَانِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَنَا أَعْتَبِرُ فِي وَقْتٍ وَأَقْرَأُ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، وَالْقِرَاءَةُ إذَا قُرِئَتْ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ ، إذْ ذَاكَ فَلَعَلَّ أَنْ يَلْحَقَ الْمَيِّتَ مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ يَنْفَعُهُ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَرِدْ بِذَلِكَ وَكَفَى بِهَا .
الثَّانِي : شَغْلُهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفِكْرَةِ ، وَالِاعْتِبَارِ فِي حَالِ الْمَوْتِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَالْوَقْتُ مَحَلٌّ لِهَذَا فَقَطْ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عِبَادَةٍ إلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى سِيَّمَا لِأَجْلِ الْغَيْرِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ فِي بَيْتِهِ وَأَهْدَى لَهُ لَوَصَلَتْ ، وَكَيْفِيَّةُ وُصُولِهَا أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ تِلَاوَتِهِ وَهَبَ ثَوَابَهَا لَهُ ، أَوْ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَهَا لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ دُعَاءٌ بِالثَّوَابِ ؛ لَأَنْ يَصِلَ إلَى أَخِيهِ ، وَالدُّعَاءُ يَصِلُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْقُبُورِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى قَبْرِهِ سَبَبًا لِعَذَابِهِ ، أَوْ لِزِيَادَتِهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا فَيُقَالُ لَهُ : أَمَا قَرَأْتَهَا أَمَا سَمِعْتهَا فَكَيْفَ خَالَفْتهَا فَيُعَذَّبُ ، أَوْ يُزَادُ فِي عَذَابِهِ لِأَجْلِ مُخَالِفَتِهِ لَهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَنْ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ ؛ أَنَّهُ رُئِيَ فِي عَذَابٍ عَظِيمٍ فَقِيلَ لَهُ : أَمَا تَنْفَعُك الْقِرَاءَةُ الَّتِي تُقْرَأُ عِنْدَك لَيْلًا وَنَهَارًا فَقَالَ : إنَّهَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ عَذَابِي وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْقُبُورِ بِدْعَةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ وَإِنَّ مَذْهَبَ
مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ انْتَهَى .
فَيَكُونُ الْعَالِمُ يُبَيِّنُ هَذِهِ السُّنَّةَ فِي الزِّيَارَةِ وَيُوَضِّحُهَا حَتَّى تُعْرَفَ وَيَتَعَاهَدَهَا النَّاسُ ، وَيُبَيِّنُ لِمَنْ حَضَرَهُ مَا أَحْدَثُوهُ فِي الزِّيَارَةِ مِنْ الْبِدَعِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يَكِلُّ السَّمْعُ عَنْهَا فَكَيْفَ بِرُؤْيَتِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النِّسَاءِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي رُكُوبِهِنَّ عَلَى الدَّوَابِّ فِي الذَّهَابِ ، وَالرُّجُوعِ وَفِي مَسِّ الْمُكَارِي لَهُنَّ وَتَحْضِينِهِ لِلْمَرْأَةِ فِي إرْكَابِهَا ، وَإِنْزَالِهَا وَحِينَ مُضِيِّهَا يَجْعَلُ يَدَهُ عَلَى فَخْذِهَا وَتَجْعَلُ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ مَعَ أَنَّ يَدَهَا وَمِعْصَمَهَا مَكْشُوفَانِ لَا سِتْرَ عَلَيْهِمَا سِيَّمَا مَعَ مَا يَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْخَوَاتِمِ ، وَالْأَسَاوِرِ مِنْ الذَّهَبِ ، أَوْ الْفِضَّةِ ، أَوْ هُمَا مَعًا مَعَ الْخِضَابِ فِي الْغَالِبِ وَتَقْصِدُ مَعَ ذَلِكَ إظْهَارَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ فَعَلَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ وَمُنِعْنَ مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَرَاهُ الزَّوْجُ ، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ ، أَوْ الْعَالِمُ ، أَوْ غَيْرُهُمْ فَيَسْكُتُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ مَعَ أَنَّهَا تُنَاجِي الْمُكَارِيَ وَتُحَدِّثُهُ كَأَنَّهُ زَوْجُهَا ، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا ، بَلْ الْعَجَبُ أَنَّ زَوْجَهَا وَغَيْرَهُ مِمَّنْ ذُكِرَ يُشَاهِدُونَ ذَلِكَ بِالْحَضْرَةِ وَيَعْلَمُونَهُ بِالْغَيْبَةِ ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ ، وَكُلُّ مَنْ يُعَايِنُهُمْ مِنْ النَّاسِ سُكُوتٌ لَا يَتَكَلَّمُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ وَلَا يَجِدُونَ لِذَلِكَ غَيْرَةً إسْلَامِيَّةً فِي الْغَالِبِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ إذَا رَآهُ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ مَنْ يُجَالِسُهُ وَيَرَاهُ تَنَبَّهَ النَّاسُ لِهَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَلَّ فَاعِلُهَا ، فَإِنْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَعْلَمُ بِسَبَبِ إشَاعَةِ الْعَالِمِ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنَّهُ عَاصٍ وَكَفَى بِهَذِهِ نِعْمَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا ذَلِكَ رُجِيَ لَهُمْ التَّوْبَةُ ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي ذَهَابِهِنَّ وَعَوْدِهِنَّ
.
وَأَمَّا فِي حَالِ زِيَارَتِهِنَّ الْقُبُورَ فَأَشْنَعُ وَأَعْظَمُ ؛ لِأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَفَاسِدَ عَدِيدَةٍ : فَمِنْهَا : مَشْيُهُنَّ بِاللَّيْلِ مَعَ الرِّجَالِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ مَعَ كَثْرَةِ الْخَلَوَاتِ هُنَاكَ وَكَثْرَةِ الدُّورِ الْمُتَيَسِّرَةِ ، وَكَشْفُهُنَّ لِوُجُوهِهِنَّ وَغَيْرِهَا حَتَّى كَأَنَّهُنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ خَالِيَاتٌ فِي بَيْتِهِنَّ ، وَيَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ مُحَادَثَتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَمَزْحُهُنَّ وَمُلَاعَبَتُهُنَّ وَكَثْرَةُ الضَّحِكِ مَعَ الْغِنَاءِ فِي مَوْضِعِ الْخُشُوعِ ، وَالِاعْتِبَارِ ، وَالذُّلِّ ، فَإِنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِالْحُزْنِ ، وَالْخَوْفِ ضِدَّ مَا يَفْعَلُونَهُ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ ، وَالرَّفَثَ فِي الصِّيَامِ ، وَالضَّحِكَ عِنْدَ الْمَقَابِرِ } انْتَهَى .
فَيَحِقُّ لِمَنْ مَصِيرُهُ إلَى هَذَا عَدَمُ اللَّهْوِ ، وَاللَّعِبِ ، وَخُرُوجُهُنَّ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَوْ كَانَ بِالنَّهَارِ لَخِيفَ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الْكُبْرَى فَكَيْفَ بِهِ لَيْلًا ، وَيَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْوُعَّاظِ عَلَى الْمَنَابِرِ ، وَالْكَرَاسِيِّ ، وَالْمُحَدِّثِينَ مِنْ الْقُصَّاصِ بَيْنَ الْمَقَابِرِ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ وَغَيْرِهَا ، وَاجْتِمَاعِ الرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا مُخْتَلِطِينَ ، وَكَذَلِكَ الْقُرَّاءُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِالتَّرْجِيعِ ، وَالزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ ، وَالْوَقَارِ ، وَالتَّمْطِيطِ ، وَالْمَدِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُشَدَّدِ وَعَكْسِهِ ، وَتَرْتِيبِهَا عَلَى تَرْتِيبِ هَنُوكِ الْغِنَاءَ ، وَالطَّرَائِقِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الزُّوَّارُ رِجَالًا ، أَوْ نِسَاءً فَكُلُّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَةِ
وَغَيْرِهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ صِفَةُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ الْمَشْرُوعَةِ أَعْنِي لِلرِّجَالِ ، إذْ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لِلنِّسَاءِ حِينَ رَآهُنَّ فِي جِنَازَةٍ : { ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ } وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِهِ لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكَدَاءَ يَعْنِي الْقُبُورَ وَذَكَرَ وَعِيدًا شَدِيدًا ، هَذَا وَهُنَّ فِي حَالِ التَّشْيِيعِ لِلْجِنَازَةِ فَمَا بَالُك بِهِنَّ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَكَذَلِكَ زِيَارَتُهُنَّ فِي النَّهَارِ مَمْنُوعَةٌ أَيْضًا ، بَلْ النَّهَارُ أَشَدُّ كَشْفًا لِمَا يُظْهِرْنَهُ مِنْ الزِّينَةِ وَكَشْفِهَا وَعَدَمِ الْحَيَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مَا قَرَّرَهُ النِّسَاءُ فِي هَذِهِ الزِّيَارَةِ الَّتِي ابْتَدَعْنَهَا لِأَنْفُسِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ جَعَلْنَ لِكُلِّ مَشْهَدٍ يَوْمًا مَعْلُومًا فِي الْجُمُعَةِ حَتَّى أَتَيْنَ عَلَى أَكْثَرِ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ لِيَجِدْنَ السَّبِيلَ إلَى وُصُولِهِنَّ إلَى مَقَاصِدِهِنَّ الذَّمِيمَةِ فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ فَجَعَلْنَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلسَّيِّدِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، وَالسَّبْتِ لِلسَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَالْجُمُعَةِ لِلْقَرَافَةِ لِزِيَارَةِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لِأَمْوَاتِهِنَّ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ الدَّيِّنَ الْغَيُورَ مِنْهُمْ عَلَى زَعْمِهِ لَا يُمَكِّنُ زَوْجَتَهُ أَنْ تَخْرُجَ وَحْدَهَا لِمَا يَعْلَمُ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَتَأْبَى عَلَيْهِ إلَّا الْخُرُوجَ ، أَوْ تُفَارِقُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّشْوِيشَاتِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا مِنْهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ وَغَيْرِهِ بِسَبَبِ مَنْعِهِ لَهَا فَيَخْرُجُ مَعَهَا لِئَلَّا يُفَارِقَهَا فَيُبَاشِرُ مَا ذُكِرَ ، أَوْ بَعْضَهُ ، أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهِ ، أَوْ يَسْمَعُ وَيَرَى وَهِيَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهَا وَيَقَعُ اسْتِمْتَاعُ
الْأَجَانِبِ بِزَوْجَتِهِ بِالْمُزَاحِ ، وَالْبَسْطِ ، وَالْمُلَاعَبَةِ مَعَهَا ، وَاللَّمْسِ لَهَا بِحُضُورِهِ ، وَقَدْ يَرَى هَذَا مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ ، وَالسِّيَاسَةِ ، وَالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عِرْضِ زَوْجَتِهِ وَعَلَى عِرْضِ مَنْ بَاشَرَ ذَلِكَ مِنْ زَوْجَتِهِ .
وَقَدْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ ، وَهَذَا بَلَاءٌ عَظِيمٌ وَخَسْفٌ بَاطِنٌ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ هَذَا إنْ احْتَمَلَ الزَّوْجُ مَا رَأَى مِمَّا وَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ الْعَدِيدَةِ ، وَإِنْ غَلَبْته الْغَيْرَةُ ، وَضَاقَ ذَرْعُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا فَعَلَ مَعَ زَوْجَتِهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَيَقَعُ الضَّرْبُ ، وَالْخِصَامُ ، وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى الْوَالِي ، وَالْحَاكِمِ ، وَالْحَبْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
هَذَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ سَالِمًا مِنْ الرِّيَاسَةِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَرَأَّسُ ، أَوْ هُوَ رَئِيسٌ وَلَا يَرْضَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَ زَوْجَتِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتْرُكَهَا وَحْدَهَا لِمَا يَعْلَمُ هُنَاكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَيُرْسِلُ مَعَهَا مَنْ يَكُونُ لَهَا عَوْنًا عَلَى ذَلِكَ مِنْ صَبِيٍّ ، أَوْ عَبْدٍ ، أَوْ عَجُوزٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا كَانَ أَكْثَرَ فَسَادًا مِنْ خُرُوجِهَا وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَهَابُ أَنْ يَهْجُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَيَبْتَدِئُهَا بِكَلَامٍ ، أَوْ مُزَاحٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ هَذَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً لَمْ تَبْتَدِئْ أَحَدًا بِكَلَامٍ وَلَا مُزَاحٍ ، فَإِنْ وَجَدُوا مَعَهَا أَحَدًا مِمَّنْ ذُكِرَ تَوَصَّلُوا بِسَبَبِهِ إلَى مَا يَخْتَارُونَ مِنْهَا بِسَبَبِ تَوَسُّلِ الْوَاسِطَةِ وَتَحْسِينِهِ وَتَزْيِينِهِ لِلْفِعْلِ الذَّمِيمِ وَتَيْسِيرِهِ لِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ قَدْ عَدِمَ الطَّرَفَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَسْتَحْيِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ زَوْجَتِهِ .
وَالثَّانِي لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهَا وَعِنْدَهُ غَيْرَةٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتْرُكَهَا تَخْرُجُ وَحْدَهَا وَتَأْبَى عَلَيْهِ إلَّا الْخُرُوجَ فَيَخْرُجُ مَعَهَا وَيَمْشِي بَعِيدًا عَنْهَا ، وَهَذَا أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فِي الْفَسَادِ ،
وَالْفِتْنَةِ بِكَثْرَةٍ تَتَبُّعِ فُرُوعِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعِصْمَةَ فِي الْحَرَكَاتِ ، وَالسَّكَنَاتِ ، وَقَدْ قَالَ لِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَانَ وَرَدَ إلَى مَدِينَةِ مِصْرَ : وَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا أَحَدٌ بِبَغْدَادَ يَفْعَلُ هَذَا وَلَا يَرْضَى بِهِ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ عِنْدَنَا وَنَفَرَ النُّفُورَ الْكُلِّيَّ مِنْ إقَامَتِهِ بِإِقْلِيمِ مِصْرَ ، وَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى بَغْدَادَ ، إذْ أَنَّهَا عِنْدَهُ أَقَلُّ مَفَاسِدَ مِنْ مِصْرَ ، فَإِذَنْ كَانَتْ بَغْدَادُ عَلَى هَذَا أَقَلَّ مَفَاسِدَ مِنْ مِصْرَ وَهِيَ مُقَامُ التَّتَارِ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا الْمَدِينَةُ الْمَلْعُونَةُ يُخْسَفُ بِهَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى الْمَشْرِقِ } فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
فَصْلٌ فِي خُرُوجِهِنَّ إلَى دُورِ الْبِرْكَةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الدُّورِ الَّتِي عَلَى الْبِرْكَةِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، إذْ أَنَّهَا احْتَوَتْ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَمِنْهَا : رُكُوبُهُنَّ إلَيْهَا عَلَى الدَّوَابِّ فِي الذَّهَابِ ، وَالْعَوْدِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَمِنْهَا خُرُوجُ بَعْضِهِنَّ مِنْ الْبُيُوتِ الَّتِي هُنَاكَ عَلَى شَاطِئِ الْبِرْكَةِ فِي الطَّرِيقِ مُتَبَرِّجَاتٍ مُتَزَيِّنَاتٍ مُخْتَلِطَاتٍ بِالرِّجَالِ ، وَبَعْضُهُنَّ يَغْتَسِلْنَ فِي الْبِرْكَةِ ، وَبَعْضُ الرِّجَالِ يَنْظُرُونَ فِي الْغَالِبِ إلَيْهِنَّ وَمَا يَفْعَلْنَ أَيْضًا مِنْ تَبَرُّجِهِنَّ إنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْبُيُوتِ مَنْ يَنْظُرُهُنَّ مِنْ الطَّاقَاتِ وَأَبْوَابِ الرِّيحِ ، وَالْأَسْطِحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُظْهِرْنَ مَا بِهِنَّ مِنْ الزِّينَةِ وَمَا عَلَيْهِنَّ مِنْ حُسْنِ الثِّيَابِ ، وَالْحُلِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمُمَازَحَتِهِنَّ لِلرِّجَالِ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ فِي أَيَّامِ الْخَضِيرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَحَلٌّ لِفُرْجَةِ الرِّجَالِ وَفُسْحَتِهِمْ فَقَلَّ مَنْ تَرَاهُ هُنَاكَ إلَّا وَهُوَ رَافِعٌ رَأْسَهُ إلَى الطَّاقَاتِ ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِنَّ الزِّينَةُ ، وَالتَّبَرُّجُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْغَالِبُ عَلَى بَعْضِ الْمُتَفَرِّجِينَ أَنَّهُمْ لَا يَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ عَنْ الْمَحَارِمِ وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي ذَلِكَ ، بَلْ يَرْتَكِبُونَ الْمُحَرَّمَ جِهَارًا فَيَمْشُونَ فِي زُرُوعِ النَّاسِ قَصْدًا وَيَتَّخِذُونَهَا طَرِيقًا وَمَجَالِسَ وَرُبَّمَا عَمِلُوا فِيهَا السَّمَاعَ ، وَإِنْشَادَ الشَّعْرِ الرَّقِيقِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى التَّغَزُّلَاتِ الَّتِي تُمِيلُ قُلُوبَ الرِّجَالِ فَكَيْفَ بِالنِّسَاءِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ } انْتَهَى .
يَعْنِي النِّسَاءَ ، وَذَلِكَ لِضَعْفِهِنَّ عَنْ سَمَاعِ الصَّوْتِ الْحَسَنِ فَكَيْفَ بِهِ مَعَ التَّغَزُّلَاتِ ، وَقَدْ قَالُوا : إنَّ الْغِنَاءَ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ فَتَرِقُّ طِبَاعُهُنَّ لِمَا يَسْمَعْنَ
وَيَرَيْنَ مِنْ ذَلِكَ وَيُشَاهِدْنَهُ فَيَمِلْنَ إلَيْهِ فَيَدْخُلُ الْفَسَادُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا ، وَقَدْ يَئُولُ الْأَمْرُ إلَى الْفِرَاقِ ، وَالْبَقَاءِ عَلَى دَخَنٍ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ
فَصْلٌ فِي الدُّورِ الَّتِي عَلَى الْبَسَاتِينِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الدُّورِ الَّتِي عَلَى الْبَسَاتِينِ ، إذْ أَنَّ فِي ذَلِكَ كَشْفَةً لَهُنَّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبُسْتَانُ لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ فَهُوَ أَخَفُّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ فِي الدُّخُولِ إلَى الْبُسْتَانِ تَحَرَّزَ مِمَّا يَتَوَقَّعُهُ بِغَلْقِ الطَّاقَاتِ ، وَالْأَبْوَابِ ، وَالْأَسْطِحَةِ وَيَمْنَعُهُنَّ مِنْ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَيُبَاحُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ أَهْلَهُ إلَى الْبُسْتَانِ بِشَرْطَيْنِ ، وَهُوَ : أَنْ يَكُونَ الْبُسْتَانُ لَا يُكْشَفُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَأَنْ لَا يَدْخُلَهُ مَعَ أَهْلِهِ غَيْرُ ذِي مَحْرَمٍ
فَصْلٌ فِي رُكُوبِهِنَّ الْبَحْرَ وَيَنْبَغِي لَهُ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى مَوْضِعٍ يَحْتَجْنَ فِيهِ إلَى رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلْفُرْجَةِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مُبَاحًا ، إذْ أَنَّ رُكُوبَ الْبَحْرِ كَشْفَةٌ لَهُنَّ ، وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ رُكُوبِ الدَّوَابِّ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقَصِّي جُزْئِيَّاتِهِ هَذَا إنْ كَانَ مَوْضِعُ الْفُرْجَةِ لَا مُنْكَرَ فِيهِ وَلَا فِتْنَةً يَتَخَوَّفُ وُقُوعَهَا ، وَأَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَى رُكُوبِ الْبَحْرِ مَفْسَدَةٌ فَالْأَوْلَى الْمَنْعُ مِثْلُ خُرُوجِهِنَّ إلَى الْقَنَاطِرِ وَغَيْرِهَا وَاجْتِمَاعِ الرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ وَمَا يَجْرِي هُنَاكَ مِمَّا يَكِلُّ السَّمْعُ عَنْهُ فَكَيْفَ بِرُؤْيَتِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ كَسْرِ الْخَلِيجِ وَمَا يَجْتَمِعُ فِيهِ مِنْ الْغَوْغَاءِ وَمَا فِيهِ الْيَوْمَ مِنْ الْفِتَنِ وَيَئُولُ أَمْرُهُ إلَى إزْهَاقِ النُّفُوسِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرَقِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ اعْتَادُوا فِيهِ عَادَةً ذَمِيمَةً وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْحَرَافِيشِ وَغَيْرَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَمُدُّونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ يُجَرِّدُونَهُ وَيَأْخُذُونَ مَا مَعَهُ وَيَضْرِبُونَهُ وَرُبَّمَا قَتَلُوهُ وَأَعْدَمُوهُ أَلْبَتَّةَ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَاكِمٌ ؛ لِأَنَّهُ سَبِيلٌ فِيهِمْ عَلَى مَا يَزْعُمُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ
فَصْلٌ فِي خُرُوجِهِنَّ إلَى الْمَحْمَلِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى شُهُودِ الْمَحْمَلِ حِينَ يَدُورُ وَيَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي يَسْتَعِدُّ فِيهَا لِدَوَرَانِ الْمَحْمَلِ ، إذْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ أَشْيَاءُ عَدِيدَةٌ فَمِنْهَا تَزْيِينُ الدَّكَاكِينِ فِي الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا بِالْقُمَاشِ مِنْ الْحَرِيرِ ، وَالْحُلِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ لَا يُنَازَعُ فِيهِ ، وَتَحْرِيمُهُ لَا خَفَاءَ فِيهِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ دَوَرَانِهِ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ ، وَيَقَعُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ مِنْ الْمَفَاسِدِ اسْتِمْتَاعُ الرِّجَالِ بِالْحَرِيرِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ فِي الشَّرْعِ لِحَكَّةٍ ، أَوْ جِهَادٍ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَسَمَّى اسْتِعْمَالَ الْحَصِيرِ لُبْسًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لُبْسَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَزْيِينِهِمْ بِمَسَانِدِ الْحَرِيرِ وَالْبَشْخَانَاتِ الْمُعَلَّقَةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ حَرَامٌ سِيَّمَا إنْ كَانَ فِيهَا صُوَرٌ مُحَرَّمَةٌ فَيَتَأَكَّدُ الْوَعِيدُ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحُ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا } .
.
وَمَا وَرَدَ أَنَّهُ يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُصَوِّرِينَ فِي الدُّنْيَا : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ انْتَهَى .
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ أَعْنِي فِي لُحُوقِ الْإِثْمِ بَيْنَ مَنْ صَنَعَهَا وَبَيْنَ مِنْ اسْتَحْسَنَهَا وَبَيْنَ مَنْ جَلَسَ إلَيْهَا وَبَيْنَ مَنْ رَضِيَ بِهَا وَأَحَبَّهَا وَبَيْنَ مَنْ رَآهَا وَلَمْ يُنْكِرْ وَلَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّغْيِيرِ بِحَسَبِ مَرَاتِبِ التَّغْيِيرِ ،
وَقَدْ تَقَدَّمَ وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَحَلَّهُ فَالْحُكْمُ فِيهِ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا فَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ عُمُومًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لُبْسَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ تَحْتَ الْبَشْخَانَاتِ وَلَا مَسَانِدِ الْحَرِيرِ وَشِبْهِهَا ، وَلَا أَنْ يَمْشِيَ تَحْتَهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا أَنْ يَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى فِعْلِهَا ، بَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِهَا بِشَرْطِ أَنْ يُزِيلَهَا دُونَ إفْسَادِهَا وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ .
أَمَّا الرِّجَالُ فَتَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَيِّنٌ ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْأَدِلَّةُ مَانِعَةٌ لَهُنَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَعْنِي مِنْ الْمَسَانِدِ وَالْبَشْخَانَاتِ الْحَرِيرِ وَشِبْهِهَا .
وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْكَتَّانِ الرَّفِيعِ ، أَوْ الْقُطْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ وَلَا يَصِلُ إلَى التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ مُبَاحٌ أَعْنِي لُبْسَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ شَرْعًا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ ، وَفِيهِ ضَرْبٌ لِإِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا يُبْلِيهَا وَتَتَدَنَّسُ بِمَا يُلَاقِيهَا مِنْ غُبَارٍ وَدُخَانِ مِصْبَاحٍ وَغَيْرِهِمَا دُونَ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، وَالْأَدِلَّةُ دَالَّةٌ عَلَى مَنْعِ اسْتِعْمَالِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى النِّسَاءِ كَالرِّجَالِ إلَّا مَا أَبَاحَ الشَّرْعُ لَهُنَّ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ وَلِهَذَا أَبَاحَ الْعُلَمَاءُ لَهَا اللِّحَافَ ، وَالْفِرَاشَ مِنْ الْحَرِيرِ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ لُبْسٌ لَهُنَّ وَلَمْ يَعُدُّوهُ إلَى غَيْرِ اللُّبْسِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا اتِّخَاذُ الْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ كَانَتْ لِلزِّينَةِ ، أَوْ لِلِاسْتِعْمَالِ فَذَلِكَ كُلُّهُ حَرَامٌ عَلَيْهَا ، فَإِنْ فَعَلْت ذَلِكَ
كَانَتْ عَاصِيَةً وَيَجِبُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ زَكَاةُ تِلْكَ الْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِشُرُوطِهَا مَعَ وُجُودِ الْإِثْمِ ، إذْ أَنَّ التَّوْبَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ ، وَالتَّوْبَةُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ الْإِقْلَاعِ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي تَابَتْ مِنْهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَا دَامَتْ تِلْكَ الْآنِيَةُ عَلَى حَالِهَا إلَّا بِإِخْرَاجِهَا مِنْ يَدِهَا وَعَنْ مِلْكِهَا لِمَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ لَهَا وَذَلِكَ إذَا تَمَكَّنَتْ مِنْ فِعْلِهِ فَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِهِ فَتَوْبَتُهَا صَحِيحَةٌ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا اسْتِعْمَالُ الْفِرَاشِ ، وَاللِّحَافِ مِنْ الْحَرِيرِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهَا خَاصَّةً وَأَمَّا زَوْجُهَا ، فَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لَهَا فَلَا يَدْخُلُ الْفِرَاشَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِهَا وَلَا يُقِيمُ فِي الْفِرَاشِ بَعْدَ قِيَامِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ قَامَتْ ضَرُورَةٌ ، ثُمَّ تَرْجِعُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ ، بَلْ يَنْتَقِلُ مِنْهُ لِمَوْضِعٍ يُبَاحُ لَهُ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى فِرَاشِهَا وَإِنْ قَامَتْ وَهُوَ نَائِمٌ فَتُوقِظُهُ حَتَّى يَنْتَقِلَ إلَى مَوْضِعٍ يُبَاحُ لَهُ ، أَوْ تُزِيلُهُ عَنْهُ انْتَهَى .
هَذَا حُكْمُ الزَّوْجِ مَعَهَا إنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْحُكْمِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَتْ جَاهِلَةً بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ يُعَلِّمُهُ فَيُعَلِّمَهَا ، أَوْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ لِتَتَعَلَّمَ وَإِنْ أَبَى أَنْ تَخْرُجَ فَلْتَخْرُجْ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا وَلَا تَكُونُ عَاصِيَةً وَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ لَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَذِنَ لَهَا الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الْأَوْلَادُ الذُّكُورُ فَفِيهِمْ خِلَافٌ ، وَالْمَنْعُ أَوْلَى ، وَهَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي شَأْنِ الْحَرِيرِ فِي الْبُيُوتِ وَأَمَّا فِي الْأَسْوَاقِ ، وَالدَّكَاكِينِ فَالزِّينَةُ
فِيهَا أَشْنَعُ وَأَقْبَحُ دِينًا وَدُنْيَا ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ فِي الْغَالِبِ خَاصٌّ بِأَهْلِهِ فَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ هَذَا مَعَ مَا فِي الزِّينَةِ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَالْمُبَاهَاةِ ، وَالتَّفَاخُرِ الْمَوْجُودِ بِالْفِعْلِ ، وَالتَّكَاثُرِ بِعَرَضِ الدُّنْيَا الدَّنِيئَةِ وَكَسْرِ خَوَاطِرِ الْفُقَرَاءِ إذَا رَأَوْا ذَلِكَ أَمَّا إضَاعَةُ الْمَالِ فَلِأَنَّهُمْ يُوقِدُونَ الْقَنَادِيلَ عَلَيْهِ لَيَالِيَ الزِّينَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُقْمِرَةً وَتَبْقَى اللَّيْلَ كُلَّهُ مُوقَدَةً وَذَلِكَ إضَاعَةُ مَالٍ لِلزَّيْتِ الَّذِي يَحْتَرِقُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، بَلْ لِلْمَضَرَّةِ بِتَسْوِيدِ الْقُمَاشِ مِنْ كَثْرَةِ الدُّخَانِ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْوَقُودُ بِالزَّيْتِ الْحَارِّ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِهِ وَيُنْقِصُ ثَمَنَهُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : الْخَوْفُ عَلَى الْقُمَاشِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مُتَوَقَّعٌ مِنْ السَّرِقَةِ ، وَالْخِلْسَةِ وَغَيْرِهِمَا .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَكَلُّفِ السَّهَرِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا حَاجَةٍ ، بَلْ لِلْبِدْعَةِ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَكَفَى بِهَا .
الْخَامِسُ : أَنَّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ أَعْنِي الزِّينَةَ ، فَإِنَّ الَّذِي قَرَّرَهَا كَانَ ، وَالِيًا بِمِصْرَ وَصَارَتْ بَعْدَهُ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ حَتَّى شَاعَتْ وَذَاعَتْ ، وَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى أَمْرٍ مَهُولٍ ، وَهُوَ أَنْ ادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْعَوَامّ لَعِيبَ عَلَيْهِمْ وَعُنِّفُوا وَزُجِرُوا عَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ أَنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ ، أَوْ يَعْتَقِدَهُ بِمَقَالِهِ ، أَوْ حَالِهِ ، وَالْعِلْمُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَأْبَى ذَلِكَ فَلَا الْتِفَاتَ إلَى مَنْ خَالَفَهَا ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ كَيْفَ تَعَدَّتْ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ إلَى مُحَرَّمَاتٍ ؟ مِنْهَا أَنَّ النِّسَاءَ ، وَالرِّجَالَ يَخْرُجُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا
وَيَجْتَمِعُونَ فِي لَيَالِي الزِّينَةِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ تَحْتَ سِتْرِ ظَلَامِ اللَّيْلِ ، وَكُلُّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ تَيَسَّرَ لَهُ مَا يُرِيدُهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي بِخِلَافِ خُرُوجِهِنَّ إلَى الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذَكَرُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي النَّاسِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا لِإِنْفَاذِ غَرَضِهِ الْخَسِيسِ .
فَإِذَا تَيَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ فَعَلَهُ فَكَانَتْ الزِّينَةُ سَبَبًا لِتَسْهِيلِ الْمَعَاصِي وَتَيَسُّرِهَا عَلَى مَنْ أَرَادَهَا وَوَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَهُوَ وَقُودُ الْقَنَادِيلِ ، وَالشُّمُوعِ نَهَارًا يَوْمَ دَوَرَانِ الْمَحْمَلِ ، وَقَدْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَقُودَ بِالنَّهَارِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ دُونَ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ بَعْضُهُنَّ مَعَ بَعْضٍ وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَمْنَعَ أَهْلَهُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِالنِّسْوَةِ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَسْتَحْيِنَ أَنْ يَسْأَلْنَ الرِّجَالَ ، وَلَا يُمْكِنُهُ مُبَاشَرَتُهُنَّ بِالْكَلَامِ ، وَيَرَى أَنَّ بَذْلَ الْعِلْمِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لَهُنَّ فَيَجُوزُ ، أَوْ يَجِبُ بِحَسَبِ الْحَالِ الْوَاقِعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى فِعْلُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْعَالِمِ تُبَلِّغُ عَنْهُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لِلنِّسَاءِ عُمُومًا وَلِبَعْضِ الرِّجَالِ خُصُوصًا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مُخَاطَبَةِ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعْلِيمِ زَوْجَةِ الْعَالِمِ لِلنَّاسِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَرَكْت فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي } انْتَهَى .
لِأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ لَمْ يَزَالُوا يُبَلِّغُونَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ ، وَقَدْ كَانَ كِبَارُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَرْسَلُوا إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُنَّ فَيَرْجِعُونَ إلَى مَا يُفْتِينَ بِهِ فَهَذِهِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { خُذُوا عَنْهَا شَطْرَ دِينِكُمْ } فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَالِمَ يُعَلِّمُ زَوْجَتَهُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ تُعَلِّمُهَا النَّاسَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ الْمَشْرُوعِ ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالزَّوْجَةِ ، بَلْ كُلُّ مَنْ عَلَّمَهُ الْعَالِمُ مِنْ زَوْجَةٍ ، أَوْ غَيْرِهَا صَارَ عَالِمًا بِذَلِكَ الْحُكْمِ وَيُعَلِّمُهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَأَصْحَابَهُ ، ثُمَّ عَلَّمُوا النَّاسَ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ
فَكَانَ الْجَمِيعُ فِي صَحِيفَتِهِمْ وَهُمْ وَمَا فِي صَحِيفَةِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ ، وَالْآخَرِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ، وَذَلِكَ مَاضٍ إلَى أَنْ يُرْفَعَ الْقُرْآنُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا إنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِالْحُكْمِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ طَالَبَتْهُ بِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ طَالَبَتْهُ بِالْخُرُوجِ إلَى التَّعْلِيمِ ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِي الْخُرُوجِ خَرَجَتْ بِغَيْرِ ، إذْنِهِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَعْنِي طَلَبَ النِّسَاءِ حُقُوقَهُنَّ فِي أَمْرِ الدِّينِ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْنَ إلَّا لِأَجْلِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { وَمَا خَلَقْت الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ } قَدْ أُهْمِلَ الْيَوْمَ وَصَارَ مَتْرُوكًا قَدْ دُثِرَ مَنَارُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ لِعَدَمِ الْكَلَامِ فِيهِ مِنْ الزَّوْجِ ، وَالزَّوْجَةِ فِي الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَةَ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا فِي غَالِبِ الْحَالِ فِي هَذَا الزَّمَانِ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفَقَةِ ، وَالْكِسْوَةِ وَفِيمَا كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَلَا يَهُمُّهُمْ شَأْنُهُ غَالِبًا وَلَا يَكْتَرِثُونَ بِهِ ، بَلْ لَا يَخْطِرُ لِبَعْضِهِمْ بِبَالٍ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْخِطَابِ ، فَظَاهِرُ حَالِهِمْ كَحَالِ مِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى تَرْكِهِ فَلَوْ طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ حَقَّهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا مِنْ زَوْجِهَا وَرَفَعْته إلَى الْحَاكِمِ وَطَالَبَتْهُ بِالتَّعْلِيمِ لِأَمْرِ دِينِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهَا إمَّا بِنَفْسِهِ ، أَوْ بِوَاسِطَةِ إذْنِهِ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إلَى ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ جَبْرُهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يَجْبُرُهُ عَلَى حُقُوقِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ ، إذْ أَنَّ حُقُوقَ الدِّينِ آكَدُ وَأَوْلَى ، وَإِنَّمَا سَكَتَ الْحَاكِمُ عَمَّا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا ، أَوْ مُحْتَسِبًا ، أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ يَنْفُذُ أَمْرُهُ
، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ زَوْجَةُ الْعَالِمِ بِالنِّسْوَةِ ؛ لَأَنْ تُعَلِّمَهُنَّ الْأَحْكَامَ فَلْتَحْذَرْ أَنْ يَسْرِيَ إلَيْهَا مِمَّنْ اجْتَمَعَتْ بِهِنَّ مِنْ النِّسْوَةِ شَيْءٌ مِنْ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ، إذْ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ اجْتِمَاعِهِنَّ لَا يَخْلُو مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ الْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ الَّتِي نَشَأْنَ عَلَيْهَا وَتَمَكَّنَتْ مِنْ قُلُوبِهِنَّ حَتَّى كَأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّعْلِيمِ لِلنِّسَاءِ فَيَئُولُ الْأَمْرُ إلَى ضَرَرٍ يَلْحَقُ أَهْلَهُ بِمَعْرِفَةِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ، أَوْ بَعْضِهَا وَيَتَضَرَّرُ هُوَ لِذَلِكَ ، فَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُمَا الْأَمْرُ بِالتَّعْلِيمِ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَعْنِي تَعْلِيمَهَا لِغَيْرِهَا وَإِذْنَ زَوْجِهَا لَهَا وَيَبْقَى الْعَالِمُ مَأْمُورًا بِالتَّعْلِيمِ ، فَإِنْ تَخَوَّفَ وُقُوعَهُ ، فَالتَّعْلِيمُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ لَمْ تُحَقَّقْ لَكِنْ يَحْتَرِزُ مِنْهَا جَهْدَهُ ، وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ فَمِنْ الْعَوَائِدِ الَّتِي اتَّخَذَهَا بَعْضُهُنَّ وَاسْتَحْكَمَ حُبُّهَا فِي قُلُوبِهِنَّ ، وَالْعَمَلِ بِهَا الذِّكْرُ لِلنِّسَاءِ ، وَالْكَلَامُ مَعَ مَنْ سَامَحَهُنَّ مِنْ الرِّجَالِ ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ ، أَوْ رَأَى وَسَكَتَ كَمَنْ فَعَلَ وَمِنْ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ مَا رَتَّبْتَهُ فِي بَعْضِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَأَيَّامِ الْجُمُعَةِ ، فَكُلُّ يَوْمٍ فَعَلُوا فِيهِ أَفْعَالًا مَخْصُوصَةً لَا تَكُونُ فِي غَيْرِهِ وَمَنْ خَالَفَ مِنْهُنَّ ذَلِكَ يَتَطَيَّرْنَ بِهِ وَيَنْسُبْنَهُ إلَى الْجَهْلِ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ فَمِنْ ذَلِكَ شِرَاؤُهُنَّ اللَّبَنَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ وَهِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ السَّنَةِ وَيَزْعُمْنَ أَنَّ ذَلِكَ تَفَاؤُلٌ بِأَنْ تَكُونَ سَنَتُهُمْ كُلُّهَا عَلَيْهِمْ بَيْضَاءَ وَهَذَا مِنْهُمْ بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ ؛ أَمَّا الْبِدْعَةُ فَاِتِّخَاذُهُمْ ذَلِكَ عَادَةً وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ السَّلَفُ ، وَأَمَّا الْبَاطِلُ فَهُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاؤُلِ ،
وَالتَّفَاؤُلُ فِي الشَّرْعِ هُوَ الَّذِي لَا يَقْصِدُهُ الْإِنْسَانُ حَتَّى يَسْمَعَهُ ابْتِدَاءً ، وَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُهُ فَلَيْسَ مِنْ التَّفَاؤُلِ فِي شَيْءٍ .
وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ التَّفَاؤُلُ فِي فَتْحِ الْخِتْمَةِ ، وَالنَّظَرِ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ يَخْرُجُ مِنْهَا ، أَوْ غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ ؛ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ لَهُ مِنْهَا آيَةُ عَذَابٍ وَوَعِيدٍ فَيَقَعُ لَهُ التَّشْوِيشُ مِنْ ذَلِكَ فَرُفِعَ عَنْهُ ذَلِكَ حَتَّى تَنْقَطِعَ عَنْهُ مَادَّةُ التَّشْوِيشِ ، بَلْ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ لَهُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَيَئُولُ أَمْرُهُ إلَى الْخَطَرِ الْعَظِيمِ أَلَا تَرَى إلَى مَا جَرَى لِبَعْضِ الْمُلُوكِ أَنَّهُ فَتَحَ الْمُصْحَفَ لِيَأْخُذَ مِنْهُ الْفَأْلَ فَوَجَدَ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ مِنْهُ { وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا عَظِيمًا حَتَّى خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ حَالِ الْمُسْلِمِينَ وَجَرَتْ مِنْهُ أُمُورٌ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا لِمُنَافَرَتِهَا لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّ أَخْذَ الْفَأْلِ بِالْمُصْحَفِ وَضَرْبَ الرَّمَلِ وَنَحْوَهُمَا حَرَامٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ مَعَ أَنَّ الْفَأْلَ حَسَنٌ بِالسُّنَّةِ ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ هُوَ مَا يَعْرِضُ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ مِثْلُ قَائِلٍ يَقُولُ : يَا مُفْلِحُ وَنَحْوُهُ .
وَالتَّفَاؤُلُ الْمُكْتَسَبُ حَرَامٌ كَمَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ انْتَهَى .
أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ شِرَاؤُهُمْ الْفُقَّاعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَذَلِكَ الْيَوْمِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ فَيَفْتَحُونَ فَمَهْ فِي الْبَيْتِ فَيَصْعَدُ نَاحِيَةَ السَّقْفِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الرِّزْقَ يَفُورُ لَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيُوَسَّعُ عَلَيْهِمْ فِيهَا ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ مُجَاوَرَةِ الْقَبَطِ ، وَالْأُنْسِ بِعَوَائِدِهِمْ الرَّدِيئَةِ وَيَفْعَلُونَ فِيهِ أَفْعَالًا مِنْ جِهَةِ الْبَسْطِ قَدْ يَئُولُ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى إزْهَاقِ النُّفُوسِ إلَى
غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَذَا جَهْلٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا قَبْلَهُ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلْنَهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَهُوَ أَنَّهُنَّ لَا يَشْتَرِينَ فِيهِ السَّمَكَ وَلَا يَأْكُلْنَهُ وَلَا يُدْخِلْنَهُ بُيُوتَهُنَّ ، وَهَذِهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْيَهُودِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ لَا يَصْطَادُونَ السَّمَكَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَلَا يُدْخِلُونَهُ بُيُوتَهُمْ وَلَا يَأْكُلُونَهُ ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ فَمَنَعَهُ هَؤُلَاءِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ فِيهِ الْحَمَّامَ ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ قَدْ ارْتَفَعَ عَنْهَا حَيْضُهَا تَتْرُكَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَلَا يَشْتَرِينَ فِيهِ الصَّابُونَ وَلَا السِّدْرَ وَلَا الْأُشْنَانَ وَلَا يَغْسِلْنَ فِيهِ الثِّيَابَ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ خِصَالِ الْيَهُودِ كَمَا تَقَدَّمَ .
ثُمَّ انْتَقَلْنَ مِنْ خَصْلَةِ الْيَهُودِ إلَى خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ النَّصَارَى فِي كَوْنِهِنَّ لَا يَعْمَلْنَ فِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ وَلَا فِي يَوْمِهِ شُغْلًا ، وَأَمَّا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمُ الثُّلَاثَاءِ فَعِنْدَهُنَّ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ فِيهِمَا جَمِيعُ مَا يَخْتَرْنَهُ ، وَيَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لَا يَشْتَرِينَ فِيهِ اللَّبَنَ وَلَا يُدْخِلْنَهُ بُيُوتَهُنَّ وَلَا يَأْكُلْنَهُ ، وَيَوْمُ الْخَمِيسِ لِلْإِشْغَالِ ، وَالْحَوَائِجِ الَّتِي لَهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، وَيَوْمُ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ لَا يَعْمَلْنَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ غَزْلِ كَتَّانٍ وَلَا مَحْرِهِ وَلَا تَسْرِيحِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ مَنْعُهُنَّ خُرُوجَ النَّارِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَاعُونِ الْبَيْتِ عَشِيَّةَ كُلِّ يَوْمٍ وَيُبَالِغْنَ فِي مَنْعِ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُنَّ يَتَعَشَّى فِي ضَوْءِ السِّرَاجِ ، ثُمَّ جَاءَ أَحَدٌ يُسْرِجُ مِنْهُ فَلَا يَتْرُكْنَهُ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ أَذِنَ لَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسْرِجَهُ ، ثُمَّ يُطْفِئَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ وَيُوقِدَهُ فِي الرَّابِعَةِ وَحِينَئِذٍ يَذْهَبُ بِهِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى :
إنَّ النَّارَ لَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الِاقْتِبَاسِ مِنْهَا ، إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّرَرِ ، وَالضِّرَارِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إنْ اضْطَرَّ أَحَدٌ إلَى أَخْذِ الْغِرْبَالِ جَعَلْنَ فِيهِ حَجَرًا ، أَوْ مِلْحًا ، أَوْ غَيْرَهُمَا ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْحِجَامَةِ ، وَالِاطِّلَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُهُ أَنْتَ قَالَ نَعَمْ وَأُكْثِرُهُ وَأَتَعَمَّدُهُ ، وَقَدْ احْتَجَمْتُ فِيهِ وَلَا أَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ حِجَامَةٍ وَلَا اطِّلَاءٍ وَلَا نِكَاحٍ وَلَا سَفَرٍ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَيَّامِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ ذَلِكَ : وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَفْعَلَ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَطَيَّرَ ، فَقَدْ أَثِمَ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَلَا طِيَرَةَ ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ } .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ أَيْ عَلَيْهِ إثْمُ مَا تَطَيَّرَ بِهِ لَا أَنَّ مَا تَطَيَّرَ بِهِ يَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : وَلَا طِيَرَةَ انْتَهَى .
وَهَذِهِ الْعَوَائِدُ الرَّدِيئَةُ كُلُّهَا وَمَا شَاكَلَهَا إنَّمَا سَبَبُهَا ارْتِكَابُ مَا نَهَى عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يُجَاوِرُونَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ أَمَرَ أَنْ يَكُونُوا بِمَعْزِلٍ فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ مُنْحَازِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ هُمْ لَا يُشَارِكُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي بَقِيَّةِ الْبَلَدِ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مَا قَرَّرَ لَهُمْ إبْلِيسُ اللَّعِينُ مِنْ هَذِهِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ كَيْفَ جَرَتْ إلَى مَا هُوَ أَرْدَأُ مِنْهَا مِنْ أَوْجُهٍ سَبْعَةٍ :
مِنْهَا فِي التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَا الذِّكْرِ ، وَهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ يَوْمِ السَّبْتِ وَيَوْمِ الْأَحَدِ ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ تَشَبُّهُهُمْ أَيْضًا فِي تَرْكِ الشُّغْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ وَرَدَ عَنْ ذَلِكَ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّهُ أَوْقَعَهُمْ فِي مُخَالَفَةِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَمَّ مَنْ مَنَعَ الْمَاعُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هُوَ مَاعُونُ الْبَيْتِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ : مَا أَحْرَمَهُمْ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ ، وَالْخَيْرِ الْجَسِيمِ مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ، وَهُوَ مَا وَرَدَ أَنَّ الْقِدْرَ إذَا أَعَارَهَا الْإِنْسَانُ ، أَوْ الْغِرْبَالَ ، أَوْ غَيْرَهُمَا كَانَ لَهُ أَجْرُ مَا يُفْعَلُ بِذَلِكَ فَمَا طُبِخَ فِيهَا كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَى ضَوْءِ السِّرَاجِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ شَيْءٌ فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَالْفَاعِلِ لِذَلِكَ .
الْوَجْهُ السَّادِسُ : أَنَّهُ ، أَوْقَعَهُمْ فِي النَّهْيِ { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الطِّيَرَةِ } وَهُمْ يَتَطَيَّرُونَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
الْوَجْهُ السَّابِعُ : مَا أَوْقَعَهُمْ فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ فِي كَوْنِهِمْ يُحْدِثُونَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ وَلَا هِيَ مُسْتَحْسَنَةٌ عَقْلًا ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَرْكَ الْمُبَادَرَةِ لِلْمَعْرُوفِ ، وَالنَّفْعِ الْمُتَعَدِّي ، فَإِنَّهُمْ إذَا أَوْقَدُوا الْمِصْبَاحَ مِنْ عِنْدَهُمْ ، أَوْ أَخَذُوا الْغِرْبَالَ فَعَلُوا فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَابْتَدَعُوا مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ الشَّرْعُ فِيهِ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَهُ إذَا نَزَلَتْ الشَّمْسُ فِي بُرْجِ الْحَمَلِ فَيَخْرُجُونَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ رِجَالًا وَنِسَاءً وَشُبَّانًا مُخْتَلِطِينَ أَقَارِبَ وَأَجَانِبَ فَيَجْمَعُونَ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ يُسَمُّونَهُ بِالْكَرْكِيشِ فَيَقْطَعُونَ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعِهِ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْخَوَاتِمِ النَّفِيسَةِ ، وَالْأَسَاوِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُلِيِّ وَيَتَكَلَّمُونَ عِنْدَ قَطْعِهِ بِكَلَامٍ أَعْجَمِيٍّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَمَا يُدْرِيه لَعَلَّهُ كُفْرٌ وَيَجْعَلُونَ مَا يَقْطَعُونَ مِنْ تِلْكَ الْحَشِيشَةِ فِي خَرَائِطَ مَصْبُوغَاتٍ بِزَعْفَرَانٍ ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ الْخَرِيطَةَ فِي الصُّنْدُوقِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ مَا دَامَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ يَكُونُ سَبَبًا لِإِكْثَارِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِغْنَائِهِمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، وَأَنَّ الْفَقْرَ يُوَلِّي عَنْهُمْ وَشَاعَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ حَتَّى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ يُذْكَرُ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَبَعْضُهُمْ يَسْتَحْسِنُهُ وَبَعْضُهُمْ يَسْكُتُ وَلَا يَقُولُ شَيْئًا ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْمَحْذُورِ وُجُوهٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ فِيهِ التَّشَبُّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَأَشْبَاهَهُ خَرَجَ مِنْ جِهَةِ الْقَبَطِ الثَّانِي : مَا فِيهِ مِنْ الْكَشَفَةِ وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ فِي اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ ، وَالشَّبَابِ وَرُبَّمَا اخْتَلَطُوا وَتَزَاحَمُوا عَلَى ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِغِنَاهُمْ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ عَرَّضَ مَا مَعَهُ مِنْ الْآلَةِ الَّتِي يَقْطَعُ بِهَا إلَى إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَقْطَعُ بِمَا مَعَهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ ` يَسْقُطُ مِنْ يَدِهِ وَيَقَعُ فِي شَقٍّ مِنْ تِلْكَ الشُّقُوقِ فَيُدْخِلُ يَدَهُ لِيَأْخُذَهُ ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَوْتِهِ ، أَوْ لِلْوُقُوعِ فِي أَمْرَاضٍ خَطِرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الشِّقِّ ثُعْبَانٌ ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي ؛ فَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَسْعِهَا
وَإِمَّا أَنْ يَمْرَضَ ، وَقَدْ يُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ بِسَبَبِ مَا ارْتَكَبَ مِنْ ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا اسْتَعَارَ بَعْضُهُمْ الذَّهَبَ أَوْ غَيْرَهُ لِيَقْطَعَ بِهِ تِلْكَ الْحَشِيشَةِ فَضَاعَ مِنْهُ ، أَوْ سَقَطَ فِي تِلْكَ الشُّقُوقِ فَيَقَعُ فِي التَّشْوِيشِ مَعَ غُرْمِ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ فَهَذَا قَدْ عُجِّلَ لَهُ الْفَقْرُ بِمَا سَقَطَ مِنْهُ أَوْ ضَاعَ ضِدَّ مُرَادِهِ ، وَهَكَذَا هِيَ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى أَبَدًا جَارِيَةٌ فِيمَنْ طَلَبَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ الَّذِي شَرَعَهُ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ أَرْبَعِينَ أَرْبِعَاءَ مُتَوَالِيَاتٍ فَإِنَّهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِ بِالدُّنْيَا ، وَذَلِكَ قُبْحٌ عَظِيمٌ وَسَخَافَةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ تَسْوِيلِ اللَّعِينِ حَتَّى يُوقِعَهُمْ فِي ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي ، وَذَلِكَ أَنَّ دُخُولَ الْحَمَّامِ فِيهِ أَشْيَاءُ مُسْتَهْجَنَةٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ فِيهِ إحْدَاثًا ، وَالْحَدَثُ مَمْنُوعٌ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ عَدَّ فِيهَا طَلَبَ الرِّزْقِ بِالْمَعَاصِي وَلَا شَكَّ أَنَّ دُخُولَ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مَعْصِيَةٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ } فَلَا يُنَالُ ذَلِكَ إلَّا بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ حُصُولَ ذَلِكَ بِالْمُخَالَفَةِ نَقِيضُ الْمُرَادِ مِنْهُمْ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ
عِيد الأضحي ( فَصْلٌ ) وَمِنْ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ أَيْضًا مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَوَاسِمِ وَهُمْ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ : الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى : الْمَوَاسِمُ الشَّرْعِيَّةُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : الْمَوَاسِمُ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ : الْمَوَاسِمُ الَّتِي تَشَبَّهُوا فِيهَا بِالنَّصَارَى ؛ فَأَمَّا الْمَوَاسِمُ الشَّرْعِيَّةُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ فَأَوَّلُهَا عِيدُ الْأَضْحَى الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مَوَاسِمِ الْمُسْلِمِينَ تَرَكَ بَعْضُهُمْ فِيهِ سُنَّةَ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي سَنَّهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَرَغَّبَ فِيهَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ } وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَفْضَلَ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ } ، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هَلْ هِيَ فَرْضٌ ، أَوْ سُنَّةٌ ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ يَعْنِي وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَتْرُكُونَ الْأُضْحِيَّةَ وَيَشْتَرُونَ اللَّحْمَ وَيَطْبُخُونَ أَلْوَانَ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تَكُونُ الْأُضْحِيَّةُ الْمَشْرُوعَةُ بِبَعْضِ ثَمَنِ مَا أَنْفَقُوهُ ، أَوْ مِثْلِهِ ، أَوْ يُقَارِبُهُ حَتَّى حَرَمَهُمْ إبْلِيسُ اللَّعِينُ هَذِهِ الْبَرَكَةَ الْعُظْمَى ، وَالْخَيْرَ الشَّامِلَ بِتَسْوِيلِهِ وَتَزْيِينِهِ لَهُمْ ، ثُمَّ إنَّ مَنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ يَذْبَحُ لَيْلَةَ الْعِيدِ ، وَذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْأُضْحِيَّةَ ، أَوْ لَا ، فَإِنْ نَوَاهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَيَّنَهَا ، أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ عَيَّنَهَا أَثِمَ فِي ذَبْحِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَيَكُونُ حَرِجَةً
فِي حَقِّهِ إنْ قَدِمَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجَاهِلِ هَلْ هُوَ كَالْمُتَعَمِّدِ ، أَوْ كَالنَّاسِي ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْمُتَعَمِّدِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَدَلُهَا فِي وَقْتِهَا إذَا وَجَدَهَا وَلِلْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا وَنَوَى بِهَا الْأُضْحِيَّةَ حِينَ ذَبَحَهَا لَمْ تُجْزِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا فِي وَقْتِهَا إذَا وَجَدَهَا ، وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا الْأُضْحِيَّةَ ، فَقَدْ أَسَاءَ فِي فِعْلِهِ بِارْتِكَابِهِ الْبِدْعَةَ ، وَالْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا فِي وَقْتِهَا وَيُفْطِرَ عَلَى زِيَادَةِ الْكَبِدِ مِنْهَا .
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى الْأُضْحِيَّةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَهُوَ السَّبَبُ فِي حِرْمَانِ نَفْسِهِ مِنْ هَذَا الثَّوَابِ الْجَزِيلِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ ، ثُمَّ إنَّ مَنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ يَعْمَلُ الطَّعَامَ بِلَيْلٍ حَتَّى إذَا جَاءُوا مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجَدُوا ذَلِكَ مُتَيَسِّرًا فَأَكَلُوا هُمْ وَمَنْ يَخْتَارُونَ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَشْتَغِلُونَ بِذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَدَّمَ بَعْضُهُمْ الذَّبْحَ بِاللَّيْلِ لِأَجْلِ عَمَلِ الطَّعَامِ فَوَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ ارْتِكَابُ بِدْعَةٍ وَمُخَالَفَةٍ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الْجَلِيلَةِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُضَحِّي بِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَكْفِيه بَاعَ الثَّانِي وَاشْتَرَى بِهِ الْأُضْحِيَّةَ ، وَكَذَلِكَ فِي ثَوْبِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلَةٌ تَدَايَنَ لِيُحَصِّلَ هَذِهِ الْقُرْبَةَ الْعَظِيمَةَ ، وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ
إلَى مَكِيدَةِ إبْلِيسَ اللَّعِينِ وَمَا أَدْخَلَ مِنْ سُمِّهِ السَّمُومِ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ بِتَسْوِيلِهِ لَهُمْ تَرْكَ هَذِهِ السُّنَّةِ الْعُظْمَى ، وَحَرَمَهُمْ جَزِيلَ ثَوَابِهَا بِمَا أَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الْعِلَلِ الْقَبِيحَةِ الشَّنِيعَةِ فَزَيَّنَ لِكُلِّ أَهْلِ إقْلِيمٍ مَا يَقْبَلُونَهُ مِنْهُ ، فَإِذَا قُلْت لِبَعْضِ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ : لِمَ لَا تُضَحِّي ؟ فَيَقُولُ : لِي مَعَارِفُ كَثِيرَةٌ وَخَرُوفٌ وَاحِدٌ لَا يَعُمُّهُمْ ، فَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ يَلُومَنِي وَلَا يَلْزَمُنِي أَكْثَرُ مِنْ خَرُوفٍ وَاحِدٍ ، وَإِذَا قُلْت لِلْفَقِيرِ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ : لِمَ تَتَكَلَّفُ الْأُضْحِيَّةَ وَهِيَ لَا تَجِبُ عَلَيْك فَيَقُولُ : قَبِيحٌ مِنْ الْجِيرَانِ ، وَالْأَهْلِ ، وَالْمَعَارِفِ أَنْ يَقُولُوا : فُلَانٌ لَمْ يُضَحِّ فَصَارَتْ هَذِهِ الْقُرْبَةُ بِالنَّظَرِ إلَى فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا مَشُوبَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْخَلْقِ وَتَحْسِينِهِمْ وَتَقْبِيحِهِمْ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْمَوْسِمِ الْعَظِيمِ كَيْفَ تَرَكُوا بَرَكَتَهُ وَانْحَازُوا عَنْهَا بِمَعْزِلٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ { مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ وَأَمَرَ بِزِيَادَةِ الْكَبِدِ فَصُنِعَ لَهُ ، ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَيْهِ } تَشَبُّهًا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتَفَاؤُلًا بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَا يَفْطُرُونَ فِيهَا عَلَى زِيَادَةِ كَبِدِ الْحُوتِ الَّذِي عَلَيْهِ قَرَارُ الْأَرَضِينَ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّفَاؤُلِ بِذَلِكَ ، إذْ أَنَّهُ عَرُوسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ يُشَرِّعُ لِأُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُنَبِّهَهُمْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْجَلِيِّ الْجَلِيلِ ، ثُمَّ إنَّ مَنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي ، بَعْضُهُمْ يَبِيعُ جُلُودَ الْأُضْحِيَّةِ ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ ،
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَعَنْ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَحَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا } فَيَدْخُلُ الْمِسْكِينُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَبِيعُهُ ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي تَفْرِقَةِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ ، إذْ أَنَّهُمْ يُهْدُونَ اللَّحْمَ لِلْجَارِ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ تَتَشَوَّفُ نَفْسُهُ لِلْعِوَضِ عَنْهُ ، ثُمَّ إنَّ الْجَارَ وَغَيْرَهُ يُكَافِئُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ بِمِثْلِهِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَالْمُعْطِي ، وَالْآخِذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْظُرُ فِيمَا يُعْطِيَهُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعِوَضِ فَيَرْضَى بِهِ ، أَوْ يَسْخَطُهُ ، فَقَدْ خَرَجَ هَذَا عَنْ بَابِ الْمُهَادَاةِ بِقَصْدٍ مِنْ قَصْدِ الْعِوَضِ عَنْهُ .
وَالْأُضْحِيَّةُ لَا يُتَعَوَّضُ عَنْهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْهَدَايَا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا الْعِوَضِيَّةُ بِشَرْطِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَدِيَّةِ الْجِيرَانِ الطَّعَامُ يَتَعَوَّضُونَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ فَاعِلَ السُّنَّةِ فِيمَا ذُكِرَ قَلِيلٌ مِنْ قَلِيلٍ ، وَاعْلَمْ وَفَّقْنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ الْمَذْكُورَ فِي إهْدَاءِ اللَّحْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الذَّمِيمَةِ وَمَا شَاكَلَهَا ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ يُعْطِي لِلَّهِ تَعَالَى وَيَأْخُذُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى التَّعْوِيضِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِ فَهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، بَلْ هُوَ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَأَسْنَاهَا ، وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ فِي هَدَايَا الْجِيرَانِ وَالْأَقَارِبِ الطَّعَامَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مَكِيدَةِ إبْلِيسَ اللَّعِينِ كَيْفَ يَتَّبِعُ السُّنَنَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَيُلْقِي لِمَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ وَسْوَسَتَهُ حُجَجًا لِتَرْكِ تِلْكَ السُّنَّةِ
وَاسْتِعْمَالِ غَيْرِهَا بِمَا يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّهُ عِبَادَةٌ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُحَرَّمٌ بَيِّنٌ ، أَوْ بِدْعَةٌ بَيِّنَةٌ ، يَرَى ذَلِكَ وَيَعْلَمُهُ مَنْ لَهُ نُورٌ أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ فِي الْعِيدِ بِإِسْرَاعِ الْأَوْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَى الْأَهْلِ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِقَطْعِ تَشَوُّفِ الْأَهْلِ لِوُرُودِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَذَكَاةِ الْأُضْحِيَّةِ إنْ كَانَتْ وَاجْتِمَاعِهِمْ وَفَرَحِهِمْ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { إنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ } وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَذِكْرِ اللَّهِ مَوْضِعَ وَبِعَالٍ انْتَهَى .
يَعْنِي بِذَلِكَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَلَمَّا عَلِمَ إبْلِيسُ مَا لَهُمْ فِيهِ مِنْ النَّصِّ الصَّرِيحِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْبَرَكَةِ الشَّامِلَةِ ، وَالرَّاحَةِ الْمُعَجَّلَةِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ مَا يُلْقِيه لَهُمْ مِنْ تَرْكِ السُّنَّةِ مُجَرَّدًا ، وَمِنْ عَادَتِهِ الذَّمِيمَةِ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِتَرْكِ سُنَّةٍ حَتَّى يُعَوِّضَ لَهُمْ عَنْهَا شَيْئًا يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ أَنَّهُ قُرْبَةٌ .
عَوَّضَ لَهُمْ عَنْ سُرْعَةِ الْأَوْبَةِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْعِيدِ وَزَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ وَأَرَاهُمْ أَنَّ زِيَارَةَ الْأَقَارِبِ مِنْ الْمَوْتَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَزِيَادَةِ الْوُدِّ لَهُمْ وَأَنَّهُ مِنْ قُوَّةِ التَّفَجُّعِ عَلَيْهِمْ ، إذْ فَقَدَهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْعِيدِ ، وَفِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ الْبِدَعِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَكَيْفَ بِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ النِّسَاءُ يَلْبَسْنَ وَيَتَحَلَّيْنَ ابْتِدَاءً ، وَيَتَجَمَّلْنَ فِيهِ بِغَايَةِ الزِّينَةِ مَعَ عَدَمِ الْخُرُوجِ فَكَيْفَ بِهِنَّ فِي الْخُرُوجِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَتَرَاهُنَّ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى الْقُبُورِ مُتَكَشِّفَاتٍ قَدْ خَلَعْنَ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْهُنَّ ، فَبَدَّلَ لَهُمْ مَوْضِعَ السُّنَّةِ مُحَرَّمًا وَمَكْرُوهًا ، فَالْمَكْرُوهُ فِي كَوْنِهِ
أَخَّرَهُمْ عَنْ سُرْعَةِ الْأَوْبَةِ إلَى الْأَهْلِ ؛ لِأَنَّهَا السُّنَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْمُحَرَّمُ مَا يُشَاهِدُ الزَّائِرُ مِنْ أَحْوَالِهِنَّ فِي الْمَقَابِرِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْمُومَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَةِ كُلُّهَا لَمْ يَقْنَعْ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ بِهَا ، بَلْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا شَنِيعًا ، وَهُوَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُهُنَّ مِنْ بَنَاتِ الْعِيدِ وَفِيهِنَّ الْأَبْكَارُ ، وَالْمُرَاهِقَاتُ وَغَيْرُهُنَّ اللَّاتِي يَخْرُجْنَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَعْلُومَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ ظَاهِرَاتٍ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَمَا يَفْعَلْنَهُ مِنْ الْغِنَاءِ ، وَالدُّفُوفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي الطُّرُقِ ، وَالْأَسْوَاقِ وَدُخُولِهِنَّ الْبُيُوتَ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدْ يَفْتَتِنُ بِهِنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، وَيَسْكُتُ لَهُنَّ الْعَالِمُ وَغَيْرُهُ وَيَعِظُونَهُنَّ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
عِيدُ الْفِطْرِ ( فَصْلٌ ) ، وَالسُّنَّةُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ التَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْأَهْلِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ الْمَأْكُولِ ، إذْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَمَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ ، فَقَدْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ فِيهِ طَعَامًا مَعْلُومًا ، إذْ هُوَ مِنْ الْمُبَاحِ لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّكَلُّفِ فِيهِ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَجْعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً يُسْتَنُّ بِهَا فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً ، وَإِذَا وَصَلَ الْأَمْرُ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَفِعْلُ ذَلِكَ بِدْعَةٌ ، إذْ أَنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ يُنْسَبُ إلَى السُّنَّةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ .
وَأَمَّا مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ مِنْ شِرَاءِ الْخُشْكِنَانِ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْكَعْكِ الْمَحْشُوِّ بِالْعَجْوَةِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي بَاطِنِهِ تَبَعٌ لِظَاهِرِهِ بِخِلَافِ الْخُشْكِنَانِ وَالْبُسْنَدُودِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ تَبَعٌ لِبَاطِنِهِ فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَكْسِرَ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَيَرَى جَمِيعَ مَا فِي بَاطِنِهَا .
وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ كَسْرٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكْسِرَ وَاحِدَةً وَيُعَايِنَ جَمِيعَ مَا فِي بَاطِنِهَا ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ مِنْ الْبِدَعِ كَوْنُهُمْ يَبُخُّونَهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ .
وَالْبِدْعَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَهُمْ صِيَامٌ ، وَحَالُ فَمِ الصَّائِمِ كَمَا قَدْ عُلِمَ ، وَكَذَلِكَ فِعْلُهُمْ فِي بَخٍّ الْكَعْكِ بِالشَّيْرَجِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَهُمْ صِيَامٌ أَيْضًا ، وَحَالُ فَمِ الصَّائِمِ كَمَا قَدْ عُلِمَ فَيُعَرِّضُ الصَّائِمُ نَفْسَهُ لِلْفِطْرِ وَيَصِيرُ ذَلِكَ مُسْتَقْذَرًا ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ يَعْمَلُونَهُ وَيَبِيعُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُؤْتَمَنُونَ مِنْ أَنْ يَبُخُّونَهُ كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُونَ ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي لِوُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ
سُؤْرَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ مَكْرُوهٌ إنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ فِي أَفْوَاهِهِمْ نَجَاسَةً فِي وَقْتِ الْفِعْلِ لِذَلِكَ ، أَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يُطَهِّرْ فَمَهُ بَعْدَهَا ، فَمَا أَصَابَهُ بِرِيقِهِ مُتَنَجِّسٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ إذَا كَانَ مِنْ مُسْلِمٍ فَكَيْفَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلِاقْتِدَاءِ بِالسُّنَّةِ وَالسَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِرَازِ مِنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَأْكُولُ عَلَى سَبِيلِ السَّلَامَةِ مِمَّا ذُكِرَ لَكَانَ بَعِيدًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ ، وَالطِّبِّ : أَمَّا الشَّرْعُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ .
وَأَمَّا الطِّبُّ فَإِنَّ الصَّوْمَ يُجَفِّفُ الرُّطُوبَاتِ غَالِبًا وَيَعْصِمُ ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ الصَّوْمِ أَفْطَرُوا عَلَى الْكَعْكِ الَّذِي يَزِيدُهُمْ جَفَافًا وَإِمْسَاكًا فَيَتَضَرَّرُ الْبَدَنُ بِذَلِكَ ، فَقَدْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْأَدْوِيَةِ ، وَالْأَشْرِبَةِ ، وَالْأَطِبَّاءِ وَكَانُوا فِي غِنًى عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمْ السَّمَكَ الْمَشْقُوقَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْفَاضِلِ الَّذِي يُعْتِقُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مِنْ الرِّقَابِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلِّهِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ الْمَرْءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ إلَى كَسْبِ الْحَسَنَاتِ ، وَأَفْضَلُ ذَلِكَ كُلِّهِ اتِّقَاءُ الْمَحَارِمِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَلَا تَقْرَبُوا } .
فَاتَّخَذَ هَؤُلَاءِ فِطْرَهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ الشَّرِيفِ عَلَى شَيْءٍ مُمَكَّسٍ ، وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعِدَّ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِإِفْطَارِهِ شَيْئًا حَلَالًا مِنْ جِهَةٍ يَرْضَاهَا الشَّرْعُ لَعَلَّهُ يَلْحَقُ بِالْقَوْمِ .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْعَوَائِدِ الذَّمِيمَةِ فِي كَوْنِهِمْ يَتَّبِعُونَ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَهُمْ فِيهَا حَظُّ نَفْسٍ وَمُبَاهَاةٌ
وَشَهْوَةٌ خَسِيسَةٌ فَانِيَةٌ يَحْرِصُونَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعًا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَوَلَدٍ وَعَبْدٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ وَيَسْتَعِدُّونَ لِذَلِكَ عَلَى زَعْمِهِمْ ، وَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ شَرْعًا ، وَاَلَّذِي لَهُمْ فِيهِ الثَّوَابُ الْجَسِيمُ وَالْخَيْرُ الْعَمِيمُ يَتَسَاكَتُونَ عَنْهُ وَيُهْمِلُونَ أَمْرَهُ ، وَلَمْ يُطَالِبْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا هَذَا الْغَالِبُ مِنْهُمْ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ هُوَ مَا شَرَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ فِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْيَوْمَ إخْرَاجُهُ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ ، إذْ أَنَّهُ قُوتُ جَمِيعِهِمْ فَفَعَلَ أَكْثَرُهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بَعْضُهُمْ فِي يَوْمِ الْأُضْحِيَّةِ فِي كَوْنِهِمْ يَتْرُكُونَهَا لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا وَيُنْفِقُونَ أَضْعَافَ ثَمَنِهَا ، أَوْ مِثْلَهُ فَعَوَّضُوا مَكَانَ السُّنَنِ الْمَطْهَرَةِ عَوَائِدَهُمْ الرَّدِيئَةَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَفِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مِنْ الْبِدَعِ سَهَرُ بَعْضِ النَّاسِ فِيهِمَا ، أَوْ فِي بَعْضِهِمَا لَا لِعِبَادَةٍ ، بَلْ لِلشُّغْلِ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا وَمَا شَاكَلَهَا وَإِضَاعَةِ الْمَالِ بِصَقْلِ الْقُمَاشِ الَّذِي يُفْضِي إلَى تَقْطِيعِهِ وَتَرْكِ إحْيَاءِ اللَّيْلَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ بِعِبَادَةِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَنْدُوبِ إلَى إحْيَائِهِمَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى مَا فِيهِ مِنْ بَنَاتِ الْعِيدِ ، وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَتَأْخِيرِ الرُّجُوعِ إلَى الْبُيُوتِ وَتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ بِتِلْكَ الْمَقَاصِدِ الذَّمِيمَةِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا ، فَتَفْرِقَةُ الْكَعْكِ هَاهُنَا مُقَابِلَةٌ لِتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ فِي الْأَضْحَى
يَوْمُ عَاشُورَاءَ الْمَوْسِمُ الثَّالِثُ مِنْ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَالتَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْأَهْلِ ، وَالْأَقَارِبِ ، وَالْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينِ وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ ، وَالصَّدَقَةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا بِحَيْثُ لَا يُجْهَلُ ذَلِكَ لَكِنْ بِشَرْطٍ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ عَدَمِ التَّكَلُّفِ ، وَمِنْ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ذَلِكَ سُنَّةً يُسْتَنُّ بِهَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَيُكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ سِيَّمَا إذَا كَانَ هَذَا الْفَاعِلُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ ؛ لِأَنَّ تَبْيِينَ السُّنَنِ وَإِشَاعَتَهَا وَشُهْرَتَهَا أَفْضَلُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَضَى فِيهِ طَعَامٌ مَعْلُومٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتْرُكُونَ النَّفَقَةَ فِيهِ قَصْدًا لِيُنَبِّهُوا عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ أَنَّ عَاشُورَاءَ يَخْتَصُّ بِذَبْحِ الدَّجَاجِ وَغَيْرِهَا ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَكَأَنَّهُ مَا قَامَ بِحَقِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَكَذَلِكَ طَبْخُهُمْ فِيهِ الْحُبُوبَ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتَعَرَّضُونَ فِي هَذِهِ الْمَوَاسِمِ وَلَا يَعْرِفُونَ تَعْظِيمَهَا إلَّا بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالصَّدَقَةِ ، وَالْخَيْرِ وَاغْتِنَامِ فَضِيلَتِهَا لَا بِالْمَأْكُولِ بَلْ كَانُوا يُبَادِرُونَ إلَى زِيَادَةِ الصَّدَقَةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْيَوْمَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مَعْدُومَةٌ ، أَوْ قَلِيلَةٌ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَصَدَّقُ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهَا الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ بِدْعَةً ، أَوْ مُحَرَّمًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ الزَّكَاةُ مَثَلًا فِي شَهْرِ صَفَرٍ ، أَوْ رَبِيعٍ ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ فَيُؤَخِّرُونَ إعْطَاءَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ إلَى يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَفِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِمَالِ الصَّدَقَةِ مَا
فِيهِ ، فَقَدْ يَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ ، أَوْ يُفْلِسُ فَيَبْقَى ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَأَقْبَحُ مَا فِيهِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ شَهِدَ فِيهِ بِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ } .
وَفِيهِ بِدْعَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حَدَّ لِلزَّكَاةِ حَوْلًا كَامِلًا وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، وَفِي فِعْلِهِمْ الْمَذْكُورِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَوْلِ بِحَسَبِ مَا جَاءَهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَدْ يَكُونُ كَثِيرًا ، وَقَدْ يَكُونُ قَلِيلًا ، وَعِنْدَ بَعْضِ مَنْ ذُكِرَ نَقِيضُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ قَبْلَ وَقْتِهَا لِأَجْلِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَرْضًا مِنْهُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِيه كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهَا ، وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيه عِنْدَ الْجَمِيعِ ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُجْزِيه بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ دَافِعُ الزَّكَاةِ وَآخِذُهَا بَاقِيَيْنِ عَلَى وَصْفَيْهِمَا مِنْ الْحَيَاةِ ، وَالْجِدَةِ ، وَالْفَقْرِ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُ ذَلِكَ الْمَالِ الْمُزَكَّى عَنْهُ ، وَفِي هَذَا مِنْ التَّغْرِيرِ بِمَالِ الصَّدَقَةِ كَالْأَوَّلِ .
وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ فِيهِ مِنْ الْبِدَعِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ ، وَنَفْسُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَعْلُومِ بِدْعَةٌ مُطْلَقًا لِلرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ ، ثُمَّ يَنْضَمُّ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ خُرُوجِ النِّسَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ اخْتِصَاصِ النِّسَاءِ بِدُخُولِهِنَّ الْجَامِعَ الْعَتِيقَ بِمِصْرَ وَهُنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ الْخَسِيسَةِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ التَّحَلِّي ، وَالزِّينَةِ الْحَسَنَةِ ، وَالتَّبَرُّجِ لِلرِّجَالِ وَكَشْفِ بَعْضِ أَبْدَانِهِنَّ وَيُقِمْنَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الزَّوَالِ لَا يُشَارِكُهُنَّ فِيهِ الرِّجَالُ وَيَتَمَسَّحْنَ فِيهِ بِالْمَصَاحِفِ وَبِالْمِنْبَرِ ، وَالْجُدَرَانِ وَتَحْتَ اللَّوْحِ
الْأَخْضَرِ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ كَانَ السَّبَبُ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْحِنَّاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا مِنْهُنَّ فَكَأَنَّهَا مَا قَامَتْ بِحَقِّ عَاشُورَاءَ ، وَمِنْ الْبِدَعِ أَيْضًا مَحْرُهُنَّ فِيهِ الْكَتَّانَ وَتَسْرِيحُهُ وَغَزْلُهُ وَتَبْيِيضُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ وَيَشِلْنَهُ لِيَخِطْنَ بِهِ الْكَفَنَ ، وَيَزْعُمْنَ أَنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا لَا يَأْتِيَانِ مَنْ كَفَنُهَا مِخْيَطٌ بِذَلِكَ الْغَزْلِ ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الِافْتِرَاءِ ، وَالتَّحَكُّمِ فِي دِينِ اللَّهِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ فَكَيْفَ بِمَنْ رَآهُ ، وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ فِيهِ مِنْ الْبِدَعِ الْبَخُورُ .
فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِهِ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَتَبَخَّرْ بِهِ فَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا وَكَوْنُهُ سُنَّةً عِنْدَهُنَّ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا ، وَادِّخَارِهِنَّ لَهُ طُولَ السَّنَةِ يَتَبَرَّكْنَ بِهِ وَيَتَبَخَّرْنَ إلَى أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُهُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ الثَّانِي ، وَيَزْعُمْنَ أَنَّهُ إذَا بُخِّرَ بِهِ الْمَسْجُونَ خَرَجَ مِنْ سِجْنِهِ وَأَنَّهُ يُبْرِئُ مِنْ الْعَيْنِ ، وَالنَّظْرَةِ ، وَالْمُصَابِ ، وَالْمَوْعُوكِ ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطِرٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِلٌ فَعَلْنَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِنَّ فَهَذِهِ الْمَوَاسِمُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الْمَوَاسِمُ الشَّرْعِيَّةُ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَمْ مِنْ بِدْعَةٍ أَحْدَثُوا فِي ذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : الْمَوَاسِمُ الَّتِي نَسَبُوهَا إلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ فَمِنْهَا أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ فَيَتَكَلَّفُونَ فِيهِ النَّفَقَاتِ ، وَالْحَلَاوَاتِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ صَوَّرَ صُورَةً ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا } .
فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الصُّوَرِ الَّتِي لَهَا رُوحٌ وَدَلِيلٌ عَلَى عَذَابِ مَنْ صَوَّرَهَا ، فَمَنْ اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ فَهُوَ مُعِينٌ لَهُمْ عَلَى تَصْوِيرِهَا ، وَمَنْ أَعَانَهُمْ كَانَ شَرِيكًا لَهُمْ فِيمَا تَوَاعَدُوا بِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ الْحَلَاوَةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِصُورَةٍ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ بَيْعِ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ وَقَفَ يَنْظُرُ إلَيْهَا ، أَوْ تُعْجِبُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ فَكُلُّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ ، وَكَثِيرٌ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِمَّنْ يَعْلَمُ الْمَسْأَلَةَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّغْيِيرِ وَيُسْمَعُ كَلَامُهُ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ بَلْ يَقِفُ بَعْضُهُمْ وَيَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا رَأَى ، وَمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ الْعُدُولِ وَلَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارٌ ، فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ نَظَرٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ حَتَّى تَقَعَ مِنْهُمْ التَّوْبَةُ بِشُرُوطِهَا ، وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ أُجْرَةً عَلَى الشَّهَادَةِ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِمَا ذَكَرَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ أَخَذَ حَرَامًا وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي بُكَاءِ وَلَدِهِ ، أَوْ سَخَطِ زَوْجَتِهِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْأَعْذَارَ الشَّرْعِيَّةَ مَعْرُوفَةٌ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَلَاوَةُ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَى الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ شَرْعًا الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَنْعِ ،
وَمَا مُنِعَ فِعْلُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ فَلَوْ كَسَّرَهَا وَبَاعَهَا مَكْسُورَةً لَجَازَ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لَكِنْ يُكْرَهُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ أَنْ يَشْتَرُوهَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ صِفَةً فِعْلُهَا مُحَرَّمٌ وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِ فَاعِلِهَا عَلَى الصِّفَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَهُوَ آثِمٌ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ التَّصْوِيرِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ التَّوْبَةَ بِشُرُوطِهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَكَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا مِنْ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِهَذَا الْمَوْسِمِ عَلَى زَعْمِهِمْ ، ثُمَّ زَادُوا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ فِيهِ إلَى مُهَادَاةِ الْأَقَارِبِ وَالْأَصْهَارِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ الْمُصَاهَرَةُ جَدِيدَةً ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِالزَّوْجَةِ بَعْدُ فَلَا بُدَّ مِنْ خِرْقَةٍ عَلَى صِينِيَّةٍ مَعَ أَطْبَاقِ الْحَلَاوَاتِ وَغَيْرِهَا كَمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِمْ .
وَالْغَالِبُ مِنْ النِّسْوَةِ أَنَّهُنَّ يُكَلِّفْنَ أَزْوَاجَهُنَّ بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَرُبَّمَا يَئُولُ أَمْرُهُمْ إنْ قَصَّرَ فِي التَّوْسِعَةِ إلَى الْفِرَاقِ ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَمَا شَاكَلَهُ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { أَنَا وَأُمَّتِي بُرَآءُ مِنْ التَّكَلُّفِ } فَمَنْ تَكَلَّفَ ، أَوْ كَلَّفَ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الدُّخُولِ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
وَالتَّكَلُّفُ مَذْمُومٌ فِي الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالْعِبَادَاتِ الْعَمَلِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فَكَيْفَ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْسِمٍ شَرْعِيٍّ وَلَا عُرْفِيٍّ ، بَلْ مُحْدَثٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَا كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا الشَّهْرَ أَعْنِي شَهْرَ رَجَبٍ وَيَحْتَرِمُونَهُ إلَّا بِزِيَادَةِ الْعِبَادَةِ فِيهِ ، وَالتَّشْمِيرِ لِأَدَاءِ حُقُوقِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِقَامَةِ حُرْمَتِهِ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَأَوَّلَ شُهُورِ الْبَرَكَةِ
وَافْتِتَاحِ تَزْكِيَةِ الْأَعْمَالِ لَا بِالْأَكْلِ وَالرَّقْصِ وَلَا بِالْمُفَاخَرَةِ بِالطَّعَامِ وَالْهَدَايَا .
وَمِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ : أَنَّ أَوَّلَ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْهُ يُصَلُّونَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْجَوَامِعِ ، وَالْمَسَاجِدِ صَلَاةَ الرَّغَائِبِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي بَعْضِ جَوَامِعِ الْأَمْصَارِ وَمَسَاجِدِهَا وَيَفْعَلُونَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ وَيُظْهِرُونَهَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ بِإِمَامٍ وَجَمَاعَةٍ كَأَنَّهَا صَلَاةٌ مَشْرُوعَةٌ ، وَانْضَمَّ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ مَفَاسِدُ مُحَرَّمَةٌ ، وَهِيَ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ فِي اللَّيْلِ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مَا لَا يَنْبَغِي مَعَ زِيَادَةِ وَقُودِ الْقَنَادِيلِ وَغَيْرِهَا .
وَفِي زِيَادَةِ وَقُودِهَا إضَاعَةُ الْمَالِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الزَّيْتُ مِنْ الْوَقْفِ فَيَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً فِي حَقِّ النَّاظِرِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْوَاقِفُ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَإِنْ ذَكَرَهُ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا .
وَزِيَادَةُ الْوُقُودِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ سَبَبٌ لِاجْتِمَاعِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ عَالِمًا بِذَلِكَ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ ، وَأَمَّا إنْ حَضَرَ لِيُغَيِّرَ وَهُوَ قَادِرٌ بِشَرْطِهِ فَيَا حَبَّذَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَقْبِيحَ اجْتِمَاعِهِمْ وَفِعْلِهِمْ صَلَاةَ الرَّغَائِبِ فِي جَمَاعَةٍ ، وَأَعْظَمَ النَّكِيرَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ : إنَّهَا بِدْعَةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ حَدَثَتْ فِي زَمَانِهِ وَأَوَّلُ مَا حَدَثَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَحْدَثَهَا فُلَانٌ سَمَّاهُ فَالْتَمَسَهُ هُنَاكَ هَذَا قَوْلُهُ فِيهَا ، وَهِيَ عَلَى دُونِ مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّدْبِ إلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْإِحْيَاءِ لَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا
وَقَعَ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَإِظْهَارِهَا فِي الْجَمَاعَاتِ ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يَفْعَلُهَا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَيُصَلِّيهَا سِرًّا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ فَلَهُ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا سُنَّةً دَائِمَةً لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ بِالسَّنَدِ الضَّعِيفِ قَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا : إنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا وَلِكِنِّهَا لَا تُفْعَلُ عَلَى الدَّوَامِ فَإِنَّهُ إذَا عَمِلَ بِهَا ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ ، فَإِنْ يَكُنْ الْحَدِيثُ صَحِيحًا ، فَقَدْ امْتَثَلَ الْأَمْرَ بِهِ ، وَإِنْ يَكُنْ الْحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ مَطْعَنٌ يَقْدَحُ فِيهِ فَلَا يَضُرُّهُ مَا فَعَلَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ خَيْرًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ شَعِيرَةً ظَاهِرَةً مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ كَقِيَامِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى صِفَةِ الْجَمْعِ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي أَشْكَلَ عَلَيْنَا صِحَّتُهُ ، وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِنَّ صَلَاةَ الرَّغَائِبِ مَكْرُوهٌ فِعْلُهَا ، وَذَلِكَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِهِ ؛ لِأَنَّ تَكْرِيرَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ يَمْنَعُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَمِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا فِيهِ أَعْنِي فِي شَهْرِ رَجَبٍ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ الَّتِي هِيَ لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ الَّتِي شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ بِمَا شَرَعَ لَهُمْ فِيهَا بِفَضْلِهِ الْعَمِيمِ وَإِحْسَانِهِ الْجَسِيمِ ، وَكَانَتْ عِنْدَ السَّلَفِ يُعَظِّمُونَهَا إكْرَامًا لِنَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَادَتِهِمْ الْكَرِيمَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْعِبَادَةِ فِيهَا وَإِطَالَةِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالتَّضَرُّعِ ، وَالْبُكَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عُلِمَ مِنْ عَوَائِدِهِمْ الْجَمِيلَةِ فِي تَعْظِيمِ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِامْتِثَالِهِمْ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يَقُولُ : تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللَّهِ ، وَهَذِهِ اللَّيْلَةُ الْمُبَارَكَةُ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَحَاتِ وَكَيْفَ لَا ، وَقَدْ جُعِلَتْ فِيهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِخَمْسِينَ إلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَهَذَا هُوَ الْفَضْلُ الْعَظِيمُ مِنْ غَنِيٍّ كَرِيمٍ ، فَكَانُوا إذَا جَاءَتْ يُقَابِلُونَهَا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ شُكْرًا مِنْهُمْ لِمَوْلَاهُمْ عَلَى مَا مَنْحَهُمْ وَأَوْلَاهُمْ نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ آمِينَ ، فَجَاءَ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ فَقَابَلُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ الشَّرِيفَةَ بِنَقِيضِ مَا كَانَ السَّلَفُ يُقَابِلُونَهَا بِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا فِيهَا مِنْ الْبِدَعِ أَشْيَاءَ ، فَمِنْهَا إتْيَانُهُمْ الْمَسْجِدَ الْأَعْظَمَ وَاجْتِمَاعُهُمْ فِيهِ ، وَمِنْهَا زِيَادَةُ وَقُودِ الْقَنَادِيلِ فِيهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ لِمَا وَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ ، وَمِنْهَا مَا يَفْرِشُونَهُ مِنْ الْبُسُطِ ، وَالسَّجَّادَاتِ وَغَيْرِهِمَا ، وَمِنْهَا أَطْبَاقُ النُّحَاسِ فِيهَا الْكِيزَانُ ، وَالْأَبَارِيقُ وَغَيْرِهِمَا كَأَنَّ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى بَيْتُهُمْ ، وَالْجَامِعُ إنَّمَا جُعِلَ لِلْعِبَادَةِ لَا لِلْفِرَاشِ ، وَالرُّقَادِ ، وَالْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ .
فَإِنْ احْتَجَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ } وَبِفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مُلَازَمَتِهِ الْمَسْجِدَ وَمَبِيتِهِ فِيهِ حَتَّى إنَّهُ كَانَ يُسَمَّى حَمَامَةَ الْمَسْجِدِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْتِزَامَهُمْ الْمَسْجِدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَبِيتَهُمْ فِيهِ لِمَعْنًى بَيِّنٍ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهُمْ بَرَاحٌ مِنْهُ لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا فَكَيْفِيَّةُ الْتِزَامِهِمْ مَعْلُومَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ ، إذْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَزَالُونَ فِي أَحْوَالٍ سَنِيَّةٍ إمَّا صَلَاةٍ ، أَوْ ذِكْرٍ ، أَوْ تِلَاوَةٍ ، أَوْ فِكْرٍ كُلُّ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ، وَإِنْ غَلَبَ النَّوْمُ عَلَى أَحَدِهِمْ أَعْطَى الرَّاحَةَ لِنَفْسِهِ بِأَنْ يَجْلِسَ مُحْتَبِيًا قَلِيلًا ، ثُمَّ يَنْهَضُ لِمَا كَانَ بِسَبِيلِهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُمْ لَيْسُوا كَمِثْلِهِمْ أَنَّهُ جَاءَ إلَيْهِ زَائِرٌ يَزُورُهُ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ حَالُهُ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ : إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ أُحَدِّثُهُ فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ قَامَ يَتَنَفَّلُ فَخَافَ الزَّائِرُ أَنْ يَقْطَعَ عَلَيْهِ تَنَفُّلَهُ ، فَقَعَدَ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ ، فَقَالَ الزَّائِرُ : إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ أُكَلِّمُهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَقْبَلَ عَلَى الذِّكْرِ ، وَالتِّلَاوَةِ فَخَافَ أَنْ يَقْطَعَ عَلَيْهِ وِرْدَهُ فَقَعَدَ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ، فَقَالَ : إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أُكَلِّمُهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَامَ يَتَنَفَّلُ كَذَلِكَ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُكَلِّمَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، فَقَامَ يَتَنَفَّلُ ، فَقَعَدَ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَقَعَدَ يَنْتَظِرُهُ إلَى أَنْ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَقْبَلَ
عَلَى الذِّكْرِ ، وَالتِّلَاوَةِ إلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَامَ يَتَنَفَّلُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ ، وَالزَّائِرُ يَنْتَظِرُهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُكَلِّمَهُ فَخَفَقَتْ رَأْسُ هَذَا السَّيِّدِ فَاسْتَفَاقَ عِنْدَ خَفَقَانِ رَأْسِهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ وَيَقُولُ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَيْنٍ لَا تَشْبَعُ مِنْ النَّوْمِ فَقَالَ الزَّائِرُ فِي نَفْسِهِ : يَحْرُمُ عَلَيَّ أَنْ أُكَلِّمَ مَنْ هَذَا حَالُهُ .
فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَمَضَى فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَيْفَ صَارَ حَالُ هَذَا ، وَهُوَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ دَرَجَةِ مَنْ ذَكَرَ حَالَهُمْ فَجَعَلَ السِّنَةَ الَّتِي لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ ذَنْبًا يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ فَمَا بَالُك بِالسَّادَةِ الْكِرَامِ فَكَيْفَ يَحِلُّ الِاسْتِدْلَال بِهِمْ عَلَى اللَّهْوِ ، وَاللَّعِبِ وَارْتِكَابِ الْبِدَعِ وَاتِّبَاعِ أَهْوَاءِ النَّفْسِ وَتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ الْيَوْمَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ ، وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِمَنْ يَظُنُّ فِيهِ ، أَوْ يَتَوَهَّمُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ يَشْتَرِيَ : مَا تَفْعَلُ وَمَا تُرِيدُ ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَوَهَّمَهُ يَقُولُ لَهُ عَلَيْك بِسُوقِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَمِنْهَا السَّقَّاءُونَ وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ جُمْلَةٌ فَمِنْهَا الْبَيْعُ ، وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ جَوَازُ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ وَهِيَ أَنْ تُعْطِيَهُ وَيُعْطِيَك مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْبَيْعِ يَكُونُ بَيْنَكُمَا ، وَقَدْ مُنِعَ فِي الْمَسْجِدِ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ لَفْظُ الْبَيْعِ ، وَالشِّرَاءِ ، وَلَوْ شِرَاءً مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ مِنْ الْعِبَادَةِ فَقَطْ ، وَيَلْحَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ مَنْ سَبَّلَ شَيْئًا مِنْ الْمَاءِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ دَخَلَ لِيَسْقِيَ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ لَجَازَ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ : أَحَدُهَا : أَنْ لَا يَضْرِبَ بِالنَّاقُوسِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا غَيْرِهِ ، وَمَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْجَبُ .
الثَّانِي : أَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ : الْمَاءُ لِلسَّبِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ .
الثَّالِثُ : أَنْ لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ .
الرَّابِعُ : أَنْ لَا يُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ بِقَدَمِهِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ حُفَاةً وَيَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ وَأَقْدَامُهُمْ مُتَنَجِّسَةٌ .
الْخَامِسُ : إنْ كَانَ لَهُ نَعْلٌ فَلَا يَجْعَلُهُ تَحْتَ إبْطِهِ ، أَوْ خَلْفَ ظَهْرِهِ دُونَ شَيْءٍ يُكِنُّهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَذًى وَقَعَ فِي الْمَسْجِدِ وَلِذَلِكَ لَا يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ لَهُ لِمَا ذُكِرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَيْنَ يَضَعُ نَعْلَهُ حِينَ صَلَاتِهِ ، وَلَوْ تَحَفَّظَ النَّاسُ الْيَوْمَ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يَتَحَفَّظُونَ لَمَا احْتَاجُوا إلَى بِدْعَةِ السَّجَّادَةِ ، وَالْحُصُرِ .
وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الْبُسُطِ وَغَيْرِهَا ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي السَّقَّاءِ فَلَيْسَ بِخَاصٍّ بِهَذِهِ اللَّيْلَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي بَلْ الْمَنْعُ عَامٌّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَحَيْثُ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ
الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَقَعَ الْمَنْعُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ، وَمِنْهَا اجْتِمَاعُهُمْ حَلَقَاتٍ كُلُّ حَلْقَةٍ لَهَا كَبِيرٌ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي الذِّكْرِ ، وَالْقِرَاءَةِ وَلَيْتَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ ذِكْرًا ، أَوْ قِرَاءَةً لَكِنَّهُمْ يَلْعَبُونَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَالذَّاكِرُ مِنْهُمْ فِي الْغَالِبِ لَا يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، بَلْ يَقُولُ : لَا يِلَاهَ يِلَّلَّهُ فَيَجْعَلُونَ عِوَضَ الْهَمْزَةِ يَاءً وَهِيَ أَلِفُ قَطْعٍ جَعَلُوهَا وَصَلًا ، وَإِذَا قَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ يَمُطُّونَهَا وَيُرْجِعُونَهَا حَتَّى لَا تَكَادُ تُفْهَمُ ، وَالْقَارِئُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَزِيدُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَيُنْقِصُ مِنْهُ مَا هُوَ فِيهِ بِحَسَبِ تِلْكَ النَّغَمَاتِ ، وَالتَّرْجِيعَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْغِنَاءَ ، وَالْهُنُوكَ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ الذَّمِيمَةِ ، ثُمَّ فِيهَا مِنْ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ أَنَّ الْقَارِئَ يَبْتَدِئُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَالْآخَرُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ ، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِدَهُ فَيُسْكِتُونَ الْقَارِئَ ، أَوْ يَهُمُّونَ بِذَلِكَ ، أَوْ يَتْرُكُونَ هَذَا فِي شِعْرِهِ ، وَهَذَا فِي قِرَاءَتِهِ لِأَجْلِ تَشَوُّقِ بَعْضِهِمْ لِسَمَاعِ الشَّعْرِ وَتِلْكَ النَّغَمَاتِ الْمَوْضُوعَةِ أَكْثَرَ ، فَهَذِهِ الْأَحْوَالُ مِنْ اللَّعِبِ فِي الدِّينِ أَنْ لَوْ كَانَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ مُنِعَتْ فَكَيْفَ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ سِيَّمَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اجْتِمَاعَ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ فِي الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ مُخْتَلَطِينَ بِاللَّيْلِ ، وَخُرُوجَ النِّسَاءِ مِنْ بُيُوتِهِنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ الزِّينَةِ ، وَالْكِسْوَةِ ، وَالتَّحَلِّي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ ، وَمِنْهَا أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي مُؤَخَّرِ الْجَامِعِ وَبَعْضُ النِّسَاءِ يَسْتَحْيِنِ أَنْ يَخْرُجْنَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِنَّ فَيَدُورُ عَلَيْهِنَّ
إنْسَانٌ بِوِعَاءِ فَيَبُلْنَ فِيهِ وَيُعْطِينَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا ، أَوْ يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ يَعُودُ كَذَلِكَ مِرَارًا ، وَالْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ فِي وِعَاءٍ حَرَامٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ ، وَالشَّنَاعَةِ وَبَعْضُهُمْ يَخْرُجَ إلَى سِكَكِ الطُّرُقِ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِيهَا ، ثُمَّ يَأْتِي النَّاسُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَيَمْشُونَ إلَى الْجَامِعِ فَتُصِيبُ أَقْدَامَهُمْ النَّجَاسَةُ ، أَوْ نِعَالَهُمْ وَيَدْخُلُونَ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ فَيُلَوِّثُونَهُ .
وَدُخُولُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ فِيهَا مَا فِيهَا مِنْ عَظِيمِ الْإِثْمِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهَا خَطِيئَةٌ هَذَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ بِاتِّفَاقٍ فَكَيْفَ بِالنَّجَاسَةِ الْمَجْمَعِ عَلَيْهَا ، وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَحْكِي أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا يَوْمًا مَعَ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الزَّوَاوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ مِنْ جُلَّةِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالْأَكَابِرِ فِي الْعِلْمِ ، وَالدِّينِ وَهُوَ شَيْخُ الشَّيْخَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْقَرَوِيَّيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ شَيْخُهُمَا الْمَذْكُورُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ شُبَّاكٌ فِيهِ عَلَى الطَّرِيقِ فَتَنَخَّمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الزَّوَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَرَكَ النُّخَامَةَ فِي فِيهِ وَلَمْ يُلْقِهَا حَتَّى قَامَ وَمَشَى خُطْوَتَيْنِ وَأَخْرَجَ فَمَهْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَحِينَئِذٍ أَلْقَاهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ .
قَالَ : فَقُلْت لَهُ : لِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ وَأَنْتَ جَالِسٌ بِمَوْضِعِك ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ إلَّا خَارِجَ الْمَسْجِدِ .
فَقَالَ لِي : إنَّ النُّخَامَةَ إذَا خَرَجَتْ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ الْبُصَاقِ ، وَلَوْ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ ، أَوْ دُونَهُ فَيَسْقُطُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَذَلِكَ بُصَاقٌ فِي الْمَسْجِدِ ، وَذَلِكَ خَطِيئَةٌ فَقُمْت ؛ لَأَنْ أَسْلَمَ مِنْ تِلْكَ الْخَطِيئَةِ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى احْتِرَازِ هَذَا الْعَالِمِ الْجَلِيلِ فِيمَا فَعَلَ
فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى انْعِكَاسِ الْأُمُورِ وَانْقِلَابِ الْحَقَائِقِ إلَى ضِدِّهَا فَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ مَا أَحْدَثُوهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى نُورًا وَبَصِيرَةً رَأَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَعْنِي فِي الْخَيْرِ وَضِدِّهِ
لَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ ( فَصْلٌ ) ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى ذِكْرِ مَوْسِمِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى زَعْمِهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهُ مَوْسِمًا وَلَيْسَ بِمَوْسِمٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَوَاسِمَ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ الْعِيدَانِ وَعَاشُورَاءُ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هَلْ هِيَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ ، أَوْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ .
الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلَهَا فَضْلٌ عَظِيمٌ وَخَيْرٌ جَسِيمٌ وَكَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُعَظِّمُونَهَا وَيُشَمِّرُونَ لَهَا قَبْلَ إتْيَانِهَا فَمَا تَأْتِيهِمْ إلَّا وَهُمْ مُتَأَهِّبُونَ لِلِقَائِهَا ، وَالْقِيَامُ بِحُرْمَتِهَا عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ احْتِرَامِهِمْ لِلشَّعَائِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هَذَا هُوَ التَّعْظِيمُ الشَّرْعِيُّ لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ ، ثُمَّ جَاءَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ فَعَكَسُوا الْحَالَ كَمَا جَرَى مِنْهُمْ فِي غَيْرِهَا فَمَا ثَمَّ مَوْضِعٌ مُبَارَكٌ ، أَوْ زَمَنٌ فَاضِلٌ حَضَّ الشَّرْعُ عَلَى اغْتِنَامِ بَرَكَتِهِ ، وَالتَّعَرُّضِ لِنَفَحَاتِ الْمَوْلَى سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى فِيهِ إلَّا وَتَجِدُ الشَّيْطَانَ قَدْ ضَرَبَ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ وَجَمِيعِ مَكَايِدِهِ لِمَنْ يُصْغِي إلَيْهِ ، أَوْ يَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى يَحْرِمَهُمْ جَزِيلَ مَا فِيهِ مِنْ الثَّوَابِ وَيُفَوِّتَهُمْ مَا وُعِدُوا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ الْعَمِيمِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ .
ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ مِنْهُمْ بِسَبَبِ تَمَرُّدِهِ وَشَيْطَنَتِهِ وَإِغْوَائِهِ بِمَا نَالَ مِنْهُمْ فِي كَوْنِهِمْ سَمِعُوا مِنْهُ وَنَالَ مِنْهُمْ بِأَنْ حَرَمَهُمْ مَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ حَتَّى أَبْدَلَ لَهُمْ مَوْضِعَ الْعِبَادَةِ وَالْخَيْرِ ضِدَّ ذَلِكَ مِنْ إحْدَاثِ الْبِدَعِ وَشَهَوَاتِ النُّفُوسِ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ ، وَالْحَلَاوَاتِ
الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَالْوَعِيدِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حِكَايَةً عَنْ اللَّعِينِ إبْلِيسَ بِقَوْلِهِ { لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيَدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَجِدُ اللَّعِينَ لَا يَجِدُ مَوْضِعًا فِيهِ امْتِثَالُ سُنَّةٍ إلَّا وَيَعْمَلُ عَلَى تَبْدِيلِهَا بِمَا يُنَاقِضُهَا حَتَّى صَارَ مَا أَبْدَلَهُ سُنَّةً لَهُمْ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً } .
وَهَذَا الْحَدِيثُ بَيِّنٌ وَاضِحٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْرِ ، وَالنَّهْيِ ، وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أَوْ يُشِيرُ بِهِ إنَّمَا هُوَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَارَةً يُؤَكِّدُ ذَلِكَ فَيُوجِبُهُ وَتَارَةً يُخَفِّفُ عَنْ الْعِبَادِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سُنَّةً ، فَإِذَا سَمِعْت بِالسُّنَّةِ فَهِيَ عَادَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَرِيقَتُهُ ، ثُمَّ بِهَذِهِ السُّنَّةِ أَعْنِي فِي اتِّخَاذِ السُّنَّةِ عَادَةً فَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ ، أَوْ طَرِيقَةٌ فَتِلْكَ سُنَّتُهُ فَلَمَّا أَنْ اعْتَادَ النَّاسُ عَوَائِدَ وَمَضَتْ الْأَعْوَامُ عَلَيْهَا كَانَتْ سُنَّتَهُمْ .
فَإِذَا جَاءَ الْإِنْسَانُ يَتْرُكُ عَادَتَهُمْ قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً ، فَإِذَا جَاءَ يَفْعَلُ سُنَّةً أَعْنِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا فَعَلَ بِدْعَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّهُ خَالَفَ عَادَتَهُمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا جَرَى بَعْدَ انْقِطَاعِ الثَّلَاثَةِ قُرُونٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِمْ خَيْرَ الْقُرُونِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُذَيْفَةَ { كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً } انْتَهَى .
هَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ هُوَ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ ، إذْ أَنَّ أَكْثَرَ الْبِدَعِ الْمُسْتَهْجَنَةِ مَا حَدَثَتْ إلَّا بَعْدَهُمْ ، وَفِي كُلِّ عَامٍ تَزِيدُ الْبِدَعُ وَتَنْقُصُ السُّنَنُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ عَامٌ إلَّا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ خَيْرٌ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ مَا أَرَاهُ مُنْذُ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّ عَامَنَا هَذَا أَخْصَبُ وَأَرْخَصُ سِعْرًا مِنْ الْعَامِ الْمَاضِي فَقَالَ : فَأَيُّهُمَا أَكْثَرُ فِقْهًا وَقِرَاءَةً وَأَحْدَثُ عَهْدًا بِالنُّبُوَّةِ فَقَالَ الَّذِي مَضَى فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْت وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي } .
وَهَا هُوَ ذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى إلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ كَانَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ يَقُولُ : لَا تَسْأَلُوهُمْ الْيَوْمَ عَمَّا أَحْدَثُوا فَإِنَّهُمْ قَدْ أَعَدُّوا لَهُ جَوَابًا وَلَكِنْ سَلُوهُمْ عَنْ السُّنَنِ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهَا وَكَانَ الشَّعْبِيُّ إذَا نَظَرَ إلَى مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ الرَّأْي ، وَالْهَوَى يَقُولُ : لَقَدْ كَانَ الْقُعُودُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا يَعْدِلُ بِهِ فَمُذْ صَارَ فِيهِ هَؤُلَاءِ الْمُرَاءُونَ ، فَقَدْ بَغَّضُوا إلَيَّ الْجُلُوسَ فِيهِ وَلَأَنْ أَقْعُدَ عَلَى مَزْبَلَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ
مِنْ أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُجَادِلَ عَنْ السُّنَّةِ وَلَكِنَّك تُخْبِرُ بِهَا ، فَإِنْ قُبِلَ مِنْك وَإِلَّا فَاسْكُتْ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ ، فَقَدْ صَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا ، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا وَصَارَتْ السُّنَّةُ بِدْعَةً ، وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً انْتَهَى .
وَالْغَرِيبُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَنْ أَوْصَاهُ { كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ } .
وَلَمَّا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ الْغُرَبَاءُ مِنْ أُمَّتِك قَالَ : الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إذَا فَسَدَ النَّاسُ } انْتَهَى وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ { الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي } { وَلَمَّا أَنْ ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْفِتَنَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا أَدْرَكَنِي ذَلِكَ الزَّمَانُ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك } يَعْنِي أَنْ يَتَّخِذَ بَيْتَهُ كَأَنَّهُ ثَوْبُهُ الَّذِي يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ فَيُلَازِمُهُ وَلَا يُفَارِقُهُ إذَا عَمَّتْ الْفِتَنُ وَكَثُرَتْ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ ؛ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الْعِبَادَاتِ رَجَعَتْ لِلْعَادَاتِ ، بَلْ بَعْضُ الْعِبَادَاتِ قَدْ صَارَتْ الْيَوْمَ وَسَائِلَ لِلدُّخُولِ فِي الدُّنْيَا وَأُكُلِهَا ، وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُهَا لِلرِّيَاءِ ، وَالسُّمْعَةِ فِي الْغَالِبِ ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْهَرَبُ مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبَادَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ الْيَوْمَ عَلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْعَدِيدَةِ إلَى قُعُودِ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ أَسْلَمُ لَهُ بَلْ أَوْجَبُ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرِهَا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَقُلْ مِنْ فَوْقِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ لِلْعَبْدِ جِهَةُ الْفَوْقِيَّةِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَ
بِالنَّصْرِ مِنْهَا لَهُ فَلَا يُبَالِي الْمُكَلَّفُ بِتَعَدُّدِ جِهَاتِ اللَّعِينَ إبْلِيسَ لِإِبْقَاءِ الْبَابِ الْعُلْوِيِّ الْمَفْتُوحِ لَهُ بِمَحْضِ الْفَضْلِ ، وَالْكَرَمِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ } انْتَهَى .
فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَمَهْمَا وَقَعَ الْمُؤْمِنُ فِي شَيْءٍ مَا مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَتَبُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْمُبَادَرَةِ إلَى التَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَإِذَا أَوْقَعَهَا بِشُرُوطِهَا الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا وَجَدَ الْبَابَ ، وَالْحَمْدَ لِلَّهِ مَفْتُوحًا لَا يُرَدُّ عَنْهُ وَلَا يُغْلَقُ دُونَهُ بِكَرَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِ التَّائِبِ وَقُوَّةِ صِدْقِهِ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَلَا تَرَى إلَى قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا جَرَى لَهُ فِي بَدْءِ تَوْبَتِهِ وَنُزُولِهِ عَنْ فَرَسِهِ وَدَفْعِهِ ثِيَابَهُ لِلصَّيَّادِ وَأَخْذِهِ ثِيَابَ الصَّيَّادِ وَمَرَّ لِسَبِيلِهِ فَرَأَى إنْسَانًا قَدْ وَقَعَ عَنْ قَنْطَرَةٍ فَقَالَ لَهُ : قِفْ .
فَوَقَفَ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى وَصَلَ إلَيْهِ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ وَأَلْقَاهُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ سَالِمًا وَمَا ذَاكَ إلَّا لِصِدْقِ تَوْبَتِهِ وَحُسْنِ نِيَّتِهِ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَوْبَتِهِ وَفِي الرُّجُوعِ إلَيْهِ وَفِي مُلَازَمَتِهِ سُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْكُلِّ وَاحِدَةٌ أَعْنِي أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ وَيُقِيلُهُمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ مَا مَضَى وَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ عَاجِلًا وَآجِلًا ، أَلَا تَرَى إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَنْ ابْتَلَعَهُ الْحُوتُ وَابْتَلَعَ الْحُوتَ حُوتٌ آخَرُ وَنَزَلَ بِهِ إلَى قَعْرِ الْبَحْرِ وَهُوَ يُنَادِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ
سُبْحَانَك إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ } فَسَمِعَهُ قَارُونُ وَهُوَ يُخْسَفُ بِهِ فَسَأَلَ الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلِينَ بِعَذَابِهِ أَنْ يَقِفُوا بِهِ حَتَّى يَسْأَلَ صَاحِبَ الصَّوْتِ فَلَمَّا أَنْ سَأَلَهُ وَأَجَابَهُ قَالَ لَهُ قَارُونُ : ارْجِعْ إلَى رَبِّك فَإِنَّك إذَا رَجَعْت إلَيْهِ تَجِدُهُ فِي أَوَّلِ قَدَمٍ تَرْجِعُ إلَيْهِ فِيهِ .
فَقَالَ لَهُ يُونُسُ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمَا مَنَعَك أَنْتَ أَنْ تَرْجِعَ إلَى رَبِّك فَقَالَ لَهُ : إنَّ تَوْبَتِي وُكِّلَتْ إلَى ابْنِ خَالَتِي مُوسَى فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنِّي فَهَذَا وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي قَبُولِ التَّائِبِ عِنْدَ صِدْقِهِ فِي رُجُوعِهِ إلَى مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك } ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِ مَعْنَاهُ لَكِنْ قَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَسْلَمُ لِذِي دِينٍ إلَّا مَنْ فَرَّ مِنْ شَاهِقٍ إلَى شَاهِقٍ كَطَائِرٍ بِأَفْرَاخِهِ ، أَوْ كَثَعْلَبٍ بِأَشْبَالِهِ } .
أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَا أَتْقَاهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَا أَتْقَاهُ } فَظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ التَّعَارُضُ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ هَذَا بِالْإِقَامَةِ فِي بَيْتِهِ وَأَمَرَ هَذَا بِالْفِرَارِ .
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ ، وَالْفِرَارِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ مَا مَعْنَاهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي الْفِرَارِ مَحْمُولٌ عَلَى زَمَانٍ يَكُونُ فِيهِ بَعْضُ الْمَوَاضِعِ صَالِحًا لِلْإِقَامَةِ فِيهَا وَأُخْرَى فَاسِدَةً ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَفِرَّ بِدَيْنِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْفَاسِدَةِ إلَى الْمَوَاضِعِ الصَّالِحَةِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الزَّمَانُ قَدْ
اسْتَوَى فِي عُمُومِ مُخَالَفَةِ السُّنَنِ وَارْتِكَابِ الْبِدَعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ يَفِرُّ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِهِ وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إذَا رَأَيْت الْفَسَادَ قَدْ كَثُرَ فِي مَوْضِعٍ وَعَلَا أَمْرُهُ فَلَا تَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ وَاعْتَزِلْ مَا قَدَرْت عَلَيْهِ وَكُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّك إذَا خَرَجْت مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَصِرْت إلَى غَيْرِهِ وَجَدْتَهُ أَكْثَرَ فَسَادًا وَمَنَاكِرَ وَبِدَعًا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجْت عَنْهُ فَتَنْدَمُ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى خُرُوجِك مِنْهُ وَتُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى مَوْضِعِك الَّذِي كُنْت فِيهِ فَتَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِشَارَةِ ، وَالِاسْتِخَارَةِ وَتَبْدِيلِ الْحَالِ بِطُرُقِ الْأَسْفَارِ وَمُبَاشَرَةِ مَا كُنْت مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ وَمُلَاقَاةِ الْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَرِي الْمُسَافِرِينَ ، فَإِذَا وَصَلْت إلَى مَوْضِعِك الَّذِي كُنْت فِيهِ وَجَدْته قَدْ تَغَيَّرَ حَالُهُ إلَى مَا هُوَ أَشَدُّ فَتَنْدَمُ عَلَى رُجُوعِك إلَيْهِ ، وَتَرَى أَنَّ إقَامَتَك فِي مَوْضِعِك الَّذِي كُنْت سَافَرْت إلَيْهِ أَقَلُّ فَسَادًا فَتَقَعُ فِي ضَيَاعِ الْأَوْقَاتِ ، وَالْمَشَاقِّ وَارْتِكَابِ الْأَهْوَالِ وَرُؤْيَةِ الْمُخَالَفَاتِ وَمُبَاشَرَتِهَا عِيَانًا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يُسَافِرْ ، ثُمَّ يَبْقَى حَالُهُ كَذَلِكَ مُذَبْذَبًا لَا يَسْتَقِرُّ لَهُ قَرَارٌ ، أَوْ كَمَا قَالَ وَفِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْإِقَامَةِ فِي الْبُيُوتِ رِفْقٌ عَظِيمٌ وَرَحْمَةٌ شَامِلَةٌ لِأُمَّتِهِ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَفَعَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْمَشَقَّاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا بِالْجُلُوسِ فِي ، أَوْطَانِهِمْ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { نِعْمَ الصَّوَامِعُ بُيُوتُ أُمَّتِي } .
هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَوْضِعَ إذَا كَثُرَ فِيهِ الْفَسَادُ ، وَأَهْلُهُ الْمُقِيمُونَ مَعَهُ عَلَى حَالِهِمْ لَمْ يُصِبْهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْبَلَاءِ
دَلَّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّةِ حَالِ الْوَلِيِّ الْمُقِيمِ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا قُوَّةُ حَالِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَكَانَتُهُ عِنْدَهُ وَقُرْبُهُ مِنْهُ مَا انْدَفَعَتْ الْعُقُوبَةُ عَنْهُمْ فَبِنَفْسِهِ وَهِمَّتِهِ الْعَالِيَةِ وَحُلُولِهِ بَيْنَهُمْ أَخَّرَ الْمَوْلَى الْكَرِيمُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ لِيَتُوبَ مَنْ يَتُوبُ وَيَرْجِعَ مَنْ يَرْجِعُ ، أَوْ يُصِيبُ الْعَذَابُ بَعْضَهُمْ خُصُوصًا وَلَا يَقَعُ عَامًّا .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفُ بِالصِّقِلِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخْلِ الْأَرْضَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ؛ إمَّا قَائِمٌ لَهُ بِحُجَّةٍ ، وَإِمَّا مَدْفُوعٌ بِهِ الْبَلَاءُ انْتَهَى .
فَالْقَائِمُ بِالْحُجَّةِ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ ، وَالْمَدْفُوعُ بِهِ الْبَلَاءُ قَدْ يُعْرَفُ ، وَقَدْ لَا يُعْرَفُ ، وَقَدْ يَعْرِفُهُ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ آخَرِينَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ مَا جَرَى لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ الْمَعْرُوفِ بِالْقُرَشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْ رَأَى فِي وَقْتِهِ أَنَّهُ سَيَنْزِلُ بِأَهْلِ مِصْرَ بَلَاءٌ قَالَ : أَيَقَعُ هَذَا وَأَنَا فِيهِمْ قِيلَ لَهُ : اُخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِمْ فَهَذَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ فَخَرَجَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الشَّامِ فَأَقَامَ بِهِ ، ثُمَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ نَزَلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ أَسْأَلُ اللَّهِ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ ، فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُعَذَّبُونَ عَذَابًا عَامًّا وَفِيهِمْ أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
فَعَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْفِرَارُ إلَى الْبُيُوتِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى إظْهَارِ مَعَالِمِ الشَّرْعِ ، وَالنُّهُوضِ إلَيْهَا فَيُبَادِرُ إلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ يَتَخَوَّفُ مِنْهُ أَعْنِي مِنْ الْبِدَعِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ لَهُ هَلْ الْمُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ الرُّجُوعُ إلَى بَيْتِهِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَنُوبُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ فِي بَيْتِهِ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَفْضَلَ وَأَكْثَرَ نَفْعًا بَادَرَ إلَى فِعْلِهِ سِيَّمَا إذَا كَانَ النَّفْعُ مُتَعَدِّيًا ، وَإِنْ كَانَ يَتَخَوَّفُ مِنْ شَيْءٍ فِيهِ فَالرُّجُوعُ إلَى بَيْتِهِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ وَإِقَامَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَا ذُكِرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِهِ ، إذْ لَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ لَحَصَلَ لَهُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ وَزِيَارَةُ جِوَارِ بَيْتِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالِاعْتِكَافُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّيَّاتِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ .
فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ يُرْشِدُهُ ، أَوْ يَسْتَرْشِدُ هُوَ مِنْهُ فَبَخٍ عَلَى بَخٍ ، إذْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ ، وَالْمَقْصُودَ مِنْ كَوْنِهِ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِهِ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي فِي زَمَنِهِ فَيَكُونُ فِرَارًا بِدِينِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى بَيْتِ رَبِّهِ وَمِنْ بَيْتِ رَبِّهِ إلَى بَيْتِهِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ } ، وَالْفِرَارُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْمُبَادَرَةُ إلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ فَلَا يَتْرُك الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ مَا حَدَثَ مِنْ الْبِدَعِ ، إذْ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ وَمِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَوَّلُ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَبَدَانِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ صَلَاتِهِ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ، بَلْ حَيْثُمَا قَلَّتْ الْبِدَعُ مِنْ الْمَسْجِدِ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ أَوْلَى وَأَفْضَلَ مِنْ
غَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَسْجِدًا سَالِمًا مِمَّا ذُكِرَ وَقَلَّ مَا يَقَعُ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ إلَى أَقَلِّ الْمَسَاجِدِ بِدَعًا فَلْيُصَلِّ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَكُونُ بِدْعَةٌ وَاحِدَةٌ أَشَدَّ مِنْ بِدَعٍ جُمْلَةٍ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ وَلْيُصَلِّ فِيمَا عَدَاهُ ، وَإِذَا صَلَّى مَعَ ذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ جَهْدَهُ وَيُغَيِّرْ مَا اسْتَطَاعَ بِشَرْطِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْقَلْبِ أَدْنَى مَرَاتِبِ التَّغْيِيرِ ، فَإِنْ كَانَتْ لَيْلَةٌ تَزِيدُ فِيهَا الْبِدَعُ وَتَكْثُرُ فَتَرْكُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ ، إذْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا وَلَكِنْ تَكْثِيرُ سَوَادِ أَهْلِ الْبِدَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَتَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَاجِبٌ وَفِعْلُ الْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ فَيَتْرُكُ الْمَنْدُوبَ لَهُ وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا لِلْحَاضِرِينَ فِي أَمَاكِنِ الْبِدَعِ فِي الْإِثْمِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ يَأْنَسُ قَلْبَهُ بِتِلْكَ الْبِدَعِ فَيَئُولُ إلَى تَرْكِ التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَدْنَى رُتَبِ التَّغْيِيرِ لِمَا وَرَدَ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَحْسِنَ شَيْئًا مِمَّا يَرَاهُ ، أَوْ يَسْمَعَ بِهِ ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحْسِنُ مَا كَرِهَهُ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ وَهُوَ الْإِحْدَاثُ فِي الدِّينِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ } .
يَعْنِي مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ عَمَلَ امْرِئٍ حَتَّى يُتْقِنَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا إتْقَانُهُ قَالَ : يُخَلِّصُهُ مِنْ الرِّيَاءِ ، وَالْبِدْعَةِ } ، وَقَدْ وَرَدَ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ
أَحْدَثَ فِي الدِّينِ حَدَثًا : هَبْ أَنِّي أَغْفِرُ لَك مَا بَيْنِي وَبَيْنَك فَاَلَّذِي أَضْلَلْتهمْ مِنْ النَّاسِ } انْتَهَى .
فَإِذَا وَقَعَ اسْتِحْسَانُ شَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ كَائِنًا مَا كَانَ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ مَعَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ قَلَّ أَنْ يَقَعَ أَعْنِي أَنْ تَعُمَّ تِلْكَ الْبِدَعُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَمِيعَ مَسَاجِدِ الْبَلَدِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْكَمَالُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَاصِلٌ لَهُ أَعْنِي الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ السَّالِمِ مِنْ تِلْكَ الْبِدَعِ ، أَوْ مِنْ أَكْثَرِهَا ، وَلَوْ امْتَنَعَ بَعْضُ مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِيهَا الْبِدَعُ لَانْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ وَزَالَتْ الْبِدَعُ كُلُّهَا ، أَوْ أَكْثَرُهَا ، أَوْ بَعْضُهَا لَكِنْ جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ عَلَى تَعَاطِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ ، بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ إذَا خَتَمَ وَلَدُهُ الْقُرْآنَ ، أَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ .
وَسَنُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ وَقَعَ بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّهُمْ أَوْقَدُوا جَامِعَهَا الْأَعْظَمَ فَزَادُوا فِي الْوَقُودِ الزِّيَادَةَ الْكَثِيرَةَ فَجَاءَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَشْتَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَلَى عَادَتِهِ فَرَأَى ذَلِكَ فَوَقَفَ وَلَمْ يَدْخُلْ فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَدْخُلُ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ إلَّا ثَلَاثَةُ قَنَادِيلَ ، أَوْ خَمْسَةٌ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَامْتَثَلُوا إذْ ذَاكَ قَوْلَهُ ، وَحِينَئِذٍ دَخَلَ فَوَقَعَ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ بِتَغْيِيرِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ فَكَيْفَ بِهِ لَوْ كَانَ زِيَادَةً عَلَى الْوَاحِدِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى التَّسَامُحِ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى جَرَّ الْأَمْرُ إلَى اعْتِيَادِ الْبِدَعِ وَيَنْسُبُهَا أَكْثَرُ الْعَوَامّ إلَى الشَّرْعِ بِسَبَبِ حُضُورِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ فَظَنَّ أَكْثَرُ الْعَوَامّ أَنَّ
ذَلِكَ مِنْ الْمَشْرُوعِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ ، إذْ ذَاكَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ السَّالِمِ مِنْ الْبِدَعِ مَنْ يُصَلِّي فِيهِ فَتَتَأَكَّدُ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ وَحْدَهُ إحْيَاءُ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَالسَّعَادَةِ مَا فِيهِ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ مِنْ { قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الَّذِي يُصَلِّي فِي الْبَرِّيَّةِ وَحْدَهُ إنَّهُ يُصَلِّي عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ ، فَإِذَا أَذَّنَ لَهَا وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ } .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ } ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا لَمْ يَمْتَلِئْ بِالنَّاسِ كُمِّلَ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي بِصَلَاتِهِ ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَحْضُرُ مَوْضِعًا إلَّا وَيَقْوَى الرَّجَاءُ فِي قَبُولِ مَا يُعْمَلُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ إذَا حَضَرَ مَوْضِعًا ، وَمَنْ هَرَبَ مِنْ الْبِدْعَةِ وَأَوَى إلَى السُّنَّةِ فِي غَالِبِ أَمْرِهِ فَيَقْوَى الرَّجَاءُ فِي وِلَايَتِهِ ، إذْ أَنَّهُ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ .
وَالتَّشَبُّهُ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ إمَامَ الْمَسْجِدِ إذَا صَلَّى فِيهِ وَحْدَهُ قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ ، فَإِذَا جَاءَتْ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُ فَلَا يَجْمَعُونَ فِيهِ وَيُصَلُّونَ أَفْذَاذًا ، وَالْإِمَامُ لَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَتَى إلَى الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَكَانَ
فِيهَا بَعْضُ طِينٍ وَظَلَامٍ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ هُوَ وَخَادِمُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا ، فَحَصَلَ لَهُ سُرُورٌ فَسَأَلَهُ خَادِمُهُ مَا سَبَبُ سُرُورِهِ فَقَالَ لَهُ : أَلَا تَرَى مَا حَصَلَ لَنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَمَا خَصَّصَنَا بِهِ مِنْ إحْيَاءِ بَيْتِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَنَا وَلَمْ يُشَارِكْنَا فِيهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ فَهَذَا فَرَحُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَسْجِدٌ سَالِمٌ مِنْ الْبِدَعِ فَكَيْفَ بِالْهَارِبِ مِنْ مَوَاضِعِ الْبِدَعِ إلَى مَوَاضِعَ تَحْصُلُ فِيهَا السَّلَامَةُ ، وَالْخَيْرُ ، وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي إحْيَاءِ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى
وَإِنَّمَا طَالَ الْكَلَامُ فِي ذِكْرِ مَا يُعْمَلُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَعْنِي لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِأَجْلِ مَا أَحْدَثُوهُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ أَعْنِي فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْعَلُ فِيهَا لَكِنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ زَادَتْ فَضِيلَتُهَا وَمُقْتَضَى زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ زِيَادَةُ الشُّكْرِ اللَّائِقِ بِهَا مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَأَنْوَاعِهَا فَبَدَّلَ بَعْضُهُمْ مَكَانَ الشُّكْرِ زِيَادَةَ الْبِدَعِ فِيهَا عَكْسُ مُقَابَلَةِ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ لِزِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ ضِدَّ شُكْرِ النِّعَمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا فَعَلُوهُ مِنْ زِيَادَةِ الْوَقُودِ الْخَارِجِ الْخَارِقِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْجَامِعِ قِنْدِيلٌ وَلَا شَيْءٌ مِمَّا يُوقَدُ إلَّا أَوْقَدُوهُ حَتَّى إنَّهُمْ جَعَلُوا الْحِبَالَ فِي الْأَعْمِدَةِ ، وَالشُّرَافَاتِ وَعَلَّقُوا فِيهَا الْقَنَادِيلَ وَأَوْقَدُوهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعْلِيلُ الَّذِي لِأَجْلِهِ كَرِهَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى التَّمَسُّحَ بِالْمُصْحَفِ ، وَالْمِنْبَرِ ، وَالْجُدَرَانِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ السَّبَبَ فِي ابْتِدَاءِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَزِيَادَةِ الْوَقُودِ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِعَبَدَةِ النَّارِ فِي الظَّاهِرِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَبَدَةَ النَّارِ يُوقِدُونَهَا حَتَّى إذَا كَانَتْ فِي قُوَّتِهَا وَشَعْشَعَتِهَا اجْتَمَعُوا إلَيْهَا بِنِيَّةِ عِبَادَتِهَا ، وَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَى تَرْكِ تَشَبُّهِ الْمُسْلِمِينَ بِفِعْلِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ حَتَّى فِي زِيِّهِمْ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ اجْتِمَاعُ كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ ، وَالْوِلْدَانِ الصِّغَارِ الَّذِينَ يَتَنَجَّسُ الْجَامِعُ بِفَضَلَاتِهِمْ غَالِبًا وَكَثْرَةِ اللَّغَطِ ، وَاللَّغْوِ الْكَثِيرِ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ وَأَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ لَيْلَةِ السَّابِعِ ، وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَفِي هَذِهِ
اللَّيْلَةِ أَكْثَرُ وَأَشْنَعُ وَأَكْبَرُ ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْوَقُودِ فِيهَا فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدَعِ كَيْفَ يَجُرُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَامِعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَجَعَ كَأَنَّهُ دَارُ شُرْطَةٍ لِمَجِيءِ الْوَالِي ، وَالْمُقَدَّمِينَ ، وَالْأَعْوَانِ وَفَرْشِ الْبُسُطِ وَنَصَبِ الْكُرْسِيِّ لِلْوَالِي لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فِي مَكَان مَعْلُومٍ وَتُوقَدُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَشَاعِلُ الْكَثِيرَةُ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ وَيَقَعُ مِنْهَا بَعْضُ الرَّمَادِ فِيهِ وَرُبَّمَا وَقَعَ الضَّرْبُ بِالْعَصَا ، وَالْبَطْحُ لِمَنْ يَشْتَكِي فِي الْجَامِعِ ، أَوْ تَأْتِيهِ الْخُصُومُ مِنْ خَارِجِ الْجَامِعِ وَهُوَ فِيهِ ، هَذَا كُلُّهُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ .
وَإِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الْجَامِعِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ مِنْ الْخُصُومِ ، وَالْجَنَادِرَةِ وَغَيْرِهِمْ ، بَلْ اللَّغَطُ وَاقِعٌ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ فَكَيْفَ بِهِ إذَا انْضَمَّ إلَى الشَّكَاوَى وَأَحْكَامِ الْوَالِي يَا لَيْتَهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ زَادُوا عَلَيْهِ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ إقَامَةُ حُرْمَةٍ لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلِبَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنَّهُمْ أَتَوْهُ لِيُعَظِّمُوهُ ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْقُرَبِ ، وَهَذَا أَمْرٌ أَشَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ ، إذْ أَنَّهُمْ لَوْ اعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَكْرُوهٌ لَرُجِيَ لَهُمْ الْإِقْلَاعُ عَنْهُ وَلَكِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَلَا يَتُوبُ أَحَدٌ مِنْ الْقُرَبِ ، وَمَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تُرْفَعُ أَيْ تُغْلَقُ وَلَا تُفْتَحُ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ تَرْفِيعَهَا إنَّمَا يُعْلَمُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحْكَامَ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ،
وَذَلِكَ يَتَلَقَّى عَنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْآخِذِينَ عَنْهُ ، وَتَعْظِيمُهُمْ لَهَا إنَّمَا كَانَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَا يَعُمُّ جَعْفَرًا يَعُمُّنَا إذَا كُنَّا صَالِحِينَ وَمَا يَخُصُّهُ يَخُصُّنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ } أَيْ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ .
وَقَدْ بَنَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْبَةً خَارِجَ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبَطْحَاءُ ، وَقَالَ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِدَ شِعْرًا ، أَوْ يَنْشُدَ ضَالَّةً فَلْيَخْرُجْ إلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ فَإِنَّمَا الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ نَشَدَ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك } .
وَقَدْ وَرَدَ { مَنْ سَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ فَاحْرِمُوهُ } ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَسْجِدُنَا هَذَا لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ ، وَاجْعَلُوا وُضُوءَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ } انْتَهَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى صَلَاةِ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ ، وَصَلَاةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِمَا فِيهَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِعْلَ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ فِي جَمَاعَةٍ بِدْعَةٌ ، وَلَوْ صَلَّاهَا إنْسَانٌ وَحْدَهُ سِرًّا لَجَازَ ذَلِكَ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ مَذْهَبِهِ فِي كَرَاهِيَتِهِ تَكْرَارِ السُّورَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ
يَا لَيْتَهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ لَكِنَّهُمْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَشْنَعُ وَهُوَ خُرُوجُ الْحَرِيمِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ ، وَهَذِهِ اللَّيْلَةُ فِيهَا زِيَادَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى غَيْرِهَا أَعْنِي كَثْرَةَ خُرُوجِهِنَّ إلَى الْقُبُورِ ، وَمَعَ بَعْضِهِنَّ الدُّفُّ يَضْرِبْنَ بِهِ وَبَعْضُهُنَّ يُغَنِّينَ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ وَرُؤْيَتِهِمْ لَهُنَّ مُتَجَاهَرِينَ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ حَيَائِهِنَّ وَقِلَّةِ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِنَّ ، وَيَزْعُمْنَ أَنَّهُنَّ خَرَجْنَ لِلْعِبَادَةِ وَهِيَ زِيَارَةُ قُبُورِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالْعُلَمَاءِ ، وَالصُّلَحَاءِ ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بَعْضُ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ مِنْ الشُّبَّانِ ، وَالرِّجَالِ فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي وَأَكْثَرُهُمْ مُخْتَلِطُونَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضِ نِسَاءٌ وَشُبَّانٌ وَرِجَالٌ قَدْ رَفَعُوا جِلْبَابَ الْحَيَاءِ ، وَالْوَقَارِ عَنْهُمْ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ كَأَنَّهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ ، إذْ لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي الْقُبُورِ بَيْنَ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ أَعْنِي فِي كَشْفِ الْوُجُوهِ ، وَالْأَطْرَافِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَوَائِدِهِمْ الرَّدِيئَةِ فَيَا لِلْعَجَبِ فِي انْكِشَافِهِنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الِاعْتِبَارِ ، وَالتِّذْكَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، فَإِذَا رَجَعْنَ إلَى الْبَلَدِ يَرْجِعْنَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنْ كَشْفِ السُّتْرَةِ عَنْهُنَّ ، فَإِذَا وَصَلْنَ إلَى الْبَلَدِ تَنَقَّبْنَ ، إذْ ذَاكَ وَاسْتَتَرْنَ ، ثُمَّ صَارَتْ هَذِهِ الْعَادَةُ بَيْنَهُنَّ شَعِيرَةً يَتَدَيَّنُ بِهَا أَعْنِي فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَتِرُ فِي الْبَلَدِ ، وَفِي الْقُبُورِ ، وَالطَّرِيقِ إلَيْهَا مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ لَا تَسْتَتِرُ مِنْ أَحَدٍ ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ مِنْهَا اجْتِمَاعُهُمْ كَمَا سَبَقَ .
الثَّانِي : انْتِهَاكُ حُرْمَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُعَظَّمَةِ ، وَهَذَا الْيَوْمُ الْعَظِيمِ ، وَهَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ أَعْظَمُوا
الْمَعْصِيَةَ بِفِعْلِهَا عَلَى الْقُبُورِ ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الْخَشْيَةِ ، وَالْفَزَعِ ، وَالِاعْتِبَارِ ، وَالْحَثِّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِهَذَا الْمَصْرَعِ الْعَظِيمِ الْمَهُولِ أَمْرُهُ ، فَرَدُّوا ذَلِكَ لِلنَّقِيضِ ، وَجَعَلُوهُ فِي مَوْضِعِ فَرَحٍ وَمَعَاصٍ كَحَالِ الْمُسْتَهْزِئِينَ .
الرَّابِعُ : أَذِيَّةُ الْمَوْتَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ .
الْخَامِسُ : قِلَّةُ احْتِرَامِهِمْ لِتَعْظِيمِ جَنَابِ الْعُلَمَاءِ ، وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَالصُّلَحَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى زَعْمِهِمْ يَمْضُونَ لِلتَّبَرُّكِ بِهِمْ وَيَفْعَلُونَ عِنْدَهُمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُمْ اتَّصَفُوا بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ بِصِفَةِ النِّفَاقِ ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ صِفَتُهُ قَصْدُ الْمَعْصِيَةِ وَإِظْهَارُهَا فِي الصُّورَةِ أَنَّهَا طَاعَةٌ فَيَا لِلْعَجَبِ كَيْفَ يَقْدِرُ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَسْمَعَ بِهَذِهِ الْمُنَاكِرِ وَلَا يَتَنَغَّصُ لَهَا وَلَا يَتَشَوَّشُ مِنْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْحَدِيثِ فِيمَنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ } .
فَكَيْفَ يَتْرُكُ حَرِيمَهُ ، أَوْ أَقَارِبَهُ ، أَوْ مَنْ يَلُوذُ بِهِ يَخْرُجْنَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رُكُوبِهِنَّ الدَّوَابَّ مَعَ الْمُكَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ نَصِيبٌ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْجَنَائِزِ وَلَا الْقُبُورِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا ثَلَاثُ خَرَجَاتٍ عَلَى مَا سَبَقَ وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ فِي الْقُبُورِ حَتَّى صَارَ أَمْرُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُومُ إنْسَانٌ بِشَيْءٍ يَحْمِلُهُ كَالْقُبَّةِ عَلَى عَمُودٍ حَوْلَهَا قَنَادِيلُ كَثِيرَةٌ فَيَجْتَمِعُ لَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النِّسَاءِ ، وَالشُّبَّانِ ، وَالرِّجَالِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ يَتَزَاوَرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَجْرِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ مِنْ الْآفَاتِ فِي الدِّينِ ، وَالدُّنْيَا مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يُقِيمُونَ خَشَبَةً عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ ، أَوْ
الْمَيِّتَةِ وَيَكْسُونَ ذَلِكَ الْعَمُودَ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَلِيقُ بِهِ عِنْدَهُمْ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، أَوْ الصُّلَحَاءِ جَعَلُوا يَشْكُونَ لَهُ مَا نَزَلَ بِهِمْ وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ مَا يُؤَمِّلُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَهْلِ ، وَالْأَقَارِبِ ، وَالْمَعَارِفِ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَجَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ مَعَهُ وَيَذْكُرُونَ لَهُ مَا حَدَثَ لَهُمْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ عَرُوسًا ، أَوْ عَرُوسَةً كَسَوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا كَانَ يَلْبَسُهُ فِي حَالِ فَرَحِهِ فَيَكْسُونَ الْمَرْأَةَ ثِيَابَ الْحَرِيرِ وَيُحَلُّونَهَا بِالذَّهَبِ وَيَجْلِسُونَ يَبْكُونَ وَيَتَبَاكَوْنَ وَيَتَأَسَّفُونَ ، وَهَذِهِ أَشْيَاءُ مُتَنَاقِضَةٌ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَوَّلَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ فِي نُفُوسِهِمْ ، وَهَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَهُ مِنْ الْكِسْوَةِ عَلَى الْخَشَبَةِ فِيهِ تَشَبُّهٌ فِي الظَّاهِرِ بِالنَّصَارَى فِي كِسْوَتِهِمْ لِأَصْنَامِهِمْ ، وَالصُّوَرِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا اخْتِلَاقًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ فِي مَوَاسِمِهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ مِنْ الْخَطَرِ ، وَفِي ذَلِكَ مَقْنَعٌ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ فِي الظَّاهِرِ إلَى الْمَشْيَخَةِ ، وَالْهِدَايَةِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْوَقْتِ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَفَعَلَ فِي زَاوِيَتِهِ بِالْمَقَابِرِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْوَقُودِ بِالْجَامِعِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ حَتَّى صَارَ النَّاسُ يَخْرُجُونَ إلَى ذَلِكَ قَصْدًا وَيَتْرُكُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْوَقُودِ فِي الْبَلَدِ لِاشْتِمَالِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الزِّيَادَاتِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ لِتَحْصِيلِ أَغْرَاضِهِمْ الْخَسِيسَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُمْ تَنَاوُلُ تِلْكَ الْأَغْرَاضِ فِي الْبَلَدِ وَسَمَّى هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةَ الْمَحْيَا ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الِاسْمُ يَلِيقُ بِهَا لَكِنْ فِي الْعِبَادَةِ ، وَالْخَيْرِ ، وَالتَّضَرُّعِ إلَى الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَطَلَبِ الْفَوْزِ بِطَاعَتِهِ ، وَالنَّجَاةِ بِفَضْلِهِ مِنْ
مُخَالَفَتِهِ وَمَعَاصِيهِ لَا بِمَا يَفْعَلُهُ هُوَ وَمَنْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ وَأَمْثَالُهُمْ ، وَصَارَ الرِّجَالُ ، وَالنِّسَاءُ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ وَتَمَادَى ذَلِكَ وَاشْتَهَرَ حَتَّى صَارَ عَادَةً لَهُمْ فَبَقِيَ النَّاسُ يَهْرَعُونَ لِذَلِكَ رِجَالًا وَنِسَاءً وَشُبَّانًا وَنَصَبُوا الْخِيَامَ خَارِجَ الزَّاوِيَةِ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ وَزَادَتْ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ بِذَلِكَ وَكَثُرَتْ الْبِدَعُ وَوَقَعَ الضَّرَرُ لِمَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الْمَوْطِنَ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَلِمَنْ فِيهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ فَحُصُولُ الضَّرَرِ لِلْأَحْيَاءِ بِحُضُورِ ذَلِكَ وَاسْتِحْسَانِهِ .
وَحُصُولُ الضَّرَرِ لِلْأَمْوَاتِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ ، إذْ أَنَّهُمْ فِي دَارِ الْحَقِّ وَيَعْظُمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْمَقَابِرِ وَتَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي تِلْكَ الْمَوْضِعِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَى الْمَقَابِرِ فَيَقَعُونَ فِي النَّهْيِ الصَّرِيحِ فَلَمَّا أَنْ مَضَى لِسَبِيلِهِ وَتَوَلَّى ذَلِكَ مَنْ تَوَلَّى قَامَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ كَعَادَةِ شَيْخِهِمْ وَاسْتَأْكَلُوا بِذَلِكَ بَعْضَ الْحُطَامِ الَّذِي فِي أَيْدِي بَعْضِ مَعَارِفِهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ مِنْ الذَّمِّ وَصَارَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ قَلَّمَا يَفُوتُهُمْ الْخُرُوجُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شُهُودِ ذَلِكَ ، فَأَيْنَ الشَّفَقَةُ ، وَالرَّحْمَةُ لِلْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصِيحَةِ لِنَفْسِهِ ، وَلِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ أَيْنَ شِعَارُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ؟ أَيْنَ شِعَارُ أَهْلِ الْإِيمَانِ ؟ أَيْنَ شِعَارُ الْعُلَمَاءِ ؟ أَيْنَ شِعَارُ الْأَوْلِيَاءِ ؟ أَيْنَ شِعَارُ الْمُتَّقِينَ ؟ أَيْنَ شِعَارُ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَزُورُونَهُمْ وَيَتَبَرَّكُونَ
بِهِمْ ؟ هَيْهَاتَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ ، إذْ أَنَّ تَعْظِيمَهُمْ وَحُصُولَ بَرَكَتِهِمْ إنَّمَا يَكُونُ بِالِاتِّبَاعِ لَهُمْ وَاقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ لَا بِالْمُخَالَفَةِ وَاقْتِرَافِ الذُّنُوبِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ مِنْ خَسْفِ الْقُلُوبِ وَانْقِلَابِ الْحَقَائِقِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ .
فَصْلٌ فِي الْمَوْلِدِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْعِبَادَاتِ وَإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ مَوْلِدٍ وَقَدْ احْتَوَى عَلَى بِدَعٍ وَمُحَرَّمَاتٍ جُمْلَةٍ .
فَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُمْ الْمَغَانِي وَمَعَهُمْ آلَاتُ الطَّرَبِ مِنْ الطَّارِ الْمُصَرْصَرِ وَالشَّبَّابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلُوهُ آلَةً لِلسَّمَاعِ وَمَضَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَوَائِدِ الذَّمِيمَةِ فِي كَوْنِهِمْ يَشْتَغِلُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي فَضَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَظَّمَهَا بِبِدَعٍ وَمُحَرَّمَاتٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّمَاعَ فِي غَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فِيهِ مَا فِيهِ .
فَكَيْفَ بِهِ إذَا انْضَمَّ إلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفَضَّلَنَا فِيهِ بِهَذَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَرِيمِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ آلَاتِ الطَّرَبِ إذَا اجْتَمَعَتْ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ .
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الطَّارَ الَّذِي فِيهِ الصَّرَاصِرُ مُحَرَّمٌ وَكَذَلِكَ الشَّبَّابَةُ وَيَجُوزُ الْغِرْبَالُ لِإِظْهَارِ النِّكَاحِ .
فَآلَةُ الطَّرَبِ وَالسَّمَاعِ أَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تَعْظِيمِ هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِيهِ بِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ .
فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْخَيْرِ شُكْرًا لِلْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مَا أَوْلَانَا مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ شَيْئًا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِرَحْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ وَرِفْقِهِ بِهِمْ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ كَمَا وَصَفَهُ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي
كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .
لَكِنْ أَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ { بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلسَّائِلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ } فَتَشْرِيفُ هَذَا الْيَوْمِ مُتَضَمِّنٌ لِتَشْرِيفِ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ .
فَيَنْبَغِي أَنْ نَحْتَرِمَهُ حَقَّ الِاحْتِرَامِ وَنُفَضِّلَهُ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ الْأَشْهُرَ الْفَاضِلَةَ وَهَذَا مِنْهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ } وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { آدَم وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي } انْتَهَى .
وَفَضِيلَةُ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ بِمَا خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيهَا لِمَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْكِنَةَ وَالْأَزْمِنَةَ لَا تَتَشَرَّفُ لِذَاتِهَا وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهَا التَّشْرِيفُ بِمَا خُصَّتْ بِهِ مِنْ الْمَعَانِي .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ هَذَا الشَّهْرَ الشَّرِيفَ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ فِيهِ .
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا دَخَلَ هَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ أَنْ يُكَرَّمَ وَيُعَظَّمَ وَيُحْتَرَمَ الِاحْتِرَامَ اللَّائِقَ بِهِ وَذَلِكَ بِالِاتِّبَاعِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَخُصُّ الْأَوْقَاتَ الْفَاضِلَةَ بِزِيَادَةِ فِعْلِ الْبِرِّ فِيهَا وَكَثْرَةِ الْخَيْرَاتِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ } فَنَمْتَثِلُ تَعْظِيمَ الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ بِمَا امْتَثَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِنَا ( فَصْلٌ ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ الْتَزَمَ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا الْتَزَمَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ مِمَّا قَدْ عُلِمَ وَلَمْ يَلْتَزِمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ مَا الْتَزَمَهُ فِي غَيْرِهِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ لَمْ يَلْتَزِمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَيْئًا فِي هَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيفِ إنَّمَا هُوَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُرِيدُ التَّخْفِيفَ عَنْ أُمَّتِهِ وَالرَّحْمَةَ لَهُمْ سِيَّمَا فِيمَا كَانَ يَخُصُّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ حَرَمِ الْمَدِينَةِ { اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَأَنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ بِمَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ } ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَشْرَعْ فِي قَتْلِ صَيْدِهِ وَلَا فِي قَطْعِ شَجَرِهِ الْجَزَاءَ تَخْفِيفًا عَلَى أُمَّتِهِ وَرَحْمَةً لَهُمْ فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنْظُرُ إلَى مَا هُوَ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا فِي نَفْسِهِ يَتْرُكُهُ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ فَمَا أَكْثَرَ شَفَقَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا شَرَعَهَا الشَّارِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْيَمِينِ الَّذِي أَجَازَ الْحَلِفَ بِهَا وَأَمَّا مَنْ يَتَعَمَّدُ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ إنَّمَا سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِانْغِمَاسِ صَاحِبِهَا فِي النَّارِ وَلَمْ تَرِدْ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ لَا مُشَرِّعُونَ .
فَكَذَلِكَ قَتْلُ الصَّيْدِ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ إذْ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنَعَ مِنْ الصَّيْدِ فِيهِ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ جَزَاءً عَلَى مَنْ قَتَلَهُ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عَلَى قَاتِلِهِ الْجَزَاءَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَرَمِ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ يَتَحَصَّلُ مِنْهُ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ فَعَلَى هَذَا فَتَعْظِيمُ هَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيفِ إنَّمَا يَكُونُ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ الزَّاكِيَاتِ فِيهِ وَالصَّدَقَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَاتِ فَمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ لَهُ تَعْظِيمًا لِهَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيفِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَكْثَرُ احْتِرَامًا كَمَا يَتَأَكَّدُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَفِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَيَتْرُكُ الْحَدَثَ فِي الدِّينِ وَيَجْتَنِبُ مَوَاضِعَ الْبِدَعِ وَمَا لَا يَنْبَغِي .
وَقَدْ ارْتَكَبَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ ضِدَّ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ هَذَا الشَّهْرُ الشَّرِيفُ تَسَارَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ بِالدُّفِّ وَالشَّبَّابَةِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ .
فَمَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْإِسْلَامِ وَغُرْبَتِهِ وَغُرْبَةِ أَهْلِهِ وَالْعَامِلِينَ بِالسُّنَّةِ .
وَيَا
لَيْتَهُمْ لَوْ عَمِلُوا الْمَغَانِيَ لَيْسَ إلَّا بَلْ يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَتَأَدَّبُ فَيَبْدَأُ الْمَوْلِدَ بِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَيَنْظُرُونَ إلَى مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مَعْرِفَةً بِالْهُنُوكِ وَالطُّرُقِ الْمُهَيِّجَةِ لِطَرِبِ النُّفُوسِ فَيَقْرَأُ عَشْرًا .
وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ وُجُوهٌ .
مِنْهَا مَا يَفْعَلُهُ الْقَارِئُ فِي قِرَاءَتِهِ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا وَالتَّرْجِيعُ كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ .
الثَّانِي أَنَّ فِيهِ قِلَّةَ أَدَبٍ وَقِلَّةَ احْتِرَامٍ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
الثَّالِثُ أَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ قِرَاءَةَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُقْبِلُونَ عَلَى شَهَوَاتِ نُفُوسِهِمْ مِنْ سَمَاعِ اللَّهْوِ بِضَرْبِ الطَّارِ وَالشَّبَّابَةِ وَالْغِنَاءِ وَالتَّكْسِيرِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُغَنِّي وَغَيْرِ ذَلِكَ .
الرَّابِعُ أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ غَيْرَ مَا فِي بَوَاطِنِهِمْ وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ صِفَةُ النِّفَاقِ وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا وَهُوَ يُرِيدُ غَيْرَهُ اللَّهُمَّ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ شَرْعًا .
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَبْتَدِئُونَ الْقِرَاءَةَ وَقَصْدُ بَعْضِهِمْ وَتَعَلُّقُ خَوَاطِرِهِمْ بِالْمَغَانِي .
الْخَامِسُ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَلِّلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِقُوَّةِ الْبَاعِثِ عَلَى لَهْوِهِ بِمَا بَعْدَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ .
السَّادِسُ أَنَّ بَعْضَ السَّامِعِينَ إذَا طَوَّلَ الْقَارِئُ الْقِرَاءَةَ يَتَقَلْقَلُونَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ طَوَّلَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَسْكُتْ حَتَّى يَشْتَغِلُوا بِمَا يُحِبُّونَهُ مِنْ اللَّهْوِ .
وَهَذَا غَيْرُ مُقْتَضَى مَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَهْلَ الْخَشْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُمْ يُحِبُّونَ سَمَاعَ كَلَامِ مَوْلَاهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي مَدْحِهِمْ { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } فَوَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ بِمَا ذُكِرَ وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يَسْتَعْمِلُونَ الضِّدَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا سَمِعُوا
كَلَامَ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ قَامُوا بَعْدَهُ إلَى الرَّقْصِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالطَّرَبِ بِمَا لَا يَنْبَغِي فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ يَعْمَلُونَ أَعْمَالَ الشَّيْطَانِ وَيَطْلُبُونَ الْأَجْرَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ فِي تَعَبُّدٍ وَخَيْرٍ وَيَا لَيْتَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ يَفْعَلُهُ سَفَلَةُ النَّاسِ وَلَكِنْ قَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى فَتَجِدُ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ أَوْ الْعَمَلِ يَفْعَلُهُ وَكَذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْمَشْيَخَةِ أَعْنِي فِي تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ دَاخِلُونَ فِيمَا ذُكِرَ .
ثُمَّ الْعَجَبُ كَيْفَ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمَكِيدَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ وَالدَّسِيسَةُ مِنْ اللَّعِينِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إذَا شَرِبَهُ أَوَّلَ مَا تَدِبُّ فِيهِ الْخَمْرَةُ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ فَإِذَا قَوِيَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ حَيَاؤُهُ وَوَقَارُهُ لِمَنْ حَضَرَهُ وَانْكَشَفَ مَا كَانَ يُرِيدُ سَتْرَهُ عَنْ جُلَسَائِهِ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْمُغَنِّي إذَا غَنَّى تَجِدْ مَنْ لَهُ الْهَيْبَةُ وَالْوَقَارُ وَحُسْنُ الْهَيْئَةِ وَالسَّمْتِ وَيَقْتَدِي بِهِ أَهْلُ الْإِشَارَاتِ وَالْعِبَارَاتِ وَالْعُلُومِ وَالْخَيْرَاتِ يَسْكُتُ لَهُ وَيُنْصِتُ فَإِذَا دَبَّ مَعَهُ الطَّرَبُ قَلِيلًا حَرَّكَ رَأْسَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْخَمْرَةِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ .
ثُمَّ إذَا تَمَكَّنَ الطَّرَبُ مِنْهُ ذَهَبَ حَيَاؤُهُ وَوَقَارُهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْخَمْرَةِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ فَيَقُومُ وَيَرْقُصُ وَيُعَيِّطُ وَيُنَادِي وَيَبْكِي وَيَتَبَاكَى وَيَتَخَشَّعُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ جَاءَهُ الْمَدَدُ مِنْهَا وَيُخْرِجُ الرَّغْوَةَ أَيْ الزَّبَدَ مِنْ فِيهِ وَرُبَّمَا مَزَّقَ بَعْضَ ثِيَابِهِ وَعَبِثَ بِلِحْيَتِهِ .
وَهَذَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَمْزِيقَ الثِّيَابِ مِنْ ذَلِكَ
هَذَا وَجْهٌ .
الثَّانِي أَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْعُقَلَاءِ إذْ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْمَجَانِينِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ .
الثَّالِثُ أَنَّهُ أَلْحَقَ نَفْسَهُ بِالْبَهَائِمِ إذْ التَّكْلِيفُ إنَّمَا خُوطِبَ بِهِ الْعُقَلَاءُ .
وَهَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ سُلِبَ عَقْلُهُ وَلَوْ صَدَقَ فِي دَعْوَاهُ لَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مُدَّةً وَلَكِنَّا نَرَاهُ عِنْدَ سُكُوتِ الْمُغَنِّي يَسْكُنُ إذْ ذَاكَ وَيَرْجِعُ إلَى هَيْئَتِهِ وَيَلْبَسُ ثِيَابَهُ وَيَلُومُ الْمُغَنِّيَ عَلَى سُكُوتِهِ وَلَوْمُهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ بَاقٍ مَعَ حُظُوظِ نَفْسِهِ سَامِعٌ لِقَوْلِ الْمُغَنِّي إذْ لَوْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ وَهُوَ عِنْدَ رَبِّهِ كَمَا يَزْعُمُ لَمَا أَحَسَّ بِالْمُغَنِّي وَلَا غَيْرِهِ إنْ تَكَلَّمُوا أَوْ سَكَتُوا .
يَا لَيْتَهُمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ وَلَكِنَّهُمْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ الدَّاءَ الْعُضَالَ وَهُوَ الْكَذِبُ الْمَحْضُ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ عَاقِلٌ وَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَ بِأَشْيَاءَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِهَا فِي سِرِّهِمْ فَإِنْ يَكُنْ مَا قَالُوهُ حَقًّا وَهُوَ أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِمَا ذَكَرُوا فَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَى إلَيْهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى الشَّيْطَانِ إذْ أَنَّ نُفُوسَهُمْ أَغْنَتْ الشَّيْطَانَ عَنْ تَكَلُّفِ أَمْرِهِمْ فَهِيَ تُحَدِّثُهُمْ وَتُسَوِّلُ لَهُمْ فَيَتَحَدَّثُونَ فِي سِرِّهِمْ بِمَا يَخْطُرُ لِنُفُوسِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ خُوطِبْنَا بِكَذَا وَكَذَا .
وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُطْلِعَ عَلَى سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِهِ مَنْ هُوَ مُخَالِفٌ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِكِتَابِهِ وَلِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَنْ ذُكِرَ لَهُ بِالْوِلَايَةِ فَقَصَدَهُ فَرَآهُ يَتَنَخَّمُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يَلْقَاهُ فَانْصَرَفَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَمِينًا عَلَى أَسْرَارِ الْحَقِّ .
وَقَدْ وَعَظَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمًا مَنْ حَضَرَهُ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَاحَ وَمَزَّقَ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ قُلْ لَهُ يُمَزِّقُ لِي عَنْ قَلْبِهِ لَا عَنْ جَيْبِهِ انْتَهَى .
ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ بَلْ ضَمَّ بَعْضُهُمْ إلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْخَطَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُغَنِّي شَابًّا نَظِيفَ الصُّورَةِ حَسَنَ الْكِسْوَةِ وَالْهَيْئَةِ أَوْ أَحَدًا مِنْ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يَتَصَنَّعُونَ فِي رَقْصِهِمْ بَلْ يَخْطُبُونَهُمْ لِلْحُضُورِ فَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ رُبَّمَا عَادُوهُ وَوَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ وَحُضُورِهِ فِتْنَةً كَمَا تَقَدَّمَ سِيَّمَا وَهُمْ يَأْتُونَ إلَى ذَلِكَ شَبَهَ الْعَرُوسِ الَّتِي تَجَلَّى لَكِنَّ الْعَرُوسَ أَقَلُّ فِتْنَةً لِأَنَّهَا سَاكِنَةٌ حَيِيَّةٌ وَهَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ الْعَنْبَرُ وَالطِّيبُ يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ بَيْنَ أَثْوَابِهِمْ وَيَتَكَسَّرُونَ مَعَ ذَلِكَ فِي مَشْيِهِمْ إذْ ذَاكَ وَكَلَامِهِمْ وَرَقْصِهِمْ وَيَتَعَانَقُونَ فَتَأْخُذُهُمْ إذْ ذَاكَ أَحْوَالُ النُّفُوسِ الرَّدِيئَةِ مِنْ الْعِشْقِ وَالِاشْتِيَاقِ إلَى التَّمَتُّعِ بِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ الشُّبَّانِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْهُمْ الشَّيْطَانُ وَتَقْوَى عَلَيْهِمْ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَيَنْسَدُّ عَلَيْهِمْ بَابُ الْخَيْرِ سَدًّا .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ لَأَنْ أُؤْتَمَنَ عَلَى سَبْعِينَ عَذْرَاءَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤْتَمَنَ عَلَى شَابٍّ .
وَقَوْلُهُ هَذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ الْعَذْرَاءَ تَمْتَنِعُ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ ابْتِدَاءً مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا بِخِلَافِ الشَّابِّ .
لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّظْرَةَ الْأُولَى سُمٌّ وَالشَّابُّ لَا يَتَنَقَّبُ وَلَا يَخْتَفِي بِخِلَافِ الْعَذْرَاءِ .
وَالشَّيْطَانُ مِنْ دَأْبِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ كُبْرَى أَجْلَبَ عَلَيْهَا بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ وَبِعَمَلِ الْحِيَلِ الْكَثِيرَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ خَاطِرُ النَّاظِرِ بِالْعَذْرَاءِ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهَا بِإِذْنِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ الشَّابِّ .
هَذَا فِي حُضُورِ الشَّابِّ لَيْسَ إلَّا .
فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُغَنِّيًا حَسَنَ الصَّوْتِ وَالصُّورَةِ وَيَنْشُدُ التَّغَزُّلَ وَيَتَكَسَّرُ فِي صَوْتِهِ وَحَرَكَاتِهِ فَيُفْتَنُ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ مِنْ الرِّجَالِ .
وَبَعْضُ النِّسْوَةِ يُعَايِنُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ
نَظَرِهِنَّ مِنْ السُّطُوحِ وَالطَّاقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
فَيَرَيْنَهُ وَيَسْمَعْنَهُ وَهُنَّ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَقَلُّ عُقُولًا فَتَقَعُ الْفِتْنَةُ فِي الْفَرِيقَيْنِ .
وَمَنْ لَهُ عَقْلٌ أَوْ لَدَيْهِ بَعْضُ عِلْمٍ أَوْ هُمَا مَعًا وَلَهُ غَيْرَةٌ إسْلَامِيَّةٌ كَيْفَ يَهُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَصِفَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ الشُّبَّانِ لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِبَعْضِ أَهْلِهِ .
فَإِنَّ سَمَاعَ مِثْلِ ذَلِكَ لَهُنَّ يُهَيِّجُ قُلُوبَهُنَّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِقَّتِهِنَّ وَقِلَّةِ عُقُولِهِنَّ مِنْ الْمَيْلِ إلَى رُؤْيَةِ ذَلِكَ .
فَكَيْفَ يَتَسَبَّبُ فِي حُضُورِهِنَّ حَتَّى يُعَايِنَّ مَا يَفْتِنُهُنَّ وَيُغَيِّرُهُنَّ عَنْ وُدِّهِ .
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى قَطْعِ الْمَوَدَّةِ وَالْأُلْفَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمَا .
وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إلَى الْفِرَاقِ فَيَفْسُدُ حَالُ الزَّوْجِ وَحَالُ الزَّوْجَةِ جَزَاءً وِفَاقًا ارْتَكَبُوا مَا نُهُوا عَنْهُ فَجَوَّزُوا عَلَيْهِ بِالنَّكِدِ الْعَاجِلِ إذْ أَنَّ الْغَالِبَ إذَا حَصَلَ ذَلِكَ دَخَلَ الْأَقَارِبُ وَالْجِيرَانُ وَالْجَنَادِرَةُ وَالْقَاضِي بَيْنَهُمْ وَتَشَتَّتَتْ أَحْوَالُهُمْ بَعْدَ جَمْعِهِمْ وَصَارُوا فِرَقًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ يَا عُصْبَةً مَا ضَرَّ أُمَّةَ أَحْمَدَ وَسَعَى عَلَى إفْسَادِهَا إلَّا هِيَ طَارٌ وَمِزْمَارٌ وَنَغْمَةُ شَادِنٍ أَرَأَيْت قَطُّ عِبَادَةً بِمَلَاهِي وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ اللُّوطِيَّةُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ طَائِفَةٌ تَتَمَتَّعُ بِالنَّظَرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ لِأَنَّ النَّظْرَةَ إلَى الْأَمْرَدِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ إجْمَاعًا .
بَلْ صَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ .
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ يَتَمَتَّعُونَ بِالْمُلَاعَبَةِ وَالْمُبَاسَطَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَدَا فِعْلِ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى .
وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النَّظَرِ وَالْمُلَاعَبَةِ وَالْمُبَاسَطَةِ وَالْمُعَانَقَةِ أَقَلُّ رُتْبَةً مِنْ فِعْلِ الْفَاحِشَةِ بَلْ الدَّوَامُ عَلَيْهِ يُلْحِقُهُ بِهَا لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَإِذَا دَاوَمَ
عَلَى الصَّغَائِرِ صَارَتْ كَبَائِرَ هَذَا الْكَلَامُ فِيمَنْ دَاوَمَ عَلَى الصَّغَائِرِ وَصَارَتْ بِدَوَامِهِ عَلَيْهَا كَبَائِرَ .
وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ فِعْلُ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى .
فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ اشْتَمَلَ عَلَى مَفَاسِدَ جُمْلَةٍ مِنْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِمَا لَا يَحِلُّ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْقُوتِ لَهُ .
وَيُقَالُ إنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ وَيَغْضَبُ الرَّبُّ تَعَالَى لِثَلَاثَةِ أَعْمَالٍ لِقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَإِتْيَانِ الذَّكَرِ لِلذَّكَرِ .
وَرُكُوبِ الْأُنْثَى الْأُنْثَى .
وَفِي الْخَبَرِ { لَوْ اغْتَسَلَ اللُّوطِيُّ بِالْبِحَارِ لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا التَّوْبَةُ } وَقَدْ قَالَ بَعْضُ صُوفِيَّةُ الشَّامِ نَظَرْت إلَى غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ فَوَقَفْت أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَرَّ بِي ابْنُ الْجَلَاءِ الدِّمَشْقِيُّ وَأَخَذَ بِيَدِي فَاسْتَحَيْتُ مِنْهُ فَقُلْت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ تَعَجَّبْت مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ وَهَذِهِ الصَّنْعَةِ الْمُحْكَمَةِ كَيْفَ خُلِقَتْ لِلنَّارِ فَغَمَزَ يَدِي وَقَالَ لَتَجِدَنَّ عُقُوبَتَهَا بَعْدَ حِينٍ فَعُوقِبْت بِتِلْكَ النَّظْرَةِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً .
وَحَدَّثَنِي بَعْضُ الْأَشْيَاخِ عَنْ مَنْصُورٍ الْفَقِيهِ .
قَالَ رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ السُّكَّرِيِّ فِي النَّوْمِ فَقُلْت لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ .
فَقَالَ أَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْعَرَقِ حَتَّى سَقَطَ لَحْمُ وَجْهِي .
قُلْت وَلِمَ ذَلِكَ .
قَالَ نَظَرْت إلَى غُلَامٍ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِالطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِي إنْكَارِ الْغِنَاءِ وَالسَّمَاعِ مُطْلَقًا مَعَ سَلَامَتِهِ مِمَّا ذُكِرَ .
وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ فَكَيْفَ بِهِ إذَا انْضَافَ إلَيْهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ .
قَالَ الْإِمَامُ السُّهْرَوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا مَعْنَاهُ .
وَلَا شَكَّ أَنَّك لَوْ مَثَّلْت
بَيْنَ عَيْنَيْك جُلُوسَ هَؤُلَاءِ الْمُغَنِّينَ وَتَزَيُّنَهُمْ .
وَهَذِهِ الْآلَاتِ وَهَيْئَتَهَا وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ السَّمَاعُ الْيَوْمَ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَوَجَدْت نَفْسَكَ تُنَزِّهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حُضُورِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ وَرُؤْيَتِهَا فَكَيْفَ يَفْعَلُهَا مَنْ يَنْتَمِي إلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى .
لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ الصَّادِقِينَ شِعَارُهُمْ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ وَهُوَ مَشْيُهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكِ اللَّعِبِ وَالْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ وَالْخُلْطَةِ وَالْجُمُوعِ وَالْقِيلِ وَالْقَالِ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَوْمِ الصَّادِقِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَشْنَعَهَا وَمَا أَقْبَحَهَا وَكَيْفَ تَجُرُّ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ خَالَفُوا السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَفَعَلُوا الْمَوْلِدَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى فِعْلِهِ بَلْ زَادُوا عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَبَاطِيلِ الْمُتَعَدِّدَةِ فَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ شَدَّ يَدَهُ عَلَى امْتِثَالِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى ذَلِكَ وَهِيَ اتِّبَاعُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنَّا إذْ هُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ .
وَكَذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ عَوَائِدِ أَهْلِ الْوَقْتِ وَمِمَّنْ يَفْعَلُ الْعَوَائِدَ الرَّدِيئَةَ وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ مُرَكَّبَةٌ عَلَى فِعْلِ الْمَوْلِدِ إذَا عَمِلَ بِالسَّمَاعِ فَإِنْ خَلَا مِنْهُ وَعَمِلَ طَعَامًا فَقَطْ وَنَوَى بِهِ الْمَوْلِدَ وَدَعَا إلَيْهِ الْإِخْوَانَ وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ بِنَفْسِ نِيَّتِهِ فَقَطْ إذْ أَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ
الْمَاضِينَ وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مِنْ أَنْ يَزِيدَ نِيَّةً مُخَالِفَةً لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمًا لَهُ وَلِسُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُمْ قَدَمُ السَّبْقِ فِي الْمُبَادَرَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ نَوَى الْمَوْلِدَ وَنَحْنُ لَهُمْ تَبَعٌ فَيَسَعُنَا مَا وَسِعَهُمْ .
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ فِي الْمَصَادِرِ وَالْمَوَارِدِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَصِيرَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا } انْتَهَى .
وَقَدْ وَقَعَ مَا قَالَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ فِي طَاعَةٍ وَمَنْ لَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ مُقَصِّرٌ بَخِيلٌ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَقَالَ أَيْضًا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاء كَلَامًا مَنْظُومًا فِي وَصْفِ زَمَانِنَا هَذَا كَأَنَّهُ شَاهَدَهُ ذَهَبَ الرِّجَالُ الْمُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ وَالْمُنْكِرُونَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُنْكَرِ وَبَقِيت فِي خُلْفٍ يُزَكِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَدْفَعَ مُعْوَرٌ عَنْ مُعْوَرِ أَبُنَيَّ إنَّ مِنْ الرِّجَالِ بَهِيمَةً فِي صُورَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ الْمُبْصِرِ فَطِنٍ بِكُلِّ مُصِيبَةٍ فِي مَالِهِ فَإِذَا أُصِيبَ بِدِينِهِ لَمْ يَشْعُرْ فَسَلْ الْفَقِيهَ تَكُنْ فَقِيهًا مِثْلَهُ مَنْ يَسْعَ فِي عِلْمٍ بِلُبٍّ يَظْفَرْ ( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَشْنَعَهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا ابْتَدَعُوا فِعْلَ الْمَوْلِدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَشَوَّفَتْ نُفُوسُ النِّسَاءِ لِفِعْلِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي مَوْلِدِ الرِّجَالِ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمُخَالَفَةِ لِلسَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَكَيْفَ إذَا فَعَلَهُ النِّسَاءُ لَا جَرَمَ أَنَّهُنَّ لَمَّا فَعَلْنَهُ ظَهَرَتْ فِيهِ
عَوْرَاتٌ جُمْلَةٌ وَمَفَاسِدُ عَدِيدَةٌ فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي مَوْلِدِ الرِّجَالِ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ النِّسَاءِ يَنْظُرُ إلَى الرِّجَالِ فَيَقَعُ مَا يَقَعُ مِنْ التَّشْوِيشِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَفِي الْمَوْلِدِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَدْهَى لِأَنَّ بَعْضَ الرِّجَالِ يَتَطَلَّعُ عَلَيْهِنَّ مِنْ بَعْضِ الطَّاقَاتِ وَمِنْ السُّطُوحِ وَرُبَّمَا عَرَفَ الرِّجَالُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَعْضَ النِّسْوَةِ الْحَاضِرَاتِ فَيَقُولُونَ هَذِهِ زَوْجَةُ فُلَانٍ وَهَذِهِ بِنْتُ فُلَانٍ وَرُبَّمَا تَعَلَّقَتْ نُفُوسُ بَعْضِ الرِّجَالِ بِبَعْضِ مَنْ يَرَوْنَ .
وَكَذَلِكَ بَعْضُ النِّسْوَةِ رُبَّمَا تَعَلَّقَ خَاطِرُهَا بِمَنْ رَأَتْهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ وَالشُّبَّانِ .
فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى وُقُوعِ الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى وَالْمَفْسَدَةِ الْعُظْمَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْلِدِ الرِّجَالِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُنَّ اقْتَدَيْنَ بِالرِّجَالِ فِي الذِّكْرِ جَمَاعَةً بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ كَمَا يَفْعَلُ الرِّجَالُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِأَدِلَّتِهِ سِيَّمَا وَأَصْوَاتُ النِّسَاءِ فِيهَا مِنْ التَّرْخِيمِ وَالنَّدَاوَةِ مَا هُوَ فِتْنَةٌ فِي الْغَالِبِ فِي الْوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ فَكَيْفَ بِالْجَمَاعَةِ فَتَكْثُرُ الْفِتْنَةُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَسْمَعُهُنَّ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الشُّبَّانِ وَأَصْوَاتُهُنَّ عَوْرَةٌ فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ الَّذِي يُعْمَلُ فِيهِ الْمَوْلِدُ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى السُّوقِ زَادَتْ الْفِتْنَةُ وَعَمَّتْ الْبَلْوَى لِكَثْرَةِ مَنْ يَسْمَعُ أَوْ يَرَى ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ تَصْفِيقَهُنَّ بِالْأَكُفِّ فِيهِ فِتْنَةٌ وَزِيَادَةٌ فِي إظْهَارِ الْعَوْرَاتِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا فِي الْمَرْأَةِ إذَا نَابَهَا شَيْءٌ فِي صَلَاتِهَا وَاضْطُرَّتْ إلَى التَّصْفِيقِ أَنَّهَا تُصَفِّقُ بِبَعْضِ أَصَابِعِهَا عَلَى ظَهْرِ يَدِهَا وَمَا ذَاكَ إلَّا خِيفَةَ صَوْتِ بَاطِنِ كَفَّيْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّ بَعْضَهُنَّ يَرْقُصْنَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي رَقْصِ الشُّبَّانِ وَالرِّجَالِ مِنْ الْعَوْرَاتِ وَالْمَفَاسِدِ وَفِي رَقْصِهِنَّ أَكْثَرُ وَأَشْنَعُ .
وَلِذَلِكَ أُمِرْنَ بِالسِّتْرِ أَكْثَرَ مِنْ الرِّجَالِ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } وَقَدْ عُلِمَ مِنْ أَحْوَالِ النِّسْوَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فِي الْغَالِبِ حَتَّى تَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهَا وَتَتَطَيَّبُ وَتَتَزَيَّنُ ثُمَّ تُفْرِغُ عَلَيْهَا مِنْ الْحُلِيِّ مَا تَجِدُ السَّبِيلَ إلَيْهِ فَإِذَا رَقَصَتْ وَهِيَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ زَادَتْ خَشْخَشَةُ الْحُلِيِّ فَقَدْ تُسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ فَتَزِيدُ الْفِتْنَةُ بِحَسَبِ ذَلِكَ إذْ لَا يَخْلُو أَمْرُهُنَّ فِي الْغَالِبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الرِّجَالِ يَسْتَمِعُونَ وَبَعْضُهُمْ يَنْظُرُونَ فَتَكْثُرُ الْفِتَنُ وَتَفْسُدُ الْقُلُوبُ وَتَتَشَوَّشُ .
فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَطَرَأَ عَلَيْهِ سَمَاعُ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ رُؤْيَتُهُ تَشَوَّشَ مِنْ ذَلِكَ إذْ أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ بَاطِنُهُ مِنْ الْفِتْنَةِ الْمَعْهُودَةِ لَوَقَعَ لَهُ التَّشْوِيشُ مِنْ جِهَةِ مَا يَرَى أَوْ يَسْمَعُ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ فَإِنْ كَانَ التَّشْوِيشُ الْوَاقِعُ فِي بَاطِنِهِ مِنْ جِهَةِ مَا يَجِدُهُ الْبَشَرُ غَالِبًا فَقَدْ يُؤَوَّلُ ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ يَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ تَعَبُّدِهِ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَخَافُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الْعُقُوبَةِ إمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا لِأَجْلِ فَسَادِ حَالِهِ مَعَ رَبِّهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَخُرُوجُهَا لِلْمَوْلِدِ لَيْسَ لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ بَلْ لِلْبِدَعِ وَالْمَنَاكِيرِ وَالْمُحَرَّمَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
ثُمَّ إنَّهُنَّ لَا يَجْتَمِعْنَ لِلْمَوْلِدِ الَّذِي احْتَوَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا بِحُضُورِ مَنْ يَزْعُمْنَ أَنَّهَا شَيْخَةٌ
عَلَى عُرْفِهِنَّ وَقَدْ تَكُونُ وَهُوَ الْغَالِبُ مِمَّنْ تُدْخِلُ نَفْسَهَا فِي التَّفْسِيرِ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتُفَسِّرُ وَتَحْكِي قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وَتَزِيدُ وَتُنْقِصُ وَرُبَّمَا وَقَعَتْ فِي الْكُفْرِ الصَّرِيحِ وَهِيَ لَا تَشْعُرُ بِنَفْسِهَا وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَرُدُّهَا وَيُرْشِدُهَا .
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهَا فِي بَيْتِ شَيْخٍ مِنْ الشُّيُوخِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي الْوَقْتِ وَلَا غَيَّرَ عَلَيْهَا أَحَدٌ بَلْ أَكْرَمُوهَا وَأَعْطَوْهَا .
وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْجُلُوسَ إلَى الْقُصَّاصِ مِنْ الرِّجَالِ أَعْنِي الْوُعَّاظَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ كَانُوا يَرَوْنَ الْقِصَصَ بِدْعَةً وَيَقُولُونَ لَمْ يُقَصُّ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَتَّى ظَهَرَتْ الْفِتْنَةُ فَلَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ ظَهَرَ الْقُصَّاصُ .
وَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى مَجْلِسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ قَاصًّا يَقُصُّ فَوَجَّهَ إلَى صَاحِبَ الشُّرْطَةِ أَنْ أَخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَخْرَجَهُ فَلَوْ كَانَتْ الْقِصَصُ مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْقُصَّاصُ عُلَمَاءَ لَمَا أَخْرَجَهُمْ ابْنُ عُمَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ هَذَا مَعَ وَرَعِهِ وَزُهْدِهِ .
وَرَوَى أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ الْقَصَصُ بِدْعَةٌ .
وَرَوَيْنَا عَنْ عَوْنِ بْنِ مُوسَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ سَأَلْت الْحَسَنَ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قُلْت أَعُودُ مَرِيضًا أَحَبُّ إلَيْكَ أَوْ أَجْلِسُ إلَى قَاصٍّ قَالَ عُدْ مَرِيضَكَ قُلْت أُشَيِّعُ جِنَازَةً أَحَبُّ إلَيْك أَوْ أَجْلِسُ إلَى قَاصٍّ قَالَ شَيِّعْ جِنَازَتَكَ قُلْت إنْ اسْتَعَانَ بِي رَجُلٌ فِي حَاجَتِهِ أُعِينُهُ أَوْ أَجْلِسُ إلَى قَاصٍّ قَالَ اذْهَبْ فِي حَاجَتِك .
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ
الْمَسْجِدِ وَقَالَ مَا أَخْرَجَنِي مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا الْقَاصُّ وَلَوْلَاهُ مَا خَرَجْت .
وَقَالَ ضَمْرَةُ قُلْت لِلثَّوْرِيِّ نَسْتَقْبِلُ الْقَاصَّ بِوُجُوهِنَا فَقَالَ وَلُّوا الْبِدَعَ ظُهُورَكُمْ .
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ دَخَلْت عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَ مَا كَانَ الْيَوْمَ مِنْ خَبَرٍ فَقُلْت نَهَى الْأَمِيرُ الْقُصَّاصَ أَنْ يَقُصُّوا .
وَقَدْ قَسَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامِ فَوَصَفَهُمْ بِأَمَاكِنِهِمْ فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ ثَلَاثَةٌ أَصْحَابُ الْكَرَاسِيِّ وَهُمْ الْقُصَّاصُ وَأَصْحَابُ الْأَسَاطِينِ وَهُمْ الْمَفْتُون وَأَصْحَابُ الزَّوَايَا وَهُمْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ انْتَهَى .
وَقَدْ مَنَعَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ مَنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي جَامِعِ الْبَصْرَةِ حِينَ مَشَى عَلَيْهِمْ وَسَمِعَ كَلَامَهُمْ مَا خَلَا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ لَمَّا أَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَسَأَلَهُ فَأَجَابَهُ بِمَا يَنْبَغِي أَبْقَاهُ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ مِثْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ لَمْ يَتْرُكْهُ حَتَّى امْتَحَنَهُ فَكَيْفَ الْحَالُ فِي زَمَانِنَا هَذَا .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَقَامَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ وَأَدْيَنُ وَأَوْرَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ زَمَانِنَا هَذَا وَصُلَحَائِهِمْ إذْ أَنَّهُمْ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِذَلِكَ وَنَحْنُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ فِيهِمْ بِضِدِّ حَالِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ بَعْضِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ وَصِفَةُ مَا يُفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَسَبَبُ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ الْقِصَّةَ عَلَى مَا نُقِلَ فِيهَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْحِكَايَاتِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ أَنْ تُنْسَبَ لِمَنْصِبِ مَنْ نُسِبَتْ إلَيْهِ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ مَنْ قَالَ عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي غَيْرِ التِّلَاوَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُ عَصَى أَوْ خَالَفَ فَقَدْ كَفَرَ نَعُوذُ
بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَكَثِيرٌ مِنْ الرِّجَالِ مِمَّنْ يُطَالِعُ الْكُتُبَ وَيَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الْمُخَاصَمَةِ فَكَيْفَ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي هِيَ مُعْوَجَّةٌ أَصْلًا وَفَرْعًا ثُمَّ إنَّهَا مَعَ اعْوِجَاجِهَا قَلِيلَةُ الْمُطَالَعَةِ وَإِنْ طَالَعَتْ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَسْتَوِي عِنْدَهَا الصَّحِيحُ وَالسَّقِيمُ وَالْغَالِبُ فِي الْقَصَصِ وَالْحِكَايَاتِ الضَّعْفُ وَالْكَذِبُ فَتَنْقُلُهُ إنْ كَانَتْ ثِقَةً عَلَى مَا رَأَتْهُ فَيَقَعُ الْخَطَأُ فَكَيْفَ بِهَا إذَا حَرَّفَتْهُ فَزَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ فِيهِ فَتَضِلَّ وَتُضِلَّ فَيَدْخُلْنَ النِّسْوَةُ فِي الْغَالِبِ وَهُنَّ مُؤْمِنَاتٌ فَيَخْرُجْنَ وَهُنَّ مُفْتَتَنَاتٌ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْ فُرُوعِ الدِّينِ .
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْد اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ } الْآيَةَ فِي سُورَةِ طَه قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَّا الْيَوْمَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْ آدَمَ إلَّا إذَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ قَوْله تَعَالَى عَنْهُ أَوْ قَوْلِ نَبِيِّهِ فَأَمَّا أَنْ نَبْتَدِئَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِنَا فَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَنَا فِي آبَائِنَا الْأَدْنَيْنَ إلَيْنَا الْمُمَاثِلِينَ لَنَا فَكَيْفَ بِأَبِينَا الْأَقْدَمِ الْأَعْظَمِ الْأَكْبَرِ لِلنَّبِيِّ الْمُقَدَّمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ انْتَهَى .
ثُمَّ الْعَجَبُ الْعَجِيبُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ الْمَوْلِدَ بِالْمَغَانِي وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَجْلِ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ انْتَقَلَ إلَى كَرَامَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفُجِعَتْ الْأُمَّةُ فِيهِ وَأُصِيبَتْ بِمُصَابٍ عَظِيمٍ لَا يَعْدِلُ ذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْمَصَائِبِ أَبَدًا فَعَلَى هَذَا كَانَ يَتَعَيَّنُ
الْبُكَاءُ وَالْحُزْنُ الْكَثِيرُ وَانْفِرَادُ كُلِّ إنْسَانٍ بِنَفْسِهِ لِمَا أُصِيبَ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمْ الْمُصِيبَةُ بِي } انْتَهَى فَلَمَّا ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُصِيبَةَ بِهِ ذَهَبَتْ كُلُّ الْمَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُ الْمَرْءَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَبَقِيَتْ لَا خَطَرَ لَهَا .
وَلَقَدْ أَحْسَنَ حَسَّانُ حِينَ رَثَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ كُنْتَ السَّوَادَ لِنَاظِرِي فَعَمَى عَلَيْكَ النَّاظِرُ مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ فَانْظُرْ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَيْفَ يَلْعَبُونَ فِيهِ وَيَرْقُصُونَ وَلَا يَبْكُونَ وَلَا يَحْزَنُونَ وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَالِ لِأَجْلِ اقْتِرَافِ الذُّنُوبِ وَالْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ مِنْ أَجْلِ فَقْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ذَلِكَ مُذْهِبًا لِلذُّنُوبِ وَمُمْحِيًا لِآثَارِهَا مَعَ أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَالْتَزَمُوهُ لَكَانَ أَيْضًا بِدْعَةً وَإِنْ كَانَ الْحُزْنُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ دَائِمًا لَكِنْ لَا يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ لِذَلِكَ وَالتَّبَاكِي وَإِظْهَارِ التَّحَزُّنِ بَلْ ذَلِكَ أَعْنِي الْحُزْنَ فِي الْقُلُوبِ فَإِنْ دَمَعَتْ الْعَيْنُ فَيَا حَبَّذَا وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ إذَا كَانَ الْقَلْبُ عَامِرًا بِالْحُزْنِ وَالتَّأَسُّفِ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الذِّكْرُ لِهَذَا الْفَصْلِ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا الطَّرَبَ الَّذِي لِلنُّفُوسِ فِيهِ رَاحَةٌ وَهُوَ اللَّعِبُ وَالرَّقْصُ وَالدُّفُّ وَالشَّبَّابَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ الْبُكَاءِ وَالْحُزْنِ إذْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْسِ فِيهِ رَاحَةٌ بَلْ الْكَمَدُ وَحَبْسُ النُّفُوسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا وَمَلَاذِّهَا .
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ أَنَا أَعْمَلُ الْمَوْلِدَ لِلْفَرَحِ وَالسُّرُورِ لِوِلَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَعْمَلُ يَوْمًا آخَرَ لِلْمَأْتَمِ وَالْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ طَعَامًا بِنِيَّةِ الْمَوْلِدِ لَيْسَ إلَّا وَجَمَعَ لَهُ الْإِخْوَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ .
هَذَا وَهُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ ظَاهِرُهُ الْبِرُّ وَالتَّقَرُّبُ لَيْسَ إلَّا فَكَيْفَ بِهَذَا الَّذِي جَمَعَ بِدَعًا جُمْلَةً فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ .
فَكَيْفَ إذَا كَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لِلْفَرَحِ وَمَرَّةً لِلْحُزْنِ فَتَزِيدُ الْبِدَعُ وَيَكْثُرُ اللَّوْمُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كَيْفَ زَادَتْ عَلَى مَا فِي مَوْلِدِ الرِّجَالِ فَتَعَدَّتْ فِتْنَةُ الرِّجَالِ إلَى النِّسَاءِ ثُمَّ تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ آلَ أَمْرُهُمْ إلَى الْخُرُوجِ إلَى الْمَقَابِرِ وَهَتْكِ الْحَرِيمِ هُنَاكَ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالشُّبَّانِ مُخْتَلَطِينَ عَلَى الْوَاعِظِ أَوْ الْوَاعِظَةِ وَتُنْصَبُ لَهُمْ الْمَنَابِرُ وَيَصْعَدُونَ عَلَيْهَا يَعِظُونَ وَيَزِيدُونَ وَيَنْقُصُونَ وَيَتَمَايَلُونَ كَمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ أَفْعَالِ الْوُعَّاظِ وَزَعَقَاتِهِمْ بِتِلْكَ الطُّرُقِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ وَالْهُنُوكُ الْمَذْمُومَةُ شَرْعًا الَّتِي لَا تَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ أَعْجَبَهُمْ شَأْنُهُمْ وَيَتَمَايَلُونَ مَعَ كُلِّ صَوْتٍ وَيَرْجِعُونَ بِحَسَبِ حَالِ ذَلِكَ الصَّوْتِ مَعَ التَّكْسِيرِ وَالضَّرْبِ بِأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْكُرْسِيِّ وَإِظْهَارِ التَّحَزُّنِ وَالْبُكَاءِ وَهُوَ خَالٍ مِنْ الْبُكَاءِ وَالْخَشْيَةِ وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَرِيٍّ عَنْ التَّوْفِيقِ فِيهِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ { إذَا اسْتَكْمَلَ نِفَاقُ الْمَرْءِ كَانَتْ عَيْنَاهُ بِحُكْمِ يَدِهِ يُرْسِلُهُمَا مَتَى شَاءَ } انْتَهَى وَهَذَا نُشَاهِدُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَتَجِدُ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْمَكَّاسِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الظَّلَمَةِ تُذَكِّرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَوَاعِظِ أَوْ التَّخْوِيفِ فَيُرْسِلُونَ دُمُوعَهُمْ إذْ ذَاكَ وَيَتَخَشَّعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ ثُمَّ يَبْقَوْنَ عَلَى حَالِهِمْ لَا يُقْلِعُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَفِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْقُبُورِ مِنْ الْكَشَفَةِ مَا قَدْ تَقَدَّمَ وَإِنَّ النِّسَاءَ كَأَنَّهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ لَا يَحْتَجِبْنَ فَكَأَنَّ الرِّجَالَ فِي الْقُبُورِ صَارُوا نِسَاءً فَإِذَا دَخَلُوا الْبَلَدَ رَجَعُوا رِجَالًا يُسْتَحْيَا مِنْهُمْ فِيهَا ( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى نِكَايَةِ هَذَا الْعَدُوِّ اللَّعِينِ بَلْ بَعْضُهُمْ لَا يَفْتَقِرُ إلَى
وَسْوَسَتِهِ إذْ أَنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَقَدْ قَرَّرُوا وَأَصَّلُوا أَنَّ كُلَّ زَمَانٍ فَاضِلٍ يَشْغَلُونَهُ فِي الْغَالِبِ بِارْتِكَابِ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ أَلَا تَرَى أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ إلَى الْقُبُورِ فِيهِ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِ مِمَّا يَعُمُّ وُجُودُهُ مِنْهُنَّ غَالِبًا وَلَا يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الشَّرِيفَةِ كَلَيَالِي الْجُمَعِ سِيَّمَا الْمُقْمِرَةُ مِنْهَا فَإِنَّ الْفِتْنَةَ فِيهَا تَكْثُرُ فَعَامَلُوهَا بِالنَّقِيضِ عَلَى عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ إذْ أَنَّ اللَّيَالِيَ الْمُقْمِرَةَ هِيَ لَيَالِي الْأَيَّامِ الْبِيضِ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ اللَّيَالِيِ الْمَعْلُومِ فَضْلُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى فَإِنْ اجْتَمَعَ إلَى الْأَيَّامِ الْبِيضِ وَلَيَالِيِهَا شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَشْهُرِ أَوْ الْأَيَّامِ أَوْ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ فَتَزِيدُ الْفَضَائِلُ إلَى فَضَائِلَ أُخَرَ فَتَتَأَكَّدُ الْحُرْمَةُ وَيَقَعُ تَعْظِيمُ الثَّوَابِ وَالْخَيْرَاتِ لِمَنْ قَامَ بِحُرْمَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ .
فَلَمَّا أَنْ زَادَتْ هَذِهِ الْفَضَائِلُ قَابَلْنَهَا بِضِدِّ مَا يُرَادُ مِنْهُنَّ عَلَى عَوَائِدِهِنَّ الذَّمِيمَةِ وَإِنْ كُنَّ لَمْ يَقْصِدْنَ ذَلِكَ لَكِنَّ الْوَاقِعَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ بِالنَّقِيضِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ فَيَنْهَتِكْنَ فِي الْغَالِبِ فِي الْجُمُعَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَوْمِ الْخَمِيسِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْقُبُورِ وَالْجُمُعَةِ فِي إقَامَتِهِنَّ فِيهَا وَالسَّبْتِ فِي رُجُوعِهِنَّ إلَى بُيُوتِهِنَّ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ وَكَذَلِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَالْعِيدَيْنِ وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَكِنْ زَادَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِسَبَبِ الْوُقُودِ فِي الزَّاوِيَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْكَثِيرَةِ بِسَبَبِ الْوَقُودِ فِيهَا وَفِي الْقُبُورِ أَشْنَعُ إذْ فِيهِ تَفَاؤُلٌ لِمَنْ هُنَاكَ مِنْ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ .
وَقَدْ نَهَى
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِنَارٍ فَكَيْفَ يُفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى قَبْرِهِ وَأَعْظَمُ فِتْنَةٍ فِيهَا اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ وَالشُّبَّانِ وَالرِّجَالِ مُخْتَلَطِينَ وَاجْتِمَاعُهُمْ فِتْنَةٌ حَيْثُ وُجِدُوا لَكِنْ فِي الْقُبُورِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ ( فَصْلٌ ) ثُمَّ إنَّهُمْ ضَمُّوا لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِزِيَارَةِ السَّيِّدِ الْحُسَيْنِ وَحُضُورِ بَعْضِهِنَّ سُوقَ الْقَاهِرَةِ لِمَا يَقْصِدْنَ فِيهِ مِنْ الْأَغْرَاضِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا .
وَجَعَلْنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِزِيَارَةِ السِّتِّ نَفِيسَةَ أَوْ حُضُورِ سُوقِ مِصْرَ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِنَّ عَلَى مَا يَزْعُمْنَ .
وَيَوْمَ الْأَحَدِ لِحُضُورِ سُوقِ مِصْرَ أَيْضًا فَلَمْ يَتْرُكْنَ الْإِقَامَةَ فِي الْغَالِبِ إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا وَهُوَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ إنْ سَلِمْنَ فِيهِ مِنْ الزِّيَارَةِ لِمَنْ يَخْتَرْنَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَأَيْنَ الضَّرُورَةُ الشَّرْعِيَّةُ .
وَلَوْ حُكِيَ هَذَا عَنْ الرِّجَالِ لَكَانَ فِيهِ شَنَاعَةٌ وَقُبْحٌ فَكَيْفَ بِهِ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ فَإِنَّهَا لَا تَأْتِي إلَّا بِالشَّرِّ .
وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ قَدْ وَقَعَتْ بِهَدْمِ بُنْيَانِ الْبُيُوتِ الَّتِي فِي الْقُبُورِ عَلَى مَا سَبَقَ فَلَوْ امْتَثَلْنَا أَمْرَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ لَانْسَدَّتْ هَذِهِ الْمَثَالِمُ كُلُّهَا وَكُفِيَ النَّاسُ أَمْرَهَا فَبِسَبَبِ مَا هُنَاكَ مِنْ الْبُنْيَانِ وَالْمَسَاكِنِ وَجَدَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ السَّبِيلَ إلَى حُصُولِ أَغْرَاضِهِ الْخَسِيسَةِ وَمُخَالَفَةِ الشَّرْعِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا قَدْ قِيلَ مِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ فَإِذَا هَمَّ الْإِنْسَانُ بِالْمَعْصِيَةِ وَأَرَادَهَا وَعَمِلَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَفْعَلُهَا أَوْ وَجَدَهُ وَلَكِنْ لَا يَجِدُ مَكَانًا لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعِصْمَةِ .
فَكَانَ الْبُنْيَانُ فِي الْقُبُورِ فِيهِ مَفَاسِدُ .
مِنْهَا هَتْكُ الْحَرِيمِ بِخُرُوجِهِنَّ إلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَيَجِدْنَ أَيْنَ يُقِمْنَ أَغْرَاضَهُنَّ هَذَا وَجْهٌ .
الثَّانِي تَيْسِيرُ الْأَمَاكِنِ لِاجْتِمَاعِ الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ فَتَيْسِيرُ الْمَسَاكِنِ هُنَاكَ سَبَبٌ وَتَسْهِيلٌ لِوُقُوعِ الْمَعَاصِي هُنَاكَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَبْنِي الْبَيْتَ مُجَاوِرًا لِلتُّرْبَةِ الَّتِي تَكُونُ لَهُ ثُمَّ يَمُوتُ هُوَ وَأَهْلُهُ وَمَعَارِفُهُ وَتَنْقَطِعُ آثَارُهُمْ وَتَبْقَى الدِّيَارُ خَالِيَةً فَيَجِدُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ السَّبِيلَ إلَى مُرَادِهِ وَقَدْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ حَيَاةِ صَاحِبِهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ .
وَقَدْ يَنْقَلِعُ بَابُهَا فَتَبْقَى مَأْوَى لِلْفَسَقَةِ وَاللُّصُوصِ .
الثَّالِثُ : وَهُوَ أَكْبَرُ وَأَشْنَعُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَقْفٌ عَلَيْهِ مَا دَامَ مِنْهُ شَيْءٌ مَا مَوْجُودًا فِيهِ حَتَّى يَفْنَى فَإِذَا فَنِيَ حِينَئِذٍ يُدْفَنُ غَيْرُهُ فِيهِ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مَا مِنْ عِظَامِهِ
فَالْحُرْمَةُ قَائِمَةٌ كَجَمِيعِهِ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْفَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَا يُكْشَفَ عَنْهُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قَدْ غُصِبَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَلْحَدَ مَيِّتًا وَأُهِيلَ عَلَيْهِ بَعْضُ التُّرَابِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ يَاقُوتَةً وَقَعَتْ فِي الْقَبْرِ لَهَا قِيمَةٌ أَوْ نَفَقَةٌ كَثِيرَةٌ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُزَالَ مَا أُهِيلَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ لِأَخْذِ مَا وَقَعَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِ فَلَا يَجُوزُ الْكَشْفُ بَعْدَ إهَالَةِ شَيْءٍ مِنْ التُّرَابِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْكَشْفِ عَنْهُ خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ حَالُ الْمَيِّتِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَمَنَعُوا ذَلِكَ مِنْ بَابِ السَّتْرِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } فَالسَّتْرُ فِي الْحَيَاةِ سَتْرُ الْعَوْرَاتِ وَفِي الْمَمَاتِ سَتْرُ جِيَفِ الْأَجْسَادِ وَتَغَيُّرِ أَحْوَالِهَا فَكَانَ الْبُنْيَانُ فِي الْقُبُورِ سَبَبًا إلَى خَرْقِ هَذَا الْإِجْمَاعِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فِي حَفْرِ قُبُورِهِمْ وَالْكَشْفِ عَنْهُمْ بَلْ يَأْخُذُونَ مَا وَجَدُوا مِنْ الْأَمْوَاتِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ مِنْ قِدَمٍ أَوْ طَرَاوَةٍ فِي الْقِفَافِ فَيَرْمُونَ ذَلِكَ فِي الْمَزَابِلِ أَوْ يَدْفِنُونَهُ بَعْضَ دَفْنٍ وَالْغَالِبُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ فَيَعْمَلُونَ فِي مَوَاضِعِ الْقُبُورِ الْبُيُوتَ الْعَالِيَةَ وَالْمَرَاحِيضَ وَالسَّرَابَاتِ وَيَنْقُلُونَ الْمَوْتَى وَفِيهِمْ الْعُلَمَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْأَشْرَافُ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ كَانَ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا بِمِصْرَ فَيَعْمَلُونَ فِي مَوَاضِعِهِمْ السَّرَابَاتِ الَّتِي لِلْمَرَاحِيضِ فَتَعُمُّ الْأَذِيَّةُ لِمَنْ نُقِلَ
مِنْ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ لَمْ يُنْقَلْ لِقُوَّةِ سَرَيَانِ النَّجَاسَةِ الْمُنْبَعِثَةِ إلَيْهِمْ فِي قُبُورِهِمْ .
وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ لَا شَوْكَةَ لَهُ وَيَسْكُتُ لَهُ لِلْعَادَةِ الذَّمِيمَةِ الْجَارِيَةِ فِيهِمْ وَبَيْنَهُمْ .
وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ عِيَانًا حَفَرَ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ لَا شَوْكَةَ لَهُ مَوْضِعَ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ فَرَأَيْت الْفَعَلَةَ وَهُمْ يَنْقُلُونَ عِظَامَ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ فَيَرْمُونَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَتَّى بَنَى دَارًا عَظِيمَةً عَلَى زَعْمِهِمْ وَحَمَّامًا وَإِصْطَبْلًا وَبِئْرًا وَحَوْضًا لِلسَّبِيلِ عَلَى زَعْمِهِ بَلْ ارْتَكَبَ بَعْضُ مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ أَمْرًا عَظِيمًا هُوَ أَشَدُّ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَنْ يُبَاشِرُ نَبْشَ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُبُورِهِمْ الْأُسَارَى مِنْ كُفَّارِ الْإِفْرِنْجِ وَغَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُونَ عِظَامَ الْمَوْتَى فِي الْقُفَفِ بَعْدَ حَفْرِهِمْ عَلَيْهِمْ أَذِيَّةً وَنِكَايَةً وَحَسِيفَةً فَيَكْسِرُونَ الْعِظَامَ وَيَخْرِقُونَ حُرْمَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كَسْرُ عَظْمِ الْمُسْلِمِ مَيِّتًا كَكَسْرِهِ حَيًّا } انْتَهَى ثُمَّ إذَا أَخْرَجُوا الْعِظَامَ فِي الْقُفَفِ لِيَرْمُوهَا يَتَضَاحَكُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَقَدْ يُنَادِي بَعْضُ الْأُسَارَى عَلَى الْقُفَّةِ الَّتِي مَعَهُ فِيهَا عِظَامُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ كَأَنَّهُ يَبِيعُ شَيْئًا يَقُولُ قُفَّةٌ بِرُبْعٍ قُفَّةٌ بِأَرْبَعِ فُلُوسٍ قُفَّةٌ بِفَلْسَيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اسْتِهْزَائِهِمْ .
وَكَيْفَ لَا وَهُمْ أَعْدَاءُ الدِّينِ وَقَدْ وَجَدُوا السَّبِيلَ إلَى الْجِهَادِ عَلَى زَعْمِهِمْ فَانْتَهَكُوا ذَلِكَ وَطَابَتْ خَوَاطِرُهُمْ بِمَا نَالُوا مِنْهُ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ مَا أَعْظَمَ قُبْحَهَا وَمَا أَشْنَعَهَا وَارْتِكَابِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ فِيهَا كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ تَسَامُحُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْوَقْتِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْبُنْيَانِ فِي الْقُبُورِ وَوَقَعَ ذَلِكَ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ بَلْ بَعْضِ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى وَغَيْرِ ذَلِكَ
مِنْ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ وَالْوُصُولِ إلَى أَرْبَابِ الْأُمُورِ تَجِدْ لَهُمْ فِيهَا مَوَاضِعَ عَالِيَةً عَظِيمَةً عِنْدَهُمْ وَتَشَبَّهُوا فِي ذَلِكَ بِمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بَلْ يَقِفُ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى عَلَى تُرَبِهِمْ الْأَوْقَافَ عَلَى الْقُرَّاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالذَّاكِرِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ حَالِهِمْ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ تِلْكَ الطُّرُقِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَقِفُونَ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالْبَوَّابِ وَالْقَيِّمِ وَالْمُؤَذِّنِ وَعَلَى الزَّيْتِ لِوَقُودِ الْمَكَانِ وَيُمْنَعُ الْوُقُودُ هُنَاكَ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : مُخَالَفَةُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ .
وَالثَّانِي : مَا فِيهِ مِنْ التَّفَاؤُلِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِنَارٍ فَكَيْفَ بِهِ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى قَبْرِهِ .
وَالثَّالِثُ : إضَاعَةُ الْمَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَالْعَجَبُ الْعَجِيبُ مِنْ كَوْنِهِمْ يُفْتُونَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْبَشَ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ وَلَا أَنْ يُتَسَبَّبَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَرَاحِيضِ وَالْفَسَاقِي الْمَمْلُوءَةِ بِالْمَاءِ لِلِاسْتِعْمَالِ ثُمَّ يَقِفُونَ عَلَى ذَلِكَ وَقْفًا فَيَكُونُ الْوَقْفُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَنْ يَبُولُ عَلَيْهِمْ وَيُنَجِّسُهُمْ فَتَجِدُ أَكْثَرَ دُورِهِمْ أَكْثَرَ تَنْجِيسًا لِزِيَادَةِ الِاجْتِمَاعِ عِنْدَهُ مِنْ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَقَوْمَةِ الْمَكَانِ وَمَنْ كَانَ يَأْتِي إلَيْهِمْ وَإِلَى زِيَارَتِهِمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
فَإِذَا عُلِمَ مَا ذُكِرَ وَتَحَقَّقَ بِمُشَاهَدَتِهِ عِيَانًا بَطَلَ إذْ ذَاكَ الْوَقْفُ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً فِي نَفْسِهِ ، وَهَذَا كَمَا تَرَاهُ مُنَافٍ لِلْقُرْبَةِ قَطْعًا فَأَيْنَ الْقُرْبَةُ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ بَلْ يَتَفَاخَرُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى فِي صِفَةِ الرُّخَامِ الَّذِي يَفْرِشُونَهُ حَوْلَ الْقَبْرِ
وَعَلَيْهِ .
وَأَمَّا بُنْيَانُ الْقَبْرِ وَالْأَعْمِدَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالسُّقُوفِ الْمُذَهَّبَةِ وَالتَّصَاوِيرِ الَّتِي فِي بَعْضِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ كَيْفَ يَنْعَكِسُ مُرَادُ مَنْ خَالَفَهُ إلَى ضِدِّهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا وَقَفُوا الْأَوْقَافَ عَلَى مَنْ ذُكِرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَمَا قَصَدُوا بِالْأَوْقَافِ إلَّا كَثْرَةَ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَنْ جَعَلُوهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ انْعَكَسَ عَلَيْهِمْ الْأَمْرُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعَدَمِ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ مِمَّنْ يَأْتِي لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ ، أَوْ يَمُرُّ بِهَا إذْ أَنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِتِلْكَ الْقُصُورِ وَالْأَبْوَابِ وَالْحُجَّابِ مِنْ الطَّوَّاشِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَأَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى حَالِ رِيَاسَتِهِمْ وَمُفَاخَرَتِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَصْحَبُوا ذَلِكَ حَتَّى فِي الْقُبُورِ ( فَصْلٌ ) ثُمَّ الْعَجَبُ كَيْفَ غَابَ عَنْهُمْ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ وَعُمْدَتُهَا إذْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرْعِ الْوَرَعُ وَكُلُّ أَحَدٍ فِيهِ عَلَى مَرْتَبَتِهِ وَالْوَرَعُ بِالْمَرْءِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، أَوْلَى بِهِ بَلْ أَوْجَبُ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فِي حَيَاتِهِ إذْ أَنَّهُ مَا بَقِيَ لَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا إقَامَةٌ إلَّا أَنْفَاسٌ يَسِيرَةٌ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَأَهَّبَ لِلِقَاءِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَرَعِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَوْ قُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَرَعٌ حَاجِزٌ لَمْ يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْ النَّارِ } انْتَهَى .
فَعَكَسَ هَؤُلَاءِ الْأَمْرَ وَجَمَعُوا الْمَالَ مِنْ وَجْهِهِ وَمِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ وَغَصَبُوا مَوَاضِعَ قُبُورِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ رَاحِلُونَ لِأَوَّلِ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ وَبَنَوْا وَشَيَّدُوا الدِّيَارَ
وَغَيْرَهَا مِنْ مَالٍ جُمِعَ مِنْ الشُّبُهَاتِ ، أَوْ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ هُمَا مَعًا عَكْسُ خِصَالِ الْمُتَّقِينَ بَلْ الْمُسْلِمِينَ وَالْغَصْبُ مِنْ الْكَبَائِرِ فِيمَا هُوَ لِلْأَحْيَاءِ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ لِلْمَوْتَى خُصُوصًا فَغَصَبُوا حُقُوقَ الْمَوْتَى وَبَنَوْا فِيهَا بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ } انْتَهَى .
ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتَّى وَقَفُوا مِنْ تِلْكَ الْجِهَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا أَوْقَافًا عَلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْمَغْصُوبَةِ وَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى انْبِعَاثِ النَّجَاسَاتِ عَلَى قُبُورِ أَنْفُسِهِمْ وَقُبُورِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
ثُمَّ الْعَجَبُ فِي حُكْمِهِمْ بِصِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ كَيْفَ يُمْكِنُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفُ لِلْوَقْفِ مَصْرِفًا غَيْرَ مَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ فَلِمَنْ يَرْجِعُ ذَلِكَ مَعَ الْحُكْمِ بِبُطْلَانِهِ وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ ( فَصْلٌ ) فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَلَا يَنْبَغِي الدُّخُولُ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ لِلتَّرَحُّمِ وَلَا لِحُضُورِ دَفْنِ الْجِنَازَةِ هُنَاكَ وَلَا لِغَيْرِهِمَا إذْ أَنَّ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ مَغْصُوبَةٌ لِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَنْبَغِي وَمَعَ ذَلِكَ يَخْرُجُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ عَنْ أَقَلِّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ ، وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ لِنَصِّ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ انْتَهَى .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الْإِنْكَارُ هَاهُنَا لَا مَحَلَّ لَهُ إذْ أَنَّ مَنْ يُنْكَرُ عَلَيْهِ قَدْ مَاتَ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ فِي تَرْكِ الدُّخُولِ فِيهِ فَائِدَةً كُبْرَى إذْ أَنَّ فِيهِ رَدْعًا وَزَجْرًا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهِ مِنْ الْأَحْيَاءِ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ كَيْفِيَّةَ تَتَبُّعِ اللَّعِينِ إبْلِيسَ
السُّنَنَ الشَّرِيفَةَ لَا يَجِدُ سُنَّةً إلَّا وَيَعْمَلُ عَلَى تَرْكِهَا بِكَيْدِهِ وَتَسْوِيلِهِ وَتَزْيِينِهِ ثُمَّ يُبَدِّلُهَا بِضِدِّهَا أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي النِّسَاءِ فِي حَالِ حَيَاتِهِنَّ الِاخْتِفَاءُ وَالْحِجَابُ الْمَنِيعُ وَمَهْمَا أَمْكَنَ كَانَ أَوْلَى وَأَوْجَبَ وَفِي حَالِ الْمَمَاتِ لَمْ تُفَرِّقْ السُّنَّةُ بَيْنَ قُبُورِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَعْنِي فِي كَيْفِيَّةِ الْقُبُورِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا زِيٌّ يَخْتَصُّ بِهِ .
وَأَنْتَ تَرَى حَالَ بَعْضِ النِّسْوَةِ الْيَوْمَ عَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذَلِكَ فَتَرَاهُنَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ يَتَبَرَّجْنَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَغَيْرِهَا ثُمَّ إنَّهُنَّ إذَا مُتْنَ يَجْعَلْنَ عَلَى قُبُورِهِنَّ أَعْنِي مَنْ قَدَرَ مِنْهُنَّ فَيَجْعَلْنَ فِي التُّرَبِ الْحُجَّابَ مِنْ الطَّوَّاشِيَّةِ وَالْبَوَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَرْضَوْهُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ فَعَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُنَّ فِي قُبُورِهِنَّ عَكْسُ الْحَيَاةِ فَانْتَهَى الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهِنَّ شَيْءٌ مِنْ بَرَكَةِ مَنْ يَزُورُ الْقُبُورَ ، أَوْ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَمُرُّ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ مَنْ يُبَكِّرُ مِنْ الرِّجَالِ وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ إلَّا بِالشَّيْءِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ أَعْنِي أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَتَّصِفُ بِهِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ الْغَنِيُّ الْكَرِيمُ ، وَإِنَّمَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالذُّلِّ وَالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالتَّصَاغُرِ فَهَذِهِ الْمَعَانِي وَمَا أَشْبَهَهَا هِيَ الَّتِي تَنَزَّهَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهَا وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ شَرَفٌ وَلَا تَقَرُّبٌ إلَّا بِهَا فَإِنْ انْخَرَمَ شَيْءٌ مِنْهَا نَقَصَ مِنْ حَالِهِ مَعَ رَبِّهِ تَعَالَى بِقَدْرِ ذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَكْسِ الْحَالِ .
كَانَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِالْعُلَمَاءِ فَصَارَ الْيَوْمَ الْأَمْرُ
بِالْعَكْسِ ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ يَرْتَكِبُ مَا لَا يَنْبَغِي كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَأْتِي الْعَالِمُ فَيَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ فَعَمَّتْ الْفِتْنَةُ وَاسْتَحْكَمَتْ هَذِهِ الْبَلِيَّةُ فَلَا تَجِدُ فِي الْغَالِبِ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ وَلَا مَنْ يُعِينُ عَلَى زَوَالِهِ ، أَوْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، أَوْ مُحَرَّمٌ .
فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَنْ تَرَحَّمَ عَلَى الْقُبُورِ اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي تَرَحُّمِهِ مَنْ كَانَ خَلْفَ بُنْيَانٍ ، أَوْ غَيْرِهِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَصْدَ الزَّائِرِ أَوْ الْمَارِّ التَّرَحُّمُ عَلَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ وَمَنْ رَآهُمْ مِنْ الْقُبُورِ .
وَأَمَّا مَنْ هُوَ خَلْفَ حِجَابٍ وَلَمْ يَقْصِدْهُ فَلَا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ تَرَحُّمِهِ لِانْعِزَالِ الْمَدْفُونِ بِحِجَابِ مَا بِالتُّرْبَةِ الْمُشَيَّدَةِ وَغَيْرِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعُمَّ بِدُعَائِهِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِمَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ .
وَوَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَأْمُورٌ بِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ بِالْقَلْبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُؤْمِنُ الْعَارِفُ بِلِسَانِ الْعِلْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّى الدُّعَاءَ وَالتَّرَحُّمَ لِمَنْ قَبْرُهُ عَلَى مَا وُصِفَ ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِهِ مَا بَنَوْهُ وَشَيَّدُوهُ وَغَصَبُوهُ لِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَوَاضِعِ دَفْنِهِمْ وَمَنْ دَعَا لَهُمْ أَوْ تَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ تَرَكَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمْ إذَا اتَّصَفُوا بِمَا ذُكِرَ لَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى أُمِرْنَا بِهِجْرَانِ مَنْ أُمِرْنَا بِهِجْرَانِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذَا فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ ، وَأَمَّا الْأَمْوَاتُ فَلَا فَائِدَةَ فِي هِجْرَانِهِمْ بِتَرْكِ الدُّعَاءِ لَهُمْ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ
الْمُكَلَّفَ الْعَالِمَ بِلِسَانِ الْعِلْمِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ أَقَلِّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ ، وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ مِنْهُمْ فَلَا يَدْعُو لَهُمْ .
وَفِي عَدَمِ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ أَيْضًا فَائِدَةٌ كُبْرَى ، وَهُوَ الرَّدْعُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُمْ وَيَحْذُوَ حَذْوَهُمْ وَلَوْ فِي بَعْضِ النَّاسِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَمَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا الْحَالِ لَعَلَّهُ يَحْصُلُ لَهُ عِوَضًا مِنْ ذَلِكَ ثَوَابُ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَسُّرِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ يُكْتَبُ مِنْ حِزْبِهِمْ إذْ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا كَمَا يَنْبَغِي شَرْعًا أُلْحِقَ بِهِمْ .
وَلَمْ تَزَلْ الْأَكَابِرُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُوصُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ بِأَنْ يُدْفَنُوا عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لِكَيْ يَصِلَ إلَيْهِمْ بَرَكَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَتَرَحَّمُ ، أَوْ يَسْتَغْفِرُ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَقَدْ خَرَجْنَا عَمَّا كُنَّا بِصَدَدِهِ مِنْ فِعْلِ الْمَوْلِدِ بِالْقُبُورِ وَوَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلِهَا .
ثُمَّ نَرْجِعُ الْآنَ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْمَوْلِدِ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَتَوَرَّعُ عَنْ فِعْلِ الْمَوْلِدِ بِالْمَغَانِي الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَيُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ الْقُرَّاءَ وَالْفُقَرَاءَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مُجْتَمَعِينَ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَالْهُنُوكِ كَمَا عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْقُرَّاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَكَذَلِكَ الْفُقَرَاءُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْع ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَوْلِدِ فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَوْلِدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَطْعَمَ الْإِخْوَانَ لَيْسَ إلَّا بِنِيَّةِ الْمَوْلِدِ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ فَكَيْفَ بِهِ هُنَا فَمِنْ بَابِ أَحْرَى الْمَنْعُ مِنْهُ .
وَقَدْ يَحْصُلُ فِي هَذَا مِنْ الْمَفَاسِدِ بَعْضُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ أَكْثَرُ ، أَوْ مِثْلُهُ .
وَبَعْضُهُمْ يَتَوَرَّعُ عَنْ هَذَا وَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ
بِقِرَاءَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْحَدِيثِ فِي نَفْسِهَا مِنْ أَكْبَرِ الْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ وَفِيهَا الْبَرَكَةُ الْعَظِيمَةُ وَالْخَيْرُ الْكَثِيرُ لَكِنْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ اللَّائِقِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ كَمَا يَنْبَغِي لَا بِنِيَّةِ الْمَوْلِدِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُشْرَعِ لَهَا لَكَانَ مَذْمُومًا مُخَالِفًا فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمَا بَالَك بِغَيْرِهَا
( فَصْلٌ ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ الْمَوْلِدَ لَا لِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ وَلَكِنْ لَهُ فِضَّةٌ عِنْدَ النَّاسِ مُتَفَرِّقَةٌ كَانَ قَدْ أَعْطَاهَا فِي بَعْضِ الْأَفْرَاحِ وَالْمَوَاسِمِ وَيُرِيدُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا وَيَسْتَحْيِ أَنْ يَطْلُبَهَا بُدَاءَةً فَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأَخْذِ مَا اجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ ، وَهَذَا فِيهِ وُجُوهٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ : أَحَدُهَا : وَهُوَ أَشَدُّهَا أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِصِفَةِ النِّفَاقِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ إذْ ظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ عَمِلَ الْمَوْلِدَ يَبْتَغِي بِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَبَاطِنُهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ بِهِ فِضَّتَهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ الْمَوْلِدَ لِأَجْلِ جَمْعِ الدَّرَاهِمِ وَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ وَكُلُّ قِسْمٍ مِنْهُمَا عَلَى قِسْمَيْنِ ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ دُنْيَا وَيَتَظَاهَرُ بِأَنَّهُ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينِ فَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ لِتَزِيدَ دُنْيَاهُ بِمُسَاعَدَةِ النَّاسِ لَهُ فَيَزْدَادَ هَذَا فَسَادًا عَلَى الْمَفَاسِدِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ مِنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ ثَنَاءَ النَّاسِ عَلَيْهِ وَالنَّفْسُ تُحِبُّ الْمَحَامِدَ كَثِيرًا ، وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ .
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْهُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ إلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ يَخَافُ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَشَرِّهِ فَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ حَتَّى يُسَاعِدَهُ النَّاسُ تَقِيَّةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ فَيَزْدَادَ مِنْ الْحُطَامِ بِسَبَبِ مَا فِيهِ مِنْ الْخِصَالِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطِرٌ ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّنْ يُخَافُ مِنْ شَرِّهِ فَهُوَ مَعْدُودٌ بِفِعْلِهِ مِنْ الظَّلَمَةِ .
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفَ الْحَالِ فَيُرِيدَ أَنْ يَتَّسِعَ حَالُهُ فَيَعْمَلَ الْمَوْلِدَ لِأَجْلِ ذَلِكَ .
الثَّانِي مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْفُقَرَاءِ لَكِنْ لَهُ لِسَانٌ يُخَافُ مِنْهُ وَيُتَّقَى لِأَجْلِهِ فَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا مِمَّنْ
يَخْشَاهُ وَيَتَّقِيهِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ مِنْ حُضُورِ الْمَوْلِدِ الَّذِي يَفْعَلُهُ أَحَدٌ مِنْ مَعَارِفِهِ لَحَلَّ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ مَا يَتَشَوَّشُ بِهِ وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى الْعَدَاوَةِ ، أَوْ الْوُقُوعِ فِي حَقِّهِ فِي مَحَافِلِ بَعْضِ وُلَاةِ الْأُمُورِ قَاصِدًا بِذَلِكَ حَطَّ رُتْبَتِهِ بِالْوَقِيعَةِ فِيهِ ، أَوْ نَقْصَ مَالِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْصِدُهُ مَنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرَاعَاةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ } ، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ تَتَشَوَّفُ نَفْسُهُ إلَى الثَّنَاءِ وَالْمِدْحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ .
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَفَاسِدِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّسَائِسِ وَدُخُولِ وَسَاوِسِ النُّفُوسِ وَشَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِمَّا يَتَعَذَّرُ حَصْرُهُ .
فَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ أَعْطَى قِيَادَهُ لِلِاتِّبَاعِ وَتَرَكَ الِابْتِدَاعَ .
وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لِذَلِكَ بِمَنِّهِ
( فَصْلٌ ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خُصَّ مَوْلِدُهُ الْكَرِيمُ بِشَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَبِيَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَاخْتُصَّ بِفَضَائِلَ عَدِيدَةٍ وَلَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَهَا الْحُرْمَةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَا فِي لَيْلَتِهَا .
فَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ انْتَهَى .
وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ ، وَهُوَ أَنَّ خَلْقَ الْأَقْوَاتِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْخَيْرَاتِ الَّتِي يَتَغَذَّى بِهَا بَنُو آدَمَ وَيَحْيَوْنَ وَيَتَدَاوَوْنَ وَتَنْشَرِحُ صُدُورُهُمْ لِرُؤْيَتِهَا وَتَطِيبُ بِهَا نُفُوسُهُمْ وَتَسْكُنُ بِهَا خَوَاطِرُهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا لِاطْمِئْنَانِ نُفُوسِهِمْ بِتَحْصِيلِ مَا يُبْقِي حَيَاتَهُمْ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ حِكْمَةِ الْحَكِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَوُجُودُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ قُرَّةُ عَيْنٍ بِسَبَبِ مَا وُجِدَ مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَالْبَرَكَةِ الشَّامِلَةِ لِأُمَّتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ ظُهُورَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ فِيهِ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ تَفَطَّنَ إلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى اشْتِقَاقِ لَفْظَةِ رَبِيعٍ إذْ أَنَّ فِيهِ تَفَاؤُلًا حَسَنًا بِبِشَارَتِهِ لِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالتَّفَاؤُلُ لَهُ أَصْلٌ أَشَارَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْ اسْمِهِ نَصِيبٌ هَذَا فِي الْأَشْخَاصِ وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفَصْلُ الرَّبِيعِ فِيهِ
تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَمَّا فِي بَاطِنِهَا مِنْ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَرْزَاقِهِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْعِبَادِ وَحَيَاتُهُمْ وَمَعَايِشُهُمْ وَصَلَاحُ أَحْوَالِهِمْ فَيَنْفَلِقُ الْحَبُّ وَالنَّوَى وَأَنْوَاعُ النَّبَاتِ وَالْأَقْوَاتِ الْمُقَدَّرَةِ فِيهَا فَيَبْتَهِجُ النَّاظِرُ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا وَتُبَشِّرُهُ بِلِسَانِ حَالِهَا بِقُدُومِ رَبِيعِهَا وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ عَظِيمَةٌ إلَى الِاسْتِبْشَارِ بِابْتِدَاءِ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
أَلَا تَرَى أَنَّكَ إذَا دَخَلْت بُسْتَانًا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأَنَّهُ يَضْحَكُ لَك وَتَجِدُ زَهْرَهُ كَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِ يُخْبِرُكَ بِمَا لَكَ مِنْ الْأَرْزَاقِ الْمُدَّخَرَةِ وَالْفَوَاكِهِ .
وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ إذَا ابْتَهَجَ نَوَارُهَا كَأَنَّهُ يُحَدِّثُكَ بِلِسَانِ حَالِهِ كَذَلِكَ أَيْضًا .
فَمَوْلِدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ فِيهِ مِنْ الْإِشَارَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِ وَذَلِكَ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلَى التَّنْوِيهِ بِعَظِيمِ قَدْرِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَحِمَايَةٌ لَهُمْ مِنْ الْمَهَالِكِ وَالْمَخَاوِفِ فِي الدِّينِ وَحِمَايَةٌ لِلْكَافِرِينَ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا لِأَجْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ ، وَإِدْرَارُ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّمَا يَكْثُرُ عِنْدَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِهِ وَاتِّبَاعِ سُنَنِ أَنْبِيَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ وَمُخَالَفَةِ الْعَدُوِّ اللَّعِينِ وَجُنُودِهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ خُرُوجِهِ إلَى هَذَا الْوُجُودِ لَمْ يَقْدِرْ اللَّعِينُ إبْلِيسُ وَجُنُودُهُ عَلَى الْقَرَارِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَا فِي الثَّانِيَةِ وَلَا فِي الثَّالِثَةِ إلَى أَنْ نَزَلُوا إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ فَخَلَتْ
الْأَرْضُ مِنْهُمْ بِبَرَكَةِ وُجُودِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى خُلُوِّ الْأَرْضِ مِنْ هَذَا اللَّعِينِ وَجُنُودِهِ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّهُمْ يُقَيَّدُونَ فَأَيْنَ التَّقْيِيدُ مِنْ نَفْيِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ .
وَفِي هَذَا إشَارَةٌ عَظِيمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى كَرَامَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ رَبِّهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ وَبِمَنْ تَبِعَهُ .
فَإِنْ قِيلَ إنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ تُقَيَّدُ الشَّيَاطِينُ فِي جَمِيعِهِ .
فَلَا شَكَّ أَنَّ نَفْيَهُمْ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى فِي يَوْمِ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْظَمُ مِنْ تَقْيِيدِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلِّهِ إذْ فِيهِ ظُهُورُ مَزِيَّةِ الْوَقْتِ الَّذِي خَلَتْ الْأَرْضُ مِنْ الْعَدُوِّ وَجُنُودِهِ فِيهِ فَلْيَفْهَمْ مَنْ يَفْهَمُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَوَقَعَتْ الْبَرَكَاتُ وَإِدْرَارُ الْأَرْزَاقِ وَمِنْ أَعْظَمِهَا مِنَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ بِهِدَايَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ إلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ .
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَرِّفَنَا بَرَكَةَ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَيَرْزُقَنَا اتِّبَاعَهُ دِينًا وَدُنْيَا وَآخِرَةً بِفَضْلِهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ آمِينَ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : مَا فِي شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ شَبَهِ الْحَالِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ فَصْلَ الرَّبِيعِ أَعْدَلُ الْفُصُولِ وَأَحْسَنُهَا إذْ لَيْسَ فِيهِ بَرْدٌ مُزْعِجٌ وَلَا حَرٌّ مُقْلِقٌ وَلَيْسَ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ طُولٌ خَارِقٌ بَلْ كُلُّهُ مُعْتَدِلٌ وَفَصْلُهُ سَالِمٌ مِنْ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْعَوَارِضِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا النَّاسُ فِي أَبْدَانِهِمْ فِي زَمَانِ الْخَرِيفِ بَلْ النَّاسُ تَنْتَعِشُ فِيهِ قُوَاهُمْ وَتَصْلُحُ أَمْزِجَتُهُمْ وَتَنْشَرِحُ صُدُورُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْأَبْدَانَ يُدْرِكُهَا فِيهِ مِنْ إمْدَادِ الْقُوَّةِ مَا يُدْرِكُ النَّبَاتَ حِينَ خُرُوجِهِ إذْ مِنْهَا خُلِقُوا فَيَطِيبُ لَيْلُهُمْ لِلْقِيَامِ وَنَهَارُهُمْ لِلصِّيَامِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِدَالِهِ فِي الطُّولِ
وَالْقِصَرِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ شَبَهَ الْحَالِ بِالشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مِنْ رَفْعِ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ شَاءَ الْحَكِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَتَشَرَّفُ بِهِ الْأَزْمِنَةُ وَالْأَمَاكِنُ لَا هُوَ يَتَشَرَّفُ بِهَا بَلْ يَحْصُلُ لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُبَاشِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْفَضِيلَةُ الْعُظْمَى وَالْمَزِيَّةُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْأَعْمَالِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ .
فَلَوْ وُلِدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَكَانَ ظَاهِرُهُ يُوهِمُ أَنَّهُ يَتَشَرَّفُ بِهَا فَجَعَلَ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ مَوْلِدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِهَا لِيَظْهَرَ عَظِيمُ عِنَايَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ وَكَرَامَتُهُ عَلَيْهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي { قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلسَّائِلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْت فِيهِ وَلَمَّا أَنْ صَرَّحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْت فِيهِ } عُلِمَ بِذَلِكَ مَا اخْتَصَّ بِهِ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَكَذَلِكَ الشَّهْرُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنْ كَانَ { يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ } وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِالطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَخْيَارِ أَنَّهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَوَّى رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِحَدِيثٍ قَالَ فِي كِتَابِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ وَذَكَرَ فِيهِ { أَنَّ آدَمَ خُلِقَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إلَى اللَّيْلِ انْتَهَى } ؛ لِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهُوَ سَاكِنُ الدَّارِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْخِطَابِ إذْ أَنَّ الدَّارَ لَا تُرَادُ لِنَفْسِهَا بَلْ لِسَاكِنِهَا .
قَالَ وَقَدْ كَانَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إذَا صَلَّتْ الْعَصْرَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ تَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَتُقْبِلُ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَلَا تُكَلِّمُ أَحَدًا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَتَقُولُ إنَّ السَّاعَةَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَتُؤْثِرُ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ صَادَفَ السَّاعَةَ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْوُجُودِ ، وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا أَنَّهُ قَدْ نَجَحَ سَعْيُهُ وَظَفِرَ بِمُرَادِهِ .
إذْ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي فَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ تِلْكَ السَّاعَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ هُوَ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمَا بَالُكَ بِالسَّاعَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { آدَم وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي } انْتَهَى .
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ أُهْبِطَ آدَم وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ .
وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ خَيْرٌ كُلُّهُ وَأَمْنٌ كُلُّهُ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ خُصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْخُطْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا يَخُصُّهُ فِي نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ يُخَفِّفُ فِيهِ الْأَمْرَ عَنْ أُمَّتِهِ فَلَا يُكَلِّفُهُمْ فِيهِ زِيَادَةَ عَمَلٍ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَنْ أَخْرَجَهُ إلَى الْوُجُودِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يُكَلِّفْ الْأُمَّةَ فِيهِ زِيَادَةَ عَمَلٍ إكْرَامًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ بِسَبَبِ عِنَايَةِ وُجُودِهِ فِيهِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ عُمُومًا وَلِأُمَّتِهِ خُصُوصًا .
وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ عَدَمُ التَّكْلِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الدَّلَالَاتِ لَهُ مَا هَذَا لَفْظُهُ .
إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُ ثُمَّ الصِّدِّيقِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ الْمُخْتَارِينَ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَجَعَلَهُ فِي عَمُودٍ أَمَامَ عَرْشِهِ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَيُقَدِّسُهُ ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلِقَ نُورُ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مِنْ نُورِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ انْتَهَى .
وَقَدْ أَشَارَ الْفَقِيهُ الْخَطِيبُ أَبُو الرَّبِيعِ فِي كِتَابِ شِفَاءِ الصُّدُورِ لَهُ أَشْيَاءُ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ .
فَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا شَاءَ الْحَكِيمُ خَلْقَ ذَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَارَكَةِ الْمُطَهَّرَةِ أَمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَنْزِلَ إلَى الْأَرْضِ وَأَنْ يَأْتِيَهُ بِالطِّينَةِ الَّتِي هِيَ قَلْبُ الْأَرْضِ وَبَهَاؤُهَا وَنُورُهَا .
قَالَ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَلَائِكَةُ الْفِرْدَوْسِ وَمَلَائِكَةُ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ مَوْضِعِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ بَيْضَاءُ مُنِيرَةٌ فَعُجِنَتْ بِمَاءِ التَّسْنِيمِ وَغُمِسَتْ فِي مَعِينِ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ حَتَّى صَارَتْ كَالدُّرَّةِ الْبَيْضَاءِ وَلَهَا نُورٌ وَشُعَاعٌ عَظِيمٌ حَتَّى طَافَتْ بِهَا الْمَلَائِكَةُ حَوْلَ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْكُرْسِيِّ وَفِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي الْجِبَالِ وَالْبِحَارِ فَعَرَفَتْ الْمَلَائِكَةُ وَجَمِيعُ الْخَلْقِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَضْلَهُ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَضَعَ فِي ظَهْرِهِ قَبْضَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَسَمِعَ آدَم فِي ظَهْرِهِ نَشِيشًا كَنَشِيشِ الطَّيْرِ .
فَقَالَ آدَم يَا رَبِّ مَا هَذَا النَّشِيشُ .
قَالَ هَذَا تَسْبِيحُ نُورِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي أُخْرِجُهُ مِنْ ظَهْرِكَ فَخُذْهُ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي وَلَا تُودِعْهُ إلَّا فِي الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ .
فَقَالَ آدَم يَا رَبِّ قَدْ أَخَذْتُهُ بِعَهْدِكَ وَمِيثَاقِكَ وَلَا أُودِعُهُ إلَّا فِي
الْمُطَهَّرِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُحْصَنَاتِ مِنْ النِّسَاءِ .
فَكَانَ نُورُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَلَأْلَأُ فِي ظَهْرِ آدَمَ وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تَقِفُ خَلْفَهُ صُفُوفًا يَنْظُرُونَ إلَى نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ اسْتِحْسَانًا لِمَا يَرَوْنَ .
فَلَمَّا رَأَى آدَم ذَلِكَ .
قَالَ أَيْ رَبِّ مَا بَالُ هَؤُلَاءِ يَقِفُونَ خَلْفِي صُفُوفًا .
فَقَالَ الْجَلِيلُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُ يَا آدَم يَنْظُرُونَ إلَى نُورِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي أُخْرِجُهُ مِنْ ظَهْرِكَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ أَرِنِيهِ فَأَرَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ فَآمَنَ بِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مُشِيرًا بِأُصْبُعِهِ .
وَمِنْ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِالْإِصْبَعِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ .
فَقَالَ آدَم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا النُّورَ فِي مُقَدَّمِي كَيْ تَسْتَقْبِلَنِي الْمَلَائِكَةُ وَلَا تَسْتَدْبِرَنِي فَجَعَلَ ذَلِكَ النُّورَ فِي جَبْهَتِهِ فَكَانَ يُرَى فِي غُرَّةِ آدَمَ دَائِرَةٌ كَدَائِرَةِ الشَّمْسِ فِي دَوَرَانِ فَلَكِهَا أَوْ كَالْبَدْرِ فِي تَمَامِهِ وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تَقِفُ أَمَامَهُ صُفُوفًا يَنْظُرُونَ إلَى ذَلِكَ النُّورِ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّنَا اسْتِحْسَانًا لِمَا يَرَوْنَ .
ثُمَّ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ يَا رَبِّ اجْعَلْ هَذَا النُّورَ فِي مَوْضِعٍ أَرَاهُ فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَبَّابَتِهِ فَكَانَ آدَم يَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ النُّورِ .
ثُمَّ إنَّ آدَمَ قَالَ يَا رَبِّ هَلْ بَقِيَ مِنْ هَذَا النُّورِ شَيْءٌ فِي ظَهْرِي .
فَقَالَ نَعَمْ بَقِيَ نُورُ أَصْحَابِهِ .
فَقَالَ أَيْ رَبِّ اجْعَلْهُ فِي بَقِيَّةِ أَصَابِعِي فَجَعَلَ نُورَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْوُسْطَى وَنُورَ عُمَرَ فِي الْبِنْصِرِ وَنُورَ عُثْمَانَ فِي الْخِنْصَرِ وَنُورَ عَلِيٍّ فِي الْإِبْهَامِ فَكَانَتْ تِلْكَ الْأَنْوَارُ تَتَلَأْلَأُ فِي أَصَابِعِ آدَمَ مَا دَامَ فِي الْجَنَّةِ .
فَلَمَّا صَارَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ انْتَقَلَتْ الْأَنْوَارُ مِنْ أَصَابِعِهِ إلَى ظَهْرِهِ انْتَهَى .
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورُ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْبَلَ ذَلِكَ النُّورُ يَتَرَدَّدُ وَيَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَسَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ .
فَخَلَقَ مِنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ الْعَرْشَ .
وَمِنْ الثَّانِي الْقَلَمَ .
وَمِنْ الثَّالِثِ اللَّوْحَ ثُمَّ قَالَ لِلْقَلَمِ اجْرِ وَاكْتُبْ .
فَقَالَ : يَا رَبِّ مَا أَكْتُبُ .
قَالَ مَا أَنَا خَالِقُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
فَجَرَى الْقَلَمُ عَلَى اللَّوْحِ وَكَتَبَ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ .
وَأَقْبَلَ الْجُزْءُ الرَّابِعُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْجُدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَسَمَهُ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ فَخَلَقَ مِنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ الْعَقْلَ وَمِنْ الثَّانِي الْمَعْرِفَةَ وَأَسْكَنَهَا فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ وَمِنْ الْجُزْءِ الثَّالِثِ نُورَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنُورَ الْأَبْصَارِ وَالْجُزْءُ الرَّابِعُ جَعَلَهُ اللَّهُ حَوْلَ الْعَرْشِ حَتَّى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَسْكَنَ ذَلِكَ النُّورَ فِيهِ ، فَنُورُ الْعَرْشِ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ الْقَلَمِ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ اللَّوْحِ مِنْ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ النَّهَارِ مِنْ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ الْعَقْلِ مِنْ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ الْمَعْرِفَةِ وَنُورُ الشَّمْسِ وَنُورُ الْقَمَرِ وَنُورُ الْأَبْصَارِ مِنْ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى .
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ لِأَبِي الرَّبِيعِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُقِلَ يَا أَبَا مَعْنَايَ وَيَا ابْنَ صُورَتِي .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ قَالَ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ } انْتَهَى .
فَلَئِنْ
كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ اُخْتُصَّ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَعَظِيمِ قَدْرِهَا الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ ، وَأَنَّ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ عَلَى الرَّاجِحِ ، وَأَنَّ قِيَامَهَا يَعْدِلُ عِبَادَةَ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي أَشَقِّ الْعِبَادَاتِ ، وَهُوَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى .
فَعِلْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ حَصَلَ لَنَا بِإِخْبَارِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفَضِيلَةُ الْأَوْقَاتِ تَلَقَّيْنَاهَا مِنْهُ وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
وَشَهْرُ رَبِيعٍ وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَلَيْلَتُهُ عَلِمْنَا فَضْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِظُهُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهَا فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُطْبُ دَائِرَةِ الْكَوْنِ وَاَلَّذِي خُلِقَ الْوُجُودُ لِأَجْلِهِ وَاَلَّذِي فُضِّلَتْ الْأَوْقَاتُ بِبَرَكَتِهِ وَاَلَّذِي خُصَّتْ أُمَّتُهُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ أَجْلِهِ وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مَا وَرَدَ مِنْ مُنَاظَرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْن عَيَّاشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ يَقُولُ لَهُ أَأَنْت الْقَائِلُ مَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا أَأَنْت الْقَائِلُ إلَى آخِرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وَمِنْ الْمُنْتَقَى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ لَضَرَبَهُ يُرِيدُ لِأَدَبِهِ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ لِاعْتِقَادِهِ تَفْضِيلَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ ، أَوْ هُوَ يَرَى تَرْكَ الْأَخْذِ فِي تَفْضِيلِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ لِمَا شُهِرَ مِنْ أَخْذِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ دُونَ نَكِيرٍ .
فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ .
وَمِنْ كِتَابِ مُسْنَدِ مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لِأَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَافِقِيِّ الْجَوْهَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اُفْتُتِحَتْ الْقُرَى بِالسَّيْفِ وَافْتُتِحَتْ الْمَدِينَةُ بِالْقُرْآنِ } وَمِنْهُ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ تَكَلَّمَ مَرْوَانُ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ مَكَّةَ وَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَدِينَةَ فَقَامَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فَقَالَ مَالَك يَا هَذَا ذَكَرْت مَكَّةَ فَأَطْنَبْت فِي ذِكْرِهَا وَلَمْ
تَذْكُرْ الْمَدِينَةَ وَأَشْهَدُ لَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } انْتَهَى .
مَعَ أَنَّهُ قَدْ خَصَّصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عُمُومَ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَقَالَ إنَّهَا خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ فِي كَثْرَةِ الرِّزْقِ وَبَرَكَةِ الثِّمَارِ ، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا ، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَمَعْنَى لَأْوَائِهَا هُوَ الْجُوعُ وَالشِّدَّةُ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَبَعِيدٌ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى كَثْرَةِ الثِّمَارِ إذْ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُشَرِّعُ وَالْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ وَمَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ رَبِّهِ وَالْأَعْلَى وَالْأَخَصُّ .
وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّصَ عُمُومُ الْحَدِيثِ وَالْمَدِينَةُ قَدْ اشْتَمَلَتْ وَاخْتَصَّتْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيًّا وَمَيِّتًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ الْكُتُبَ الصِّحَاحَ وَذَكَرَ فِي بَابِ فَضْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَا هَذَا لَفْظُهُ ( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَمَا قُلْت .
فَقَالَ الرَّجُلُ إنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا إنَّمَا أَرَدْت الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِثْلُ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا ثَلَاثًا } انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى
مَا احْتَوَى عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ وَالْأَسْرَارِ الْبَيِّنَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ بِحُلُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا حَصَلَتْ لَهَا هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ الْعُظْمَى .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَابَ قَوْلَ الْقَائِلِ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ .
بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِئْسَمَا قُلْت فَمَفْهُومُهُ أَنَّ ذَلِكَ خَيْرُ مَضْجَعِ الْمُؤْمِنِ .
ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِجَوَابِهِ حِينَ قَالَ الرَّجُلُ إنَّمَا أَرَدْت الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَلَا مِثْلَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ } الْآيَةَ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ } وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ مَشْهُورَةٌ .
ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَضَّلَ الدَّفْنَ فِيهَا لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَلِغَيْرِهِ عَلَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْخُصُوصِيَّةِ الْعُظْمَى .
هَذَا ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى ظَهْرِهَا فَكَيْفَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ فِي جَوْفِهَا { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُحْصَرَ فَضِيلَةُ ذَلِكَ وَلَا يُقَدَّرُ قَدْرُهَا .
وَمِنْ الْمُوَطَّأِ أَنَّ مَوْلَاةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَتْهُ فِي الْفِتْنَةِ فَقَالَتْ إنِّي أَرَدْت الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ اُقْعُدِي لَكَاعِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا ، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } انْتَهَى .
قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ شَكٌّ مِنْ الْمُحَدِّثِ وَلَأْوَاؤُهَا هُوَ الْجُوعُ وَالشِّدَّةُ وَتَعَذُّرُ الْكَسْبِ وَالشِّدَّةُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا اللَّأْوَاءَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا كُلَّ مَا يَشْتَدُّ بِسَاكِنِهَا وَتَعْظُمُ مَضَرَّتُهُ وَقَوْلُهُ شَفِيعًا الشَّفَاعَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهِيَ شَفَاعَةٌ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَشَفَاعَةٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ خَاصَّةً وَقَوْلُهُ ، أَوْ شَهِيدًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لَهُ بِالْمَقَامِ الَّذِي فِيهِ الْأَجْرُ
وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ لِشَهَادَتِهِ فَضْلًا فِي الْأَجْرِ وَإِحْبَاطًا لِلْوِزْرِ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ سُكْنَاهُ فِي الْمَدِينَةِ وَالْبَقَاءَ بِهَا يَثْبُتُ لَهُ وَيُوجَدُ ثَابِتًا فِي جُمْلَةِ حَسَنَاتِهِ إلَّا أَنَّ شَهَادَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةٌ فِي الْأَجْرِ .
وَكَذَلِكَ { قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ فَضِيلَةَ اسْتِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَالْبَقَاءِ بِهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَرِيبٌ مِمَّا جَاءَ فِي الصَّائِمِ مِنْ قَوْله تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } وَإِذَا كَانَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهُوَ الْمُجَازِي عَلَيْهِ فَلَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ وَفِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ شَبَهٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ بِحُلُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْبَلَدِ عَمَّتْ بَرَكَتُهُ لِجَمِيعِ مَنْ دُفِنَ فِيهَا وَمَنْ لَمْ يُدْفَنْ فَبَرَكَتُهُ لِلْأَحْيَاءِ مَعْلُومَةٌ وَكَذَلِكَ لِلْأَمْوَاتِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا } فَلَمْ يَكْتَفِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي فَضِيلَتِهَا بِمَا بَيَّنَهُ وَصَرَّحَ بِهِ أَوَّلَ الْحَدِيثِ حَتَّى قَالَ { مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا ثَلَاثًا } انْتَهَى .
وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى بَعْضِ سِرِّ تَكْرَارِهِ ذَلِكَ ثَلَاثًا إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَلْقَى أَمْرًا لَهُ خَطَرٌ وَبَالٌ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالْمَدِينَةِ وَمَا قَارَبَهَا وَمَا
خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ الْعَمِيمَةِ وَالْبَرَكَاتِ الشَّامِلَةِ الْعَظِيمَةِ إذْ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعُزَيْرِ حَاكِيًا عَنْ حَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى } فَمَا يَفْضُلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيَعْظُمُهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَأَيُّ بَلَدٍ وَأَيُّ بُقْعَةٍ تَصِلُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ .
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيبِ فِيهِ وَالْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ وَتَدَاخُلُ كَلَامِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ يَحْرُسُونَهَا لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ } وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا } وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ .
وَأَوْضَحُهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَأَنَا أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاك إبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ } وَدُعَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ دُعَاءِ إبْرَاهِيمَ ؛ لِأَنَّ فَضْلَ الدُّعَاءِ عَلَى قَدْرِ فَضْلِ الدَّاعِي .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا لَنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ } وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحَبِّبَ إلَيْهِ الْأَدْوَنَ عَلَى الْأَعْلَى .
وَمِنْهَا مَا اسْتَقَرَّ عِنْدَ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ يُخَاطِبُهُ أَأَنْت الْقَائِلُ مَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ { لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إلَّا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ } وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ } وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ تَأْكُلُ الْقُرَى إلَّا رُجْحَانُ فَضْلِهَا عَلَيْهَا وَزِيَادَتُهَا عَلَى غَيْرِهَا .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا } وَتَخْصِيصُهُ إيَّاهَا بِذَلِكَ لِفَضْلِهَا عَلَى جَمِيعِ الْبِقَاعِ الَّتِي لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِيهَا وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْلُوقٌ مِنْهَا ، وَهُوَ خَيْرُ الْبَشَرِ فَتُرْبَتُهُ أَفْضَلُ التُّرَبِ وَلِأَنَّ فَرْضَ الْهِجْرَةِ إلَيْهَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمُقَامِ بِهَا طَاعَةً وَقُرْبَةً وَالْمُقَامُ بِغَيْرِهَا ذَنْبًا وَمَعْصِيَةً وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى فَضْلِهَا عَلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ انْتَهَى كَلَامُهُمَا .
فَلَمَّا أَنْ عُلِمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَى رَبِّهِ هَذِهِ الْبُقْعَةُ أَحَبَّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهَا إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ شَيْءٌ قَطُّ يُفَضِّلُهُ لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بَلْ بِحَسَبِ مَا فَضَّلَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَوَابًا لِنِسَائِهِ حِينَ تَكَلَّمْنَ مَعَهُ فِي تَفْضِيلِهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَيْهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَأَجَابَهُنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ { إنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيَّ فِي فِرَاشِ إحْدَاكُنَّ إلَّا فِي فِرَاشِهَا } .
فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُفَضِّلُ الْأَشْيَاءَ بِحَسَبِ مَا فَضَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذَا التَّنْبِيهُ كَافٍ .
وَمَذْهَبُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ { ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ
مَكَّةَ بِدُونِ الْأَلْفِ ، وَأَنَّهَا تَفْضُلُ غَيْرَهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ بِالْأَلْفِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ } لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ .
وَبِقَوْلِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَاضِلَةً فِي نَفْسِهَا فَإِذَنْ فَضَلَتْهَا الْمَدِينَةُ .
وَقَدْ جَاءَ فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ وَكَفَى بِهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ أَنَّهَا مَطْلَعُ شَمْسِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِيهَا نُبِّئَ وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ وَمِنْهَا أُسْرِيَ بِهِ إلَى قَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ فَحَصَلَتْ لَهَا الْفَضِيلَةُ الْعُظْمَى بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبِمَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
لَكِنْ جَرَتْ حِكْمَةُ الْحَكِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ جَعَلَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَتْبُوعًا ، وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تَتَشَرَّفُ بِهِ وَيَعْلُو قَدْرُهَا وَفَضْلُهَا بِسَبَبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَظَهَرَ أَمْرُهُ بِهَا حَتَّى انْتَقَلَ مِنْهَا إلَى رَبِّهِ لَكَانَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ تَشَرَّفَ بِمَكَّةَ فَكَانَ انْتِقَالُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْمَدِينَةِ لِيَخُصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِبَلَدٍ وَحْدَهُ وَحَرَمٍ أَوْ مَسْجِدٍ وَرَوْضَةٍ وَوُفُودٍ تَسِيرُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْفَرْضِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْإِسْلَامُ إلَّا بِهِ ، وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَوْ اقْتَصَرَ أَحَدٌ عَلَى الشَّهَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلَمْ يُقِرَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالرِّسَالَةِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ إسْلَامٌ وَلَا إيمَانٌ فَلَمْ يَصِحَّ التَّوْحِيدُ إلَّا مَعَ الْإِقْرَارِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ بِالرِّسَالَةِ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَفَضَّلَهَا بِذَلِكَ جَعَلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَابِلَتَهَا فَالْوُفُودُ تَسِيرُ مِنْ كُلِّ الْآفَاقِ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَكَذَلِكَ تَسِيرُ إلَى زِيَارَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَمَّا أَنْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ حَرَمًا جَعَلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَمًا يُقَابِلُهُ .
وَلَمَّا أَنْ جَعَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَهُ فَضِيلَةً فِي الصَّلَاةِ فِيهِ جَعَلَ مَسْجِدَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَذَلِكَ فِي تَضْعِيفِ الْأُجُورِ وَلَمَّا أَنْ كَانَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَشْهَدُ لِلَامِسِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا شَهِدَ لِلَامِسِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ جَعَلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُقَابَلَتِهِ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْمَعُونَةِ لَهُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فِيهَا لِفَضْلِهِ عَلَى بَقِيَّتِهَا فَكَانَ بِأَنْ يَدُلَّ عَلَى فَضْلِهَا عَلَى سِوَاهَا أَوْلَى انْتَهَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَلْ هِيَ بِنَفْسِهَا فِي الْجَنَّةِ أَوْ الْعَمَلُ فِيهَا يُوجِبُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ خَرَّجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ } قَالَ وَلَا نَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَعَالَى قَاعِدَةُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنْ عَارَضَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْفَرِدِ بِالدَّوَامِ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْأَيَّامِ الْمُوجِدِ لِلْخَلْقِ بَعْدَ الْعَدَمِ الْمُفْنِي لَهُمْ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الصُّحُفِ كَمَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ الْعَالِمِ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ أَسْرَارُهُمْ فِي الْحَالِ وَفِي الْقِدَمِ .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ عَبْدٍ مُضْطَرٍّ إلَيْهَا عِنْدَ زَلَّةِ الْقَدَمِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ إلَى أَكْرَمِ الْأُمَمِ .
وَبَعْدُ : فَإِنِّي كُنْت كَثِيرًا مَا أَسْمَعُ سَيِّدِي الشَّيْخَ الْعُمْدَةَ الْعَالِمَ الْعَامِلَ الْمُحَقِّقَ الْقُدْوَةَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ يَقُولُ وَدِدْتُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَيْسَ لَهُ شُغْلٌ إلَّا أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ مَقَاصِدَهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ وَيَقْعُدَ إلَى التَّدْرِيسِ فِي أَعْمَالِ النِّيَّاتِ لَيْسَ إلَّا أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ مَا أَتَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا مِنْ تَضْيِيعِ النِّيَّاتِ فَقَدْ رَآنِي ذَكَرْتُ بَعْضَ مَا كَانَ يُجْرَى عِنْدَهُ مِنْ بَعْضِ الْفَوَائِدِ فِي ذَلِكَ لِبَعْضِ الْإِخْوَانِ فَطَلَبَ أَنْ أَجْمَعَ لَهُ شَيْئًا لِكَيْ يَعْرِفَ تَصَرُّفَهُ فِي نِيَّتِهِ وَفِي عِبَادَتِهِ وَعَلَيْهِ وَتَسَبُّبَهُ فَامْتَنَعْتُ مِنْ ذَلِكَ خَوْفًا مِمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ يَمْضُغُونَ أَلِسَنَتَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ .
وَمِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَوَّلُ مَا تُسَعَّرُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرَجُلٍ عَالِمٍ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ خَلْفَهُ فَيَدُورُ فِيهَا
كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ لَهُ يَا هَذَا أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ } أَوْ كَمَا قَالَ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ أَيْضًا { أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلَانِ رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَيَرَى غَيْرَهُ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ لِعَمَلِهِ بِهِ وَهُوَ يَدْخُلُ النَّارَ لِتَضْيِيعِهِ الْعَمَلَ وَرَجُلٌ جَمَعَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ وَتَرَكَهُ لِوَارِثِهِ فَعَمِلَ بِهِ الْخَيْرَ فَيَرَى غَيْرَهُ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَهُوَ يَدْخُلُ النَّارَ } أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ } وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا فَامْتَنَعْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَحْتَوِ عَلَيْهِ عَمَلٌ فَأَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَكِنْ عَارَضَتْنِي أَحَادِيثُ أُخَرُ لَمْ يُمْكِنِّي الِامْتِنَاعُ لِأَجْلِهَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ مَعْصِيَةٌ وَتَرْكَ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى سِيَّمَا إذَا طُلِبَ مِنِّي فَارْتِكَابُ مَعْصِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَخَفُّ بِالْمَرْءِ مِنْ ارْتِكَابِ مَعْصِيَتَيْنِ بِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ { أَلَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ } أَوْ كَمَا قَالَ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهُ أَعْمَلَ بِهِ مِمَّنْ بَلَّغَهُ إلَيْهِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا ظَهَرَتْ الْفِتَنُ وَشُتِمَ أَصْحَابِي فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَكَتَمَهُ فَهُوَ
كَجَاحِدِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } انْتَهَى وَهَذَا أَمْرٌ خَطَرٌ .
وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يُعَلِّمُوا وَأَخَذَ إذْ ذَاكَ الْعَهْدَ عَلَى الْجُهَّالِ أَنْ يَسْأَلُوا فَأَشْفَقْتُ مِنْ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ فَآثَرْتُهُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً أُخْرَى كَبِيرَةً وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَذْكِرَةً لِي فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَمُطَالَعَتِهِ فَأَتَذَكَّرُ بِهِ مَا كَانَ يَمْضِي مِنْ بَعْضِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فِي مَجَالِسِ سَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ الْإِجَابَةَ قَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيَّ مِنْ وُجُوهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : مِنْ قِبَلِ نَفْسِي لِلتَّذْكِرَةِ .
الثَّانِي : مِنْ قِبَلِ طَالِبِهِ لِئَلَّا أَدْخُلَ بِذَلِكَ فِيمَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ .
الثَّالِثُ : لَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَرَاهُ وَيَعْمَلُ بِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ يَدْعُو لِمُؤَلِّفِهِ الْمُنْكَسِرِ خَاطِرُهُ مِنْ قِلَّةِ الْعَمَلِ لَعَلَّ أَنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَمَلِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إنِّي لَا أَكْرَهُ الْقِصَصَ إلَّا لِثَلَاثٍ قُلْتُ إحْدَاهُنَّ قَوْله تَعَالَى { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } انْتَهَى .
لَكِنْ قَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ وَلَا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ .
قَالَ مَالِكٌ صَدَقَ وَمِنْ هَذَا أَنَّ ارْتِكَابَ مَعْصِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَخَفُّ مِنْ ارْتِكَابِ مَعْصِيَتَيْنِ وَلَقَدْ بَدَأْتُهُ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى مَا أُرِيدُهُ بِآيَاتٍ
وَأَحَادِيثَ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ أَتَيْتُ بِهَا النَّصُّ وَالنِّسْبَةُ لِنَاقِلِهَا وَبَعْضُهَا بِالْمَعْنَى وَعَدَمُ النِّسْبَةِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى نَقْلِهِ ، كُلُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْكُتُبِ الْحَاضِرَةِ فِي الْوَقْتِ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى بَعْضِ حِكَايَاتٍ تَكُونُ تَفْسِيرًا وَبَيَانًا لِمَا الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى بَيَانِهِ وَرُبَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى بَعْضِ الْآدَابِ وَوَجَدْتُ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُونَ بِضِدِّهَا فَاحْتَجْتُ إلَى الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ مَعَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَجْهُ الصَّوَابِ وَيَتَّضِحَ بِحَسَبِ مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى وَبَدَأْتُ فِيهِ بِمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْآكَدُ وَالْأَهَمُّ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَتَّبْتُ ذَلِكَ عَلَى فُصُولٍ لِيَكُونَ كَالْفَصْلِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ فَيَكُونَ أَيْسَرَ لِلْفَهْمِ وَأَهْوَنَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُطَالِعَ مَسْأَلَةً مُعَيَّنَةً بِحَسَبِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ وَمَسْطُورٌ فِيهِ وَهَذَا بِحَسَبِ مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَقْتِ فَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى نُورًا لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ سُلَّمًا يَتَرَقَّى بِهِ إلَى غَيْرِهِ وَأَنْ يُدَقِّقَ النَّظَرَ فِيمَا ذَكَرْتُهُ فَلَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْكَمَالَ وَيَعْذُرُ مَنْ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ فَإِنْ ظَهَرَ غَلَطٌ أَوْ وَهْمٌ أَوْ تَقْصِيرٌ أَوْ غَفْلَةٌ أَوْ جَهْلٌ أَوْ عِيٌّ فَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِذَلِكَ كَثِيرًا وَهُوَ مِنِّي وَمِنْ الشَّيَاطِينِ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً ظَهَرَتْ لَهُ عَوْرَةٌ أَوْ عَيْبٌ فَسَتَرَ أَوْ عَذَرَ فَاسْتَعْذَرَ وَإِنْ ظَهَرَ خَيْرٌ فَبِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَالْمَنِّ لَهُ بَدْءًا وَعَوْدًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْلِحَ مَا وَجَدَ مِنْ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ فِي الْإِصْلَاحِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَأَنَّ الْبِرَّ خَيْرٌ .
وَسَمَّيْتُهُ بِمُقْتَضَى وَضْعِهِ كِتَابَ الْمَدْخَلِ إلَى تَنْمِيَةِ الْأَعْمَالِ بِتَحْسِينِ النِّيَّاتِ
وَالتَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ الْبِدَعِ وَالْعَوَائِدِ الَّتِي اُنْتُحِلَتْ وَبَيَانِ شَنَاعَتِهَا وَقُبْحِهَا .
فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْكَرِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ وَأَنْ يُرِيَنَا بَرَكَتَهُ يَوْمَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَحِينَ حُلُولِ الْإِنْسَانِ فِي رَمْسِهِ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ طَلَبَهُ أَوْ حَضَّ عَلَيْهِ أَوْ كَتَبَهُ أَوْ كَسَبَهُ أَوْ طَالَعَهُ أَوْ نَظَرَ فِيهِ وَاعْتَبَرَ وَسَتَرَ وَنَسْأَلُهُ الْعَفْوَ وَالرَّحْمَةَ وَالْإِقَالَةَ وَسَتْرَ الْعَوْرَاتِ وَتَأْمِينَ الرَّوْعَاتِ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِوَالِدِ وَالِدَيْنَا وَلِمَشَايِخِنَا وَمَشَايِخِهِمْ وَلِمَنْ عَلَّمَنَا وَلِمَنْ عَلَّمْنَاهُ وَلِمَنْ أَفَادَنَا وَلِمَنْ أَفَدْنَاهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ .
فَصْلٌ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى الْأَفْعَالِ كُلِّهَا أَنْ تَكُونَ بِنِيَّةِ حَاضِرَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الْإِخْلَاصُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ جَوَارِحَ ظَاهِرَةً وَجَوَارِحَ بَاطِنَةً فَعَلَى الظَّاهِرَةِ الْعِبَادَةُ وَالِامْتِثَالُ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ، وَعَلَى الْبَاطِنَةِ أَنْ تَعْتَقِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُخْلِصَةً فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَالْأَصْلُ الَّذِي تَتَفَرَّعُ عَنْهُ الْعِبَادَاتُ عَلَى أَنْوَاعِهَا هُوَ الْإِخْلَاصُ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ فَعَلَى هَذَا الْجَوَارِحُ الظَّاهِرَةُ تَبَعٌ لِلْبَاطِنَةِ ، فَإِنْ اسْتَقَامَ الْبَاطِنُ اسْتَقَامَ الظَّاهِرُ جَبْرًا ، وَإِذَا دَخَلَ الْخَلَلُ فِي الْبَاطِنِ دَخَلَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ وَكُلِّيَّتُهُ فِي تَخْلِيصِ بَاطِنِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ إذْ أَنَّ أَصْلَ الِاسْتِقَامَةِ مِنْهُ تَتَفَرَّعُ ، وَهُوَ مَعْدِنُهَا ، وَقَدْ نَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا وَبَيَّنَهُ أَتَمَّ بَيَانٍ فَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَلَّا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ .
وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ فَالْهِجْرَةُ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الْفِعْلِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ لِلَّهِ وَهَذِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الْجَوَارِحُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ النِّيَّةُ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ
أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَلَا تَرَى أَنَّ السَّاجِدَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالسَّاجِدَ لِلصَّنَمِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ عِبَادَةً وَهَذِهِ كُفْرًا بِالنِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ مُحَافِظًا عَلَى نِيَّتِهِ ابْتِدَاءً فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ فِي عَمَلِهِ يَنْظُرَ أَوَّلًا فِي نِيَّتِهِ فَيُحْسِنَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ حَسَنَةً فَيُنَمِّيَهَا إنْ أَمْكَنَ تَنْمِيَتُهَا وَمَا افْتَرَقَ النَّاسُ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِهِمْ تَقَارُبُ أَفْعَالِهِمْ ثُمَّ إنَّهُمْ يَفْتَرِقُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ بِحَسَبِ مَقَاصِدِهِمْ وَتَنْمِيَةِ أَفْعَالِهِمْ .
مِثَالُ ذَلِكَ ثَلَاثُ رِجَالٍ يَخْرُجُونَ إلَى الصَّلَاةِ أَحَدُهُمْ يَخْرُجُ وَيَنْظُرُ إنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَيْتِهِ قَضَاهَا فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ سَاهٍ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَهَذَا لَهُ أَجْرُ الصَّلَاةِ لَيْسَ إلَّا وَالْخُطَى الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا لِلْمَسْجِدِ قَدْ ذَهَبَتْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .
وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَشُرِطَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حُصُولِ هَذَا الْأَجْرِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ وَهَذَا الْمَذْكُورُ قَدْ أَرَادَ غَيْرَهَا بِالْحَاجَةِ الَّتِي نَوَى قَضَاءَهَا .
وَالثَّانِي خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ لَيْسَ إلَّا وَلَمْ يَخْلِطْ مَعَ هَذِهِ النِّيَّةِ غَيْرَهَا ، فَهَذَا أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بَرَكَةُ الْخُطَى إلَى الْمَسْجِدِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ .
وَالثَّالِثُ خَرَجَ بِمَا خَرَجَ بِهِ الثَّانِي لَكِنَّهُ حِينَ خُرُوجِهِ نَظَرَ فِي نِيَّتِهِ إنْ كَانَ يُمْكِنُ تَنْمِيَتُهَا أَمْ
لَا فَوَجَدَ ذَلِكَ مُمْكِنًا مُتَحَصِّلًا فَفَعَلَهُ فَخَرَجَ وَلَهُ مِنْ الْأُجُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ لَيْسَ إلَّا ، بَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ الْأَفْعَالِ دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا مَهْمَا أَمْكَنَ تَنْمِيَتُهَا فَعَلَ ذَلِكَ .
فَيَحْصُلُ بِهِ الْخَيْرُ الْعَظِيمُ وَالسَّعَادَةُ الْعُظْمَى مَعَ رَاحَةِ الْبَدَنِ مِنْ التَّعَبِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ ذَلِكَ بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَهْمَا ظَفِرَ بِشَيْءٍ مِمَّا نَوَاهُ ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهِيَةٍ لِلشَّرْعِ فِي فِعْلِهِ فَلْيُبَادِرْ إلَيْهِ .
وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ تَرْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ كَانَ الْأَوْلَى بِهِ وَالْأَفْضَلُ تَرْكَ النِّيَّةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَاهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ دَخَلَ إذْ ذَاكَ فِي قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ فَتَكُونُ نِيَّتُهُ تُحَصِّلُهُ فِي هَذَا الْمَقْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا تُنَمِّي هَذِهِ الطَّائِفَةُ أَعْمَالَهَا لِاهْتِبَالِهِمْ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ فِيهِ فَإِذَا ظَفِرُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَيَحْصُلُ لَهُمْ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلُ وَمَا لَمْ يَحْصُلْ حَصَلَ لَهُمْ أَجْرُ النِّيَّةِ .
وَقَدْ قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْقَعَ اللَّهُ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ انْتَهَى فَلَا يَزَالُونَ فِي خَيْرٍ دَائِمٍ وَأُجُورٍ مُتَزَايِدَةٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ يَسْهُو حِينَ الْفِعْلِ أَوْ يَفْعَلُهُ بِنِيَّةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ يَفْعَلُهُ وَلَهُ فِيهِ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ .
كَتَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا اعْلَمْ يَا عُمَرُ أَنَّ عَوْنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ بِقَدْرِ النِّيَّةِ فَمَنْ ثَبَتَتْ نِيَّتُهُ تَمَّ عَوْنُ اللَّهِ لَهُ وَمَنْ قَصُرَتْ عَنْهُ نِيَّتُهُ قَصُرَ
عَنْهُ عَوْنُ اللَّهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَكَتَبَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ إلَى أَخِيهِ أَخْلِصْ النِّيَّةَ فِي أَعْمَالِك يَكْفِك قَلِيلُ الْعَمَلِ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : مَنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى النِّيَّةِ بِنَفْسِهِ فَلْيَصْحَبْ مَنْ يُعَلِّمُهُ حُسْنَ النِّيَّةِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : نَظَرْت فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلَمْ يَأْتِنَا إلَّا مِنْ قِبَلِ الْغَفْلَةِ عَنْ النِّيَّةِ ؛ لِأَنِّي نَظَرْت فَوَجَدْت الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا حَرَكَةٌ وَإِمَّا سُكُونٌ وَكِلَاهُمَا عَمَلٌ انْتَهَى كَلَامُهُ بِالْمَعْنَى ، فَإِنْ تَحَرَّكَ الْإِنْسَانُ أَوْ سَكَنَ سَاهِيًا أَوْ غَافِلًا كَانَ ذَلِكَ عَمَلًا عَارِيًّا عَنْ النِّيَّةِ فَيَخْرُجُ أَنْ يَكُونَ عَمَلًا شَرْعِيًّا لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ تَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ مَنْزِلَةً وَأَكْثَرَهُمْ خَيْرًا وَبَرَكَةً الْوَاقِفُ مَعَ نِيَّتِهِ فِي حَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا وَخِيَارِ مَنْ تَقَدَّمَنَا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِتَحْسِينِ نِيَّاتِهِمْ وَتَحْرِيرِهَا فَكَانَتْ حَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ كُلُّهَا عِبَادَةً .
وَنَحْنُ الْيَوْمَ إنَّمَا الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا مَا كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَأُصُولِ الدِّينِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَهَذِهِ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ الْمُوَفَّقِينَ مِنَّا أَعْنِي الْمُحَافِظِينَ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ بِوَاجِبِهَا وَمَنْدُوبِهَا وَبَقِيَ مَا عَدَا هَذِهِ الْأَفْعَالِ عِنْدَنَا عَلَى أَقْسَامٍ فَمِنَّا مَنْ يَفْعَلُهَا لِلدُّنْيَا وَمِنَّا مَنْ يَفْعَلُهَا رَاحَةً وَمِنَّا مَنْ يَفْعَلُهَا غَفْلَةً وَنِسْيَانًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لَنَا فِي تَصَرُّفِنَا فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا .
حَكَى الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّحْبِيرِ لَهُ قَالَ : قِيلَ : إنَّ رَجُلًا مِنْ الصَّالِحِينَ رُئِيَ فِي
الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ : مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك ؟ قَالَ : غَفَرَ لِي وَرَفَعَ دَرَجَاتِي فَقِيلَ لَهُ : بِمَاذَا فَقَالَ لَهُ : هَاهُنَا يُعَامِلُونَ بِالْجُودِ لَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيُعْطُونَ بِالنِّيَّةِ لَا بِالْخِدْمَةِ وَيَغْفِرُونَ بِالْفَضْلِ لَا بِالْفِعْلِ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ وَقَعَ قَحْطٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ فَأَرْسَلَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ إلَى أَخٍ لَهُ فِي اللَّهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ النَّاسِ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ فَجَاءَ الرَّسُولُ إلَى الشَّيْخِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي بَيْتِهِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ : هُوَ فِي أَرْضِهِ يَعْمَلُ فَقَعَدَ يَنْتَظِرُهُ إلَى أَنْ جَاءَ عَشِيَّةً وَمَعَهُ الْبَقَرُ وَآلَةُ الْحَرْثِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَبَلَّغَ إلَيْهِ مَا جَاءَ بِسَبَبِهِ فَسَكَتَ عَنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ جَوَابًا فَبَقِيَ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُنْتَظِرًا رَدَّ الْجَوَابِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الَّذِي أَرْسَلَهُ فَخَرَجَ وَمَرَّ عَلَى الشَّيْخِ ، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي أَرْضِهِ فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي مَا أَرُدُّ لِسَيِّدِي فُلَانٍ فِي الْجَوَابِ فَقَالَ لَهُ : لَوْ عَلِمْت أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنِّي نَفَسٌ لِغَيْرِ اللَّهِ لَقَتَلْت نَفْسِي فَمَنْ يَرَاهُ يَتَسَبَّبُ وَيَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ يَظُنُّ أَنَّهُ طَالِبُ دُنْيَا أَوْ مُبْتَغٍ لَهَا ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْحَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي هَذَا مَعَ غَيْرِهِ فِي الصُّورَةِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ نَفَسٌ عَلَى مَا ذَكَرَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَافْتَرَقَ الْعَمَلَانِ بِمَا احْتَوَى عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَهِيَ النِّيَّةُ وَكَيْفِيَّتُهَا .
حَكَى صَاحِبُ الْقُوتِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَعَ شَيْخِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْعِرَاقِ فِي أَرْضٍ لَهُ يَزْرَعُ ، وَإِذَا بِرَجُلٍ يَمُرُّ كَالسَّحَابِ فَوَقَفَ مَعَ الشَّيْخِ يَتَحَدَّثُ مَعَهُ سَاعَةً ، وَالشَّيْخُ يَقُولُ : لَا أَقْدِرُ ثُمَّ مَضَى فَسَأَلْته مَنْ هَذَا الرَّجُلُ : فَقَالَ : هَذَا بَدَلُ الْإِقْلِيمِ الْفُلَانِيِّ فَقُلْت لَهُ وَمَا طَلَبَ مِنْك حَتَّى امْتَنَعْت مِنْ فِعْلِهِ ؟ فَقَالَ :
طَلَبَ مِنِّي أَنْ أَقِفَ مَعَهُ اللَّيْلَةَ بِعَرَفَةَ فَقُلْت لَهُ يَا سَيِّدِي وَمَا مَنَعَك مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لِي كُنْت نَوَيْت زِرَاعَةَ تِلْكَ الْبُقْعَةِ اللَّيْلَةَ فَانْظُرْ كَيْفَ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لِأَجْلِ زَرْعِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَلَوْ كَانَتْ زِرَاعَتُهَا عِنْدَهُ لِأَمْرٍ مُبَاحٍ لَتَرَكَهَا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ النِّيَّةُ فِيهَا صَالِحَةً بِحَسَبِ مَا نَوَى لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتْرُكَهَا لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ وَفِي قَوْله تَعَالَى وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ حُكِيَ لِي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ سَيِّدِي أَبِي عَلِيٍّ حَسَنٍ الزُّبَيْدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَانَ إمَامًا مُعَظَّمًا مُحْتَرَمًا مُقَدَّمًا عِنْدَ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ الْمَشَايِخِ مِثْلِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ وَسَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ وَنَظَائِرِهِمَا .
قَالَ : كُنْت مَعَ سَيِّدِي حَسَنٍ فِي حَائِطٍ لَهُ يَعْمَلُ فِيهِ ، وَإِذَا بِشَخْصٍ يَدُقُّ الْبَابَ فَمَشَيْت إلَى الْبَابِ لِأَنْظُرَ مَنْ هُوَ فَإِذَا هُوَ سَيِّدِي حَسَنٌ قَدْ لَحِقَنِي فَسَأَلَنِي عَنْ قِيَامِي بِأَيِّ نِيَّةٍ قُمْت فَقُلْت : قُمْت لِأَفْتَحَ الْبَابَ قَالَ : لَا غَيْرَ قُلْت : هُوَ ذَاكَ أَوْ كَمَا قَالَ : قَالَ : فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيَّ وَانْتَهَرَنِي ، وَقَالَ : فَقِيرٌ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ عَارِيَّةٍ عَنْ النِّيَّةِ ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَامَ لِفَتْحِ الْبَابِ وَعَدَّدَ لِي مَا قَامَ بِهِ مِنْ النِّيَّاتِ ، فَإِذَا هِيَ نَحْوُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ نِيَّةً وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا جَاءَ إلَى الْحَجِّ وَوَجَدَ بَعْضَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ فَلَمْ يَجْلِسْ إلَيْهِ وَلَمْ يُسَمِّعْ عَلَيْهِ شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : مَا خَرَجْت
بِهَذِهِ النِّيَّةِ فَلَمَّا أَنْ حَجَّ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَحَلَ إلَى الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ إلَى بَلَدِهِ بِالْيَمَنِ أَوْ غَيْرِهِ فَسَمَّعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ وَهَذَا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ .
وَهُوَ وَاضِحٌ بَيِّنٌ إذْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ .
فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الرِّحْلَةَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هِيَ الْأَصْلُ وَالْعُمْدَةُ وَمَا وَقَعَ بَعْدَهَا مِنْ النِّيَّاتِ فَتَبَعٌ لَهَا وَفَرْعٌ عَنْهَا تَحَفُّظًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَعًا فَيَكُونَ كَقَدَحِ الرَّاكِبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَدَحَ الرَّاكِبِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَاءُ لِقَضَاءِ مَآرِبِهِ مِنْ شُرْبٍ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ تَحْمِيلِ حَوَائِجِهِ كُلِّهَا عَلَيْهَا فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلًا لَا فَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ انْتَهَى .
وَمِنْ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَجْعَلَهُ أَصْلًا وَمَتْبُوعًا لَا فَرْعًا تَابِعًا .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ لَهُ : وَالنِّيَّةُ وَالْعَمَلُ بِهِمَا تَمَامُ الْعِبَادَةِ فَالنِّيَّةُ أَحَدُ جُزْأَيْ الْعِبَادَةِ لَكِنَّهَا خَيْرُ الْجُزْأَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْجَوَارِحِ لَيْسَتْ مُرَادَةً إلَّا لِتَأْثِيرِهَا فِي الْقَلْبِ لِيَمِيلَ إلَى الْخَيْرِ وَيَنْفِرَ عَنْ الشَّرِّ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى
الْأَرْضِ وَضْعَ الْجَبْهَةِ ، بَلْ خُضُوعَ الْقَلْبِ ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَتَأَثَّرُ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الزَّكَاةِ إزَالَةَ الْمِلْكِ ، بَلْ إزَالَةَ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ ، وَهُوَ قَطْعُ عَلَاقَةِ الْقَلْبِ مِنْ الْمَالِ .
ثُمَّ قَالَ فَاجْتَهِدْ أَنْ تُكْثِرَ مِنْ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِك حَتَّى تَنْوِيَ لِعَمَلٍ وَاحِدٍ نِيَّاتٍ كَثِيرَةً وَلَوْ صَدَقْت رَغْبَتُك لَهُدِيت لِطَرِيقِهِ وَيَكْفِيك مِثَالٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَنَّ الدُّخُولَ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْقُعُودَ فِيهِ عِبَادَةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَمَانِيَةُ أُمُورٍ أَوَّلُهَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنَّ دَاخِلَهُ زَائِرُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْوِي ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ زَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ إكْرَامُ زَائِرِهِ وَثَانِيهَا الْمُرَابَطَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا قِيلَ : مَعْنَاهُ انْتَظِرُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَثَالِثُهَا الِاعْتِكَافُ وَمَعْنَاهُ كَفُّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْأَعْضَاءِ عَنْ الْحَرَكَاتِ الْمُعْتَادَةِ فَإِنَّهُ نَوْعُ صَوْمٍ قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي الْقُعُودُ فِي الْمَسَاجِدِ .
وَرَابِعُهَا الْخَلْوَةُ وَدَفْعُ الشَّوَاغِلِ لِلُزُومِ السِّرِّ وَالْفِكْرِ فِي الْآخِرَةِ وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا وَخَامِسُهَا التَّجَرُّدُ لِلذِّكْرِ وَإِسْمَاعُهُ وَاسْتِمَاعُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُذَكِّرُ بِهِ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَادِسُهَا أَنْ يَقْصِدَ إفَادَةَ عِلْمٍ وَتَنْبِيهَ مَنْ يُسِيءُ الصَّلَاةَ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ حَتَّى يَنْتَشِرَ بِسَبَبِهِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ وَيَكُونَ شَرِيكًا فِيهَا وَسَابِعُهَا أَنْ يَتْرُكَ الذُّنُوبَ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ فِي نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ حَتَّى يَسْتَحِيَ مِنْهُ مَنْ رَآهُ أَنْ يُقَارِفَ ذَنْبًا
وَقِسْ عَلَى هَذَا سَائِرَ الْأَعْمَالِ فَبِاجْتِمَاعِ هَذِهِ النِّيَّاتِ تُزَكَّى الْأَعْمَالُ وَتَلْتَحِقُ بِأَعْمَالِ الْمُقَرَّبِينَ كَمَا أَنَّهُ بِنَقْصِهَا تَلْتَحِقُ بِأَعْمَالِ الشَّيَاطِينِ كَمَنْ يَقْصِدُ مِنْ الْقُعُودِ فِي الْمَسْجِدِ التَّحَدُّثَ بِالْبَاطِلِ وَالتَّفَكُّهَ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ وَمُجَالَسَةَ إخْوَانِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَمُلَاحَظَةَ مَنْ يَجْتَازُ بِهِ مِنْ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ وَمُنَاظَرَةَ مَنْ يُنَازِعُهُ مِنْ الْأَقْرَانِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَاهَاةِ وَالْمُرَاءَاةِ بِاقْتِنَاصِ قُلُوبِ الْمُسْتَمِعِينَ لِكَلَامِهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ .
وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْفُلَ فِي الْمُبَاحَاتِ عَنْ حُسْنِ النِّيَّةِ فَفِي الْخَبَرِ إنَّ الْعَبْدَ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى عَنْ كُحْلِ عَيْنِهِ وَعَنْ فُتَاتِ الطِّيبِ بِأُصْبُعَيْهِ وَعَنْ لَمْسِ ثَوْبِ أَخِيهِ .
فَمِثَالُ النِّيَّةِ فِي الْمُبَاحَاتِ أَنَّ مَنْ يَتَطَيَّبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْصِدَ التَّنْعِيمَ بِلَذَّتِهِ وَالتَّفَاخُرَ بِإِظْهَارِ ثَرْوَتِهِ وَالتَّزْوِيقَ لِلنِّسَاءِ وَأَخْدَانِ الْفَسَادِ وَيَتَصَوَّرُ أَنْ يَنْوِيَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ وَتَعْظِيمَ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَاحْتِرَامَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَدَفْعَ الْأَذَى عَنْ غَيْرِهِ بِدَفْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَإِيصَالَ الرَّاحَةِ إلَيْهِمْ بِالرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَحَسْمَ بَابِ الْغَيْبَةِ إذَا شَمُّوا مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً وَإِلَى الْفَرِيقَيْنِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَطَيَّبَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَمَنْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ اللَّهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَنْتَنُ مِنْ الْجِيفَةِ انْتَهَى .
وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ فَالْمُحَاسَبَةُ حَبْسُ الْأَنْفَاسِ وَضَبْطُ الْحَوَاسِّ وَرِعَايَةُ الْأَوْقَاتِ وَإِيثَارُ الْمُهِمَّاتِ .
يُبَيِّنُ هَذَا وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ : لَوْ قِيلَ : لَكَ إنَّك تَمُوتُ الْآنَ بِمَاذَا كُنْت تَحْتَرِفُ ؟ أَحْتَرِفُ لِأَهْلِي بِالسُّوقِ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَمُوتَ إلَّا عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ فَلَمَّا أَنْ اخْتَارَ الْمَوْتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا فِي السُّوقِ عُلِمَ عِنْدَ ذَلِكَ مَقَاصِدُهُمْ بِالسُّوقِ مَا كَانَتْ وَلِأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا يَخْرُجُونَ إلَيْهَا ، وَهَلْ هُمْ مُعْرِضُونَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَوْ حَاضِرُونَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْخَيْرِ .
وَقَدْ قَالَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنِّي لَأَنْكِحُ النِّسَاءَ وَمَا لِي إلَيْهِنَّ حَاجَةٌ وَأَطَأهُنَّ وَمَا لِي إلَيْهِنَّ شَهْوَةٌ قِيلَ : وَلِمَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ : رَجَاءَ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ ظَهْرِي مَنْ يُكَاثِرُ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ ، فَهَذَا أَعْظَمُ مَلْذُوذَاتِ الدُّنْيَا رَجَعَ مُجَرَّدًا لِلْآخِرَةِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى رَبِّهِمْ فَمَا بَالُك بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ لَذَّةً وَشَهْوَةً ؟ فَسُبْحَانَ مَنْ مَنَّ عَلَيْهِمْ وَسَقَاهُمْ بِكَأْسِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ الْيَوْمَ قَدْ أَخَذْنَا فِي الضِّدِّ مِنْ أَحْوَالِهِمْ هَذِهِ أَحْوَالُ دُنْيَاهُمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى رَبِّهِمْ وَنَحْنُ الْيَوْمَ قَدْ أَخَذْنَا أَعْظَمَ مَا يُعْمَلُ لِلْآخِرَةِ وَرَدَدْنَاهُ إلَى الدُّنْيَا وَلِأَسْبَابِهَا بَيَانُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ : مَا أَعْمَالُ الْبِرِّ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ .
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَعْظَمَ أَعْمَالِ
الْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الدُّنْيَا صَرْفًا يَقْعُدُ أَحَدُنَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ وَيَبْحَثُ فِيهِ ثُمَّ يَطْلُبُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْوَقْتِ مِنْ طَلَبِ الْمَنَاصِبِ بِهِ وَالرِّيَاسَاتِ وَمَحَبَّةِ الظُّهُورِ وَالرِّفْعَةِ بِهِ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَمَحَبَّةِ الْحَظْوَةِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعَوَامِّ إنْ سَلِمَ مِنْ الدَّاءِ الْعُضَالِ ، وَهُوَ التَّرَدُّدُ إلَى أَبْوَابِهِمْ وَإِهَانَةُ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرْعِيِّ الْعَظِيمِ بِالْوُقُوفِ بِهِ عَلَى أَبْوَابِ الظَّلَمَةِ وَمُعَايَنَةِ مَا الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ يُحَرِّمُهُ وَيَأْمُرُ بِتَغْيِيرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ فِي ثَانِي دَرَجَةٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَفِي ثَالِثِ مَرْتَبَةٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الْعَظِيمِ وَالسَّعَادَةِ الْعَظِيمَةِ كَيْفَ وَقَعَ وَنَزَلَ بِهِ هَذَا النَّاقِدُ الْمِسْكِينُ الْمُتَشَبِّهُ بِالْعُلَمَاءِ الدَّخِيلُ فِيهِمْ تَسَمَّى بِاسْمٍ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ فَنَزَلَ بِهِ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ ؟ لَكِنَّ الْعِلْمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يَنْزِلْ ، وَإِنَّمَا نَزَّلَ نَفْسَهُ وَبَخَسَهَا حَظَّهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْعِلْمِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ تَرَكَ عِلْمَهُ عَلَى رَأْسِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ يُوَبِّخُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ وَيَكُونُ سَبَبًا لِإِهْلَاكِهِ .
يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ قَالَ : رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اُسْتُشْهِدَ
فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ : فَمَا عَمِلْت فِيهَا قَالَ : قَاتَلْت فِيك حَتَّى اُسْتُشْهِدْت قَالَ : كَذَبْت وَلَكِنَّك قَاتَلْت لِيُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ : ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ : فَمَا عَمِلْت فِيهَا قَالَ : تَعَلَّمْت الْعِلْمَ وَعَلَّمْته وَقَرَأْت فِيك الْقُرْآنَ قَالَ : كَذَبْت ، وَلَكِنَّك تَعَلَّمْت الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْت الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ : فَمَا عَمِلْت فِيهَا قَالَ : مَا تَرَكْت مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلَّا أَنْفَقْت فِيهَا لَك قَالَ : كَذَبْت وَلَكِنَّك فَعَلْت لِيُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيَّ ، وَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيمَنْ لَمْ يُرِدْ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ .
وَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي رَقَائِقِهِ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَظْهَرُ هَذَا الدِّينُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْبِحَارَ وَحَتَّى تُخَاضَ الْبِحَارُ بِالْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ يَأْتِي أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَإِذَا قَرَءُوهُ قَالُوا : مَنْ
أَقْرَأُ مِنَّا مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ ، وَقَالَ : هَلْ تَرَوْنَ فِي أُوْلَئِكُمْ مِنْ خَيْرٍ قَالُوا : لَا قَالَ : أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَلَّمُهُ إلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ قَالَ : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهُ قَالَ الْقُرَّاءُ الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .
وَفِي كِتَابِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا إنَّ جَهَنَّمَ لَتَتَعَوَّذُ مِنْ شَرِّ ذَلِكَ الْوَادِي كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَإِنَّ فِي ذَلِكَ الْوَادِي لَجُبًّا إنَّ جَهَنَّمَ ، وَذَلِكَ الْوَادِي لَيَتَعَوَّذَانِ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ ذَلِكَ الْجُبِّ ، وَإِنَّ فِي الْجُبِّ لَحَيَّةً إنَّ جَهَنَّمَ وَالْوَادِي وَالْجُبَّ لَيَتَعَوَّذُونَ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ تِلْكَ الْحَيَّةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَشْقِيَاءِ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ الَّذِينَ يَعْصُونَ اللَّهَ تَعَالَى انْتَهَى .
نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ فَانْظُرْ إلَى ذَلِكَ الْمَنْصِبِ الْعَظِيمِ وَالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا كَيْفَ رَجَعَتْ فِي حَقِّ هَذَا الْقَارِئِ الْمِسْكِينِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ وَالْمَسْكَنَةِ الْعُظْمَى بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ مِنْ حُبِّ الرِّيَاسَاتِ وَالْمَنَاصِبِ وَالْمُفَاخَرَةِ ؟
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ رَجَعَ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا ذُكِرَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ عُلَمَاءِ وَقْتِهِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى طَرَفٍ مِمَّا ذُكِرَ وَيُثْنَى عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ بِفَضِيلَةِ الْعِلْمِ يَقُولُ : نَاقِلٌ نَاقِلٌ خَوْفًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَنْصِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُنْسَبَ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذِبًا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ النَّاقِلَ لَيْسَ بِعَالِمٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ صَانِعٌ مِنْ الصُّنَّاعِ كَالْخَيَّاطِ وَالْحَدَّادِ وَالْقَصَّارِ هَذَا إذَا كَانَ نَقْلُهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَإِلَّا كَانَ دَجَّالًا فَيُسْتَعَاذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ هُوَ النَّقْلُ لَيْسَ إلَّا ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُلُوبِ .
وَمِنْ كِتَابِ سِيَرِ السَّلَفِ لِلْحَافِظِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْبَهَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ : رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ إنَّمَا الْعِلْمُ لِمَنْ اتَّبَعَ الْعِلْمَ وَاسْتَعْمَلَهُ وَاقْتَدَى بِالسُّنَنِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ انْتَهَى يُبَيِّنُ هَذَا وَيُوَضِّحُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَنْبَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ الْبَزَّارِ يَقُولُ : مَا أَظُنُّ الْقُرْآنَ إلَّا عَارِيَّةً فِي أَيْدِينَا ، وَذَلِكَ أَنَّا رَوَيْنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَفِظَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي بِضْعِ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمَّا حَفِظَهَا نَحَرَ جَزُورًا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّ الْغُلَامَ فِي دَهْرِنَا هَذَا يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُعَلِّمِ فَيَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لَا يُسْقِطُ مِنْهُ حَرْفًا فَمَا أَحْسَبُ الْقُرْآنَ إلَّا عَارِيَّةً فِي أَيْدِينَا .
وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ فَيَكُونَ قَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطَائِلٍ .
، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : اعْلَمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ حَتَّى تَعْمَلُوا قَالَ : ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ قَوْلِ مُعَاذٍ وَفِيهِ زِيَادَةٌ أَنَّ الْعُلَمَاءَ هِمَّتُهُمْ الرِّعَايَةُ ، وَأَنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمْ الرِّوَايَةُ انْتَهَى نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهَذِهِ الْآثَارُ وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تُبَيِّنُ وَتُوَضِّحُ مُرَادَ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ نُورًا كَانَ بَعِيدًا مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا الْمَذْكُورَةُ هَنِيئًا لَهُ فَمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ
النُّورِ بَقِيَ إمَّا دَجَّالًا أَوْ لِصًّا يَكِيدُ الدِّينَ وَأَهْلَهُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ وَهَذَا الْبَحْثُ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ إذَا سَلِمَ طَالِبُ الْعِلْمِ مِنْ عِوَضٍ يَأْخُذُهُ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَعْلُومٌ يَطْلُبُهُ عَلَى عِلْمِهِ فَقَدْ زَادَ ذَمًّا عَلَى مَذْمُومَاتٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَلَوْ وَقَفَ أَمْرُنَا عَلَى هَذَا لَكَانَ ذَلِكَ رَحْمَةً بِنَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمَرْءُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا عِلْمُهُ يُرْجَى لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ عَلَى التَّرْكِ بَادَرَ إلَيْهِ وَتَابَ وَأَقْلَعَ وَرَجَعَ إلَى الْأَعْلَى وَالْأَكْمَلِ لَكِنَّا لَمْ نَقِفْ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ ، بَلْ زِدْنَا عَلَيْهِ الدَّاءَ الْمُضِرَّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ تَوْبَةٌ وَلَا اسْتِغْفَارٌ ، وَهُوَ أَنَّا نَرَى أَنْفُسَنَا فِي طَاعَةٍ وَخَيْرٍ ، وَأَنَّ وُقُوفَنَا عَلَى أَبْوَابِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنْ بَابِ مَا يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ بِحَسَبِ مَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا وَزَيَّنَ لَنَا الشَّيْطَانُ فَأَيُّ تَوْبَةٍ تَحْدُثُ مَعَ هَذَا الْحَالِ ؟ وَأَيُّ إقَالَةٍ تَقَعُ لِأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا تُرْجَى لِمَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ ؟ أَمَّا الطَّاعَةُ فَلَا يَتُوبُ أَحَدٌ مِنْهَا ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَكَلَّمَ فِي وَقْتِهِ عَلَى شَيْءٍ ظَهَرَ لَهُ أَقَلَّ مِنْ هَذَا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى مَوْتِ الْأَخْيَارِ وَالْبَقَاءِ مَعَ قَوْمٍ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ فَضِيحَةٍ وَلَا عَارٍ انْتَهَى .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا تَأْخُذُهُ عَلَى الْعِلْمِ مِنْ الْمَعْلُومِ نَقُولُ فِيهِ : إنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ فِي نَفْسِ طَلَبِهِ إنَّمَا هُوَ لِلَّهِ وَهَذَا كُلُّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ وَلَوْ قَطَعَ عَنَّا مَا نَأْخُذُهُ مِنْ الْمَعْلُومِ وَبَقِينَا عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ لَا نَبْرَحُ وَلَا نَفْتُرُ عَمَّا كُنَّا
بِصَدَدِهِ لَكَانَتْ دَعْوَانَا صَحِيحَةً وَلَكِنْ نَنْظُرُ إلَى أَنْفُسِنَا فَنَجِدُ الْوَاحِدَ مِنَّا إذَا قُطِعَ عَنْهُ الْمَعْلُومُ تَسَخَّطَ إذْ ذَاكَ وَيَقُولُ إذَا كَانَ مُبْتَدِئًا كَيْفَ يُقْطَعُ عَنِّي وَأَنَا قَدْ قَرَأْت الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ وَحَفِظْت كَذَا ؟ بَلْ لَا نَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى قَطْعِ الْمَعْلُومِ ، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِينَا مَعَ وُجُودِ الْمَعْلُومِ تَجِدُ الطَّالِبَ مِنَّا يَقُولُ : كَيْفَ يَأْخُذُ فُلَانٌ كَذَا وَأَنَا أَكْثَرُ بَحْثًا مِنْهُ وَأَكْثَرُ فَهْمًا وَأَكْثَرُ حِفْظًا لِلْكُتُبِ وَأَكْثَرُ نَقْلًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لَنَا الظَّاهِرَةِ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَّا ؟ ، بَلْ إذَا أَرَادَ الطَّالِبُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ أَنْ يَبْتَدِيَ الْقِرَاءَةَ يَبْتَدِيهِ بِهَذَا الِاسْمِ إنْ كَانَ هُوَ الطَّالِبُ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ وَلِيَّهُ فَكَذَلِكَ فَيَدْخُلُ أَوَّلًا بِنِيَّةِ أَنْ يَنْشَطَ فِي الْعِلْمِ وَيَظْهَرَ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ كِفَايَتُهُ وَحَتَّى يَحْصُلَ عَدَالَتُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَاصِبِ الَّتِي نَحْنُ عَامِلُونَ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْعِلْمُ لِلَّهِ مَعَ هَذَا الْحَالِ وَإِنْ كَانَ مُنْتَهِيًا تَجِدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَائِرِهِ التَّنَافُسَ عَلَى مَنَاصِبِ التَّدْرِيسِ وَالسَّعْيَ فِيهِ إلَى أَبْوَابِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ؟ .
وَالتَّدْرِيسُ بِالْمَعْلُومِ فِي الْغَالِبِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ هَؤُلَاءِ وَمُبَاشَرَتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَهُ طَرَفٌ مِنْ النُّورِ ؟ وَذَلِكَ بَعِيدٌ جِدًّا ثُمَّ إذَا قُطِعَ الْمَعْلُومُ تَسَخَّطَ إذْ ذَاكَ وَيَقُولُ : أَيُّ فَائِدَةٍ لِقُعُودِي وَيُبْطِلُونَ الْمَوَاضِعَ مِنْ الدُّرُوسِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَعْلُومُ فَإِذَا أَتَى الْمَعْلُومُ وَجَدْتنَا نَتَسَابَقُ إلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ وَنَهْرَعُ إلَيْهَا فَصَارَ حَالُنَا كَمَا قَالَ يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَصْبَحْنَا نَذُمُّ الدُّنْيَا بِالْأَلْسُنِ وَنَجُرُّهَا إلَيْنَا بِالْأَيَادِي وَالْأَرْجُلِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ هَذَا هُوَ حَالُ السَّالِمِ
مِنْ النِّيَّةِ السُّوءِ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ فِي الْمَعْنَى ، وَإِلَّا فَأَفْعَالُنَا الْغَالِبُ عَلَيْهَا هَذَا الْمَعْنَى أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْأَذَانِ وَمَا فِيهِ وَفِي فَضْلِ الْإِمَامَةِ وَمَا فِيهَا ، وَالْغَالِبُ عَلَى أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ لَهُ مَعْلُومٌ حِينَئِذٍ يُعْمَرُ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْلُومٌ تُرِكَ مُغْلَقًا حَتَّى يُخْرَبَ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ بِالْهَدْمِ وَالْبَيْعِ .
فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ وَمَيِّزْ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ حَالِ سَلَفِنَا فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ وَحَالِنَا فِي الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي هِيَ لِلْآخِرَةِ تَجِدُ إذْ ذَاكَ الْفَرْقَ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاحِدِ وَقِسْ عَلَى هَذَا وَانْظُرْ بِنَظَرِك أَيَّ شَبَهٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَخَذْنَا وَاَللَّهِ فِي الضِّدِّ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ مِنْ أَحْوَالِنَا وَأَحْوَالِ مَنْ تَقَدَّمَنَا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَقَاءَ فِي هَذَا سُخْفٌ فِي الْعَقْلِ وَحِرْمَانٌ بَيِّنٌ فَيَحْتَاجُ مَنْ لَهُ لُبٌّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتُوبَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ وَيَنْظُرَ بِعَيْنِ الْعِلْمِ فِيهَا وَيُصْلِحَهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ صَلَاحَهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِتَرْكِهَا بَلْ يَكُونُ بِتَرْكِهَا وَبِالْإِقَامَةِ فِيهَا هَذَا رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ فَرُبَّ شَخْصٍ لَا يُنَظِّفُهُ إلَّا التَّرْكُ ، وَآخَرُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّرْكِ ، بَلْ يُبَدِّلُ النِّيَّةَ وَيُحَسِّنُهَا وَيَسْتَقِيمُ حَالُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ أَخْذِ الدَّرْسِ فِي الْمَدَارِسِ فَيُلْتَمَسُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَعْنِي مَنْ هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ التَّرْكُ أَوْ غَيْرُهُ
إلَّا لِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ أَوْ مَنْ يُبَاشِرُهُ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ وَالتَّمْيِيزِ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلَفِنَا فِي غَالِبِ أَحْوَالِنَا إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَيْهَا سُوَيْدَاءُ الْقُلُوبِ إذْ أَنَّا نُصَلِّي كَمَا كَانُوا يُصَلُّونَ وَنَصُومُ كَمَا كَانُوا يَصُومُونَ وَنَحُجُّ كَمَا كَانُوا يَحُجُّونَ وَافْتَرَقْنَا لِأَجْلِ افْتِرَاقِ النِّيَّاتِ فَبَعْضُنَا يَكُونُ افْتِرَاقُهُ كَثِيرًا ، وَبَعْضُنَا يَكُونُ افْتِرَاقُهُ قَلِيلًا بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ .
فَمَنْ لَهُ عَقْلٌ يَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ حَالِهِ أَنْ يُصْلِحَ مَا وَقَعَ مِنْ الْخَلَلِ فِي نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ فَيُحَسِّنَ نِيَّتَهُ وَيُزِيلَ عَنْهَا الشَّوَائِبَ ثُمَّ يُنَمِّيهَا مَا اسْتَطَاعَ جَهْدُهُ وَيَلْجَأُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى مَوْلَاهُ وَيَسْتَغِيثُ بِهِ لَعَلَّهُ يَمُنُّ عَلَيْهِ وَيُلْحِقُهُ بِسَلَفِهِ .
وَكَيْفِيَّةُ الْمَأْخَذِ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ مُحَاوَلَةِ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى الْوُجُوبِ أَوْ إلَى النَّدْبِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : ( : لَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِأَحَبَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْته عَلَيْهِمْ ثُمَّ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَبْقَى تَصَرُّفُهُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ لِلَّهِ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ لِلَّهِ وَإِنْ نَظَرَ نَظَرَ لِلَّهِ وَإِنْ غَضَّ طَرْفَهُ غَضَّهُ لِلَّهِ وَإِنْ بَطَشَ بَطَشَ لِلَّهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : إنَّ الْفَقِيرَ حَالُهُ بَيْنَ الْبَاءِ وَالْأَلْفِ يَعْنِي أَنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ خَالِصَةٌ لِرَبِّهِ قَائِمًا فِيهَا بِهِ إذْ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا فَهُوَ بِهِ وَإِلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَمَلَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ قَوْلَ الْحَلَّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِ لِمَا قِيلَ : لَهُ أَيْنَ اللَّهُ قَالَ : فِي الْجُبَّةِ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْجُبَّةِ الَّتِي عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ تَصَرُّفٌ ، وَإِنَّمَا التَّصَرُّفُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ عَلَى مُقْتَضَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ بِسَبِيلِهِ فَأَفْتَى مَنْ يُشَارُ إلَيْهِ فِي وَقْتِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِقَتْلِهِ ؛ تَحَفُّظًا مِنْهُمْ عَلَى مَنْصِبِ الشَّرِيعَةِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ غَيْرُ مُحَقِّقٍ فَيَدَّعِي شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ وَيَجْعَلَ قُدْوَتَهُ فِي ذَلِكَ الْحَلَّاجَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ
.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ سَهْلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " مَنْ انْتَقَلَ مِنْ نَفَسٍ إلَى نَفَسٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَقَدْ ضَيَّعَ وَأَدْنَى مَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ ضَيَّعَ دُخُولُهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَتَرْكُهُ مَا يَعْنِيهِ ، وَقَدْ قَالُوا : إنَّ الذِّكْرَ عَلَى قِسْمَيْنِ : ذِكْرٌ بِاللِّسَانِ وَذِكْرٌ بِالْقَلْبِ ، وَهُوَ مَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنْ النِّيَّاتِ وَمِنْ الْوُقُوفِ مَعَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَنُقِلَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِمَنْ هَذِهِ الدَّارُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ : مَا لِي وَهَذَا السُّؤَالُ وَهَلْ هَذِهِ إلَّا كَلِمَةٌ لَا تَعْنِينِي ؟ فَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَصُومَ سَنَةً كَامِلَةً كَفَّارَةً لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ ، وَسَبَبُ هَذَا الْوَاقِعِ مِنْهُ وُقُوفُهُ مَعَ نِيَّتِهِ وَالنَّظَرُ فِيهَا وَتَحْرِيرُهَا وَالِاهْتِمَامُ بِهَا فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ بِأَعْظَمَ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ فَيَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ لُبٌّ إنْ قَدَرَ أَنْ يَعْمَلَ الشَّيْءَ عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِ كَانَ أَوْلَى بِهِ إذْ أَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى رَبِّهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي الْفِعْلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَالْأَفْعَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحْكَامِ الشَّرْعِ خَمْسَةٌ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٌ فَالْحَرَامُ قَدْ تُرِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُرِّمَ وَالْمَكْرُوهُ مَا كَانَ فِي تَرْكِهِ أَجْرٌ فَلَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ تَرْكَ الْأَجْرِ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي دِينِهِ نَهَّابًا .
كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ يَنْهَبَانِ فِيك فَانْهَبْ فِيهِمَا فَهُوَ يَنْهَبُ فِي الْأَعْمَالِ يَفْتَرِسُهَا كَالْأَسَدِ عَلَى فَرِيسَتِهِ يَغْتَنِمُهَا وَيُحَصِّلُهَا ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَضَى عَنْهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ أَبَدًا ، وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَيْهِ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ لِأَجْلِ تَرْكِ الْأَجْرِ فِيهِ وَلِمَا جَاءَ فِي
الْحَدِيثِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَالَ : إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَلَا ، وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا ، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا ، وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الطَّرِيقِ فَالْمَكْرُوهُ عِنْدَهُمْ كَالْمُحَرَّمِ لَا سَبِيلَ إلَى ذِكْرِهِ فَضْلًا عَنْ فِعْلِهِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ وَسَمِعْته يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْحُكَمَاءِ قَالَ : مَا كُنْت لَاعِبًا لَا بُدَّ أَنْ تَلْعَبَ بِهِ فَلَا تَلْعَبَنَّ بِدِينِك .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَعْنَى فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُسَامِحَ أَحَدًا فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي مُسَامَحَتِهِ فِيهِ إثْمٌ وَإِنْ سَامَحَهُ فِي مَالِهِ أَوْ فِي عِرْضِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُصْبِحَ الرَّجُلُ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا فَيَدْعُوهُ إلَى الْفِطْرِ مِنْ صَنِيعٍ يَصْنَعُهُ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ : أَنَّهُ إنْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ لَيُفْطِرَن فَلْيُحَنِّثْهُ وَلَا يُفْطِرُ ، وَإِنْ حَلَفَ هُوَ فَلْيُكَفِّرْ وَلَا يُفْطِرُ وَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الْفِطْرِ فَلْيُطِعْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ رِقَّةً مِنْهُمَا عَلَيْهِ لِاسْتِدَامَةِ صَوْمِهِ انْتَهَى فَبَقِيَتْ الْأَفْعَالُ ثَلَاثَةً وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ فَالْمُبَاحُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ لَا فِي فِعْلِهِ ثَوَابٌ وَلَا فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيْهِ سَاعَةٌ إلَّا ، وَهُوَ فِيهَا طَائِعٌ لِرَبِّهِ مُمْتَثِلٌ أَمْرَهُ ، وَالسَّاعَةُ الَّتِي يَفْعَلُ فِيهَا الْمُبَاحَ يَكُونُ عَرِيًّا عَنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ لَا
يَنْبَغِي .
أَمَّا أَهْلُ الطَّرِيقِ فَالتَّصَرُّفُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُبَاحِ لَا يُمْكِنُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ إنَّمَا يَكُونُ فِي وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ نَظَرْنَا إلَى الْمُبَاحِ فَوَجَدْنَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَنْتَقِلُ إلَى النَّدْبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَبَقِيَتْ الْأَفْعَالُ فِعْلَيْنِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ لَيْسَ إلَّا ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَعْظَمُ أَجْرًا فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ نَظَرْنَا إلَى الْمَنْدُوبِ هَلْ يُمْكِنُ نَقْلُهُ إلَى الْوَاجِبِ أَمْ لَا ؟ فَوَجَدْنَاهُ يَنْتَقِلُ إلَى أَكْثَرِ الْأَعْمَالِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَبَقِيَ التَّصَرُّفُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْوَاجِبُ أَعْنِي فِي غَالِبِ الْحَالِ وَالْمَنْدُوبُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ .
فَصْلٌ فِي الْهُبُوبِ مِنْ النَّوْمِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالتَّصَرُّفِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَإِنْ انْتَبَهَ الْإِنْسَانُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَامَ مِنْ فِرَاشِهِ يَلْبَسُ ثَوْبَهُ فَإِنَّ اللِّبْسَ مِنْ جِهَةِ الْمُبَاحِ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ يَلْبَسُهُ بِنِيَّةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ ثُمَّ لَا يَخْلُو الثَّوْبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُتَزَيَّنُ بِهِ أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ضَمَّ إلَى نِيَّةِ الْوَاجِبِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي إظْهَارِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ .
فَيَنْوِي بِذَلِكَ مُبَادَرَتَهُ إلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مِمَّا لَا يُتَزَيَّنُ بِهِ فَيَنْوِي بِلُبْسِهِ التَّوَاضُعَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالِانْكِسَارَ وَالتَّذَلُّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِظْهَارَ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ إلَيْهِ وَامْتِثَالَ السُّنَّةِ أَيْضًا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْيَاقُوتِ أَوْ كَمَا قَالَ .
وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : مَنْ تَرَكَ لُبْسَ جَمَالٍ ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَالَ بِشْرٌ أَحْسِبُهُ قَالَ : تَوَاضُعًا كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ هَذَا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ اتِّسَاعٌ وَتَرَكَ اللِّبَاسَ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ .
أَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ الثَّوْبِ فَقَدْ بَقِيَ عَلَى الْوُجُوبِ لَيْسَ إلَّا لَكِنْ يَضُمُّ إلَى نِيَّةِ الْوُجُوبِ الرِّضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَتَرْكَ الِاخْتِيَارِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّسْلِيمَ لَهُ فِي حُكْمِهِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ أَجْرًا إذَا أَحْسَنَتْ نِيَّتُهُ فِيمَا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّهُ مَقَامُ الرِّضَى ، وَمَقَامُ الرِّضَى عَزِيزٌ جِدًّا لَا يَقُومُ فِيهِ إلَّا وَاحِدُ
عَصْرِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى ثِيَابٍ كَثِيرَةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا يَلْبَسُهَا لِأَجْلِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيَنْوِي بِذَلِكَ دَفْعَ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ عَنْهُ مُمْتَثِلًا فِي ذَلِكَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالِاضْطِرَارَ فِي لُبْسِهِ مَعَ اعْتِقَادِ النِّيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْفَعُ الْحَرَّ أَوْ الْبَرْدَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ حَكَى بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ قَاعِدًا لِأَجْلِ الدَّرْسِ ، وَإِذَا بِهِ قَدْ أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ ثَوْبَهُ وَأَوْمَأَ لِذَلِكَ وَتَحَرَّكَ إلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَجَعَلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : حَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ إلَى ثَوْبِي فَوَجَدْتنِي قَدْ لَبِسْته مَقْلُوبًا فَعَزَمْت عَلَى تَعْدِيلِهِ ثُمَّ إنِّي فَكَّرْت أَنِّي كُنْت لَبِسْته حِينَ قُمْت مِنْ الْفِرَاشِ بِنِيَّةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَاسْتَغْفَرْت اللَّهَ تَعَالَى مِمَّا أَرَدْت فِعْلَهُ أَوْ كَمَا قَالَ ، وَهَذَا السَّيِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَمْ تَخْلُصْ لَهُ النِّيَّةُ بِحَضْرَةِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ خَلَصَتْ وَخَافَ أَنْ يَشُوبَهَا شَيْءٌ مَا لِأَجْلِ حُضُورِهِمْ فَتَرَكَهُ أَلْبَتَّةَ أَوْ أَرَادَ بِتَرْكِ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ مِمَّا أَرَادَ فِعْلَهُ تَعْلِيمَ الطَّلَبَةِ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ فِي الْأَفْعَالِ كُلِّهَا فَيَكُونُ لُبْسُ الثَّوْبِ مِنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى بَقَائِهَا ، وَإِلَّا لَوْ حَوَّلَهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَعَدَّلَهُ بِنِيَّةِ إكْمَالِ الزِّينَةِ وَإِظْهَارِ النِّعَمِ عَلَى تَرْتِيبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُضَادًّا لِنِيَّتِهِ الْأُولَى لَكِنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ أَخَذَتْ بِالْجِدِّ وَالْحَزْمِ فَمَهْمَا وَقَعَ لَهُمْ شَيْءٌ مَا مِنْ الشَّوَائِبِ أَوْ تَوَهَّمُوهَا بِطَرْفٍ مَا تَرَكُوا الْفِعْلَ أَلْبَتَّةَ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَرَّ بِالْفُرَاتِ وَفِيهِ مَرْكَبٌ مَوْسُوقٌ خَمْرًا ، وَكَانَ
صَاحِبُ الْخَمْرِ مِنْ الظَّلَمَةِ الْمُسَلَّطِينَ عَلَى الْخَلْقِ فِي وَقْتِهِ لَا يُطَاقُ لِشِدَّةِ سَطْوَتِهِ فَطَلَعَ الْمَرْكَبَ وَكَسَرَ مَا هُنَاكَ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَتَعَرَّضُ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْسِيرِ جَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَقَفَ عِنْدَهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَرَكَهَا يَعْنِي لَمْ يَكْسِرْهَا ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ وَمَضَى لِسَبِيلِهِ .
فَلَمَّا أَنْ أَخْبَرُوا الظَّالِمَ بِقِصَّتِهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ فَأُحْضِرَ فَقَالَ : لَهُ مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت فَقَالَ عَمِلْت مَا خَطَرَ لِي فَاعْمَلْ مَا خَطَرَ لَك فَقَالَ لَهُ الظَّالِمُ : فَلِأَيِّ شَيْءٍ تَرَكْت الْجَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لَمْ تَكْسِرْهَا وَكَسَرْت الْجَمِيعَ ؟ فَقَالَ : ذَلِكَ لِأَنِّي لَمَّا أَنْ رَأَيْت الْمُنْكَرَ لَمْ أَتَمَالَك إلَّا أَنْ أُغَيِّرَهُ فَفَعَلْت فَكَانَ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ لَمَّا أَنْ بَقِيَتْ تِلْكَ الْجَرَّةُ خَطَرَ لِي فِي نَفْسِي أَنِّي مِمَّنْ يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ فَرَأَيْت أَنْ قَدْ حَصَلَ لَهَا فِي ذَلِكَ دَعْوَى فَخِفْت أَنْ يَكُونَ كَسْرُ مَا بَقِيَ فِيهِ حَظٌّ لِنَفْسِي فَتَرَكْتهَا وَانْصَرَفْت لِأَسْلَمَ مِنْ آفَاتِهَا أَوْ كَمَا قَالَ فَرَدَّ الظَّالِمُ رَأْسَهُ إلَى خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ لَا يَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا مُعَامَلَةٌ يَفْعَلُ مَا يَخْتَارُ السَّلَامَةَ السَّلَامَةَ أَوْ كَمَا قَالَ : فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ شِدَّةَ مُلَاحَظَتِهِمْ لِنِيَّاتِهِمْ وَإِخْلَاصَهَا وَتَحْرِيرَهَا وَتَحْرِيمَ رَفْعِ الشَّوَائِبِ عَنْهَا وَتَرْكِ الدَّعَاوَى وَالْمُبَاهَاةِ لَا جَرَمَ أَنَّ الظَّالِمَ كَانَ لَا يُطَاقُ رَجَعَ لِأَجْلِ بَرَكَةِ مَا ذَكَرَ مِنْ حَالِهِ خَائِفًا مِنْهُ فَزِعًا وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ تَعَالَى وَسُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِمْ وَاحِدَةٌ لَا يَخْذُلُهُمْ وَلَا يَتْرُكُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتْرَكُ لِنَفْسِهِ مَنْ كَانَ مَعَهَا وَلَوْ فِي وَقْتٍ مَا .
أَمَّا مَنْ كَانَ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَدْ بَتَّ طَلَاقَ نَفْسِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ أَمْرَ هَذَا لَا يُطَاقُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْطِقُ عَنْ
رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَرِيًّا عَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ مُقْبِلًا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ وَيَعْنِيهِ مُعْرِضًا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ جَاءَ مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : لَوْ كَادَتْهُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ لَجَعَلْت لَهُ مِنْ أَمْرِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا .
وَمَنْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي دُنْيَاهُ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَكَرَامَتُهُ حِينَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ ؟ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ وَهَذَا الْخَيْرُ كُلُّهُ أَصْلُهُ النِّيَّةُ وَتَحْرِيرُهَا وَالْوُقُوفُ مَعَهَا وَالِاهْتِمَامُ بِهَا فَكَيْفَ يُغْفَلُ عَنْهَا أَوْ تُتْرَكُ أَوْ يَرْضَى عَاقِلٌ أَنْ يَتْرُكَ لِنَفْسِهِ تَذَكُّرَهَا ؟ هَذَا غَيْرُ كَامِلِ الْعَقْلِ ضَرُورَةً نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ فَحَصَلَ لَنَا فِي لُبْسِ الثَّوْبِ مِنْ النِّيَّاتِ سَبْعَ عَشْرَةَ نِيَّةً .
وَمَنْ نَظَرَ وَأَعْطَاهُ اللَّهُ نُورًا ازْدَادَ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِيهِ فَإِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ عَلَى مَا ذُكِرَ يَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ أَوْ يُزِيلَ حُقْنَةً وَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا فَإِذَا دَخَلَ لِرَاحَةِ نَفْسِهِ فَلَهُ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ وَإِنْ دَخَلَ سَاهِيًا أَوْ غَافِلًا فَكَالْأَوَّلِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَفْعَالَ قَدْ بَقِيَتْ عَلَى قِسْمَيْنِ : وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ .
وَهَذَا عَلَى الْوُجُوبِ لَا شَكَّ فِيهِ وَمَنْ فَعَلَ الْوَاجِبَ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
بَيَانُ وُجُوبِهِ مَا وَقَعَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَاجِبٌ أَعْنِي اسْتِفْرَاغَ مَا فِي الْمَحَلِّ مِنْ مَادَّةِ الْبَوْلِ وَكَذَلِكَ إزَالَةُ الْحُقْنَةِ أَيْضًا وَاجِبَةٌ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ يَقُولُ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ ، وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ .
وَهَذَا نَهْيٌ ، وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَلَا تَقْرَبُوا انْتَهَى وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَالصَّلَاةُ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُهَا عَلَى مَا تَقَرَّرَ إلَّا بِإِزَالَةِ الْحُقْنَةِ فَصَارَتْ إزَالَتُهَا وَاجِبَةً فَإِذَا قَامَ إلَى هَذَا الْوَاجِبِ يَفْعَلُهُ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى نِيَّةِ هَذَا الْوَاجِبِ لَيْسَ إلَّا ، بَلْ يُضِيفُ إلَيْهَا نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ آدَابَ التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَهِيَ تَنُوفُ عَلَى سَبْعِينَ خَصْلَةً يَحْتَاجُ مَنْ قَامَ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِهَا ، وَهِيَ كُلُّهَا مَاشِيَةٌ عَلَى قَانُونِ الِاتِّبَاعِ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ .
الْأُولَى : الْإِبْعَادُ حَتَّى لَا يُرَى لَهُ شَخْصٌ وَلَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ .
الثَّانِيَةُ : الِاسْتِعْدَادُ لِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِيَسِيرٍ مِنْ الْمَاءِ وَالْأَحْجَارِ .
الثَّالِثَةُ : أَنْ يُقَدِّمَ الشِّمَالَ وَيُؤَخِّرَ الْيَمِينَ .
الرَّابِعَةُ
: إذَا خَرَجَ فَلْيُقَدِّمْ الْيَمِينَ أَوَّلًا وَيُؤَخِّرْ الشِّمَالَ .
الْخَامِسَةُ : أَنْ يَتَعَوَّذَ التَّعَوُّذَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الدُّخُولِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ النَّجِسِ الرِّجْسِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .
السَّادِسَةُ : أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إذْ ذَاكَ .
السَّابِعَةُ : أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَهَا إلَّا فِي الْمَنَازِلِ الْمَبْنِيَّةِ فَلَا بَأْسَ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي سَطْحٍ فَأُجِيزَ وَكُرِهَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ هَلْ النَّهْيُ إكْرَامًا لِلْقِبْلَةِ فَيُكْرَهُ أَوْ إكْرَامًا لِلْمَلَائِكَةِ فَيَجُوزُ ؟ وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ إنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ فَيَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّطْحِ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ .
الثَّامِنَةُ : أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِعَوْرَتِهِ فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُمَا يَلْعَنَانِهِ .
التَّاسِعَةُ : أَنْ يَسْتَتِرَ عِنْدَ التَّبَرُّزِ .
الْعَاشِرَةُ : أَنْ يَتَوَقَّى مَسَالِكَ الطُّرُقِ .
الْحَادِيَةَ عَشَرَ : أَنْ يَتَوَقَّى مَهَابَّ الرِّيَاحِ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَقَّى الْبَوْلَ فِي الْمَرَاحِيضِ الَّتِي فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُشْبِهُهَا فِيمَا كَانَ مِنْهَا فِي الرَّبُوعَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ السَّرَابَ مُتَّسَعًا جِدًّا وَالْمَرَاحِيضُ الَّتِي لِلرَّبْعِ كُلُّهَا نَافِذَةٌ إلَيْهِ فَيَتَّسِعُ فِيهِ الْهَوَاءُ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ إلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْمَرَاحِيضِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْأُخْرَى وَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا مَوْضِعَ مَهَابِّ الرِّيَاحِ ، فَمَنْ يَبُولُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبُولَ فِي وِعَاءٍ ثُمَّ يُفَرِّغُهُ فِي الْمِرْحَاضِ فَيَسْلَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
الثَّانِيَةَ عَشَرَ : أَنْ يَتَوَقَّى مَا عَلَا مِنْ الْأَرْضِ .
الثَّالِثَةَ عَشَرَ : أَنْ يُبَالِغَ فِي أَكْثَرِ مَا يَجِدُ مِنْ الْأَرْضِ انْخِفَاضًا وَمِنْهُ سُمِّيَ الْغَائِطُ غَائِطًا
؛ لِأَنَّ الْغَائِطَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ مِنْ الْأَرْضِ فَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا ذَهَبَ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ قِيلَ : ذَهَبَ لِلْغَائِطِ أَيْ : الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَسَمَّوْا الْخَارِجَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ تَنْزِيهًا لِأَسْمَاعِهَا عَمَّا تَنَزَّهَ عَنْهُ أَبْصَارُهَا وَكَانَتْ تَنْظُرُ إلَى الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ مِنْ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي السَّتْرِ وَأَأْمَنُ مِنْ مَهَابِّ الرِّيَاحِ .
الرَّابِعَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَقْعُدَ حَتَّى يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا .
الْخَامِسَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَكْشِفَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ .
السَّادِسَةَ عَشَرَ : إذَا قَعَدَ لَا يَلْتَفِتْ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا .
السَّابِعَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ .
الثَّامِنَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى عَوْرَتِهِ .
التَّاسِعَةَ عَشَرَ : أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا وَكَذَلِكَ فِي النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ أَيْضًا .
الْعِشْرُونَ : أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ إذْ ذَاكَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجِمَاعِ .
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : تَرْكُ الْكَلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ ذِكْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَعِيذَ عِنْدَ الِارْتِيَاعِ وَيَجِبُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فِي أَمْرٍ يَقَعُ مِثْلِ حَرِيقٍ أَوْ أَعْمَى يَقَعُ أَوْ دَابَّةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : لَا يُسَلِّمُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ .
الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : أَنْ يُقِيمَ عُرْقُوبَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهَا .
الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ يَسْتَوْطِئَ الْيُسْرَى .
الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : أَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَسْرَعُ لِخُرُوجِ الْحَدَثِ .
السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ إلَى أَسْفَلَ خَوْفًا مِنْ الرِّيحِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ .
السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : يُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي الْمَوَاضِعِ
الْمُنْحَدِرَةِ إذَا كَانَ هُوَ مِنْ أَسْفَلَ ؛ لِأَنَّ بَوْلَهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ .
الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : اُخْتُلِفَ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا فَأُجِيزَ وَكُرِهَ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ وَكَانَ الْمَوْضِعُ رَخْوًا فَإِنَّهُ يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ وَجَعِ الصُّلْبِ ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلُوا مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا .
التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : يَبْتَدِي بِغَسْلِ قُبُلِهِ قَبْلَ دُبُرِهِ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ عِنْدَ غَسْلِ دُبُرِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَنَظَّفُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ فَلَا فَائِدَةَ لِغَسْلِهِ أَوَّلًا ، بَلْ يَغْسِلُ الدُّبُرَ وَيَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَةِ أَنْ تُصِيبَ بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ .
الثَّلَاثُونَ : يَغْسِلُ يَدَهُ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ عِنْدَ الْفَرَاغِ فَهُوَ أَنْظَفُ .
الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا .
الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : لَا يَسْتَنْجِي فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ .
الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : لَا يَسْلُتُ ذَكَرَهُ إلَّا بِرِفْقٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ كَالضَّرْعِ كُلَّمَا تَسْلُتُهُ يُعْطِي الْمَادَّةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا ؛ لِعَدَمِ التَّنْظِيفِ .
الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : يُفَرِّجُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ عِنْدَ الْبَوْلِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَالْإِسْهَالِ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ .
الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنْ لَا يَعْبَثَ بِيَدِهِ .
السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى السَّمَاءِ .
السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : إذَا رَجَعَ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّغَنِيهِ طَيِّبًا وَأَخْرَجَهُ عَنِّي خَبِيثًا .
الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَحْجَارِ وَالْمَاءِ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَطْيَبُ لِلنَّفْسِ .
التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ الْيُسْرَى قَبْلَ أَنْ يُبَاشِرَ النَّجَاسَةَ
بِيَدِهِ لِئَلَّا تَعْلَقَ بِهَا الرَّائِحَةُ .
الْأَرْبَعُونَ : إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحْجَارٌ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فَلَا يَتْرُكُ الِاسْتِجْمَارَ بِالْكُلِّيَّةِ ، بَلْ يَسْتَجْمِرُ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى أَوَّلًا بَعْدَ غَسْلِهَا فَيَسْمَحُ بِهَا الْمَسْرُبَةَ وَمَوْضِعَ النَّجَاسَةِ عَلَى سُنَّةِ الِاسْتِجْمَارِ وَمَا لِلنَّاسِ فِيهِ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَالِاخْتِيَارَاتِ ثُمَّ يَغْسِلُهَا مِمَّا تَعَلَّقَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ بِهَا أَيْضًا إلَى أَنْ يُنَقِّيَ فَإِذَا أَنْقَى طَلَبَ الْوِتْرَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ السَّبْعَ فَإِنْ جَاوَزَهَا سَقَطَ عَنْهُ طَلَبُ الْوِتْرِ .
الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : إذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ فَلْيَكُنْ الْإِنَاءُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى يَسْكُبُ بِهَا الْمَاءَ وَيَدُهُ الْيُسْرَى عَلَى الْمَحَلِّ يَعْرُكُهُ وَيُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ وَيُبَالِغُ فِي التَّنْظِيفِ خِيفَةَ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْفَضَلَاتِ فَيُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ وَعَذَابُ الْقَبْرِ مِنْ هَذَا الْبَابِ .
الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ لَا يَتَغَوَّطَ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ .
الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ لَا يَتَغَوَّطَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ .
الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ تَحْتَ ظِلِّ حَائِطٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَلَاعِنُ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : : اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ انْتَهَى ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ كُلَّهَا هِيَ لِرَاحَةِ النَّاسِ فِي الْغَالِبِ إذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يَسْتَرِيحَ يَطْلُبُ ظِلًّا أَوْ يَرِدَ النَّهْرَ لِلْمَاءِ فَيَجِدُ مَا يَجْعَلُ هُنَاكَ فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ فَعَلَ هَذَا .
السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ يَتَجَنَّبَ الْبَوْلَ فِي كُوَّةٍ فِي الْأَرْضِ إذَا لَاقَاهَا بِعَيْنِ الذَّكَرِ وَاخْتُلِفَ إذَا بَعُدَ عَنْهَا فَوَصَلَ بَوْلُهُ إلَيْهَا فَيُكْرَهُ خِيفَةً مِنْ حَشَرَاتٍ تَنْبَعِثُ عَلَيْهِ مِنْ الْكُوَّةِ وَقِيلَ يُبَاحُ لِبُعْدِهِ مِنْ الْحَشَرَاتِ إنْ كَانَتْ فِيهَا .
السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ يَتَجَنَّبَ بِيَعَ الْيَهُودِ .
الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنْ يَتَجَنَّبَ كَنَائِسَ النَّصَارَى سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِنَا كَمَا نُهِيَ عَنْ سَبِّ الْآلِهَةِ الْمَدْعُوَّةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِئَلَّا يَسُبُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ .
التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْأَوَانِي النَّفِيسَةِ لِلسَّرَفِ وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ فِي أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِتَحْرِيمِ اتِّخَاذِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا .
الْخَمْسُونَ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي مَخَازِنِ الْغَلَّةِ .
الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الدُّورِ الْمَسْكُونَةِ الَّتِي قَدْ خَرِبَتْ لِلْأَذَى .
الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : يَسْتَرْخِي قَلِيلًا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ اسْتَرْخَى مِنْهُ ذَلِكَ الْعُضْوُ فَيَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ يَغْسِلْهُ عَلَى ظَاهِرِ بَدَنِهِ فَيُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ .
الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ : يَحْذَرُ أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ فَإِنَّهُ مِنْ فِعَالِ أَشْرَارِ النَّاسِ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : يَتَفَقَّدُ نَفْسَهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَيَعْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فَرُبَّ شَخْصٍ يَحْصُلُ لَهُ التَّنْظِيفُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ عَنْهُ وَآخَرُ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ وَيَقْعُدَ ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي أَمْزِجَتِهِمْ وَفِي مَآكِلِهِمْ وَاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَعْهَدُ مِنْ نَفْسِهِ عَادَةً فَيَعْمَلُ عَلَيْهَا فَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ يَتَوَسْوَسَ فِي طَهَارَتِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى مَا يَظْهَرُ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ حَالِ مِزَاجِهِ وَغِذَائِهِ وَزَمَانِهِ فَلَيْسَ الشَّيْخُ كَالشَّابِّ ، وَلَيْسَ مَنْ أَكَلَ الْبِطِّيخَ كَمَنْ أَكَلَ الْجُبْنَ وَلَيْسَ الْحَرُّ كَالْبَرْدِ .
الْخَامِسَةُ
وَالْخَمْسُونَ : إذَا قَامَ لِلِاسْتِبْرَاءِ فَلَا يَخْرُجُ بَيْنَ النَّاسِ وَذَكَرُهُ فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ ثَوْبِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ شَوْهٌ وَمُثْلَةٌ ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ ، وَهَذَا قَدْ نُهِيَ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ضَرُورَةٌ فِي الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ إذْ ذَاكَ فَلْيَجْعَلْ عَلَى فَرْجِهِ خِرْقَةً يَشُدُّهَا عَلَيْهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَإِذَا رَجَعَ مِنْ ضَرُورَتِهِ تَنَظَّفَ إذْ ذَاكَ .
السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ : يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ نَتْفِ إبِطٍ أَوْ غَيْرِهِ لِئَلَّا يُبْطِئَ فِي خُرُوجِ الْحَدَثِ ، وَالْمَقْصُودُ الْإِسْرَاعُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ " إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا يَسَّرَ عَلَيْهِ الطَّهَارَةَ " .
السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : لَا يَسْتَجْمِرُ فِي حَائِطِ مَسْجِدٍ ؛ لِحُرْمَتِهِ وَلَا فِي حَائِطٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَلَا فِي حَائِطِ وَقْفٍ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ ، وَهُوَ فِي حَوْزِ مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ وَكَثِيرًا مَا يُتَسَاهَلُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سِيَّمَا فِيمَا سُبِّلَ لِلْوُضُوءِ فَتَجِدُ الْحِيطَانَ فِي غَايَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْقَذَرِ لِأَجْلِ اسْتِجْمَارِهِمْ فِيهَا ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ .
الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ : يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَجْمِرَ فِي حَائِطِ مِلْكَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَطَرُ أَوْ يُصِيبُهُ بَلَلٌ مِنْ الْمَاءِ وَيَلْتَصِقُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ إلَيْهِ فَتُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ فَيُصَلِّي بِهَا .
وَوَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَائِطِ حَيَوَانٌ فَيَتَأَذَّى بِهِ ، وَقَدْ رَأَيْت عِيَانًا بَعْضَ النَّاسِ اسْتَجْمَرَ فِي حَائِطٍ فَلَسَعَتْهُ عَقْرَبٌ كَانَتْ هُنَاكَ عَلَى رَأْسِ ذَكَرِهِ وَرَأَى مِنْ ذَلِكَ شِدَّةً عَظِيمَةً .
التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : لَا يَسْتَجْمِرُ بِفَحْمٍ ؛ لِأَنَّهُ يُلَوِّثُ الْمَحَلَّ وَلَا بِعَظْمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَقِّي
وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ ؛ لِأَنَّهُ زَادُ إخْوَانِنَا مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ وَلَا بِزُجَاجٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَقِّي ، وَهُوَ مُؤْذٍ وَلَا بِرَوْثٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الدَّعْكِ وَلَا يُنَظِّفُ وَيَتَفَتَّتُ ، وَهُوَ زَادُ دَوَابِّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ وَلَا بِنَجَسٍ ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُهُ تَنْجِيسًا وَلَا بِمَائِعٍ ؛ لِأَنَّهُ يُلَطِّخُ الْمَحَلَّ وَيَزِيدُهُ تَلْوِيثًا وَلَا بِطَعَامٍ لِحُرْمَتِهِ وَلَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ زَبَرْجَدٍ أَوْ يَاقُوتٍ لِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا بِثَوْبٍ حَرِيرٍ وَلَا بِثَوْبٍ رَفِيعٍ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَرَفٌ وَيَسْتَجْمِرُ بِمَا عَدَا مَا ذُكِرَ .
وَقَدْ حَدَّ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِهَذَا حَدًّا يَجْمَعُ كُلَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ آلَاتِ الِاسْتِجْمَارِ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ فَقَالُوا : يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ جَامِدٍ طَاهِرٍ مُنَقٍّ قَلَّاعٍ لِلْأَثَرِ غَيْرِ مُؤْذٍ لَيْسَ بِذِي حُرْمَةٍ وَلَا سَرَفٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ ، وَهُوَ ضَابِطٌ جَيِّدٌ انْتَهَى وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ أَنْ يَعْتَبِرَ إذْ ذَاكَ فِي الْخَارِجِ وَفِي نَتِنِهِ وَقَذَرِهِ فَإِنَّ نَفْسَهُ تَعَافُهُ وَيَعْلَمُ وَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ بِنَفْسِهِ كَذَلِكَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ يُطْرَحُ قَذَرًا مُنْتِنًا تَعَافُهُ نَفْسُ كُلِّ مَنْ يَرَاهُ ، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَمُوتُ فَإِذَا دُفِنَ فِي قَبْرِهِ تَدَوَّدَ فَأَكَلَتْهُ الدِّيدَانُ فَإِذَا أَكَلَتْهُ الدِّيدَانُ رَمَتْهُ مِنْ جَوْفِهَا قَذِرًا مُنْتِنًا ، وَيُعْلَمُ أَنَّ ثَمَّ قَوْمًا لَا يُدَوِّدُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَلَا تَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ الْمُحْتَسِبُونَ .
فَالْمَقَامُ الْأَوَّلُ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إذْ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ طُوِيَ بِسَاطُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَتْ الْمَقَامَاتُ الثَّلَاثُ فَيُنْظَرُ مَا فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ فَيَعْمَلُ عَلَيْهِ لِيَسْلَمَ بِهِ مِنْ
هَذَا الْقَذَرِ وَالنَّتِنِ إنْ كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ سَنِيَّةٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ يُعَايِنُ مَا يُصَارُ إلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي حَالِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ ، وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَنَا حَتَّى يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مَا هُوَ إلَيْهِ صَائِرٌ وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ لُبٌّ نَظَرَ إلَى أَوَّلِهِ فَوَجَدَهُ نُطْفَةً كَمَا عَايَنَ وَنَظَرَ إلَى آخِرِهِ فَوَجَدَهُ كَمَا رَأَى كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِلَى وَسَطِهِ فَوَجَدَهُ حَامِلًا مَا يَرَاهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَخْرُجُ مِنْهُ وَيُعَايِنُهُ فَأَيُّ دَعْوَى تَبْقَى مَعَ هَذَا الْحَالِ ؟ وَأَيُّ نَفْسٍ تَشْمَخُ وَلَوْ كَانَ ثَمَّ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْفَيْضُ الرَّبَّانِيُّ وَالْفَضْلُ الْعَظِيمُ فَيَسْتُرُ الْقَبِيحَ وَيُظْهِرُ الْجَمِيلَ وَيَسْتُرُ الْعَوْرَاتِ وَيُؤْمِنُ الرَّوْعَاتِ ، وَإِلَّا فَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِكُلِّ رَذِيلَةٍ وَنَقِيصَةٍ كَمَا تَرَى .
هَذَا وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَنْظُرَ وَيَعْتَبِرَ فِيمَا انْفَصَلَ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا طَيِّبَ الْمَذَاقِ شَهِيًّا لِلنُّفُوسِ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِعِوَضٍ وَالْعِوَضُ فِي الْغَالِبِ قَدْ جَرَتْ الْحِكْمَةُ بِأَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمُكَابَدَةٍ وَتَعَبٍ فِي الْغَالِبِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ فَهُوَ عَزِيزٌ إذَا يَسَّرَ اللَّهُ أَسْبَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ مَنَعَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِهِ الْجَارِيَةِ عَلَى حِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَمَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِ ثُمَّ ، مَعَ هَذِهِ الْعِزَّةِ الَّتِي لَهُ وَالطَّهَارَةِ الَّتِي لَدَيْهِ إذَا خَالَطْنَا قَلِيلًا سُلِبَتْ طَهَارَتُهُ وَذَهَبَ عِزُّهُ وَصَارَ مُنْتِنًا قَذِرًا يُتَحَامَى عَنْهُ وَيَتَوَلَّى الْوَجْهُ مِنْهُ ، فَهَذَا كَانَ سَبَبُهُ خُلْطَتَهُ لَنَا وَمُمَازَجَتَهُ بِنَا ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِهِ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى فَلْيَنْظُرْ الْإِنْسَانُ إلَى
طَعَامِهِ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ذَهَبَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ إلَى طَعَامِهِ إذَا صَارَ رَجِيعًا لِيَتَأَمَّلَ حَيْثُ تَصِيرُ عَاقِبَةُ الدُّنْيَا ، وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَانَى أَهْلُهَا .
وَهَذَا نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَحْدَثَ فَإِنَّ مَلَكًا يَأْخُذُ بِنَاصِيَتِهِ عِنْدَ فَرَاغِهِ فَيَرُدُّ بَصَرَهُ إلَى نَحْرِهِ مُوقِفًا لَهُ وَمُعْجِبًا فَيَنْفَعُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ عَقْلٌ انْتَهَى ثُمَّ إنَّهُ لَمْ نَجِدْ هَذَا فِي الطَّعَامِ وَحْدَهُ ، بَلْ فِي كُلِّ مَا نُبَاشِرُهُ إنْ لَبِسْنَا ثَوْبًا جَدِيدًا فَعَنْ قَلِيلٍ يَتَوَسَّخُ وَيَتَقَذَّرُ وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَمَزَّقُ وَيَخْلَقُ وَإِنْ مَسَّنَا طِيبًا فَعَنْ قَلِيلٍ تَذْهَبُ رَائِحَتُهُ وَيُسْتَقْذَرُ وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ فَنَتَجَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْتَبِرُ إذْ ذَاكَ وَيَأْخُذُ نَفْسَهُ فِي الْأَدَبِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : الْهَرَبُ مِنْ خِلْطَةِ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ آثَارِ هَذِهِ الْخِلْطَةِ لِغَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا صَارَ الطَّعَامُ فِي جَوْفِهِ هُوَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ إذَا خَالَطَهُ أَحَدٌ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي دِينِهِ أَوْ يَنْفَعُهُ هُوَ فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدًا مِنْهُمْ بِسَبَبِ خِلْطَتِهِ كَمَا يَتَغَيَّرُ كُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا ذُكِرَ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ فِي طَبْعِهِ وَمِزَاجِهِ أَعْنِي التَّغْيِيرَ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك ، وَهَذَانِ وَجْهَانِ عَظِيمَانِ فِي السُّلُوكِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ مَعَ الْفَوَائِدِ الْمَاضِيَةِ كُلِّهَا فَهَذِهِ جُمْلَةُ عِبَادَاتٍ كَثِيرَةٍ وَهِيَ عِنْدَنَا عَلَى طَرِيقِ الرَّاحَةِ وَالْإِبَاحَةِ شَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا فَتَحْصُلُ لَنَا مِنْ النِّيَّاتِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ ، وَهَذِهِ الْآدَابُ مِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِالْحَضَرِ وَمِنْهَا مَا هُوَ
مُشْتَرَكٌ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَهُوَ الْغَالِبُ فِيهَا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَيِّنٌ لَا يَحْتَاجُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَعْنِي مَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ أَوْ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِيهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ وَإِزَالَةِ الْحَقْنَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَرَّ يَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَيُفَرِّغُ قَلْبَهُ وَذِهْنَهُ لِذَلِكَ وَيَنْشَطُ إلَيْهِ وَيَمُرُّ بِبَالِهِ الطَّهَارَةُ لِمَاذَا وَلِأَيِّ شَيْءٍ تُرَادُ ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقِفَ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِبَاطِنِهِ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْهُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَيَنْظُرُ إلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْمَعْلُومَةِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مَا يَتَحَرَّكُ لِلْمُخَالَفَةِ أَسْرَعُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ فَأَمَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَوَّلًا بِغَسْلِهَا تَنْبِيهًا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى طَهَارَتِهَا الْبَاطِنَةِ إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ .
فَالْمَطْلُوبُ وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْبَاطِنُ وَتَخْلِيصُهُ مِنْ غَمَرَاتِ هُمُومِ الدُّنْيَا وَمُكَابَدَتِهَا وَالْفِكْرَةِ فِيهَا وَالتَّعَرِّي مِنْ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً هَذِهِ هِيَ الطَّهَارَةُ الْبَاطِنَةُ ، وَالظَّاهِرَةُ تَبَعٌ لِهَذِهِ وَإِشَارَةٌ إلَيْهَا وَتَحْرِيضٌ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَنَبَّهَ الْغَافِلُ وَالسَّاهِي لِلْمُرَادِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْجَلِيلِ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ لَهُ : فَالْوُضُوءُ الَّذِي هُوَ غَسْلُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا مِنْ الْإِسْلَامِ وَطَهَارَةُ الْبَاطِنِ عَلَى مَعْنَى التَّوْبَةِ مِنْ اكْتِسَابِ الْجَوَارِحِ إيمَانًا وَبِهِ يَكْمُلُ الْوُضُوءُ انْتَهَى ثُمَّ إذَا رَتَّبَ غَسْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فِي الْمُخَالَفَةِ فَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى التَّحْرِيكِ أَسْرَعُ مِنْ غَيْرِهِ أُمِرَ بِغَسْلِهِ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ أَوَّلًا ، وَفِيهِ الْفَمُ وَالْأَنْفُ وَالْعَيْنَانِ فَابْتَدَأَ بِالْمَضْمَضَةِ أَوَّلًا عَلَى سَبِيلِ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ وَأَشَدُّهَا حَرَكَةً أَعْنِي
اللِّسَانَ فِيمَا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ قَدْ يَسْلَمُ ، وَهُوَ كَثِيرُ الْعَطَبِ قَلِيلُ السَّلَامَةِ فِي الْغَالِبِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ شَأْنِهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَعْضَاءَ فِي يَوْمٍ تُنَاشِدُهُ فِي أَنْ يُسْلِمَهَا مِنْ آفَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا هَلَكَ لَا يَهْلَكُ وَحْدَهُ بَلْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ وَيُهْلِكُ إخْوَانَهُ .
فَإِذَا جَاءَ الْمُؤْمِنُ إلَى غَسْلِ فَمِهِ يَذْكُرُ إذْ ذَاكَ أَنَّ طَهَارَةَ الظَّاهِرِ إنَّمَا هِيَ إشَارَةٌ إلَى تَطْهِيرِ الْبَاطِنِ فَوَجَدَ إذْ ذَاكَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْهُ الطَّهَارَةُ الْبَاطِنَةُ فَتَابَ إلَى اللَّهِ وَأَقْلَعَ مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ لِسَانُهُ وَنَطَقَ ثُمَّ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا شَمَّ بِأَنْفِهِ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا نَظَرَتْ عَيْنَاهُ وَالْتَذَّتْ فَإِذَا تَابَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ دَخَلَ إذْ ذَاكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا .
جَاءَ الْحَدِيثُ فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ الشَّرْعُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ اللِّسَانُ وَنَظَرَتْ الْعَيْنَانِ بَطَشَتْ الْيَدَانِ وَلَمَسَتَا فَالْيَدَانِ بَعْدَهُمَا فِي تَرْتِيبِ الْمُخَالَفَةِ فَأَمَرَ بِطَهَارَتِهِمَا فَإِذَا جَاءَ إلَى طَهَارَتِهِمَا ابْتَدَأَ بِطَهَارَتِهِمَا بَاطِنًا فَتَابَ مِمَّا لَمَسَتْ يَدُهُ أَوْ تَحَرَّكَتْ النَّدَمُ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا جَاءَ الْحَدِيثُ .
فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظَافِرِ يَدَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ الشَّرْعُ بِمَسْحِ رَأْسِهِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْمَسْحِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْغَسْلِ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ مُخَالَفَةٌ بِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَاوِرٌ لِمَنْ يَقَعُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ ، وَهُوَ اللِّسَانُ وَالْعَيْنَانِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ هُوَ الْمُخَالِفُ لَكِنْ كَانَ مُجَاوِرًا لِلْمُخَالِفِ أُعْطِيَ
حُكْمًا بَيْنَ حُكْمَيْنِ فَأُمِرَ بِالْمَسْحِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْغَسْلِ .
وَأَيْضًا قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأُذُنَيْنِ هَلْ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ أَمْ لَا ؟ وَالْأُذُنَانِ قَدْ يَسْمَعَانِ مَا لَا يَنْبَغِي لَكِنْ لَمَّا كَانَ السَّمْعُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي غَالِبِ الْحَالِ ، وَهُوَ لَا يَتَعَمَّدُهُ خُفِّفَ أَمْرُهُ فَكَانَ الْمَسْحُ فَإِذَا مَسَحَهُ قَدَّمَ طَهَارَتَهُ الْبَاطِنَةَ بِالتَّوْبَةِ مِمَّا سَمِعَتْ الْأُذُنَانِ وَمِمَّا وَقَعَ فِيهِ مِنْ مُجَاوِرِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ النَّدَمُ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا جَاءَ الْحَدِيثُ .
فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ .
ثُمَّ أَمَرَهُ الشَّرْعُ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَيْنِ إذَا نَظَرَتَا وَتَكَلَّمَ اللِّسَانُ وَلَمَسَتْ الْيَدُ وَسَمِعَتْ الْأُذُنُ حِينَئِذٍ تَسْعَى الرِّجْلُ فَالرِّجْلُ آخِرُ الْجَمِيعِ فِي الْمُخَالَفَةِ فَجُعِلَتْ آخِرَ الْجَمِيعِ فِي الْغَسْلِ فَغَسَلَهَا إذْ ذَاكَ وَقَدَّمَ طَهَارَتَهَا الْبَاطِنَةَ فَابْتَدَأَ بِالتَّوْبَةِ مِمَّا سَعَتْ فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ .
النَّدَمُ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا جَاءَ الْحَدِيثُ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظَافِرِ رِجْلَيْهِ فَلَمَّا أَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أَرَادَ صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنْ يُقِيمَهُ فِي أَكْمَلِ الْحَالَاتِ وَأَتَمِّهَا فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ .
إشَارَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى تَطْهِيرِ الْقَلْبِ مِنْ الِالْتِفَاتِ إلَى الْعَوَارِضِ وَالْخَوَاطِرِ وَالْوَسَاوِسِ وَالنَّزَعَاتِ فَفَهِمَ الْمُؤْمِنُ إذْ ذَاكَ الْمُرَادَ فَامْتَثَلَ طَهَارَةَ
الْقَلْبِ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ وَتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ وَالْإِخْلَاصِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ إيمَانُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ جَدِيدًا يَحْتَرِزُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَكُونَ خَلَقًا وَالْخَلَقُ أَنْ لَا يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِتَجْدِيدِ الشَّهَادَةِ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَسْتَفِيقُ مِنْ اللَّيْلِ فَيَمُرُّ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَتَشَهَّدُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : أَمَّا تَشَهُّدِي فَأَتَفَقَّدُ بِهِ الْإِيمَانَ هَلْ بَقِيَ أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ أَعْمَالِي لَا تُشْبِهُ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ .
أَمَّا تَمْشِيَةُ يَدِي عَلَى وَجْهِي فَأَتَفَقَّدُهُ أَنْ يَكُونَ حُوِّلَ إلَى الْقَفَا أَوْ مُسِخَ أَمْ لَا فَإِذَا وَجَدْته سَالِمًا أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي سَتَرَ عَلَيَّ بِفَضْلِهِ وَلَمْ يُعَاقِبْنِي وَيَفْضَحْنِي بِعَمَلِي .
هَذَا قَوْلُهُ وَكَانَ لَهُ قَدَمٌ فِي الدِّينِ وَسَبْقٌ وَتَقَدُّمٌ فَمَا بَالُك بِأَحْوَالِنَا الْيَوْمَ عَلَى مَا يُشَاهِدُ بَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ ، فَبِالْأَحْرَى وَالْأَوْلَى أَنْ نَتَفَقَّدَ الْإِيمَانَ الْيَوْمَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ فَلَمَّا أَنْ أَمَرَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِتَطْهِيرِ الْبَاطِنِ وَتَطْهِيرِ الظَّاهِرِ عَلَى مَا مَضَى شَرَعَ لَهُ عِنْدَ نُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ إذْ ذَاكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ .
وَقَوْلُهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ إشَارَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِي قَبُولِ مَا قَدْ أَتَى بِهِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ كَمُلَ الْحَالُ وَتَمَّتْ النِّعْمَةُ وَقُبِلَ الدُّعَاءُ بِتَخْيِيرِهِ عَلَى أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَبْدٌ قَدْ تَابَ مِنْ كُلِّ مَا جَنَى وَتَطَهَّرَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى
جَاءَ الْحَدِيثُ فِيمَنْ امْتَثَلَ مَا ذُكِرَ مِنْ إسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَكَمَالِهِ أَنَّ صَلَاتَهُ نَافِلَةٌ لَهُ وَالنَّوَافِلُ الزَّوَائِدُ إنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ الذُّنُوبِ شَيْئًا تَكُونُ الصَّلَاةُ لِلتَّوْبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالتَّطْهِيرِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَبَقِيَتْ صَلَاتُهُ نَافِلَةً أَيْ : زَائِدَةً فَكَانَ مَوْضِعُهَا رَفْعَ الدَّرَجَاتِ لَا غَيْرَ ؛ لِأَنَّهُ مَا ثَمَّ شَيْءٌ تُكَفِّرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَتُوبُ مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ اللِّسَانُ وَشَمَّ الْأَنْفُ وَنَظَرَتْ الْعَيْنَانِ وَسَمِعَتْ الْأُذُنَانِ وَبَطَشَتْ الْيَدَانِ وَمَشَتْ الرِّجْلَانِ وَخَطَرَ بِالْقَلْبِ ، فَإِنْ كَانَ سَالِمًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَتْ التَّوْبَةُ لِلْغَفَلَاتِ الْوَاقِعَةِ ، فَإِنْ كَانَ سَالِمًا مِنْ الْغَفَلَاتِ كَانَتْ التَّوْبَةُ لِعَدَمِ التَّوْبَةِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا يَجِبُ لَهَا ، وَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ أَصْلًا فَهَذِهِ سَبْعَةٌ مُنْضَمَّةٌ إلَى شُرُوطِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ فِيهِ .
فَالشُّرُوطُ خَمْسَةٌ : وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَارْتِفَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ .
وَالْفَرَائِضُ ثَمَانِيَةٌ : أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَاثْنَتَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَهُمَا النِّيَّةُ وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَاثْنَتَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا وَهُمَا الْفَوْرُ وَالتَّرْتِيبُ وَسُنَنُهُ اثْنَا عَشْرَ أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَهِيَ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ مَعَ تَجْدِيدِ الْمَاءِ لَهُمَا وَثَمَانِيَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا قِيلَ : إنَّهَا مِنْ السُّنَنِ وَقِيلَ : مِنْ الْفَضَائِلِ ، وَهِيَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ إنْ أَيْقَنَ بِطَهَارَتِهِمَا وَمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وَالِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ قَبْلَ الشِّمَالِ وَالِابْتِدَاءُ بِمُقَدَّمِ
الرَّأْسِ وَرَدُّ الْيَدَيْنِ فِي مَسْحِهِ وَغَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْعَارِضِ وَالْأُذُنِ وَاسْتِيعَابُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَتَرْتِيبُ الْمَفْرُوضِ مَعَ الْمَسْنُونِ .
واسْتِحْباباتِهِ ثَلَاثَةَ عَشْرَ : وَهِيَ السِّوَاكُ وَيَجْزِي الْأُصْبُعُ الْخَشِنُ عَنْهُ وَجَعْلُ الْإِنَاءِ عَلَى الْيَمِينِ وَالتَّسْمِيَةُ وَأَنْ لَا يَتَوَضَّأَ فِي الْخَلَاءِ وَلَا عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَذِكْرُ اللَّهِ وَأَنْ يَقْعُدَ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ عَنْ الْأَرْضِ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ مَا يَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْمَاءِ وَالصَّمْتُ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْإِقْلَالُ مِنْ الْمَاءِ مَعَ إحْكَامِ الْغَسْلِ فِي الْأَعْضَاءِ فَجُمْلَةُ هَذِهِ الْآدَابِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
فَصْلٌ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِيهِ فَإِذَا أَسْبَغَ الْوُضُوءَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الَّذِي ذُكِرَ يَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ الْفَرْضَ فَذَلِكَ مُمْكِنٌ بِالنَّذْرِ لَكِنْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْذِرَهُمَا ثُمَّ يَعْجَزَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِمَا نَظَرًا لِلْعَوَارِضِ فَيَحْذَرَ مِنْ هَذَا وَيَتْرُكَ النَّذْرَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَنْذِرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا فَذَلِكَ حَسَنٌ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فِعْلُ الْوَاجِبِ مَعَ عَدَمِ الْعَائِقِ إذْ ذَاكَ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ وَقِسْمٌ أَوْجَبَهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ وَكِلَاهُمَا أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ النَّفْلِ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ الْوُضُوءِ .
لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالنَّدْبِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهَا ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ يَقُولُ مَنْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَرْكَعْ فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَدْعُنِي فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَرَكَعَ وَدَعَانِي فَلَمْ أُجِبْهُ فَقَدْ جَفَوْته وَلَسْت بِرَبٍّ جَافٍ وَلَسْت بِرَبٍّ جَافٍ .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَجْعَلُوهَا قُبُورًا فَيَحْصُلُ لَهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ بِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ مِنْ النِّيَّاتِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعُ نِيَّاتٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
فَصْلٌ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ مَا ذُكِرَ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْوِي بِخُرُوجِهِ الْمَشْيَ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ؛ لِئَلَّا يَبْطُلَ أَجْرُ الْخُطَى إلَى الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا يُرِيدُ غَيْرَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ وَالْأُخْرَى تُمْحَى عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةٌ ، فَإِذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ السَّيِّئَاتِ كَانَتْ الِاثْنَتَانِ بِالْحَسَنَاتِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عِنْدَ الْوُضُوءِ لَيْسَتْ لَهُ سَيِّئَةٌ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ خُرُوجِ الْخَطَايَا حَسَنَاتٌ وَرَفْعُ دَرَجَاتٍ مَعَ أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ سَالِمًا مِنْ الذُّنُوبِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَمَرْتَبَتِهِ ، حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى نِيَّةَ زِيَارَةِ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارَ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَإِزَالَةَ الْأَذَى مِنْهُ وَالِاعْتِكَافَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَوْ الْجِوَارَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ فِي الِاعْتِكَافِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً وَأُمُورًا مَعْلُومَةً عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ وَأَخْذَ الزِّينَةِ لِلْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .
وَتَعَلُّمَ الْعِلْمِ مِنْ الْعَالِمِ وَتَعْلِيمَهُ الْجَاهِلَ وَالْبَحْثَ فِيهِ مَعَ الْإِخْوَانِ وَزِيَارَةَ الْإِخْوَانِ فِيهِ وَزِيَارَةَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَزِيَارَةَ الصُّلَحَاءِ فِيهِ وَاقْتِبَاسَ بَرَكَةِ الِاجْتِمَاعِ بِهِمْ فِيهِ وَاقْتِبَاسَ بَرَكَةِ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ فِيهِ وَعِيَادَةَ الْمَرِيضِ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ مَنْ خَرَجَ يَعُودُ مَرِيضًا خَرَجَ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّتْ الرَّحْمَةُ فِيهِ أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
وَتَعْزِيَةَ الْمُصَابِينَ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ أَجْرٌ مِثْلُ الْمُصَابِ .
فَيَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ رَأَى شَيْئًا يَعْتَبِرُ فِيهِ وَيَنْوِي السَّلَامَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَنْوِي رَدَّ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَيَنْوِي ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي السُّوقِ وَامْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي السَّعْيِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالصَّدَقَةَ عَلَى مُحْتَاجٍ إذَا وَجَدَهُ بِاَلَّذِي يُمْكِنُهُ وَإِعَانَةَ ذِي الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفِ وَقَضَاءَ حَاجَةِ مُضْطَرٍّ إنْ وَجَدَهُ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ مَعَهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ وَيَخْرُجَ مَعَهُ عِدَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ شَاةً أَوْ غَيْرَهَا تُرِيدُ أَنْ تَمُوتَ بِنَفْسِهَا فَتَكُونُ مَعَهُ آلَةُ الذَّبْحِ فَيُغِيثُ صَاحِبَهَا وَيَجْبُرُهَا عَلَيْهِ بِالتَّذْكِيَةِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي النَّفَقَةِ قَدْ يُصَادِفُ مُضْطَرًّا لَهَا فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ ، وَإِلَّا إذَا خَرَجَ عَرِيًّا عَمَّا ذُكِرَ ، وَقَدْ نَوَى إعَانَةَ ذِي الْحَاجَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَكُونُ ذَلِكَ دَعْوَى يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهَا كُلُّ مَنْ يَدَّعِي بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَذَّبَتْهُ شَوَاهِدُ الِامْتِحَانِ وَيَنْوِي إرْشَادَ الضَّالِّ وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْ يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَأَنْ يَحْضُرَهَا إنْ وَجَدَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ ، وَأَنْ يُخْمِدَ بِدْعَةً وَيُظْهِرَ سُنَّةً مَهْمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنْ يَلْقَى الْمُسْلِمِينَ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِقَاءُ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ صَدَقَةٌ وَأَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ بِتَقْدِيمِ الْيَمِينِ وَتَأْخِيرِ الشِّمَالِ .
وَأَنْ يَتَعَوَّذَ التَّعَوُّذَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ
أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ .
وَيَقُولُ : عِنْدَ ذَلِكَ أَيْضًا ( بِسْمِ اللَّهِ آمَنْت بِاَللَّهِ وَتَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ اعْتَزَلَهُ الشَّيْطَانُ يَقُولُ : قَدْ هُدِيَ وَوُقِيَ فَلَيْسَ لِي عَلَيْهِ سَبِيلٌ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَجْعَلُ غِنَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ .
وَيَنْوِي اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ بِأَنْ يُقَدِّمَ الْيَمِينَ وَيُؤَخِّرَ الشِّمَالَ وَأَنْ يَخْلَعَ الشِّمَالَ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ الْيَمِينَ سُنَّتَانِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ ، وَكَيْفِيَّةُ مَا يَفْعَلُ أَنْ يَخْلَعَ الشِّمَالَ أَوَّلًا ثُمَّ يَجْعَلَهَا عَلَى النَّعْلِ مِنْ فَوْقِهَا ثُمَّ يَخْلَعَ بَعْدَهَا الْيَمِينَ فَيُدْخِلَهَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ يُدْخِلَ رِجْلَهُ الشِّمَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجْتَمِعَ السُّنَّتَانِ خَلْعُ الشِّمَالِ أَوَّلًا وَتَقْدِيمُ الْيَمِينِ فِي الْمَسْجِدِ أَوَّلًا وَيَنْوِي اتِّبَاعَ السُّنَّةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَمْسَحَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ الْبَابِ عِنْدَ دُخُولِهِ وَيَنْظُرَ فِي قَعْرِ نَعْلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ أَزَالَهُ وَإِلَّا دَخَلَ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ : اُدْخُلْ فَقَدْ غُفِرَ لَك وَيَنْوِي انْتِظَارَ الصَّلَاةِ لِمَا جَاءَ فِيهِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ مَرَّتَيْنِ وَيَنْوِي جُلُوسَهُ فِي مُصَلَّاهُ لِمَا جَاءَ فِيهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ تَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ : .
وَيَنْوِي الِاقْتِدَاءَ وَالِاقْتِبَاسَ بِآثَارِ مَنْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِمْ أَعْنِي بِالنَّظَرِ إلَى تَعَبُّدِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ .
حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ
صَلَّى بِجَنْبِهِ بَعْضُ النَّاسِ فَجَعَلَ يَدْعُو فِي السُّجُودِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ : يَا أَخِي عَسَى أَنَّك تَذْهَبُ إلَى فُلَانٍ ، وَكَانَ فُلَانٌ مِنْ أَكَابِرِ وَقْتِهِ فَصَلِّ إلَى جَنْبِهِ وَاسْتَمِعْ إلَى الدُّعَاءِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ لَعَلَّك تُفِيدُنِي إيَّاهُ فَمَضَى إلَيْهِ فَصَلَّى إلَى جَنْبِهِ أَيَّامًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ : يَا أَخِي هَؤُلَاءِ قُدْوَتُنَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ لَمْ نَقْتَدِ بِهِمْ فَبِمَنْ نَقْتَدِي فَعَلَّمَهُ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ وَعَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ الِاقْتِبَاسِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ .
فَيَنْوِي حِينَ خُرُوجِهِ الِالْتِفَاتَ إلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمُرَاعَاتِهَا فَإِنَّهَا أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي الدِّينِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ أَهْلًا لِلِاقْتِدَاءِ سَالِمًا مِنْ الْبِدَعِ ، وَإِلَّا فَالتَّغَفُّلُ عَنْهُ يَجِبُ إنْ كَانَ الَّذِي يَرَاهُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْأَخْذِ عَلَى يَدِهِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَهْيُهُ ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ تَغْيِيرِ الْبِدَعِ وَالْمَنَاكِرِ ، وَذَلِكَ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِهِمْ مَوْجُودٌ بِمُطَالَعَتِهِ أَوْ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ فِي ذَلِكَ أَجْرُ مَنْ ذَبَّ عَنْ السُّنَّةِ وَحَمَاهَا وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إزَالَةَ الْأَذَى مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَشَوْكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ إذَا رَأَى مُبْتَلًى فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ فِي عَمَلِهِ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُبْتَلًى فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاهُ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ انْتَهَى .
لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مِنْ
كَسْرِ الْخَوَاطِرِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ أَوْ التَّشْوِيشِ الْوَاقِعِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ وَيَنْوِي أَنْ يَرْفَعَ وَيُكْرِمَ وَيُعَظِّمَ مَا يَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطُّرُقِ بَيْنَ الْأَرْجُلِ مِنْ الْأَوْرَاقِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا أُجُورٌ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّحْبِيرِ لَهُ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى قَالَ : يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كِتَابٌ يُلْقَى بِمَضْيَعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَائِكَةً يَحُفُّونَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَيَرْفَعَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَمَنْ رَفَعَ كِتَابًا مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ فِي عِلِّيِّينَ وَخَفَّفَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ .
وَيُرْوَى عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْت مُولَعًا فِي صِبَايَ بِرَفْعِ الْقَرَاطِيسِ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى عُرِفْت بِذَلِكَ فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فِي صَحْرَاءَ إذْ وَجَدْت قِرْطَاسًا فِيهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَرَفَعْته وَلَمْ يَكُنْ بِإِزَائِي حَائِطٌ وَلَا شَيْءٌ أَرْفَعُهُ فِيهِ فَبَلَعْته فَرَأَيْت فِي النَّوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِي ، وَهُوَ يَقُولُ : يَا مَنْصُورُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيَرَى لَك مَا فَعَلْت .
وَيَنْوِي أَنْ يَرْفَعَ وَيُكْرِمَ وَيُعَظِّمَ مَا يَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطُّرُقِ بَيْنَ الْأَرْجُلِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى مُمْتَهَنَةً فَيُعَظِّمَهَا بِرَفْعِهِ لَهَا وَصِيَانَتِهَا .
وَيَنْوِي غَضَّ الْبَصَرِ ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا وَبَيَّنُوهُ فَقَالُوا : لَيْسَ لِلرَّجُلِ إذَا خَرَجَ فِي السُّوقِ أَنْ يَنْظُرَ إلَّا لِمَوْضِعِ قَدَمِهِ اللَّهُمَّ
إلَّا أَنْ تَكُونَ زَحْمَةٌ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْأَذَى فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ وَذِكْرُ اللَّهِ وَيَنْوِي خَفْضَ الْجَنَاحِ ، وَهُوَ التَّوَاضُعُ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمُعَامَلَتُهُمْ بِالْحُسْنَى وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ تَحْسِينَ الْخُلُقِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَدَمِ أَغْرَاضِهِ لِأَغْرَاضِهِمْ .
وَيَنْوِي حَمْلَ الْأَذَى مِنْ إخْوَانِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكَ الْأَذَى لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَوُجُودَ الرَّاحَةِ لَهُمْ وَيَدْعُو النَّاسَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَيَلْقَى إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ لِمَا جَاءَ فِيهِ .
قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَلَامَةُ الصَّدْرِ لَا تُبْلَغُ بِعَمَلٍ انْتَهَى .
وَيَنْوِي تَرْكَ التَّكَبُّرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَيَنْوِي تَرْكَ الْإِعْجَابِ بِنِيَّتِهِ وَعَمَلِهِ .
وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَمَّنْ غَابَ مِنْ الْإِخْوَانِ لَعَلَّ عَارِضًا يَعْرِضُ لِأَحَدِهِمْ فَيَكُونُ قَادِرًا عَلَى إعَانَتِهِ وَإِزَالَتِهِ .
وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ لَعَلَّ يَسْمَعُ عَلَيْهِمْ خَيْرًا فَيُسَرُّ بِهِ فَيُشَارِكُهُمْ فِي غَزْوِهِمْ فِي الْأُجُورِ بِالسُّرُورِ الَّذِي وَجَدَهُ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ مَاتَ فَلَمْ تُوجَدْ لَهُ حَسَنَةٌ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ لِسُرُورِهِ يَوْمًا وَاحِدًا بِمَا ذُكِرَ ، وَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ مَغْفُولٌ عَنْهُ وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ وَشَأْنِهِ لَعَلَّ يَسْمَعُ خَبَرًا يَتَشَوَّشُونَ مِنْهُ فَيُسَرُّ بِهِ فَلَهُ أَجْرٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ فِي الْعَكْسِ إنْ سَمِعَ عَنْهُمْ مَا يَسُرُّهُمْ تَشَوَّشَ هُوَ فَلَهُ الْأَجْرُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ إنْ سَمِعَ عَنْ
الْمُسْلِمِينَ مَا يُقْلِقُهُمْ جَزِعَ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ الْكَثِيرُ أَجْرٌ بِلَا عَمَلٍ وَلَا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ .
وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَعَلَّ يَسْمَعُ مَا يُسَرُّ بِهِ أَيْضًا مِثْلُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ فِي الْخَيْرِ وَضِدِّهِ لَكِنَّ هَذَا بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ فَإِذَا حَصَلَ الْمُرَادُ سَكَتَ وَأَقْبَلَ عَلَى مَا يَعْنِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ السُّؤَالُ ذَرِيعَةً إلَى التَّحَدُّثِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيرُ عَنْهُ لَمَّا أُثْنِيَ عَلَى رَجُلٍ مَاتَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَعَلَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ كَمَا قَالَ وَهَذَا الْبَابُ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ يَبْتَدِئُونَ بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ وَبِمَسَائِل الْعِلْمِ وَالْإِقْرَاءِ ثُمَّ يُدْرِجُهُمْ إلَى الْحَدِيثِ فِيمَا لَا يَعْنِي إنْ وَقَعَتْ السَّلَامَةُ مِنْ ذِكْرِ غَائِبٍ أَوْ جِدَالٍ يَقَعُ أَوْ مُفَاوَضَةٌ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ آدَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَهُ : اعْلَمْ أَنَّ لِلْكَلَامِ شُرُوطًا أَرْبَعَةً : لَا يَسْلَمُ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ الزَّلَلِ إلَّا بِهَا وَلَا يَعْرَى مِنْ النَّقْصِ إلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهَا : فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ لِدَاعٍ يَدْعُو إلَيْهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي اجْتِلَابِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ .
وَالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ .
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ : أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ .
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ : أَنْ يَتَخَيَّرَ اللَّفْظَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ انْتَهَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مُبَاحٍ وَالْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مُبَاحٍ ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لَهُ .
أَمَّا الْمُبَاحُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ : أَحَدُهَا : شُغْلُ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ الْكَاتِبِينَ بِمَا لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ
وَحَقٌّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْتَحِيَ مِنْهُمَا فَلَا يُؤْذِيهِمَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ .
وَالثَّانِي : رَفْعُ الْكِتَابِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ اللَّغْوُ وَالْهَذْرُ فَلْيَحْذَرْ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ وَلْيَخْشَ اللَّهَ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَظَرَ إلَى رَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الْخَنَا فَقَالَ : يَا هَذَا إنَّمَا تُمْلِي كِتَابًا إلَى رَبِّك فَانْظُرْ مَا تُمْلِي .
وَالثَّالِثُ : قِرَاءَتُهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بَيْنَ يَدَيْ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ عَطْشَانَ عُرْيَانَ جَوْعَان .
وَالرَّابِعُ : اللَّوْمُ وَالتَّعْيِيرُ لِمَاذَا قُلْت وَانْقِطَاعُ الْحُجَّةِ وَالْحَيَاءِ مِنْ رَبِّ الْعِزَّةِ .
وَقَدْ قِيلَ : إيَّاكَ وَالْفُضُولَ فَإِنَّ حِسَابَهُ يَطُولُ وَكَفَى بِهَذِهِ الْأُصُولِ وَاعِظًا لِمَنْ اتَّعَظَ انْتَهَى .
لَكِنْ إنْ اشْتَغَلَ بَعْدَ السُّؤَالِ بِإِلْقَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِمْ أَوْ بِاقْتِبَاسِهَا مِنْهُمْ أَوْ يُدْخِلَ عَلَيْهِمْ سُرُورًا ؛ لِكَوْنِهِمْ يُسَرَّوْنَ بِكَلَامِهِ مَعَهُمْ أَوْ يُسَرُّ هُوَ بِكَلَامِهِمْ مَعَهُ فَحَسَنٌ ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى حَالِ مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ ، وَالْمَقْصُودُ اجْتِنَابُ الْبَطَالَةِ ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ هُوَ فِيهِ عَرِيٌّ عَنْ الطَّاعَةِ .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تُسْرِعُونَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَيَنْوِي امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ فِي الدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك .
وَيَنْوِي أَيْضًا امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ بِأَنْ يُقَدِّمَ الشِّمَالَ وَيُؤَخِّرَ الْيَمِينَ وَيَنْوِيَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ خُرُوجِهِ بِالدُّعَاءِ الْوَارِدِ أَيْضًا فِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك .
وَيَنْوِيَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي أَخْذِ الْقَدَمِ بِالشِّمَالِ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَحِينَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ أَنَّ كُلَّ مُسْتَقْذَرٍ يُتَنَاوَلُ بِالشِّمَالِ ، وَكُلُّ طَاهِرٍ يُتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْمُسْتَحَبُّ فِي التَّخَتُّمِ أَنْ يَكُونَ فِي الشِّمَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَيُجْعَلُ فِي الشِّمَالِ .
فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ وَخَرَجَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ لَعَلَّهُ يَسْلَمُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فَتَرَاهُمْ إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْمَسْجِدَ يَأْخُذُ قَدَمَهُ بِالْيَمِينِ ، وَقَلَّ أَنْ يَخْلُوَ أَحَدُهُمْ مِنْ كِتَابٍ فَيَكُونُ الْكِتَابُ فِي شِمَالِهِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فِي أُمُورِهِ مَحْذُورَاتٌ .
مِنْهَا أَنْ يَجْهَلَ السُّنَّةَ فِي هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ فَإِذَا جَهِلَ الطَّالِبُ السُّنَّةَ فِي مُنَاوَلَةِ كِتَابِهِ وَقَدَمِهِ فَكَيْفَ حَالُهُ فِي غَيْرِهَا ؟ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ .
وَمِنْهَا مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ
عِنْدَ أَوَّلِ دُخُولِهِ بَيْتَ رَبِّهِ وَإِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ وَمِنْهَا ارْتِكَابُهُ الْبِدْعَةَ فَيَسْتَفْتِحُ عِبَادَتَهُ بِهَا .
وَمِنْهَا اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ وَقِلَّةُ تَحَفُّظِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي تَصَرُّفِهِمْ لِأَجْلِ تَصَرُّفِهِ وَمِنْهَا مَا فِيهِ مِنْ التَّفَاؤُلِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ الْجَمِيعِ ، وَهُوَ أَخْذُ كِتَابِهِ بِشِمَالِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ وَحُسْنَ الْعَاقِبَةِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ بِأَنْ لَا يَجْعَلَ نَعْلَهُ فِي قِبْلَتِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ خَلْفَهُ يَتَشَوَّشُ فِي صَلَاتِهِ وَقَلَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ جَمْعُ خَاطِرٍ فِيهَا وَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ لِلطَّهَارَاتِ فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْيَسَارِ ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد نَصًّا صَرِيحًا فِيهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ النَّهْيُ عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ حِينَ رَأَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ النُّخَامَةَ فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ وَرُئِيَ مِنْهُ الْكَرَاهِيَةُ لِذَلِكَ وَوَقَعَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فَإِذَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ النُّخَامَةِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَمَا بَالُك بِالْقَدَمِ الَّتِي قَلَّ أَنْ تَسْلَمَ فِي الطَّرِيقِ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ ؟ فَجَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ فَلَا يَفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى يَمِينِ غَيْرِهِ فَيَجْعَلُهُ إذْ ذَاكَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا سَجَدَ كَانَ بَيْنَ ذَقَنِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَيَتَحَفَّظُ مِنْ أَنْ يُحَرِّكَهُ فِي صَلَاتِهِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مُبَاشِرًا لَهُ فِيهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ لَهُ خِرْقَةٌ أَوْ مِحْفَظَةٌ يَجْعَلُ فِيهَا قَدَمَهُ فَهُوَ أَوْلَى .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا أَمْكَنَهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ .
وَيَنْوِي امْتِثَالَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ مُنَافَرَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْمَنَاكِرِ لِمَا قَدْ نَصَّ
الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ هِجْرَانُ مَنْ هُوَ مُجَاهِرٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَيَنْوِي تَرْفِيعَ بَيْتِ رَبِّهِ وَتَوْقِيرَهُ بِأَنْ لَا يَنْشُدَ فِيهِ شِعْرًا وَلَا يَنْشُدَ فِيهِ ضَالَّةً وَلَا يَرْفَعَ فِيهِ صَوْتًا وَلَا يُصَفِّقَ فِيهِ بِكَفَّيْهِ وَلَا يَضَعَ كِتَابًا مِنْ يَدِهِ ، وَهُوَ قَائِمٌ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بِيَدِهِ ثَوْبٌ فَلَا يَضَعُهُ ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونُ لِوَقْعِهِ فِي الْأَرْضِ صَوْتٌ وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ فَلَا يُلْقِيهَا مِنْ يَدِهِ ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونُ لِوُقُوعِهَا فِي الْمَسْجِدِ صَوْتٌ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ ، وَهُوَ قَائِمٌ يَكُونُ لَهُ صَوْتٌ فَلَا يَفْعَلُهُ ؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي النَّهْيِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ أَنْ يَلْبَسَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَيَتَحَفَّظَ أَنْ يُلْقِيَ نَعْلَهُ فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونَ لِوُقُوعِهِ فِي الْأَرْضِ صَوْتٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ الطَّرِيقِ فَيَقَعَ لِقُوَّةِ الرَّمْيَةِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بَصَقَ فِي نَعْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَلِقُوَّةِ الرَّمْيَةِ يَنْزِلُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ .
وَالْقَذَاةُ هِيَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ وَلَا تُبَالِي الْعَيْنُ بِهَا فَإِذَا كَانَ يُؤْجَرُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ فَكَيْفَ يُدْخَلُ لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ فَيُخَافُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُومَ بِمَا نَوَاهُ كُلَّهُ وَمَا فَعَلَهُ فِي جَنْبِ مَا قَلَّ مِنْ الْأَدَبِ مَعَ بَيْتِ رَبِّهِ فَيَحْصُلُ لَهُ النُّقْصَانُ .
وَيَنْوِي
اجْتِنَابَ اللَّغَطِ فِيهِ وَالْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِي فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ كَالنَّارِ فِي الْحَطَبِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ قَدْ خَرَجَ إلَى تِجَارَةٍ فَيَرْجِعَ خَاسِرًا بِسَبَبِ لَغَطِهِ وَكَلَامِهِ .
وَيَنْوِي الصَّلَاةَ بِالسِّلَاحِ وَيَحْمِلُ ذَلِكَ مَعَهُ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ بِالسِّلَاحِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا أَظُنُّهُ بِسَبْعِينَ .
وَيَنْوِي الِاجْتِنَابَ وَالْكَرَاهَةَ لِمَا يُبَاشَرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنْ الْبِدَعِ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَذْكُرُ عَنْ شَيْخِهِ الْقُدْوَةِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْمُحَقِّقِ سَيِّدِي أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : وَاَللَّهِ مَا أُبَالِي بِكَثْرَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْبِدَعِ ، وَإِنَّمَا أُبَالِي وَأَخَافُ مِنْ تَأْنِيسِ الْقَلْبِ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إذَا تَوَالَتْ مُبَاشَرَتُهَا اشْتَهَتْهَا النُّفُوسُ ، وَإِذَا أَنِسَتْ النُّفُوسُ بِشَيْءٍ قَلَّ أَنْ تَتَأَثَّرَ لَهُ وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ مِنْ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْقَلْبِ هُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ وَالتَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ هُوَ مَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْبُغْضِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَرْئِيِّ وَانْزِعَاجِهِ إذْ ذَاكَ وَقَلَقِهِ ، وَهَذَا فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَحْصُلُ لِمَا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ .
أَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي تُعْهَدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ فَقَدْ أَنِسَتْهَا النُّفُوسُ وَلَا يَجِدُ الْقَلَقَ وَالِانْزِعَاجَ مِنْهَا إذْ ذَاكَ أَعْنِي مَعَ تَكَرُّرِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ الْمُنْتَبِهُونَ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ الْعَارِفُونَ بِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْقَلْبِ هُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ، وَالتَّغْيِيرُ قَدْ عُدِمَ فِي الْغَالِبِ لِاسْتِئْنَاسِ النُّفُوسِ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فَذَهَبَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ، وَإِذَا عُدِمَ أَضْعَفُهُ فَمَاذَا يُرْجَى أَنْ يَبْقَى بَعْدَ عَدَمِ هَذَا الْأَضْعَفِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمُحَمَّدٍ
وَآلِهِ .
يُبَيِّنُ هَذَا وَيَزِيدُهُ إيضَاحًا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْقُوتِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ : أَوَّلُ بِدْعَةٍ رَأَيْت بُلْت الدَّمَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بُلْتُهُ أَصْفَرَ ثُمَّ تَغَيَّرَ الْأَمْرُ إلَى الْعَادَةِ أَوْ كَمَا قَالَ فَلِقُوَّةِ الْإِيمَانِ إذْ ذَاكَ عِنْدَهُ وَمُبَاشَرَةِ مَا لَمْ يَعْهَدْهُ مِنْ السُّنَّةِ قَوِيَ انْزِعَاجُ تِلْكَ النَّفْسِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى تَغَيَّرَ مِزَاجُهُ فَظَهَرَ ذَلِكَ فِي مَائِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَطِبَّاءَ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى مَا بِالْمَرِيضِ مِنْ الشِّكَايَةِ بِالنَّظَرِ إلَى مَائِهِ فَلَمَّا أَنْ اسْتَمَرَّ أَمْرُ تِلْكَ الْبِدْعَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْيِيرِهَا لِلْأُمُورِ الْمَانِعَةِ لَهُ فِي وَقْتِهِ تَغَيَّرَ مِنْ ذَلِكَ الِانْزِعَاجُ الْأَوَّلُ لِاسْتِئْنَاسِ النَّفْسِ بِالْعَوَائِدِ وَبَقِيَ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ بِدْعَةٍ هِيَ الَّتِي بَالَ مِنْهَا هَذَا السَّيِّدُ الدَّمَ ثُمَّ سَكَنَ أَمْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَعَلَّهَا مَا حَدَثَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُنْخُلِ أَوْ الْأُشْنَانِ أَوْ الْخِوَانِ أَوْ مَا يُشَاكِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي زَمَانِهِمْ .
أَمَّا زَمَانُنَا هَذَا فَمَعَاذَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا رَاجِعٌ لِمَا قَالَ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَقَدْ أَحْسَنَ فِيهِ : حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ أَعْنِي مِمَّا رَأَى هَذَا السَّيِّدُ الْعَظِيمُ ، وَهُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ الْبِدْعَةِ رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ إلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ فَانْظُرْ كَيْفَ وَقَعَ مِنْهُ الْإِنْكَارُ لِكُلِّ أَفْعَالِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْأَذَانِ ؟ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَحَ الْكَلَامَ فِي طَرِيقِ الْقَوْمِ ، وَهُوَ رَضِيعُ إحْدَى زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهَا مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَجَدُوهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ يَبْكِي فَسُئِلَ مِمَّ بُكَاؤُك ؟ فَقَالَ : وَمَالِي لَا أَبْكِي وَمَا أَعْرِفُ لَكُمْ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ إلَّا الْقِبْلَةَ هَذَا فِي زَمَانِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَمَا بَالُك وَظَنُّك بِزَمَانِنَا هَذَا وَمَسَاجِدِنَا هَذِهِ ؟ لَكِنْ قَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَكَانَ كَمَا قَالَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا : تَرَكَ سُنَّةً ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إذَا أَطْلَقَهَا الْعُلَمَاءُ فَالْمُرَادُ بِهَا طَرِيقَةُ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَادَتُهُ الْمُسْتَمِرَّةُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ .
سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَك مِنْ رُسُلِنَا .
أَيْ : عَادَةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَعَادَةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَك مِنْ رُسُلِنَا فَلَمَّا أَنْ ارْتَكَبْنَا عَوَائِدَ اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا بِحَسَبِ مَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا صَارَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ الَّتِي ارْتَكَبْنَاهَا وَمَضَيْنَا عَلَيْهَا سُنَّةً لَنَا فَإِذَا جَاءَنَا مَنْ يَعْرِفُ السُّنَّةَ وَيَعْمَلُ بِهَا أَنْكَرْنَاهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِخِلَافِ سُنَّتِنَا وَقُلْنَا : هَذَا يَعْمَلُ بِدْعَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى سُنَّتِنَا الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا فَإِذَا نَهَانَا عَنْ عَادَتِنَا وَأَمَرَنَا بِتَرْكِهَا وَتَرَكَهَا هُوَ قُلْنَا : هَذَا يَتْرُكُ السُّنَّةَ أَيْ : يَتْرُكُ السُّنَّةَ الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا فَجَاءَ مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ( عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا إلَى
الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ قَرِيبٍ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْت أَنِّي قَدْ رَأَيْت إخْوَانَنَا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِك قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدُ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَك مِنْ أُمَّتِك ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ دُهْمٌ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ مِنْ غَيْرِهَا ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ : إنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَك فَأَقُولُ : فَسُحْقًا فَسُحْقًا انْتَهَى .
فَأَتَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلَفْظِ التَّبْدِيلِ عَلَى طَرِيقِ الْعُمُومِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّبْدِيلُ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ مِنْ أَحْوَالِنَا فَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْعَوَائِدِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهَا وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ سُخْفٌ فِي الْعَقْلِ وَحِرْمَانٌ بَيِّنٌ فَيَحْتَاجُ لِأَجْلِ هَذَا أَنْ يَنْوِيَ حِينَ الْخُرُوجِ التَّحَفُّظَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا حَتَّى يَكُونَ مُتَيَقِّظًا إذَا وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا فَيُغَيِّرَهُ بِاَلَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ جُهْدُهُ مَرَّةً بِالْيَدِ وَأُخْرَى بِاللِّسَانِ وَأُخْرَى بِالْقَلْبِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ وَرَاءٌ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ تَرْكِ الثَّالِثِ فَإِنَّ تَرْكَهُ خَطَرٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثَالُ ذَلِكَ .
مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مَوْجُودٌ الْيَوْمَ بَيْنَنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ وَالزِّيَادَةِ فِيهِ بِالْمَدِّ الْفَاحِشِ وَالنَّقْصِ بِحَسَبِ مَا يُوَافِقُ نَغَمَاتِهِمْ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا وَمَضَتْ عَلَيْهَا سُنَّتُهُمْ الذَّمِيمَةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هَلْ يَجُوزُ التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ أَمْ لَا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حَيْثُ يَقُولُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ .
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الْأَلْحَانِ فَقَالَ : لَا تُعْجِبُنِي ، وَإِنَّمَا هُوَ غِنَاءٌ يَتَغَنَّوْنَ بِهِ لِيَأْخُذُوا عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فَحَمَلُوهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَى يَتَغَنَّى يَسْتَغْنِي بِهِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ وَقِيلَ : يَجْهَرُ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ .
قَالَ : عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ .
وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَيْ : يَسْتَغْنِي بِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ الْأَخْبَارِ وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِاتِّبَاعِهِ التَّرْجَمَةَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ وَالْمُرَادُ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقُرْآنِ عَنْ عِلْمِ أَخْبَارِ الْأُمَمِ قَالَهُ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ ، وَقِيلَ : إنَّ مَعْنَى يَتَغَنَّى بِهِ يَتَحَزَّنُ بِهِ أَيْ : يَظْهَرُ فِي قَارِئِهِ الْحُزْنُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ السُّرُورِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ وَتِلَاوَتِهِ وَلَيْسَ مِنْ الْغُنْيَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْغُنْيَةِ لَقَالَ : يَتَغَانَى بِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ يَتَغَنَّى بِهِ ذَهَبَ إلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْحَلِيمِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ وَالنَّسَائِيِّ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ .
الْأَزِيزُ بِزَاءَيْنِ صَوْتُ الرَّعْدِ وَغَلَيَانُ الْقِدْرِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَؤُمُّ بِالنَّاسِ فَطَرَّبَ فِي قِرَاءَتِهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ سَعِيدٌ يَقُولُ : أَصْلَحَك اللَّهُ إنَّ الْأَئِمَّةَ لَا تَقْرَأُ هَكَذَا فَتَرَكَ عُمَرُ التَّطْرِيبَ بَعْدُ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ النَّبْرِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَأَنْكَرَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهِ .
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِنْ كَانَ أَذَانُك سَهْلًا سَمْحًا وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ .
أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ .
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ ذَلِكَ فِي الْأَذَانِ فَأَحْرَى أَنَّهُ لَا يُجَوِّزُهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي حَفِظَهُ الرَّحْمَنُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ : وَقَوْلُهُ الْحَقُّ إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ .
قَالَ أَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُخَالِفُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ أَيْ : زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : هُوَ مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ كَمَا قَالُوا : عَرَضْت الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَرَضْت النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ قَالَ : وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ فَقَدَّمَ الْأَصْوَاتَ عَلَى الْقُرْآنِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَرَوَاهُ طَلْحَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ .
أَيْ : الْهَجُوا بِقِرَاءَتِهِ وَاشْغَلُوا بِهِ أَصْوَاتَكُمْ وَاتَّخِذُوهُ شِفَاءً ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْحَضُّ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالدَّأْبُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " حَسِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ " ) .
ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : إنَّ الْقُرْآنَ يُزَيَّنُ بِالْأَصْوَاتِ أَوْ بِغَيْرِهَا ، فَمَنْ تَأَوَّلَ هَذَا فَقَدْ وَاقَعَ أَمْرًا عَظِيمًا ، وَهُوَ أَنْ يُحْوِجَ الْقُرْآنَ إلَى مَنْ يُزَيِّنُهُ كَيْفَ ، وَهُوَ النُّورُ وَالضِّيَاءُ وَالزَّيْنُ الْأَعْلَى لِمَنْ أُلْبِسَ بَهْجَتَهُ وَاسْتَنَارَ بِضِيَائِهِ ؟ ثُمَّ قَالَ : إنَّ فِي التَّرْجِيعِ وَالتَّطْرِيبِ هَمْزَ مَا لَيْسَ بِمَهْمُوزٍ وَمَدَّ مَا لَيْسَ بِمَمْدُودٍ فَتَرْجِعُ الْأَلِفُ الْوَاحِدَةُ أَلِفَاتٍ كَثِيرَةً فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى زِيَادَةٍ فِي الْقُرْآنِ ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ وَافَقَ
ذَلِكَ مَوْضِعَ نَبْرَةٍ صَيَّرَهَا نَبَرَاتٍ وَهَمَزَاتٍ وَالنَّبْرَةُ حَيْثُمَا وَقَعَتْ مِنْ الْحُرُوفِ فَإِنَّمَا هِيَ هَمْزَةٌ وَاحِدَةٌ لَا غَيْرَ إمَّا مَمْدُودَةٌ ، وَإِمَّا مَقْصُورَةٌ ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ .
وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ .
، وَقَالَ : فِي صِفَةِ التَّرْجِيعِ ( آ آ آ ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُلْنَا : ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى إشْبَاعِ الْمَدِّ فِي مَوْضِعِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةُ صَوْتِهِ عِنْدَ هَزِّ الرَّاحِلَةِ كَمَا يَعْتَرِي رَافِعَ صَوْتِهِ إذَا كَانَ رَاكِبًا مِنْ انْضِغَاطِ صَوْتِهِ وَتَقْطِيعِهِ وَضِيقِهِ لِأَجْلِ هَزِّ الْمَرْكُوبِ ، وَإِذَا احْتَمَلَ هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ قَالَ : وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يُبْهِمْ مَعْنَى الْقُرْآنِ بِتَرْدِيدِ الْأَصْوَاتِ وَكَثْرَةِ التَّرْجِيعَاتِ فَإِذَا زَادَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ فَذَلِكَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ كَمَا يَفْعَلُهُ الْقُرَّاءُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ أَمَامَ الْمُلُوكِ وَالْجَنَائِزِ وَيَأْخُذُونَ عَلَيْهِمَا الْأُجُورَ وَالْجَوَائِزَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ وَخَابَ عَمَلُهُمْ فَيَسْتَحِلُّونَ بِذَلِكَ تَغْيِيرَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُهَوِّنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الِاجْتِرَاءَ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ يَزِيدُوا فِي تَنْزِيلِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ جَهْلًا بِدِينِهِمْ وَمُرُوقًا عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ وَرَفْضًا لِسِيَرِ الصَّالِحِينَ فِيهِ مِنْ سَلَفِهِمْ وَتَزْيِيغًا إلَى مَا يُزَيِّنُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا فَهُمْ فِي غَيِّهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَبِكِتَابِ اللَّهِ يَتَلَاعَبُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ لَكِنْ .
قَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ رَزِينٍ وَأَبُو
عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَلُحُونَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَسَيَجِيءُ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ اللُّحُونُ جَمْعُ لَحْنٍ ، وَهُوَ التَّطْرِيبُ وَتَرْجِيعُ الصَّوْتِ وَتَحْسِينُهُ بِالْقِرَاءَةِ كَالشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَيُشْبِهُ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُهُ قُرَّاءُ زَمَانِنَا بَيْنَ يَدَيْ الْوُعَّاظِ فِي الْمَجَالِسِ مِنْ اللُّحُونِ الْأَعْجَمِيَّةِ الَّتِي يَقْرَءُونَ بِهَا مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّرْجِيعُ فِي الْقِرَاءَةِ تَرْدِيدُ الْحُرُوفِ كَقِرَاءَةِ النَّصَارَى وَالتَّرْتِيلُ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ التَّأَنِّي فِيهَا وَالتَّمَهُّلُ وَتَبْيِينُ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ تَشْبِيهًا بِالشِّعْرِ الْمُرَتَّلِ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ .
قَالَ : وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ بِدَلَالَةِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّغَنِّي أَنْ يُحَسِّنَ الْقَارِئُ صَوْتَهُ مَكَانَ مَا يُحَسِّنُ الْمُغَنِّي صَوْتَهُ بِغِنَائِهِ إلَّا أَنَّهُ يَمِيلُ بِهِ نَحْوَ التَّحَزُّنِ دُونَ التَّطْرِيبِ أَيْ : قَدْ عَوَّضَ اللَّهُ مِنْ غِنَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ خَيْرًا مِنْهُ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ، فَمَنْ لَمْ يُحَسِّنْ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ الْغِنَاءِ فَلَيْسَ مِنَّا إلَّا أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا يَدْخُلُهَا شَيْءٌ مِنْ التَّغَنِّي وَفُضُولِ الْأَلْحَانِ وَتَرْدِيدِ الصَّوْتِ مِمَّا يُلْبِسُ الْمَعْنَى وَيَقْطَعُ أَوْصَالَ الْكَلَامِ كَمَا قَدْ دَخَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْغِنَاءِ ، وَإِنَّمَا يَلِيقُ بِالْقُرْآنِ حُسْنُ الصَّوْتِ وَالتَّحْزِينُ بِهِ دُونَ مَا عَدَاهُمَا وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً فَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً مَنْ إذَا سَمِعْته يَقْرَأُ رَأَيْت أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى .
وَقَالَ : إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ ؛ فَابْكُوا ، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي التَّحَزُّنِ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ مُتَلَبِّسًا بِحُزْنِ الْقَلْبِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَتَعَاطَ أَسْبَابَ الْحُزْنِ يُمَثِّلُ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَأَنَّ النَّارَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ ، وَذَلِكَ ؛ لِيَكُونَ ظَاهِرُهُ مُوَافِقًا لِبَاطِنِهِ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ مِنْ التَّحْزِينِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ خُشُوعِ النِّفَاقِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَدَنُ خَاشِعًا وَالْقَلْبُ لَيْسَ كَذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَقَدْ رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا يَمْشِي ، وَهُوَ مُنْحَنِي الرَّأْسِ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ : ارْفَعْ رَأْسَك الْخُشُوعُ هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى قَلْبِهِ .
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفَ فَيَحْتَاجُ الْخَارِجُ إلَى الْمَسْجِدِ ؛ لَأَنْ يَكُونَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِئَلَّا يُعْجِبَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَتَأَثَّرُ قَلْبُهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يَرَى وَكَذَلِكَ مَا يُفْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ غَيْرِ الْجَائِزِ مِنْ جِنْسِ مَا ذُكِرَ مِمَّا تَأْبَاهُ السُّنَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَطَلَبَ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ كُلِّهِ فَيَعْرِفُهُ حِينَ رُؤْيَتِهِ ، وَقَدْ صَارَتْ كَأَنَّهَا شَعَائِرُ الدِّينِ ، وَقَلَّ مَنْ يُنْكِرُهَا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَيَنْوِي مَعَ مَا ذُكِرَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِالْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحْضَرَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ إذْ ذَاكَ كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا مِمَّنْ كَانَ غَافِلًا عَنْهَا أَوْ سَاهِيًا .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ رَمَضَانَ إلَى رَمَضَانَ .
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الصَّوْمِ مَا قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُخْبِرًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ فَهَذَا أَجْرُهُ كَمَا تَرَى لَكِنْ لَمَّا أَنْ زَادَ هَذَا نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ زِيدَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَغْفِرَةً مَا بَيْنَ رَمَضَانَ إلَى رَمَضَانَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .
وَقِيَامُ رَمَضَانَ فِيهِ الْأَجْرُ ابْتِدَاءً لَكِنْ لَمَّا أَنْ زَادَ هَذَا فِي نِيَّتِهِ إحْضَارَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ زِيدَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَغْفِرَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ وَالْوَاجِبُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَجْرُهُ أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ لَكِنْ لَمَّا أَنْ زَادَ هَذَا نِيَّةَ الِاحْتِسَابِ فِي فِعْلِهِ زِيدَ لَهُ عَلَى أَجْرِ الْوَاجِبِ أَجْرُ صَدَقَتِهِ انْتَهَى .
وَإِحْضَارُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْفِعْلَ يَسْتَحْضِرُ الْإِيمَانَ إذْ ذَاكَ ، وَأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مُنْقَادًا مُطِيعًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَا مُجْبَرًا وَلَا مُسْتَحِيًا ، بَلْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ لَيْسَ إلَّا وَالِاحْتِسَابُ أَنْ يَحْتَسِبَ تَعَبَ الْفِعْلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ وَمَشَقَّتَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا
عَلَى غَيْرِهِ مِنْ عِوَضٍ يَأْخُذُهُ أَوْ ثَنَاءٍ أَوْ مِدْحَةٍ أَوْ مَظْلِمَةٍ تَرْتَفِعُ عَنْهُ أَوْ يُرْجَعُ إلَيْهِ أَوْ يُسْمَعُ قَوْلُهُ أَوْ إشَارَتُهُ ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُرِيدُ بِهِ بَدَلًا فَإِذَا فَعَلَ الْفِعْلَ الَّذِي يَفْعَلُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَهَذَا التَّرْتِيبِ فَقَدْ أَتَى بِالْمَقْصُودِ وَالْمُرَادِ ، وَقَدْ كَمَّلَ النِّيَّةَ وَأَتَمَّهَا وَنَمَّاهَا فَيُرْجَى لَهُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا وَعَدَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُطَّرِدَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا وَاجِبِهَا وَمَنْدُوبِهَا وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ : كُلُّ مَا ذَكَرْته مُتَعَذِّرٌ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَحْتَاجُ إلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ النَّاسِ أَرْبَابُ ضَرُورَاتٍ فَلَا يُمَكِّنُهُمْ الْوُقُوفُ لِمُرَاعَاةِ مَا ذُكِرَ فَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ .
قَالَ : قَالَ لَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِثَغْرِ عَسْقَلَانَ : سَمِعْت إمَامَ الْحَرَمَيْنِ يَقُولُ يُحْضِرُ الْإِنْسَانُ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ النِّيَّةَ وَيُجَرِّدُ النَّظَرَ فِي الصَّانِعِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ حَتَّى يَنْتَهِيَ نَظَرُهُ إلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ قَالَ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَدْنَى لَحْظَةٍ ؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ ذَلِكَ الْجُهَّالِ يَفْتَقِرُ إلَى الزَّمَانِ الطَّوِيلِ وَتَذَكُّرَهَا يَكُونُ فِي لَحْظَةٍ انْتَهَى .
وَمِنْ تَمَامِ النِّيَّةِ وَتَكْمِلَتِهَا وَحُسْنِهَا وَتَنْمِيَتِهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَصْحَبَةً فِي كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ لَكِنْ هَذَا فِي الْغَالِبِ صَعْبٌ عَسِيرٌ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ ، وَذَلِكَ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ فَيُجْزَى بِالنِّيَّةِ الَّتِي خَرَجَ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ النِّيَّاتِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ اثْنَانِ وَتِسْعُونَ مَعَ مَا يُضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ نِيَّةِ شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَفَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَفَضَائِلِهَا ، وَذَلِكَ سَبْعٌ وَسِتُّونَ .
فَالشُّرُوطُ خَمْسَةٌ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ .
وَتَخْتَصُّ الْجُمُعَةُ بِثَمَانِيَةِ شُرُوطٍ : أَرْبَعٌ لِلْوُجُوبِ ، وَأَرْبَعٌ : لِلْأَدَاءِ فَأَمَّا الْأَرْبَعُ الَّتِي لِلْوُجُوبِ فَهِيَ الذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِقَامَةُ وَمَوْضِعُ الِاسْتِيطَانِ .
أَمَّا الَّتِي لِلْأَدَاءِ فَهِيَ إمَامٌ وَجَمَاعَةٌ وَمَسْجِدٌ وَخُطْبَةٌ .
وَالْفَرَائِضُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ ، وَكَذَلِكَ مِنْ السُّنَنِ وَكَذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِلِ فَالْفَرَائِضُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ عَشْرَةٌ : وَهِيَ النِّيَّةُ وَالطَّهَارَةُ وَمَعْرِفَةُ الْوَقْتِ وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَرَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقِيَامُ وَالْجُلُوسُ الْأَخِيرُ وَتَرْتِيبُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا ثَلَاثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامُ وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ ، وَمِنْهَا خَمْسٌ مُخْتَلِفٌ فِيهَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ الرَّفْعُ مِنْ الرُّكُوعِ وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَتَرْكُ الْكَلَامِ وَالِاعْتِدَالُ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَاثْنَتَانِ مُخْتَلِفٌ فِيهِمَا هَلْ هُمَا شَرْطُ صِحَّةٍ أَوْ شَرْطُ كَمَالٍ ؟ وَهُمَا الْخُشُوعُ وَدَوَامُ النِّيَّةِ .
أَمَّا السُّنَنُ فَأَوَّلُهَا إقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ
الْإِحْرَامِ وَيَخْتَلِفُ فِي الرَّفْعِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَرَفْعُ الرَّأْسِ مِنْهُ وَالسُّورَةُ الَّتِي تُقْرَأُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ بِهَا فِي مَوْضِعِ السِّرِّ ، وَالْإِنْصَاتُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ وَالتَّكْبِيرُ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَقَدْ قِيلَ : أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِانْفِرَادِهَا سُنَّةٌ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِلْإِمَامِ وَالْفَذِّ ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَالْجُلُوسُ لَهُ وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ وَالْجُلُوسُ لَهُ ، وَهُوَ مَا كَانَ مِنْهُ زَائِدًا عَلَى مَا يَقَعُ فِيهِ السَّلَامُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةً وَفَرِيضَةً مُطْلَقَةً فِي غَيْرِهَا وَرَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ وَتَأْمِينُ الْمَأْمُومِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ : وَلَا الضَّالِّينَ وَقَوْلُهُ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ إذَا قَالَ الْإِمَامُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَالْقِنَاعُ لِلْمَرْأَةِ وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .
أَمَّا الْفَضَائِلُ فَأَوَّلُهَا أَخْذُ الرِّدَاءِ وَالتَّيَامُنُ بِالسَّلَامِ وَقِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ وَإِطَالَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَتَخْفِيفُهَا فِي الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَتَوَسُّطُهَا فِي الْعِشَاءِ وَتَقْصِيرُ الْجِلْسَةِ الْأُولَى وَالتَّأْمِينُ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِلْفَذِّ وَالْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ وَقَوْلُ الْفَذِّ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَصِفَةُ الْجُلُوسِ وَالْإِشَارَةُ بِالْأُصْبُعِ فِيهِ وَالْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ وَالْقِيَامُ مِنْ مَوْضِعِهِ سَاعَةَ يُسَلِّمُ وَالسُّتْرَةُ وَاعْتِدَالُ الصُّفُوفِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْيَدَيْنِ فِي الْفَرِيضَةِ .
وَاخْتُلِفَ فِي وَضْعِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ كَرِهَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى كَرَاهِيَتِهَا أَنْ تُعَدَّ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ .
وَالصَّلَاةُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى مَا أَنْبَتَتْهُ الْأَرْضُ وَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلرَّجُلِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ .
أَمَّا إقَامَةُ
الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهَا فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ وَسُنَّةٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَهَذَا مُنْتَهَى مَا عَدَّهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَمِعُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآدَابِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ مِائَةً وَتِسْعَةً وَخَمْسِينَ فَإِنْ أَضَافَ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إلَى الصَّلَاةِ وَعِنْدَ اصْطِفَافِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالدُّعَاءِ فِيهِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَرْجُوٌّ فِيهِ قَبُولُ الدُّعَاءِ ثُمَّ يَنْوِي الدُّعَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ أَعْنِي دُعَاءَ كُلِّ إنْسَانٍ فِي سِرِّهِ لِنَفْسِهِ وَلِإِخْوَانِهِ دُونَ جَهْرٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا وَيُرِيدَ أَنْ يُعَلِّمَ الْمَأْمُومِينَ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِذَا رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ تَعَلَّمُوا سَكَتَ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ التَّوْبَةَ حِينَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ السَّقَطَاتِ فِي الْكَلَامِ أَوْ الْغَفَلَاتِ وَالْخَطَرَاتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ ، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَاقِدِ لِلنِّكَاحِ يَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ الْعَقْدِ لِيَحْصُلَ الْعَقْدُ مِنْ تَائِبٍ فَتَكُونُ عَدَالَةُ الْوَلِيِّ حَاصِلَةً بِالتَّوْبَةِ الْوَاقِعَةِ إذْ ذَاكَ فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ الَّذِي فِي الْوَلِيِّ غَيْرِ الْعَدْلِ وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ يُحَصِّلُ التَّوْبَةَ ؛ لِكَيْ يَتَّصِفَ بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَعَلَّهُ يَدْخُلُ إذْ ذَاكَ فِي قَوْله تَعَالَى إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ .
وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ تَجْدِيدًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَوْبَتِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَعَ بَابَ الْمَلِكِ بِالدُّخُولِ فِي مُنَاجَاتِهِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ فِي صَلَاتِهِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
فَهَذِهِ أَرْبَعٌ مُضَافَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ
مِائَةً وَثَلَاثَةً وَسِتِّينَ مِنْ الْآدَابِ فَيَنْوِي ذَلِكَ كُلَّهُ فَمَا صَادَفَهُ بَادَرَ إلَى عَمَلِهِ وَمَا لَمْ يُصَادِفْهُ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ ، وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ الْعَدَدِ عَلَى جِهَةِ التَّقْصِيرِ فِي النَّظَرِ وَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ نُورًا وَتَأْيِيدًا وَتَوْفِيقًا يَرَى أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ وَيَعْلَمُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا هُوَ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ النُّورَ لَا يُشْبِهُ الظَّلَامَ ، وَنَظَرُ الْعَالِمِ لَيْسَ كَنَظَرِ الْعَامِّيِّ ، وَنَظَرُ الْعَامِلِ لَيْسَ كَنَظَرِ الْبَطَّالِ ، وَنَظَرُ الْمُتَّبِعِ لَيْسَ كَنَظَرِ الْمُبْتَدِعِ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْفَضَائِلُ فِي الشَّخْصِ وَتَعَرَّى مِنْ هَذِهِ النَّقَائِصِ حَصَلَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَيْسَ إلَّا .
لَكِنْ بَقِيَ فِي هَذَا شَيْءٌ ، وَهُوَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ هَلْ يُجْزِي عَنْهُمَا أَوْ لَا يُجْزِي أَوْ يُجْزِي عَنْ إحْدَاهُمَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ : يُجْزِي عَنْهُمَا لَا يُجْزِي عَنْهُمَا يُجْزِي عَنْ الْجَنَابَةِ لَيْسَ إلَّا يُجْزِي عَنْ الْجُمُعَةِ لَيْسَ إلَّا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ وَيَقُولُ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِيَنِي عَنْ غُسْلِ جُمُعَتِي أَعْنِي أَنَّهُ يَنْوِي بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ وَمَسْأَلَتُنَا مِثْلُهَا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ فَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ الْمَشْيَ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ نَفْسِهَا ثُمَّ يَقُولُ : وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِيَنِي عَنْ كَذَا وَكَذَا فَيَتَعَدَّدُ مَا ذُكِرَ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَا وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا خَرَجَ بِمَا تَقَدَّمَ فَمَا وَافَقَ مِمَّا نَوَاهُ بَادَرَ إلَيْهِ يَفْتَرِسُهُ فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ وَمَا لَمْ يُوَافِقْهُ فِي الْوَقْتِ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْقَعَ اللَّهُ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : انْوُوا بِنَا حَجًّا انْوُوا بِنَا جِهَادًا انْوُوا بِنَا رِبَاطًا وَجَعَلَ يُعَدِّدُ لَهُمْ أَنْوَاعَ الْبِرِّ وَكَثُرَ فَقَالُوا لَهُ : يَا سَيِّدَنَا كَيْفَ وَأَنْتَ عَلَى هَذَا الْحَالِ ؟ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ عِشْنَا وَفَّيْنَا وَإِنْ مُتْنَا حَصَلَ لَنَا أَجْرُ النِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِي النِّيَّةِ وَتَنْمِيَتِهَا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَالْغَافِلُ الْمِسْكِينُ صَحِيحٌ مُعَافًى ، وَهُوَ فِي عَمًى عَنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ سَاهٍ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عَمَلِهِ لَكِنْ إذَا نَوَى مَا ذُكِرَ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا مَهْمَا قَدَرَ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ اتِّسَاعِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ فَعَلَهُ
لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ فَيَقَعُ فِي الْمَقْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى .
فَإِذَا خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى مَا سَبَقَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَخْطِرَ لَهُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَحَدٍ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقَعُ فِي الْبَلِيَّةِ الْعُظْمَى فَكَانَ تَرْكُهُ لِزِيَادَةِ تِلْكَ النِّيَّاتِ أَوْلَى بِهِ ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ إذَا صَحَّتْ فَكَيْفَ بِهِ فِي عَمَلٍ لَمْ يُعْرَفْ صِحَّتُهُ مِنْ سَقَمِهِ ؟ ، بَلْ يَخْرُجُ مُحْسِنَ الظَّنِّ بِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ فَيَتَّهِمُ نَفْسَهُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِهِ الشَّرَّ ، وَيَعْتَقِدُ فِي غَيْرِهِ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ إذَا رَآهُ يَفْعَلُ الشَّرَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَظُنُّهُ مُحَمَّدَ بْنَ وَاسِعٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَفَعَنَا بِبَرَكَاتِهِ وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ سِرِّهِ أَنَّهُ مَرَّ مَعَ أَصْحَابِهِ بِمَوْضِعٍ فَرُمِيَ عَلَيْهِ مِنْ كُوَّةِ دَارٍ رَمَادٌ فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ أَنْ يُعَنِّفُوا أَهْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَالَ : لَا تَفْعَلُوا هَذِهِ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَفَأْلٌ حَسَنٌ لِمَنْ اسْتَحَقَّ النَّارَ ثُمَّ صُفِحَ عَنْهُ ، وَوَقْعُ الصُّلْحِ عَلَى الرَّمَادِ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ فِي حَقِّهِ وَمَا كَانَ سَبَبُ هَذَا الْخُلُقِ مِنْهُ إلَّا سُوءَ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ .
وَحُكِيَ عَنْ آخَرَ أَنَّهُ مَرَّ مَعَ أَصْحَابِهِ بِمَوْضِعٍ وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَلَّ أَنْ يُغَيِّرَ مُنْكَرًا فَمَرُّوا بِدُكَّانٍ وَرَجُلٌ يُجَامِعُ امْرَأَةً عَلَى مَسْطَبَةِ الدُّكَّانِ فَغَمَّضَ الشَّيْخُ عَيْنَيْهِ وَمَرَّ فَجَاءَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَأَمْسَكَهُ .
وَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي مَا بَقِيَ لَك هَاهُنَا تَأْوِيلٌ أَوْ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ فَقَالَ : لَهُ الشَّيْخُ أَمَا تَعْذُرُهُمْ يَا أَخِي كَثُرَتْ الْعِيَالُ وَضَاقَتْ الْبُيُوتُ حَتَّى احْتَاجَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِزَوْجَتِهِ لِمِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا تَحْسِينُ ظَنِّهِ بِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَانَ صَاحِبُ حَالٍ فَحَمَلَهُ حَالُهُ عَلَى مَا فَعَلَ ، وَإِلَّا فَتَحْسِينُ الظَّنِّ مُمْكِنٌ وَنَهْيُهُ وَاجِبٌ أَيْضًا ، وَإِنْ
كَانَتْ زَوْجَتُهُ ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلرِّجَالِ أَنْ يَجْتَمِعُوا بِالنِّسَاءِ فِي الطُّرُقِ لِحَدِيثٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ لَكِنَّ الْحَالَ حَامِلٌ لَا مَحْمُولٌ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إذَا مَرَّ عَلَيْك إنْسَانٌ بِجَرَّةِ خَمْرٍ ثُمَّ غَابَ عَنْك وَرَجَعَ عَرِيًّا عَنْهَا لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَقُولَ : شَرِبَهَا وَلَا أَوْصَلَهَا لِمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا ، وَإِنَّمَا تَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاهُ وَتَابَ عَلَيْهِ .
هَكَذَا تَكُونُ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ مَعَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ أَعْنِي هَذِهِ سَبِيلُهُ مَعَهُمْ مَعَ عَدَمِ الْخِلْطَةِ فَيَدْخُلُ إذْ ذَاكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَلَامَةُ الصَّدْرِ لَا تُبْلَغُ بِعَمَلٍ .
أَمَّا مَعَ الْخِلْطَةِ ، فَالسُّنَّةُ سُوءُ الظَّنِّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُمْ سَبَبٌ لِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ ، وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الْحَزْمِ سُوءُ الظَّنِّ
فَإِذَا خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ عَلَى مَا وَصَفَ وَدَخَلَ إلَيْهِ يُحَيِّيهِ فَهُوَ فِي تَحِيَّتِهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ وَإِنْ شَاءَ فَعَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَالِاسْتِحْبَابُ بَيِّنٌ وَالْوُجُوبُ بِنَذْرِهَا فَتَصِيرُ وَاجِبَةً ثُمَّ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ يُحْرِمُ بِهَا وَفِعْلُ الْوَاجِبِ فِيهِ مِنْ الثَّوَابِ مَا فِيهِ .
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَخْلُو أَمْرُهُ مِنْ إحْدَى أُمُورٍ : إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي الدِّينِ كَالْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَالْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْمُؤَدِّبِ وَالْمُجَاهِدِ وَالْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ لِلْعِبَادَةِ التَّارِكِ لِلْأَسْبَابِ ، فَهَؤُلَاءِ سَبْعَةٌ عَلَيْهِمْ يَدُورُ أَمْرُ الدِّينِ فَأَهَمُّهُمْ وَأَعْظَمُهُمْ هُوَ الْعَالِمُ إذْ أَنَّ السِّتَّةَ الْبَاقِينَ كُلَّهُمْ رَاجِعُونَ إلَيْهِ دَاخِلُونَ تَحْتَ أَحْكَامِهِ وَإِشَارَتِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْعِلْمُ إمَامٌ وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَكَانَ فِي عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ هُوَ أَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَبِقَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ : ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ لَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقْرِئُهُمْ الْعَشْرَ فَلَا يُجَاوِزُونَهَا إلَى عَشْرٍ أُخْرَى حَتَّى يَتَعَلَّمُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْعَمَلِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ جَمِيعًا وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ السُّلَمِيِّ قَالَ : كُنَّا إذَا تَعَلَّمْنَا عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ نَتَعَلَّمْ الْعَشَرَةَ الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى نَعْرِفَ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا وَأَمْرَهَا وَنَهْيَهَا انْتَهَى .
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ أَعْلَمَ الْقَوْمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ حَاجَةً إلَى الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةُ أَعْلَى الْمَنَاصِبِ وَأَجَلُّهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَالِمًا أَعْنِي عَلَى طَرِيقِ
الْكَمَالِ ، وَإِلَّا فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْعَالِمِ يَسْتَقِيمُ حَالُهُ وَيَصِيرُ عَالِمًا بِأَحْكَامِ خُطَّتِهِ وَمَرْتَبَتِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْخَمْسَةِ الْبَاقِينَ كُلٌّ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلْمِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي أُهِّلَ إلَيْهِ إمَّا بِالتَّعْلِيمِ أَوْ بِالسُّؤَالِ مِنْ الْعَالِمِ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَهْلِ الْبَلَاءِ إلَى الْجَنَّةِ ، وَالْعُلَمَاءُ وُقُوفٌ فِي الْمَحْشَرِ فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا بِفَضْلِ عِلْمِنَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ أَيْ : أَنَّهُمْ عَلَّمُوهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي بَلَائِهِمْ وَمَا لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأُجُورِ وَكَيْفِيَّةَ الصَّبْرِ وَمَا لِلصَّابِرِينَ فَامْتَثَلُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ فَكَانُوا سَبَبًا لِمَا جَرَى ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمُجَاهِدِينَ وَالْمُصَابِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ .
وَالْعُلَمَاءُ وُقُوفٌ يَقُولُونَ : يَا رَبَّنَا بِفَضْلِ عِلْمِنَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنْتُمْ عِنْدِي كَأَنْبِيَائِي اذْهَبُوا فَاخْتَرِقُوا الصُّفُوفَ فَاشْفَعُوا تُشَفَّعُوا ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِ الْعَالِمِ ، وَتُقَدَّمُ رُتْبَتُهُ بِالذِّكْرِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الرُّتَبِ الْبَاقِيَةِ إذْ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لَهُمْ فِي مَقَامِهِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ وَالْبَاقُونَ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ مُضْطَرُّونَ لَا تَتِمُّ لَهُمْ صَفْقَةٌ وَلَا يَتَقَوَّمُ لَهُمْ أَمْرٌ إلَّا بِدُخُولِ الْعَالِمِ بَيْنَهُمْ ، وَإِلَّا كَانَ سَعْيُهُمْ هَبَاءً مَنْثُورًا فَجَاءَ مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ نِعْمَ الرَّجُلُ الْعَالِمُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ نَفَعَ وَإِنْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ بِاَللَّهِ .
وَبِالْكَلَامِ عَلَى الْعَالِمِ وَتَمْيِيزِ مَقَامِهِ يَنْدَرِجُ غَيْرُهُ فِيهِ مِنْ مُتَعَلِّمٍ أَوْ غَيْرِهِ .
وَأَبْقَيْت بَقِيَّةً مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْبَاقِينَ وَسَنَذْكُرُ كُلًّا مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
( فَصْلٌ ) فِي الْعَالِمِ وَكَيْفِيَّةِ نِيَّتِهِ وَهَدْيِهِ وَأَدَبِهِ فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ جَهْدَهُ مَا اسْتَطَاعَ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَنْ ذُكِرَ إذْ أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَعِمَادُهُ ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ فَرْعٌ عَنْهُ وَتَابِعٌ لَهُ كَأَصْلِ الشَّجَرَةِ إنْ اسْتَقَامَ اسْتَقَامَتْ الْفُرُوعُ وَإِنْ أَصَابَتْ الْأَصْلَ آفَةٌ هَلَكَتْ الْفُرُوعُ وَالنِّيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ لِإِحْرَازِ هَذَا الْأَصْلِ إنْ كَانَ حَسَنًا يَسْلَمُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعَاهَاتِ وَالْآفَاتِ وَالْبَلِيَّاتِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نِيَّةُ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ .
وَلَا يُوجَدُ فِي الْأَعْمَالِ كُلِّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ فِيهِ حَسَنَةً فَإِذَا كَانَتْ النِّيَّةُ حَسَنَةً كَانَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ ، وَإِلَّا فَتَكُونُ الْأَعْمَالُ تَفْضُلُهُ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ النِّيَّةُ فِيهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِابْنِ وَهْبٍ لَمَّا أَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ مَا الَّذِي قُمْت إلَيْهِ بِأَوْجَبَ عَلَيْك مِنْ الَّذِي قُمْت عَنْهُ ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مَا كَانَتْ فَكَانَ طَلَبُ الْعِلْمِ لَا يَفُوقُهُ غَيْرُهُ وَالصَّلَاةُ تُدْرَكُ ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ وَمَسَائِلَ الْعِلْمِ تَفُوتُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَلَا تَتَحَصَّلُ لِلْإِنْسَانِ وَحْدَهُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ مَضَتْ الْحِكْمَةُ وَبِهِ وَقَعَ التَّكْلِيفُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَهُوَ الْآنَ مُتَيَسِّرٌ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مُجَالَسَتِهِ الْإِمَامَ مَالِكًا الَّذِي كَانَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَدْ تَفُوتُهُ مُجَالَسَتُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَالنِّيَّةُ أَوْلَى مَا يُرَاعِي الْعَالِمُ أَوَّلًا ثُمَّ يُنَمِّيهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَيُحَسِّنُهَا وَالْعَالِمُ أَوْلَى بِتَنْمِيَتِهَا وَتَحْسِينِهَا ، إذْ الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ يُبَصِّرُهُ بِذَلِكَ وَيَدُلُّهُ عَلَيْهِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ وَكَيْفِيَّةُ إخْلَاصِ النِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ بِنِيَّةِ أَنْ يَمْتَثِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَيُقْرَأُ أَيْضًا تُعَلِّمُونَ وَتَعْلَمُونَ بِمَعْنَى تَتَعَلَّمُونَ فَتَجْمَعُ الْقِرَاءَاتُ الثَّلَاثُ الْعِلْمَ وَالتَّعْلِيمَ وَالتَّعَلُّمَ .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً .
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى قَفَاهُ ثُمَّ ظَنَنْت أَنْ أُنْفِذَ كَلِمَةً سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجْهِزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا .
وَالْأَجْرُ فِي الْعِنَايَةِ بِالْعِلْمِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ فِيهِ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ قَسَّمَ بَيْنَ عِبَادِهِ الْأَعْمَالَ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالثَّوَابِ .
وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْعُبَّادِ كَتَبَ إلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحُضُّهُ عَلَى الِانْفِرَادِ وَتَرْكِ مُجَالَسَةِ النَّاسِ فَكَتَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ يَقُولُ : إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ قَسَّمَ بَيْنَ عِبَادِهِ الْأَعْمَالَ كَمَا قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ فَرُبَّ رَجُلٍ فُتِحَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي الصِّيَامِ وَرُبَّ رَجُلٍ فُتِحَ لَهُ فِي الصِّيَامِ وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَرُبَّ رَجُلٍ
فُتِحَ لَهُ فِي كَذَا وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي كَذَا فَعَدَّدَ أَشْيَاءَ ثُمَّ قَالَ : وَمَا أَظُنُّ مَا أَنْتَ فِيهِ بِأَفْضَلَ مِمَّا أَنَا فِيهِ ، وَكِلَانَا عَلَى خَيْرٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالسَّلَامُ .
وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا ، الْعَمَلُ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ إذْ هُوَ الَّذِي يُقِرُّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَسْرَةً وَنَدَامَةً رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَسَيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ أَوْ قَالَ لَيْلَةَ تَمَامِهِ يَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّك بِي مَاذَا عَمِلْت فِيمَا عَلِمْت يَا ابْنَ آدَمَ ؟ مَاذَا أَجَبْت الْمُرْسَلِينَ ؟ .
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ ( مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ أَوْحَى إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ قُلْ لِلَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي غَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الْكِبَاشِ وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنْ الصَّبْرِ إيَّايَ يُخَادِعُونَ وَبِي يَسْتَهْزِئُونَ لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ .
وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ آدَابِ النُّفُوسِ بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُخَادِعُوا اللَّهَ فَإِنَّهُ مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يُخَادِعْهُ اللَّهُ وَنَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ كَانَ يَشْعُرُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْف يُخَادَعُ اللَّهُ ؟ قَالَ : تَعْمَلُ بِمَا أَمَرَك اللَّهُ بِهِ وَتَطْلُبُ بِهِ غَيْرَهُ وَاتَّقُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ
الشِّرْكُ ، وَإِنَّ الْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ يُنْسَبُ إلَيْهَا يَا كَافِرُ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا خَاسِرُ ضَلَّ عَمَلُك وَبَطَلَ أَجْرُك فَلَا خَلَاقَ لَك الْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَك مِمَّنْ كُنْت تَعْمَلُ لَهُ يَا مُخَادِعُ انْتَهَى .
، وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ مَا جَاءَ فِي نَصِّ التَّنْزِيلِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُخَادِعُونَ اللَّهَ ، وَهُوَ خَادِعُهُمْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : مَعْنَاهُ يُقَابِلُهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ وَمِنْ كِتَابِ الْقُرْطُبِيِّ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ إذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو أَوْ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَتُتَّخَذُ سُنَّةٌ مُبْتَدَعَةٌ تَجْرِي عَلَيْهَا النَّاسُ فَإِذَا غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ : غُيِّرَتْ السُّنَّةُ قِيلَ : مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : إذَا كَثُرَ قُرَّاؤُكُمْ ، وَقَلَّ فُقَهَاؤُكُمْ وَكَثُرَ أُمَرَاؤُكُمْ وَقَلَّ أُمَنَاؤُكُمْ وَالْتُمِسَتْ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَتَفَقَّهَ الرَّجُلُ لِغَيْرِ الدِّينِ ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ أَخَذُوهُ بِحَقِّهِ أَوْ كَمَا يَنْبَغِي لَأَحَبَّهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ طَلَبُوا بِهِ الدُّنْيَا فَأَبْغَضَهُمْ اللَّهُ وَهَانُوا عَلَى النَّاسِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ قَالَ : قَوْمٌ وَصَفُوا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَخَالَفُوهُ بِقُلُوبِهِمْ إلَى غَيْرِهِ انْتَهَى .
وَمِنْ كِتَابِ مَرَاقِي الزُّلْفَى لِلْإِمَامِ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يَنْسِبُ الْحِكْمَةَ لِغَيْرِ أَهْلِهَا أَمَّا الْحِكْمَةُ فَقَدْ صَارَ هَذَا الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الطَّبِيبِ ، وَعَلَى الشَّاعِرِ ، وَعَلَى الْمُنَجِّمِ حَتَّى عَلَى الَّذِي
يُخْرِجُ الْقُرْعَةَ وَاَلَّذِي يَجْلِسُ عَلَى شَوَارِعِ الطُّرُقِ لِلْحِسَابِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الَّتِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهَا فَقَالَ : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةٌ مِنْ الْحِكْمَةِ يَتَعَلَّمُهَا الرَّجُلُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا .
ثُمَّ قَالَ وَانْظُرْ كُلَّ مَا ارْتَضَاهُ السَّلَفُ مِنْ الْعُلُومِ قَدْ انْدَرَسَ وَمَا رَكِبَ النَّاسُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَأَكْثَرُهُ مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ ، وَقَدْ صَحَّ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قِيلَ : وَمَنْ الْغُرَبَاءُ ؟ فَقَالَ : الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي وَاَلَّذِينَ يُحْيُونَ مَا أَمَاتُوهُ مِنْ سُنَّتِي وَفِي خَبَرٍ آخَرَ مَرْوِيٍّ هُمْ الْمُتَمَسِّكُونَ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ نَاسٌ قَلِيلُونَ صَالِحُونَ بَيْنَ نَاسٍ كَثِيرٍ مَنْ يَبْغُضُهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُحِبُّهُمْ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا رَأَيْتُمْ الْعَالِمَ كَثِيرَ الْأَصْدِقَاءِ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ مُخْلِطٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَطَقَ بِالْحَقِّ أَبْغَضُوهُ انْتَهَى .
وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَيْضًا وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالصَّوْنِ عَنْ طُرُقِ الشُّبُهَاتِ وَيُقَلِّلَ الضَّحِكَ وَالْكَلَامَ بِمَا لَا فَائِدَ فِيهِ وَيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالْحِلْمِ وَالْوَقَارِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلْفُقَرَاءِ وَيَجْتَنِبَ التَّكَبُّرَ وَالْإِعْجَابَ وَيَتَجَافَى عَنْ الدُّنْيَا وَأَبْنَائِهَا إنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ انْتَهَى وَإِنْ لَمْ يَخَفْ خَالَطَهُمْ بِالظَّاهِرِ مَعَ سَلَامَةِ بَاطِنِهِ لِيُبَلِّغَهُمْ أَحْكَامَ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيَتْرُكُ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ وَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالرِّفْقِ وَالْأَدَبِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُؤْمَنُ شَرُّهُ وَيُرْجَى خَيْرُهُ وَيُسْلَمُ مِنْ ضَرِّهِ وَأَنْ لَا يَسْمَعَ مِمَّنْ ثَمَّ عِنْدَهُ وَيُصَاحِبُ مَنْ يُعَاوِنُهُ عَلَى الْخَيْرِ وَيَدُلُّهُ عَلَى الصِّدْقِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيُزَيِّنُهُ وَلَا يَشِينُهُ انْتَهَى .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ التَّقْصِيرِ مُشْفِقًا عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّبْلِيغِ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِذَلِكَ وَيَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ أَقَلُّ عَبِيدِ اللَّهِ وَأَكْثَرُهُمْ حَاجَةً إلَيْهِ وَأَفْقَرُهُمْ إلَى التَّعْلِيمِ كَمَا قِيلَ : الْعَالِمُ عَالِمٌ مَا كَانَ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ جَاهِلٌ فَإِذَا رَأَى نَفْسَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ فَقَدْ جَهِلَ بَلْ مُسْتَرْشِدٌ مُتَعَلِّمٌ يَقْعُدُ مَعَ إخْوَانِهِ يُرْشِدُهُمْ وَيَسْتَرْشِدُ مِنْهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ وَقَعَ لِي سُؤَالٌ مَعَ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا جِئْت أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : لِي أَمَا تَقْرَأُ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَقُلْت : أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك فَقَالَ : لِي كَيْفَ تَتْرُكُ الْعُلَمَاءَ وَتَأْتِي تَقْرَأُ عَلَى مِثْلِي فَقُلْت : أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك فَقَالَ : اسْتَخِرْ اللَّهَ تَعَالَى فَاسْتَخَرْت اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ جِئْت إلَيْهِ فَقُلْت : أَقْرَأُ قَالَ : عَزَمْت قُلْت : نَعَمْ فَقَالَ : لِي لَا يَخْطِرُ بِخَاطِرِك وَلَا يَمُرُّ بِبَالِك أَنَّك تَقْرَأُ عَلَى عَالِمٍ وَلَا أَنَّك بَيْنَ
يَدَيْ شَيْخٍ إنَّمَا نَحْنُ إخْوَانٌ مُجْتَمِعُونَ نَتَذَاكَرُ أَشْيَاءَ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا فَعَلَى أَيِّ لِسَانٍ خَلَقَ اللَّهُ الصَّوَابَ وَالْحَقَّ قَبِلْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا مِنْ الْمَكْتَبِ .
فَإِذَا قَعَدَ الْإِنْسَانُ لِلتَّعْلِيمِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الَّذِي ذُكِرَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مَنْزِلَةً وَأَكْثَرِهِمْ خَيْرًا وَبَرَكَةً أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ ثُمَّ قَعَدَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ نُودِيَ فِي السَّمَوَاتِ عَظِيمًا .
وَبِهَذَا تَوَاطَأَتْ الْأَخْبَارُ وَنَقَلَتْ الْأُمَّةُ خَلْفًا عَنْ سَلَفٍ أَعْنِي تَعْظِيمَ الْعَالِمِ وَرَفْعَ مَنْزِلَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذْ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا الْعُلَمَاءُ ثُمَّ بَعْدَ دَرَجَتِهِمْ دَرَجَةُ الشُّهَدَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ لَوْ وُزِنَ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ وَدَمُ الشُّهَدَاءِ لَرَجَحَ عَلَيْهِ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ .
وَهَذَا بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّ دَمَ الشُّهَدَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ أَوْ سَاعَاتٍ ثُمَّ انْفَصَلَ الْأَمْرُ فِيهِ لِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ، وَمِدَادُ الْعُلَمَاءِ هُوَ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ لَيْلًا وَنَهَارًا ثُمَّ إنَّهُ مُحْتَاجٌ فِيهِ لِمُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يُعَلِّمَ أَوْ يَتَعَلَّمَ ، وَكِلَاهُمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُجَاهِدَةٍ عَظِيمَةٍ لِأَجْلِ خِلْطَةِ النَّاسِ وَمُبَاشَرَتِهِمْ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ عَسِيرٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنَّ كُلَّ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ يَنْفَصِلُ ، وَهُوَ طَيِّبُ النَّفْسِ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ بِذَلِكَ مَضَتْ السُّنَّةُ وَانْقَرَضَ السَّلَفُ عَلَيْهِ .
وَهَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ تَخْلِيصُ الذِّمَّةِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ فِيهَا ، وَعَلَيْهَا مِنْ حُقُوقِ الْإِخْوَانِ فِي الْحَضْرَةِ وَالْغَيْبَةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ وَالذَّبِّ عَنْهُمْ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ لَهُمْ وَمُرَاعَاةِ أَحْوَالِهِمْ وَإِنْصَافِهِمْ فِي الْخِلْطَةِ وَالتَّوْفِيَةُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَعْبٌ عَسِيرٌ فَضْلًا عَنْ مُكَابَدَةِ فَهْمِ الْمَسَائِلِ وَالْوُقُوفِ عَلَى
مَعَانِيهَا وَغَامِضِ خَبَايَاهَا آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ مَعَ مَا يَنْزِلُ مِنْ النَّوَازِلِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ فِي زَمَانِهِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعُلَمَاءَ بِفَضِيلَةٍ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْبَدُ بِتَقْوَاهُمْ وَيُعْرَفُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ بِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ مُدَافِعُونَ لِوُجُودِ كُلِّ فِتْنَةٍ وَمِحْنَةٍ وَحَادِثَةٍ وَبِدْعَةٍ انْتَهَى .
وَهَذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ إذْ بِهِ يُعْبَدُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُطَاعُ وَبِهِ يُنْهَى عَنْ مَعَاصِيهِ وَتُتْرَكُ فَكُلُّ مَنْ تَرَكَ مَعْصِيَةً أَوْ بِدْعَةً فَفِي صَحِيفَتِهِ ، بَلْ وَكُلُّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَعَبَدَ اللَّهَ فَذَلِكَ فِي صَحِيفَتِهِ أَيْضًا .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ فَكَيْفَ تَكُونُ صَحِيفَةُ هَذَا الْعَالِمِ ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ مَنْزِلَتُهُ ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ عِنْدَ الْوُفُودِ عَلَى رَبِّهِ عِنْدَ ظُهُورِ السَّرَائِرِ وَالْمُخَبَّآتِ ؟ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْإِحْيَاءِ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَالِ الْعِلْمُ يَحْرُسُك وَالْمَالُ تَحْرُسُهُ ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ ، وَالْمَالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو بِالنَّفَقَةِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْمُجَاهِدِ ، وَإِذَا مَاتَ الْعَالِمُ انْثَلَمَتْ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا يَسُدُّهَا إلَّا خَلْفٌ مِنْهُ .
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ : لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنْ الْعِلْمِ الْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ وَالْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا خُيِّرَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بَيْنَ الْعِلْمِ
وَالْمَالِ وَالْمُلْكِ فَاخْتَارَ الْعِلْمَ فَأُعْطِيَ الْمَالَ وَالْمُلْكَ مَعَهُ .
وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَنْ النَّاسُ فَقَالَ : الْعُلَمَاءُ قِيلَ : فَمَنْ الْمُلُوكُ ، قَالَ الزُّهَّادُ : قِيلَ ، فَمَنْ السَّفَلَةُ قَالَ الَّذِي يَأْكُلُ بِدِينِهِ دُنْيَاهُ فَلَمْ يَجْعَلْ غَيْرَ الْعَالَمِ مِنْ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْخَاصِّيَّةَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا النَّاسُ عَنْ سَائِرِ الْبَهَائِمِ هُوَ الْعِلْمُ الْإِنْسَانُ إنْسَانٌ بِمَا هُوَ شَرِيفٌ لِأَجْلِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الشَّخْصِ فَإِنَّ الْجَمَلَ أَقْوَى مِنْهُ وَلَا بِعِظَمِ جِسْمِهِ فَإِنَّ الْفِيلَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَلَا بِشَجَاعَتِهِ فَإِنَّ السَّبُعَ أَشْجَعُ مِنْهُ وَلَا بِأَكْلِهِ فَإِنَّ الْجَمَلَ أَوْسَعُ بَطْنًا مِنْهُ وَلَا بِمُجَامَعَتِهِ فَإِنَّ أَخَسَّ الْعَصَافِيرِ أَقْوَى مِنْهُ عَلَى السِّفَادِ ، بَلْ لَمْ يُخْلَقْ الْإِنْسَانُ إلَّا لِلْعِلْمِ .
وَقَدْ ذُكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَمَا جَاءَ فِيهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَأَكْثَرُ ، فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِهِ فَإِنَّهُ أَطْنَبَ فِي ذَلِكَ وَأَمْعَنَ فِيهِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ .
لَكِنْ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى تَكُونُ الْمُؤَاخَذَةُ أَشَدَّ إذْ أَنَّهُ يُحَاسِبُ عَلَى أُمُورٍ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا غَيْرُهُ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَمَدَّ رِجْلَهُ لِيَسْتَرِيحَ ثُمَّ قَبَضَهَا وَجَعَلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِمَّا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ عِنْدَنَا حِسًّا ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ عِنْدَنَا لَا يُؤَاخِذُ السَّائِسَ بِمَا يُؤَاخِذُهُ بِهِ النَّائِبُ وَالْوَزِيرُ كُلٌّ فِي مَرْتَبَتِهِ ، وَكُلٌّ يُخَاطَبُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَعَقْلِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِهَذَا الْعَالِمِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ حَالِهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ مِنْ أَنْ يُدَنِّسَهُ بِمُخَالَفَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ يَتَأَوَّلُهَا أَوْ يُبِيحُهَا أَوْ يَسْهُو عَنْ سُنَّةٍ أَوْ يَغْفُلُ
عَنْهَا أَوْ يَتْرُكُ بِدْعَةً مَعَ رُؤْيَتِهَا بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ عَنْهَا أَوْ يَمُرُّ عَلَيْهِ مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِ عِلْمِهِ لَا يَحُضُّ فِيهِ عَلَى السُّنَّةِ وَلَا يَأْمُرُ فِيهِ بِاجْتِنَابِ الْبِدْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا انْعَقَدَتْ مَجَالِسُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَبِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانُوا يُكَرِّرُونَ مَجَالِسَهُمْ حِينَ كَانَتْ السُّنَنُ قَائِمَةً وَالْبِدَعُ خَامِدَةً فَكَيْفَ بِهِ الْيَوْمَ ؟ .
وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ تَعَيَّنَ الْيَوْمَ عَلَى كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَضْلًا عَنْ مَسَائِلَ لِكَثْرَةِ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ فِي زَمَانِنَا هَذَا وَشَنَاعَتِهَا وَقُبْحِهَا إذْ أَنَّهَا كُلُّهَا صَارَتْ كَأَنَّهَا شَعَائِرُ الدِّينِ وَمِنْ الْأُمُورِ الْمُفْتَرَضَةِ عَلَيْنَا وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَقْوَالِنَا وَتَصَرُّفِنَا وَلَيْسَ لَنَا طَرِيقٌ لِمَعْرِفَةِ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ إلَّا مِنْ مَجَالِسِ عُلَمَائِنَا فَبَانَ مِنْ هَذَا أَتَمَّ بَيَانٍ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُتَعَيَّنٌ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُبَاشِرْ الْبِدَعَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَرَهَا .
أَمَّا مَعَ رُؤْيَتِهَا فَلَا يُمْكِنُ لِلْعَالِمِ تَرْكُهَا لِمَا وَرَدَ فِي قَوْله تَعَالَى حِينِ قَرَأَ الْقَارِئُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ فَقَالَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَأْخُذُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إذَا ظَهَرَ فِيكُمْ الْمُنْكَرُ فَلَمْ تُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّ اللَّهُ الْكُلَّ بِعَذَابٍ وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَلِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ ثُمَّ بِاللِّسَانِ ثُمَّ بِالْقَلْبِ عَلَى مَا مَرَّ ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إنَّ التَّغْيِيرَ بِالْيَدِ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَبِاللِّسَانِ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَبِالْقَلْبِ مُتَعَيِّنٌ عَلَى غَيْرِهِمَا ، وَمَا قَالُوهُ هُوَ فِي غَالِبِ الْحَالِ ، وَإِلَّا فَقَدْ نَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُ يَتَعَيَّنُ تَغْيِيرُهُ بِالْيَدِ عَلَى غَيْرِ الْأَمِيرِ وَغَيْرِ الْعَالِمِ فَضْلًا عَنْهُمَا .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَنْقَسِمُ التَّغْيِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَالِمِ قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ يَتَغَيَّرُ بِالْيَدِ ، وَقِسْمٌ يَتَغَيَّرُ بِاللِّسَانِ ، وَالشَّاذُّ النَّادِرُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ بِالْقَلْبِ .
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ مَا هَذَا لَفْظُهُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِمَا لَمْ يَصِحَّ لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ إذْ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَأْمُرَ بِالْمُنْكَرِ لِجَهْلِهِ بِحُكْمِهِمَا وَتَتَمَيَّزُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ .
وَالثَّانِي : أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ الْمُنْكَرَ إلَى مُنْكَرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ مِثْلَ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَيُؤَوَّلُ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ إلَى قَتْلِ نَفْسٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إنْكَارَهُ الْمُنْكَرَ مُزِيلٌ لَهُ ، وَأَنَّ أَمْرَهُ مُؤَثِّرٌ وَنَافِعٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وَلَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ .
فَالشَّرْطَانِ : الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مُشْتَرَطَانِ فِي الْجَوَازِ وَالشَّرْطُ الثَّالِثِ مُشْتَرَطٌ فِي الْوُجُوبِ فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْمُرَ وَلَا يَنْهَى ، وَإِذَا
عُدِمَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَوُجِدَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي جَازَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ رَابِعٌ ، وَهُوَ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْلَ فَمَا دُونَهُ فَيَجُوزُ إنْ لَمْ يَأْمَنْ لِحَدِيثِ أَعْظَمُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ : عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ .
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ الْآيَةَ مَعْنَاهُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَقْوَى مَنْ يُنْكِرُهُ ، لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَيَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ وَيَرْجِعُ أَمْرُهُ إلَى خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ سِوَى الْإِنْكَارِ بِقَلْبِهِ وَلَا يَضُرُّهُ مَعَ ذَلِكَ مَنْ ضَلَّ يُبَيِّنُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ : إذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي بَنْيِ إسْرَائِيلَ قِيلَ : وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : إذَا ظَهَرَ الِادِّهَانُ فِي خِيَارِكُمْ وَالْفَاحِشَةُ فِي شِرَارِكُمْ وَتَحَوَّلَ الْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ وَالْفِقْهُ فِي أَرَاذِلِكُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ : سَأَلْت أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْت : كَيْفَ نَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ قُلْت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ الْآيَةَ فَقَالَ : لِي أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهُوا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ ، فَمَنْ صَبَرَ فِيهِنَّ قَبَضَ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ
مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ .
وَمَا أَشْبَهَ زَمَانَنَا هَذَا بِهَذَا الزَّمَانِ تَغَمَّدَنَا اللَّهُ بِعَفْوٍ مِنْهُ وَغُفْرَانٍ انْتَهَى ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا مُنْتَبِهًا لِتَغْيِيرِ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ عِنْدَنَا مَوْجُودٌ مُبَاشَرٌ فِي بَعْضِ مَجَالِسِ عِلْمِنَا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَجَالِسِ ، وَيَا لَيْتَنَا لَوْ كُنَّا نُبَاشِرُهُ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ أَوْ مَكْرُوهٌ إذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنَّا كَذَلِكَ لَرُجِيَ لِأَحَدِنَا أَنْ يُقْلِعَ عَنْ ذَلِكَ وَيَتُوبَ ، وَلَكِنَّا قَدْ أَخَذْنَا أَكْثَرَ ذَلِكَ فَجَعَلْنَاهُ شَعِيرَةً لَنَا وَدِينًا وَتَقْوَى مُقْتَفِينَ فِي ذَلِكَ آثَارَ مَنْ غَلِطَ أَوْ سَهَا أَوْ غَفَلَ مِنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ حُجَّةً أَوْ حُجَجًا مَرْدُودَةً عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِ حَالِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَقَوْلِهِ وَحُجَّتِهِ ، وَنَجْعَلُ ذَلِكَ قُدْوَةً لَنَا فَإِذَا جَاءَ أَحَدٌ يُغَيِّرُ عَلَيْنَا مَا ارْتَكَبْنَا مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ شَنَّعْنَا عَلَيْهِ الْأَمْرَ .
وَقُلْنَا : إنْ حَسَّنَّا بِهِ الظَّنَّ وَكَانَ لَهُ تَوْقِيرٌ فِي قُلُوبِنَا هَذَا وَرَعٌ أَوْ مَرْبُوطٌ قَدْ أَفْتَى فُلَانٌ بِجَوَازِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُغَيِّرُ عَلَيْنَا مِمَّنْ لَا نَعْرِفُهُ وَلَا نَعْتَقِدُهُ فَيَجْرِي عَلَيْهِ مِنَّا مَا لَا يَظُنُّهُ وَلَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ فِينَا
فَصَارَ حَالُنَا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذُكِرَ أَنْ بَقِينَا مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ الَّذِي قَسَّمَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إنَّ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : عَالِمٌ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَالِمٌ فَيُتَعَلَّمُ مِنْهُ وَجَاهِلٌ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ وَعَالِمٌ ، وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّهُ عَالِمٌ فَنَبِّهُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ وَجَاهِلٌ ، وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّهُ جَاهِلٌ فَاهْرَبُوا مِنْهُ فَقَدْ صَارَتْ أَحْوَالُنَا الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الرَّابِعِ ، وَهُوَ الْجَهْلُ وَالْجَهْلُ بِالْجَهْلِ هَذَا هُوَ السُّمُّ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّا لَوْ رَأَيْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَهْلِ لَرُجِيَ لَنَا الِانْتِقَالُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ الذَّمِيمَةِ وَلَكِنْ مَنْ يَنْتَقِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ لَا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ عَنْ ذَلِكَ وَظَنَنَّا بِأَنْفُسِنَا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ، وَلَوْلَا مَا تَرَكَّبَ فِينَا مِنْ سُمِّ الْجَهْلِ مَا أَقَمْنَا الْحُجَّةَ فِي دِينِنَا بِمَنْ سَهَا أَوْ غَلِطَ أَوْ غَفَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْإِنْسَانُ فِي دِينِهِ إلَّا مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ وَذَلِكَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ إلَّا أَوْ مَنْ شَهِدَ لَهُ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَيْرِ ، وَهُوَ الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .
وَقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَصْحَابِي مِثْلُ النُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فَقِيلَ لَهُ : فَمَا بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ الَّتِي ذَكَرْت فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ يَعْنِي لَا شَيْءَ .
وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْقُرُونِ الْمَذْكُورَةِ يَعْنِي فِي غَالِبِ الْحَالِ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَ ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ لَا يُقْتَدَى بِهِمْ ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ أَهْلَ الْعِلْمِ أَلَا تَرَى إلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إذْ قَالَ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْت النَّاسَ وَمَا رَأَيْت النَّاسَ فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِمْ الْعُلَمَاءَ ، فَالنَّاسُ عِنْدَهُمْ هُمْ الْعُلَمَاءُ فَالْحَدِيثُ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ لَيْسَ إلَّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْمَخْصُوصِ الْمُشَارِ إلَيْهِ مِنْ صَاحِبِ الْعِصْمَةِ بِالْخَيْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ الشَّارِعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ وَكَيْفَ خَصَّهُمْ بِالْفَضِيلَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؟ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْقُرُونِ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ لَكِنْ اخْتَصَّتْ تِلْكَ الْقُرُونُ بِمَزِيَّةٍ لَا يُوَازِيهِمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَصَّهُمْ لِإِقَامَةِ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ فَالْقَرْنُ الْأَوَّلُ خَصَّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِخُصُوصِيَّةٍ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ أَنْ يَلْحَقَ غُبَارَ أَحَدِهِمْ فَضْلًا عَنْ عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ خَصَّهُمْ بِرُؤْيَةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُشَاهَدَتِهِ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ غَضًّا طَرِيًّا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَتَلَقَّاهُ مِنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَخَصَّهُمْ بِالْقِتَالِ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّهِ وَنُصْرَتِهِ وَحِمَايَتِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَإِخْمَادِهِ وَرَفْعِ مَنَارِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَائِهِ وَحِفْظِهِمْ آيِ الْقُرْآنَ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ نُجُومًا نُجُومًا فَأَهَّلَهُمْ اللَّهُ لِحِفْظِهِ حَتَّى لَمْ يَضِعْ مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ فَجَمَعُوهُ وَيَسَّرُوهُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالْأَقَالِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَهَّدُوهَا لَهُمْ وَحَفِظُوا أَحَادِيثَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي صُدُورِهِمْ وَأَثْبَتُوهَا
عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ عَدَمِ اللَّحْنِ وَالْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ .
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا شَكَّ فِي الْحَدِيثِ تَرَكَهُ أَلْبَتَّةَ فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ قَرْنِهِمْ بَلْ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي فَمَا بَالُك بِهِمْ وَهُمْ خَيْرُ الْخِيَارِ ؟ وَصْفُهُمْ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ أَحَدٌ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ نَبِيِّهِ خَيْرًا لَقَدْ أَخْلَصُوا لِلَّهِ تَعَالَى الدَّعْوَةَ وَذَبُّوا عَنْ دِينِهِ بِالْحُجَّةِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلِيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالًا اخْتَارَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ انْتَهَى .
فَلَمَّا أَنْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ طَاهِرِينَ عَقَبَهُمْ التَّابِعُونَ لَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَجَمَعُوا مَا كَانَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مُتَفَرِّقًا وَبَقِيَ أَحَدُهُمْ يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَضَبَطُوا أَمْرَ الشَّرِيعَةِ أَتَمَّ ضَبْطٍ وَتَلَقَّوْا الْأَحْكَامَ وَالتَّفْسِيرَ مِنْ فِي الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِثْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : سَلُونِي مَا دُمْت بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَإِنِّي أَعْرَفُ بِأَزِقَّةِ السَّمَاءِ كَمَا أَنَا أَعْرَفُ بِأَزِقَّةِ الْأَرْضِ " وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ، فَمَنْ لَقِيَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ كَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ وَعَمَلُهُ ؟ فَحَصَلَ لِلْقَرْنِ الثَّانِي نَصِيبٌ وَافِرٌ أَيْضًا فِي إقَامَةِ
هَذَا الدِّينِ وَرُؤْيَةِ مَنْ رَأَى بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَلِذَلِكَ كَانُوا خَيْرًا مِنْ الَّذِينَ بَعْدَهُمْ ثُمَّ عَقَبَهُمْ التَّابِعُونَ لَهُمْ وَهُمْ تَابِعُو التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِيهِمْ حَدَثَ الْفُقَهَاءُ الْمُقَلَّدُونَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِمْ فِي النَّوَازِلِ الْكَاشِفُونَ لِلْكُرُوبِ فَوَجَدُوا الْقُرْآنَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَجْمُوعًا مُيَسَّرًا وَوَجَدُوا الْأَحَادِيثَ قَدْ ضُبِطَتْ وَأُحْرِزَتْ فَجَمَعُوا مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا وَتَفَقَّهُوا فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَاسْتَخْرَجُوا فَوَائِدَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ وَاسْتَنْبَطُوا مِنْهَا فَوَائِدَ وَأَحْكَامًا وَبَيَّنُوا عَلَى مُقْتَضَى الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَدَوَّنُوا الدَّوَاوِينَ وَيَسَّرُوا عَلَى النَّاسِ وَبَيَّنُوا الْمُشْكِلَاتِ بِاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ مِنْ الْأُصُولِ وَرَدُّوا الْفَرْعَ إلَى أَصْلِهِ وَبَيَّنُوا الْأَصْلَ مِنْ فَرْعِهِ .
فَانْتَظَمَ الْحَالُ وَاسْتَقَرَّ مِنْ الدِّينِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِهِمْ الْخَيْرُ الْعَمِيمُ فَحَصَلَتْ لَهُمْ فِي إقَامَةِ هَذَا الدِّينِ خُصُوصِيَّةٌ أَيْضًا بِلِقَائِهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى صَاحِبَ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُبْقُوا لِمَنْ بَعْدَهُمْ شَيْئًا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُومَ بِهِ ، بَلْ كُلُّ مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ مُقَلِّدٌ لَهُمْ فِي الْغَالِبِ وَتَابِعٌ لَهُمْ ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ فِقْهٌ غَيْرُ فِقْهِهِمْ أَوْ فَائِدَةٌ غَيْرُ فَائِدَتِهِمْ فَمَرْدُودٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يَزِيدَ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهَا فَذَلِكَ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ .
أَمَّا مَا اسْتَخْرَجَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفَرَائِضِ غَيْرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ فَمَقْبُولٌ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ فَعَجَائِبُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لَا يَنْقَضِي إلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ كُلُّ قَرْنٍ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ فَوَائِدَ جَمَّةً خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا وَضَمَّهَا إلَيْهِ لِتَكُونَ بَرَكَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَمِرَّةً إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ .
قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُمَّتِي مِثْلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَيُّهُ أَنْفَعُ أَوَّلُهُ أَوْ آخِرُهُ أَوْ كَمَا قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَعْنِي فِي الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ وَالدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَبْيِينِ الْأَحْكَامِ لَا أَنَّهُمْ يُحْدِثُونَ حُكْمًا مِنْ الْأَحْكَامِ اللَّهُمَّ إلَّا مَا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ مِمَّا لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْبَيَانِ فَيَجِبُ إذْ ذَاكَ أَنْ يُنْظَرَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ عَنْهُمْ الْمُبَيَّنَةِ الصَّرِيحَةِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى أُصُولِهِمْ قَبِلْنَاهُ فَلَمَّا أَنْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ طَاهِرِينَ ثُمَّ أَتَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَلَمْ يَجِدْ فِي هَذَا الدِّينِ وَظِيفَةً يَقُومُ بِهَا وَيَخْتَصُّ بِهَا ، بَلْ وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَ مَا دَوَّنُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ وَاسْتَخْرَجُوهُ وَأَفَادُوهُ فَاخْتَصَّتْ إقَامَةُ هَذَا الدِّينِ بِالْقُرُونِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ إلَّا ، فَلِأَجَلِ ذَلِكَ كَانُوا خَيْرًا مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُمْ وَلَا يَحْصُلُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْخَيْرِ خَيْرٌ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالْخَيْرِ فَبَقِيَ كُلُّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ فِي مِيزَانِهِمْ وَمِنْ بَعْضِ حَسَنَاتِهِمْ فَبَانَ مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَعُلِمَ فَكُلُّ مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ يَقُولُ فِي بِدْعَةٍ إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْ أُصُولِهِمْ ، فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، بَلْ يَحْتَاجُ
أَنْ يَعْرِفَ أَحْوَالَهُمْ فِي الْبِدَعِ أَوَّلًا كَيْفَ كَانَتْ ؟ وَكَيْفَ كَانُوا يُرَاعُونَ هَذَا الْأَصْلَ وَيُسْتَحْفَظُونَ عَلَيْهِ ؟ فَمِنْ ذَلِكَ مَا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَعُمْدَتِهِ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ وَكَيْفِيَّةِ جَمْعِهِ وَمَا قَالُوا : بِسَبَبِ ذَلِكَ وَإِشْفَاقِهِمْ مِنْ الْأَخْذِ فِيهِ مَعَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى جَمْعِهِ إذْ أَنَّهُ لَوْلَا جَمْعُهُ لَذَهَبَ هَذَا الدِّينُ فَانْظُرْ مَعَ جَمْعِهِ وَضَبْطِهِ كَيْفَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ الْكَثِيرُ فِي التَّأْوِيلِ ؟ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ التِّلَاوَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ .
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : أَرْسَلَ إلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ : إنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا أَنْ يَجْمَعُوهُ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ يُجْمَعَ الْقُرْآنُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَقُلْت لِعُمَرَ : كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هُوَ وَاَللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ تَعَالَى لِذَلِكَ صَدْرِي فَرَأَيْت الَّذِي رَآهُ عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ : وَغَيْرُهُ وَعُمَرُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّك رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُك قَدْ كُنْت تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاَللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْت : كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَمَرَ بِهِ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ وَاَللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
فَقُمْت فَتَتَبَّعْت الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعَسِيبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْت مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ غَيْرِهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ إلَى آخِرِ السُّورَةِ انْتَهَى .
فَانْظُرْ مَعَ هَذَا النَّفْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي وَقَعَ بِجَمْعِهِ أَشْفَقُوا أَنْ يَفْعَلُوهُ وَخَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدَثًا يُحْدِثُونَهُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمَا بَالُك بِبِدْعَةٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا نَفْعٌ أَوْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُظُوظُ النُّفُوسِ أَوْ الرُّكُونُ إلَى الْعَوَائِدِ ؟ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَهَا فَضْلًا عَنْ الْكَلَامِ فِيهَا بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِي شَكْلِ الْمُصْحَفِ وَنَقْطِهِ وَتَعْشِيرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الْعُظْمَى الَّتِي قَدْ ظَهَرَتْ فِي الْأُمَّةِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِهِ ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْشِيرَ فِي الْمُصْحَفِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يُحْكِمُهُ .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْشِيرَ وَالطِّيبَ فِي الْمُصْحَفِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ سَمِعْت مَالِكًا حِينَ سُئِلَ عَنْ الْعُشُورِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْحُمْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَلْوَانِ فَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : تَعْشِيرُ الْمُصْحَفِ بِالْحِبْرِ لَا بَأْسَ بِهِ سُئِلَ عَنْ الْمَصَاحِفِ تُكْتَبُ فِيهَا خَوَاتِمُ السُّوَرِ فِي كُلِّ سُورَةٍ مَا فِيهَا مِنْ آيَةٍ قَالَ : إنِّي أَكْرَهُ ذَلِكَ فِي أُمَّهَاتِ الْمَصَاحِفِ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا شَيْءٌ أَوْ تُشَكَّلَ فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّمُ بِهِ الْغِلْمَانُ مِنْ الْمَصَاحِفِ فَلَا أَرَى فِي ذَلِكَ بَأْسًا ، وَقَالَ قَتَادَةُ : بَدَءُوا فَنَقَّطُوا ثُمَّ خَمَّسُوا ثُمَّ عَشَّرُوا ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ كَانَ الْقُرْآنُ مُحْكَمًا مُجَرَّدًا فِي الْمَصَاحِفِ فَأَوَّلُ مَا أَحْدَثُوا فِيهِ النُّقَطَ عَلَى الْبَاءِ وَالتَّاءِ وَالثَّاءِ
وَقَالُوا : لَا بَأْسَ هُوَ نُورٌ لَهُ ثُمَّ أَحْدَثُوا نُقَطًا عِنْدَ مُنْتَهَى الْآيَةِ ثُمَّ أَحْدَثُوا الْفَوَاتِحَ وَالْخَوَاتِمَ .
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ : رَأَى إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي مُصْحَفٍ فَاتِحَةَ سُورَةِ كَذَا فَقَالَ : اُمْحُهُ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لَا تَخْلِطُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَيْسَ مِنْهُ انْتَهَى فَانْظُرْ مَا تَرَتَّبَ عَلَى نَقْطِهِ وَشَكْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى لِلصِّغَارِ ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ مِنْ الْكِبَارِ كَيْفَ كَرِهُوا ذَلِكَ مَعَ هَذِهِ الْفَائِدَةِ الْعُظْمَى ؟ عَلَى هَذَا كَانَ مِنْهَاجُهُمْ فِي تَحَرِّيهِمْ لِلْبِدَعِ .
أَلَا تَرَى إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمَّا أَنْ دَخَلَ الْخَلَاءَ وَرَأَى ذُبَابًا قَدْ وَقَعَ عَلَى فَضْلَةٍ كَانَتْ هُنَاكَ ثُمَّ طَارَ وَوَقَعَ عَلَى ثَوْبِهِ فَعَزَمَ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الذُّبَابِ إذَا خَرَجَ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ غَسْلَهُ أَشْفَقَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَكُونُ بِأَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ بِدْعَةً فِي الْإِسْلَامِ انْتَهَى .
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَتْ الْبِدَعُ عِنْدَهُمْ ؟ وَكَيْفَ كَانَ تَحَرِّيهِمْ لَهَا ؟
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرُوِيَ عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ أَنَّهُ جَاءَ مَعَ الْقُرَّاءِ إلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقِيلَ لَهُ : اقْرَأْ فَرَفَعَ صَوْتَهُ وَطَرِبَ وَكَانَ رَفِيعَ الصَّوْتِ فَكَشَفَ أَنَسٌ عَنْ وَجْهِهِ وَكَانَ عَلَى وَجْهِهِ خِرْقَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَ لَهُ : يَا هَذَا مَا هَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ، وَكَانَ إذَا رَأَى شَيْئًا يُنْكِرُهُ كَشَفَ الْخِرْقَةَ عَنْ وَجْهِهِ وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَكَرِهَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كُلُّهُمْ كَرِهُوا رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ وَالتَّطْرِيبِ فِيهِ انْتَهَى .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْهُمْ فِي أَوْرَادِهِمْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسَاجِدِهِمْ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ كَأَنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَيُسْمَعُ لَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ ، كُلُّ هَذَا إشْفَاقٌ مِنْهُمْ أَنْ يَرْفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَدَثًا لَا سِيَّمَا فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ النَّهْيِ ، وَقَدْ خَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْقُرْآنِ فَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي الْبُحْتُرِيِّ قَالَ أَخْبَرَ رَجُلٌ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ قَوْمًا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيهِمْ رَجُلٌ يَقُولُ : كَبِّرُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا وَسَبِّحُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا وَاحْمَدُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَيَقُولُونَ ذَلِكَ قَالَ : نَعَمْ فَإِذَا رَأَيْتهمْ فَعَلُوا ذَلِكَ
فَأْتِنِي فَأَخْبِرْنِي بِمَجْلِسِهِمْ قَالَ : فَأَتَيْته فَأَخْبَرْته بِمَجْلِسِهِمْ فَأَتَاهُمْ ، وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ لَهُ فَجَلَسَ فَلَمَّا سَمِعَ مَا يَقُولُونَ قَامَ وَكَانَ رَجُلًا حَدِيدًا فَقَالَ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظُلْمًا أَوْ لَقَدْ فُقْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا فَقَالَ : أَحَدُهُمْ مُعْتَذِرًا وَاَللَّهِ مَا جِئْنَا بِبِدْعَةٍ ظُلْمًا وَلَا فُقْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ قَالَ عَلَيْكُمْ بِالطَّرِيقِ فَالْزَمُوهُ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا وَلَئِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَتَضِلُّونَ ضَلَالًا بَعِيدًا .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْجَامِّ فِي ذَمِّ الْعَوَامّ لَهُ : اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً عَلَى ذَمِّ الْبِدْعَةِ وَزَجْرِ الْمُبْتَدِعِ وَتَعْتِيبِ مَنْ يُعْرَفُ بِالْبِدْعَةِ ، فَهَذَا مَفْهُومٌ عَلَى الضَّرُورَةِ بِالشَّرْعِ ، وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي مَحِلِّ الظَّنِّ وَذَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِدْعَةَ وَعُلِمَ بِتَوَاتُرٍ مَجْمُوعُ أَخْبَارٍ تُفِيدُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ جُمْلَتُهَا فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ .
وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِمَا ابْتَدَعُوا فِي دِينِهِمْ وَتَرَكُوا سُنَنَ أَنْبِيَائِهِمْ وَقَالُوا بِآرَائِهِمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا مَاتَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ فَقَدْ فُتِحَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَتْحٌ .
وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَشَى إلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَهُ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ بُغْضًا لَهُ فِي اللَّهِ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا وَمَنْ انْتَهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ رَفَعَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ دَرَجَةٍ وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ أَوْ لَقِيَهُ بِالْبِشْرِ أَوْ اسْتَقْبَلَهُ بِمَا يَسُرُّهُ فَقَدْ اسْتَخَفَّ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً وَلَا زَكَاةً وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَيَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ أَوْ كَمَا يَخْرُجُ الشَّعْرُ مِنْ
الْعَجِينِ انْتَهَى مَا نَقَلَهُ بِلَفْظِهِ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَحْوَالُهُمْ مُتَعَدِّدَةٌ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا وَلَا عَدُّهَا وَالْكِتَابُ يَضِيقُ عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْهَا وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَيْفَ كَانَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ عِنْدَنَا مِمَّا نَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى رَبِّنَا ؟ وَكَيْفَ كَانَ إسْرَاعُهُمْ إلَى تَغْيِيرِهَا وَانْزِعَاجُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهَا وَشِدَّتُهُمْ فِي أَمْرِهَا ؟ فَانْظُرْ بِنَظَرِك فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَجِيبِ مَا بَيْنَ حَالِنَا وَحَالِهِمْ إذْ مَا نَتَقَرَّبُ بِهِ الْيَوْمَ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ الِانْزِعَاجِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى اقْتَصَرْت فِي التَّمْثِيلِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ عَلَى مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلِ الدِّينِ وَعُمْدَتِهِ الَّذِي مَنْ يَفْعَلُهُ الْيَوْمَ عِنْدَنَا هُوَ الرَّجُلُ الْأَعْظَمُ الَّذِي تَغْتَنِمُ خَيْرَهُ وَبَرَكَتَهُ فَمَا بَالُك بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَعِبَادَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَأَصْلُ الدِّينِ وَعُمْدَتُهُ وَقِوَامُهُ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ بِالْجُوعِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى إحْرَازِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ مِنْ الْعَاهَاتِ وَالْآفَاتِ الَّتِي تَأْتِي عَلَيْهِ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَغَيْرِهَا وَالْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ مَا الْإِنْسَانُ مُخَاطَبٌ بِهِ فِي تَغْيِيرِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إذَا ظَهَرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ الشَّرِيفِ فَيَبْدَأُ أَوَّلًا بِالتَّغْيِيرِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ كُلٌّ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَيَنْظُرُ إلَى مَا حَدَثَ فِي زَمَانِ مَنْ شُهِدَ فِيهِمْ بِالْخَيْرِ فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ وَيَتَدَيَّنُ بِهِ وَمَا حَدَثَ بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ فَالتَّرْكُ لِذَلِكَ أَوْلَى مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَمُوَاصَلَةِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ، وَالتَّدَيُّنُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِبَعْضِ ذَلِكَ وَالْأَخْذُ
عَلَى يَدِ فَاعِلِهِ إنْ كَانَ لِلْإِنْسَانِ شَوْكَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ الْعُلُومِ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ .
قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ : قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ .
وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَالْعَالِمُ لَهُ الشَّوْكَةُ بِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ وَهِيَ الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ كَمَا قِيلَ : مَنْ دَرَسَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَكَلَّمَ وَالنَّاسُ قِيَامٌ وَمَا عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أُمِرَ بِتَغْيِيرِهِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِالْقَوْلِ فَيَذْكُرُ الْحُكْمَ فِيهِ ، فَإِنْ سُمِعَ مِنْهُ وَرُجِعَ إلَيْهِ حَصَلَ الْمُرَادُ وَإِنْ تُرِكَ قَوْلُهُ كَانَ قَدْ أَقَامَ عِنْدَ اللَّهِ عُذْرَهُ وَقَامَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَيَسْلَمُ أَيْضًا مِنْ الْآفَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي عَلَيْهِ فِي عَدَمِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَعَلَّقُ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ لَا يَعْرِفُهُ فَيَقُولُ لَهُ : مَا لَك مَا رَأَيْتُك قَطُّ فَيَقُولُ : بَلَى رَأَيْتنِي يَوْمًا عَلَى مُنْكَرٍ فَلَمْ تُغَيِّرْهُ عَلَيَّ .
أَوْ كَمَا قَالَ ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطَرٌ قَلَّ أَنْ تَقَعَ السَّلَامَةُ مِنْهُ وَبِالْكَلَامِ يَنْجُو مِنْ هَذَا الْخَطَرِ ، وَالْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَلَا تَعَبٌ ، وَأَكْثَرُ الْمَنَاكِرِ وَالْبِدَعِ فِي زَمَانِنَا هَذَا لَيْسَ عَلَى الْعَالِمِ مَشَقَّةٌ وَلَا خَوْفٌ فِي الْكَلَامِ فِيهَا وَلَا فِي الْحَضِّ عَلَى تَرْكِهَا ، وَإِنَّمَا يَتْرُكُهَا مَعَ رُؤْيَتِهَا وَلَا يَحُضُّ عَلَيْهَا فِي مَجْلِسِهِ فِي الْغَالِبِ لِاسْتِئْنَاسِ النُّفُوسِ بِالْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ حَكَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ تَعَالَى : بَلْ قَالُوا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، وَقَدْ
وَرَدَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ، وَقَدْ أَهْلَكَهَا اللَّهُ فَقَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ أَهْلَكْتَهُمْ وَكُنْت أَعْرِفُ فِيهَا رَجُلًا صَالِحًا ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا مُوسَى إنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ لِي مُنْكَرًا فَأَفَادَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّهُ لَوْ غَيَّرَ عَلَيْهِمْ أَيْ : مَنَعَهُمْ مِنْ فِعْلِ الْمُنْكَرِ مَا هَلَكَ وَلَا هَلَكُوا ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ كَمَا أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِتَرْكِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْمُخَالَفَاتِ فَلَمَّا أَنْ وَقَعُوا فِي الْمُخَالَفَاتِ وَسَكَتَ هُوَ كَانَ ذَلِكَ وُقُوعًا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ السُّكُوتِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْمُخَالَفَاتِ فَاسْتَوَى مَعَهُمْ فِي ارْتِكَابِ الْمَنْهِيَّاتِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إذْ ذَاكَ مَنْ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْهُمْ إذْ نَزَلَ بِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْعَذَابَ إنَّمَا يَرْفَعُهُ الِامْتِثَالُ فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ إذْ ذَاكَ مُمْتَثِلٌ فَحَصَلَ مَا حَصَلَ وَهَا هُوَ الْيَوْمَ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا خَفَاءَ فِي وُقُوعِ هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَنَا لِوُقُوعِ مَا يَقَعُ وَسُكُوتِ عُلَمَائِنَا فِي الْجَمِيعِ فَلَا يَتَكَلَّمُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَلَا يَحُضُّونَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ عَلَى تَرْكِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ مُوجِبَاتِ نُزُولِ الْعَذَابِ كُلِّهَا مُتَوَفِّرَةٌ عِنْدَنَا فِي الْغَالِبِ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ .
لَا جَرَمَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْخَسْفُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَعَمَّ الْآفَاقَ وَمِنْ الْأَحْيَاءِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : الْعُلَمَاءُ يُحْشَرُونَ فِي زُمْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْقُضَاةُ يُحْشَرُونَ فِي زُمْرَةِ السَّلَاطِين وَفِي مَعْنَى الْقُضَاةِ كُلُّ فَقِيهٍ قَصَدَ طَلَبَ الدُّنْيَا بِعِلْمِهِ .
قَالَ : وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْدُمُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي مُوسَى صَفِيُّ اللَّهِ حَدَّثَنِي مُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ حَدَّثَنِي مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ حَتَّى أَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ فَفَقَدَهُ مُوسَى فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْهُ فَلَا يَحُسُّ لَهُ أَثَرًا حَتَّى جَاءَهُ ذَاتَ
يَوْمٍ رَجُلٌ وَفِي يَدِهِ خِنْزِيرٌ وَفِي عُنُقِهِ حَبْلٌ أَسْوَدُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَعْرِفُ فُلَانًا ؟ قَالَ : نَعَمْ هُوَ هَذَا الْخِنْزِيرُ فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا رَبِّ أَسْأَلُك أَنْ تَرُدَّهُ إلَى حَالِهِ حَتَّى أَسْأَلَهُ بِمَ أَصَابَهُ هَذَا ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ يَا مُوسَى لَوْ دَعَوْتنِي بِاَلَّذِي دَعَانِي بِهِ آدَم ، فَمَنْ دُونَهُ مَا أَجَبْتُك فِيهِ وَلَكِنْ أُخْبِرُك لِمَ صَنَعْت هَذَا بِهِ ؟ لِأَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : كَانَ الْخَسْفُ لِمَنْ قَبْلِنَا بِالْإِعْدَامِ وَلِكَرَامَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا رُفِعَ عَنَّا خَسْفُ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَلَبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَخْسِفَ بِأُمَّتِهِ كَمَا فَعَلَ بِمَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ فَشَفَّعَهُ اللَّهُ فِيمَا طَلَبَ فِي الظَّاهِرِ لِيَقَعَ بِذَلِكَ السَّتْرُ .
.
أَمَّا خَسْفُ الْبَاطِنِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَلَى مَا وَرَدَ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لَا يَرْتَابُ أَحَدٌ فِيهِ وَلَا يَشُكُّ أَلَا تَرَى إلَى الْخِنْزِيرِ وَحَالَتِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ التَّنْجِيسِ وَالتَّقْذِيرِ فَانْظُرْ إلَى شَارِبِ الْخَمْرِ هَلْ تَجِدُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ؟ إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعَانِي قَدْ جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا نَظَرْت إلَى الثُّعْبَانِ تَجِدُهُ نَاعِمًا أَمْلَسَ مَلِيحَ الْمَنْظَرِ فَإِذَا قَرُبْته قَتَلَك بِسُمِّهِ وَأَنْتَ تَرَى كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْوَقْتِ كَذَلِكَ فَتَنْظُرُ فِي أَحَدِهِمْ تَرَى الْعِبَارَةَ الْعَذْبَةَ وَالْكَلَامَ الطَّيِّبَ ، وَكَأَنَّهُ أَعْظَمُ النَّاسِ لَك فِي الْمَحَبَّةِ فَإِذَا اطْمَأْنَنْت إلَيْهِ أَوْ رَكَنْت إلَى جَانِبِهِ أَوْ غِبْت عَنْهُ أَهْلَكَك بِحَسَبِ حَالِهِ وَحَالِك ، إمَّا فِي مَالِك أَوْ عِرْضِك أَوْ دِينِك ، وَذَلِكَ سُمُّهُ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعَانِي
جَامِعَةٌ بَيْنَهُمَا .
أَلَا تَرَى إلَى السَّبُعِ وَحَالَتِهِ وَإِيذَائِهِ وَرُعْبِهِ لِلنَّاسِ وَخَوْفِهِمْ مِنْهُ إذَا سَمِعُوا بِحِسِّهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ ، بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَهُ فَمَا رَآهُ إلَّا وَيَهْلَكُ ، وَهُوَ مَطْبُوعٌ عَلَى الضَّرَرِ الْكُلِّيِّ أَلَا تَرَى إلَى حَالِهِ إذْ قَدْ يَكُونُ شَبْعَانًا رَيَّانًا وَمَعَ ذَلِكَ إذَا رَأَى آدَمِيًّا أَوْ مَاشِيَةً لَمْ يَتَمَالَكْ نَفْسَهُ إلَّا أَنْ يَنْقَضَّ عَلَيْهِ يَعْبَثَ بِهِ وَيَقْتُلَهُ ثُمَّ يَمْضِيَ وَيَتْرُكَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ لِشِبَعِهِ فَانْظُرْ إلَى هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ وَمَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُمْ أُمْنِيَّةً إلَّا وَهِيَ حَاصِلَةٌ فَضْلًا عَنْ الضَّرُورَاتِ ثُمَّ فَضَلَتْ الْأَمْوَالُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ بِهَا حَاجَةٌ يُدْبِرُونَ عَلَى بَعْضِهَا بِالدَّفْنِ ، وَعَلَى بَعْضِهَا بِالْحُرُمَاتِ وَفِي الْبُنْيَانِ وَالْإِسْرَافِ ثُمَّ مَعَ مَا مُدَّ لَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الْأَمْوَالِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْغَالِبِ أَنْ يَتْرُكَ لِلضَّعِيفِ الْمِسْكِينِ دِرْهَمًا يَكْتَسِبُ بِهِ لِنَفْسِهِ وَعَائِلَتِهِ .
بَلْ يَضْرِبُونَ النَّاسَ الْفُقَرَاءَ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الضَّرْبَ الْمُؤْلِمَ وَيَسُوءُونَ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَبْسِ وَالْغَرَامَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَالرُّعْبِ لِلْمَسَاكِينِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يَسْتَطِيعُونَ رُؤْيَتَهُمْ لِشِدَّةِ سَطْوَتِهِمْ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّبُعِ ؟ إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعَانِي جَامِعَةٌ بَيْنَهُمَا .
أَلَا تَرَى إلَى الْكِلَابِ وَحَالَتِهَا وَإِيذَائِهَا وَتَسْلِيطِهَا عَلَى رُعْبِ النَّاسِ مَرَّةً بِرُؤْيَتِهَا وَمَرَّةً بِصَوْتِهَا وَمَرَّةً بِتَقْطِيعِهَا الثِّيَابَ وَإِيذَائِهَا فِي الْبَدَنِ ، وَقَدْ يُؤَوَّلُ أَمْرُهَا أَنَّ كُلَّ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ سَوَاءٌ كَانَ صَبِيًّا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ضَعِيفًا إلَى الْإِعْدَامِ أَلْبَتَّةَ ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا مَنْ هُوَ كَلْبٌ فَيَهْلَكُ مَنْ قَرُبَ
مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا كَثِيرًا ، وَهُوَ كَثِيرٌ مُتَعَارَفٌ .
فَانْظُرْ إلَى هَؤُلَاءِ الْحَرَسِ الْمُجْتَزِئَةِ الْجَنَادِرَةِ فِي إرْعَابِهِمْ الْمُسْلِمِينَ وَتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالْأَذِيَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي الدِّينِ وَالْبَدَنِ وَالْمَالِ وَالرُّوحِ وَالرُّعْبِ الْحَاصِلِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِلصِّبْيَانِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ الضُّعَفَاءِ الْمَسَاكِينِ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكِلَابِ ؟ إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمَعَانِي .
أَلَا تَرَى إلَى الْعَقْرَبِ وَحَالَتِهَا وَإِيذَائِهَا وَكَثْرَةِ تَعْقِيدِهَا وَسُمِّهَا ، وَأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا صَدْرٌ فَانْظُرْ إلَى بَعْضِهِمْ تَجِدْهُ كَذَلِكَ ضَيِّقَ الصَّدْرِ وَمَعْقُودَ الْوَجْهِ لَا تَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَهُ لِتَعَقُّدِ وَجْهِهِ وَضِيقِ صَدْرِهِ ، فَإِنْ قَرُبْته وَأَنْتَ لَا تَتَحَفَّظُ عَلَى نَفْسِك مِنْهُ حَصَلَ لَك مِنْهُ الْأَذِيَّةُ الْعُظْمَى إمَّا فِي مَالِك أَوْ بَدَنِك أَوْ عِرْضِك ، وَذَلِكَ سُمُّهُ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ ؟ وَالْمَعَانِي جَامِعَةٌ بَيْنَهُمَا انْتَهَى بِالْمَعْنَى .
وَهَذَا كَثِيرٌ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ وَلَا عَدُّهُ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَمْثِيلًا لِمَنْ لَهُ لُبٌّ فَيَنْظُرُ إلَى كَيْفِيَّةِ الْخَسْفِ الْوَاقِعِ لِكُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ حَالِهِ وَحَالِ دِينِهِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى خَسْفِ الْقُلُوبِ وَعَدَمِ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ الْمُوَاطَأَةُ مِنْ الْبَعْضِ عَلَى ارْتِكَابِ الْمُخَالَفَاتِ وَمِنْ الْبَعْضِ عَلَى السُّكُوتِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ أَوْ سَمَاعِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَغْيِيرَ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِالْيَدِ مَرَّةً وَبِاللِّسَانِ مَرَّةً وَالشَّاذُّ لُزُومُ ذَلِكَ بِالْقَلْبِ ، وَهُوَ التَّأْثِيرُ وَالْبُغْضُ الَّذِي يَجِدُهُ فِي قَلْبِهِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ الْآدَابِ فِي ذَلِكَ وَالْكَمَالِ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا قَبْلَ غَيْرِهِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ فَإِذَا اسْتَقَامَتْ النَّفْسُ عَلَى مَا يَنْبَغِي
مِنْ الِامْتِثَالِ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ .
، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ أَوَّلَ دُخُولِهِ لِمَوْضِعِ التَّدْرِيسِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى مَا بَعْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَا يَخْلُو مَوْضِعُ التَّدْرِيسِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْتًا أَوْ مَدْرَسَةً أَوْ مَسْجِدًا وَأَفْضَلُ مَوَاضِعِ التَّدْرِيسِ الْمَسْجِدُ ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لِلتَّدْرِيسِ إنَّمَا فَائِدَتُهُ أَنْ تَظْهَرَ بِهِ سُنَّةٌ أَوْ تَخْمَدُ بِهِ بِدْعَةٌ أَوْ يُتَعَلَّمُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَالْمَسْجِدُ يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ مُتَوَفِّرًا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مُجْتَمَعِ النَّاسِ رَفِيعِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ وَعَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ بِخِلَافِ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَى النَّاسِ إلَّا مَنْ أُبِيحَ لَهُ ، وَذَلِكَ لِأُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ ، وَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ قَدْ أَبَاحَ بَيْتَهُ لِكُلِّ مَنْ أَتَى لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الْبُيُوتَ تُحْتَرَمُ وَتُهَابُ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَحْصُلُ لَهُ الْإِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ فَكَانَ الْمَسْجِدُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ فِي تَوْصِيلِ الْأَحْكَامِ وَتَبْلِيغِهَا لِلْأُمَّةِ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا بِالنَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْمَسْجِدُ أَفْضَلَ مِنْ الْمَدْرَسَةِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ السَّلَفَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَدَارِسُ ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُدَرِّسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَدْرَسَةِ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ وَالْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ لَكِنْ لَمَّا أَنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لِلسَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانَ أَخْذُهُ فِي الْمَسَاجِدِ فِيهِ صُورَةُ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الظَّاهِرِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَجُوزُ وَكَفَى لَنَا أُسْوَةٌ بِهِمْ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَدْرَسَةَ لَا يَدْخُلُهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا آحَادُ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْصِدُ الْمَدْرَسَةَ ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ أَعَمُّهُمْ الْمَسَاجِدَ ، وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا لَهُ رَغْبَةٌ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَإِذَا كَانَ التَّدْرِيسُ أَيْضًا فِي
الْمَدْرَسَةِ امْتَنَعَ تَوْصِيلُ الْعِلْمِ عَلَى مَنْ لَا رَغْبَةَ لَهُ فِيهِ ، وَالْمَقْصُودُ بِالتَّدْرِيسِ كَمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ التَّبْيِينُ لِلْأُمَّةِ وَإِرْشَادُ الضَّالِّ وَتَعْلِيمُهُ وَدَلَالَةُ الْخَيْرَاتِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَدْرَسَةِ ضَرُورَةً ، وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ أَفْضَلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إلَى الْأَفْضَلِ وَيَتْرُكَ مَا عَدَاهُ اللَّهُمَّ إلَّا لِضَرُورَةٍ ، وَالضَّرُورَاتُ لَهَا أَحْكَامٌ أُخَرُ ، وَإِذَا قَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ بَارِزًا لِلنَّاسِ بِمَوْضِعٍ يَصِلُ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمِسْكِينُ وَالْعَامِّيُّ الْجَاهِلُ لِكَيْ يَسْمَعُوا أَحْكَامَ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ يَجْهَلُهَا ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا سَمِعَهَا اسْتَفَادَهَا حِينَ إلْقَاءِ الْمَسَائِلِ وَالْإِيرَادِ عَلَيْهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا .
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ تَنْشِيطًا لَهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْبَحْثِ عَنْهُ وَالْعَمَلِ عَلَى تَحْصِيلِهِ فَيَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتُوبُ مِنْ جَهْلِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ ثَمَّ آخَرُ يَسْأَلُ عَمَّا وَقَعَ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ الْمَحِلَّ قَابِلًا لِلسُّؤَالِ فَسَأَلَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَآخَرُ تَحْصُلُ لَهُ بَرَكَةُ الْعِلْمِ وَحُضُورِ الْمَجْلِسِ وَآخَرُ تَحْصُلُ لَهُ بَرَكَةُ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَجْلِسَ الَّذِي جَلَسَهُ هَذَا الْعَالِمُ هُوَ الْمَجْلِسُ الْمَشْهُودُ خَيْرُهُ الْمَعْرُوفُ بَرَكَتُهُ الْمُسْتَفِيضُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِرُّهُ وَاحْتِرَامُهُ الشَّائِعُ الذَّائِعُ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا حَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .
( وَعَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَا مَجْلِسُكُمْ ؟ قَالُوا : جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ لِمَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ فَقَالَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : الذِّكْرُ وَالْمَجَالِسُ الْمَذْكُورَاتُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَجْلِسُ الْعِلْمِ وَهِيَ مَجَالِسُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا
يَجُوزُ ؟ كَيْفَ يَتَوَضَّأُ ؟ وَمَا يَجِبُ فِيهِ وَمَا يُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يُصَلِّي ؟ وَمَا يَجِبُ فِيهَا وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يَنْكِحُ ؟ وَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ وَكَيْفَ يَبِيعُ ؟ وَكَيْفَ يَشْتَرِي ؟ وَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَيُسَنُّ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَمْتَنِعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالنُّطْقِ وَالصَّمْتِ فَيَجِبُ أَنْ تَعْرِفَ الْأَحْكَامَ عَلَيْك فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلِهَذَا هِيَ الْإِشَارَةُ ، بَلْ التَّصْرِيحُ مِنْ الصَّحَابِيِّ ، وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ خَرَجَ إلَى النَّاسِ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ فَنَادَى فِيهِمْ مَا بَالُكُمْ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَسَّمُ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ أُمَّتِهِ وَأَنْتُمْ مُشْتَغِلُونَ فِي الْأَسْوَاقِ فَتَرَكُوا السُّوقَ وَأَتَوْا إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدُوا النَّاسَ حِلَقًا حِلَقًا لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ مَا ذَكَرْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ : قَالَ : هَذَا مِيرَاثُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ وَهَا هُوَ ذَا أَوْ كَمَا قَالَ فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُرَادَ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهِ إنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ ، وَقَالَتْ الصَّحَابَةُ فِي حَقِّهِ : مَا كُنَّا نَرَى إلَّا أَنَّ مَلَكًا عَلَى لِسَانِهِ يَنْطِقُ ، وَأَنَّ مَلَكًا مَعَهُ يُسَدِّدُهُ : يَا أَيَّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ رِدَاءً يُحِبُّهُ ، فَمَنْ طَلَب بَابًا مِنْ الْعِلْمِ رَدَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرِدَائِهِ فَإِنْ أَذْنَبَ اسْتَعْتَبَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؛ لِئَلَّا يَسْلُبَهُ رِدَاءَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ تَطَاوَلَ بِهِ ذَلِكَ الذَّنْبُ حَتَّى يَمُوتَ فَعَلَى هَذَا
الْكَلَامِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِهِ بِاللِّسَانِ انْتَهَى .
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ وَالْمُرَادُ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ خَاصَّةً بَلْ الْمَقْصُودُ مَعْرِفَةُ الْإِيمَانِ وَأَحْكَامِهِ وَفُرُوعِهِ وَالْمَشْيِ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَخُصُّهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا وَبِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَابِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ إنْ قَامَ بِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْأَجْرُ الْكَثِيرُ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَقَدْ أَتَى بِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَكُونُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَرْعًا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي حَصَلَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَبِيبُ الدِّينِ ، وَقَدْ عَهِدْنَا فِي مَرَضِ الْبَدَنِ أَنَّ الطَّبِيبَ لَا يُعْطِي الدَّوَاءَ إلَّا بَعْدَ الْحِمْيَةِ فَإِذَا احْتَمَى الْعَلِيلُ حِينَئِذٍ يُعْطِيهِ الطَّبِيبُ الدَّوَاءَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَرْضَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِالْحِمْيَةِ وَيَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الدَّوَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِ الْعَلِيلُ فَقَلَّ أَنْ يُعْطِيَهُ الطَّبِيبُ الدَّوَاءَ ، وَإِنْ أَعْطَاهُ قَلَّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ ، بَلْ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ الْحِمْيَةُ أَوَّلًا وَهِيَ مَجَالِسُ الْعِلْمِ فَيَعْرِفُ مِنْهَا الْإِنْسَانُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوْجَبُ فَيَعْمَلُ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ .
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ فِي الِامْتِثَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى الْمَسَائِلِ بِمَا يَأْتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِفِعْلِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَتَحْصُلُ لَهُ تِلَاوَةُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَالتَّرَضِّي عَنْ أَصْحَابِهِ وَمَعْرِفَةُ فَضْلِهِمْ وَمَحَبَّتُهُمْ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ .
وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ تِلَاوَةُ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَحْصُلُ لِقَلْبِهِ الذِّكْرُ أَيْضًا ، وَهُوَ الْفِكْرَةُ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَتَفَهُّمِهَا وَيَحْصُلُ لِأَعْضَائِهِ أَيْضًا كَسْبُهَا ، وَهُوَ مَا امْتَثَلَتْ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَا اسْتَفَادَتْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى هَذَا الذِّكْرَ لِوَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَهْلِهِ لِحَمْلِهِ لَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَمَعْرِفَتِهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ ذِكْرِهِ هُوَ ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِمَعَارِفِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ لِمُعَامَلَتِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ وَتَصَرُّفِهِ مَعَهُمْ بِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ مِمَّنْ خَالَطَهُ أَوْ اقْتَبَسَ مِنْهُ أَوْ رَآهُ أَوْ رَأَى مَنْ رَآهُ ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِلثَّقَلَيْنِ جِنِّهِمْ ، وَإِنْسِهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ لِسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ لِتَعَلُّمِهِ حُكْمَ اللَّهِ فِي الْجَمِيعِ وَتَعْلِيمُ ذَلِكَ مِثْلِ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ كَانَ الْعَالِمُ إذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ كُلُّ الْخَلْقِ حَتَّى الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكُ فِي الْمَاءِ لِانْتِفَاعِهِمْ بِهِ فِي تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ فَيَرْتَفِعُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ لِأَجْلِ عِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهِمْ بِالْجَهْلِ عَذَابٌ لَهُمْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْمَقْتَلِ وَنَهَى أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ أَحَدٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعُودَ لِمَ خَدَشَ الْعُودَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : أَهْلُ الذِّكْرِ فِي الْآيَةِ هُمْ الْعُلَمَاءُ فَهُمْ يُسْأَلُونَ عَنْ النَّوَازِلِ وَبِفَتْوَاهُمْ يُعْبَدُ اللَّهُ وَيُطَاعُ وَيُمْتَثَلُ أَمْرُهُ وَيُجْتَنَبُ نَهْيُهُ فَعَلَى هَذَا فَأَهْلُ الذِّكْرِ هُمْ الْعُلَمَاءُ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ ، وَلِهَذَا الْخَيْرِ الْمُتَعَدِّي الْمَذْكُورِ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : لَمَجْلِسُ عَالِمٍ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ .
وَقَالَ تَعَالَى إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ الْخَشْيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ ؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى هِيَ الْمَقْصُودُ وَالْمَطْلُوبُ وَلَا يُرَادُ الذِّكْرُ إلَّا لِأَجْلِهَا ، وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا لِلْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : " إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ " وَإِنَّمَا لِلْحَصْرِ عَلَى مَا قَالَهُ النَّحْوِيُّونَ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ وَأَيْنَ هَذَا الْخَيْرُ كُلُّهُ ، وَهَذَا الْفَضْلُ كُلُّهُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ الْخَيْرَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْخَيْرِ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ فَبَانَ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَالْقَاعِدَةُ فِي أَلْفَاظِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ وَأَوْلَى وَأَفْضَلُ بَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ دُونَ عِلْمٍ مَكْرُوهٍ لِمَا جَاءَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَظُنُّهُ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ( يَا دَاوُد قُلْ لِلظَّالِمِينَ لَا يَذْكُرُونِي فَإِنِّي آلَيْت عَلَى نَفْسِي أَنَّ مَنْ ذَكَرَنِي ذَكَرْته ، فَإِنْ هُمْ ذَكَرُونِي ذَكَرْتهمْ بِالْغَضَبِ ) .
وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمْ مِنْ قَارِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْقُرْآنُ
يَلْعَنُهُ يَقْرَأُ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ، وَهُوَ ظَالِمٌ ) انْتَهَى وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الظُّلْمَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ مَدَّ يَدَهُ لِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ الظُّلْمُ أَعَمُّ فَقَدْ يَكُونُ يَظْلِمُ نَفْسَهُ فِي ارْتِكَابِهِ لِلْمُخَالَفَاتِ أَوْ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ يَتْلُو الْقُرْآنَ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَمَعَانِيهِ ، وَذَلِكَ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَتِلَاوَتِهِ بِاللِّسَانِ فَرْعٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْمَقْصُودِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الطَّبِيبِ الْأَعْظَمِ وَصَاحِبِ النُّورِ الْأَكْمَلِ إلَّا عَلَى الْأَصْلِ وَالْمَقْصُودِ الَّذِي يَجْمَعُ الْخَيْرَاتِ كُلَّهَا .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَفَا عَنْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا وَسَاقَهَا فِي فَضْلِ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ مُجْتَمَعِينَ وَفَضْلِ الْقَارِئِينَ وَالسَّامِعِينَ وَبَيَانِ فَضِيلَةِ مَنْ حَضَّهُمْ وَجَمَعَهُمْ عَلَيْهَا وَنَدَبَهُمْ إلَيْهَا ثُمَّ قَالَ : اعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ مُجْتَمَعِينَ مُسْتَحَبَّةٌ لَهُمْ بِالدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ وَأَفْعَالِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ الْمُتَظَافِرَةِ انْتَهَى .
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَعْرِفَةِ تَلَقِّي الصَّحَابَةِ لَهَا كَيْفَ تَلَقَّوْهَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ انْتَهَى ؟ .
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى مَا تُرْجِمَ عَلَيْهِ أَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ يَتَرَاسَلُونَ بَيْنَهُمْ صَوْتًا وَاحِدًا ، بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ هَلْ كَانَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ ارْتِكَابِهِمْ ذَلِكَ وَنَهْيِهِمْ عَنْهُ .
وَقَدْ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ نُبَذًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ نَفْسِهِ .
فَقَالَ وَعَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الدِّرَاسَةَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ هِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ فِي قُدُومِهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ الضَّحَّاكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَنْكَرَ هَذِهِ الدِّرَاسَةَ ، وَقَالَ : مَا رَأَيْت وَلَا سَمِعْت وَلَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ
أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15
جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
=======================
💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥💥
ج2.كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهَا وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ : قُلْت لِمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَأَيْت الْقَوْمَ يَجْتَمِعُونَ فَيَقْرَءُونَ جَمِيعًا سُورَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَخْتِمُوهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَعَابَهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ إنَّمَا كَانَ يَقْرَأُ الرَّجُلُ عَلَى الْآخَرِ يَعْرِضُهُ فَقَدْ نَقَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَبَيَّنَهُ ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَرْجَمَهَا مَا قَالَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ثُمَّ نَقَلَ فِعْلَهُمْ عَلَى الضِّدِّ مِمَّا تَرْجَمَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ كَيْفَ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِي الْمَسْجِدِ يُسْمَعُ لَهُمْ فِيهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ كُلُّ إنْسَانٍ يَذْكُرُ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ وَلَا بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ جَمَاعَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إنْكَارُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ وَقَوْلُهُ لَهُمْ : وَاَللَّهِ لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظُلْمًا أَوْ لَقَدْ فُقْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ : لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فَيَجْتَمِعُونَ لِلذِّكْرِ رَافِعِينَ أَصْوَاتَهُمْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْظَمَ النَّاسِ مُبَادَرَةً لِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ وَلَا يُظَنُّ فِيهِمْ غَيْرُ مَا وَصَفَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي إشْفَاقِهِ مِنْ غَسْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ
عَلَيْهِ الذُّبَابُ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَى النَّجَاسَةِ ، وَقَوْلُهُ : وَاَللَّهِ مَا أَكُونُ بِأَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ بِدْعَةً فِي الْإِسْلَامِ أَمَّا قَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ .
فَالدِّرَاسَةُ الْمَذْكُورَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى التِّلَاوَةِ صَوْتًا وَاحِدًا مُتَرَاسِلِينَ ؛ لِأَنَّ الْمُدَارَسَةَ إنَّمَا تَكُونُ تَلْقِينًا أَوْ عَرْضًا ، وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُمْ .
أَمَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ بِمَرْوِيٍّ عَنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ .
أَمَّا خُرُوجُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : مَا مَجْلِسُكُمْ قَالُوا : جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ ، فَهَذَا أَفْصَحُ بِالْمُرَادِ فِي الْجَمِيعِ وَكَيْفَ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ ؟ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ جَهْرًا لَمْ يَحْتَجْ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى أَنْ يَسْتَفْهِمَهُمْ بَلْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ فَلَمَّا أَنْ اسْتَفْهَمَ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ كَانَ سِرًّا وَكَذَلِكَ جَوَابُهُمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِمْ جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى سِرًّا إذْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذِكْرُهُمْ جَهْرًا لَمَا كَانَ لِأَخْبَارِهِمْ بِذَلِكَ مَعْنًى زَائِدًا إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَكَانَ جَوَابُهُمْ أَنْ يَقُولُوا : جَلَسْنَا لِمَا سَمِعْته أَوْ لِمَا رَأَيْته مِنَّا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَحَاشَوْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ الْجَوَابُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ فَبَانَ وَاتَّضَحَ أَنَّ ذِكْرَهُمْ كَانَ سِرًّا لَا جَهْرًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً أَوْ كَانُوا يَتَذَاكَرُونَ بَيْنَهُمْ مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عِبَادَةِ
الْأَوْثَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْإِيمَانِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَتَعْظُمُ عِنْدَهُمْ النِّعَمُ عِنْدَ تَذَكُّرِ ذَلِكَ فَيَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا .
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَتَذَاكَرُونَ بَيْنَهُمْ الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ يَسْمَعُهُمْ فَيَتَبَسَّمُ أَحْيَانًا مِنْ حِكَايَاتِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْحَلْقَةُ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهَا قَاعِدَةً لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَحَصَلَ لَهُمْ مَا حَصَلَ مِنْ الْمُبَاهَاةِ بِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا تَذَاكَرُوا ذَلِكَ فِيهِ يَعْرِفُونَ قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَا بِقُدْرَتِهِمْ فَتَعْظُمُ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَنْ هَدَاهُمْ وَأَنْقَذَهُمْ وَأَضَلَّ غَيْرَهُمْ وَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَاهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ كَمَا جَاءَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الذِّكْرَ الْخَفِيَّ يَفْضُلُ الْجَلِيَّ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا مَا هُوَ أَفْضَلُ وَيَفْعَلُونَ الْمَفْضُولَ وَمُحَالٌ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَرَاهُمْ يَفْعَلُونَ الْمَفْضُولَ وَلَا يُرْشِدُهُمْ إلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يُنَبِّهُهُمْ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى مَجْلِسَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَرْغَبُونَ إلَيْهِ .
وَالثَّانِي : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ فَقَالَ : أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَسْأَلُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ .
أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّمَا بُعِثْت مُعَلِّمًا ثُمَّ عَدَلَ إلَيْهِمْ وَجَلَسَ مَعَهُمْ
انْتَهَى .
فَقَدْ فَسَّرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الذِّكْرَ الَّذِي كَانَ بِالْحَلْقَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ الدُّعَاءُ ، وَالدُّعَاءُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ لَا يَكُونُ إلَّا جَهْرًا إذْ أَنَّهُمْ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الدَّاعِي وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ كَيْفِيَّةَ الدُّعَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَحَادِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا نَصٌّ عَلَى الْمُرَادِ الَّذِي تَرْجَمَ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ وَتَقَرَّرَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَرْكُ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيْنَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ .
رَوَى الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : مَنْ اسْتَمَعَ إلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا ) .
فَانْظُرْ إنْ كَانَ فِي هَذَا شَيْءٌ يَمَسُّ مُرَادَهُ إذْ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَنْ اسْتَمَعَ إلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَصْوَاتٍ جُمْلَةٍ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ بَلْ ذَلِكَ أَعَمُّ ، وَإِذَا كَانَ أَعَمَّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهِمْ وَعَادَتِهِمْ وَلَا سَبِيلَ إلَى عُرْفِ غَيْرِهِمْ وَعَادَتِهِمْ .
ثُمَّ قَالَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُدَرِّسُ الْقُرْآنَ مَعَهُ نَفَرٌ يَقْرَءُونَ جَمِيعًا ، فَهَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي أَرَادَ فِي تَرْجَمَتِهِ إذْ التَّدْرِيسُ لَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ حَضَرَ بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ وَتَعْلِيمُهُ لِوَاحِدٍ لَيْسَ إلَّا فِيهِ كَتْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَمَنْ كَتَمَ عِلْمًا أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ عَلَى مَا وَرَدَ ، وَهَذَا مُتَعَارَفٌ مُتَعَاهَدٌ مِنْ زَمَانِهِمْ إلَى زَمَانِنَا هَذَا فَعَلَى التَّدْرِيسِ لِلْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ مُجْتَمِعَيْنِ هَذَا فِي آيَةٍ ، وَهَذَا فِي أُخْرَى ، وَهَذَا فِي سُورَةٍ ، وَهَذَا فِي سُورَةٍ أُخْرَى ، وَهَذَا فِي حِزْبٍ ، وَهَذَا فِي آخَرَ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْجَمَاعَةِ إذَا اجْتَمَعُوا
يُرِيدُونَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ وَلَا يَسَعُهُمْ الْوَقْتُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ هَلْ يَقْرَأُ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي حِزْبٍ وَاحِدٍ ؛ لِعُذْرِ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَقْرَأُ إلَّا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَقَالَ : مَرَّةً يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَرَأَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ بَقِيَ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِكَثْرَتِهِمْ وَضِيقِ الْوَقْتِ .
وَمَرَّةً قَالَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِقَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى فَلَوْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مَا فُهِمَ هَذَا النَّقْلُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَهُوَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُدَرِّسُهُمْ الْقُرْآنَ إمَّا تَلْقِينًا أَوْ فِي الْأَلْوَاحِ أَوْ فِي الْمَصَاحِفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْجَمَاعَةُ يَقْرَءُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ .
أَمَّا الْحُفَّاظُ يَجْتَمِعُونَ لِلْقِرَاءَةِ يَقْرَءُونَ مَعًا لِلثَّوَابِ فَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَلَا بِمَرْوِيٍّ عَنْهُمْ .
، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَذَانِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ إذْ إنَّ ذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ عَلَى زَمَانِ مَنْ مَضَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَعَلَى رَأْسِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَيُصَرِّحُ بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنَّ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا .
فَذَكَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا يُمْكِنُ فِيهِ فَالتَّهْجِيرُ ذَكَرَ لَهُ الِاسْتِبَاقَ إذْ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِيهِ وَالْعَتَمَةُ وَالصُّبْحُ ذَكَرَ لَهُمَا الْحَبْوَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ رَاحَةٍ وَغَفْلَةٍ وَنَوْمٍ وَكَسَلٍ فَذَكَرَ لَهُ مَا يَلِيقُ بِالْكَسَلِ ، وَهُوَ الْحَبْوُ ، وَلَمَّا كَانَ الْأَذَانُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فِيهِ الِاسْتِبَاقُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَدْ يَأْتُونَ مَعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَالزَّمَانُ لَا يَسَعُهُمْ لِلْأَذَانِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ لَا يَسَعُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمْ أَوْلَى بِهَذِهِ الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ اسْتَوَوْا فِي الْإِتْيَانِ فَاحْتَاجُوا إلَى الْقُرْعَةِ فِي ذَلِكَ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ .
لَكِنْ قَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إذَا تَزَاحَمَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْأَذَانِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَيَجُوزُ الْأَذَانُ جَمَاعَةً وَشَرَطُوا فِي جَوَازِهِ أَنْ لَا يَكُونَ نَسَقًا وَاحِدًا بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمْ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَالْآخَرُ فِي التَّكْبِيرِ وَالْآخَرُ فِي الْحَيْعَلَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْشِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَوْتِ صَاحِبِهِ هَذَا
الَّذِي أَجَازَهُ عُلَمَاؤُنَا .
أَمَّا مَا اعْتَادَهُ الْمُؤَذِّنُونَ الْيَوْمَ مِنْ الْأَذَانِ جَمَاعَةً مُتَرَاسِلِينَ نَسَقًا وَاحِدًا مُجْتَمَعِينَ فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ جَوَازُهُ وَهَا هُوَ الْيَوْمَ هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَعْمُولُ بِهِ وَمَنْ فَعَلَ غَيْرَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ كَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي الدِّينِ وَأَتَى بِشَيْءٍ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُعْهَدُ .
وَكَذَلِكَ فِي الْمُدَارَسَةِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ كَانُوا يَدْرُسُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْفُرُوعَ وَالْأَحْكَامَ مُجْتَمَعِينَ يَتَلَقَّى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حِفْظَ ذَلِكَ وَفَوَائِدَهُ فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ الْيَوْمَ وَصَارَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْيَوْمَ إلَّا الْعَوَائِدُ الَّتِي ارْتَكَبْنَاهَا وَمَضَتْ عَلَيْهَا عَادَتُنَا وَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ تَرَكْنَاهُ وَرَجَعْنَا نَنْقُلُ عَنْ عَوَائِدَ اتَّخَذْنَاهَا لِأَنْفُسِنَا وَاصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا أَنَّهَا سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَلَفِنَا وَخَلْفِنَا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاقِلَ الْمَذْكُورَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ .
وَقَدْ نَقَلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِعْلَ السَّلَفِ حِينَ ذَكَرَ لَهُ ابْنُ وَهْبٍ مَا ذَكَرَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَعَابَهُ ، وَقَالَ : لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُنْكِرَ نَقْلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَلَا يَرُدُّهُ لِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ثِقَتِهِ وَأَمَانَتِهِ فِي نَقْلِهِ عَنْهُمْ .
أَمَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ مَذْهَبِهِ ، فَهَذَا الَّذِي الْإِنْسَانُ مُخَيَّرٌ فِيهِ إنْ شَاءَ قَلَّدَهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَلَّدَ غَيْرَهُ .
أَمَّا نَقْلُهُ عَنْ السَّلَفِ فَلَيْسَ إلَى مُخَالَفَتِهِ مِنْ سَبِيلٍ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ فِعْلَ السَّلَفِ فَذَلِكَ يُمْكِنُ إنْ كَانَ التَّأْوِيلُ تَقْبَلُهُ أَحْوَالُهُمْ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذَا مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِكَوْنِ مَذْهَبِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الْأَخْذِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذْ أَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ عَنْهُ مُخْتَصًّا
بِبَلَدِهِ يَقُولُ بِهِ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا بَلَدُهُ عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ عَنْهُ فِي لَفْظِهِ بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِ فَلَمَّا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَهْلَ بَلَدِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلَ غَيْرُهُ ذَلِكَ وَصَرَّحَ بِهِ وَلَيْسَ بِبَلَدِهِ ، بَلْ بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهَا فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ عَامٌّ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا .
وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سَبَبَ هَذَا كُلِّهِ التَّقْلِيدُ فِي أُمُورِ الدِّينِ لِمَنْ سَهَا أَوْ غَفَلَ أَوْ غَلِطَ ، وَأَنَّ التَّقْلِيدَ إنَّمَا يَكُونُ لِخَيْرِ الْقُرُونِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالْخَيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْقِرَاءَةِ جَمَاعَةً وَالذِّكْرِ جَمَاعَةً أَنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ فَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ أَوْ نَقَلَ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُهُ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهِيَتِهِ ؟ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ أَوْ يَكْرَهَهُ فَلَمَّا أَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي كَرَاهِيَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ فِيهِ إلَّا التَّرْكَ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْإِنْكَارَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ إذَا شَغَلَ عَبْدِي ثَنَاؤُهُ عَلَيَّ أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مِنْ غُدْوَةٍ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ) .
وَقَالَ :
هُمْ يَتَحَلَّقُونَ الْحِلَقَ وَيَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ هَذَا تَفْسِيرُ خَادِمِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يُقَابِلُهُ تَفْسِيرُ مُتَأَخِّرِي هَذَا الزَّمَانِ ؟ وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَزَالُ الْفَقِيهُ يُصَلِّي قِيلَ : وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ : لَا تَلْقَاهُ إلَّا وَذِكْرُ اللَّهِ عَلَى لِسَانِهِ يُحِلُّ حَلَالًا وَيُحَرِّمُ حَرَامًا .
قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ ظَفِرْت بِهَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُهَيْمِنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَارُونَ وَمُوسَى لَمَّا بَعَثَهُمَا إلَى فِرْعَوْنَ وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي فَسَمَّى تَبْلِيغَ الرِّسَالَةِ ذِكْرًا فَعَلَى هَذَا يَتَحَقَّقُ أَنَّ حِلَقَ الْعِلْمِ وَمَا يَتَحَاوَرُونَ فِيهِ فِي الْعِلْمِ وَيَتَرَاجَعُونَ مِنْ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ أَنَّهَا حِلَقُ الذِّكْرِ ، وَهَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يَعْنِي أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ .
نَقَلَ ذَلِكَ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الذِّكْرِ لَهُ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَالَمِ الْيَوْمَ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى الْعَوَائِدِ الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا وَلَا لِكَوْنِ سَلَفِنَا مَضَوْا عَلَيْهَا إذْ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِهَا غَفْلَةٌ أَوْ غَلَطٌ أَوْ سَهْوٌ وَلَكِنْ يُنْظَرُ إلَى الْقُرُونِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، فَإِنْ فَعَلَ هُوَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا يَرَاهُ مَصْلَحَةً فِي وَقْتِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيَعْتَرِفَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ مُحْدِثٌ وَيُبَيِّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ فَعَلَ ذَلِكَ .
قَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْخُذُ هَذِهِ الْأَحْزَابَ وَيَقْرَؤُهَا جَمَاعَةً وَيَذْكُرُهَا جَمَاعَةً بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ دَأْبُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى مَوْتِهِ وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِضَرُورَةٍ ، وَهِيَ أَنَّ الْهِمَمَ قَدْ قَلَّتْ وَقَلَّ فَقِيرٌ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ أَوْ الْعَصْرَ ثُمَّ يَقُومُ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَقْرَأُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْمَشْهُودَيْنِ إلَّا أَنَّهُمْ يَقُومُونَ مِنْ مُصَلَّاهُمْ إمَّا لِلنَّوْمِ إنْ كَانَ فِي الصُّبْحِ أَوْ لِلتَّحَدُّثِ فِيمَا لَا يَعْنِي إنْ كَانَ فِي الْعَصْرِ إنْ سَلِمُوا مِنْ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَلَمَّا أَنْ تَحَقَّقُوا وُقُوعَ هَذَا الْمَحْذُورِ وَدَعَوْهُ لِهَذَا الْمَكْرُوهِ ؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْذُورَاتِ هَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى السُّنَنِ وَحِفْظِهَا فَيُنَبِّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا وَيُعَلِّمُهُمْ بِالْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا وَيُخْبِرُهُمْ بِالضَّرُورَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِفِعْلِهَا وَلِأَجْلِ الْغَفْلَةِ عَنْ هَذَا التَّنْبِيهِ وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ الِادِّعَاءِ بِهَا بِأَنَّهَا سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ تَحْسِينُ ظَنِّهِمْ بِمَشَايِخِهِمْ
وَعُلَمَائِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُخَالِفُونَ ، وَأَنَّهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا : مَنْ لَمْ يَرَ خَطَأَ شَيْخِهِ صَوَابًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَيُحْمَلُ لِأَجْلِ هَذَا مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا فَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ بِذِكْرِهِ لِذَلِكَ وَتَعْلِيلِهِ ؛ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا .
وَقَدْ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ الْقُدْوَةِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْمُحَقِّقِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّمَّاطِ رَحِمَهُ اللَّهُ حَكَى لِي ذَلِكَ عَنْهُ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ كَانَ عَارِفًا بِالْفِقْهِ مَعْرِفَةً جَيِّدَةً وَكَانَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَهُ فِي مَجَالِسِهِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ لَيْسَ لَهُمْ شُغْلٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا الْبَحْثَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَهَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ ؟ فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فِيهِ يَأْتُونَ إلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُرِيدُونَهَا فَيَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ إلَى الْفُقَهَاءِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْهَا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُحِلْهُمْ عَلَى غَيْرِهِ ، وَهُوَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِالنَّوَازِلِ الَّتِي كَانَتْ تَنْزِلُ بِهِمْ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ أَخَافُ أَنْ أُفْتِيَهُمْ فَيَقَعَ لَهُمْ الْخَلَلُ بِسَبَبِ أَنِّي إنْ مِتُّ بَقِيَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ مَوْقُوفًا عَلَيَّ لَا يَعْرِفُونَ أَمْرَ دِينِهِمْ إلَّا مِنْ جِهَتِي فَيَقُولُونَ : قَالَ الشَّيْخُ كَذَا وَذَهَبَ الشَّيْخُ إلَى كَذَا ، وَكَانَ طَرِيقُ الشَّيْخِ كَذَا .
فَيَظُنُّونَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ خُرُوجُهَا مِنْ قِبَلِ الْمَشَايِخِ فَيُرْسِلُهُمْ إلَى الْفُقَهَاءِ لِسَدِّ هَذِهِ الثُّلْمَةِ وَلِكَيْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا أَصْلُهُ وَعِمَادُهُ وَاَلَّذِي يَقَعُ بِهِ الْحَلُّ وَالرَّبْطُ عِنْدَنَا هُوَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ فَرْعٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَنْتَظِمُ الْحَالُ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ .
فَانْظُرْ رَحِمَك
اللَّهُ إلَى مُحَافَظَةِ هَذَا السَّيِّدِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى مَنْصِبِ الشَّرِيعَةِ كَيْفَ تَرَكَ أَنْ يُجِيبَ الْفُقَرَاءَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ؟ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ مَعْرُوفًا وَمَنْسُوبًا إلَى تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ وَتَسْلِيكِهِمْ وَتَرَقِّيهمْ فِي الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمُنَازَلَاتِ خَافَ أَنْ يُنْسَبَ مَا يُفْتِي بِهِ مِنْ الْفِقْهِ إلَى مَا كَانَ بِصَدَدِهِ مِنْ التَّرْبِيَةِ فَتَرَكَ الْمَنْدُوبَ ، وَهُوَ الْفَتْوَى فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَحَفُّظًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُنْسَبَ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ الَّذِي عَنْهُ يُؤْخَذُ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَحَفَّظَ مِنْهُ هَذَا السَّيِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَفْسَدَ الْيَوْمَ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ تَجِدُ أَحَدَهُمْ يَعْمَلُ الْبِدْعَةَ وَيَتَهَاوَنُ بِهَا فَتَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ تُرْشِدُهُ إلَى التَّرْكِ فَيَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِكَوْنِهِ رَأَى شَيْخَهُ وَمَنْ يَعْتَقِدُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَيَقُولُ : كَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ بِدْعَةً .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي فُلَانٌ يَعْمَلُهَا ؟ فَيَسْتَدِلُّ بِفِعْلِ سَلَفِهِ وَخَلْفِهِ وَشُيُوخِهِ عَلَى جَوَازِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ ، وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فَصَارَ فِعْلُ الْمَشَايِخِ حُجَّةً عَلَى مَا تَقَرَّرَ بِأَيْدِينَا مِنْ أَمْرِ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ وَلَا مِمَّنْ شَهِدَ لَهُمْ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ .
وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مَرْدُودٌ إذْ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَوَقَعَ الْخَلَلُ فِي الشَّرِيعَةِ بِسَبَبِهِ فَأَيٌّ مَنْ اسْتَحْسَنَ شَيْئًا وَفَعَلَهُ وَأَيٌّ مَنْ كَرِهَ شَيْئًا وَتَرَكَهُ يَقَعُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَقْصًا مَعَاذَ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ بِأَيْدِينَا الْيَوْمَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ هَذِهِ الْمِلَّةَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ التَّبْدِيلِ
فَكُلُّ مَنْ أَتَى بِشَيْءٍ مُخَالِفٍ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسَلَفُهَا فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ مَحْجُوجٌ بِفِعْلِهِمْ وَبِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَذْهَبَ شَرِيعَةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْنِي التَّقْلِيدَ لِأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ دُونَ دَلِيلٍ يَدُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ أَمْرُهُمْ أَنَّهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مِنْ الْأَحَدِ إلَى الْأَحَدِ يُجَدِّدُ لَهُمْ الْقِسِّيسُ شَرِيعَةً جَدِيدَةً بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ لَهُمْ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي وَقْتِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيه نَظَرُهُ وَتَسْدِيدُهُ عَلَى زَعْمِهِ فَتَجِدُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ لَقَدْ جَدَّدَ الْيَوْمَ شَرِيعَةً مَلِيحَةً ، وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَالِ فَإِنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ مَغْفُولٌ عَنْهُ وَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُ إلَّا مَنْ كَانَ مُرَاقِبًا لَهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ يَزِنُهَا عَلَى أَفْعَالِ السَّلَفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَقْتَدِيَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ إلَّا بِمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُتَقَدِّمِينَ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِلَّا فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَّبِعِينَ مِنْهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَتَبَيَّنُ لَهُ .
أَمَّا إنْ نَظَرَ إلَى أَفْعَالِهِمْ وَوَزَنَهَا بِغَرَضٍ غَيْرِ هَذَا فَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّشَاغُلِ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَالْبَحْثِ عَنْ مَثَالِبِهِمْ ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ لَكِنْ نَذْكُرُ أَوَّلًا مَا بَقِيَ مِنْ الْفَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا النَّاقِلُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ .
فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ نَقْلِهِ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي نَقَلَهَا فِي ذَلِكَ : وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ مَا ذُكِرَ مِنْ إنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَ فَلَمَّا أَنْ نَقَلَ قَوْلَ مَالِكٍ لِابْنِ وَهْبٍ ، وَأَنَّهُ عَابَ مَا ذُكِرَ لَهُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَكَرِهَهُ ، وَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ النَّاسُ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ نَقَلَ هَذَا عَنْهُ : ، فَهَذَا الْإِنْكَارُ مِنْهُ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلْفُ وَلِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ فَهُوَ مَتْرُوكٌ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْبَابِهَا انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذِهِ السُّنَّةِ مِنْ هَذَا النَّاقِلِ مَعَ حِذْقِهِ وَحِفْظِهِ كَيْفَ أَتَى بِنَقْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ وَإِعَابَتِهِ ؟ وَلَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ بِتَأْوِيلٍ وَلَا بِنَقْلٍ عَنْ غَيْرِهِمْ بِضِدِّ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَأْتِ إلَّا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَا مِنْ فِعْلِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَابَلَ مَا نَقَلَهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ بِقَوْلِهِ : أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ فِعْلَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهُمْ لَمْ يَنْقُلُوا مِنْ مَذْهَبِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ بَلْ نَقَلُوا عَنْ سَلَفِهِمْ وَلَمْ يُقَابِلْهُمْ بِأَنَّ غَيْرَهُمْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقَلَّدِينَ .
وَنَقْلُ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يَرُدُّهُ النَّقْلُ عَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْهُمْ وَنَقْلُهُمْ يَرُدُّ كُلَّ مَا تُرْجِمَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُ وَيُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ غَيْرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فَتَبَيَّنْ ذَلِكَ وَتَفَهَّمْهُ يَظْهَرْ لَك الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ
هَذَا .
أَمَّا فَضِيلَةُ جَمْعِهِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَفِيهَا نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ هَلْ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَتَى بِهِ مَا يَمَسُّ مُرَادَهُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ إلَّا أَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ وَفِي نَفْسِهِ أَنَّ ذَلِكَ طَاعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا عَهِدَ عَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكَ وَمَضَوْا عَلَيْهِ فَظَنَّ أَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ عَنْهُمْ فِي الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ أَنَّهُ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ الِاجْتِمَاعِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ فَأَتَى بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ إلَى الِاتِّبَاعِ وَالْقُرْبِ فَجَعَلَهُ فِيمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَا هَذَا عَلَيْك بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَآكَدُ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ اتِّبَاعُ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالسُّنَّةِ مِنَّا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مَعَ خَيْرِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيُبَيِّنُ السَّبَبَ فِي فِعْلِهِ وَالضَّرُورَةَ الدَّاعِيَةَ إلَيْهِ مَخَافَةً مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْمُتَقَدِّمِينَ مَا لَمْ يَفْعَلُوا وَأَنْ يَخْتَلِطَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ الْمُحْدِثِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْهَبُ إلَى غَيْرِ مَا كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا فَكَانَ يَقُولُ إنَّ بَطَالَةَ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالنَّوْمِ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ جَهْرًا إنْ كَانَ الذِّكْرُ جَهْرًا سَالِمًا مِنْ الدَّسَائِسِ الْمَحْذُورَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ فِيهِ فَإِنْ دَخَلَهُ شَيْءٌ مِنْ الدَّسَائِسِ فَهُوَ الْخُسْرَانُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ
الْخُسْرَانِ وَكَانَ يُبَيِّنُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا الْحَدِيثُ الْوَارِدُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي أَنَّ الذِّكْرَ الْخَفِيَّ يَفْضُلُ الْجَلِيَّ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً .
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ وَذَكَرَ فِيهِمْ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَمِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَنَا وَعُلِمَ أَنَّ التَّاجِرَ إذَا وَجَدَ الرِّبْحَ فِي سِلْعَةٍ سَبْعِينَ دِينَارًا وَأُخْرَى وَاحِدًا أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا فِيهِ رِبْحُ سَبْعِينَ وَلَا يَأْخُذُ السِّلْعَةَ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا الدِّينَارُ الْوَاحِدُ فَإِنْ عَكَسَ التَّاجِرُ ذَلِكَ وَأَخَذَ السِّلْعَةَ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا الدِّينَارُ الْوَاحِدُ وَتَرَكَ السِّلْعَةَ الَّتِي يَأْخُذُ فِيهَا السَّبْعِينَ قُلْنَا عَنْهُ تَاجِرٌ سَفِيهٌ وَالتَّاجِرُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْمُؤْمِنُ لِأَنَّهُ يَتَّجِرُ فِيمَا يَبْقَى وَغَيْرُهُ يَتَّجِرُ فِيمَا يَفْنَى ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَقْدُمُ عَلَى فِعْلٍ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَاحِدٌ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ سَبْعُونَ هَذَا سَفَهٌ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذِهِ التِّجَارَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا تَفَاضَلُوا بِحَسَبِ نِيَّاتِهِمْ وَمُحَاوِلَةِ أَعْمَالِهِمْ وَتَنْمِيَتِهَا فَيَحْتَاجُ عَلَى هَذَا أَنْ يُبَادِرَ إلَى تِلَاوَةِ السِّرِّ وَالذِّكْرِ فِي السِّرِّ إذْ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ بِسَبْعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ .
فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى سِرًّا فَلَوْ ذَكَرَ اللَّهَ مَثَلًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِينَ فَتَكُونُ الثَّلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ بِمِائَتَيْ حَسَنَةٍ وَعَشْرِ حَسَنَاتٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَخْفِقَ رَأْسَهُ فِي نَوْمِهِ مِنْ وَقْتِهِ ذَلِكَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مَرَّاتٍ وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَفِيقَ عَلَى نَفْسِهِ قَلِيلًا يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَذْكُرُ اللَّهَ مَا قَدَرَ لَهُ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِينَ ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النَّوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ ، وَهُوَ مُنْكَسِرُ الْخَاطِرِ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِشَيْءٍ وَيَرَى أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ غَنِمَ وَحَصَّلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَشْهُورِ خَيْرًا ، وَهُوَ فِي غَفْلَةٍ وَنَوْمٍ فَيَحْصُلُ لَهُ التَّذَلُّلُ وَالِانْكِسَارُ فَيَكُونُ مَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِمَّا فَاتَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ اُطْلُبُونِي عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي .
هَذَا مَقَامٌ عَظِيمٌ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا الْأَفْذَاذُ فَإِنْ زَادَ عَلَى هَذَا بِأَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ فَهُوَ أَعْظَمُ وَأَعْلَى لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ دُعَاءَ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابٌ هَذَا وَأَخُوهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنْ الْخَطَأِ وَلَا مِنْ الزَّلَلِ فَمَا بَالُك بِاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ رِضًا مِمَّنْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي وَصْفِهِمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنْ ارْتَضَى فَتَكُونُ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ إلَى أَنْ يَقُومَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مُصَلَّاهُ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَيُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى كَعُمْرَةٍ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ أَيَبْقَى عَلَيْهِ ذَنْبٌ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَظُنَّ ذَلِكَ أَحَدٌ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ انْتَهَى .
فَاجْتَمَعَ اسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ بَرَكَةِ الذِّكْرِ الْخَفِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَعَ رَاحَةِ الْبَدَنِ فِي الْمَشْيِ أَوْ رَفْعِ الصَّوْتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّعَبِ مَعَ التَّحَقُّقِ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي الذِّكْرِ بِالْجَهْرِ مَعَ تَرْكِ التَّعَبِ وَمَعَ حُصُولِ فَضِيلَةِ تَرْكِ الْكَلَامِ لِمَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لَهُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْكَلَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَقْبَلَ عَلَى الذِّكْرِ أُجِرَ عَلَى الذِّكْرِ ، وَعَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ وَإِنْ تَرَكَ الْكَلَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ أُجِرَ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ نَامَ مِنْ حِينِ صَلَاتِهِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَوْ فِي أَكْثَرِهَا مُتَيَقِّظًا مُقْبِلًا عَلَى التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأُجُورِ بِتَعْظِيمِ النِّيَّةِ وَالْأَعْمَالِ وَمُحَاوَلَةِ ذَلِكَ وَتَنْمِيَتِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهَا إلَّا الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ صَلَّى الصُّبْحَ وَقَامَ مِنْ حِينِهِ مِنْ مُصَلَّاهُ حَتَّى لَا تَجِدُ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ سَبِيلًا إلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ جَهْرًا فَقَدْ يَتْعَبُ مِمَّا يَرْفَعُ صَوْتُهُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ
لَمْ يَصِلْ إلَى الْمِائَتَيْنِ وَالْعَشَرَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي الثَّلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إلَى أَجْرِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأَجْلِ تَضْعِيفِ الْأُجُورِ لِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهَذَا إذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ كُلِّ مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ رِيَاءٌ أَوْ سُمْعَةٌ أَوْ حُظْوَةٌ عِنْدَ شَيْخِهِ أَوْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ أَوْ يُقَالُ عَنْهُ أَوْ يُشَارُ إلَيْهِ أَوْ تُقَبَّلُ يَدُهُ أَوْ يُثْنَى عَلَيْهِ وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ الْعَجَبِ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى أَنَّهُ عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ بِسَبَبِ تَعْمِيرِهِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ بِالذِّكْرِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَالْبَطَالَةُ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَجَبِ .
وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ مُجْتَمَعِينَ عَلَى ذَلِكَ صَوْتًا وَاحِدًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي هُوَ بَابُ الْجَوَازِ إلَى بَابِ هَلْ يُكْرَهُ أَوْ يَجُوزُ لِأَنَّ الذِّكْرَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ هَلْ يُعْمَلُ رَعْيًا لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ لِكَيْ يَسْلَمُوا مِنْ الْبَطَالَةِ وَالْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي أَوْ لَا يُعْمَلُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى فِعْلِهِ رَعْيًا لِلْمَصْلَحَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى مَنْعِهِ لِأَنَّ تِلْكَ صُورَةٌ لَمْ تَكُنْ لِمَنْ مَضَى وَكَفَى بِهَا وَلَوْ كَانَ فِيهَا التَّنْشِيطُ وَغَيْرُهُ إذْ أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ مُخَالِفٌ لِلِاقْتِدَاءِ .
أَلَا تَرَى إلَى جَوَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَامِلِهِ حِينَ كَتَبَ لَهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ كَثُرَ عِنْدَنَا شُرْبُ الْخَمْرِ وَكَثُرَتْ الْحُدُودُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَفَتَرَى أَنْ أَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَحُدَّهُ فَإِنْ شَرِبَ فَحُدَّهُ فَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فَلَا رَدَّهُ اللَّهُ
أَوْ كَمَا قَالَ وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ النَّوْمِ وَالْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي بِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ فَلَا رَدَّهُ اللَّهُ وَلَوْ سُومِحَ فِي هَذَا لَذَهَبَ الدِّينُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ لِأَنَّهُ إذَا وَجَدْنَا مَنْ لَمْ يَرْجِعْ بِالسُّنَّةِ أَحْدَثْنَا لَهُ فِي الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا شَيْئًا لِيَرْجِعَ بِهِ عَمَّا لَا يَنْبَغِي وَفِي هَذَا ذَهَابُ الدِّينِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عُمَرَ حَيْثُ سَدَّ هَذَا الْبَابَ فَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَ لَهُ الشَّرْعُ فَلَا حَاجَةَ بِهِ .
ثُمَّ نَرْجِعُ لِمَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ مِنْ تَقْطِيعِ الْآيَاتِ لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ نَفَسُهُ فِي آيَةٍ فَيَتَنَفَّسُ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُتِمَّ الْآيَةَ فَيَجِدُ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ مَعَهُ قَدْ سَبَقُوهُ بِالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إلَى أَنْ يَقْرَأَ مَا فَاتَهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهُمْ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَيَحْتَاجُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَ آيَاتٍ وَيَتْرُكَ أُخَرَ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ أُنْزِلَ وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ تَخْتَلِطُ آيَةُ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ وَآيَةُ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِيهِ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ لَا يَقْدِرُ مَنْ يَقْرَأُ مَعَ جَمَاعَةٍ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِ مَا وُصِفَ وَلَوْ احْتَرَزَ مَا عَسَى ، وَهَذَا أَيْضًا إذْ سَلِمَ مِنْ الْجَهْرِ بِذَلِكَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي التَّلْبِيَةِ فِي الْحَجِّ الْجَهْرُ لَكِنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَعْقِرُ حَلْقَهُ فَإِذَا كَرِهُوا ذَلِكَ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْجَهْرُ فَمَا بَالُك فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْإِسْرَارُ وَالْإِخْفَاءُ وَكَثِيرًا
مَا تَجِدُ مِنْ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَقْعُدُونَ لِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْأَحْزَابِ تَنْعَقِرُ أَصْوَاتُهُمْ لِشِدَّةِ انْزِعَاجِهِمْ فِي جَهْرِهِمْ وَيَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَهَذَا أَيْضًا مُشَاهَدٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ بَاشَرَهُمْ وَهَذَا أَيْضًا إذَا سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدٍ فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ النَّهْيِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَوَجَدَهُمْ يَتَنَفَّلُونَ وَيَجْهَرُونَ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ مَا لَمْ تَضُرَّ التِّلَاوَةُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لَهَا فَإِذَا أَضَرَّتْ بِهَا مُنِعَتْ وَقَلَّ أَنْ يَخْلُوَ مَسْجِدٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنْ خَلَتْ فَهِيَ مُعَرَّضَةٌ لِلصَّلَاةِ فَإِذَا دَخَلَ الدَّاخِلُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِتَحِيَّتِهِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ لِفَرِيضَةٍ فَإِنْ دَخَلَ لِفَرِيضَةٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى فَعَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ فَالدَّاخِلُ إلَى الْمَسْجِدِ يَجِدُ التَّشْوِيشَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى صَلَاتِهِ فَيُمْنَعُ كُلُّ مَا يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّي .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ يَتَشَوَّشُ مِنْهُ فَفِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِنَصِّ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ أَوْلَادٌ وَعَائِلَةٌ يَشْتَغِلُ خَاطِرُهُ بِحَدِيثِهِمْ وَكَلَامِهِمْ فَفِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِخَاطِرِهِ وَهَمِّهِ وَتَحْصِيلُ جَمْعِ خَاطِرِهِ وَهَمِّهِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ فَضِيلَةِ التَّنَفُّلِ فِي الْبَيْتِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِذَا جَاءَ الْإِنْسَانُ إلَى الْمَسْجِدِ لِيُحَصِّلَ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً فِي
بَيْتِهِ فَيَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ مَا هُوَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا فِي بَيْتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ .
وَقَدْ وَرَدَ لَأَنْ تَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِقِرَابِ الْأَرْضِ ذُنُوبًا فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ بِتَبِعَةٍ مِنْ التَّبِعَاتِ لِأَنَّك إذَا لَقِيته بِذُنُوبٍ بَيْنَك وَبَيْنَهُ تَلْقَاهُ غَنِيًّا كَرِيمًا مُتَفَضِّلًا مَنَّانًا لَا تَضُرُّهُ السَّيِّئَاتُ وَلَا تَنْفَعُهُ الْحَسَنَاتُ وَلَا يُنْقِصُهُ الْعَطَاءُ غَنِيًّا عَنْ عَذَابِك غَيْرَ مُحْتَاجٍ لِحَسَنَاتِك ، وَإِذَا لَقِيته بِشَيْءٍ مِنْ التَّبَعَاتِ فَصَاحِبُ التَّبَعَاتِ فَقِيرٌ مُضْطَرٌّ شَحِيحٌ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فَزِعٌ مَذْعُورٌ مُشْفِقٌ مِنْ عَدَمِ الْخَلَاصِ يَتَمَنَّى أَنْ لَوْ وَجَدَ حَقًّا لَهُ عَلَى أَبَوَيْهِ أَوْ بَنِيهِ لَعَلَّهُ يَتَخَلَّصُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ لَهُ قِبَلَ أَحَدٍ حَقٌّ قَلَّ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلَوْ كَانَ ذَرَّةً وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُعْلَمُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَعْنِي مَنْعَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ وُجُودِ مُصَلٍّ يَقَعُ لَهُ التَّشْوِيشُ بِسَبَبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى أَوْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ مِنْ صَلَاةِ الْجَهْرِ أَنَّهُ إذَا قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَإِنَّهُ يَخْفِضُ صَوْتَهُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ فَيَجْهَرُ فِي ذَلِكَ بِأَقَلَّ مَرَاتِبِ الْجَهْرِ ، وَهُوَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه خِيفَةَ أَنْ يُشَوِّشَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسْبُوقِينَ ، هَذَا وَهُوَ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ فَمَا بَالُك بِرَفْعِ صَوْتِ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْكَلَامُ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ ذِكْرِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ
النَّارُ الْحَطَبَ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَذِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ تَأَذَّتْ الْمَلَائِكَةُ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ جَهْرًا أَوْ جَمَاعَةً يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ لِنَصِّ الْعُلَمَاءِ وَفِعْلِهِمْ ، وَهُوَ أَخْذُ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ سُئِلَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ عِلْمٌ وَرَفْعُ صَوْتٍ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عِلْمٌ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ ، وَقَدْ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ كَأَخِي السِّرَارِ فَإِذَا كَانَ مَجْلِسُ عِلْمٍ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّبَاعِ فَلَيْسَ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ فَإِنْ وُجِدَ رَفْعُ صَوْتٍ مُنِعَ مِنْهُ وَأُخْرِجَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ مَسْجِدُنَا هَذَا لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ .
وَهُوَ عَامٌّ وَالضَّرَرُ وَاقِعٌ فَيُمْنَعُ ، وَإِذَا كَانَ فِي الذِّكْرِ بِالْجَهْرِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ وَإِنْ سَلِمَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا فَقَدْ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا الْبَاقُونَ وَالْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ فَإِذَا سَلِمْت أَنْتَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ لِحُسْنِ نِيَّتِك وَقَصْدِك الظَّاهِرِ فَيُحْتَاجُ أَنْ تُرَاعِيَ حَقَّ أَخِيك الْمُؤْمِنِ وَجَلِيسِك إنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ عَنْ صُحْبَةِ سَاعَةٍ فَقَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ مَا يَعْرِفُ بِهِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الدَّسَائِسِ وَغَيْرِهَا فَيَقَعُ فِي الْمَحْذُورِ وَتَكُونُ أَنْتَ بِنِيَّتِك الصَّالِحَةِ فِي هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي أَصْلَحْته سَبَبًا لِأَخِيك وَجَلِيسِك وَشَرِيكِك فِي ذِكْرِ رَبِّك لِعَدَمِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَهُ وَحَصَلَتْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ نَامَ عَلَى الْحَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ذَكَرَ اللَّهَ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْ
هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا وَغَيْرُهُ مُعَرَّضٌ لَهَا ، وَقَدْ قِيلَ لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا فَإِنْ قِيلَ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ جَهْرًا وَجَمَاعَةً فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ وَجَاءَ فِعْلُ السَّلَفِ بِأَحَدِهِمَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ .
أَمَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .
وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ حَيْثُ قَالَ وَاخْتَارَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ الصَّلَاةِ وَيُخْفِيَا الذِّكْرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا يَجِبُ أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْهُ فَيَجْهَرُ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ ثُمَّ يُسِرُّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِتْ بِهَا يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالدُّعَاءِ لَا تَجْهَرْ تَرْفَعْ وَلَا تُخَافِتْ حَتَّى لَا تُسْمِعَ نَفْسَك وَأَحْسَبُ مَا رَوَى ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ تَهْلِيلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَكْبِيرِهِ كَمَا رَوَيْنَاهُ إنَّمَا جَهَرَ قَلِيلًا لِيَتَعَلَّمَ النَّاسُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَامَّةَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي كَتَبْنَاهَا مَعَ هَذَا وَغَيْرِهَا لَيْسَ يُذْكَرُ
فِيهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ تَهْلِيلٌ وَلَا تَكْبِيرٌ ، وَقَدْ يُذْكَرُ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِمَا وَصَفْت وَيُذْكَرُ انْصِرَافُهُ بِلَا ذِكْرٍ ، وَقَدْ ذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُكْثَهُ وَلَمْ تَذْكُرْ جَهْرًا وَأَحْسَبُ أَنَّهُ لَمْ يَمْكُثْ إلَّا لِيَذْكُرَ ذِكْرًا غَيْرَ جَهْرٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا مِثْلُ ذَا قُلْت مِثْلُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ يَكُونُ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ عَلَيْهِ وَيُقَهْقِرُ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ وَأَكْثَرُ عُمْرِهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مِمَّا رَأَى أَحَبَّ أَنْ يُعَلِّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ كَيْفَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالرَّفْعُ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَعَةً انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ .
فَهَذَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ فَإِنْ حَصَلَ التَّعْلِيمُ أَمْسَكَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ جَهْرًا وَجَمَاعَةً فَإِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ التَّعْلِيمَ بَلْ الثَّوَابَ .
وَالْجَوَابُ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيّ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمُجَاهِدِينَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ إلَى الْآنَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُجَاهِدِينَ إذَا صَلَّوْا الْخَمْسَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُكَبِّرُوا جَهْرًا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ قَالَ فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَنْسُوخًا بِالْإِجْمَاعِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِهِ وَالْإِجْمَاعُ لَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِ انْتَهَى ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ .
أَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَيُسْتَحْسَنُ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ .
أَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي دَاوُد ( عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ ضَجِيجَ النَّاسِ بِالْمَسْجِدِ يَقْرَءُونَ
الْقُرْآنَ فَقَالَ طُوبَى لِهَؤُلَاءِ كَانُوا أَحَبَّ النَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ الْجَهْرُ لَيْسَ إلَّا وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِرَاءَةُ جَمَاعَةً عَلَى مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَعَادَتَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ وَمَا رُوِيَ عَنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى عَادَتِهِمْ وَعَادَتُهُمْ إنَّمَا كَانَتْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَلَى سَبِيلِ التَّلْقِين أَوْ الْعَرْضِ فَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَلَقَّنُونَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ يَعْرِضُونَ أَوْ يَدْرُسُونَ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى شَيْخِهِ أَوْ عَلَى رَفِيقِهِ وَجَلِيسِهِ فَسَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ضَجَّتَهُمْ فَذَكَرَ مَا ذَكَرَ فِي حَقِّهِمْ وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى فَضِيلَةِ مَجْلِسِ الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَجَالِسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَمُدَارَسَتَهُ هُوَ أَصْلُ الْعُلُومِ كُلِّهَا ، وَهُوَ مَعْدِنُ الْجَمِيعِ فَإِذَا حُفِظَ فَقَدْ حُفِظَ عَلَى النَّاسِ أَصْلُ دِينِهِمْ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانُوا أَحَبَّ النَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ اسْتَدَلَّ النَّاقِلُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى إبَاحَةِ الْقُرْآنِ جَمَاعَةً وَجَهْرًا أَيْضًا بِأَنْ قَالَ وَفِي إثْبَاتِ الْجَهْرِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ .
أَمَّا الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ .
فَهَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيِّنٌ فِي الْجَهْرِ لَيْسَ إلَّا دُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَا يُعْهَدُ الْيَوْمَ مِنْ الْجَمْعِ عَلَى ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَيْضًا رَاجِعٌ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي رُوِيَ عَنْهُمْ فِيهَا الْجَهْرُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُمْ ذَلِكَ مُطْلَقًا بَلْ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ قَدْ كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَوَاعَدُونَ لِضَرُورَاتِهِمْ لِقِيَامِ الْقُرَّاءِ بِاللَّيْلِ
وَكَذَلِكَ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ فَيَقْرَأُ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِكَيْ يَسْمَعُوا كَلَامَ رَبِّهِمْ وَكَذَلِكَ عِنْدَ إحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ وَتَلْبِيَتِهِمْ طُولَ إحْرَامِهِمْ وَذِكْرِهِمْ بَعْدَ الْإِحْلَالِ مِنْ إحْرَامِهِمْ بِمِنًى كَانُوا يَسْمَعُونَ تَكْبِيرَ أَهْلِ مِنًى وَهُمْ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ اتِّصَالِ التَّكْبِيرِ وَكَثْرَةِ النَّاسِ وَكَذَلِكَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ وَفِي تَعَلُّمِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ وَفِي إقْرَائِهِمْ وَفِي مُذَاكَرَتِهِمْ وَبَحْثِهِمْ وَكَذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِمَامِ تَعْلِيمَ الْمَأْمُومِينَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ مَا ذُكِرَ مِنْ جَهْرِهِمْ فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ مَعْلُومَةٍ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ عَنْهُمْ مِنْ الْجَهْرِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنْهُمْ ، وَعَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ عَنْهُمْ ، وَعَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ الِاجْتِمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَكُلُّ مَا وَرَدَ عَلَيْك مِمَّا يُشْبِهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْهَا إنْ رُجِعَ إلَى نَقْلِ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يَتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وَيَتْرُكُ تَأْوِيلَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ كُلِّهِ وَزُبْدَتِهِ وَفَائِدَتِهِ هُوَ أَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مِنْ ذِكْرِ الْفَضَائِلِ وَالْخَيْرَاتِ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ فَالْمُرَادُ بِهَا هَذَا الْمَجْلِسُ الَّذِي جَلَسَهُ هَذَا الْعَالِمُ لِتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَذْكَارِ دَاخِلٌ مُنْطَوٍ تَحْتَ فَضِيلَةِ هَذَا الْمَجْلِسِ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْتَرِمَهُ وَيُعَظِّمَهُ إذْ أَنَّهُ أَعْظَمُ شَعَائِرِ الدِّينِ وَأَزْكَاهَا وَأَرْجَحُهَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمُ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، وَقَالَ تَعَالَى ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
وَمِنْ جُمْلَةِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْعُظْمَى الْإِجْلَالُ لَهَا بِالْفِعْلِ فَإِذَا نَطَقَ بِلِسَانِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فَيَكُونُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ أَوْ النَّدْبِ لِيَتَّصِفَ بِالْعَمَلِ كَمَا اتَّصَفَ بِالْقَوْلِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي قَوْله تَعَالَى كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ
وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُؤَذِّنِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنَّ يُؤَذِّنَ عَلَى طَهَارَةٍ لِيَكُونَ عَقِبَ أَذَانِهِ يَرْكَعُ لِأَنَّهُ مُنَادٍ إلَى الصَّلَاةِ فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ لِمَا نَادَى إلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِأَذَانِهِ لِأَجْلِ عَمَلِهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا خَرَجَ مِنْ عَامِلٍ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ عَامِلٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ فَيُسْتَحَبُّ لِأَجْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا يَأْمُرُ بِهِ حَتَّى يَنْتَفِعَ النَّاسُ بِأَمْرِهِ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا ذَكَرَ الْمُحَرَّمَ أَوْ الْمَكْرُوهَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ إلَى التَّرْكِ فَيَكُونُ سَالِمًا مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْذُورَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ بِحَسَبِ جَهْدِهِ وَطَاقَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَهَذَا آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
فَمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ فَلَا يُقْرَبُ لِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ وَالنَّهْيُ إذَا وَرَدَ يَتَنَاوَلُ الْمُحَرَّمَ وَالْمَكْرُوهَ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ إذَا وَرَدَ يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ هَذَا الْعَالِمُ عَلَى التَّرْكِ بِالْكُلِّيَّةِ وَغَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فِي ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْبِدَعِ فَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَيَكُونُ مُسْتَتِرًا وَيَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَهُوَ أَقَلُّ الْمَرَاتِبِ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ هَذَا مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَعْنِي التَّسَتُّرَ بِالْبِدَعِ وَالْمُخَالَفَاتِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ بُلِيَ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ بِشَيْءٍ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَةَ وَجْهِهِ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ ) أَوْ كَمَا قَالَ وَالْحُدُودُ رَاجِعَةٌ إلَى حَالِ مَا يَقَعُ مِنْ الشَّخْصِ فَرُبَّ فِعْلٍ حَدُّهُ الْجَلْدُ وَآخَرَ حَدُّهُ الْهِجْرَانُ وَآخَرَ حَدُّهُ الْبُغْضُ وَآخَرَ حَدُّهُ الزَّجْرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَكِنْ الْعَالِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسَتُّرُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ شَرَّهُ وَمَعْصِيَتَهُ وَمُخَالَفَتَهُ وَبِدْعَتَهُ إنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ خَيْرَهُ كَذَلِكَ
مُتَعَدٍّ لَكِنْ التَّعَدِّي بِهَذَا الْفَنِّ أَكْثَرُ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النُّفُوسِ الِاقْتِدَاءُ فِي شَهَوَاتِهَا وَمَلْذُوذَاتِهَا وَعَادَاتِهَا أَكْثَرُ مِمَّا تَقْتَدِي بِهِ فِي التَّعَبُّدِ الَّذِي لَيْسَ لَهَا فِيهِ حَظٌّ فَإِذَا رَأَتْ ذَلِكَ مِنْ عَالِمٍ وَإِنْ أَيْقَنَتْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ بِدْعَةٌ تُعْذِرُ نَفْسَهَا فِي ارْتِكَابِهَا لِذَلِكَ إنْ سَلِمَتْ مِنْ سُمِّ الْجَهْلِ تَقُولُ لَعَلَّ عِنْدَ هَذَا الْعَالِمِ الْعِلْمَ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَوْ رَخَّصَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ لَهُمْ ، وَهُوَ كَثِيرٌ مُشَاهَدٌ فَإِذَا رَأَتْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ يَرْتَكِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ الِاسْتِصْغَارُ وَالتَّهَاوُنُ بِمَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ السُّمُّ الْقَاتِلُ .
وَقَدْ قَالُوا ارْتِكَابُ الْكَبَائِرِ أَهْوَنُ مِنْ الِاسْتِصْغَارِ بِالصَّغَائِرِ لِأَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ يُرْجَى لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى اللَّهِ وَيَتُوبَ وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالصَّغَائِرِ قَلَّ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ قَالُوا لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَهَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الصَّغَائِرَ إذَا اجْتَمَعَتْ صَارَتْ كَبَائِرَ فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْبِدَعِ سَبَبًا لِعَطَبِ مَنْ يَرَاهُ مِمَّنْ هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ رُتْبَةً فِي الدِّينِ لِاقْتِدَائِهِ بِهِ وَاسْتِسْهَالِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ سَبَكَ الْفَقِيهُ أَبُو الْمَنْصُورِ فَتْحُ بْنُ عَلِيٍّ الدِّمْيَاطِيُّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مِنْهَا أَيُّهَا الْعَالِمُ إيَّاكَ الزَّلَلْ وَاحْذَرْ الْهَفْوَةَ فَالْخَطْبُ جَلَلْ هَفْوَةُ الْعَالِمِ مُسْتَعْظَمَةٌ إنْ هَفَا أَصْبَحَ فِي الْخَلْقِ مَثَلْ وَعَلَى زَلَّتِهِ عُمْدَتُهُمْ فِيهَا يَحْتَجُّ مَنْ أَخْطَأَ وَزَلْ لَا تَقُلْ يُسْتَرُ عَلَى زَلَّتِي بَلْ بِهَا يَحْصُلُ فِي الْعِلْمِ الْخَلَلْ إنْ تَكُنْ عِنْدَك مُسْتَحْقَرَةً فَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ
وَالنَّاسِ جَبَلْ لَيْسَ مَنْ يَتْبَعُهُ الْعَالِمُ فِي كُلِّ مَا دَقَّ مِنْ الْأَمْرِ وَجَلْ مِثْلُ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ جَهْلُهُ إنْ أَتَى فَاحِشَةً قِيلَ جَهِلْ اُنْظُرْ الْأَنْجُمَ مَهْمَا سَقَطَتْ مَنْ رَآهَا وَهْيَ تَهْوِي لَمْ يُبَلْ فَإِذَا الشَّمْسُ بَدَتْ كَاسِفَةً وَجَلَ الْخَلْقُ لَهَا كُلَّ الْوَجَلْ وَتَرَامَتْ نَحْوَهَا أَبْصَارُهُمْ فِي انْزِعَاجٍ وَاضْطِرَابٍ وَزَجَلْ وَسَرَى النَّقْصُ لَهُمْ مِنْ نَقْصِهَا فَغَدَتْ مُظْلِمَةً مِنْهَا السُّبُلْ وَكَذَا الْعَالِمُ فِي زَلَّتِهِ يَفْتِنُ الْعَالَمَ طُرًّا وَيُضِلْ يُقْتَدَى مِنْهُ بِمَا فِيهِ هَفَا لَا بِمَا اسْتَعْصَمَ فِيهِ وَاسْتَقَلْ فَهُوَ مِلْحُ الْأَرْضِ مَا يُصْلِحُهُ إنْ بَدَا فِيهِ فَسَادٌ أَوْ خَلَلْ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَحْتَرِزَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُجَالِسُهُ أَوْ يُبَاشِرُهُ كَمَا يَحْتَرِزُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِحَقِّ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ وَلِحَقِّ الصُّحْبَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَلِلْوَاجِبِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْإِرْشَادِ وَالتَّغْيِيرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِاللِّسَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدًا مِنْ جُلَسَائِهِ قَدْ خَالَفَ سُنَّةً أَوْ ارْتَكَبَ بِدْعَةً أَوْ تَهَاوَنَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَهَاهُ بِلُطْفٍ وَعَلَّمَهُ بِرِفْقٍ .
قَالَ تَعَالَى فِي التَّغْيِيرِ عَلَى عَدُوٍّ مِنْ أَعْدَائِهِ مُنَازِعٍ لَهُ فِي مُلْكِهِ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا فَإِذَا كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي حَقِّ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُتَمَرِّدِ فَمَا بَالُك فِي حَقِّ أَخٍ مُسْلِمٍ رَفِيقٍ جَلِيسٍ جَاءَ مُسْتَرْشِدًا مُتَعَلِّمًا فَيَجِبُ أَنْ يَرْفُقَ بِهِ فَيَأْخُذَ أَمْرَهُ بِاللُّطْفِ وَالسِّيَاسَةِ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النُّفُوسِ النُّفُورُ عِنْدَ زَجْرِهَا عَنْ الشَّيْءِ فَيَحْتَاجُ الْعَالِمُ إذْ ذَاكَ إلَى أَمْرَيْنِ ضِدَّيْنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا : مُرَاعَاةُ جَانِبِ السُّنَّةِ وَالتَّغْيِيرُ وَالِانْزِعَاجُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَالرِّفْقُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي حَقِّ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلِّمُوا وَارْفُقُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا أَوْ كَمَا قَالَ فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ إذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فِي أَحَدٍ مِنْ إخْوَانِهِ أَوْ جُلَسَائِهِ أَوْ الْمُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ يَنْظُرُ فِيهِمْ بِمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ فَيَرْضَى لِرِضَى الشَّرْعِ وَيَغْضَبُ لِغَضَبِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُرْجَى لَهُ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَعْنِي فِي اتِّبَاعِهِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ الْوَاصِفُ لَهُ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا فَإِذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ حُرَمِ اللَّهِ
يُنْتَهَكُ كَانَ أَسْرَعَ النَّاسِ إلَيْهَا نُصْرَةً انْتَهَى .
فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْحَمِيَّةُ وَالنُّصْرَةُ لِلْعَالِمِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا الرِّفْقُ فَلَا يُنَفِّرُهُمْ بَلْ يَسْتَجْلِبُهُمْ وَيَسْرِقُ طَبَائِعَهُمْ بِالسِّيَاسَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا إلَى قَانُونَ الِاتِّبَاعِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ وَصَاحَ النَّاسُ بِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَزْرِمُوهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى أَتَمَّ بَوْلَهُ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ عَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ وَإِلَى مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ فَلْيُعَامِلْ كُلَّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ اللُّطْفِ وَالسِّيَاسَةِ وَالشِّدَّةِ وَالْغِلْظَةِ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَسَاوَوْا فَرُبَّ شَخْصٍ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِاللُّطْفِ فَإِنْ أَخَذْته بِالشِّدَّةِ نَفَّرْته وَرُبَّ شَخْصٍ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِالْغِلْظَةِ فَإِنْ أَخَذْته بِاللُّطْفِ أَطْمَعْته وَقَلَّ أَنْ يَنْتَهِيَ
( فَصْلٌ ) فَإِذَا شَرَعَ هَذَا الْعَالِمُ فِي أَخْذِ الدَّرْسِ وَقَرَأَ الْقَارِئُ فَيَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَيَخْشَعُ قَلْبُهُ وَتَخْشَعُ جَوَارِحُهُ لِهَذَا الْمَقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَحْكَامَهُ وَلَعَلَّ بَرَكَةَ مَا يَحْصُلُ لَهُ هُوَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ جُلَسَاؤُهُ فَيَتَأَدَّبُونَ بِأَدَبِهِ وَيَتَأَسَّوْنَ بِهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ حِينَ دَخَلَ عَلَى مَالِكٍ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُرِيدُونَ سَمَاعَ الْحَدِيثِ قَالَ فَدَخَلْت فَوَجَدْت أَصْحَابَهُ قُعُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ فَقُلْت سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَلَامًا إلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ رَدَّ السَّلَامَ فَقُلْت مَا بَالُكُمْ أَفِي الصَّلَاةِ أَنْتُمْ فَرَمَقُونِي بِأَطْرَافِ أَعْيُنِهِمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي قِصَّةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا .
وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا أَنَّ مَالِكًا كَانَ عِنْدَهُ التَّعْظِيمُ لِلْمَقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ فَسَرَى ذَلِكَ لِطَلَبَتِهِ .
وَكَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ أَبَدًا فِي خَلْقِهِ أَيْ مَنْ قَرَأَ عَلَى شَخْصٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْرِقَ طِبَاعَهُ وَطَرِيقَهُ وَاصْطِلَاحَهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا كَانَ بَعْضُهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ أَوَّلًا بِالْأَدَبِ فِيمَا ذَكَرَ فَيَجْمَعُ هِمَّتَهُ وَخَاطِرَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقَارِئِ فَإِذَا فَرَغَ الْقَارِئُ اسْتَفْتَحَ هُوَ الْإِقْرَاءَ فَيَسْتَعِيذُ إذْ ذَاكَ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِكَيْ يُكْفَى شَرُّهُ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى لِكَيْ يَعْتَزِلَهُ الشَّيْطَانُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سُمِّيَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ابْتِدَائِهِ عُزِلَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ حُضُورُهُ .
ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ فِي مَجْلِسِهِ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ ذُكِرَ
وَحَيْثُ كَانَ ثُمَّ يَتَرَضَّى عَنْ أَصْحَابِهِ لِتَكْمُلَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةُ فِي مَجْلِسِهِ لِأَنَّهُمْ الْأَصْلُ الَّذِينَ أَسَّسُوا مَا جَلَسَ إلَيْهِ ثُمَّ يَجْعَلُ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَتَعَرَّى مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَكُونَ سَبْعًا كَانَ أَحْسَنَ كَذَلِكَ كَانَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ يُسْنِدُ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي تَسْدِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَيَفْتَقِرُ فِي ذَلِكَ وَيَضْطَرُّ إلَيْهِ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَتَعَرَّى إذْ ذَاكَ مِنْ فَهْمِهِ وَذِهْنِهِ وَمُطَالَعَتِهِ وَبَحْثِهِ ، وَأَنَّهُ الْآنَ كَأَنْ لَا يَعْرِفْ شَيْئًا فَإِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذْ ذَاكَ كَانَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَتْحًا مِنْهُ وَكَرَمًا لَا لِأَجْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُحَاوَلَةِ الْمُطَالَعَةِ وَالدَّرْسِ وَالْفَهْمِ ثُمَّ يَسْتَجِيرُ بِرَبِّهِ مِنْ عَثَرَاتِ اللِّسَانِ وَمِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَمِنْ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِمَا قَدْ تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَرَأَ الْقَارِئُ وَيَذْكُرُ مَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَيُوَجِّهُ أَقْوَالَهُمْ وَيَرُدُّ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ إلَى أُصُولِهِمْ الَّتِي اسْتَخْرَجُوا الْأَحْكَامَ مِنْهَا ، وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيَكُونُ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِهِ لِلْعُلَمَاءِ يَتَرَضَّى عَنْهُمْ وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ وَيُعَرِّفُ مَنْ يَحْضُرُهُ بِقَدْرِهِمْ وَفَضِيلَتِهِمْ وَحَقِّ سَبْقِهِمْ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحِكَايَاتُ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَمُجَالَسَتِهِمْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفِقْهِ لِأَنَّهَا آدَابُ الْقَوْمِ وَأَخْلَاقُهُمْ انْتَهَى .
ثُمَّ يُوَجِّهُ مَذْهَبَهُ وَيَنْتَصِرُ لَهُ ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ التَّحَفُّظِ عَلَى مَنْصِبِ غَيْرِ إمَامِهِ أَنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ مَا يَنْسِبُ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنْ الْغَلَطِ
وَالْوَهْمِ لِغَيْرِ إمَامِهِ فَإِنْ كُنْت عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا فَلَا يَدْخُلُك غَضَاضَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ الْكُلُّ جَعَلَهُمْ اللَّهُ رَحْمَةً لَك لِأَنَّهُمْ أَطِبَّاءُ دِينِك كُلَّمَا اعْوَجَّ أَمْرٌ فِي الدِّينِ قَوَّمُوهُ وَكُلَّمَا وَقَعَ لَك خَلَلٌ فِي دِينِك اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى ذَهَابِهِ عَنْك وَتَلَافِي أَمْرِك وَإِصْلَاحِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الدَّوَاءِ لَك عَلَى مَا اقْتَضَى اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مُقْتَضَى الْأُصُولِ فِي تَخْلِيصِك مِنْ عِلَّتِك وَحَمِيَّتِك وَإِعْطَاءِ الدَّوَاءِ لَك فَإِذَا رَجَعْت إلَى طَبِيبٍ مِنْهُمْ وَسَكَنْت إلَى وَصْفِهِ وَمَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَك فَلَا يَكُنْ فِي قَلْبِك حَزَازَةٌ مِنْ الْأَطِبَّاءِ الْبَاقِينَ الَّذِينَ قَدْ شَفَوْا مَرَضَ غَيْرِك مِنْ إخْوَانِك الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَدْ أَقَامَهُمْ اللَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ وَتَدْبِيرِ دِينِهِمْ فَإِيَّاكَ إيَّاكَ أَنْ تَجِدَ فِي قَلْبِك حَزَازَةً لِبَعْضِهِمْ وَإِنْ قَامَ لَك الدَّلِيلُ وَوَضَحَ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ لِأَنَّ مَنْ قَالَ مَا قَالَ مَا قَالَهُ مَجَّانًا بَلْ مُسْتَنِدًا إلَى الْأُصُولِ وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا يَبْحَثُ مَعَك لَرَأَيْت مَذْهَبَهُ هُوَ الصَّوَابُ لِمَا يَظْهَرُ لَك مِنْ بَحْثِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ رَأَيْته رَجُلًا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى هَذَا الْعَمُودِ أَنَّهُ مِنْ ذَهَبٍ لَفَعَلَ فَيَكُونُ قَلْبُك وَاعْتِقَادُك مَعَ لِسَانِك مُجِلًّا لَهُمْ وَمُعَظِّمًا وَمُحْتَرِمًا وَإِنْ كُنْت قَدْ خَالَفْتَهُمْ بِالرُّجُوعِ إلَى إمَامِك فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ فَإِنَّك لَمْ تُخَالِفْهُمْ فِي أَكْثَرِ الْفُرُوعِ فَالْأُصُولُ قَدْ جَمَعَتْ الْجَمْعَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
أَلَا تَرَى إلَى جَوَابِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْخَلِيفَةِ لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْأَقَالِيمِ بِكِتَابِ الْمُوَطَّأِ وَبِالْأَمْرِ أَنْ لَا يَقْرَأَ أَحَدٌ إلَّا إيَّاهُ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ لَا تَفْعَلْ يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَفَرَّقُوا فِي الْأَقَالِيمِ ، وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ عَنْهُمْ .
فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَرْجَحُ عَلَى مُقْتَضَى الْأُصُولِ وَالنَّظَرِ فَلَمْ يَطْعَنْ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَعِبْهُ وَلَمْ يَقُلْ الْأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إلَى مَا رَأَيْته فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ يَتَأَسَّى بِهَذَا الْإِمَامِ فِي التَّسْلِيمِ لِمَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَحْكَامِ مَعَ اعْتِقَادِ الصَّوَابِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ دُونَ تَغْلِيطِ غَيْرِهِ أَوْ تَوْهِيمِهِ ثُمَّ يَمْشِي فِيمَا قَعَدَ إلَيْهِ عَلَى مَا جَلَسَ إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ التَّأَدُّبِ وَالِاحْتِرَامِ فَيَتَكَلَّمُ بِلُطْفٍ وَرِفْقٍ وَيَحْذَرُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ وَأَنْ يَنْزَعِجَ فَيُؤْذِيَ بَيْتَ رَبِّهِ إنْ كَانَ فِيهِ وَبِرَفْعِ صَوْتِهِ يَخْرُجُ عَنْ أَدَبِ الْعِلْمِ وَعَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَيُوقِعُ مَنْ جَالَسَهُ فِي ذَلِكَ لِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ وَكَذَا أَيْضًا يُحَذِّرُ أَنْ يَرْفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ مِنْ جُلَسَائِهِ فَإِنْ رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ نَهَاهُ بِرِفْقٍ وَأَخْبَرَهُ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ إذْ ذَاكَ فِيهِ مَحْذُورَاتٌ .
مِنْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْعِلْمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إنْكَارُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ وَمِنْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ فِيهِ ، وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ .
وَمِنْهَا قِلَّةُ الْأَدَبِ مَعَ الْعَالِمِ الَّذِي حَكَى مَذْهَبَهُ أَوْ كَلَامَهُ إذْ ذَاكَ وَإِنْ كَانُوا فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَذَاكَرُونَهُ أَوْ أَوْرَدُوهُ إذْ ذَاكَ شَاهِدًا لِمَسْأَلَتِهِمْ فَهُوَ أَعْظَمُ فِي النَّهْيِ وَأَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ فَيَقَعُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي حَبْطِ
الْعَمَلِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَيْنَ رَفْعِهِ عَلَى حَدِيثِهِ كَذَا قَالَ إمَامُ الْمُحَدِّثِينَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي الدَّرْسِ فَأُورِدَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ وَالتَّنْظِيرَاتُ أَنْ لَا يُجِيبَ أَحَدًا عَنْ مَسْأَلَتِهِ وَلْيَمْضِ فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ وَيُسْكِتُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يُسْكِتُهُ لِأَنَّ الْإِيرَادَ إذْ ذَاكَ يَخْلِطُ الْمَجْلِسَ وَلَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ فَيُبَيِّنُ هُوَ الْمَسْأَلَةَ لِنَفْسِهِ وَيُوَجِّهُهَا وَيَسْتَدِلُّ لَهَا وَيُورِدُ عَلَيْهَا وَيَعْتَرِضُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَنْظُرُهَا بِمَا يُشْبِهُهَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَمَا يَقْرَبُ مِنْهَا ثُمَّ يُفَرِّعُ عَلَيْهَا مَا يَحْتَمِلُ مِنْ التَّفْرِيعِ بَعْدَ حَلِّهِ أَوَّلًا لِلَفْظِ الْكِتَابِ وَتَبْيِينِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ صُورَةَ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لِجَمِيعِ مَنْ حَضَرَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ لِأَنَّ حَلَّ لَفْظِ الْكِتَابِ مَطْلُوبٌ مِنْ الْجَمِيعِ مِنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِمَّنْ يَحْفَظُ الْكِتَابَ وَمِمَّنْ لَا يَحْفَظُهُ ، وَهُوَ أَقَلُّ فَائِدَةَ حُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ فَذَلِكَ الَّذِي تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي فَهْمِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُحَصِّلُ الْجَمِيعَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَصِّلُ الْبَعْضَ عَلَى قَدْرِ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَهْمِ فَيَكُونُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ يَسِيرُ سَيْرَ الضَّعِيفِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
سِيرُوا بِسَيْرِ أَضْعَفِكُمْ فَإِذَا تَحَصَّلَ لِلضَّعِيفِ مَقْصُودُهُ ، وَهُوَ حَلُّ لَفْظِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ إلَى مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ يَتَدَرَّجُ بَعْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى مَا مَرَّ وَالتَّأَدُّبُ وَحُسْنُ السَّمْتِ وَالْوَقَارُ مُسْتَصْحَبٌ مَعَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِذَا فَرَغَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَالْبَيَانِ فَلْيُعْطِ إذْ ذَاكَ سَكْتَةً وَيُعْلِمْ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الْكَلَامَ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيُورِدْهُ الْآنَ فَإِذَا كَانَ
بَقِيَ شَيْءٌ أَوْرَدُوهُ إذْ ذَاكَ فَيَتَنَبَّهُ الشَّيْخُ إلَيْهِ فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ وَالْغَائِبُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إذْ ذَاكَ لِأَحَدٍ مَا يَقُولُ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُرِيدُ الْقَائِلُ أَنْ يَقُولَ إذَا سَكَتَ لِآخَرِ الْمَجْلِسِ يَجِدُ الشَّيْخَ قَدْ أَوْرَدَهُ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَبَيَّنَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ شَتَّ عَنْهُ فَيَسْتَدْرِكُ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ جَوَابِ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ وَبَيَانِهِ فَلْيَقْرَأْ الْقَارِئُ إذْ ذَاكَ ثُمَّ يَمْشِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ تَبَيَّنَتْ الْمَسَائِلُ لِكُلِّ الْحَاضِرِينَ وَانْتَفَعُوا ، وَقَدْ يَقْطَعُونَ الْكِتَابَ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِخِلَافِ أَنْ لَوْ بَقِيَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ فِي أَوَّلِ الْإِقْرَاءِ إذْ لِكُلِّ وَاحِدٍ إيرَادٌ وَسُؤَالٌ وَغَرَضٌ قَدْ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ جَوَابِ الْبَعْضِ إلَّا ، وَقَدْ طَالَ الْمَجْلِسُ وَثَقُلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ وَلَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ فَائِدَةٌ فَإِذَا سَكَتُوا إلَى أَنْ يَفْرُغَ كَلَامُ الشَّيْخِ انْتَفَعَ الْجَمِيعُ وَقَلَّ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ إشْكَالٌ أَوْ سُؤَالٌ لِأَنَّ الشَّيْخَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْمَجْلِسِ ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِوَظِيفَتِهِ فَقَدْ نَظَرَ إلَيْهِ وَحَصَّلَ مَا لَمْ يُحَصِّلْ غَيْرُهُ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا إذَا أُورِدَتْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ أَنْ لَا يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ صَاحِبُ السُّؤَالِ بِكَلَامِهِ إلَى آخِرِهِ أَوْ الْمُعْتَرِضُ بِاعْتِرَاضِهِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ بِآخِرِهِ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي حَقِّ مَنْ جَالَسَهُ أَنْ لَا يُجِيبُوا عَنْ الْمَسَائِلِ حَتَّى يَفْرُغَ مَنْ يُلْقِيهَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ .
وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا الْيَوْمَ تَجِدُ أَحَدَ الطَّلَبَةِ يُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةٍ أَوْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهَا أَوْ يُعَارِضَهَا أَوْ يَنْظُرَ بِهَا أَوْ يَسْتَدِلَّ لَهَا فَيُقْطَعُ الْكَلَامُ فِي فَمِهِ ، وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَنْطِقْ مِنْهُ إلَّا بِشَيْءٍ مَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَسْرِقُ مِنْهُ بَعْضُ النَّاسِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ فَيُقْطَعُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَيَسْتَبِدُّ هُوَ بِالْجَوَابِ أَوْ إلْقَاءِ الْمَسْأَلَةِ لِنَفْسِهِ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَجُوزُ وَأَصْلُهُ الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَالْمُبَاهَاةُ وَالْفَخْرُ وَمَحَبَّةُ النَّقْلِ عَنْهُ وَمَحَبَّةُ الظُّهُورِ عَلَى الْأَقْرَانِ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَدْرَكْت النَّاسَ وَهُمْ يَتَعَلَّمُونَ السُّكُوتَ ثُمَّ هُمْ الْيَوْمَ يَتَعَلَّمُونَ الْكَلَامَ انْتَهَى .
فَيَحْذَرُ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ فَإِنْ وَقَعَ امْتَثَلَ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّغْيِيرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَأْتُونَ بِالْمَسَائِلِ الْعَظِيمَةِ وَالْفَوَائِدِ النَّفِيسَةِ وَلَا يُرِيدُونَ أَنْ تُنْسَبَ إلَيْهِمْ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فَكَانُوا مِنْ ذَلِكَ بُرَآءَ لِشِدَّةِ إخْلَاصِهِمْ وَمُرَاقَبَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ .
، وَقَدْ قَالَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَدِدْت أَنَّ النَّاسَ انْتَفَعُوا بِهَذَا الْعِلْمِ وَلَا يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَقَالَ أَيْضًا رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ مَا نَاظَرْت أَحَدًا قَطُّ فَأَحْبَبْت أَنْ يُخْطِئَ ، وَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَلَّمْت أَحَدًا قَطُّ إلَّا أَحْبَبْت أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ وَتَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى .
وَنَحْنُ الْيَوْمَ مَعَ قِلَّةِ الْإِخْلَاصِ وَقِلَّةِ الْيَقِينِ وَالْجَزَعِ مِنْ الْخَلْقِ وَالطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ نُحِبُّ أَنْ يُسْمَعَ مَا نُلْقِيهِ وَيُخْبَرُ عَنَّا بِهِ وَيُشَاعُ وَيُذَاعُ كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ الْمُوَاطَأَةُ لِبَعْضِنَا بَعْضًا فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ حِينَ جُلُوسِهِ يَعْمَلُ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَتَنَبَّهُ فِي نَفْسِهِ لَهَا وَيُنَبِّهُ أَصْحَابَهُ عَلَيْهَا انْحَسَمَتْ وَقَلَّ أَنْ يَقَعَ فِي مَجْلِسِهِ خَلَلٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجْحَدَ ضَرُورَةً وَأَنْ لَا يَنْزَعِجَ عِنْدَ إيرَادِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا وَالْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ بِهَا لِأَنَّ الِانْزِعَاجَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْعُلَمَاءِ وَلَا مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَكَذَلِكَ جَحْدُ الْحَقِّ لَيْسَ مِنْ شِيَمِهِمْ بَلْ مِنْ شِيَمِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا أَيْضًا فِي نَفْسِهِ وَفِي مَجْلِسِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ حِينَ جُلُوسِهِ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ عَلَى لِسَانِ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ قَبْلَهُ وَيَسَّرَ بِهِ وَلَا يَخْتَارُ بِنِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالصَّوَابِ فِي كُلِّ دَرْسِهِ لَيْسَ إلَّا بَلْ يَخْتَارُ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ وَلَا يُعَيِّنُ جِهَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ انْتَهَى وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَأْخُذُ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَنْ يَعْرِفُهُ فَكَيْفَ يَأْخُذُ بِهِ مَنْ يَجْهَلُهُ بَلْ النَّاسُ مُطَالَبُونَ بِتَصَرُّفِ هَذَا الْعَالِمِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَكَمَا لَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُحِبُّ لَهَا أَنْ تَتَكَلَّمَ إلَّا بِالْحَقِّ وَالصَّوَابِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَيَمْتَثِلُ هَذَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيُرْشِدُ غَيْرَهُ إلَيْهِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنَّ يَتَفَقَّدَ إخْوَانَهُ وَجُلَسَاءَهُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ وَالْفُرُوعِ بِمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ وَالْعَمَلِ بِهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا وَمَعْرِفَةِ فَضْلِهَا وَعُلُوِّ قَدْرِهَا ، وَقَدْرِ مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا وَيَتْبَعُهَا وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْبِدْعَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا وَمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنْ الْمَقْتِ لِفَاعِلِهَا فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ الْيَوْمَ هُوَ الْأَصْلُ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ لِأَنَّا نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ طَلَبَةِ هَذَا الزَّمَانِ يَقْعُدُونَ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ صِغَارٌ مِمَّ يَشِيبُونَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنْ حُضُورِ الْمَجَالِسِ وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ مِنْهُمْ مَنْ إذَا ذَكَرْت لَهُ سُنَّةً أَوْ بِدْعَةً يَعْرِفُهَا أَوْ يَتَنَبَّهُ لَهَا لِمَا قَدْ تَرَبَّى عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ هَذَا الْفَنِّ إلَّا قَوْلَهُ إنْ كَانَ حَاذِقًا نَبِيهًا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى كَذَا وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى كَذَا ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَذَا ، وَقَالَ الرَّبِيعُ كَذَا فَيَبْحَثُ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ وَلَا يَعْرِفُ غَيْرَ ذَلِكَ وَهَذَا قُبْحٌ عَظِيمٌ شَنِيعٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْمَنْسُوبَةُ لِلْعُلَمَاءِ تَسْأَلُ أَحَدَهُمْ عَنْ السُّنَّةِ فِي بَعْضِ تَصَرُّفِهِ لَا يَعْرِفُهَا أَوْ بِدْعَةٍ فِي زَمَانِهِ لَا يَعْلَمُهَا بَلْ يَحْتَاجُ عَلَى جَوَازِهَا لِأَجْلِ الْعَوَائِدِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا نَبَّهَهُمْ عَلَى مَا ذُكِرَ تَيْقَظُوا لِلسُّنَّةِ فِي تَصَرُّفِهِمْ فَأَحَبُّوهَا وَتَنَبَّهُوا لِلْبِدْعَةِ فَأَبْغَضُوهَا وَهَذَا الْيَوْمَ مُتَعَيِّنٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَسْأَلَةٍ فَكَيْفَ بِهَذَا الْعَالِمِ الَّذِي قَعَدَ يُعَلِّمُ الْأَحْكَامَ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ فَإِذَا تَكَلَّمَ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ عُرِفَتْ السُّنَّةُ إذْ ذَاكَ مِنْهُ وَعُرِفَتْ الْبِدْعَةُ وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ أَنْ يَبْقَى كُلُّ مَنْ حَضَرَ يَعْلَمُ مِنْ أَيِّ قِسْمٍ هُوَ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ يَتَصَرَّفُ وَهَلْ هُوَ فِي سُنَّةٍ أَوْ فِي بِدْعَةٍ وَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ
لِبَقَاءِ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ نَظِيفًا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ غَيْرُ مَا هُوَ فِيهِ فَتَزُولُ بِسَبَبِهِ هَذِهِ الثُّلْمَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا فِي زَمَانِنَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي تُنْسَبُ إلَى أَنَّهَا مِنْ السُّنَّةِ فَإِذَا نَبَّهَ عَلَيْهَا هَذَا الْعَالِمُ عُرِفَتْ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ يَتْبَعُ وَيَمْتَثِلُ لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ وَإِنْ عُدِمَ فِي بَعْضِهِمْ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي آخَرِينَ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا إذَا قَعَدَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى لِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ رَبِّهِ وَتَعْلِيمِهَا لَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ ثُمَّ قَعَدَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ نُودِيَ فِي السَّمَوَاتِ عَظِيمًا أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَيَنْفِي عَنْهُ الشَّوَائِبَ مَا اسْتَطَاعَ جَهْدَهُ وَهَذَا الَّذِي يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ .
أَمَّا مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ فَلَيْسَ هُوَ مُكَلَّفًا بِأَنْ لَا يَقَعَ إنَّمَا عَلَيْهِ إذَا وَقَعَ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَيُبْغِضُهُ لِأَنَّ تَكْلِيفَ أَنْ لَا يَقَعَ مِمَّا لَا يُطَاقُ ، وَقَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَا يَقْعُدُ لَأَنْ يَرْأَسَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ يُقَالَ فُلَانٌ مُدَرِّسٌ أَوْ مُفِيدٌ أَوْ يَبْحَثُ أَوْ نَبِيهٌ أَوْ حَاذِقٌ أَوْ صَاحِبُ فَهْمٍ مَعَ أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ هَذَا الْيَوْمَ لِكَثْرَةِ تَغَالِيهِمْ فِي الشَّخْصِ فَإِذَا رَأَوْا أَحَدًا يَتَكَلَّمُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى مَا يَنْبَغِي قَالُوا عَنْهُ مُجْتَهِدٌ هَذَا الشَّافِعِيُّ الصَّغِيرُ هَذَا مَالِكٌ الصَّغِيرُ وَانْسَاغَ لَهُ ذَلِكَ وَمَوَّهَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَحَسِبَ أَنَّهُ كَمَا قَالُوا فَيَكُونُ مِثْلُهُ إذْ ذَاكَ كَمَا قَالُوا مِثْلَ نَائِمٍ يَرَى فِي نَوْمِهِ مَا يَسُرُّهُ وَيُعْجِبُهُ فَيَفْرَحُ بِهِ وَيُخَيَّلُ لَهُ أَنَّهُ حَقٌّ ثُمَّ يَنْتَبِهُ فَلَا يَجِدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ حَالُ هَذَا سَوَاءٌ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ النَّاسُ بِمَا تَكَلَّمُوا بِهِ حَسِبَ نَفْسَهُ إذْ ذَاكَ كَمَا قَالُوا هَذَا ضَرْبٌ مِنْ الْحِلْمِ فَلَوْ تَيَقَّظَ مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ وَالْغَفْلَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا أَوْ نَظَرَ إلَى مَا مَيَّزَ اللَّهُ بِهِ مَالِكًا وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْفَهْمِ الْعَظِيمِ وَالتَّقْوَى الْمَتِينَةِ لَتَلَاشَى عِلْمُهُ إذْ ذَاكَ وَفَهْمُهُ وَتَقْوَاهُ وَيَجِدُ نَفْسَهُ كَمَا قَالَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ رَأَى بَعْضَ
الْعُلَمَاءِ بِجَامِعِ مِصْرَ ، وَهُوَ يَقُولُ قَالَ مَالِكٌ كَذَا ، وَهُوَ خَطَأٌ وَذَهَبَ مَالِكٌ لِكَذَا ، وَهُوَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ كَذَا فَقَالَ مَا أَرَى هَذَا إلَّا مِثْلَ رَجُلٍ جَاءَ إلَى الْبَحْرِ فَرَأَى أَمْوَاجَهُ وَعَجِيجَهُ فَجَاءَ إلَى جَانِبِهِ فَبَالَ بَوْلَةً ، وَقَالَ هَذَا بَحْرٌ آخَرَ انْتَهَى فَكَذَلِكَ هَذَا يَجِدُ نَفْسَهُ سَوَاءً أَوْ أَعْظَمَ فَإِذَا تَيَقَّظَ مِنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِ لِكَثْرَةِ مَا يَجِدُ عِنْدَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ الْفَضَائِلِ تَلَاشَى مَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ وَرَأَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ التَّقْصِيرِ وَالْجُمُودِ وَارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي فِي عِلْمِهِ وَتَصَرُّفِهِ
( فَصْلٌ ) فِي ذِكْرِ النُّعُوتِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهَا كَبِيرٌ أَوْ صَغِيرٌ وَهِيَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْقَرِيبَةِ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى ، بَلْ هِيَ مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، وَهِيَ فُلَانُ الدِّينِ وَفُلَانُ الدِّينِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَتَحَفَّظُ نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَيَذُبُّ عَنْ السُّنَّةِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَهُوَ الْآنَ رَاعٍ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَهُ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَإِذَا نَطَقَ أَحَدٌ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ نَهَاهُ بِرِفْقٍ وَتَلَطَّفَ بِهِ فِي التَّعْلِيمِ ، وَنَبَّهَهُ بِمَا وَرَدَ فِي التَّزْكِيَةِ مِنْ النَّهْيِ .
وَكَذَلِكَ إذَا نَادَاهُ أَحَدٌ بِهَذَا الِاسْمِ فَيُعَلِّمُهُ كَمَا ذُكِرَ ، وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَجْلِسِ أَنْ لَا يَسْتَجِيبَ لِمَنْ نَادَاهُ بِهَذَا الِاسْمِ حَتَّى يُنَادِيَهُ بِالِاسْمِ الْمَشْرُوعِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَجْلِسَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ خُصُوصًا التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ وَالتَّعْلِيمُ بِالرِّفْقِ ؛ لِأَنَّهُ لِذَلِكَ قَعَدَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ فِيهَا مِنْ التَّزْكِيَةِ مَا فِيهَا فَيَقَعُ بِسَبَبِهَا فِي الْمُخَالَفَةِ بِدَلِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وقَوْله تَعَالَى أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إثْمًا مُبِينًا وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُزَكُّوا عَلَى اللَّهِ أَحَدًا وَلَكِنْ قُولُوا إخَالُهُ كَذَا وَأَظُنُّهُ كَذَا .
وَأَمَّا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ أَسْمَاءِ
اللَّهِ الْحُسْنَى ، فَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَزْكِيَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ ثُمَّ قَالَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مَا قَدْ كَثُرَ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ وَالْعَجَمِ مِنْ نَعَتْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَةَ وَالثَّنَاءَ كَزَكِيِّ الدِّينِ وَمُحْيِي الدِّينِ وَعَلَمِ الدِّينِ وَشَبَهِ ذَلِكَ انْتَهَى .
فَإِذَا نَادَاكَ مُنَادٍ بِهَذَا الِاسْمِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَنْبَغِي لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَكَّى الْغَيْرَ وَهُوَ مَوْضِعُ النَّهْيِ وَأَنْتَ إذَا اسْتَحْبَبْتَ لَهُ صِرْت مِثْلَهُ لِمَا تَقَدَّمَ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ ، وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَمِنْهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صَادِقًا وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَاذِبًا .
وَقَدْ سُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيَسْرِقُ الْمُؤْمِنُ ؟ قَالَ : قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ ، قِيلَ : أَيَزْنِي الْمُؤْمِنُ ؟ قَالَ : قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ ، قِيلَ : أَيَكْذِبُ الْمُؤْمِنُ قَالَ : إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَا انْتَهَى .
وَقَدْ
قَالَ تَعَالَى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَقَدْ وَرَدَ فِيمَنْ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إمْسَاكِهَا فَأَرَاهَا الْمِخْلَاةَ فَتَأْتِي عَلَى أَنَّ الْعَلَفَ فِيهَا فَيُمْسِكُهَا أَنَّهَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ كَذْبَةٌ يُحَاسَبُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ صِيَانَتِهِ .
أَلَا تَرَى إلَى الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ رَحَلَ مِنْ بِلَادِهِ إلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ لِيَسْمَعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ فَلَمَّا أَنْ جَلَسَ عِنْدَهُ جَاءَ صَغِيرٌ لِيَقَعَ مِنْ مَوْضِعٍ فَقَبَضَ الشَّيْخُ يَدَهُ لِكَيْ يَظُنَّ الصَّبِيُّ أَنْ فِي يَدِهِ شَيْئًا يُعْطِيهِ إيَّاهُ لِيَأْتِيَ فَيَأْخُذُ مَا فِيهَا ، فَقَامَ الْبُخَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَرَكَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ كَذِبًا وَقَدْحًا فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، فَإِذَا قَالَ مَثَلًا مُحْيِي الدِّينِ أَوْ زَكِيُّ الدِّينِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَيُقَالُ لَهُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَحْيَا الدِّينَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي زَكَّى الدِّينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ إذْ ذَاكَ حِينَ السُّؤَالِ بَلْ حِينَ أَخْذِهِ صَحِيفَتَهُ فَيَجِدُهَا مَشْحُونَةً بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّزْكِيَةِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي مَعْنَى الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ هَلْ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ يَكْتُبُونَ كُلَّ مَا يَتَلَفَّظُ بِهِ الشَّخْصُ الْمُكَلَّفُ كَانَ مَا كَانَ أَوْ لَا يَكْتُبُونَ إلَّا مَا تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ .
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ بِسَبِيلِهَا إذْ أَنَّهَا احْتَوَتْ عَلَى أَشْيَاءَ مَذْمُومَةٍ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، وَهِيَ تَزْكِيَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَتَزْكِيَتُهُ لِغَيْرِهِ وَالْكَذِبُ وَمُخَالَفَةُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّا
لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَلَوْ وَقَفَ أَمْرُنَا عَلَى هَذَا لَكَانَ قَرِيبًا أَنْ لَوْ كَانَ سَائِغًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا كَذِبًا وَتَزْكِيَةً يُرْجَى لِأَحَدِنَا التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ وَلَكِنْ زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرَ الْمَخُوفَ وَهُوَ أَنَّا نَرَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِحَسَبِ مَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا مِنْ أَنَّ النَّاسَ إذَا خُوطِبُوا بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ تَشَوَّشُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَتَوَلَّدَتْ الشَّحْنَاءُ وَالْبَغْضَاءُ فَوَضَعْنَا لَهُمْ التَّزْكِيَةَ الْخَالِصَةَ حَتَّى لَا يَتَشَوَّشُوا وَلَا تَتَوَلَّدُ الْبَغْضَاءُ وَلَا الْعَدَاوَةُ ، لَا جَرَمَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَالشَّحْنَاءَ قَدْ كَمَنَتْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَحَصَلَ مِنْهَا أَوْفَرُ نَصِيبٍ ، كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ فَبَقِيَتْ الْبَوَاطِنُ مُتَنَافِرَةً مَعَ الْأَذْهَانِ فِي الظَّاهِرِ ، فَأَدَّتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ إلَى الْأَمْرِ الْمَخُوفِ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْمُنَافِقِ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ وَمُعْتَقَدُهُ خِلَافَ ظَاهِرِهِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ تَجُوزُ لَمَا كَانَ أَحَدٌ أَوْلَى بِهَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَنَّهُمْ شُمُوسُ الْهُدَى وَأَنْوَارُ الظُّلَمِ وَهُمْ أَنْصَارُ الدِّينِ حَقًّا كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ .
أَلَا تَرَى إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّاتِي اخْتَارَهُنَّ اللَّهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاصْطَفَاهُنَّ لِمَا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا فِيهِنَّ مِنْ الشِّيَمِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَحْوَالِ الْعَالِيَةِ الْمُرْضِيَةِ لَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِزَيْنَبِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ لَهَا : مَا اسْمُكِ فَقَالَتْ : بَرَّةُ فَكَرِهَ ذَلِكَ الِاسْمَ وَقَالَ لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ .
لِمَا فِيهِ مِنْ اشْتِقَاقِ اسْمِ الْبِرِّ ، وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهَا مَا
اُخْتِيرَتْ لِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إلَّا وَفِيهَا مِنْ الْبِرِّ بِحَيْثُ الْمُنْتَهَى ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَرِهَ ذَلِكَ الِاسْمَ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنْ التَّزْكِيَةِ فَجَدَّدَ اسْمَهَا زَيْنَبَ ، وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدَّدَ اسْمَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَسَمَّاهَا جُوَيْرِيَةَ ، فَإِذَا كَرِهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ فِيهِ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَنَهَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ فَمَا بَالُك بِأَحْوَالِنَا الْيَوْمَ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ ، فَقَالَ : إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِحُكْمِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا فَمَا لَكَ مِنْ الْوَلَدِ ، فَقَالَ : لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ ، قَالَ : شُرَيْحٌ ، قَالَ : فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ .
، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّمَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مَجَازٌ لَا عِبْرَةَ بِهَا ، وَقَدْ صَارَتْ أَيْضًا كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ حَتَّى لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ إلَّا بِهَا فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ بَابِ التَّزْكِيَةِ إلَى بَابِ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ كَالْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يَرُدُّهُ مَا نُشَاهِدُهُ فِي الْوُجُودِ مُبَاشَرَةً ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا إذَا قِيلَ لَهُ اسْمُهُ الْعَلَمُ الشَّرْعِيُّ كَالْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ تَشَوَّشَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ نَادَاهُ بِذَلِكَ وَوَجَدَ عَلَيْهِ الْحَنَقَ لِكَوْنِهِ تَرَكَ ذَلِكَ الِاسْمَ وَعَدَلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَهَذَا يُوَضِّحُ وَيُبَيِّنُ
أَنَّ التَّزْكِيَةَ بَاقِيَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَأَنَّهَا لَمْ تَبْرَحْ وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مَوْضِعِهَا الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْكَذِبُ وَالتَّزْكِيَةُ لَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مَا ظَهَرَتْ إلَّا مِنْ قِبَلِهِمْ ، وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى وَالدِّينِ يَقُولُ : إنَّهُ أَدْرَكَ أَبَاهُ وَمَنْ كَانَ فِي سِنِّهِ لَا يَتَسَمَّوْنَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَا يَعْرِفُونَهَا .
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ التُّرْكَ لَمَّا تَغَلَّبُوا عَلَى الْخِلَافَةِ تَسَمَّوْا إذْ ذَاكَ هَذَا شَمْسُ الدَّوْلَةِ ، وَهَذَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ ، وَهَذَا نَجْمُ الدَّوْلَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَتَشَوَّفَتْ نُفُوسُ بَعْضِ الْعَوَامّ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ إلَى تِلْكَ الْأَسْمَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْفَخْرِ ، فَلَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إلَيْهَا لِأَجْلِ عَدَمِ دُخُولِهِمْ فِي الدَّوْلَةِ فَرَجَعُوا إلَى أَمْرِ الدَّيْنِ ، فَكَانُوا فِي أَوَّلِ مَا حَدَثَتْ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ مَوْلُودٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُكَنِّيَهُ لِفُلَانِ الدِّينِ إلَّا بِأَمْرٍ يَخْرُجُ مِنْ جِهَةِ السَّلْطَنَةِ فَكَانُوا يُعْطُونَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْوَالَ حَتَّى يُسَمَّى وَلَدُ أَحَدِهِمْ بِفُلَانِ الدِّينِ ، فَلَمَّا أَنْ طَالَ الْمَدَى وَصَارَ الْأَمْرُ إلَى التُّرْكِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ بِالدَّوْلَةِ مَعْنًى إذْ أَنَّهَا قَدْ حَصَلَتْ لَهُمْ فَانْتَقَلُوا إلَى الدَّيْنِ ، ثُمَّ فَشَا الْأَمْرُ وَزَادَ حَتَّى رَجَعُوا يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ يُعْطُونَهُ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا عَمَلَ ، ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ مُتَعَارَفًا مُتَعَاهَدًا حَتَّى أَنِسَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَتَوَاطَئُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
كَانَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِالْعَالِمِ وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ فَصَارَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُحْدِثَ
الْأَعَاجِمُ ، وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ شَيْئًا فَيُقْتَدَى بِالْعَالِمِ وَبِهِمْ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَكْسِ الْأُمُورِ وَانْقِلَابِ الْحَقَائِقِ .
أَلَا تَرَى إلَى الْإِمَامِ الْحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَرْضَ قَطُّ بِهَذَا الِاسْمِ وَكَانَ يَكْرَهُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ وَصَحَّ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : إنِّي لَا أَجْعَلُ أَحَدًا فِي حِلٍّ مِمَّنْ يُسَمِّينِي بِمُحْيِي الدَّيْنِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ إذَا حَكَى شَيْئًا عَنْ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ قَالَ يَحْيَى النَّوَوِيُّ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إنَّا نَكْرَهُ أَنْ نُسَمِّيَهُ بِاسْمٍ كَانَ يَكْرَهُهُ فِي حَيَاتِهِ .
فَعَلَى هَذَا فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ إنَّمَا وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ تَفَعُّلًا وَهُمْ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَسَمَّى الرَّجُلُ بِيَاسِينَ وَلَا بِجِبْرِيلَ وَلَا بِمُهْدٍ .
قِيلَ فَالْهَادِي قَالَ هَذَا أَقْرَبُ ؛ لِأَنَّ الْهَادِيَ هَادِي الطَّرِيقِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ حَرْبٍ وَمُرَّةٍ وَجَمْرَةٍ وَحَنْظَلَةٍ انْتَهَى .
ثُمَّ الْعَجَبُ مِمَّنْ يَتَسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فِي كَوْنِهِمْ أَكْثَرُوا النَّكِيرَ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَخْذِهِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي ، ثُمَّ إنَّهُمْ اقْتَدُوا فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِمَنْ أَحْدَثَهَا فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ وَلَيْسُوا بِالْمَدِينَةِ بَلْ بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعَمَلُ أَثْبُتُ مِنْ الْأَحَادِيثِ قَالَ : مَنْ اقْتَدَى بِهِ وَإِنَّهُ لَضَعِيفٌ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ .
وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ التَّابِعِينَ تَبْلُغُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ الْأَحَادِيثُ فَيَقُولُونَ مَا نَجْهَلُ هَذَا وَلَكِنْ مَضَى الْعَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ .
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ جَرِيرٍ رُبَّمَا قَالَ لَهُ أَخُوهُ لِمَ لَمْ تَقْضِ بِحَدِيثِ كَذَا فَيَقُولُ : لَمْ أَجِدْ النَّاسَ عَلَيْهِ قَالَ النَّخَعِيُّ لَوْ رَأَيْت الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَوَضَّئُونَ إلَى الْكُوعَيْنِ مَا تَوَضَّأْتُ كَذَلِكَ وَأَنَا أَقْرَؤُهَا إلَى الْمَرَافِقِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يُتَّهَمُونَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَهُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ وَهُمْ أَحْرَصُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَظُنُّ ذَلِكَ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا ذُو رِيبَةٍ فِي دِينِهِ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ السُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ سُنَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ الْحَدِيثُ مَضَلَّةٌ إلَّا لِلْفُقَهَاءِ يُرِيدُ أَنَّ غَيْرَهُمْ قَدْ يَحْمِلُ الشَّيْءَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَهُ تَأْوِيلٌ مِنْ حَدِيثٍ غَيْرِهِ أَوْ دَلِيلٌ يَخْفَى عَلَيْهِ أَوْ مَتْرُوكٌ أَوْجَبَ تَرْكَهُ غَيْرُ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَقُومُ بِهِ
إلَّا مَنْ اسْتَبْحَرَ وَتَفَقَّهَ .
قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِنَّمَا فَسَدَتْ الْأَشْيَاءُ حِينَ تَعَدَّى بِهَا مَنَازِلُهَا وَلَيْسَ هَذَا الْجَدَلُ مِنْ الدَّيْنِ بِشَيْءٍ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ ، وَمِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْأَمْرِ الْمَاضِي الْمَعْرُوفِ الْمَعْمُولِ بِهِ .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى مَكِيدَةِ الشَّيْطَانِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَمَا أَوْقَعَ فِيهَا مِنْ سُمِّهِ السَّمُومِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ نَبِيٍّ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَيْهِمْ مَلَكَا يُقَدِّسُهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ انْتَهَى .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَيُوقِفُ الْعَبْدَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اسْمُهُ أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ قَالَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ : عَبْدِي أَمَا اسْتَحَيْتَ مِنِّي وَأَنْتَ تَعْصِينِي وَاسْمُك اسْمُ حَبِيبِي مُحَمَّدٍ فَيُنَكِّسُ الْعَبْدُ رَأْسَهُ حَيَاءً وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ فَعَلْت فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا جِبْرِيلُ خُذْ بِيَدِ عَبْدِي وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ ، فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أُعَذِّبَ بِالنَّارِ مَنْ اسْمُهُ اسْمُ حَبِيبِي .
فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْعِنَايَةُ الْعُظْمَى فِي اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ فَكَيْفَ بِهَا فِي اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَفَى بِهَا بَرَكَةً أَنَّهُمْ يَنْطِقُونَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَوْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَتَعُودُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتُهُ ، فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ هَذِهِ
الْبَرَكَةَ وَعُمُومَهَا أَرَادَ أَنْ يُزِيلَهَا عَنْهُمْ بِعَادَتِهِ الذَّمِيمَةِ وَشَيْطَنَتِهِ الْكَمِينَةِ فَلَمْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُزِيلَهَا إلَّا بِضِدِّهَا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالضِّدِّ ، ثُمَّ إنَّهُ لَا يَأْتِي لِأَحَدٍ إلَّا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ الْغَالِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ وَالرِّيَاسَةِ أَبْدَلَ لَهُمْ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ الْمُبَارَكَةَ بِمَا فِيهِ ذَلِكَ نَحْوَ عِزِّ الدَّيْنِ وَشَمْسِ الدَّيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عُلِمَ ، فَنَزَّلَ التَّزْكِيَةَ مَوْضِعَ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْمُبَارَكَةِ ، وَلَمَّا أَنْ كَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ التَّوَاضُعُ وَتَرْكُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ أَتَى لِبَعْضِهِمْ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْبَلُونَهُ مِنْهُ فَأَوْقَعَهُمْ فِي الْأَلْقَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالُوا لِمُحَمَّدٍ حَمُّو ، وَلِأَحْمَدَ حَمْدُوسٌ ، وَلِيُوسُفَ يَسْوَ وَلِعَبْدِ الرَّحْمَن رَحْمُو إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ مُتَعَارَفٌ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْطَى لِكُلِّ إقْلِيمٍ الشَّيْءَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْبَلُونَهُ مِنْهُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ هَذَا فَكَيْفَ يُتَّبَعُ أَوْ كَيْفَ يُرْجَعُ إلَيْهِ هَذَا إذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ التَّزْكِيَةِ وَالْكَذِبِ فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِهِمَا وَالْعَالِمُ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ أَنْ يَنْصَحَ نَفْسَهُ وَيَنْصَحَ جُلَسَاءَهُ وَإِخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ بِإِظْهَارِ سُنَّةٍ وَالْإِرْشَادِ إلَيْهَا وَإِخْمَادِ بِدْعَةٍ وَالنَّهْيِ عَنْهَا وَالتَّهَاوُنِ بِهَا .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَائِدَةِ إلَّا مَعْرِفَةُ الذُّنُوبِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَغْتَنِمَ مَا سِيقَ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ الشَّامِلَةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ حَصَلَ لَهُ إذْ ذَلِكَ وَصَارَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ لَهُ بِهَذَا وَالْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ الْعَشَرَةُ رِضْوَانُ
اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَهْلُ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ مَا جَاءَ مِنْ الْأَفْرَادِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، ثُمَّ هَذَا الْعَالِمُ الْمَذْكُورُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ فَكَأَنَّمَا أَحْيَانِي وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ وَأَيُّ غَنِيمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ مَشْهُودًا لَهُ بِالْجَنَّةِ ، وَهُوَ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْعَجِيبِ .
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِينَنَا عَلَى مَا يَقْرَبُنَا إلَيْهِ بِمَنِّهِ .
وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى كُنَى الرِّجَالِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ الْكَلَامِ فِي نُعُوتِ النِّسَاءِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ .
( فَصْلٌ ) فِي اللِّبَاسِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ وَفِيمَنْ يُجَالِسُهُ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فِي تَفْصِيلِ ثِيَابِهِ مِنْ طُولِ هَذَا الْكُمِّ وَالِاتِّسَاعِ وَالْكِبَرِ الْخَارِقِ الْخَارِجِ عَنْ عَادَةِ النَّاسِ ، فَيَخْرُجُونَ بِهِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَيَقَعُونَ بِسَبَبِهِ فِي الْمَحْذُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ كُمَّ بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ الْيَوْمَ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفَصِّلُ مِنْ ذَلِكَ الْكُمِّ ثَوْبًا لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إزْرَةُ الْمُسْلِمِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَزِيدُ فِي ثَوْبِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ إذْ أَنَّ مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ بِهِ حَاجَةٌ فَمَنَعَهُ مِنْهُ وَأَبَاحَ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ ، فَلَهَا أَنْ تَجُرَّ مِرْطَهَا خَلْفَهَا شِبْرًا أَوْ ذِرَاعًا لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ ، وَهِيَ التَّسَتُّرُ وَالْإِبْلَاغُ فِيهِ إذْ أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ وَذَلِكَ فِيهَا بِخِلَافِ الرِّجَالِ .
وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ سِعَةَ الثَّوْبِ وَطُولَهُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ .
وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفِهْرِيُّ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ سِرَاجِ الْمُلْكِ وَالْخُلَفَاءِ لَهُ قَالَ : وَلَمَّا دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ سَيِّدُ الْعِبَادِ فِي زَمَانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ
وَكَانَ ثَوْبُهُ إلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ قَالَ لَهُ بِلَالٌ مَا هَذِهِ الشُّهْرَةُ يَا ابْنَ وَاسِعٍ فَقَالَ لَهُ ابْنُ وَاسِعٍ أَنْتُمْ شَهَرْتُمُونَا هَكَذَا كَانَ لِبَاسُ مَنْ مَضَى وَإِنَّمَا أَنْتُمْ طَوَّلْتُمْ ذُيُولَكُمْ فَصَارَتْ السُّنَّةُ بَيْنَكُمْ بِدْعَةً وَشُهْرَةً انْتَهَى .
فَتَوْسِيعُ الثَّوْبِ وَكِبَرُهُ وَتَوْسِيعُ الْكُمِّ وَكِبَرُهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ بِهِ حَاجَةٌ فَيُمْنَعُ مِثْلُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَإِنْ كَانَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ لَكِنْ تَصَرُّفًا غَيْرَ تَامٍّ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمِلْكَ التَّامَّ ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَوَاضِعَ وَمَنَعَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَوَاضِعَ ، فَالْمَالُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ هُوَ مَالُهُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي يَدِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى أَنْ يَصْرِفَهُ فِي كَذَا وَلَا يَصْرِفُهُ فِي كَذَا ، وَهَذَا بَيِّنٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ أَحَدُهُمْ مَالِي مَالِي وَلَيْسَ لَك مِنْ مَالِكَ إلَّا مَا أَكَلْت فَأَفْنَيْتَ وَمَا لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ وَمَا تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ يَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى مَعَهُ عَمَلُهُ أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ عَبْدٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ تَصَرُّفِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ الْمَالَ إلَّا حَيْثُ أُجِيزَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ إذْ أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيمَا لَا يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ وَمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ صِفَةِ الِاتِّسَاعِ وَالْكِبَرِ فِي الثِّيَابِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ إذْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِهِ حَاجَةٌ فَيُمْنَعُ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ لَبِسَ ثَوْبًا فَوَجَدَ كُمَّهُ يَزِيدُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ
فَطَلَبَ شَيْئًا يَقْطَعُهُ بِهِ فَلَمْ يَجِدْ فَأَخَذَ حَجَرًا وَأَلْقَى كُمَّهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَجَعَلَ يَرُضُّهُ بِهِ حَتَّى قَطَعَ مَا فَضَلَ عَنْ أَصَابِعِهِ ، ثُمَّ تَرَكَهُ كَذَلِكَ مُدَلًّى حَتَّى خَرَجَتْ الْخُيُوطُ مِنْهُ وَتَدَلَّتْ فَقِيلَ لَهُ فِي خِيَاطَتِهِ فَقَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ بِثَوْبٍ كَذَلِكَ وَلَمْ يَخِطْهُ بَعْدُ حَتَّى تَقَطَّعَ الثَّوْبُ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطَعَ كُمَّ رَجُلٍ إلَى قَدْرِ أَصَابِعِ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ أَعْطَاهُ فَضْلَ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ خُذْ هَذَا وَاجْعَلْهُ فِي حَاجَتِكَ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي طُولِ الْكُمَّيْنِ عَلَى قَدْرِ الْأَصَابِعِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَرَآهُ مِنْ السَّرَفِ وَخَشَى عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَهُ مِنْهُ عُجْبٌ فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي كِتَابِهِ قَالَ : وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْكَثِيرَةِ الْأَثْمَانِ قَالَ : وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ثَوْبُ أَحَدِهِمْ مِنْ سَبْعَةِ دَرَاهِمَ إلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَكَانُوا لَا يُجَاوِزُونَ هَذَا إلَّا نَادِرًا أَوْ كَمَا قَالَ .
وَأَمَّا الْخُرُوجُ بِهِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ فَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ حَالُهُمْ بِهِ كَيْفَ هُوَ لِخُرُوجِهِمْ بِهِ عَنْ زِيِّ سَائِرِ النَّاسِ وَتَكَلُّفِهِمْ فِي حَمْلِهِ أَنْ تَرَكُوهُ مُدَلًّى ثَقُلَ عَلَيْهِمْ فِي مَشْيِهِمْ فَتَقِلُ مُرُوءَةُ أَحَدِهِمْ بِسَبَبِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ الْكَثِيرِ بِسَبَبِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَاطِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ بِسَبَبِهِ وَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ بِهِ احْتَاجَ إلَى حَمْلِهِ وَفِي حَمْلِهِ كُلْفَةٌ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي ثَقُلَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ سِيَّمَا إذَا كَانَ بِبِطَانَةٍ وَتَرَكَهُ مُدَلًّى ، وَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ بِهِ كَانَ حَامِلًا لِثُقْلٍ فِي صَلَاتِهِ فَهُوَ شُغْلٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِذَا كَانَ شُغْلًا فِي الصَّلَاةِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ أَنْ يَكْفِتَ أَحَدٌ شَعْرَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَضُمَّ ثَوْبَهُ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ شُغْلٌ فِي الصَّلَاةِ .
فَإِذَا ضَمَّ ثَوْبَهُ حِينَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَعَ فِي هَذَا النَّهْيِ الصَّرِيحِ وَإِنْ لَمْ يَضُمَّ وَتَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ انْفَرَشَ عَلَى الْأَرْضِ حِينَ السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ فَيُمْسِكُ بِهِ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَتْ تَنْقَطِعُ مِنْ عِنْدِ مَنَاكِبِهِمْ لِشِدَّةِ تَرَاصِّهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُسَوِّيَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمْ تَرْصِيصَ الصُّفُوفِ وَكَيْفَ هِيَ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ وَرِجَالٌ مُوَكَّلُونَ بِالصَّلَاةِ ، فَإِنْ رَأَوْا أَحَدًا صَلَّى فِي صَفٍّ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ إلَى الْقِبْلَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَهُ ذَهَبُوا بِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَى الْحَبْسِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا مَوْضِعُ قِيَامِهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْحُصْرُ الْيَوْمَ عَلَى مَا يُعْهَدُ
وَيُعْلَمُ ، وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً فَلَا بُدَّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بِدْعَةِ هَذِهِ السَّجَّادَةِ .
فَإِذَا بَسَطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ احْتَاجَ لِأَجْلِ سِعَةِ ثَوْبِهِ أَنْ يَبْسُطَ شَيْئًا كَبِيرًا لِيَعُمَّ ثَوْبَهُ عَلَى سَجَّادَتِهِ فَيَكُونُ فِي سَجَّادَتِهِ اتِّسَاعٌ خَارِجٌ فَيُمْسِكُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَوْضِعَ رَجُلَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا إنْ سَلِمَ مِنْ الْكِبْرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَضُمُّ إلَى سَجَّادَتِهِ أَحَدًا ، فَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ ذَلِكَ وَوَلَّى النَّاسُ عَنْهُ وَتَبَاعَدُوا مِنْهُ هَيْبَةً لَكُمِّهِ وَثَوْبِهِ وَتَرَكَهُمْ هُوَ وَلَمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْقُرْبِ إلَيْهِ فَيُمْسِكُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ غَاصِبًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الْمَنْصُوصِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَمْسَكَهُ بِسَبَبِ قُمَاشِهِ وَسَجَّادَتِهِ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ حَاجَةٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ غَاصِبٌ لَهُ فَيَقَعُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ بِسَبَبِ قُمَاشِهِ وَسَجَّادَتِهِ وَزِيِّهِ ، فَإِنْ بَعَثَ سَجَّادَتَهُ إلَى الْمَسْجِدِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ فَفُرِشَتْ لَهُ هُنَاكَ وَقَعَدَ هُوَ إلَى أَنْ يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ بِالنَّاسِ ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ فَيَقَعُ فِي مَحْذُورَاتٍ جُمْلَةً مِنْهَا غَصْبُهُ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَمِلَتْ السَّجَّادَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْجِزَهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ إلَّا مَوْضِعُ صَلَاتِهِ وَمِنْ سَبَقَ كَانَ أَوْلَى وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِأَنَّ السَّبَقَ لِلسَّجَّادَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ لِبَنِي آدَمَ فَيَقَعُ فِي الْغَصْبِ أَوَّلًا لِكَوْنِهِ مَنَعَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِمَّنْ سَبَقَهُ ، فَإِذَا جَاءَ كَانَ غَاصِبًا لِمَا زَادَ عَلَى مَوْضِعِ صَلَاتِهِ بَلْ
غَاصِبًا لِلْمَوْضِعِ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ كَانَ أَحَقَّ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهُ فَيَكُونُ غَيْرُهُ هُوَ الْمُقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ هُوَ ، فَلَمَّا أَنْ تَقَدَّمَ عَلَى مَنْ سَبَقَهُ كَانَ غَاصِبًا وَمِنْهَا تَخَطِّيهِ لِرِقَابِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ إتْيَانِهِ لِلسَّجَّادَةِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنَّهُ مُؤْذٍ وَنَهَى عَنْهُ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِي دَخَلَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ : اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت فَنَهَاهُ وَأَخْبَرَ بِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مُؤْذٍ .
وَقَدْ وَرَدَ كُلُّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ فَيَقَعُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَيْضًا مِنْ نَصْبِ بِسَاطٍ كَبِيرٍ فِي الْمَسْجِدِ لِكَيْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ هُوَ وَبَعْضُ خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ ، ثُمَّ يَبْسُطُ عَلَى الْبِسَاطِ هَذِهِ السَّجَّادَةَ فَيُمْسِكُ فِي الْمَسْجِدِ مَوَاضِعَ كَثِيرَةً غَاصِبًا لَهَا فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ مَا يَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْخُيَلَاءِ ، وَهَذَا أَمْرٌ لَوْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْأَعَاجِمِ أَوْ الْجُهَلَاءِ بِدِينِهِمْ لَوَجَبَ عَلَى الْعَالِمِ تَحْذِيرُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَزَجْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ وَالْأَخْذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ أَوْ وَعْظُهُمْ إنْ كَانَ يَخَافُ شَوْكَتَهُمْ فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ الْعَالِمُ فِي نَفْسِهِ .
كَانَ النَّاسُ يَقْتَبِسُونَ أَثَارَ الْعَالِمِ وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ وَيَرْجِعُونَ عَنْ عَوَائِدِهِمْ لِعَوَائِدِهِ فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ فَصَارَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَعَاجِمِ وَغَيْرِهِمْ يُحْدِثُونَ أَشْيَاءَ مِثْلَ هَذَا وَغَيْرِهِ فَيُسْكَتُ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَأْتِي الْعَالِمُ فَيَتَشَبَّهُ بِهِمْ فِي فِعْلِهِمْ فَكَانَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِالْعُلَمَاءِ فَرَجَعْنَا نَقْتَدِي بِفِعْلِ الْجُهَلَاءِ ، وَهَذَا الْبَابُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تُرِكَتْ مِنْهُ السُّنَنُ غَالِبًا أَعْنِي اتِّخَاذَ عَوَائِدَ يَقَعُ الِاصْطِلَاحُ عَلَيْهَا وَيُمْشَى عَلَيْهَا فَيَنْشَأُ نَاسٌ عَلَيْهَا لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهَا وَيَتْرُكُونَ مَا وَرَاءَهَا ،
فَجَاءَ مَا قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ رَحِمَهُ اللَّهُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَيْلَكُمْ يَا مَعَاشِرَ الْعُلَمَاءِ السُّوءِ الْجَهَلَةِ بِرَبِّهِمْ جَلَسْتُمْ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ تَدْعُونَ النَّاسَ إلَى النَّارِ بِأَعْمَالِكُمْ فَلَا أَنْتُمْ دَخَلْتُمْ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ أَعْمَالِكُمْ وَلَا أَنْتُمْ أَدْخَلْتُمْ النَّاسَ بِهَا بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ قَطَعْتُمْ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُرِيدِ وَصَدَدْتُمْ الْجَاهِلَ عَنْ الْحَقِّ فَمَا ظَنُّكُمْ غَدًا عِنْدَ رَبِّكُمْ إذَا ذَهَبَ الْبَاطِلُ بِأَهْلِهِ وَقَرَّبَ الْحَقُّ أَتْبَاعَهُ انْتَهَى .
عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى أَنَّهُ كَانَ لِعُلَمَائِهِمْ لِبَاسٌ يُعْرَفُونَ بِهِ غَيْرُ لِبَاسِ النَّاسِ جَمِيعًا لَا مَزِيَّةَ لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي الثَّوْبِ وَلَا فِي التَّفْصِيلِ بَلْ لِبَاسُ بَعْضِهِمْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ لِتَوَاضُعِهِمْ وَوَرَعِهِمْ وَزُهْدِهِمْ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ وَلِفَضِيلَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّرْعِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يُبَادِرُ إلَى الْأَفْضَلِ وَالْأَرْجَحِ وَالْأَزْكَى فِي الشَّرْعِ .
نَعَمْ إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَسْتَحِبُّ لِلْقَارِئِ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ أَبْيَضَ يَعْنِي يَفْعَلُ ذَلِكَ تَوْقِيرًا لِلْعِلْمِ فَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَسِخًا وَلَا قَذِرًا بَلْ نَظِيفًا مِنْ الْأَوْسَاخِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يُخَالِفُ لِبَاسَ النَّاسِ بِسَبَبِ عِلْمِهِ .
قَدْ كَانَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ يُوَقِّرُ بِهَا مَجَالِسَ الْحَدِيثِ حِينَ كَانَ يَقْرَؤُهُ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحَدِيثِ إلَّا عَلَى الْعَادَةِ ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا طَلَبَهُ الْفُقَهَاءُ لِلدَّرْسِ سَأَلَهُمْ مَا يُرِيدُونَ ، فَإِنْ أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَسَائِلَ الْفِقْهِ خَرَجَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَجِدُونَهُ عَلَيْهَا لَا يَزِيدُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّ أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْحَدِيثَ دَخَلَ إلَى بَيْتِهِ وَاغْتَسَلَ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَتَبَخَّرَ بِالْمِسْكِ وَالْعُودِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الْحَدِيثِ وَيُطْلِقُ الْبَخُورَ بِالْمِسْكِ وَالْعُودِ طُولَ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ تَعْظِيمًا لِلْحَدِيثِ .
وَلَقَدْ حَكَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ ، وَلَوْنُهُ يَتَغَيَّرُ وَيَصْفَرُّ وَيَتَلَوَّنُ إلَى أَنْ فَرَغَ الْمَجْلِسُ وَانْقَضَى النَّاسُ أَخْرَجَ الْخُفَّ مِنْ رِجْلِهِ ، فَإِذَا فِيهِ عَقْرَبٌ قَدْ لَسَعَتْهُ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَالَ : فَقُلْت لَهُ يَا إمَامُ مَا مَنَعَك أَنْ تَخْلَعَهُ فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ ضَرَبَتْك فَقَالَ : اسْتَحْيَيْتُ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ يُقْرَأُ وَأَقْطَعُهُ لِضُرٍّ أَصَابَ بَدَنِي أَوْ كَمَا قَالَ .
فَكَانَ تَعْظِيمُهُ لِلْحَدِيثِ كَمَا تَرَى .
وَهَذَا اللِّبَاسُ الْيَوْمَ لَمْ يَجْعَلُوهُ لِمَجْلِسِ الْحَدِيثِ بَلْ لِمَجَالِسِ غَيْرِهِ ، وَلَوْ كَانُوا فِي مَجْلِسِ الْحَدِيثِ فَتَجِدُهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ إذْ ذَاكَ ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَةَ .
قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ عَلَى حَدِيثِهِ ، فَيُوَقِّرُونَ مَجَالِسَ الْحَدِيثِ فِي اللِّبَاسِ وَيُقِلُّونَ الْأَدَبَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَالْبَحْثِ وَالِانْزِعَاجِ إذْ ذَاكَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي يَقْرَؤُنَّهُ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ اللِّبَاسِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَمِنْ أَمْرِهِ بِإِزْرَةِ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَمَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ التَّأْكِيدِ فِي لُبْسِ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ إلَّا فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةُ لِبَاسِ النَّاسِ لِفَقِيهٍ وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَمَجَالِسُ الْعِلْمِ اللُّبْسُ لَهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ ، وَقَدْ جُعِلَتْ الْيَوْمَ هَذِهِ الثِّيَابُ لِلْفَقِيهِ كَأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلطَّالِبِ مِنْهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الدَّرْسِ إلَّا بِهَا ، فَإِنْ قَعَدَ بِغَيْرِهَا قِيلَ عَنْهُ مُهِينٌ يَتَهَاوَنُ بِمَنْصِبِ الْعِلْمِ لَا يُعْطِي الْعِلْمَ حَقَّهُ لَا يَقُومُ بِمَا يَجِبُ لَهُ فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ وَدَثَرَتْ السُّنَّةُ ، وَنُسِيَ فِعْلُ السَّلَفِ بِفَتْوَى مَنْ غَفَلَ أَوْ وَهَمَ وَاتِّبَاعِهَا وَشَدِّ الْيَدِ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا جَاءَتْ فِيهَا حُظُوظُ النَّفْسِ وَمَلْذُوذَاتُهَا ، وَهِيَ التَّمْيِيزُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالْأَقْرَانِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَبِسَ ذَلِكَ الثَّوْبَ عِنْدَهُمْ قِيلَ هُوَ فَقِيهٌ فَيَتَمَيَّزُ إذْ ذَلِكَ عَنْ الْعَوَامّ وَهَذِهِ دَرَجَةٌ لَا
تَحْصُلُ لَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ دَرَجَةُ فَضِيلَةٍ تَنْقُلُهُ عَنْ دَرَجَةِ الْعَوَامّ فَبِنَفْسِ اللُّبْسِ لِتِلْكَ الثِّيَابِ انْتَقَلَتْ دَرَجَتُهُ عَنْهُمْ وَرَجَعَ مَلْحُوقًا بِالْفُقَهَاءِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
رَجَعَ الْفِقْهُ بِالزِّيِّ دُونَ الدَّرْسِ وَالْفَهْمِ وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْإِشَارَةُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِقَوْلِهِ : إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا انْتَهَى .
وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْعَوَامَّ لَا يَأْتُونَ الْعَوَامَّ يَسْأَلُونَهُمْ وَلَا يَرْأَسُ عَامِّيٌّ عَلَى آخَرَ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ لَكِنْ لَمَّا صَارَ الْفِقْهُ عِنْدَهُمْ لَهُ خِلْعَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا فَجَاءَ هَذَا الْمُبْتَدِئُ فَلَبِسَ تِلْكَ الْخِلْعَةَ ، وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا أَوْ عَرَفَ الْبَعْضَ وَلَمْ يَعْرِفْ الْبَعْضَ ، وَرَآهُ الْعَوَامُّ عَلَى زِيِّ مَنْ هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَانِهِمْ فَسَأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ تَقَعُ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْخِلْعَةِ يَمْنَعُهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ لِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى قِلَّةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فَيَسْقُطُ مِنْ أَعْيُنِهِمْ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، فَتُجْمَعُ عَلَيْهِ هَذِهِ الدَّسِيسَةُ السُّمَيَّةُ مَعَ نَزْغِ الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيلِهِ وَتَزْيِينِهِ فَيُفْتِي بِرَأْيِهِ وَبِمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَيَقِيسُ مَسْأَلَةً عَلَى غَيْرِهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا مِثْلُهَا أَوْ تُقَارِبُهَا وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْصِبٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَعْظَمَ فَيُرْتَكَبُ الْمَحْظُورَ وَيُدْخِلُ نَفْسَهُ فِي الْخَطَرِ وَيُفْتِي فَيَضِلُّ بِارْتِكَابِهِ لِلْبَاطِلِ وَيُضِلُّ غَيْرَهُ فَحَصَلَتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ الْعُظْمَى بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ
السُّنَّةِ فِي اللِّبَاسِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجَرَّبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَشْهُورٌ بَيْنَهُمْ أَنَّ السُّنَّةَ إذَا تُرِكَتْ فِي شَيْءٍ لَا يَأْتِي مَا عُمِلَ عِوَضًا مِنْهَا إلَّا تُرِكَ الْخَيْرُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي قَدَمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْخَيْرُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ .
وَالْجَنَّةُ لَا تُنَالُ إلَّا مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أَعْنِيَ بِاتِّبَاعِهِ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا حُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ لَهُ ثَوْبٌ فِيهِ إحْدَى عَشْرَةَ رُقْعَةً إحْدَاهَا مِنْ أُدْمٍ وَمَا زَالَ النَّاسُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَغَيْرِهِ إلَّا بِحُسْنِ هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ أَوْ حُسْنِ كَلَامِهِ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَالِمُ يُعْرَفُ بِلَيْلِهِ إذَا النَّاسُ نَائِمُونَ وَبِنَهَارِهِ إذَا النَّاسُ مُفْطِرُونَ وَبِبُكَائِهِ إذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ وَبِصَمْتِهِ إذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ وَبِخُشُوعِهِ إذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ وَبِحُزْنِهِ إذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُوضَ مَعَ مَنْ يَخُوضُ وَلَا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيُصْفَحُ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هَلْ قَالَا الْعَالِمُ يُعْرَفُ بِوُسْعِ كُمِّهِ وَطُولِهِ وَوُسْعِ ثَوْبِهِ وَحُسْنِهِ بَلْ وَصَفُوهُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ أَوْصَافِنَا الْيَوْمَ كَثِيرًا ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَصِفُوا الْعَالِمَ إلَّا بِمِثْلِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ .
قَالُوا وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ حَامِدًا وَلِنِعَمِهِ شَاكِرًا وَلَهُ ذَاكِرًا وَعَلَيْهِ مُتَوَكِّلًا وَبِهِ مُسْتَعِينًا وَإِلَيْهِ رَاغِبًا وَبِهِ مُعْتَصِمًا وَلِلْمَوْتِ ذَاكِرًا وَلَهُ مُسْتَعِدًّا .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنْ ذَنْبِهِ رَاجِيًا
عَفْوَ رَبِّهِ وَيَكُونَ خَوْفُهُ فِي صِحَّتِهِ أَغْلِبُ عَلَيْهِ انْتَهَى .
فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَكُونُ زِيُّهُ كَذَا وَلِبَاسُهُ كَذَا .
حِينَ كَانَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا انْتَفَعَ النَّاسُ بِهِمْ وَوَجَدُوا الْبَرَكَةَ وَالْخَيْرَ وَالرَّاحَةَ عَلَى أَيْدِيهِمْ ، حَكَى لِي سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ شَيْخِهِ سَيِّدِي أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى بُسْتَانِهِ لِيَعْمَلَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ يَخْرُجُ إلَى حَائِطِهِ يَعْمَلُ بِيَدِهِ وَإِذَا بِبَعْضِ الظَّلَمَةِ أَخَذُوهُ مَعَ غَيْرِهِ فِي السُّخْرَةِ لِبْسَتَانِ السُّلْطَانِ فَمَضَى مَعَهُمْ وَقَعَدَ يَعْمَلُ مَعَهُمْ إلَى أَنْ جَاءَ الْوَزِيرُ وَدَخَلَ لَلِبْسَتَانِ لِيَنْظُرَ مَا عُمِلَ فِيهِ فَإِذَا بِهِ ، وَقَدْ وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى الشَّيْخِ ، وَهُوَ يَعْمَلُ فَطَأْطَأَ عَلَى قَدَمَيْهِ يُقَبِّلُهُمَا وَيَقُولُ : يَا سَيِّدِي مَا جَاءَ بِك هُنَا فَقَالَ : أَعْوَانُكُمْ الظَّلَمَةُ .
فَقَالَ : يَا سَيِّدِي عَسَى أَنَّك تُقِيلُنَا وَتَخْرُجُ فَأَبَى ، فَقَالَ لَهُ : وَلِمَ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ إخْوَانِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ أَخْرُجُ وَهُمْ فِي ظُلْمِكُمْ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِمْ فَأَبَى فَقَالَ لَهُ : وَلِمَ ؟ فَقَالَ لَهُ : غَدًا تَأْخُذُونَهُمْ أَنْتُمْ إنْ كَانَتْ لَكُمْ بِهِمْ حَاجَةٌ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تَابُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوا أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا انْتَهَى .
فَانْظُرْ إلَى بَرَكَةِ زِيِّ الْعَالِمِ إذَا كَانَ مِثْلَ زِيِّ النَّاسِ وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ هَذَا فِي وَاحِدَةٍ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهَا وَغَيْرِهَا فَلَوْ كَانَ عَلَى الشَّيْخِ إذْ ذَلِكَ لِبَاسٌ يُعْرَفُ بِهِ لَمْ يُؤْخَذْ فَكَانَتْ تِلْكَ الْبَرَكَةُ تُمْتَنَعُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ أُخِذُوا إذْ ذَلِكَ فِي ظُلْمِ السُّلْطَانِ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى هَذِهِ الْحِكَايَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِهَذَا السَّيِّدِ الْجَلِيلِ يُؤْخَذُ مِنْهَا الِاسْتِحْبَابُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ لِبَاسُهُ مِثْلَ لِبَاسِ سَائِرِ
النَّاسِ لِتَحْصُلَ بِهِ الْمَنْفَعَةُ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ .
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَكْرَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَشَحُّوا عَلَى دِينِهِمْ وَأَعَزُّوا الْعِلْمَ وَصَانُوهُ وَأَنْزَلُوهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَخَضَعَتْ لَهُمْ رِقَابُ الْجَبَابِرَةِ وَانْقَادَتْ لَهُمْ النَّاسُ وَكَانُوا لَهُمْ تَبَعًا وَعَزَّ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ ، وَلَكِنَّهُمْ أَذَلُّوا أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يُبَالُوا بِمَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِمْ إذَا سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ وَبَذَلُوا عِلْمَهُمْ لِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا لِيُصِيبُوا بِذَلِكَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، فَذَلُّوا وَهَانُوا عَلَى النَّاسِ انْتَهَى .
فَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لَا يُكَابَرُ فِيهَا لِوُجُودِهَا حِسِّيَّةً مُشَاهَدَةً عِنْدَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَّا مَعَ مَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْ الْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالْخُيَلَاءِ .
فَأَيْنَ هَذَا مِمَّا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَدِمَ إلَى الشَّامِ وَكَانَ عَلَى جَمَلٍ خِطَامُهُ لِيفٌ وَرَحْلُهُ وَزَادُهُ تَحْتَهُ وَمُرَقَّعَتُهُ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ الْأَجْنَادُ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا أَبْيَضَ وَأَنْ يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا لِيُرْهِبَ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ فَفَعَلَ ، فَلَمَّا أَنْ اسْتَوَى عَلَى الْبِرْذَوْنِ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَقِيلُوا عُمَرَ عَثْرَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَكُمْ فَرَجَعَ إلَى ثَوْبِهِ وَجَمَلِهِ وَقَالَ بِالْإِيمَانِ اعْتَزَزْنَا فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَتْحِ الْبِلَادِ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَهْلُ التَّارِيخِ ، وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَإِنَّمَا عَزَّ الْفَقِيهُ بِفَهْمِ الْمَسَائِلِ وَشَرْحِهَا وَمَعْرِفَتِهَا وَمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا وَتَعْظِيمِهَا وَتَرْفِيعِهَا وَتَعْلِيمِ مَا حَصَلَ مِنْ بَرَكَتِهَا وَخَيْرِهَا وَمَعْرِفَةِ الْبِدَعِ وَتَجَنُّبِهَا وَتَبْيِينِ شُؤْمِهَا وَمَقْتِهَا وَظَلَامِهَا وَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَقْتِ لِفَاعِلِهَا أَوْ الْمُسْتَهِينِ لِلْقَلِيلِ مِنْهَا وَتَبْيِينِ مَا يَحْصُلُ لِفَاعِلِ هَذَا كُلِّهِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ ،
وَمِنْ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْمَعْرِفَةِ بِهِ وَخَشْيَتِهِ وَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ وَالْعَمَلِ بِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فَجَعَلَ عَزَّ وَجَلَّ خِلْعَةَ الْعُلَمَاءِ الْخَشْيَةَ وَجَعَلَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ خِلْعَةَ الْعَالِمِ تَوْسِيعَ الثِّيَابِ وَالْأَكْمَامِ وَكِبَرِهَا وَحُسْنِهَا وَصِقَالَتِهَا
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ مَعَ الْعِمَامَةِ إلَى طَيْلَسَانٍ فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ قَدْ خَنَقَ نَفْسَهُ بِهِ وَيَتَفَقَّدُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ مِنْ جَوَانِبِ خَدَّيْهِ أَنْ يَكُونَ مَالَ إلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَيَظْهَرُ وَجْهُهُ لِلنَّاسِ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ تَحْتَجِبُ تَخَافُ أَنْ تُبَيِّنَ وَجْهَهَا لِلرِّجَالِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَيَغْرِزُ الْإِبَرَ فِي الطَّيْلَسَانِ مَعَ الْعِمَامَةِ حَتَّى لَا يَكْشِفَهُ الْهَوَاءُ عَنْ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ ، وَهَكَذَا تَفْعَلُ الْمَرْأَةُ بِالْقِنَاعِ وَالْخِمَارِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ تُمْسِكُ ذَلِكَ بِالْإِبَرِ وَتَتَحَفَّظُ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ تَنْكَشِفَ رَأْسُهَا مِنْ قِنَاعِهَا أَوْ يَبِينَ وَجْهُهَا لِغَيْرِ مَحَارِمِهَا ، وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الرِّدَاءُ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ وَالْعَذْبَةُ لَكِنَّ الرِّدَاءَ كَانَ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا وَنَحْوَهَا ، وَالْعِمَامَةُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَنَحْوَهَا يُخْرِجُونَ مِنْهَا التَّلْحِيَةَ وَالْعَذْبَةَ وَالْبَاقِي عِمَامَةٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ قَالَ الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ .
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ : قَعَطَ الرَّجُلُ عِمَامَتَهُ يَقْتَعِطُهَا اقْتِعَاطًا أَيْ أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَتَلَحَّ بِهَا .
وَقَدْ نَهَى عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ فَسَّرَ الِاقْتِعَاطَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ، وَمِنْ مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ الِاقْتِعَاطُ أَنْ يَعْتَمَّ الرَّجُلُ بِالْعِمَامَةِ ، وَلَا يَتَلَحَّى وَالْمُقْتَعَطَةُ الْعِمَامَةُ ، وَقَدْ اقْتَعَطَهَا .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْمُعْتَمِّ لَا يُدْخِلُ تَحْتَ ذَقَنِهِ مِنْهَا فَكَرِهَ ذَلِكَ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ
رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ فِعْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ اقْتِعَاطُ الْعَمَائِمِ هُوَ التَّعْمِيمُ دُونَ حَنَكٍ ، وَهُوَ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ قَدْ شَاعَتْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَنَظَرَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمًا إلَى رَجُلٍ قَدْ اعْتَمَّ وَلَمْ يَحْتَنِكْ فَقَالَ : اقْتِعَاطٌ كَاقْتِعَاطِ الشَّيْطَانِ ذَلِكَ عِمَامَةُ الشَّيَاطِينِ وَعَمَائِمُ قَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ الْمُؤْتَفِكَاتِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْوَاضِحَةِ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ وَدَارِهِ بِالْعِمَامَةِ دُونَ تَلَحٍّ ، وَأَمَّا بَيْنَ الْجَمَاعَاتِ وَالْمَسَاجِدِ فَلَا يَنْبَغِي تَرْكُ الِالْتِحَاءِ ، فَإِنَّ تَرْكَهُ مِنْ بَقَايَا عَمَائِمِ قَوْمِ لُوطٍ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَقَدْ شَدَّدَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْكَرَاهَةَ فِي تَرْكِ التَّحْنِيكِ .
قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الْعِمَامَةِ يَعْتَمُّ بِهَا الرَّجُلُ ، وَلَا يَجْعَلُهَا تَحْتَ حَلْقِهِ فَأَنْكَرَهَا وَقَالَ : إنَّهَا مِنْ عَمَائِمِ الْقِبْطِ فَقِيلَ لَهُ ، فَإِنْ صَلَّى بِهَا كَذَلِكَ قَالَ : لَا بَأْسَ وَلَيْسَتْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ إلَّا أَنْ تَكُونَ عِمَامَةً قَصِيرَةً لَا تَبْلُغُ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا اعْتَمَّ جَعَلَ مِنْهَا تَحْتَ ذَقَنِهِ وَسَدَلَ طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْمَعُونَةِ لَهُ : وَمِنْ الْمَكْرُوهِ مَا خَالَفَ زِيَّ الْعَرَبِ وَأَشْبَهَ زِيَّ الْعَجَمِ كَالتَّعْمِيمِ مِنْ غَيْرِ حَنَكٍ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا عِمَامَةُ الشَّيَاطِينِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ السُّنَّةُ فِي الْعِمَامَةِ أَنْ يُسْدِلَ طَرَفَهَا إنْ شَاءَ أَمَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِنْ شَاءَ مِنْ خَلْفِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، وَقَالَ : لَا بُدَّ مِنْ التَّحْنِيكِ فِي الْهَيْئَتَيْنِ ، وَأَمَّا حُكْمُ
طَرَفِ الْعِمَامَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْيِيرُ الْعُلَمَاءِ فِي سَدْلِهِ إنْ شَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، وَفِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ أَرْخَى طَرَفَ عِمَامَتِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِمَّنْ أَدْرَكْته يُرْخِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ الذُّؤَابَةَ وَلَكِنْ يُرْسِلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ إرْسَالَ الذُّؤَابَةِ بَيْنَ الْيَدَيْنِ بِدْعَةٌ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ السَّلَفِ فَيَكُونُ هُوَ قَدْ أَصَابَ السُّنَّةَ وَهُمْ قَدْ أَخَطَؤُهَا وَابْتَدَعُوهَا أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ قَالَ الْقَرَافِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا انْتَهَى .
وَمَا حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ مَا أَفْتَى حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَذْبَةَ دُونَ تَحْنِيكٍ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ الْمَكْرُوهِ ؛ لِأَنَّ وَصْفَهُمْ بِالتَّحْنِيكِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ امْتَازُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَإِلَّا فَمَا كَانَ لِوَصْفِهِمْ بِالتَّحْنِيكِ فَائِدَةٌ إذْ الْكُلُّ مُجْتَمِعُونَ فِيهِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّمَا الْمَكْرُوهُ فِي الْعِمَامَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِهِمَا ، فَإِنْ كَانَا مَعًا فَهُوَ الْكَمَالُ فِي امْتِثَالِ السُّنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ خَرَجَ بِهِ عَنْ الْمَكْرُوهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَعَلَى هَذَا إذَا أَرْخَى الْعَذْبَةَ وَتَقَنَّعَ أَكْمَلَ السُّنَّةَ كَمَا لَوْ تَحَنَّكَ وَأَرْخَى الْعَذْبَةَ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَمُّونَ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ طُلُوعَهَا إنَّمَا يَكُونُ فِي زَمَانِ الْحَرِّ فَيُزِيلُونَهَا عَنْ رُءُوسِهِمْ ، وَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فِي هَذَا الزَّمَانِ كَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي الدَّيْنِ حَتَّى أَنَّهُمْ لَيَرُدُّونَ
شَهَادَتَهُ وَيَقَعُونَ فِي حَقِّهِ بِنِسْبَتِهِ أَنَّهُ دَاخِلٌ بِذَلِكَ فِي جُمْلَةِ الْمُوَلِّهِينَ وَأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ بِسَبَبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ ذَلِكَ فَرَجَعَ فِعْلُ السَّلَفِ جُرْحَةً فِي حَقِّ مَنْ اقْتَدَى بِهِمْ ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ مَنْ حَضَرَ السَّمَاعَ وَرَقَصَ وَسَقَطَتْ عِمَامَتُهُ وَظَهَرَ مِنْهُ فِعْلُ الْمَجَانِينِ ، وَمَا يُذْهِبُ الْمُرُوءَةَ وَالْحِشْمَةَ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُسْقِطُونَهُ وَرُبَّمَا نَسَبُوهُ إلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَرُبَّمَا اعْتَقَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذِهِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي الْعِمَامَةِ وَمَا تَكَلَّمُوا عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إنَّ الْعِمَامَةَ دُونَ تَحْنِيكٍ وَدُونَ عَذْبَةٍ جَائِزَةٌ لَيْسَتْ بِمَكْرُوهَةٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللُّبْسَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ وَتَرَكَهُ وَمَضَى .
فَانْظُرْ إلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ الْعَجِيبِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا مِنْ النُّصُوصِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اللُّبْسُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ مُطْلَقًا .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَرْضَ مِنْهُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتُرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَفِي حَقِّ الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ ، وَالسُّنَّةُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ جَسَدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الِامْتِثَالِ ، ثُمَّ الْعِمَامَةُ عَلَى صِفَتِهَا فِي السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالرِّدَاءُ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ بِثِيَابٍ غَيْرِ ثِيَابِ مِهْنَتِهِ ، فَأَيْنَ الْمُبَاحُ الْمُطْلَقُ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ كُلُّهُ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، ثُمَّ لَوْ تَنَزَّلْنَا مَعَهُ إلَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ فَالْأَكْلُ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ ، لَكِنَّ السُّنَّةَ فِيهِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ أَوَّلِهِ
وَيَأْكُلَ بِيَمِينِهِ ، وَلَا يَأْكُلُ بِيَسَارِهِ وَأَنْ لَا يَنْهَشَ الْخُبْزَ كَاللَّحْمِ وَأَنْ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ وَيُكْثِرَ مَضْغَهَا وَأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ حَاضِرًا وَأَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ آخِرِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي شُرْبِهِ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا ، وَكَذَلِكَ الدُّخُولُ إلَى الْبَيْتِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ ، وَالسُّنَّةُ فِيهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْيُمْنَى وَيُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ، فَإِذَا كَانَ نَفْسُ لُبْسِ الْعِمَامَةِ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ فِعْلِ سُنَنٍ بِهَا مِنْ تَنَاوُلِهَا بِالْيَمِينِ وَقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ إنْ كَانَ مَا لَبِسَهُ جَدِيدًا وَامْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي صِفَةِ التَّعْمِيمِ مِنْ فِعْلِ التَّحْنِيكِ وَالْعَذْبَةِ وَتَصْغِيرِ الْعِمَامَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَارِكِ شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ وَالْآدَابِ : إنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُقَبَّحَ لَهُ فِعْلُهُ وَيُذَمَّ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِلَّا هُجِرَ مِنْ أَجْلِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ خِلَافِ السُّنَّةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ دُونَ كَرَاهَةٍ مَعَ النُّصُوصِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : رَحِمَهُ اللَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْيَمَنِ وَأَنَّهُ ارْتَدَى بُرْدَةً وَكَانَتْ طَوِيلَةً فَانْجَرَّتْ مِنْ خَلْفِهِ فَقِيلَ لَهُ ارْفَعْ ارْفَعْ فَانْجَرَّتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ .
هَكَذَا الشَّيْءُ يُجْعَلُ بِغَيْرِ قَدْرٍ وَعَزَلَهُ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا قِيلَ لَهُ ارْفَعْ ارْفَعْ لَمَّا انْجَرَّتْ خَلْفَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا .
فَطُولُ الرِّدَاءِ مَكْرُوهٌ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهُ فَيَجُرُّهُ مِنْ خَلْفِهِ ، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِمَنْ فَعَلَهُ بَطَرًا فَالتَّوَقِّي مِنْ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍّ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي يَنْبَغِي .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ : اعْلَمْ أَنَّ مِفْتَاحَ السَّعَادَةِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ حَتَّى فِي هَيْئَةِ أَكْلِهِ وَقِيَامِهِ وَنَوْمِهِ وَكَلَامِهِ لَسْتُ أَقُولُ ذَلِكَ فِي آدَابِهِ فَقَطْ ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِهْمَالِ السُّنَنِ الْوَارِدَةِ فِيهَا بَلْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْعَادَاتِ فَبِهِ يَحْصُلُ الِاتِّبَاعُ الْمُطْلَقُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فَعَلَيْك بِأَنْ تَتَسَرْوَلَ قَاعِدًا وَتَتَعَمَّمَ قَائِمًا وَتَأْكُلَ بِيَمِينِك وَتُقَلِّمَ
أَظْفَارِكَ وَتَبْتَدِئَ بِمُسَبِّحَةِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَتَخْتِمَ بِإِبْهَامِهَا ، وَفِي الرِّجْلِ تَبْتَدِئُ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى وَتَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِك وَسَكَنَاتِك فَلَقَدْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ لَا يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُنْقَلُ كَيْفِيَّةُ أَكْلِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَهَا أَحَدُهُمْ فَلَبِسَ الْخُفَّ وَابْتَدَأَ بِالْيَسَارِ فَكَفَّرَ عَنْهُ بِكُرِّ حِنْطَةٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَسَاهَلَ فِي امْتِثَالِ ذَلِكَ فَتَقُولُ : هَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَادَاتِ فَلَا مَعْنَى لِلِاتِّبَاعِ فِيهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَغْلِقُ عَنْك بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ السَّعَادَاتِ انْتَهَى .
قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي غَرِيبِهِ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْكُرُّ بِالْبَصْرَةِ سِتَّةُ أَوْقَارٍ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْكُرُّ سِتُّونَ قَفِيزًا وَالْقَفِيزُ ثَمَانِيَةُ مَكَاكِيكَ وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفُ ، وَهُوَ ثَلَاثُ كِيلَجَاتٍ ، فَالْكُرُّ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ اثْنَا عَشْرَ وَسْقًا كُلُّ وَسْقٍ سِتُّونَ صَاعًا انْتَهَى .
فَإِنْ زَادَ فِي كِبَرِ الْعِمَامَةِ قَلِيلًا لِأَجْلِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيُسَامَحُ فِيهِ ، وَالذُّؤَابَةُ لَمْ يَكُونُوا يُرْسِلُونَ مِنْهَا إلَّا الْقَلِيلَ نَحْوَ الذِّرَاعِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ قَلِيلًا .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الطَّيْلَسَانِ أَنَّهُ رِيبَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ إنَّمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ فِي زَمَانِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَةِ هَذَا الطَّيْلَسَانِ الْيَوْمَ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِهِمْ .
وَمِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ سُكَيْنَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ أَوْ فَاطِمَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ رَأَتْ بَعْضَ وَلَدِهَا مُقَنِّعًا رَأْسَهُ فَقَالَتْ لَهُ : اكْشِفْ عَنْ رَأْسِك ، فَإِنَّ الْقِنَاعَ رِيبَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا مَنْ تَقَنَّعَ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَعْنَى فِي هَذَا بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَقَنَّعَ بِاللَّيْلِ اُسْتُرِيبَ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ تَقَنَّعَ لِسُوءٍ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ اغْتِيَالِ أَحَدٍ أَوْ شَبَهِ ذَلِكَ ، وَإِذَا تَقَنَّعَ بِالنَّهَارِ لَمْ يُكْرِمْهُ مَنْ لَقِيَهُ ، وَلَا وَفَّاهُ حَقَّهُ ، وَلَا عَرَفَ مَنْزِلَتَهُ وَاضْطَرَّهُ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ وَذَلِكَ إذْلَالٌ لَهُ .
وَمِنْ كِتَابِ مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَالْمِقْنَعَةُ مَا تُقَنِّعُ بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا ، وَالْقِنَاعُ أَوْسَعُ مِنْهَا ، وَمِنْ صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ وَالْمِقْنَعُ وَالْمِقْنَعَةُ بِالْكَسْرِ مَا تُقَنِّعُ بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا وَالْقِنَاعُ أَوْسَعُ مِنْ الْمِقْنَعَةِ ، وَمِنْ النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ الرَّأْسُ مَوْضِعُ الْقِنَاعِ قَالَ : وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ .
قِنَاعُ الْقَلْبِ غِشَاؤُهُ تَشْبِيهًا بِقِنَاعِ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْمِقْنَعَةِ .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى جَارِيَةً عَلَيْهَا قِنَاعٌ فَضَرَبَهَا بِالدُّرَّةِ وَقَالَ أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مِنْ لِبَاسِهِنَّ انْتَهَى .
فَمَا نَقَلُوهُ دَلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمِقْنَعَةَ وَالْقِنَاعَ مَعًا مُخْتَصَّانِ بِالْمَرْأَةِ ، وَأَمَّا قِنَاعُ الرَّجُلِ ، وَهُوَ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِرِدَائِهِ وَيَرُدَّ طَرَفَهُ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ ؛
لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ ، وَالرِّدَاءُ هُوَ السُّنَّةُ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ دُونَ أَنْ يُغَطِّيَ بِهِ رَأْسَهُ ، فَإِنْ غَطَّى بِهِ رَأْسَهُ صَارَ قِنَاعًا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا الطَّيْلَسَانُ الْمَعْهُودُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيُكْرَهُ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ هَذَا التَّكَلُّفَ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ فِيهِ وَمَا لَمْ يَخْرُجُ بِهِ إلَى حَدِّ هَذَا الْكِبَرِ الشَّنِيعِ ، وَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ أَيْضًا وَالْبَقْيَارُ الَّذِي يُرْسِلُونَهُ بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ لَا بَأْسَ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ حَرِيرًا خَالِصًا ، وَلَا غَالِبُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ إلَى حَدِّ هَذَا الْكِبَرِ وَأَنْ يَنْظُرَ إلَى عِطْفِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ فَيَعْدِلُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى لِبَاسِهَا وَزِينَتِهَا وَتَعْدِيلِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ فَالزِّينَةُ وَالتَّعْدِيلُ لَهَا زِيَادَةٌ لِلرَّجُلِ فِي بَاعِثِ الشَّهْوَةِ لَهَا ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَيَكْفِيهِ مِنْ الزِّينَةِ لُبْسُ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ لَا غَيْرُ دُونَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مِنْ الزِّينَةِ وَالتَّعْدِيلِ الْخَارِجِ عَنْ عَوَائِدِ مَنْ مَضَى مِنْ الرِّجَالِ أَوْ لُبْسِ حَرِيرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ الْيَوْمَ ، فَتَجِدُ كُمَّ أَحَدِهِمْ لَهُ سِجَافٌ مِنْ حَرِيرٍ نَحْوُ شِبْرٍ ، وَكَذَلِكَ فِي أَذْيَالِ ثَوْبِهِ وَذَلِكَ شَرَفٌ وَخُيَلَاءُ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الْحَرِيرِ فِي ثَوْبِ الرَّجُلِ الْخَيْطُ الرَّقِيقُ وَذَلِكَ قَدْرُ الْأُصْبُعِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْخِلَافُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ إلَى كَمَالِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ تَجِدُ سَرَاوِيلَهُ قَدْ نَزَلَتْ عَنْ حَدِّ الْكَعْبَيْنِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ
لِلنَّهْيِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ وَيُوَسِّعُونَ ذَلِكَ كَثِيرًا وَيَتَّخِذُونَهُ مِنْ أَرْفَعِ الْقُمَاشِ حَتَّى تَنْكَشِفَ الْعَوْرَةُ بِسَبَبِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَتَخَفَّفَ فِي بَيْتِهِ وَخَلْوَتِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ ، وَالسَّرَاوِيلُ لَا تَسْتُرُهُ لِرِقَّةِ قُمَاشِهِ فَالْبَشَرَةُ ظَاهِرَةٌ مِنْ تَحْتِهِ ، وَكَذَلِكَ إذَا وَقَفَ يَجْمَعُ رُكْبَتَيْهِ ، وَهُوَ قَاعِدٌ أَوْ اضْطَجَعَ وَرَفَعَ رُكْبَتَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ تَنْكَشِفُ الْعَوْرَةُ أَيْضًا لَسِعَةِ كُمِّهِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الطَّرْزِ فِي أَكْتَافِ ثَوْبِهِ فَتَجِدُهُ يَرْفَعُ الطَّيْلَسَانَ عَنْ كَتِفَيْهِ وَيُشَمِّرُهُ خِيفَةً عَلَى الطَّرْزِ أَنْ يَتَخَبَّأَ عَنْ النَّاسِ فَلَا يَرَوْنَهُ ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ النِّسَاءِ وَزِينَتِهِنَّ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بِهِنَّ .
وَإِنَّمَا أُبِيحَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا نَاقِصَةٌ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ إنَّكُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدَيْنٍ .
فَأُبِيحَ لَهُنَّ الْحَرِيرُ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِنُقْصَانِهِنَّ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَهُوَ مَحَلُّ الْكَمَالِ فَقَدْ كَمَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَزَيَّنَهُ فَمَا لَهُ وَلِزِينَةِ النَّاقِصَاتِ ؟ فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ مِمَّا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ نَقْصٌ مِنْ كَمَالِ زِينَتِهِ الَّتِي زَيَّنَهُ اللَّهُ بِهَا ، وَأَمَّا الْعَالِمُ فَقَدْ زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَالًا عَلَى كَمَالٍ وَزَيَّنَّهُ وَتَوَّجَهُ بِتَاجِ الرِّيَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَمَا لَهُ وَلِلزِّينَةِ وَالرِّيَاسَةِ بِالْقُمَاشِ بَلْ هِيَ عَاهَةٌ وَآفَةٌ أَتَتْ عَلَى الزِّينَةِ الَّتِي زَيَّنَهُ اللَّهُ بِهَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا لِذَلِكَ .
وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مَا جَرَّتْ إلَيْهِ بِدْعَةُ هَذِهِ اللِّبْسَةِ الَّتِي جَعَلُوهَا عَلَامَةً عَلَى الْفَقِيهِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى مُحَرَّمٍ اتِّفَاقًا
، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْمُخَايِلِينَ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ إذَا عَمِلُوا الْخَيَالَ بِحَضْرَةِ بَعْضِ الْعَوَامّ وَغَيْرِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يُخْرِجُونَ فِي أَثْنَاءِ لَعِبِهِمْ لُعْبَةً يُسَمُّونَهَا بِأَبَّةِ الْقَاضِي فَيَلْبَسُونَ زِيَّهُ مِنْ كِبَرِ الْعِمَامَةِ وَسِعَةِ الْأَكْمَامِ وَطُولِهَا وَطُولِ الطَّيْلَسَانِ فَيَرْقُصُونَ بِهِ وَيَذْكُرُونَ عَلَيْهِ فَوَاحِشَ كَثِيرَةً يَنْسِبُونَهَا إلَيْهِ فَيَكْثُرُ ضَحِكُ مَنْ هُنَاكَ وَيَسْخَرُونَ بِهِ وَيُكْثِرُونَ النُّقُوطَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَوْ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ لَسَلِمُوا مِنْ هَذِهِ الْإِهَانَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، فَإِنَّ الْمُتَّبِعَ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَمَاهُ عَنْ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْطِنِ سُوءٍ حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِيهِ أَحَدٌ لَكَانَ مُحَارِبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَثُرَ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يَتْرُكْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذْ الْجَنَابُ رَفِيعٌ جِدًّا لَا يَتَحَمَّلُ الدَّنَسَ ، نَعَمْ إنَّمَا يَحْتَاجُ الْعَالِمُ أَنْ يَتَزَيَّنَ وَيُزَيِّنَ مَا زَيَّنَهُ اللَّهُ بِهِ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَإِطْرَاحِهَا وَتَرْكِ الْمُبَاهَاةِ بِهَا وَلُبْسِ الْخَشِنِ وَأَكْلِ الْغَلِيظِ وَالْهَرَبِ مِنْ الدُّنْيَا وَمِنْ زِينَتِهَا وَمِنْ أَبْنَائِهَا مَعَ النَّصِيحَةِ لَهُمْ وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَطَلَبِهَا وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا وَمَحَبَّةِ أَهْلِهَا وَخِدْمَتِهِمْ وَالنَّصِيحَةِ لَهُمْ وَالتَّوَاضُعِ لَهُمْ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
هَذِهِ هِيَ زِينَةُ الْعَالِمِ الَّتِي تُزَيِّنُهُ وَتَرْفَعُهُ وَتُعَظِّمُهُ وَتَزِيدُ رِيَاسَتُهُ بِسَبَبِهَا وَيَرْتَفِعُ قَدْرُهُ وَيَعْلُو أَمْرُهُ وَيَظْهَرُ عِلْمُهُ وَيَتَمَيَّزُ وَيَتَوَاضَعُ لَهُ مَنْ يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ بِهِ مَنْ سُلْطَانٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ عَامِّيٍّ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا يُحْكَى عَنْ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ هَيْبَةِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ
وَالْعَوَامِّ لَهُ مَعَ جُلُوسِهِ فِي الدُّرُوسِ وَغَيْرِهَا مَرَّةً بِكُلُوثَةٍ عَلَى رَأْسِهِ وَمَرَّةً بِقَبَاءٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا حُكِيَ عَنْهُ فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلَّا رِفْعَةً وَعِزًّا لِاتِّصَافِهِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ وَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْوَقْتِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ مَا يَلْبَسُونَهُ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ أَنَّ ذَلِكَ بِفَتْوَاهُ ، فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُمْ فِي ذَلِكَ إلَى فَتْوَاهُ فَهُوَ غَلَطٌ مَحْضٌ وَخَطَأٌ صُرَاحٌ وَوُقُوعٌ فِي حَقِّهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي وَادِّعَاءٌ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لَا يُجِيزُهُ ، وَلَا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ إخْوَانه الْمُسْلِمِينَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ جَوَابٌ فِي فَتَاوِيهِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ فِيهَا فَقِيلَ لَهُ : هَلْ فِي لُبْسِ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُوَسَّعَةِ الْأَرْدَانِ وَالْعَمَائِمِ الْكَبِيرَةِ بَأْسٌ أَوْ بِدْعَةٌ تَسْتَعْقِبُ تَوْبِيخًا فِي الْقِيَامَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَالَزِيقِ وَالتَّضْرِيبِ يَضُرُّ بِأَهْلِ الْوَرَعِ أَمْ لَا ؟ .
فَأَجَابَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِمَا هَذَا نَصُّهُ : الْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاقْتِصَادِ فِي اللِّبَاسِ ، وَإِفْرَاطُ تَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ وَالثِّيَابِ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ ، وَلَا تُجَاوِزُ الثِّيَابُ الْأَعْقَابَ فَمَا زَادَ عَلَى الْأَعْقَابِ فَفِي النَّارِ ، وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ فَيُسْأَلُوا ، فَإِنِّي كُنْتُ مُحْرِمًا فَأَنْكَرْتُ عَلَى جَمَاعَةِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ لَا يَعْرِفُونَنِي مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْ آدَابِ الطَّوَافِ فَلَمْ يَقْبَلُوا ، فَلَمَّا لَبِسْت ثِيَابَ الْفُقَهَاءِ وَأَنْكَرْت عَلَى الطَّائِفِينَ مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْ آدَابِ الطَّوَافِ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا ، فَإِنَّ لُبْسَ شِعَارِ الْفُقَهَاءِ لِمِثْلِ هَذَا الْغَرَضِ كَانَ فِيهِ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ .
وَأَمَّا الْمُبَالَغَةُ فِي
تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمِنْ فِعْلِ أَهْلِ الرُّعُونَةِ وَالِالْتِفَاتِ إلَى الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِأُولِي الْأَلْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا بِنَظَرِ الْإِنْصَافِ فِي جَوَابِ هَذَا الْعَالِمِ هَلْ فِيهِ شَيْءٌ يُبِيحُ مَا ذَكَرُوهُ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُفْهَمَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدَّمَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِأَنْ قَالَ عَنْ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ فَبَعْدَ أَنْ قَعَّدَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَصَرَّحَ بِهَا حِينَئِذٍ قَالَ : وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لِيُعْرَفُوا بِذَلِكَ فَتَحَفَّظَ أَوَّلًا بِذِكْرِ الْبِدْعَةِ وَالسَّرَفِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ، ثُمَّ تَحَفَّظَ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ : الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَلَوْ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسَكَتَ لَكَانَ لِلْمُنَازِعِ فِيهِ طَرِيقٌ مَا إلَى الْمَيْلِ إلَى غَرَضِهِ الْخَسِيسِ ، فَلَمَّا أَنْ وَصَفَ الْعُلَمَاءَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ أَزَالَ الِاحْتِمَالَ بِالْكُلِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ إذَا كَانَ ذَا دِينٍ لَمْ يُسَامِحْ نَفْسَهُ فِي ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ ، وَلَا فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ وَاسْتَقَرَّ مِنْ أَحْوَالِهِمْ سَلَفًا وَخَلْفًا نَقْلًا عَمَّنْ مَضَى وَمُبَاشَرَةً فِيمَنْ يُبَاشِرُهُ مِنْهُمْ وَيُعَايِنُهُ ، فَإِذَا كَانَ حَالُهُمْ فِي الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ عَلَى مَا ذَكَرَ فَكَيْفَ يَرْتَكِبُونَ الْمُحَرَّمَ الْمَمْنُوعَ فِعْلُهُ ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ وَالسَّرَفَ مَمْنُوعَانِ مُحَرَّمَانِ لَا قَائِلَ مِنْهُمْ بِغَيْرِهِ فَكَيْفَ يَأْتِي الْعَالِمُ الدَّيِّنُ يَقَعُ فِي مُحَرَّمَاتٍ ثَلَاثٍ ، وَهِيَ الْبِدْعَةُ وَالسَّرَفُ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ لِأَحَدٍ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ أَحْوَالِنَا أَنَّ لُبْسَنَا تِلْكَ الثِّيَابِ وَتَعَلُّقَنَا بِقَوْلِهِ : وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ ، وَرَأَيْنَا بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ الْيَوْمَ
إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ يَلْبَسُ تِلْكَ الثِّيَابَ فَقُلْنَا هَذِهِ تِلْكَ الثِّيَابُ جَهْلًا مِنَّا بِأَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ مِنْهُمْ وَصِفَتِهِمْ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى حَالِ مَنْ تَعَلَّقُوا بِفَتْوَاهُ وَمَا جَرَى لَهُ حِينَ سَأَلَهُ السَّائِلُ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ شَيْءٌ فَقَطَعَ نِصْفَ عِمَامَتِهِ وَدَفَعَهَا لَهُ ، ثُمَّ مَرَّ وَسَأَلَهُ آخَرُ فَأَعْطَاهُ النِّصْفَ الْآخَرَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ خُذْ عِمَامَتِي فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي أَتَمْشِي هَكَذَا بَيْنَ النَّاسِ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ جَوَابًا وَمَشَى لِسَبِيلِهِ وَشَقَّ الطَّرِيقَ مِنْ بَابِ زُوَيْلَةَ إلَى مَا بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ ، وَالنَّاسُ يَتَزَاحَمُونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَفْتُونَهُ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ ، فَلَمَّا أَنْ جَلَسَ فِي الْمَدْرَسَةِ قَالَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْعِمَامَةَ لِمَنْ جَاءَ النَّاسُ يَسْتَفْتُونَ إلَيْكَ أَوْ إلَيَّ أَوْ كَمَا قَالَ فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِمَنْ هَذَا حَالُهُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا اسْتَبَاحُوهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى وَمَا شَابَهَهُ قَالَ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا أَتَى عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا لِوَضْعِهِمْ الْأَسْمَاءَ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتٍ ؛ لِأَنَّ لِبَاسَ الْعُلَمَاءِ كَانَ عَلَى وَجْهٍ مَعْرُوفٍ فِيمَنْ مَضَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ ، ثُمَّ تَغَيَّرَ ذَلِكَ وَصَارَ لِبَاسُهُمْ الْيَوْمَ عَلَى مَا يُعْهَدُ ، فَجَاءَ هَذَا الْعَالِمُ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِلُبْسِ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَظَنَّ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْمَقَالَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ الْعُلَمَاءُ الْمَذْكُورُونَ وَأَنَّ هَذِهِ الثِّيَابَ هِيَ الْمُرَادُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلِبَاسِهِمْ ، وَمَنْ اقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَوَقَعَ الِاسْمُ عَلَى غَيْرِ مُسَمًّى فَوَقَعَ مَا وَقَعَ بِسَبَبِ وَضْعِ الْأَسْمَاءِ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتٍ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى قَوْلِهِ فِي تَحْسِينِ الْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ
ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الرُّعُونَةِ وَالِالْتِفَاتِ إلَى الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ مَعَ أَنَّ تَحْسِينَ الْخِيَاطَةِ لَيْسَ فِيهِ خَطَرٌ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ مَا ذَكَرَ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُحَرَّمُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ يُبِيحُهُ أَوْ يَسْتَحِبُّهُ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ الصَّوَابِ ، وَلَا يُتَعَقَّلُ لِذَوِي الْأَلْبَابِ ، وَاَلَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَشَنَّعَ أَمْرَهُ وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ تَحْسِينُ الْخِيَاطَةِ فَكَيْفَ بِهِ الْيَوْمَ تَرَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَزْيَاقَ وَهَذِهِ التَّضَارِيبَ وَهَذِهِ السَّجَفَ الَّتِي رَجَعَتْ الْيَوْمَ كُلُّهَا حَرِيرًا الْخِرْقَةُ وَالْخَيْطُ مَعًا فَبَانَ وَاتَّضَحَ بُطْلَانُ مَا نَسَبُوهُ إلَى هَذَا الْإِمَامِ إنْ كَانَ تَعَلُّقُهُمْ بِفَتْوَاهُ وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهُمْ بِفَتْوَى غَيْرِهِ ، فَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ .
وَإِنْ وُجِدَ هَذَا فَمَحْمُولٌ عَلَى الثَّوْبِ النَّقِيِّ النَّظِيفِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَلَا مَكْرُوهٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ مَا يُنْقَلُ عَنْهُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ لَيْسَ إلَّا ، وَمَنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ فَلَا سَبِيلَ أَنْ يُرْجَعَ إلَى نَقْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الدِّينِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَعُرِفَتْ فَأَيُّ مَنْ خَالَفَهَا عُرِفَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْحَافِظِ الْجَلِيلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا اللِّبَاسِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَا يَأْخُذُهَا حَصْرٌ لَكِنْ نُشِيرُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا ، فَمِنْهَا مَا ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِهِ يُغْسَلُ لَهُ ثَوْبُهُ وَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَلْبَسُهُ فَلَبِسَ ثَوْبَ زَوْجَتِهِ وَجَلَسَ يَشْغَلُ وَلَدَهُ حَتَّى تَفْرُغَ أُمُّهُ مِنْ غَسْلِهِ ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَى خَبْزِ الْعَجِينِ فِي الْفُرْنِ فَأَخَذَ الطَّبَقَ عَلَى يَدِهِ وَالْوَلَدَ عَلَى ذِرَاعِهِ الْآخَرِ وَخَرَجَ لَأَنْ يَخْبِزَ ، وَإِذَا بِامْرَأَةٍ عَجُوزٍ لَقِيَتْهُ فَطَلَبَتْ مِنْهُ أَدَاءَ شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَذَهَبَ مَعَهَا فِي الْوَقْتِ ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَالْعَجِينُ عَلَى يَدِهِ وَوَلَدُهُ عَلَى ذِرَاعِهِ حَتَّى جَاءَ إلَى الْقَاضِي وَجَمَاعَةُ الشُّهُودِ عِنْدَهُ فَأَدَّى الشَّهَادَةَ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي : وَمَا حَمَلَك عَلَى أَنْ تَأْتِيَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَقَالَ لَهُ : غَسَلْت ثَوْبِي وَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَلْبَسُهُ فَلَبِسْت ثَوْبَ الزَّوْجَةِ وَكُنْت أَشْغَلُ الْوَلَدَ عَنْ أُمِّهِ ، ثُمَّ احْتَجْتُ إلَى الْخُبْزِ فَخَرَجَتْ لِأَخْبِزَ فَلَقِيَتْنِي هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَطَلَبَتْ مِنِّي أَدَاءَ الشَّهَادَةِ ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيَّ فَخِفْت أَنَّهُ لَا يَطُولُ الْعُمُرُ فَبَادَرْت إلَى خَلَاصِ الذِّمَّةِ ، وَبَعْدَهَا أُدْرِكُ قَضَاءَ حَاجَتِي فَرَدَّ الْقَاضِي رَأْسَهُ إلَى الْعُدُولِ فَقَالَ لَهُمْ : أَفِيكُمْ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا فَقَالُوا : لَا فَقَالَ : وَأَيْنَ الْعَدَالَةُ .
وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُتَقَدِّمِهِمْ وَمُتَأَخِّرِهِمْ مِنْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمَغْرِبِ إلَى الْآنَ لَا يَعْرِفُونَ ثِيَابَ الدُّرُوسِ ، وَلَا يَعْرُجُونَ عَلَيْهَا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَقَّى مِنْ الْأَمْرِ بَقِيَّةً تُعَرِّفُ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ الْعَالِمَ الْكَبِيرَ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَالْمُقَلَّدَ فِي النَّوَازِلِ الَّذِي يَحْضُرُ عِنْدَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ إذَا قَعَدَ لِأَخْذِ
الدُّرُوسِ لَا يُعْرَفُ مِنْ بَيْنِهِمْ بَلْ هُوَ أَقَلُّهُمْ لِبَاسًا ؛ لِأَنَّهُ أَزْهَدُهُمْ وَأَوْرَعُهُمْ فَهُوَ أَقَلُّهُمْ تَكَلُّفًا مِنْ الدُّنْيَا وَرُبَّمَا يَخْرُجُ لِلسُّوقِ لِشِرَاءِ حَاجَتِهِ بِيَدِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَّخِذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ خَادِمًا ، وَلَا يَشْتَرُونَ عَبْدًا ، وَلَا يَتَّخِذُونَ مَرْكُوبًا بَلْ يَحْمِلُ أَحَدُهُمْ حَاجَتَهُ بِيَدِهِ وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ فِي يَدِهِ الْخُضْرَةُ وَالْكَانُونُ وَاللَّحْمُ وَالْعَجِينُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا أَتَاهُ الْقَاضِي بِجَمَاعَتِهِ لِيَسْتَفْتِيَهُ فِي بَعْضِ النَّوَازِلِ ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فِي السُّوقِ فَيَقِفُ مَعَهُمْ وَيُفْتِيهِمْ ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ وَيَمُرُّ هُوَ إلَى بَيْتِهِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَجْسُرُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا أَوْ يَمْشِيَ مَعَهُ اتِّقَاءً عَلَى خَاطِرِهِ وَعَمَلًا عَلَى مَا يَخْتَارُهُ مِنْهُمْ ، وَإِذَا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ مِنْ الدَّرْسِ خَرَجَ وَحْدَهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَنْ يَتْبَعُهُ اتِّقَاءً عَلَى خَاطِرِهِ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو الْحَسَنِ الزَّيَّاتُ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ أَخْذِ الدُّرُوسِ وَوَجَدَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ يَنْتَظِرُونَهُ يَسْأَلُهُمْ مَا تُرِيدُونَ ، فَإِنْ أَخْبَرُوهُ أَجَابَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَاجَةٌ يَسْأَلُهُمْ أَيَّ طَرِيقٍ تُرِيدُونَ فَيُخْبِرُونَهُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي يُرِيدُهَا هُوَ لِكَيْ يَمْشُوا مَعَهُ فَيَقُولُ هُوَ : أَنَا أَمْضِي مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي يُرِيدُونَهَا فَيُبْعِدُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّرِيقَ .
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَارًّا بِالطَّرِيقِ فَلَقِيَهُ أَحَدٌ فَسَأَلَهُ وَقَفَ مَعَهُ حَتَّى يُجِيبَهُ ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ سَأَلَهُ أَيَّ طَرِيقٍ تُرِيدُ فَيَقُولُ لَهُ الشَّخْصُ هَذِهِ الطَّرِيقَ لِلطَّرِيقِ الَّتِي يَرَى الشَّيْخُ مَارًّا إلَيْهَا فَيَقُولُ هُوَ : وَأَنَا أُرِيدُ هَذِهِ الطَّرِيقَ لِطَرِيقٍ غَيْرِ تِلْكَ وَرُبَّمَا رَجَعَ إلَى الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَى مِنْهَا وَيُبْعِدُ عَلَى نَفْسِهِ خَوْفًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ
أَنْ يُوطَأَ عَقِبَهُ أَوْ يُقَالُ عَنْهُ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ وَالدَّرْسِ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ اللِّبَاسِ ، وَلَا يَقْصِدُ لِذَلِكَ لِبَاسًا مُعَيَّنًا إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَكَانَ يَخْرُجُ فِي زَمَانِ الصَّيْفِ بِقَمِيصٍ خَامٍ غَلِيظٍ يَصِلُ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ أَوْ نَحْوِهِ وَلِبَاسٍ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ طَاقِيَّةٌ طَاقٌ وَاحِدٌ وَمِنْدِيلٌ أَوْ خِرْقَةٌ يَجْعَلُهَا عَلَى أَكْتَافِهِ حِينَ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُزِيلُهَا إذَا فَرَغَ مِنْهَا وَيَجْعَلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ زَادَ عَلَى ذَلِكَ دَلَقًا وَاحِدًا غَلِيظًا وَفُوطَةً تُسَاوِي سَبْعَةَ دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَهَا وَعِمَامَةً خَمْسَ طَيَّاتٍ أَوْ نَحْوَهَا ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْرُجُ يَمْلَأُ الْمَاءَ مِنْ الْبَحْرِ بِيَدِهِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلَى بَيْتِهِ ، فَإِنْ لَقِيَهُ أَحَدٌ وَسَأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَنْهُ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ فَيَبَرُّ قَسَمَهُ ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ عَكْسُ هَذَا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ نَلْبَسُ هَذِهِ الْخِلَعَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا لَعَلَّ أَنْ نُنْسَبَ بِسَبَبِهَا إلَى الْعُلَمَاءِ ، وَلَعَلَّ أَنْ يُسْمَعَ مِنَّا وَيُرْجَعَ إلَيْنَا فِي حُظُوظِ أَنْفُسِنَا ، وَأَمَّا أَخْذُ الْعِلْمِ النَّافِعِ مِنَّا وَالِاقْتِدَاءُ بِنَا فِي الْخَيْرِ فَبَعِيدٌ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك ، وَإِنْ وَطِئَ أَحَدٌ عَقِبَنَا وَمَشَى مَعَنَا نَرَى لَهُ تِلْكَ الْحُرْمَةَ وَنَنْظُرُ لَهُ فِي الْمَصْلَحَةِ بِتَنْزِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ ، كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ حُبُّ الرِّيَاسَةِ مِنَّا وَالْحَظْوَةُ وَإِيثَارُ الظُّهُورِ عَلَى الْخُمُولِ وَمَحَبَّةُ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَالْجَاهِ وَمَا فَعَلْنَاهُ هُوَ الَّذِي يُذْهِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ عَنَّا وَيَأْتِي بِضِدِّهِ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ مَا مِنْ آدَمِيٍّ إلَّا وَبِرَأْسِهِ حَكَمَةٌ مِثْلُ حَكَمَةِ الدَّابَّةِ بِيَدِ مَلَكٍ ، فَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ الْمَلَكُ وَقَالَ لَهُ : ارْتَفِعْ رَفَعَكَ اللَّهُ وَإِنْ ارْتَفَعَ ضَرَبَهُ الْمَلَكُ وَقَالَ لَهُ اتَّضِعْ وَضَعَكَ
اللَّهُ .
أَوْ كَمَا قَالَ مَعَ أَنَّ الْعَالِمَ إنَّمَا يُزَيِّنُهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ بِمَعْرِفَةِ مَذَاهِبِ النَّاسِ وَاخْتِلَافِهِمْ وَالْمُشَارَكَةِ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ وَاللِّبَاسِ الْحَسَنِ عَلَى زِيِّ مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلْمِ بَلْ يُزِيلُ بَهْجَتَهُ وَيَكُونُ سَبَبًا إلَى ضِدِّ مَا يُوَرِّثُهُ الْعِلْمُ مِنْ الْوَقَارِ وَالْهَيْبَةِ وَالسُّكُونِ ، وَلَوْ كَانَتْ الزِّينَةُ تَزِيدُ فِي الْعِلْمِ شَيْئًا لَمْ يَجْرِ عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا جَرَى لِأَجْلِ حُسْنِ وَجْهِهِ الَّذِي هُوَ خِلْقَةٌ خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا لَا مُسْتَعَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَلَدِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمَلُ مِنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَدْ سُجِنَ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ حُسْنِ وَجْهِهِ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ عَلَى بَرَاءَتِهِ بِالشَّاهِدِ الَّذِي أَنْطَقَهُ اللَّهُ بِتَصْدِيقِهِ وَبَيَانِ بَرَاءَتِهِ ، وَبَعْدَ إقْرَارِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ فَحُبِسَ بَعْد ذَلِكَ كُلِّهِ لِحُسْنِ وَجْهِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ فَدَلَّ قَوْله تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ سُجِنَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ لِعِلَّةِ حُسْنِ وَجْهِهِ وَلِيُغَيِّبُوهُ عَنْهَا وَعَنْ غَيْرِهَا فَطَالَ فِي السِّجْنِ حَبْسُهُ حَتَّى إذَا عَبَّرَ الرُّؤْيَا وَقَفَ الْمَلِكُ عَلَى عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَاشْتَاقَ إلَيْهِ وَرَغِبَ فِي صُحْبَتِهِ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْمَلِكِ عِنْدَمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ يُوسُفَ وَمَعْرِفَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُ ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ وَحُسْنَ عِبَارَتِهِ صَيَّرَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَفَوَّضَ إلَيْهِ الْأُمُورَ فَتَبَرَّأَ مِنْهَا وَصَارَ يُعِينُ الْمَلِكَ كَأَنَّهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ ،
فَكَانَ هَذَا الَّذِي بَلَغَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ لَا بِحُسْنِهِ وَلَا بِجَمَالِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنَّك الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَلَمْ يَقُلْ إنِّي حَسَنٌ جَمِيلٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ فَوَاَللَّهِ مَا يُبَالِي الْمَرْءُ عَلَى هَذَا بِحُسْنِ وَجْهِهِ أَوْ قُبْحِهِ ، وَلَا بِحُسْنِ ثَوْبِهِ وَكُمِّهِ كَانَ مَا كَانَ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَشِينُهُ عَدَمُ عِلْمِهِ وَسُوءُ فَهْمِهِ ، وَاَلَّذِي يُزَيِّنُهُ كَثْرَةُ عِلْمِهِ وَجَوْدَةُ فَهْمِهِ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
أَنَّهُ كَانَ لَهُ لِبَاسٌ خَاصٌّ لَا يَلْبَسُ إلَّا إيَّاهُ بَلْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَلْبَسُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّفَ فَكَانَ يَخْرُجُ بِالْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ وَالرِّدَاءِ وَرُبَّمَا خَرَجَ بِالْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ دُونَ الرِّدَاءِ وَرُبَّمَا خَرَجَ بِالْقَلَنْسُوَةِ دُونَ الْعِمَامَةِ وَالرِّدَاءِ وَرُبَّمَا خَرَجَ عُرْيًا مِنْ الْجَمِيعِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْقَلَانِسُ مَا كَانَ لَهَا ارْتِفَاعٌ فِي الرَّأْسِ عَلَى أَيِّ شَكْلٍ كَانَتْ انْتَهَى ، وَقَدْ لَبِسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقَبَاءَ وَالضَّيِّقَ مِنْ الثِّيَابِ وَالْوَاسِعَ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ صِفَةُ هَذِهِ الثِّيَابِ الَّتِي فِي وَقْتِنَا هَذَا ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يُطَالَبُ بِالِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِدَاءِ وَالْفَضَائِلِ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مِنْ النَّقْصِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ تِلْكَ الثِّيَابِ لَا يَتَّصِفُ
بِالتَّوَاضُعِ غَالِبًا ، وَالتَّوَاضُعُ أَصْلٌ فِي الدِّينِ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانَ يَزْعُمُ فِي نَفْسِهِ التَّوَاضُعَ ، فَالتَّوَاضُعُ فِي النَّفْسِ دَعْوَى بِغَيْرِ حَقِيقَةٍ ، وَلَوْ كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ التَّوَاضُعَ لَظَهَرَ فِي اتِّبَاعِهِ لِسَلَفِهِ فِي اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ لُبْسُ ذَلِكَ مِنْهُ حُرْمَةً لِلْعِلْمِ لَيْسَ إلَّا ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ حُرْمَةَ الْعِلْمِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِتِلْكَ الْخِلْعَةِ فَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ وَيَسْتَغْفِرَ وَيَعْتَرِفَ بِخَطَئِهِ ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ ازْدِرَاءٌ بِالْمَاضِينَ إذْ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ أَصْلًا فَيَكُونُ هُوَ أَعْرَفُ مِنْهُمْ بِإِقَامَةِ حُرْمَةِ الْعِلْمِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يُقِيمُونَ حُرْمَتَهُ فَيَكُونُ هُوَ أَعْرَفَ مِنْ سَلَفِهِ وَأَفْضَلَ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِهَذَا اللِّبَاسِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى حِرْمَانِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ فَلَقَدْ رَأَيْت وَبَاشَرْت مَنْ لَهُ أَوْلَادٌ يُرِيدُ أَنْ يُشْغِلَهُمْ بِالْعِلْمِ فَيُمْتَنَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَجْلِ قِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُحَصِّلَ لِأَحَدِهِمْ تِلْكَ الثِّيَابَ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ يُحْضِرَهُ مَجْلِسَ الْعِلْمِ بِغَيْرِهَا فَتَرَكُوا تَعَلُّمَ الْعِلْمِ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ لَإِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ إذْ أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ يُخَالَفُ إبْلِيسُ وَبِتَرْكِهِ يُطَاعُ ، فَأَيُّ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ فَتَنَبَّهْ لَهَا ، وَسَبَبُ هَذَا كُلِّهِ الْوُقُوعُ فِيمَا وَقَعْنَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ إذْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَنَا عِلْمٌ وَفَهْمٌ لَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَضَائِلَ وَالْخَيْرَاتِ لِمَنْ تَقَدَّمَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِاتِّبَاعِهِمْ فَإِذَا خَالَفْنَاهُمْ فَمَا يَحْصُلُ لَنَا إلَّا النَّقْصُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ الْعِلْمُ أَوَّلًا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى جُلُودِ الضَّأْنِ وَبَقِيَتْ مَفَاتِحُهُ فِي صُدُورِ
الرِّجَالِ وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : وَقَدْ قَلَّتْ الْمَفَاتِيحُ وَإِنْ وُجِدَ مِفْتَاحٌ فَقَلَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِيمًا انْتَهَى .
وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ عُدِمَتْ الْمَفَاتِيحُ فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ صَارَتْ الْعُلُومُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِحُسْنِ الثِّيَابِ وَطُولِهَا وَوُسْعِهَا .
وَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَى هَذَا اللِّبَاسِ مَا أَشْنَعَهَا ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ مُصَانًا مُرَفَّعًا مُعَظَّمًا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ إلَّا أَهْلُهُ الْمُتَّصِفُونَ بِهِ فَلَمَّا أَنْ لَبِسُوا لَهُ خِلْعَةً يَخْتَصُّ بِهَا بَقِيَ يَدَّعِيهِ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بَلْ مَغْمُوسٌ فِي الْجَهْلِ وَاخْتَلَطَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَالِمُ مَعَ الْعَامِّيِّ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا حَتَّى لَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ عُدُولِ هَذَا الْوَقْتِ الْمَشْهُورِينَ تَيَمَّمَ عَنْ جُرْحٍ أَصَابَ يَدَهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى مَذْهَبِ إمَامِهِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَمَسَحَ أُصْبُعَ الْجَرِيحِ فِي حَائِطٍ وَقَالَ هَذَا التَّيَمُّمُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ مَا قَالَ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ : وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْجَرِيحِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّيَمُّمِ عَنْهُ فَلَوْ بَقِيَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ فِي هَدْيِ الْعَالِمِ وَسَمْتِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَتَقَشُّفِهِ وَخَوْفِهِ وَقَلَقِهِ وَهَرَبِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَأَبْنَائِهَا وَحُسْنِ مَنْطِقِهِ وَعُذُوبَةِ عِبَارَتِهِ وَوُقُوفِهِ عَلَى بَابِ رَبِّهِ وَدَعْوَى النَّاسِ إلَى ذَلِكَ وَتَوَاضُعِهِ وَإِشْفَاقِهِ عَالِمًا بِأَهْلِ زَمَانِهِ مُتَحَفِّظًا مِنْ سُلْطَانِهِ سَاعِيًا فِي خَلَاصِ نَفْسِهِ وَنَجَاةِ مُهْجَتِهِ مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عَرَضِ دُنْيَاهُ مُجَاهِدًا لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ وَيَكُونُ أَهَمُّ أُمُورِهِ عِنْدَهُ الْوَرَعَ فِي دِينِهِ وَاسْتِعْمَالَ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَمُرَاقَبَتَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عِنْدَهُ ، فَلَوْ بَقِيَ الْعُلَمَاءُ عَلَى بَعْضِ هَذَا لَحُفِظَ بِهِمْ الْعِلْمُ وَتَمَيَّزَ أَهْلُهُ
مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَكِنْ خَلَطُوا فَتَخَلَّطَ الْأَمْرُ وَانْدَرَسَ وَصَارَ لَا يُعْرَفُ الْعَالِمُ مِنْ الْعَامِّيِّ لِتَقَارُبِ النِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ وَالْحَالِ ، فَتَجِدُ لِبَاسَ بَعْضِ الْعَوَامّ كَلِبَاسِ الْعَالَمِ لِيُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي مَنْصِبٍ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يَعْرِفُهُ .
وَتَجِدُ تَصَرُّفَ الْعَالِمِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَتَصَرُّفِ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِنْ الْجَائِزِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَمْنُوعِ إنَّمَا هُوَ فِي الدُّرُوسِ جَارٍ عَلَى اللِّسَانِ لَيْسَ إلَّا ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّصَرُّفِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ فَقَلَّ أَنْ تَجِدَ إذْ ذَاكَ أَحَدًا مِنْهُمْ فِي الْغَالِبِ يَقُومُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ بِلِسَانِهِ فِي دَرْسِهِ ، فَالْعَارِفُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الْيَوْمَ بِمَسَائِلِ الْفِقْهِ الْمَاهِرُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ بِاللِّسَانِ دُونَ التَّصَرُّفِ أَعْنِي فِي الْغَالِبِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقْعُدُ يَبْحَثُ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ وَيُحَرِّرُ فِيهَا النَّقْلَ عَنْ الْعُلَمَاءِ بِالْمَنْعِ أَوْ الْكَرَاهَةِ وَيَنْفُضُ تِلْكَ الْأَكْمَامَ إذْ ذَاكَ وَيَضْرِبُ عَلَى الْحَصِيرِ وَيُقِيمُ الْغَبَرَةَ الَّتِي تَحْتَهُ ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ فَيُرْسِلُ إلَى السُّوقِ مَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ الْعَبْدَ الصَّغِيرَ وَالصَّبِيَّ الصَّغِيرَ وَالْمَرْأَةَ وَمَنْ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا وَلَا قَرَأَ ، وَفِي السُّوقِ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَوَامّ الْجَهَلَةِ بِمَا يَلْزَمُهُمْ فِي سِلَعِهِمْ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَمِنْ أَيْنَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الْمَفَاسِدُ وَمِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الرِّبَا فَيَقَعُ الْبَيْعُ مِنْ جَاهِلٍ وَالشِّرَاءُ مِنْ مِثْلِهِ .
هَذَا هُوَ حَالُ بَعْضِهِمْ وَإِلَّا فَالْغَالِبُ مِنْهُمْ يُبَاشِرُونَ شِرَاءَ حَوَائِجِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يَعْرُجُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كَوْنِهِ لَا يُجِيزُ الْبَيْعَ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ بَيْنَهُمْ فِي الْغَالِبِ بَلْ مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مَعْدُومٌ بَيْنَهُمْ ، وَهُوَ قَرِيبٌ ؛ لِأَنَّهُ يُجِيزُ إذَا عُدِمَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَا شَارَكَهُمَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَى الْبَاطِنِيِّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ فَتَكْفِي الْمُعَاطَاةُ ، وَهُوَ أَنْ
تُعْطِيَهُ وَيُعْطِيَكَ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مَذْكُورٍ فِي كُتُبِهِمْ .
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الِاسْتِئْمَانِ وَالِاسْتِرْسَالِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ لَهُ بِعْنِي كَيْفَ بِعْت فَهَذَانِ وَجْهَانِ سَهْلَانِ قَرِيبَانِ وَمَعَ هَذَا التَّسَاهُلِ وَالتَّرْخِيصِ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ عَلَى مَا يُشَاهَدُ مِنْ بَعْضِهِمْ مُبَاشَرَةً مِنْ شِرَاءِ حَوَائِجِهِمْ عَلَى يَدِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَمَنْ لَا يَعْلَمُ ، وَفِي السُّوقِ أَيْضًا مِثْلُهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَدْ يَخْرِقُونَ الْإِجْمَاعَ بِسَبَبِ التَّعَاطِي فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ إنْ كَانُوا اكْتَسَبُوهُ أَوَّلًا مِنْ وَجْهِ حِلٍّ فَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْحَرَامِ الْبَيِّنِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْكَسْبُ أَيْضًا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَقُبْحٌ عَلَى قُبْحٍ وَسَبَبُ هَذَا كُلِّهِ حُبُّ الرِّيَاسَةِ وَالْحَيَاءُ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَرَوْهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَحْمِلُ الْحَاجَةَ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وَضْعًا مِنْ حَقِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِهِ .
وَأَمَّا دُخُولُ الْأَسْوَاقِ وَشِرَاءُ الْحَاجَةِ بِالْيَدِ وَمُبَاشَرَتُهَا فَهِيَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا فَبَقِيَتْ عِنْدَهُمْ الْيَوْمَ كَأَنَّهَا عَيْبٌ كَمَا صَارَ الثَّوْبُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَهُمْ عَيْبًا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ثِيَابِهِمْ وَخِلَعِهِمْ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ الْبَلَاءِ بِمَنِّهِ فَهَذِهِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ فِيهَا وُجُوهٌ مِنْ الْحِكْمَةِ عَدِيدَةٌ ، مِنْهَا التَّوَاضُعُ ، وَمِنْهَا امْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِيَدِهِ ، وَمِنْهَا لِقَاءُ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمُبَاشَرَتُهُمْ وَاغْتِنَامُ بَرَكَةُ بَعْضِهِمْ وَإِرْشَادُ الْبَاقِينَ ، وَمِنْهَا النَّظَرُ فِي تَصْفِيَةِ الْغِذَاءِ وَتَخْلِيصِهِ مِنْ الرِّبَا وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَمَا لَا يَنْبَغِي ، وَمِنْهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَوْضِعِ الْغَفْلَةِ سِيَّمَا فِي وَقْتِنَا هَذَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي نِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى السُّوقِ وَعَدَدِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ بِالدُّرَّةِ مَنْ يَقْعُدُ فِي السُّوقِ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ وَيَقُولُ : لَا يَقْعُدُ فِي سُوقِنَا مَنْ لَا يَعْرِفُ الرِّبَا أَوْ كَمَا كَانَ يَقُولُ .
وَقَدْ أَمَرَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإِقَامَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ مِنْ السُّوقَةِ لِئَلَّا يُطْعِمَ النَّاسَ الرِّبَا .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْكُرُ أَنَّهُ أَدْرَكَ بِالْمَغْرِبِ الْمُحْتَسِبَ يَمْشِي عَلَى الْأَسْوَاقِ وَيَقِفُ عَلَى كُلِّ دُكَّانٍ فَيَسْأَلُ صَاحِبَ الدُّكَّانِ عَنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَلْزَمُهُ فِي سِلَعِهِ وَمِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الرِّبَا فِيهَا وَكَيْفَ يَتَحَرَّزُ عَنْهَا ، فَإِنْ أَجَابَهُ أَبْقَاهُ فِي الدُّكَّانِ وَإِنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَقَامَهُ مِنْ الدُّكَّانِ ، وَيَقُولُ : لَا نُمَكِّنُك أَنَّك تَقْعُدُ بِسُوقِ الْمُسْلِمِينَ تُطْعِمُ النَّاسَ الرِّبَا أَوْ مَا لَا يَجُوزُ انْتَهَى .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُسْتَظَلَّ بِجِدَارِ صَيْرَفِيٍّ مَعَ أَنَّ الْأَحْكَامَ كَانَتْ إذْ ذَاكَ ظَاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَحْكَامِ فَعَلَى هَذَا الْفَتْوَى الْيَوْمَ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ غَالِبًا لِلْجَهْلِ بِالْأَحْكَامِ ، وَتَصَرُّفُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِمَا لَا يَنْبَغِي فِي جُلِّ الْبِيَاعَاتِ فَالْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ الْيَوْمَ حُكْمُ الصَّيْرَفِيِّ إذْ ذَاكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا كَيْفَ كَانَ الْعَوَامُّ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْقَرِيبِ مِنَّا وَكَيْفَ حَالُ الْعُلَمَاءِ الْيَوْمَ وَمَا بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ أَمْرٌ طَائِلٌ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
سُنَّةٌ فِيهَا وُجُوهٌ مِنْ الْحِكَمِ عَدِيدَةٌ صَارَ الْعَالِمُ مِنَّا يَسْتَحِي مِنْ فِعْلِهَا وَيَحْتَشِمُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا ، كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْعَوَائِدِ فِي التَّصَرُّفِ وَالْمَلْبَسِ وَتَرْكِ النَّظَرِ إلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَإِلَى فِعْلِ الْمَاضِينَ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ .
( فَصْلٌ ) فِي الْقِيَامِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ وَفِيمَنْ جَالَسَهُ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَكَثُرَ وُقُوعُهَا عِنْدَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَّا مِمَّنْ يَعْرِفُ الْعِلْمَ وَمِمَّنْ لَا يَعْرِفُهُ أَعْنِي فِي الْأَكْثَرِ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ، وَهُوَ هَذَا الْقِيَامُ الَّذِي اعْتَادَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَحَافِلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ سِيَّمَا إنْ كُنَّا فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ فَهُوَ أَشَدُّ فِي الْكَرَاهَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ يَذْكُرُ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا دَخَلَ أَحَدٌ عَلَيْنَا إذْ ذَاكَ قَطَعْنَا مَا كُنَّا فِيهِ وَقُمْنَا إلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْنَا ، فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ صَبِيًّا صَغِيرًا أَوْ شَابًّا أَوْ مَنْ لَا بَالَ لَهُ فِي دِينِهِ فَيَكُونُ أَعْظَمَ فِي قِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ الْعَالِمِ الَّذِي حَكَيْنَا إذْ ذَاكَ قَوْلَهُ أَوْ مَذْهَبَهُ ، فَإِنْ كَانَ مَجْلِسُنَا إذْ ذَاكَ لِلْحَدِيثِ فَهُوَ أَعْظَمُ ؛ لِأَنَّهُ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِلَّةُ احْتِرَامٍ وَعَدَمُ مُبَالَاةٍ أَنْ يُقْطَعَ حَدِيثُهُ لِأَجْلِ غَيْرِهِ فَكَيْفَ لِبِدْعَةٍ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُوَقِّرُونَ مَجْلِسَ الْحَدِيثِ حَتَّى فِي رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَرْفَعُوهَا إذْ ذَاكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الْآيَةَ قَالَ مَالِكٌ وَلَا فَرْق بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ عَلَى حَدِيثِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ بَلْ كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ حَدِيثَهُ ، وَلَا يَتَحَرَّكُونَ وَإِنْ أَصَابَهُمْ الضُّرُّ فِي أَبْدَانِهِمْ وَيَتَحَمَّلُونَ الْمَشَقَّةَ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ إذْ ذَاكَ احْتِرَامًا لِحَدِيثِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ صِفَةِ تَوْقِيرِهِمْ لِلْحَدِيثِ كَيْفَ كَانَ وَمَا جَرَى لِمَالِكٍ
رَحِمَهُ اللَّهُ فِي لَسْعِ الْعَقْرَبِ لَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَهُوَ لَمْ يَتَحَرَّكَ ، وَتَحَمُّلُهُ لِلَسْعِهَا تَوْقِيرًا لِجَانِبِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ يَقْرَأُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لِضُرٍّ أَصَابَ بَدَنَهُ مَعَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِيمَا وَقَعَ بِهِ فَكَيْفَ بِالْحَرَكَةِ وَالْقِيَامِ إذْ ذَاكَ لَا لِضَرُورَةٍ بَلْ لِبِدْعَةٍ ، سِيَّمَا إنْ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْكَلَامِ الْمُعْتَادِ فِي سَلَامِ بَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ مِنْ التَّمَلُّقِ وَالتَّزْكِيَةِ وَالْأَيْمَانِ بِوُجُودِ الْمَحَبَّةِ وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ وَإِحْنَاءِ الرَّأْسِ وَرُكُوعِهِ بَلْ يَقْرُبُ بَعْضُهُمْ مِنْ السُّجُودِ بَلْ يَفْعَلُونَهُ لِبَعْضِ كُبَرَائِهِمْ وَمَشَايِخِهِمْ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ وَصَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ لَا زَادَ رَزِينٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ سَفَرٍ انْتَهَى .
وَهَذَا فِيهِ وُجُوهٌ مِنْ الْمَحْذُورَاتِ مِنْهَا ارْتِكَابُ النَّهْيِ فِي التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ نَهَانَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ ، وَقِيَامُ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ مِنْ فِعْلِهِمْ .
وَمِنْهَا أَنَّ فِيهِ إذْلَالًا لِلْقَائِمِ وَإِذْلَالًا لَلْمَقُومِ إلَيْهِ .
أَمَّا إذْلَالُ الْقَائِمِ فَبِقِيَامِهِ حَصَلَتْ لَهُ الذِّلَّةُ .
وَأَمَّا الْمَقُومُ إلَيْهِ فَلِأَنَّهُ يَنْحَطُّ إذْ ذَاكَ وَيُقَبِّلُ يَدَهُ أَوْ يُشِيرُ إلَى الْأَرْضِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاشِرُ بَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ وَذَلِكَ إذْلَالٌ مَحْضٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ ، وَلَا يَشُكُّ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنَ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ وَمِنْهَا الْحَلِفُ بِاَللَّهِ إذْ ذَاكَ ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُوَقِّرُونَ الْحَلِفَ كَثِيرًا وَتَكْثِيرُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِنْ
الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُمْ ، وَالْيَمِينُ هُنَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُوَقِّرُ أَنْ يَذْكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا عَلَى سَبِيلِ الذِّكْرِ حَتَّى إذَا اُضْطُرُّوا فِي الدُّعَاءِ إلَى مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِمْ بِالْمُكَافَأَةِ لَهُ يَقُولُونَ جُزِيت خَيْرًا خَوْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ بِغَيْرِ صِفَةِ الذِّكْرِ .
وَمِنْهَا مَا يَحْصُلُ مِنْ حِرْمَانِ بَرَكَةِ السُّنَّةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ بِالسَّلَامِ الْمَشْرُوعِ أَوْ الْمُصَافَحَةِ الْمَشْرُوعَةِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا .
وَمِنْهُ أَيْضًا عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا وَحَمِدَا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَاهُ غُفِرَ لَهُمَا وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَافَحَ عَالِمًا صَادِقًا فَكَأَنَّمَا صَافَحَ نَبِيًّا مُرْسَلًا انْتَهَى .
وَقَدْ وَرَدَ فِي السَّلَامِ مِنْ الْفَضْلِ وَالتَّرْغِيبِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ كَفَى بِهِ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَنْطِقُونَ بِهِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِثَالِ وَالتَّشْرِيعِ فَيَكُونُ بِسَبَبِهِ مِنْ الذَّاكِرِينَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إخْبَارًا عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : مَنْ ذَكَرَنِي ذَكَرْتُهُ وَأَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي .
فَيَحْصُلُ لَهُمْ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ وَالنِّعْمَةُ الشَّامِلَةُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ السَّلَامَ الْمَشْرُوعَ إذْ ذَاكَ بَيْنَنَا مَتْرُوكٌ ، وَكَذَلِكَ الْمُصَافَحَةُ ، فَإِنْ وَقَعَ مِنَّا السَّلَامُ كَانَ قَوْلُنَا صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ مَسَّاكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ يَوْمٌ مُبَارَكٌ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ وَإِنْ كَانَ دُعَاءً وَالدُّعَاءُ كُلُّهُ حَسَنٌ لَكِنْ إذَا لَمْ يُصَادِمْ سُنَّةً كَانَ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا بِحَسَبِ الْوَاقِعِ وَالنِّيَّةِ ، وَأَمَّا إنْ صَادَمَ سُنَّةً فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي مَنْعِهِ ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْبِدَعِ هَلْ تُمْنَعُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ لَا تُمْنَعُ إلَّا إذَا عَارَضَتْ السُّنَنَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَهَذَا مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي عَارَضَ سُنَّةً ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السَّلَامَ الشَّرْعِيَّ بِسَبَبِهِ وَأَحَلَّ الْقِيَامَ وَالدُّعَاءَ مَحَلَّهُ ، وَلَا قَائِلٌ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ قَالَ الْعَالِمُ مَثَلًا أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ السَّلَامِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْعَوَامَّ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي الْبِدَعِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ السُّنَّةَ فَيَظُنُّونَ أَنَّ تِلْكَ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا .
وَإِنْ وَقَعَتْ الْمُصَافَحَةُ بَيْنَنَا إذْ ذَاكَ كَانَ عِوَضًا عَنْهَا تَقْبِيلُ الْيَدِ ، وَقَدْ وَقَعَ إنْكَارُ الْعُلَمَاءِ لِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَبَّلُ يَدُهُ عَالِمًا أَوْ صَالِحًا أَوْ هُمَا مَعًا فَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ .
وَأَمَّا تَقْبِيلُ يَدِ غَيْرِ هَذَيْنِ فَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ يَقُولُ بِجَوَازِهِ لَا سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَبَّلُ يَدُهُ ظَالِمًا أَوْ بِدْعِيًّا أَوْ مِمَّنْ يُرِيدُ تَقْبِيلَ يَدَهُ وَيَخْتَارُهُ فَهُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ الْوَاقِعُ بِالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ وَبِمَنْ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُمَا لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَعِيدِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ وَتَرْكِ الِامْتِثَالِ .
كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ تَرْكُ السُّنَّةِ أَوْ التَّهَاوُنُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُتْرَكُ أَبَدًا إلَّا وَيَنْزِلُ بِمَوْضِعِهَا عُقُوبَةٌ لِتَارِكِهَا بِدْعَةٌ أَوْ بِدَعٌ .
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا مِنْ سَيِّئَةٍ إلَّا وَلَهَا أُخَيَّاتٌ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ فَنَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ : إنَّ كُلَّ شَيْءٍ إذَا تَمَّ نَقَصَ ، وَإِنْ هَذَا الْقَمَرَ قَدْ تَمَّ فَهُوَ يَنْقُصُ بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ، وَإِنِّي لَا أَرَى الْإِسْلَامَ إلَّا وَقَدْ تَمَّ ، وَإِنِّي لَا أَرَاهُ إلَّا وَسَيَنْقُصُ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَانَ الْأَمْرُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا قَالَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا زَالَ يَنْقُصُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَهُوَ بَعْدُ فِي نَقْصٍ كَمَا سَبَقَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ بِرَحْمَتِهِ انْتَهَى .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ عَامٍ إلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( مَا مِنْ سَنَةٍ إلَّا وَتُحْيُونَ
فِيهَا بِدْعَةً وَتُمِيتُونَ فِيهَا سُنَّةً وَلَنْ تُمِيتُوا سُنَّةً فَتَرْجِعُ إلَيْكُمْ أَبَدًا ) وَهَا هُوَ ذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوا السَّلَامَ وَهُوَ السُّنَّةُ وَاسْتَعْمَلُوا الْقِيَامَ وَالدُّعَاءَ صَارَ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ مُنْكَرٌ لَا يُعْرَفُ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ السَّلَامَ الشَّرْعِيَّ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ وَقَالُوا عَنْهُ لَا يُنْصِفُ فِي السَّلَامِ مَا يُسَاوِي أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْئًا لَا يَعْبَأُ بِأَحَدٍ لَا يَلْتَفِتُ إلَى أَحَدٍ مُتَكَبِّرٌ لَا يُعَاشَرُ مُتَجَبِّرٌ لَا يُخَالَطُ ، وَإِنْ حَسَّنُوا الظَّنَّ بِهِ قَالُوا : مَرْبُوطٌ يَابِسٌ مُشَدِّدٌ ثَقِيلٌ ، وَلَرُبَّمَا وَجَدُوا عَلَيْهِ فِي قُلُوبِهِمْ وَلَمْ يُقَرِّبُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَا مِنْ مَجَالِسِهِمْ حَنَقًا عَلَيْهِ فِيمَا عَامَلَهُمْ بِهِ فَصَارَ مَا مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً مَنْ عَامَلَهُمْ بِذَلِكَ وَجَدُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ وَالْجَهْلِ بِهَا وَالْحِرْمَانِ مِنْ بَرَكَتِهَا وَبَرَكَةِ مَعْرِفَتِهَا وَبَرَكَةِ مَعْرِفَةِ أَهْلِهَا .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ أَتَى بِالْمُصَافَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَرَكَ تَقْبِيلَ الْيَدِ لَوَجَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا وَجَدُوا عَلَى مَنْ قَبْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى وَمَا نَحَوْنَا نَحْوَهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِحُذَيْفَةَ : كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْتَ بِدْعَةً قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ يَتَحَرَّزُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ كُلِّهِ وَيَتَفَطَّنُ لَهُ وَيَرْعَاهُ إذْ هُوَ رَاعٍ لِمَنْ حَضَرَهُ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَحَصَلَ فِي هَذَا الْقِيَامِ وَمَا جَرَّ إلَيْهِ مِنْ الْخِصَالِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا مَا هَذَا عَدَدُهُ ، وَهِيَ مَحَبَّةُ الْقِيَامِ وَفِعْلِهِ وَالِانْحِنَاءِ وَالرُّكُوعِ وَالْكَذِبِ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ التَّزْكِيَةِ وَالتَّمَلُّقِ
وَتَكْرَارِ ذَلِكَ وَالْيَمِينِ عَلَيْهِ وَتَكْرَارِهَا وَالْمُدَاهَنَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ وَالتَّكَبُّرِ بِذَلِكَ وَالِاحْتِقَارِ لِمَنْ لَا يُقَامُ لَهُ وَالرِّيَاءِ بِالْقِيَامِ وَمَا جَرَّ إلَيْهِ ، وَذَلِكَ اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ .
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَغْتَرَّ أَوْ يَمِيلَ إلَى بِدْعَةٍ لِدَلِيلٍ قَامَ عِنْدَهُ عَلَى إبَاحَتِهَا مِنْ أَجْلِ اسْتِئْنَاسِ النُّفُوسِ بِالْعَوَائِدِ أَوْ بِفَتْوَى مُفْتٍ قَدْ وَهِمَ أَوْ نَسِيَ أَوْ جَرَى عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْذَارِ مَا يَجْرِي عَلَى الْبَشَرِ وَهُوَ كَثِيرٌ ، بَلْ إذَا نَقَلَ إبَاحَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَأْخَذِ الْعَالِمِ الْمَسْأَلَةَ وَتَجْوِيزِهِ إيَّاهَا مِنْ أَيْنَ اخْتَرَعَهَا وَكَيْفِيَّةِ إجَازَتِهِ لَهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا الدِّينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَحْفُوظٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ فِيهِ قَوْلًا وَيَتْرُكُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ فَيُرْجَعُ لِلْقَوَاعِدِ وَلِلدَّلَائِلِ الْقَائِمَةِ ، وَيَكُونُ قَوْلُ هَذَا الْعَالِمِ بَيَانًا وَتَفْهِيمًا وَبَسْطًا لِلْقَوَاعِدِ وَالدَّلَائِلِ ، وَإِنْ أَتَى عَلَى مَا يَقُولُهُ بِدَلِيلِ فَيُنْظَرُ فِي الدَّلِيلِ ، فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا قُبِلَ وَكَانَ لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ وَأَجْرُ الْإِصَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَمْ يُقْبَلْ وَكَانَ لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ هُوَ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى نِيَّتِهِ وَجَدِّهِ وَنَظَرِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَأْتِي بِمَسْأَلَةٍ إلَّا وَيَأْتِي بِمَأْخَذِهَا وَدَلِيلِهَا فَيُسْنِدُهَا إلَى الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَوْ إلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إلَى إجْمَاعٍ أَوْ إلَى أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَوْ فَتَاوِيهِمْ أَوْ أَحْكَامِهِمْ فَيَقُولُ : وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَبِذَلِكَ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَبِذَلِكَ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَبِذَلِكَ كَانَ رَبِيعَةُ يُفْتِي وَكَانَ ابْنُ هُرْمُزَ يَفْعَلُ كَذَا وَيَقُولُ كَذَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ فِي إسْنَادِهِ كُلَّ مَسْأَلَةٍ يَرُدُّهَا إلَى أَصْلِهَا
وَيَعْزُوهَا إلَى نَاقِلِهَا وَالْمُفْتِي فِيهَا أَوْ الْمُنْفَرِدِ فِيهَا أَوْ إجْمَاعِ النَّاسِ فِيهَا هَذَا مَعَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُجْمَعِ عَلَى تَقْلِيدِهِمْ قَدْ اسْتَفَاضَ عَنْهُمْ وَشَاعَ وَذَاعَ شَهَادَتَهُمْ لَهُ بِالتَّقَدُّمَةِ وَقَدْ سُمِّيَ إمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا أَتَوْا بِالْمَسْأَلَةِ ذَكَرُوا مَأْخَذَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُهَا بَيِّنًا جِدًّا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى ذِكْرِهِ لِكَثْرَةِ وُضُوحِهِ لِلْغَالِبِ مِنْ النَّاسِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا دَأْبُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُجْمَعِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِهِمْ فَكَيْفَ الْمُتَأَخِّرُ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَلْنَرْجِعْ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ أَمْرِ الْقِيَامِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْجَائِزِ أَوْ الْمَنْدُوبِ وَأَلَّفَ عَلَيْهِ تَأْلِيفًا فِي إبَاحَتِهِ وَنَدْبِهِ وَحَاوَلَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْقِسْمِ الْمَكْرُوهِ ، وَجَعَلَ التَّأْلِيفَ الَّذِي أَلَّفَهُ عَلَى بَابَيْنِ : الْبَابُ الْأَوَّلُ : فِيمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي التَّرْغِيبِ لِذَلِكَ وَالنَّدْبِ إلَيْهِ .
وَالْبَابُ الثَّانِي : فِيمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَالِاسْتِعْذَارِ عَنْهُ فَمَنْ يَنْظُرُ هَذَا الْكِتَابَ أَوْ يَقِفُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَعْرِفُ بِهِ مَأْخَذًا لِمَسَائِلَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ مِنْ الْقِسْمِ الْجَائِزِ أَوْ الْمَنْدُوبِ ، فَنَحْتَاجُ إذَنْ أَنْ نَنْظُرَ إلَى مَأْخَذِ دَلِيلِهِ وَاسْتِبَاحَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَشَهِدَتْ لَهُ الْأُصُولُ قَبِلْنَا وَسَلَّمْنَا وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ نَحْتَاجُ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ وَمَا الْجَائِزُ مِنْهُ وَمَا الْمَنْدُوبُ وَمَا الْمَكْرُوهُ مِنْهُ وَمَا الْمَمْنُوعُ .
وَقَدْ نَقَلَ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ آيَةً وَأَحَادِيثَ جُمْلَةً عَلَى جَوَازِ الْقِيَامِ أَوْ النَّدْبِ
إلَيْهِ .
فَعَلَى هَذَا نَحْتَاجُ أَنْ نَأْتِيَ بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَاحِدًا وَاحِدًا وَنُبَيِّنَ مَعْنَى كُلِّ دَلِيلٍ وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ لِلْمَنْعِ لَا لِلْجَوَازِ بَعْدَ بَيَانِ مَأْخَذِ دَلِيلِهِ وَإِيضَاحِهِ فَمِنْ أَيِّ قِسْمٍ ظَهَرَ لَك الصَّوَابُ فَاسْلُكْهُ وَاَللَّهُ يُرْشِدُنَا وَإِيَّاكَ لِطَرِيقِ السَّدَادِ وَيُجَنِّبُنَا وَإِيَّاكَ طَرِيقَ الْجَحْدِ وَالْعِنَادِ وَأَنْ يَرْزُقَنَا وَإِيَّاكَ الْإِنْصَافَ وَالِاتِّصَافَ بِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ .
فَبَدَأَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْكِتَابَ فَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ : وَمِنْ الْخَفْضِ لَهُمْ وَالْإِكْرَامِ أَنْ يُحْتَرَمُوا بِالْقِيَامِ لَا عَلَى طَرِيقِ الرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ بَلْ عَلَى طَرِيقِ التَّكَرُّمِ وَالِاحْتِرَامِ وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ مَنْ لَا يُحْصَى مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْوَرَعِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَمَاثِلِ وَالْأَعْلَامِ ، فَاَلَّذِي يَخْتَارُ الْقِيَامَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْمَزِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَطَلَبَتِهِ وَالْوَالِدَيْنِ وَالصَّالِحِينَ وَسَائِرِ أَخْيَارِ الْبَرِيَّةِ ، فَقَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ جُمَلٌ مِنْ الْأَخْبَارِ وَأَنَا أَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ الْكَرِيمُ جُمَلًا مِمَّا بَلَغَنِي فِيمَا ذَكَرْته لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهَا مِمَّا حَذَفْتُهُ وَذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَأَقَاوِيلِ السَّلَفِ النَّيِّرَةِ الْحُكْمِيَّةِ : أَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُومُوا إلَى خَيْرِكُمْ أَوْ إلَى سَيِّدِكُمْ .
وَقَدْ احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَمِمَّنْ احْتَجَّ بِهِ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فَتَرْجَمَ لَهُ بَابَ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ ، وَكَذَلِكَ
تَرْجَمَ لَهُ غَيْرَهُ .
وَمِمَّنْ احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ صَاحِبُ الصَّحِيحِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : لَا أَعْلَمُ فِي قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ حَدِيثًا أَصَحَّ مِنْ هَذَا قَالَ : وَهَذَا الْقِيَامُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى هَذِهِ السُّنَّةِ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَلَى الْقِيَامِ ، وَالْمُخَاطَبُ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ مُنْدَرِجُونَ بَعْدَهُ فِي الْخِطَابِ وَاَللَّهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ فَهَلْ يُنْقَلُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ قَامَ لِأَحَدٍ أَوْ أَمَرَ بِالْقِيَامِ لِأَحَدٍ مَعَ أَنَّهُ نَدَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فَهَلْ بَعْدَ نَدْبِهِ لِذَلِكَ كَانَ يَقُومُ لِتَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ بَلْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَنَدْبِهِ إلَى تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ كَانَ خَفْضُ جَنَاحِهِ لَهُمْ بِالتَّوَاضُعِ وَالتَّنَازُلِ عَنْ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا الَّتِي وَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَهُ بِهَا إلَى مُخَاطَبَتِهِ الضَّعِيفَ الْفَقِيرَ فِي دُنْيَاهُ أَوْ الْفَقِيرَ فِي إيمَانِهِ فَيُبَاسِطُهُمْ وَيُؤَانِسُهُمْ بِحَدِيثِهِ وَمُبَاشَرَتِهِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَتَعْلِيمِهِ وَتَهْذِيبِهِ وَتَقْوِيَتِهِ يَقِينَ هَذَا وَإِيمَانَ هَذَا وَتَدْرِيبِهِمْ إلَى الثِّقَةِ بِوَعْدِ اللَّهِ وَمَضْمُونِهِ وَمَا وَهَبَ لِأَوْلِيَائِهِ وَمَا تَوَعَّدَ بِهِ أَعْدَاءَهُ .
هَذَا وَمَا شَابَهَهُ هُوَ الَّذِي نُقِلَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ خَفْضِ جَنَاحِهِ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَيْهِ لَا الْقِيَامُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُبَيِّنُ لِلْأَحْكَامِ وَعَنْهُ تُتَلَقَّى ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَيْهِ وَقْتَ
الْبَيَانِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ .
وَكَذَلِكَ نَدْبُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ إنَّمَا هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الَّذِي ذَكَرَ فَيَلْطُفُ بِالْكَبِيرِ فِي دُنْيَاهُ فِي تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مَعَ إظْهَارِ الْبَشَاشَةِ إلَيْهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَالْمَوَدَّةِ وَالْأُنْسِ وَالْبَسْطِ بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ وَالدُّنُوِّ مِنْ الْمَنْزِلَةِ الْمُقَرِّبَةِ لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَهُ وَالْمُبَاسِطِ لَهُ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَنْ كَانَ كَبِيرًا فِي دِينِهِ بِسَبَبِ صَلَاحٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ هُمَا مَعًا فَيَلْطُفُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ أَعْنِي فِي الْأُنْسِ وَالدُّنُوِّ وَالْبَسْطِ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَنْزِلَةَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ مَنْزِلَةِ الدُّنْيَا فَيَعْظُمُ فِي إكْرَامِهِ عَلَى مَا وَرَدَ لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُبَيِّنُ لِلْأَحْكَامِ فَأَفْعَالُهُ مُفَسِّرَةٌ وَمُبَيِّنَةٌ لِأَقْوَالِهِ وَأَحَادِيثِهِ وَلِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَيَمْتَثِلُ قَوْلُهُ وَأَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَا امْتَثَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ وَمَعَ أَصْحَابِهِ وَعَلَى مَا امْتَثَلَهُ أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ مَنْ لَا يُحْصَى مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ - الْفَصْلَ إلَى آخِرِهِ - فَلَوْ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا وَسَكَتَ لَكَانَ يَخْطُرُ لِلسَّامِعِ الَّذِي لَمْ يُحَصِّلُ بَعْدُ شَيْئًا أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ السُّنَّةُ ، وَلَكِنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ أَتَى بِذِكْرِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَذِكْرِ مَذَاهِبِهِمْ وَاسْتِنَادِهِمْ إلَى مَا ذَكَرَ وَعَيَّنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَبَسَطَ وَظَهَّرَ الْأَمْرَ لِلْعَالِمِ وَغَيْرِهِ .
ثُمَّ ذَكَرَ أَوَّلًا الْحَدِيثَ الْمُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قُومُوا إلَى خَيْرِكُمْ أَوْ إلَى سَيِّدِكُمْ فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَازَعُ فِي صِحَّتِهِ ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي الْقِيَامِ كَمَا ذَكَرَ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ لِلْأَنْصَارِ ، وَالْأَصْلُ فِي أَفْعَالِ الْقُرْبِ الْعُمُومُ ، وَلَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ قُرْبَةٌ تَخُصُّ بَعْضَ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَرِينَةً تَخُصُّ بَعْضَهُمْ فَتَعُمُّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ .
فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ بِالْقِيَامِ مِنْ طَرِيقِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا نَدَبَ إلَيْهِ ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ خُصُوصًا بِخَفْضِ الْجَنَاحِ وَأُمَّتُهُ عُمُومًا فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَلَا فَعَلُوهُ بَعْدَ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْأَنْصَارِ ، بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقِيَامَ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ إذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَاشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي الْأَمْرِ بِهِ وَفِي فِعْلِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْقِيَامِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورَاتِ الْمُحْوِجَاتِ لِذَلِكَ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ وَبِسَاطِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ إذْ ذَاكَ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فِي الْمَسْجِدِ مُثْقَلًا بِالْجِرَاحِ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَتَرَكَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجُوزًا تَخْدُمُهُ ، فَلَمَّا أَنْ نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِهِ أَرْسَلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ فَأُتِيَ بِهِ عَلَى
دَابَّةٍ وَهُمْ يُمْسِكُونَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لِئَلَّا يَقَعَ عَنْ دَابَّتِهِ ، فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ إذْ ذَاكَ قُومُوا إلَى خَيْرِكُمْ أَوْ إلَى سَيِّدِكُمْ أَيْ قُومُوا فَأَنْزَلُوهُ عَنْ الدَّابَّةِ .
وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى مَا ذَكَرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ لِيُنْزِلُوهُ عَنْ الدَّابَّةِ لِمَرَضٍ بِهِ انْتَهَى .
لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ جَرَتْ أَنَّ الْقَبِيلَةَ تَخْدُمُ سَيِّدَهَا فَخَصَّهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَنْزِيلِهِ وَخِدْمَتِهِ عَلَى عَادَتِهِمْ الْمُسْتَمِرَّةِ بِذَلِكَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرْتُمْ ، وَهُوَ الْإِنْزَالُ عَنْ الدَّابَّةِ لَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِذَلِكَ مَنْ يَقُومُ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ وَهُمْ نَاسٌ مِنْ نَاسٍ ، فَلَمَّا أَنْ عَمَّهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَمِيعُ إذْ أَنَّ بِبَعْضِهِمْ تَزُولُ الضَّرُورَةُ الدَّاعِيَةُ إلَى تَنْزِيلِهِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ وَشَمَائِلِهِ اللَّطِيفَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ خَصَّ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْقَوْلِ وَالْأَمْرِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إظْهَارًا لِخُصُوصِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ قَبِيلَتِهِ ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ انْكِسَارُ خَاطِرٍ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ وَكَانَتْ إشَارَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ نَظَرُهُ أَوْ أَمْرُهُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَكْبَرِ الْخُصُوصِيَّةِ ، فَأَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ بِذَلِكَ عُمُومًا تَحَفُّظٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَنْكَسِرَ خَاطِرُ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ يَتَغَيَّرَ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ مِثْلَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مَنْ قَامَ بِهِ أَجْزَأَ عَنْ الْبَاقِينَ ، فَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ لِلْقَرَائِنِ الَّتِي قَارَنَتْهُ ، وَهِيَ هَذِهِ وَمَا
تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الْقُرَبِ تَعُمُّ ، وَلَا تَخُصُّ قَبِيلَةً دُونَ أُخْرَى ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِذَلِكَ هَلْ كَانَ لِلْأَنْصَارِ خُصُوصًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَا وَقَعَ مِنْ الْجَوَابِ يَعُمُّ الْقَبِيلَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ غَائِبٌ قَدِمَ وَالْقِيَامُ لِلْغَائِبِ مَشْرُوعٌ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ لِتَهْنِئَتِهِ بِمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ هَذِهِ التَّوْلِيَةِ وَالْكَرَامَةِ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ .
وَالْقِيَامُ لِلتَّهْنِئَةِ مَشْرُوعٌ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ : الْقِيَامُ لِلرَّجُلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : وَجْهٌ يَكُونُ الْقِيَامُ فِيهِ مَحْظُورًا وَوَجْهٌ يَكُونُ فِيهِ مَكْرُوهًا وَوَجْهٌ يَكُونُ فِيهِ جَائِزًا وَوَجْهٌ يَكُونُ فِيهِ حَسَنًا .
فَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مَحْظُورًا لَا يَحِلُّ فَهُوَ أَنْ يَقُومَ إكْبَارًا وَتَعْظِيمًا لِمَنْ يُحِبُّ أَنْ يُقَامَ إلَيْهِ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا عَلَى الْقَائِمِينَ إلَيْهِ ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ الْقِيَامُ فِيهِ مَكْرُوهًا فَهُوَ أَنْ يَقُومَ إكْبَارًا وَتَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا لِمَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يُقَامَ إلَيْهِ ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى الْقَائِمِينَ إلَيْهِ فَهَذَا يُكْرَهُ لِلتَّشَبُّهِ بِفِعْلِ الْجَبَابِرَةِ وَمَا يُخْشَى أَنْ يُدْخِلَهُ مِنْ تَغْيِيرِ نَفْسِ الْمَقُومِ إلَيْهِ ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ الْقِيَامُ فِيهِ جَائِزًا فَهُوَ أَنْ يَقُومَ تَجِلَّةً وَإِكْبَارًا لِمَنْ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ ، وَلَا يُشْبِهُ حَالُهُ حَالَ الْجَبَابِرَةِ وَيُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ نَفْسُ الْمَقُومِ إلَيْهِ لِذَلِكَ وَهَذِهِ صِفَةٌ مَعْدُومَةٌ إلَّا مَنْ كَانَ بِالنُّبُوَّةِ مَعْصُومًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَتْ نَفْسُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالدَّابَّةِ الَّتِي رَكِبَ عَلَيْهَا فَمَنْ سِوَاهُ بِذَلِكَ أَحْرَى ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي يَكُونُ الْقِيَامُ فِيهِ حَسَنًا فَهُوَ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ إلَى الْقَادِمِ عَلَيْهِ مِنْ سَفَرٍ فَرِحًا بِقُدُومِهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَوْ إلَى الْقَادِمِ عَلَيْهِ سُرُورًا بِنِعْمَةٍ أَوْلَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا لِيُهَنِّئَهُ بِهَا أَوْ لِقَادِمٍ عَلَيْهِ مُصَابٍ بِمُصِيبَةٍ لِيُعَزِّيَهُ بِمُصَابِهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْآثَارِ ، وَلَا يَتَعَارَضُ شَيْءٌ مِنْهَا انْتَهَى .
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ نَدَبَكَ الشَّرْعُ أَنْ تَمْشِيَ إلَيْهِ لِأَمْرٍ حَدَثَ عِنْدَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْك
الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ فَالْقِيَامُ إلَيْهِ إذْ ذَاكَ عِوَضٌ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي فَاتَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ، فَقَدْ حَصَلَ الْقِيَامُ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الْقِسْمِ الْمَنْدُوبِ لِتَهْنِئَتِهِ بِمَا أَوْلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نِعْمَتِهِ بِتِلْكَ التَّوْلِيَةِ الْمُبَارَكَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَقَدْ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ .
فَقَدْ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْ احْتَجَّ بِهِ ، وَهُوَ أَبُو دَاوُد وَمُسْلِمٌ ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ دَأْبُهُمْ أَبَدًا فِي الْحَدِيثِ هَذَا ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إلَى فِقْهِ الْحَدِيثِ فَيُبَوِّبُونَ عَلَيْهِ وَيَذْكُرُونَ فَوَائِدَهُ فِي تَرَاجِمِهِمْ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَمَا قَالُوا فِي الْبُخَارِيِّ : رَحِمَهُ اللَّهُ جُلُّ فِقْهِهِ فِي تَرَاجِمِهِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ فِي غَالِبِ أَمْرِهِمْ إلَى التَّفْصِيلِ بِالْجَوَازِ أَوْ الْمَنْعِ أَوْ الْكَرَاهَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إنَّمَا شَأْنُهُمْ سِيَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَالْفُقَهَاءُ يَتَعَرَّضُونَ لِذَلِكَ كُلِّهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا دَاوُد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ بَوَّبَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي وَقَعَ النَّهْيُ فِيهِ عَنْ الْقِيَامِ فَقَالَ : بَابُ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلنَّاسِ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ تَرْجَمَتِهِ وَتَبْوِيبِهِ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ فِقْهَهُ اقْتَضَى مَنْعَ الْقِيَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَقُلْ : بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْقِيَامِ ، وَلَا اسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ ، وَلَا جَوَازِ الْقِيَامِ بَلْ قَالَ : بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ وَلَمْ يَزِدْ ، وَلَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ قَالَ : بَابُ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلنَّاسِ فَيَلُوحُ مِنْ فَحْوَى خِطَابِهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِالْكَرَاهَةِ ، وَلَا يَقُولُ بِالْجَوَازِ ، وَهَذَا كُلُّهُ بَيِّنٌ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا لَمْ نَقُلْ بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَلَمْ نَأْخُذْ مِنْهُ الْحُكْمَ فَلَا سَبِيلَ
إلَى أَنْ نَحْكُمَ بِأَنَّهُ أَخَذَ بِأَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَرَكَ الْآخَرَ إلَّا بِقَرِينَةٍ ، وَالْقَرِينَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى مَا ذَكَرَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَخْرَجَ الْإِمَامَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ تَوْبَتِهِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ فَذَكَرَهُ إلَى قَوْلِهِ وَانْطَلَقْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي وَاَللَّهِ مَا قَامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ انْتَهَى .
اسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الْقِيَامِ بِفِعْلِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَوْنُهُ قَامَ إلَيْهِ ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ بَلْ لَا يُعْطِي الْحَدِيثُ وَنَصُّهُ غَيْرَ ذَلِكَ .
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِيَامُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ إذْ ذَاكَ أَوْ مَشْرُوعًا لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتْرُكَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا شَرَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَدَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مَنْ جَالَسَهُ إذْ ذَاكَ يَجْهَلُ هَذَا الْمَنْدُوبَ أَوْ الْجَائِزَ حَتَّى لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ قَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَمْ يَنْهَهُ ، وَهَذَا وَقْتُ الْبَيَانِ وَتَأْخِيرُهُ لَا يَجُوزُ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ وَصَرَّحَ فِيهِ بِالْقِيَامِ لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، وَهُوَ كَوْنُهُ قَامَ لِتَهْنِئَتِهِ وَمُصَافَحَتِهِ فَكَانَ قِيَامُهُ لِثَلَاثِ مَعَانٍ ، وَهِيَ الْبِشَارَةُ وَالْمُصَافَحَةُ وَالتَّهْنِئَةُ وَلَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ الْقِيَامِ إذْ لَوْ كَانَ لَصَرَّحَ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِغَيْرِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ غَيْرُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ عَلَى أَنَّ التَّهْنِئَةَ وَالْبِشَارَةَ وَالْمُصَافَحَةَ تَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ
عَلَى قَدْرِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْخُلْطَةِ وَالْمُمَازَجَةِ بِخِلَافِ السَّلَامِ ، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِفْ ، فَقَدْ يَكُونُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبٍ مَا ذَكَرَ فَكَانَ مَا صَدَرَ مِنْهُ لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَمْرٌ تَقَرَّرَ ، وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَسَاوَوْا فِي كَثْرَةِ الْمَوَدَّةِ وَتَأْكِيدِ الْحُقُوقِ ، فَرُبَّ شَخْصٍ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ وَآخَرَ لَهُ حَقَّانِ وَآخَرَ لَهُ ثَلَاثُ حُقُوقٍ إلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَارَ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ لَيْسَ إلَّا إنْ كَانَ ذِمِّيًّا ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا كَانَ لَهُ حَقَّانِ ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبًا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ صِهْرًا كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا كَانَ لَهُ خَمْسَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ صَدِيقَا صَاحِبَ سِرٍّ كَانَ لَهُ سِتَّةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ رَأْيٍ وَنَظَرٍ فِي الْعَوَاقِبِ ، وَلَا يُخْرَجُ عَنْ رَأْيِهِ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ كَانَ لَهُ سَبْعَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ كَانَ لَهُ ثَمَانِيَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ كَانَ لَهُ تِسْعَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ صَالِحًا كَانَ لَهُ عَشْرَةُ حُقُوقٍ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا كَانَ لَهُ أَحَدَ عَشْرَ حَقًّا ، فَإِنْ كَانَ يُدْلِي بِقَرَابَتَيْنِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ حَقًّا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ كَثِيرٌ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ فِعْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى خُصُوصِيَّةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ ، فَيَأْتِي عَلَى هَذَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ كَانَ مُمْتَثِلًا مَا يَلْزَمُهُ وَمَا يُنْدَبُ إلَيْهِ مَنْ قَامَ حَتَّى بَشَّرَ وَهَنَّأَ وَقَعَدَ .
وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى بَلْ هُوَ الْأَوْجَبُ ؛ لِأَنَّا إذَا حَمَلْنَا قِيَامَ طَلْحَةَ لِأَجْلِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَأَنَّهُ مِنْ الْمَنْدُوبِ فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَقُمْ قَدْ
زَهِدَ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ ، وَقَدْ زَهِدَ فِي فِعْلِ الْمَنْدُوبِ وَتَمَالَئُوا عَلَى تَرْكِهِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مُبَاشِرٌ لَهُمْ وَلَمْ يَنْهَهُمْ وَلَمْ يُرْشِدْهُمْ وَلَمْ يُعَلِّمْهُمْ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ هَذَا بِالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ صَالِحِي أُمَّتِهِ فَكَيْفَ بِمُتَقَدِّمِيهَا فَكَيْفَ بِالصَّحَابَةِ الْخِيَارِ خِيَارِ الْخِيَارِ فَكَيْفَ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يُقِرُّ عَلَى النِّسْيَانِ ، وَلَا الْغَلَطِ ، وَلَا الْوَهْمِ لِعِصْمَتِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبِ أَوْ الْمَنْدُوبِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَبَانَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَمْرُ وَاتَّضَحَ أَنَّ قِيَامَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ لَا عَلَى الْجَوَازِ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهَا قَالَتْ : وَكَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ انْتَهَى .
اسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ مَشْرُوعٌ بِمَا ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِي كُلِّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْبَابِ مَا يُبَيِّنُ بِهِ مُرَادَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ لَوْ سَلَّمَ لَهُ ظَاهِرُهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ الْقِيَامُ ، وَهُوَ التَّقْبِيلُ وَإِجْلَاسُ الْوَارِدِ فِي مَجْلِسِ صَاحِبِ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ نَدَبَ إلَى تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْزِلَةٌ أَعْظَمُ مِنْ مَنْزِلَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ،
ثُمَّ مَنْزِلَتُهَا بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهَا ) فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهَا فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ وَأَنَّهَا بِضْعَةٌ مِنْهُ فَيَجِبُ تَرْفِيعُهَا وَتَعْظِيمُهَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : تَرْفِيعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا تَرْفِيعٌ لِنَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُعْرَفُ مِنْهُ تَرْفِيعٌ ، وَلَا تَعْظِيمٌ قَطُّ لِنَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ إلَّا مَا كَانَ صَادِرًا بِسَبَبِ تَرْفِيعِ جَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى .
أَلَا تَرَى إلَى وَصْفِ وَاصِفِهِ وَكَانَ لَا يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ فَإِذَا رَأَى حُرْمَةً مِنْ حُرَمِ اللَّهِ تُنْتَهَكُ كَانَ أَسْرَعَ النَّاسِ إلَيْهَا نُصْرَةً وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا وَرَدَ عَنْ نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ فِي كَلَامِهِنَّ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي تَفْضِيلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِزِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ لَهَا وَسَأَلْنَهُ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَحَبَّةِ فَأَجَابَهُنَّ بِأَنْ قَالَ : لَمْ يُوحَ إلَيَّ فِي فِرَاشِ إحْدَاكُنَّ إلَّا فِي فِرَاشِهَا وَلِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَلَّمَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ لِمَا اُخْتُصَّتْ بِهِ وَلِكَوْنِهَا أَيْضًا أُخِذَ عَنْهَا شَطْرُ الدِّينِ ، فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ وَمَا شَاكَلَهَا كَانَ إيثَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَحَبَّتُهُ فِي خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا غِرْتُ مِنْ أَحَدٍ مَا غِرْت مِنْ خَدِيجَةَ وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أُدْرِكْهَا قَدْ كَانَتْ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ تَأْتِيهِ فَيُكْرِمُهَا وَيَقُولُ : كَانَتْ تَأْتِينَا فِي أَيَّامِ خَدِيجَةَ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا مَيَّزَهَا اللَّهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا .
أَلَا تَرَى
أَنَّ تَفْضِيلَهُ لِعَائِشَةَ كَانَ لِلْمَعَانِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، وَخَدِيجَةُ لَهَا مَعَانٍ أُخَرُ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لِمَنْ طَالَعَ الْأَحَادِيثَ أَوْ سَمِعَهَا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَزِيَّةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَلَّمَ عَلَيْهَا عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَيْنَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِمَّنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ بَيْنَهُمَا مَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ كُنَّ الْكُلُّ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْكَامِلَةُ وَالْخَيْرُ الشَّامِلُ ؛ لِأَنَّهُنَّ مَا اُخْتِرْنَ لِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إلَّا لِاحْتِوَائِهِنَّ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَمَكْرُمَةٍ لَكِنَّ زِيَادَةَ الْخُصُوصِيَّةِ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَزِيدُ لِكُلِّ شَخْصٍ فِي الْمَحَبَّةِ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي صِفَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ أَيْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَبِاَللَّهِ عَلَى مَا مَرَّ لَيْسَ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ ، وَلَا لِلْهَوَى فِيهِ مَطْمَعٌ ، وَلَا لِلْعَادَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ صِفَةُ الْأَوْلِيَاءِ فَمَا بَالُك بِصِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَمَا بَالُك بِصِفَةِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ قُطْبِ دَائِرَةِ الْكَمَالِ وَمَحَلِّ الْفَضَائِلِ الْعَلِيَّةِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا كُلُّ الْبَشَرِ عَدَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَحَاصِلُهُ أَنَّ تَعْظِيمَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي تَقْبِيلِهَا حِينَ دُخُولِهَا عَلَيْهِ وَإِجْلَاسِهَا فِي مَجْلِسِهِ لِأَجْلِ مَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ الشِّيَمِ الْكَرِيمَةِ وَاللَّطَائِفِ الْجَمِيلَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خُصُوصِيَّةٌ تَمْتَازُ بِهَا إلَّا حُصُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي صَحِيفَتِهَا فَأَيُّ صَحِيفَةٍ مِثْلُ هَذِهِ وَأَيُّ مَزِيَّةٍ أَكْبَرُ مِنْهَا وَاَللَّهِ مَا وُجِدَتْ قَطُّ ،
وَلَا تُوجَدُ أَبَدًا ، فَسُبْحَانَ مَنْ مَنَّ عَلَيْهَا بِمَا مَنَّ وَتَكَرَّمَ بِمَا تَكَرَّمَ فَكَانَ قِيَامُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقِيَامُهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ بُيُوتَهُمْ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ ضِيقِهَا ، وَقَدْ كَانَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ شَظَفِ الْعَيْشِ وَقِلَّةِ الدُّنْيَا سِيَّمَا فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الَّتِي أَثَّرَتْ الطَّاحُونُ فِي يَدِهَا فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى أَبِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالرِّفْدُ قَدْ أَتَاهُ فَحَمَلَهَا عَلَى حَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاخْتَارَ لَهَا مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ فَأَعْطَى النَّاسَ وَتَرَكَهَا لِقُوَّةِ نُورِ إيمَانِهَا ، وَعَلَّمَهَا عِوَضًا عَنْ الْخَادِمِ الَّتِي طَلَبَتْ إذَا أَوَتْ إلَى فِرَاشِهَا أَنْ تُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ .
وَقَدْ كَانَتْ تَقْعُدُ الْأَيَّامَ لَا تَأْكُلُ شَيْئًا وَفِيهَا وَفِي بَعْلِهَا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ الْآيَةَ فِي قِصَّةٍ مِنْ الْمُجَاهِدَةِ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهَا أَهْلُ التَّفْسِيرِ ، وَمَنَاقِبُهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ يَطُول تَتَبُّعُهَا ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَعَرِّضَةِ لِهَذَا الْفَنِّ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقْلَالَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا كَانُوا يَمْتَنِعُونَ بِسَبَبِهِ مِنْ فِرَاشٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَضْطَرُّونَ إلَيْهِ أَوْ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ .
أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَ : فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَلَوْ كَانَ ثَمَّ وِسَادَةٌ غَيْرُهَا لَجَعَلُوهَا لَهُ دُونَ وِسَادَتِهِمْ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا إلَّا وَطَاءٌ وَاحِدٌ ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَلَيْهِ وَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُوهَا فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْعُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْأَرْضِ ،
وَهِيَ عَلَى حَائِلٍ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَصْلًا فَاحْتَاجَتْ إلَى الْقِيَامِ مِنْ مَجْلِسِهَا حَتَّى يَقْعُدَ أَبُوهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَائِلِ ، ثُمَّ تَقْعُدُ هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا عَلَى طَرَفِ الْحَائِلِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا دَخَلَتْ هِيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَى أَبِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُفَضِّلُهَا وَيُعَظِّمُهَا بِتَفْضِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْعُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى حَائِلٍ ، وَهِيَ تَقْعُدُ مُبَاشِرَةً لِلْأَرْضِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى يُجْلِسَهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ جَالِسًا لِأَجْلِ الْمَنْزِلَةِ الْعُظْمَى الَّتِي لَهَا عِنْدَ رَبِّهَا ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُ وَقِيَامَهَا كَانَ لِمَا ذُكِرَ ، وَهُوَ الْإِفْسَاحُ فِي الْمَجْلِسِ وَالْإِيثَارُ بِهِ مَعَ التَّقْبِيلِ الْمَذْكُورِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي الْحَدِيثِ مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا ، وَهُوَ نَصْرٌ فِي عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَفِي هَذَا الْجَوَابِ وَإِيضَاحِهِ مَقْنَعٌ مَعَ الْإِنْصَافِ ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِهِ فَلَوْ جِئْنَا بِقِرَابِ الْأَرْضِ أَجْوِبَةً وَاضِحَةً لَا يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ ، وَلَا الْقَبُولُ ؛ لِأَنَّ الْإِنْصَافَ هُوَ رَأْسُ الْخَيْرِ وَزُبْدَتُهُ وَمَنْبَعُهُ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ وَاتَّضَحَ فَاسْلُكْ أَيَّ الطَّرِيقِينَ شِئْتَ وَاَللَّهُ يُرْشِدُنَا وَإِيَّاكَ لِطَرِيقِ الرَّشَادِ وَيُجَنِّبُنَا وَإِيَّاكَ طَرِيقَ الْجَحْدِ وَالْعِنَادِ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ عَمْرَو بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا فَأَقْبَلَ أَبُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ انْتَهَى .
اسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ مَشْرُوعٌ وَمَنْدُوبٌ بِقِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَقَدْ نَطَقَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ : كُلُّ كَلَامٍ مَأْخُوذٌ مِنْهُ وَمَتْرُوكٌ إلَّا كَلَامُ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا بِنَظَرِ الْإِنْصَافِ إلَى هَذَا الْعَالِمِ كَيْفَ جَعَلَ الْقِيَامَ لِلْأَخِ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ وَنَقَلَ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُمْ لِأَبِيهِ ، وَلَا لِأُمِّهِ وَإِنَّمَا قَامَ لِأَخِيهِ وَالْقَضِيَّةُ وَاحِدَةٌ وَالْمَوْضِعُ وَاحِدٌ ، وَقَدْ قَدَّمَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ قَوْلَهُ الَّذِي يَخْتَارُ الْقِيَامَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِخْوَةَ ، ثُمَّ أَتَى بِهَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَيْهِ لَا لَهُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ لِلْوَالِدَيْنِ وَأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْضَحُ دَلِيلٍ وَأَقْوَمُ طَرِيقٍ عَلَى أَنَّ مَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الْقِيَامِ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَأَمْرِهِ بِذَلِكَ لِعُذْرٍ كَانَ هُنَاكَ مَوْجُودًا مِنْ غَيْرٍ قَصْدٍ لِلْقِيَامِ نَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَإِكْرَامِهِمَا وَقَرَنَ رِضَاهُمَا بِرِضَاهُ وَسَخَطَهُمَا بِسَخَطِهِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَلَوْ كَانَ الْقِيَامُ لَهُمَا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَتْرُكَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ أَوْجَبَ بِرَّهُمَا مَعَ إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ وَقَعَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقِيَامُ لِأَخِيهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي الْجَوَازِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ قِيَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَخِيهِ
قَدْ تَبَيَّنَ ، وَاتَّضَحَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ السَّبَبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقِيَامُ لَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ أَبُوهُ بَسَطَ لَهُ طَرَفَ رِدَائِهِ فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ بَسَطَ لَهَا طَرَفَ رِدَائِهِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلَ أَخُوهُ قَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى أَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ قِيَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ أَوْ لَهُمَا مَعًا ، إمَّا أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ يُوَسِّعَ لَهُ فِي الرِّدَاءِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ وَحَالِ رِدَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رِدَاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَا نُقِلَ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا وَنَحْوَهَا فَمِنْ أَيْنَ يَسْعَ عَلَى هَذَا أَرْبَعَةً فَضَاقَ الرِّدَاءُ عَنْ أَرْبَعَةٍ ، وَمِنْ أَخْلَاقِهِ الْكَرِيمَةِ وَمُعَاشَرَتِهِ الْجَمِيلَةِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَقْعُدَ هُوَ بِنَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ وَأَبَوَاهُ عَلَى الرِّدَاءِ وَأَخُوهُ عَلَى الْأَرْضِ مُبَاشِرًا لَهَا فَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى فَسَحَ لَهُ فِي الرِّدَاءِ حَتَّى وَسِعَهُمْ أَوْ حَتَّى وَسَّعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ لِئَلَّا يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَنْ دَخَلَ الْحَائِطَ وَكَانَ مَعَهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَخَذَ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ وَقَسَمَهُ نِصْفَيْنِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا مُعْوَجًّا وَالْآخَرُ مُسْتَقِيمًا فَأَخَذَ الْمُعْوَجَّ وَأَعْطَى الْمُسْتَقِيمَ لِلْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَنِي الْمُسْتَقِيمَ وَأَخَذْتَ الْمُعْوَجَّ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ عَنْ صُحْبَةِ سَاعَةٍ إذَا سَأَلَنِي أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ فَضَّلْتُكَ فِيهَا عَلَى نَفْسِي فَإِذَا كَانَ هَذَا دَأْبَهُ وَخُلُقَهُ وَمُعَامَلَتَهُ مَعَ رَجُلٍ لَمْ يُشَارِكْهُ إلَّا فِي دُخُولِ
حَائِطٍ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ مَعَ مَنْ شَارَكَهُ فِي الرَّضَاعِ وَالْحِجْرِ وَالتَّرْبِيَةِ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ وَأَبٍ وَاحِدٍ أَعْنِي : الْجَمِيعُ مِنْ الرَّضَاعِ فَكَيْفَ يَكُونُ بِرُّهُ بِهِ وَإِكْرَامُهُ لَهُ فَلَمْ يُمْكِنُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَمَا شَابَهَهَا أَنْ يَقْعُدَ عَلَى حَائِلٍ عَنْ الْأَرْضِ وَأَخُوهُ دُونَ حَائِلٍ .
وَأَمَّا إكْرَامُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُ بِالْقِيَامِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ إكْرَامَ الْوَالِدَيْنِ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَتَرَكَهُ لَكَانَ قَدْ تَرَكَ لِوَالِدَيْهِ شَيْئًا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَهُمَا ، وَهَذَا لَا يَخْطُرُ لِمَنْ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَلَوْ عَلِمَ هَذَا الْقَائِلُ مَا فِي هَذَا الَّذِي قَرَّرَ مِنْ الْخَطَرِ مَا قَالَهُ ، وَلَا تَكَلَّمَ بِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : إنَّ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنَ هِشَامٍ كَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا مِنْ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْيَمَنَ فَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَ إلَيْهِ فَرِحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ انْتَهَى .
اسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّدْبِ إلَى الْقِيَامِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَهَذَا لَا يُنَازَعُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَامٌّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَدَمُ قِيَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبَوَيْهِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِيَامُ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَفَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبَوَيْهِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَكُلُّ مَا يَرِدُ مِنْ الْقِيَامِ فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْبِرِّ
وَالِاحْتِرَامِ لِمَا ذُكِرَ .
وَقَدْ أَجَازَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْقِيَامَ لِلْغَائِبِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْوَارِدِ أَنَّكَ تَأْتِي إلَيْهِ فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْكَ فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ أَنَّك تَقُومُ مَاشِيًا إلَيْهِ عِوَضًا عَمَّا فَاتَكَ مِنْ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ نَصَّ الْحَدِيثُ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ بَابِهِ .
وَكَذَلِكَ قَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ فَقَبَّلَهُ وَعَانَقَهُ وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَدْرَى بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ أَكْثَرَ هَلْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَقَدْ حَمَلَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْقِيَامِ لِلْغَائِبِ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ انْتَهَى .
فَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَ لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ ضَرُورَةً لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ فَكَيْفَ لِسَيِّدِ الْعُلَمَاءِ وَقُدْوَتِهِمْ أَجْمَعِينَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَالِمَ إذَا قَعَدَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَلْقَةً كُلُّ إنْسَانٍ يَتْرُكُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ صَلَاةِ نَافِلَةٍ وَبَحْثٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَجُلُوسٍ فِي مُصَلَّاهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يَسْمَعُ إذْ ذَاكَ وَيَسْتَفِيدُ مِنْ الْعَالِمِ ، فَإِذَا فَرَغَ الْعَالِمُ وَانْصَرَفَ انْصَرَفَ النَّاسُ بِانْصِرَافِهِ إلَى مَا كَانُوا بِصَدَدِهِ أَوْ إلَى قَضَاءِ بَعْضِ ضَرُورَاتِهِمْ أَوْ إلَى مُصَلَّاهُمْ أَوْ إلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورَاتِ الْمُحْوِجَةِ إلَى الْحَرَكَةِ وَالْقِيَامِ ، وَبُيُوتُ ==========ج3......==============
ج3333333.......... كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ إذْ ذَاكَ مَفْتُوحَةٌ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ إذْ ذَاكَ فِي الصِّغَرِ بِحَيْثُ قَدْ عُلِمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إسْرَاعِهِ فِي الْمَشْيِ بِحَيْثُ قَدْ عُلِمَ فَلَا يُمْكِنُهُمْ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَسْتَوُوا قِيَامًا إلَّا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَخْرَجَ عَنْ بِشْرِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَافِحُكُمْ إذَا لَقِيتُمُوهُ ؟ قَالَ : مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إلَّا صَافَحَنِي ، وَبَعَثَ إلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيَّ فَأَتَيْته ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ فَالْتَزَمَنِي وَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا بِنَظَرِ الْإِنْصَافِ أَيُّ شَيْءٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمُصَافَحَةِ وَالِالْتِزَامِ وَبَيْنَ الْقِيَامِ بَلْ فِيهِ التَّعَرُّضُ لِتَرْكِ الْقِيَامِ أَلْبَتَّةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْبَيْتِ عَلَى السَّرِيرِ وَالْتَزَمَهُ إذْ ذَاكَ وَلَمْ يَقُمْ إلَيْهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ أَلْبَتَّةَ ، وَلَوْ كَانَ مَنْدُوبًا إذْ ذَاكَ لَفَعَلَهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَرْمَيَيْنِ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ انْتَهَى .
اُنْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ إلَى هَذَا الدَّلِيلِ مَا أَعْجَبَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَفْتَحَ لَهُ الْبَابَ فَفَتَحَهُ لَهُ وَاعْتَنَقَهُ فَأَخَذَ هُوَ مِنْهُ الدَّلِيلَ لِلْقِيَامِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَقَامَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْقِيَامِ إلَى فَتْحِ الْبَابِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ ؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ قَدْ قَدِمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُجِيزُونَ ذَلِكَ لِلْقَادِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي التَّقْسِيمِ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَيُّوبَ فَجَاءَ يُونُسُ فَقَالَ حَمَّادٌ قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ أَوْ قَالَ لِسَيِّدِنَا ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ أَتَاهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ لَمَّا رَآهُ أَحْمَدُ وَثَبَ إلَيْهِ قَائِمًا وَأَكْرَمَهُ فَلَمَّا مَضَى قَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ : يَا أَبَتِ أَبُو إبْرَاهِيمَ شَابٌّ عَمِلَ بِهِ هَذَا الْعَمَلَ وَتَقُومُ إلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا بُنَيَّ لَا تُعَارِضْنِي فِي مِثْلِ هَذَا أَلَا أَقُومُ لِابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ قَالَ : قَامَ وَكِيعٌ لِسُفْيَانَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قِيَامَهُ فَقَالَ أَتُنْكِرُ عَلَيَّ قِيَامِي وَأَنْتَ حَدَّثْتَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إجْلَالَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَأَخَذَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ إلَى جَانِبِهِ .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ : كُنْت عِنْدَ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ يَعْنِي الْحَافِي الزَّاهِدَ فَجَاءَ رَجُلٌ يُسَلِّمُ عَلَى بِشْرٍ فَقَامَ إلَيْهِ بِشْرٌ فَقُمْتُ لِقِيَامِهِ فَمَنَعَنِي مِنْ الْقِيَامِ ، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ قَالَ لِي بِشْرٌ يَا بُنَيَّ تَدْرِي لِمَ مَنَعْتُكَ مِنْ الْقِيَامِ لَهُ ؟ قُلْتُ : لَا قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ ، وَكَانَ قِيَامُكَ لِقِيَامِي فَأَرَدْتُ أَنْ لَا تَكُونَ لَكَ
حَرَكَةٌ إلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ آدَابِ الصُّحْبَةِ قَالَ : وَيَقُومُ لِإِخْوَانِهِ إذَا أَبْصَرَهُمْ مُقْبِلِينَ ، وَلَا يَقْعُدُ إلَّا بِقُعُودِهِمْ وَأَنْشَدُوا فَلَمَّا بَصُرْنَا بِهِ مُقْبِلًا حَلَلْنَا الْحَبَا وَابْتَدَرْنَا الْقِيَامَ فَلَا تُنْكِرُنَّ قِيَامِي لَهُ ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ يُجِلُّ الْكِرَامَ انْتَهَى .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْجُلَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْقِيَامِ الْجَائِزِ الْمَنْدُوبِ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيمَا تَقَدَّمَ لَا عَلَى قَصْدِ قِيَامٍ لَيْسَ إلَّا ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعَ أَنَّ هَذَا الْعَالِمَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآثَارِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ أَنْكَرُوا عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَخْذِهِ بِعَمَلِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّهُمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَعِنْدَهُمْ اسْتَقَرَّ أَمْرُ الشَّرِيعَةِ وَبَانَ مَا اُسْتُنْسِخَ وَمَا بَقِيَ وَقَلَّ أَنْ تَذْهَبَ عَنْهُمْ السُّنَنُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الْقَرِيبِ ، وَمَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ كُلِّهَا وَأَكْثَرَ مِنْهَا أَكْثَرُوا النَّكِيرَ عَلَيْهِ وَشَدَّدُوا ، ثُمَّ يَأْتِي هَذَا الْعَالِمُ بَعْدَ إنْكَارِهِ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَ يَشْرَعُ النَّدْبَ فِي الْقِيَامِ بِفِعْلِ آحَادِ النَّاسِ فِي أَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَعَلَّهَا لِأَعْذَارٍ وَقَعَتْ لَهُمْ إذْ ذَاكَ كَامِنَةٍ عِنْدَهُمْ بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ مَوْجُودَةٌ كَمَا أَبْدَيْنَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَنْهَضُ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَلَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ : الْقَاعِدَةُ الْأُولَى : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ .
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَاسِخٍ ، وَلَا مُعَارِضٍ .
الْقَاعِدَةُ
الثَّالِثَةُ : إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ إجْمَاعُ أَكْثَرِهِمْ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى آيَةٍ مُحْكَمَةٍ أَوْ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَاسِخٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَنْهَضُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلِ ، بَلْ وَقَعَ لِلْآحَادِ مِنْ النَّاسِ فِي أَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَا يَنْهَضُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلِ فَكَيْفَ يَسْتَدِلُّ هَذَا الْقَائِلُ لِجَوَازِ ذَلِكَ بِعَمَلِ آحَادٍ مِنْ النَّاسِ فِي أَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا وَقَعَ النَّكِيرُ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كَوْنِهِ يَتَشَرَّعُ بِعَمَلِهِمْ ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَشْرِيعٍ .
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَشْرِيعٌ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا شَكَّ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي بَابِ الْمَنْدُوبِ ، وَبَابُ الْمَنْدُوبِ مَشْرُوعٌ ، وَلَوْ جَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ لَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا مُسْتَقِيمًا أَوْ سَلِمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ الْقَفَّاصِ قَالَ : النُّبَلَاءُ مِنْ الرِّجَالِ وَالْعُلَمَاءِ يَكْرَهُونَ قِيَامَ الرَّجُلِ لَهُمْ لِكَرَاهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مُبَاحٌ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَقُومَ لِلنَّاسِ انْتَهَى ، وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْقِيَامَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِكَرَاهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ مُبَاحٌ لِبَعْضِ النَّاسِ وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقِيَامِ الْمَنْدُوبِ أَوْ الْجَائِزِ مَا تَقَرَّرَ فَافْهَمْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاكَ .
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ
اللَّهُ هَذَا مَا تَيَسَّرَ نَاجِزًا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ مِنْ التَّرْخِيصِ فِي الْقِيَامِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَبِأَمْرِهِ بِذَلِكَ لِلْأَنْصَارِ وَبِتَقْرِيرِهِ حِينَ فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ وَمِنْ فِعْلِ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي مَوَاطِنَ وَجِهَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَمِنْ جِهَةِ أَئِمَّةِ النَّاسِ فِي أَعْصَارِهِمْ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالزُّهْدِ انْتَهَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ حِينَ أُتِيَ بِهِ وَمَا الْمُرَادُ بِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْجَوَازِ بَلْ لِلْمَنْعِ أَقْرَبُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ .
وَقَدْ عَمِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْجُزْءَ الَّذِي عَمِلَهُ فِي إبَاحَةِ الْقِيَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِيمَا وَرَدَ مِنْ التَّرْخِيصِ فِي الْقِيَامِ .
الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِيمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْقِيَامِ وَالْجَوَابِ عَنْهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مُسْتَوْفًى وَبَقِيَ الْفَصْلَانِ اللَّذَانِ بَعْدَهُ .
فَقَالَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مُسْلِمٌ لَا يُنَازَعُ فِيهِ إلَّا أَنَّ تَعْظِيمَ الْحُرُمَاتِ وَالشَّعَائِرِ قَدْ عُرِفَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْقِيَامِ فِيهَا مَجَالٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا مُسْلِمٌ ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ التِّرْمِذِيُّ .
( عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ انْتَهَى .
حَاصِلُهُ أَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ ، وَفِي نَفْسِهِ أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ عَلَى مَا قُرِّرَ قَبْلُ فَأَخَذَ يَسْتَدِلُّ بِكُلِّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَتْرُكَ بِرَّ وَالِدِيهِ وَإِكْرَامَهُمَا بِالْقِيَامِ .
وَانْظُرْ هَلْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَتَى بِهَا فِي
تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ أَنَّ أَحَدًا قَامَ لِأَحَدٍ بَلْ نَزَّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ فِي إجْلَاسِهِمْ وَفِي إطْعَامِهِمْ زَائِدًا عَلَى غَيْرِهِمْ فَنَمْتَثِلُ ذَلِكَ عَلَى مَا وَرَدَ عَنْهُمْ فَلَوْ وَرَدَ عَنْهُمْ الْقِيَامُ لِأَشْرَافِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ لَاقْتَفَيْنَاهُ وَقَبِلْنَاهُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ الْقُدْوَةُ وَنَحْنُ الْأَتْبَاعُ وَمَا يُخَالِفُهُمْ إلَّا جَاحِدٌ أَوْ مُعَانِدٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُوَسَّعُ الْمَجَالِسُ إلَّا لِثَلَاثٍ لِذِي عِلْمٍ وَلِذِي سِنٍّ وَلِذِي سُلْطَانٍ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا كَيْفَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا تُوَسَّعُ الْمَجَالِسُ إلَّا لِثَلَاثٍ وَلَمْ يَقُلْ لَا يُقَامُ إلَّا لِثَلَاثٍ فَيُحْمَلُ إكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ ، وَإِجْلَالُهُ وَبِرُّهُ عَلَى مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا عَلَى مَا يَخْطُرُ لَنَا مِنْ عَوَائِدِنَا الَّتِي اصْطَلَحْنَا عَلَيْهَا ، فَهَلْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى فِي تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ مَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْقِيَامِ ، وَاحِدٌ نَقُومُ إلَيْهِ وَنَمْشِي إلَيْهِ خُطُوَاتٍ ، وَآخَرُ نَقُومُ إلَيْهِ لَيْسَ إلَّا ، وَآخَرُ نَقُومُ إلَيْهِ نِصْفَ قَوْمَةٍ ، وَآخَرُ رُبْعَ قَوْمَةٍ ، وَآخَرُ التَّحَرُّكَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَآخَرُ لَا نَتَحَرَّكُ لَهُ إلَّا بِالْبَشَاشَةِ ، وَآخَرُ لَا بَشَاشَةَ وَلَا غَيْرَهَا ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اعْتِزَائِهِ إلَى صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ أَصْلًا بَلْ لِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بَلْ لِأَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ بَلْ لِأَحَدٍ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ ، وَشَيْءٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذِهِ الْقُرُونِ فَإِطْرَاحُهُ يَتَعَيَّنُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْبَغَوِيّ ( قَدْ كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَائِمًا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعَهُ
السَّيْفُ وَالْمِغْفَرُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحِ انْتَهَى .
اُنْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ وَإِيَّانَا لِهَذَا الْعَجَبِ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّ الْقِيَامَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ كَانَ خَادِمَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُخَاطِبُ قَبَائِلَ الْعَرَبِ وَيَذُبُّ عَنْهُ مَنْ أَرَادَ أَذِيَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الْمُتَمَرِّدِينَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا لَا يُنْكَرُ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ بَلْ هُوَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُغِيرَةِ أَنْ يَقْعُدَ إذْ ذَاكَ وَيَتْرُكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْعَدُوِّ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ فَكَيْفَ يَسْتَدِلُّ أَحَدٌ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْوَاجِبِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ لِلدَّاخِلِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، فَلَوْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ لَكَانَ أَقْرَبَ إذْ أَنَّ قِيَامَ الْمُغِيرَةِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، فَعَلَى هَذَا بَانَ أَنَّ الْقِيَامَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ مَضَتْ أَرْبَعَةٌ وَبَقِيَ الْخَامِسُ الَّذِي هُوَ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَاجِبُ مِثْلُ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ .
هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى الْفَصْلِ الثَّانِي الَّذِي قَرَّرَهُ ، وَهُوَ تَنْزِيلُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ .
وَبَقِيَ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الْقِيَامِ وَمَا أَجَابَ عَنْهُ .
فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ التِّرْمِذِيُّ : ( عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَتَرْجَمَ التِّرْمِذِيُّ لِهَذَا بَابُ كَرَاهَةِ قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ .
أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ ( خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ صَفْوَانَ حِينَ رَأَيَاهُ فَقَالَ : اجْلِسَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلَيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَتَرْجَمَ لَهُ بَابُ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلنَّاسِ .
أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَا فَقُمْنَا إلَيْهِ فَقَالَ : لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقُومُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ فَهَذَا مَا بَلَغَنَا فِي النَّهْيِ .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَقْرَبُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَافَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ الْفِتْنَةَ بِإِفْرَاطِهِمْ فِي تَعْظِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَكَرِهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامَهُمْ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَمْ يَكْرَهْ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بَلْ قَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامُوا لِغَيْرِهِ بِحَضْرَتِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ
ذَلِكَ بَلْ أَقَرَّهُ وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْقِيَامِ لِسَعْدٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ بَيَانَ هَذَا كُلِّهِ ، وَهَذَا جَوَابٌ وَاضِحٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْأُنْسِ وَكَمَالِ الْوُدِّ وَالصَّفَاءِ مَا لَا يَحْتَمِلُ زِيَادَةً بِالْإِكْرَامِ بِالْقِيَامِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقِيَامِ مَقْصُودٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ فُرِضَ صَاحِبُ الْإِنْسَانِ قَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِيَامِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَقَدْ أُولِعَ أَكْثَرُ النَّاسِ بِالِاحْتِجَاجِ بِهِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ الْأَصَحُّ وَالْأَوْلَى وَالْأَحْسَنُ بَلْ الَّذِي لَا حَاجَةَ إلَى مَا سِوَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ .
وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ الصَّرِيحَ الظَّاهِرَ مِنْهُ الزَّجْرُ الْأَكْبَرُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْقِيَامِ بِنَهْيٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْآتِي أَنْ يُحِبَّ قِيَامَ النَّاسِ لَهُ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَحَبَّةُ الْقِيَامِ .
وَلَا يُشْتَرَطُ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَخُطُورُ ذَلِكَ بِبَالِهِ حَتَّى إذَا لَمْ يَخْطُرُ ذَلِكَ بِبَالِهِ وَقَامُوا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقُومُوا فَلَا ذَمَّ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَحَبَّ فَقَدْ ارْتَكَبَ التَّحْرِيمَ سَوَاءٌ قِيمَ لَهُ أَوْ لَمْ يُقَمْ ، فَمَدَارُ التَّحْرِيمِ عَلَى الْمَحَبَّةِ ، وَلَا تَأْثِيرَ لِقِيَامِ الْقَائِمِ ، وَلَا نَهْيِهِ فِي حَقِّهِ بِحَالٍ ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنْ قَالَ : مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ بِأَنَّ قِيَامَ الْقَائِمِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ هَذَا فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قُلْنَا هَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ لَا يَسْتَحِقُّ سَائِلُهُ جَوَابًا .
فَإِنْ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ قِيلَ : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَحَبَّةِ فَحَسْبُ انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا بِنَظَرِ
الْإِنْصَافِ كَيْفَ قَرَّرَ أَحَادِيثَ النَّهْيِ وَصَحَّحَهَا ، ثُمَّ أَجَابَ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ وَفِيهِ مَا فِيهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَّرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَقَامُوا بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكْرَهْ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ قَالَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى مَا ظَهَرُوا لَهُ وَاسْتَقَرَّ فِي ذِهْنِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَلَمْ يَكُنْ لِضَرُورَةٍ أَدَّتْ إلَيْهِ كَمَا قَدْ أَبْدَيْنَاهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَقُمْنَا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَيُّ إطْرَاءٍ فِي ذَلِكَ إنْ جَعَلْنَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَوَاحِدٍ مِنَّا لَمْ نَزِدْ لَهُ شَيْئًا فِي الْإِكْرَامِ فَلَوْ عُكِسَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَمْرُ فَقَالَ : لَمْ تَكُنْ الصَّحَابَةُ يَقُومُونَ ، وَلَا قَامَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدٍ ، ثُمَّ قَامُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَنَهَاهُمْ لَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا مُسْتَقِيمًا إذْ أَنَّا لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لَخَالَفْنَا الْعَادَةَ الَّتِي يُعَامِلُ بَعْضُنَا بَعْضًا بِهَا وَزِدْنَا لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْخَوْفُ مِنْ الْإِطْرَاءِ ، وَأَمَّا إذَا عَامَلْنَاهُ مُعَامَلَةَ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ وَمُعَامَلَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَنَا فَهَذَا لَا يُقَالُ أَنَّ فِيهِ إطْرَاءً إذْ أَنَّا نَزَّلْنَاهُ مَنْزِلَةَ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مُعَامَلَةِ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ وَمُعَامَلَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَنَا ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لِهَذَا السَّيِّدِ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا ذَكَرَهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لَوَقَعَنَا فِي مُخَالَفَةِ نَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ .
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَوْقِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ فَإِذَا قَرَّرْنَا أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَكُنَّا نَفْعَلُهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ بَعْضُنَا مَعَ بَعْضٍ ، وَلَا نَفْعَلُهُ مَعَهُ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَنَكُونُ قَدْ ارْتَكَبْنَا النَّهْيَ مُصَادَمَةً إذْ أَنَّا تَرَكْنَا تَوْقِيرَهُ فِي ذَلِكَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنْ نَظُنَّ بِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَكَيْفَ يَتَّفِقُ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِهِ بَلْ فِي هَذَا الْقَوْلِ خَطَرٌ عَظِيمٌ لَوْ تَأَمَّلَهُ هَذَا الْقَائِلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ، وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ أَلَا تَرَى إلَى جَوَابِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا أَنْ سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ مَحْسُوسًا ظَاهِرًا بَيِّنًا فِي عَوَائِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُعَامَلَتِهِ الْجَمِيلَةِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِالْأَمْرِ بِتَوْقِيرِهِ فَكَيْفَ يَنْهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ شَيْءٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ هَذَا أَمْرٌ لَا يُتَعَقَّلُ وَإِنَّمَا هِيَ عَادَةٌ اسْتَمَرَّتْ فَوَقَعَ الِاسْتِئْنَاسُ بِهَا لِمُرُورِهَا ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو مِنْ الْغَفْلَةِ فَوَقَعَ مَا وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ لِلسُّنَّةِ فَبَعِيدَةٌ عَنْ مَنْصِبِ الْعُلَمَاءِ فَكَيْفَ بِالْأَخْيَارِ مِنْهُمْ ، وَقَدْ وَرَدَ مَنْ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، فَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَاَللَّهُ يَعْفُو عَنْ الْجَمِيعِ ، إذْ لَوْلَا الْعَفْوُ مَا اسْتَحَقَّ أَحَدٌ النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ إلَّا مَنْ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّنْ قَدْ عَلِمَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ يَكُونُ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْقِيَامِ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَوَاضِعَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْء ، وَأَمَّا بَعْدَ الْإِنْزَالِ فَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ أَمْرٌ بِتَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ
التَّوْقِيرِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهَذَا بَابٌ ضَيِّقٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْغَلَطِ وَالْغَفَلَاتِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تُفَضِّلُوا الْأَنْبِيَاءَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وَلَا فَخْرَ وَقَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ آدَم فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مُتَعَارِضَةٌ كَمَا تَرَى وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا هُوَ أَنَّ حَدِيثَ الْمُسَاوَاةِ وَعَدَمِ التَّفْضِيلِ كَانَ قَبْلَ الْإِنْزَالِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَالْإِخْبَارِ لَهُ بِالْأَمْرِ ، وَأَحَادِيثُ التَّفْضِيلِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ لَهُ بِذَلِكَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أَعْنِي بِالتَّفْضِيلِ مِنْ غَيْرِ تَنْقِيصٍ يَلْحَقُ الْمَفْضُولَ كَمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ بَلْ مَسْأَلَتُنَا آكَدُ وَأَوْلَى .
لِأَنَّ فِيهَا الْقُرْآنَ يُتْلَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ، وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ ، ثُمَّ مَنَعَهُ وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ مُتَنَاقِضٌ .
وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ يَغْشَانَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً فَجَاءَ يَوْمًا فِي وَسَطِ الْقَائِلَةِ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ عَلَى السُّرَرِ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ إلَّا أَمْرٌ حَدَثَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي قَاعِدٌ عَلَى السَّرِيرِ فَوَسَّعَ لَهُ فِي السَّرِيرِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَقَالَ الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الصُّحْبَةُ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ كَيْفَ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَسَّعَ لَهُ وَلَمْ يَقُمْ وَكَانَ أَكْثَرَ
النَّاسِ بِرًّا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا وَتَعْظِيمًا وَتَرْفِيعًا وَتَوْقِيرًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا جَوَابٌ وَاضِحٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ انْتَهَى فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذَا اللَّفْظِ مِنْ هَذَا السَّيِّدِ مَا أَعْجَبَهُ .
وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ مَا هَذَا لَفْظُهُ : قِيلَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَالرَّجُلُ يَقُومُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْفِقْهُ وَالْفَضْلُ فَيُجْلِسُهُ فِي مَجْلِسِهِ قَالَ يُكْرَهُ ذَلِكَ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ قِيلَ لَهُ : فَالْمَرْأَةُ تُبَالِغُ فِي بِرِّ زَوْجِهَا فَتَلْقَاهُ فَتَنْزِعُ ثِيَابَهُ وَنَعْلَيْهِ وَتَقِفُ حَتَّى يَجْلِسَ قَالَ : أَمَّا تَلَقِّيهَا وَنَزْعُهَا ثِيَابَهُ وَنَعْلَيْهِ فَلَا بَأْسَ ، وَأَمَّا قِيَامُهَا حَتَّى يَجْلِسَ فَلَا ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ الْجَبَابِرَةِ رُبَّمَا يَكُونُ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ ، فَإِذَا طَلَعَ قَامُوا إلَيْهِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَيُقَالُ : إنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ أَوَّلَ مَا وَلِيَ حِينَ خَرَجَ إلَى النَّاسِ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إنْ تَقُومُوا نَقُمْ وَإِنْ تَقْعُدُوا نَقْعُدْ وَإِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَفْظُ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَيْفَ يَقُولُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذَا جَوَابٌ وَاضِحٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ وَعَدَالَةُ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَقَدُّمُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ مَشْهُورَةٌ مَعْلُومَةٌ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَوَابِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَالْوَاجِبُ الْعُدُولُ عَنْهُ لِمَا وَرَدَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا صِفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشِدَّةِ تَوْقِيرِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهَيْبَتِهِمْ لَهُ حَتَّى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَتَأَمَّلُوهُ ، وَلَا
يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَمِنْ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَلَأْتُ عَيْنِي مِنْهُ قَطُّ حَيَاءً مِنْهُ وَتَعْظِيمًا لَهُ ، وَلَوْ قِيلَ لِي صِفْهُ لَمَا كِدْت ) انْتَهَى .
هَذَا قَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهُوَ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُبَاسِطُهُمْ وَيَتَوَاضَعُ لَهُمْ وَيُؤَانِسُهُمْ لَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُ ، وَلَا أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَهَابَةِ وَالْجَلَالَةِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوضِحُهُ مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ رُكُوعِهِ الْفَجْرَ قَالَتْ : إنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً قَالَ حَدِّثِينِي يَا حُمَيْرَاءُ ، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ بِالْأَرْضِ ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الصَّلَاةِ .
وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ خَرَجَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَمَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنْ الْخَلْعِ وَالْقُرْبِ وَالتَّدَانِي فِي مُنَاجَاتِهِ وَسَمَاعِ كَلَامِ رَبِّهِ وَتِلَاوَتِهِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي يَكِلُّ اللِّسَانُ أَنْ يَصِفَ بَعْضَهَا لَمَا اسْتَطَاعَ بَشَرٌ أَنْ يَتَلَقَّاهُ .
وَلَا يُبَاشِرُهُ ، وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ فَيَتَحَدَّثُ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْ يَضْطَجِعُ بِالْأَرْضِ حَتَّى يَحْصُلُ التَّأْنِيسُ بِجِنْسِهِمْ ، وَهُوَ حَدِيثُهُ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْ جِنْسُ أَصْلِ الْخِلْقَةِ الَّتِي هِيَ الْأَرْضُ ، فَإِذَا تَحَصَّلَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ حِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَيْهِمْ ، وَأَمَّا قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَابَلَةَ تِلْكَ الْأَنْوَارِ الْجَلِيلَةِ ، وَلَا سَمَاعَ تِلْكَ
الْأَلْفَاظِ الْعَذْبَةِ الْمَعْدُومَةِ فِي غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رِفْقًا بِهِمْ وَلِكَيْ يَتَوَصَّلَ إلَى أَنْ يُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ أَحْكَامَهُ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا فَهَذَا التَّوْقِيرُ وَالْمَهَابَةُ حَاصِلٌ فِيهِمْ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ مِنْهُمْ كَثِيرًا بَلْ ذَلِكَ فِي أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ أَعْظَمُ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ وَأَكْثَرُ .
أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ هَابَا الْكَلَامَ مَعَ قُرْبِهِمَا وَذُو الْيَدَيْنِ تَكَلَّمَ فَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتَأَكَّدَ أَمْرُهُ مَعَهُ كَانَ أَكْثَرَ هَيْبَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَكْثَرَ تَوْقِيرًا وَأَعْظَمَ احْتِرَامًا وَأَكْبَرَ إجْلَالًا ، وَإِذَا قُلْنَا أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَيَكُونُونَ قَدْ تَرَكُوهُ لِأَجْلِ قُرْبِهِمْ مِنْهُ فَتُعْطِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ كَانَ أَقَلَّ تَوْقِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَجْلِ الْأُنْسِ وَكَمَالِ الْمَوَدَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّوْقِيرِ ، وَكَذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنْ يَكُونَ الصَّالِحُونَ وَالْأَوْلِيَاءُ أَقَلَّ تَوْقِيرًا مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَجْلِ الْأُنْسِ وَكَمَالِ الْمَوَدَّةِ ، وَهَذَا عَكْسُ مَا ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ وَمَا اسْتَقَرَّ مِنْ أَحْوَالِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ وَنَقْلِ الْأُمَّةِ عَنْ الْأُمَّةِ فَيَأْتِي عَلَى هَذَا الْجَوَابِ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَلْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَجَدْنَا اسْتِعْمَالَ الْأَدَبِ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْبَعِيدِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي دُخُولِهِ عَلَى مَالِكٍ وَقِصَّتِهِ مَعَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ
النَّاسِ إلَيْهِ كَانُوا كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرَ لِشِدَّةِ هَيْبَتِهِمْ لَهُ وَتَوْقِيرِهِمْ لِجَنَابِهِ وَتَعْظِيمِهِمْ لِحُرْمَتِهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لِأَجْلِ بُعْدِهِ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا كَانَ لَهُمْ ، فَلَوْ عُكِسَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَمْرُ .
وَقَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ الصَّاحِبُ تَأَكَّدَتْ صُحْبَتُهُ ، وَلَا لَزِمَ أَمْرُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِيَامِ لَكَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ الْقَبُولِ مِنْهُ لِأَجْلِ أَنَّ مَنْ قَرُبَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ازْدَادَ قُرْبًا إلَى اللَّهِ ، وَمَنْ ازْدَادَ قُرْبًا إلَى اللَّهِ ازْدَادَ إلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْقِيرًا وَتَعْزِيرًا وَتَبْجِيلًا وَهَيْبَةً وَإِعْظَامًا وَإِجْلَالًا ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مَحْسُوسٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ أَمْرٌ نَافِذٌ وَيَرْجِعُ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيُنَفِّذُ تَجِدُ أَخْوَفَ النَّاسِ مِنْهُ وَأَهْيَبَهُمْ لَهُ وَأَوْقَرَهُمْ لِدِينِهِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَهُمْ إلَيْهِ ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ مُطَالَبُونَ بِآدَابٍ لَا يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُمْ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ لِزِيَادَةِ خُصُوصِيَّتِهِمْ وَمَزِيَّتِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَإِذَا تَرَكُوا مِنْهَا شَيْئًا عُوقِبُوا عَلَى تَرْكِهَا وَيَتْرُكُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ ، وَلَا يُبَالُونَ فَلَا يُعَاقَبُونَ وَمَا ذَاكَ إلَّا ؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ الْحُرْمَةُ عَلَيْهِ أَقْوَى ، وَالْآدَابُ تُطْلَبُ مِنْهُ أَكْثَرَ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَدَّ رِجْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ لِيَسْتَرِيحَ ، ثُمَّ ضَمَّهَا مِنْ سَاعَتِهِ وَجَعَلَ يَسْتَغْفِرُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ جُلَسَائِهِ : أَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا مُبَاحًا فَقَالَ : أَمَّا لَكُمْ فَنَعَمْ .
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَاوَرَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ مُدَّةً لَمْ يَبُلْ فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ وَلَمْ يَسْتَنِدْ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلْهَيْبَةِ الْقَائِمَةِ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ لِأَجْلِ قُرْبِهِ ، وَكَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَنْظُرْ إلَى السَّمَاءِ لِأَجْلِ
الْهَيْبَةِ وَالْإِعْظَامِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ وَحِكَايَتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُكْتَبَ أَوْ تُحْصَرَ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَوَابِهِ عَنْ الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ إلَى آخَرِ كَلَامِهِ وَعِبَارَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرُدُّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُصُولُ وَاسْتَقَرَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ ، وَهُوَ قَدْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ انْتَهَى .
فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْك أَخُوك الْمُؤْمِنُ فَقُمْت إلَيْهِ وَسُرَّ بِذَلِكَ فَقَدْ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِيَامِك أَنْتَ وَحَرَكَتِك لَهُ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ : مَدَارُ التَّحْرِيمِ عَلَى الْمَحَبَّةِ فَحَسْبُ سَوَاءٌ قِيمَ لَهُ أَوْ لَمْ يَقُمْ قَدْ ارْتَكَبَ التَّحْرِيمَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ إنَّمَا صَدَرَتْ مِنْهُ لِمُشَاهَدَتِهِ لِلْقِيَامِ فَلَوْ كَانَ لَا يَقُومُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ لَمْ تَتَشَوَّفْ نَفْسُهُ إلَيْهِ وَلَمْ تُحِبُّهُ وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ قَاعِدَتُهُ فِي تَصَرُّفِهِ كُلِّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مَعَ نَفْسِهِ وَمَعَ غَيْرِهِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ لِسَانُ الْعِلْمِ وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ شَيْئَانِ هُمَا خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنْ عَمِلْت بِهِمَا أَتَكَفَّلُ لَك بِالْجَنَّةِ ، وَلَا أَطْوَلُ عَلَيْك قِيلَ وَمَا هُمَا قَالَ تَعْمَلُ مَا تَكْرَهُ إذَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَتَتْرُكُ مَا تُحِبُّ إذَا كَرِهَهُ اللَّهُ أَوْ قَالَ : فَلَيْسَ الْإِنْسَانُ مُكَلَّفًا بِأَنْ لَا يَقَعَ لَهُ مَحَبَّةُ الشَّيْءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِأَنْ لَا
يَرْضَى بِهِ وَإِنْ كَانَتْ نَفْسُهُ تُحِبُّهُ فَيَكْرَهُهُ لِكَرَاهِيَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، وَقَدْ قِيلَ مِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ ، فَإِذَا أَحَبَّ وَلَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى وُقُوعِ مَا أَحَبَّ فَقَدْ عُصِمَ مِنْ وُقُوعِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الَّذِي يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ أَنْ يُعَافِيَهُ مِنْهُ ، وَلَا يَرْضَاهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُصَاةِ ، وَهُوَ تَبَوُّءُ مَقْعَدِهِ مِنْ النَّارِ لَا يَفْعَلُهُ بِهَذَا الْأَخِ الْمُؤْمِنِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا انْتَهَى ، وَهَذَا الْفِعْلُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ ؛ لِأَنَّك تَكْرَهُ الشَّيْءَ لِنَفْسِك وَتُوقِعُ فِيهِ غَيْرَك بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْخَدِيعَةِ وَالْمَكْرِ ، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ بُعَدَاءُ عَنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَكُلُّ بَابٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ كَانَتْ سَبَبًا إلَى نَجَاةِ أَخِيك مِنْ النَّارِ وَاجِبٌ أَنْ تُعَامِلَهُ بِهَا .
وَكَذَلِكَ فِي الْعَكْسِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، فَكُلُّ بَابٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ كَانَتْ سَبَبًا إلَى عِقَابِهِ وَتَوْبِيخِهِ وَدُخُولِهِ دَارَ الْهَوَانِ وَالْغَضَبِ وَاجِبٌ عَلَيْكَ أَنْ تُعْفِيَهُ مِنْهَا ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ فَإِذَا قُمْتَ إلَيْهِ ، فَإِنَّكَ لَمْ تَنْصَحْهُ بَلْ غَشَشْتَهُ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ بَلْ يَنْبَغِي أَوْ يَجِبُ أَنْ يَعْرِضَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا الْقِيَامَ ، فَإِنْ رَأَى نَفْسَهُ أَنَّهَا تُحِبُّ ذَلِكَ وَتَشْتَهِيهِ وَتُؤْثِرُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَهُ مَعَ أَخِيهِ
الْمُؤْمِنِ لِئَلَّا يُوقِعَهُ فِي الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنْ رَأَى نَفْسَهُ أَنَّهَا لَا تُحِبُّ ذَلِكَ وَتَكْرَهُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَامِلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ هُوَ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ فَيَنْظُرُ إلَى نَفْسِهِ فَمَا يُحِبُّ أَنْ يُفْعَلَ مَعَهُ فَعَلَهُ هُوَ مَعَ أَخِيهِ ، وَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُفْعَلَ مَعَهُ لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَهُ أَلْبَتَّةَ ، وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ كُلُّهُ هُوَ الَّذِي قَالَ هَذَا السَّيِّدُ فِيهِ : هَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ جَوَابًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ بِمَا يَسَّرَ اللَّهُ فِي الْوَقْتِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَفَهْمُهُمْ لِلْحَدِيثِ ، وَمَعْنَاهُ لَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ فِعْلِنَا وَفَهْمِنَا بَلْ أَوْجَبَ ؛ لِأَنَّهُمْ تَلْقَوْهُ مُشَافَهَةً مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى مُعَاوِيَةَ الَّذِي تَلَقَّى الْحَدِيثَ مِنْ فِي صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ كَيْفَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ ، وَذَلِكَ الَّذِي فَهِمَ فَكَانَ يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ فِي فَهْمِهِ وَفِقْهِهِ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى رُوَاةِ الْحَدِيثِ كَيْفَ بَوَّبُوا عَلَيْهِ بَابَ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلنَّاسِ ، بَابَ كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلرَّجُلِ ، وَلَمْ يَقُولُوا بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ وَلَمْ يَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالُوا فِي عَكْسِهِ .
حَيْثُ قَالُوا : بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ فَيُعْطِي ذَلِكَ أَوْ يُفِيدُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْكَرَاهَةِ ، وَلَا يَقُولُونَ بِالْجَوَازِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا أَنْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَامُوا إلَيْهِ : لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا جَمَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ شَيْئَيْنِ الْأَوَّلَ النَّهْيَ وَالثَّانِيَ التَّعْلِيلَ ، وَهُوَ كَوْنُ الْقِيَامِ إذَا وَقَعَ بِنَفْسِهِ يَكُونُ تَعْظِيمًا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَبَيَّنَ لَهُمْ كَيْفِيَّةَ الْقِيَامِ الْجَائِزِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ الْقِيَامَ إذَا وَقَعَ وَلَمْ يَكُنْ بِنِيَّةِ التَّعْظِيمِ كَانَ جَائِزًا ، وَهَذَا وَقْتُ الْبَيَانِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ بَلْ لَوْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ مَا احْتَاجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى نَهْيِهِمْ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ مِنْهُمْ بِإِكْرَامِهِ وَتَبْجِيلِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَلِعِلْمِهِ مِنْهُ أَنَّهُمْ مُمْتَثِلُونَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ .
ثُمَّ اُنْظُرْ أَيْضًا إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَنَا مِنْ أَصْلِ الشَّرْعِ وَالطَّبْعِ وَالْعَادَةِ وَالتَّجْرِبَةِ أَنَّ النَّفْسَ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ غَالِبَةٌ مَكَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ مُتَكَبِّرَةٌ مُتَجَبِّرَةٌ مُنَازِعَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ ، فَالشَّيْطَانُ عَلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الشَّيْطَنَةِ وَالتَّمَرُّدِ وَالْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالْعِصْيَانِ لَا يُنَازِعُ الرُّبُوبِيَّةَ ، وَهِيَ تُنَازِعُهَا ، فَإِنْ شَعَرَتْ مِنْ صَاحِبِهَا أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ مِنْهَا مَا تُبْدِيهِ مِنْ أَحْوَالِهَا السَّيِّئَةِ رَمَتْهُ بِالْجَمِيعِ وَأَظْهَرَتْهُ لَدَيْهِ ، وَإِنْ شَعَرَتْ مِنْهُ أَنَّهُ يَرُدُّهَا عَنْ أَحْوَالِهَا الْمُسْتَهْجَنَةِ قَلَّ أَنْ تُظْهِرَ لَهُ شَيْئًا مِنْ خَبَايَاهَا وَبَقِيَتْ تُمَارِي عَلَيْهِ فِي حُظُوظِهَا وَتَزْعُمُ أَنَّهَا طَالِبَةٌ لِلثَّوَابِ وَالْخَيْرِ ، وَهِيَ طَالِبَةٌ لِشَهَوَاتِهَا وَحُظُوظِهَا خِيفَةً مِنْهَا إنْ أَظْهَرَتْ مَا أَكَنَّتْهُ أَنْ لَا يُمَكِّنَهَا
صَاحِبُهَا مِنْ مُرَادِهَا ، وَالْغَالِبُ مِنْهَا مَحَبَّةُ الْحُظْوَةِ وَالشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ عَلَى الْأَقْرَانِ ، وَمَحَبَّةُ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ عَلَى النَّاسِ وَالْكِبْرِ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي الْقِيَامِ إلَيْهَا فَأَيْنَ النَّفْسُ الَّتِي تَقِفُ لِذَلِكَ وَيَحْصُلُ لَهَا الِانْكِسَارُ وَالتَّذَلُّلُ وَتَرَاهُ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَتَنْوِيهِ عَلَى مَا زَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ ، وَالْعَجَبُ مِنْ هَذَا السَّيِّدِ كَيْفَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا النَّهْيَ الصَّرِيحَ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ وَلَمْ يُخَصِّصْهُ بِحَالَةٍ فَقَالَ : هَذَا يَجُوزُ بِنِيَّةِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ .
فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ : إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِوُرُودِ الْأَحَادِيثِ الْمُعَارِضَةِ فِي فِعْلِ الْقِيَامِ .
فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ عَنْ الْقِيَامِ الْمَذْكُورِ مَا كَانَ سَبَبُهُ وَمَا جَرَى فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ وَلِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَفِيمَا وَقَعَ مِنْ الْجَوَابِ مَقْنَعٌ مَعَ الْإِنْصَافِ ، وَقَدْ وَقَعَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ الْحَرِيصَةُ الْمُبَالِغَةُ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ فَإِذَا رَأَتْهُ دَاخِلًا تَلَقَّتْهُ فَأَخَذَتْ عَنْهُ ثِيَابَهُ وَنَزَعَتْ نَعْلَيْهِ وَلَمْ تَزَلْ قَائِمَةً حَتَّى يَجْلِسَ فَقَالَ : أَمَّا تَلَقِّيهَا إيَّاهُ وَنَزْعُهَا ثِيَابَهُ وَنَعْلَيْهِ فَلَا أَرَى فِي ذَلِكَ بَأْسًا ، وَأَمَّا قِيَامُهَا فَلَا أَرَى ذَلِكَ ، وَلَا أَرَى أَنْ تَفْعَلَهُ هَذَا مِنْ التَّجَبُّرِ وَالسُّلْطَانِ فَقُلْتُ وَاَللَّهِ مَا ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ ، وَلَا يَشْتَهِي هَذِهِ الْحَالَةَ ، وَلَكِنَّهَا تُرِيدُ إكْرَامَهُ وَتَوْقِيرَهُ وَتَأْدِيَةَ حَقِّهِ وَأَنَّهُ لَيَنْهَاهَا عَنْ ذَلِكَ وَيَمْنَعُهَا مِنْهُ فَقَالَ لِي : كَيْفَ اسْتِقَامَتُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ؟ فَقُلْت لَهُ : مِنْ أَقْوَمِ النَّاسِ طَرِيقَةً فِي كُلِّ أَمْرِهَا ؟ فَقَالَ : تُؤَدِّي حَقَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا ، وَأَمَّا هَذَا فَلَا أَرَى أَنْ
تَفْعَلَهُ ، إنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْجَبَابِرَةِ ، وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ الْوُلَاةِ يَكُونُ النَّاسُ جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَهُ فَإِذَا طَلَعَ عَلَيْهِمْ قَامُوا لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا ، وَلَا أُحِبُّهُ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ ، فَأَرَى أَنْ تَدَعَ هَذَا وَتُؤَدِّيَ حَقَّهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلدَّابَّةِ الَّتِي رَكِبَ مَا نَزَلْتُ عَنْهَا حَتَّى تَغَيَّرْت قَالَ : قَالَ مَالِكٌ وَلِعُمَرَ فَضْلُهُ .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ : لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا بِالسُّجُودِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا فَانْظُرْ مَعَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ وَالْحَقِّ الَّذِي لِلزَّوْجِ بِنَصِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ لَهَا مَالِكٌ الْقِيَامَ لَهُ لِفَهْمِهِ مَنْعَ الْقِيَامِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقِيَامِ لِلْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهَذَا نَصُّ الْإِمَامِ .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الْعُظْمَى الَّتِي وَقَعَتْ بِسَبَبِ جَوَازِ هَذَا الْقِيَامِ كَيْفَ وَقَعَ بِسَبَبِهِ ارْتِكَابُ مَا نَهَيْنَا عَنْهُ ، وَهُوَ هَذَا الْقِيَامُ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي الْقِيَامِ إذْلَالًا لِلْقَائِمِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْإِسْلَامُ يَعْلُو ، وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ انْتَهَى ، وَقَدْ عَلَا هَذَا الْعَدُوُّ الْكَافِرُ عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْحَالِ بِسَبَبِ مَا أُجِيزَ مِنْ الْقِيَامِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْمُؤْمِنُ لَا يَذِلَّ نَفْسَهُ أَوْ كَمَا قَالَ فَهُوَ قَدْ نَهَى أَنْ يَذِلَّ نَفْسَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ مُسْلِمٍ فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ مَعَ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ
أَوْ مُنَافِقٍ عَدُوٍّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَاءِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يَكُونُ الْقِيَامُ إلَيْهِ وَكَيْفَ يَكُونُ الذُّلُّ لَهُ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَدَمِ الْحَيَاءِ مِنْ الِارْتِكَابِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا أَجَازُوا ذَلِكَ إذَا خَافُوا الْفِتْنَةَ مِنْهُ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ خِيفَةَ الْفِتْنَةِ إنَّمَا سَبَبُهَا اسْتِعْمَالُنَا نَحْنُ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلْنَاهُ بَيْنَنَا شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ وَاحِدٌ مِنَّا لَوَجَدْنَا عَلَيْهِ الْوَجْدَ الشَّدِيدَ ، فَلَمَّا أَنْ ارْتَكَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَاصْطَلَحْنَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا طَلَبَهُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ مِنَّا ؛ لِأَنَّ شَهَوَاتِ النُّفُوسِ وَالْحُظُوظَ ؛ النَّاسُ الْكُلُّ مُشْتَرَكُونَ فِي مَحَبَّتِهَا وَالْقَوْلِ بِهَا إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ سِيَّمَا مَنْ كَانَ شَارِدًا عَنْ بَابِ رَبِّهِ مُعْرِضًا عَنْ مَوْلَاهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ شُرُودٌ وَإِعْرَاضٌ أَعْظَمُ وَأَدْهَى وَأَمَرُّ مِنْ الْمُخَالَفَةِ بِالْكُفْرِ وَجَحْدِ الْوَحْدَانِيَّةِ ، فَيَكُونُ مَحَبَّةُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ فَلَوْ وَقَفْنَا نَحْنُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلَمْ نَزِدْ عَلَيْهَا شَيْئًا ، وَلَا نَسْتَحْسِنُهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا إلَّا مَا اسْتَحْسَنَهُ صَاحِبُ شَرِيعَتِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْضَاهُ لَنَا وَرَآهُ مَصْلَحَةً لَنَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ يُخَالِطُنَا فِيهِ ، وَلَا يَطْلُبُهُ مِنَّا ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ عَلَى اتِّبَاعِهِ فِي أَمْرٍ مَا أَبَدًا لِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ .
أَلَا تَرَى أَنَّ السَّلَامَ الْمَشْرُوعَ وَمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مِنْ الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حِسًّا وَمَعْنًى كَيْفَ يَتَحَامَاهُ أَهْلُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ عَنْ آخِرِهِمْ ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ مَعَ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَا مَعَ مَنْ يُعَامِلُونَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَوْ كَانَ هَذَا
الْقِيَامُ مَشْرُوعًا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَتَحَامَوْهُ كَمَا تَحَامَوْا السَّلَامَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا شَرَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ انْتَفَتْ مِنْهُ حُظُوظُ النَّفْسِ ، فَلَيْسَ لَهُمْ إلَيْهِ سَبِيلٌ ، وَمَا يُسْتَعْمَلُ لِحُظُوظِ النَّفْسِ هُوَ الَّذِي يُشَارِكُنَا فِيهِ أَهْلُ الْمِلَلِ ، فَلَوْ أَنْكَرْنَا الْقِيَامَ ابْتِدَاءً بَعْضُنَا لِبَعْضٍ مَا طَلَبَهُ أَهْلُ الْمِلَلِ مِنَّا ، وَقَدْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الْقِيَامِ أَلْبَتَّةَ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُهُ ، وَلَا يُعَامِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِهِ ، فَلَمَّا أَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ بَانَ أَمْرُهُ وَاتَّضَحَ وَزَالَ إشْكَالُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ نَهَى فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ عَلَّلَهُ هَاهُنَا بِأَنَّهُ فِعْلُ الْأَعَاجِمِ حَتَّى نَهَى عَنْهُ ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ انْتَهَى .
وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا فِتْنَةً أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ الْفِتْنَةَ الْمَخُوفَةَ مَا هِيَ ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ لَوْ تَسَبَّبَ الذِّمِّيُّ فِي قَطْعِ رِيَاسَتِهِمْ أَوْ قَطْعِ مَنْصِبٍ لَهُمْ أَوْ قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ جَامِكِيَّتِهِمْ أَوْ عَقَدَ وَجْهَهُ فِي وُجُوهِهِمْ أَوْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ عِنْدَ أُسْتَاذِهِ بِأَمْرٍ مَا كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُمْ فِي جَوَازِ الْقِيَامِ لِأَهْلِ الْمِلَلِ مَعَاذَ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا وَقَعَ الْخَوْفُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مَعْلُومٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَشْهُورٌ بَيْنَهُمْ لَيْسَ عَلَى مَا تُسَوِّلُ لَنَا حُظُوظُ أَنْفُسِنَا وَيُزَيِّنُ لَنَا شَيْطَانُنَا وَيَحْمِلُنَا عَلَيْهِ قِلَّةُ يَقِينِنَا ، وَأَعْظَمُ فِتْنَةً
وَأَدْهَاهَا وَأَمَرُّهَا هَذَا الْأَمْرُ الْمُفْظِعُ الَّذِي وَقَعْنَا فِيهِ وَاصْطَلَحْنَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّا نَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزًا أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهِ مُعْضِلَةٌ عَظِيمَةٌ لَا تُسْتَدْرَكُ ، وَلَا يُمْكِنُ تَلَافِيهَا لِتَعَذُّرِ وُقُوعِ التَّوْبَةِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَكُونُ مِنْ الْجَائِزِ ، وَلَا مِنْ الْمَنْدُوبِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْمَعَاصِي .
فَالْحَاصِلُ مِنْ أَحْوَالِنَا فِيهِ أَعْنِي فِي الْقِيَامِ أَنَّا ارْتَكَبْنَا بِهِ بِدْعَةً جَرَّتْ إلَى حَرَامٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْقِيَامُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى ارْتِكَابِ الْبِدَعِ ، وَالتَّسَامُحِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي ، وَمَعْذِرَةِ بَعْضِ عُلَمَائِنَا وَتَسَامُحِهِمْ وَتَغَافُلِهِمْ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ حَتَّى اُرْتُكِبَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْكَثِيرُ الْكَبِيرُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَسْئُولُ فِي التَّجَاوُزِ وَالْعَفْوِ عَمَّا مَضَى ، وَالتَّدَارُكِ وَاللُّطْفِ وَالْإِقَامَةِ مِمَّا بَقِيَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ .
وَقَدْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ هَذَا الْقِيَامَ يَتَعَيَّنُ الْيَوْمَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ ، وَقَدْ أَمَرَنَا بِتَرْكِ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا الْحَدِيثَ .
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى مَا اُحْتُرِزَ مِنْهُ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ : إمَّا أَنْ يَقُومَ لِكُلِّ دَاخِلٍ عَلَيْهِ أَوْ الْعَكْسِ ، وَإِمَّا أَنْ يَقُومَ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ مَذْهَبٌ لِحُرْمَةِ الْعِلْمِ وَالْمُرُوءَةِ وَقَلَّ أَنْ يَسْتَقِرَّ لَهُ قَرَارٌ فِي مَجْلِسٍ وَيَشْتَغِلُ عَنْ كُلِّ ضَرُورَاتِهِ لِكُلِّ دَاخِلٍ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا .
وَهَذَا شَنِيعٌ وَمَعَ شَنَاعَتِهِ يَمْنَعُ مَا الْإِنْسَانُ قَاعِدٌ إلَيْهِ وَيَشْتَغِلُ عَنْهُ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ .
وَإِنْ قَامَ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ
بَعْضٍ فَهُوَ مَوْضِعُ الْفِتْنَةِ وَالتَّدَابُرِ وَالتَّقَاطُعِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَقُومَ لِأَحَدٍ فَيَسْلَمُ النَّاسُ مِمَّا يَقَعُ بَيْنَهُمْ وَتَنْحَسِمُ مَادَّةُ التَّدَابُرِ وَالتَّقَاطُعِ وَتَبْقَى حُرْمَةُ الْعِلْمِ قَائِمَةً ، وَالْمُرُوءَةُ مَوْجُودَةً ، وَبَرَكَةُ الِاتِّبَاعِ حَاصِلَةً ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَجَزْنَا ذَلِكَ لِأَجْلِ مَا يَقَعُ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ التَّغْيِيرِ لَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الشَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَوَامَّ كُلَّمَا أَحْدَثُوا حَدَثًا فِي الدِّينِ إنْ لَمْ نُوَافِقْهُمْ عَلَيْهِ حِفْظًا لِخَوَاطِرِهِمْ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ لَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى مَا ذُكِرَ ، وَهَذَا عَكْسُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ مَضَتْ أَنَّ الْعَوَامَّ يُحْدِثُونَ وَالْعُلَمَاءَ يُنْكِرُونَ وَيَزْجُرُونَ فَصَارَ الْيَوْمَ الْحَالُ بِالْعَكْسِ الْعَوَامُّ يُحْدِثُونَ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَتَّبِعُونَ وَبَعْضُهُمْ لَا يُنْكِرُونَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ أَوْ كَمَا قَالَ .
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ .
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى حَائِلٍ مُرْتَفِعٍ دُونَ مَنْ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ صُورَةَ التَّرَفُّعِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شِيَمِ الْعُلَمَاءِ إذْ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُدَرِّسِ التَّوَاضُعَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّنْ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى شَيْءٍ مِثْلِ فَرْوَةٍ ، أَوْ بِسَاطٍ ، أَوْ شَيْءٍ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَعَابَهُ وَقَالَ : أَتُتَّخَذُ الْمَسَاجِدُ بُيُوتًا وَرَخَّصَ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ ، فَعَلَى هَذَا إنْ اضْطَرَّ الْمُدَرِّسُ ، أَوْ غَيْرُهُ إلَى شَيْءٍ يَجْعَلُهُ تَحْتَهُ فَلْيَكُنْ قَدْرَ الضَّرُورَةِ وَلْيُبَيِّنْ عُذْرَهُ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ الْمَاضِينَ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَصَابَهُ مَرَضٌ فَاِتَّخَذَ الدَّرْسَ فِي بَيْتِهِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُ لِأَجْلِ مَرَضِهِ ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنْ الْغَدِ خَرَجَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَقَعَدَ خَارِجًا عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ : هَلَّا تَقْعُدُ بِمَوْضِعِك بِالْأَمْسِ ؛ لِأَنَّهُ أَكَنُّ لَك لِأَجْلِ مَرَضِك فَقَالَ : إنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَوْقَ جُلَسَائِي وَكَانَ الْمَوْضِعُ عُلُوُّهُ عَنْ أَصْحَابِهِ عَرْضُ أُصْبُعَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي هَذَا شَيْءٌ يَسِيرٌ ، فَقَالَ : لَوْ وَجَدْت سَبِيلًا أَنْ أَحْفِرَ حُفْرَةً تَحْتَ الْأَرْضِ فَأَقْعُدَ تَحْتَ جُلَسَائِي لَفَعَلْت ذَلِكَ ، أَوْ كَمَا قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ وَفُضَلَائِهِمْ يَقْعُدُونَ عَلَى حَائِلٍ دُونَ جُلَسَائِهِمْ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْلِسُ إلَى أَخْذِ الدُّرُوسِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ ، ثُمَّ بَعَثَ لَهُ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ سَجَّادَةً مِنْ صُوفٍ فَبَقِيَ يَتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِهِ فِي إرْسَالِهَا إذْ أَنَّ السَّجَّادَاتِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ بِدْعَةٌ ، وَمِثْلُهُ بَعِيدٌ أَنْ يَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا ، ثُمَّ قَالَ : مَا أَرْسَلَهَا إلَّا
لِحِكْمَةٍ فَتَرَكَهَا فِي بَيْتِهِ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فَمَا كَانَ إلَّا قَلِيلٌ وَأَخَذَهُ مَغَصٌ فِي فُؤَادِهِ بِسَبَبِ بُرُودَةِ الْبَلَاطِ الَّتِي تَصْعَدُ مِنْ تَحْتِ الْحَصِيرِ فَبَقِيَ يَخْرُجُ بِهَا إلَى الْمَسْجِدِ وَيَطْوِيهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى قَدْرِ جُلُوسِهِ لَيْسَ إلَّا وَيَسْجُدُ عَلَى الْحَصِيرِ ، وَكَانَ يَقُولُ : هَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا أَرْسَلَهَا هَذَا السَّيِّدُ ، فَهَذَا دَأْبُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَالْعُلَمَاءُ أَوْلَى مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ وَيُقْتَفَى آثَارُهُمْ وَيُهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاوِحِ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ إذْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ ، وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُعْهَدُ فِي الْبُيُوتِ أَنْ تُعْمَلَ فِي الْمَسَاجِدِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي غَيْرِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَدَارِسِ لِضَرُورَةِ الْحَرِّ وَالذُّبَابِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَنُهَا مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ ، أَوْ يُقْطَعُ بِهَا حُصْرُ الْوَقْفِ عِنْدَ الْبَحْثِ وَالِانْزِعَاجِ عِنْدَ إيرَادِ الْمَسَائِلِ ، وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَهُ الْمَرَاوِحَ الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ الَّتِي يَرُوحُ بِهَا النَّاسُ قَالَ : وَمَا كَانَ ذَلِكَ يُفْعَلُ فِيمَا مَضَى ، وَلَا أُجِيزُ لِلنَّاسِ أَنْ يَأْتُوا بِالْمَرَاوِحِ يَتَرَوَّحُونَ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ هَذِهِ الْحَلْقَةِ الَّتِي تُعْمَلُ لَهُ فِي كَوْنِ الطَّلَبَةِ يَبْعُدُونَ عَنْهُ وَالسَّلَفُ كَانُوا لَا يَبْعُدُونَ بَلْ تَمَسُّ ثِيَابُ الطَّلَبَةِ ثِيَابَ الْمُدَرِّسِ لِقُرْبِهِمْ مِنْهُ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلرِّيَاسَةِ فَذَمُّهُ أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ
فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَجْلِسِهِ مَكَانٌ مُمَيَّزٌ لِآحَادِ النَّاسِ بَلْ كُلُّ مَنْ سَبَقَ لِمَوْضِعٍ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ كَمَا هُوَ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ ، وَلَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَوْضِعِهِ جَبْرًا وَيَجْلِسُ فِيهِ غَيْرُهُ لِلنَّهْيِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ قَامَ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْهُ لِضَرُورَةٍ وَعَادَ كَانَ بِهِ أَحَقَّ أَيْضًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ مَعْلُومًا عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ فِيهِ إلَّا فُلَانٌ ، وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي فَتْوَاهُ وَعِلْمِهِ ، فَإِنْ جَلَسَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ أَوْ يُعْلَمْ بِمَشَقَّةٍ فَهَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْبُوقُ صَاحِبَ عِلْمٍ وَفَضِيلَةٍ فَحَيْثُمَا جَلَسَ كَانَ صَدْرًا ، وَلَيْسَتْ الْمَوَاضِعُ بِاَلَّتِي تُصَدِّرُ النَّاسَ ، وَلَا تَرْفَعُهُمْ وَإِنَّمَا يَرْفَعُ الْمَرْءُ مَا هُوَ حَامِلُهُ مِنْ عِلْمٍ وَفَضِيلَةٍ وَدِينٍ وَتَقْوَى ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّخْصِيصُ لِمَنْ ذُكِرَ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ فِي فَتْوَاهُ وَعِلْمِهِ ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ مُقْتَضَاهُ الْعُمُومُ فَالضَّرُورَةُ خَصَّصَتْ الدَّلِيلَ الْعَامَّ ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ دَلِيلٍ خُصَّ وَذَلِكَ كَثِيرٌ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَسَّعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى الضَّرَرِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَنْزَعِجَ عَلَى مَنْ آذَاهُ وَيُجَاهِدَ نَفْسَهُ لِتَرْتَاضَ فَيُحْسِنَ لَهُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ لَا يُؤَاخِذُ مَنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالْأَذِيَّةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ وَيُوَاجِهُهُ بِمَا يُوَاجِهُ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ الْمُحِبِّينَ وَالْمُعْتَقِدِينَ مِنْ طَيِّبِ الْقَوْلِ وَحُسْنِ الْعِبَارَةِ وَعَدَمِ الْجَفَاءِ تَقَرُّبًا بِذَلِكَ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا يُقَابِلُ الشَّرَّ بِمِثْلِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا شِيَمُهُمْ الْحِلْمُ وَالْإِقَالَةُ وَالصَّفْحُ وَالْعَفْوُ ، أَلَا تَرَى إلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَانَ قَاضِي بِلَادِ إفْرِيقِيَّةَ فَكَانَ إذَا قَعَدَ لِأَخْذِ الدُّرُوسِ أَتَاهُ إنْسَانٌ لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ فَيُحَدِّثُهُ فِي أُذُنِهِ سَاعَةً ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ مُدَّةً ، وَكَانَ إذَا أَقْبَلَ يَقُولُ الْقَاضِي لِجَمَاعَتِهِ أَفْسِحُوا لَهُ فَيَأْتِي وَيَفْعَلُ الْعَادَةَ ، ثُمَّ انْقَطَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مُدَّةً فَسَأَلَ عَنْهُ مَنْ حَضَرَهُ فَقَالُوا لَا نَعْرِفُ خَبَرَهُ فَقَالَ اُطْلُبُوهُ فَإِذَا وَجَدْتُمُوهُ فَأْتُونِي بِهِ فَوَجَدُوهُ فَأَتَوْا بِهِ إلَيْهِ فَأَخَذَهُ وَخَلَا بِهِ وَقَالَ لَهُ مَا مَنَعَك مِنْ عَادَتِك فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي لِي بَنَاتٌ قَدْ كَبِرْنَ وَاحْتَجْنَ إلَى التَّزْوِيجِ وَأَنَا فَقِيرٌ فَقَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ إنْ أَغْضَبْت فُلَانًا فَنَحْنُ نُزِيلُ فَقْرَك وَنُجَهِّزُ بَنَاتَك ، أَوْ كَمَا قَالُوا فَبَقِيتُ تِلْكَ الْمُدَّةَ أَجِيءُ إلَيْك فَأَقْذِفُك وَأَشْتُمُك وَأَفْعَلُ مَا قَدْ رَأَيْت لَعَلَّك تَغْضَبُ يَوْمًا مَا لِيَحْصُلَ لِي مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَيِسْتُ مِنْ غَضَبِك تَرَكْت ذَلِكَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ لَوْ أَخْبَرْتنِي كُنْت أَقُومُ لَك بِضَرُورَتِك أَعَلَيْكَ سَفَرٌ فَقَالَ يَا سَيِّدِي أَيُّ شَيْءٍ أَشَرْت بِهِ عَلَيَّ فَعَلْته ، فَأَمَرَ الْكَاتِبَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِالْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ إلَى نُوَّابِهِ بِالْبِلَادِ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ، وَمِمَّنْ يَعْتَنِي بِهِ
الْقَاضِي فَسَافَرَ إلَى الْبِلَادِ ، ثُمَّ رَجَعَ وَمَعَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ مَا أَزَالَ فَقْرَهُ وَجَهَّزَ بَنَاتَه .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ وَإِيَّانَا مُعَامَلَتَهُ مَعَ مَنْ شَتَمَهُ وَقَذَفَهُ فَيَكُونُ الْعَالِمُ يَقْتَدِي بِهَذَا السَّيِّدِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ فِي الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَالشِّيَمِ الْجَمِيلَةِ ، وَقُدْوَتُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سُنَّةُ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ انْتَهَى .
فَمِنْ جُمْلَةِ أَخْلَاقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَرُتْبَتُهُ مُنِيفَةٌ وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى أَوَّلُهَا ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الَّذِي يُؤْذِيكَ هُوَ الْمُحْسِنُ إلَيْك .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ : جُبِلَتْ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا وَإِذَا نَظَرْت إلَى النَّاسِ وَجَدْتَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُحْسِنٌ وَمُسِيءٌ فَالْمُحْسِنُ جُبِلَ قَلْبُك عَلَى مَحَبَّتِهِ ، وَهَذَا الْمُحْسِنُ إنَّمَا أَحْسَنَ إلَيْك بِشَيْءٍ يَفْنَى ، وَإِذَا نَظَرْت إلَى الْمُسِيءِ بِعَيْنِ التَّحْقِيقِ فَهُوَ مُحْسِنٌ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ إلَيْك بِالْبَاقِي إذْ أَنَّك تَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَإِلَّا أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِك ، وَشَأْنُ أَهْلِ التَّوْفِيقِ اغْتِنَامُ الْبَاقِي فَيَنْبَغِي لَك أَنْ تُكَافِئَهُ عَلَى إحْسَانِهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا يُبَيِّنُ هَذَا وَيُوَضِّحُهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَارًّا بِطَرِيقٍ فَلَقِيَهُ إنْسَانٌ فَصَفَعَهُ وَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ فَرَآهُ جَمَاعَةٌ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ قَالُوا لَهُ : أَتَعْرِفُ مَنْ هَذَا الَّذِي صَفَعْتَهُ قَالَ لَا قَالُوا هُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فَرَجَعَ إلَيْهِ
فَطَأْطَأَ عَلَى قَدَمِهِ فَقَبَّلَهَا وَقَالَ وَاَللَّهِ يَا سَيِّدِي مَا عَرَفْتُك وَسَأَلَهُ الْمُحَالَلَةَ فَقَالَ لَهُ وَاَللَّهِ مَا ارْتَفَعَتْ يَدُك عَنِّي حَتَّى سَأَلْت اللَّهَ تَعَالَى لَك الْمَغْفِرَةَ فَقَالَ لَهُ وَمَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ لِأَنَّك لَمَّا صَفَعْتنِي عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُثِيبُنِي عَلَى ذَلِكَ وَمَا كُنْت بِاَلَّذِي تُوصِلُ إلَيَّ خَيْرًا فَأُوصِلُ إلَيْك شَرًّا .
وَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَوْ كُنْت مُغْتَابًا لِأَحَدٍ لَاغْتَبْت وَالِدَيْ ؛ لِأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِحَسَنَاتِي فَهُمْ أَبَدًا يَنْظُرُونَ إلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ وَعَوَاقِبِهَا ، وَغَيْرُهُمْ إلَى ضِدِّهَا .
فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى إلَى هَذَا الْمَقَامِ الْأَسْنَى الَّذِي يَحْصُلُ لِكَاظِمِ الْغَيْظِ إذْ أَنَّ ذَلِكَ يُدْخِلُهُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَامَةُ الصَّدْرِ لَا تُبْلَغُ بِعَمَلٍ فَنَفْيُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تُبْلَغَ سَلَامَةُ الصَّدْرِ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا مُتَحَصِّلٌ بِمَا ذَكَرَ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ أَنْ يَتَّكِئَ عَلَى الْيَدِ الْيُسْرَى إذَا جَعَلَهَا مِنْ خَلْفِهِ قَلِيلًا وَيَتَّكِئَ عَلَى شَحْمَتَيْ أَصْلِ كَفِّهِ تِلْكَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ تِلْكَ الْهَيْئَةَ مِنْ فِعْلِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ .
( فَصْلٌ ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْمَعَ مَنْ يَنِمُّ عِنْدَهُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَنْقُلُ أَخْبَارَ النَّاسِ وَمَا جَرَى لَهُمْ مِمَّا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِي هَذَا الْبَابِ مَجَالًا كَبِيرًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي لِأَحَدٍ إلَّا مِنْ الْبَابِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ لِلْعَالِمِ ، أَوْ الْعَابِدِ فَيُوَسْوِسُ لَهُ بِالزِّنَا ، أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ يَأْتِي بِذِكْرِ شَخْصٍ غَائِبٍ فَيُذْكَرُ بِخَيْرٍ فَيَقُومُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ وَيَسْتَثْنِي بِقَوْلِهِ : إلَّا أَنَّ فِيهِ كَذَا وَأَنَّهُ كَذَا ، فَيَتَرَتَّبُ الْإِثْمُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ ، فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا ، وَرَدَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَيَتَنَفَّسَ فَيَحْرِقُ بِنَفَسِهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً ، أَوْ كَمَا وَرَدَ وَهَا هُوَ ذَا بَيِّنٌ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَثْنِي إذَا اسْتَثْنَى وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ فَقَدْ بَاءُوا جَمِيعًا بِالْإِثْمِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ .
( فَصْلٌ ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْغِيبَةِ ؛ لِأَنَّهَا مُصِيبَةٌ عُظْمَى فِي الدِّينِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّحْذِيرِ عَنْ ذَلِكَ إلَّا قَوْله تَعَالَى وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْغِيبَةُ قَالَ ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ حَسْبُك مِنْ صَفِيَّةَ قِصَرُهَا قَالَ لَقَدْ قُلْت كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِهَا مَاءُ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَانًا فَقَالَ : مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إنْسَانًا وَلِي كَذَا وَكَذَا وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ رَزِينٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ وَلَا مُجَاهِرٍ وَكُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إلَّا الْمُجَاهِرُونَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ ، أَوْ يَمْشِي بِالْحَدِيثِ إلَى الْأَمِيرِ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرَجَ إلَيْهِمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ وَالْأَدِلَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى هَذَا وَأَشْبَاهِهِ كَثِيرَةٌ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْكِي أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُبَارَكِينَ بِتُونُسَ فَلَمَّا أَنْ أَرَادُوا الطَّعَامَ أَبْطَأَ
وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ مَا زَالَتْ عَادَتُهُ هَكَذَا ، فَقَامَ سَيِّدِي حَسَنٌ الزُّبَيْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ الْيَوْمَ لِي سَنَةٌ لَمْ أَسْمَعْ غِيبَةً فَسَمَّعْتُمُوهَا لِي الْيَوْمَ ، وَاَللَّهِ لَا أَقْعُدُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ وَخَرَجَ مِنْ حِينِهِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ شَيْئًا ، فَقِسْ عَلَى هَذَا وَانْظُرْ بِنَظَرِك أَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا رَخَّصَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، وَذَلِكَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا : وَهِيَ غِيبَةُ الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ بِفِسْقِهِ ، وَصَاحِبِ بِدْعَةٍ يَدْعُو إلَيْهَا ، وَصَاحِبِ بِدْعَةٍ يُخْفِيهَا ، فَإِذَا ظَفِرَ بِأَحَدٍ أَلْقَاهَا إلَيْهِ ، وَالْغِيبَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِخَصْمِهِ ، وَإِذَا سَأَلَ الْحَاكِمُ عَنْ أَحَدٍ فَغِيبَتُهُ جَائِزَةٌ وَعِنْدَ الْعَالِمِ لِلْفَتْوَى ، وَعِنْدَ مَنْ يُرْجَى تَغْيِيرُ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ ، وَعِنْدَ الْخُطْبَةِ ، وَعِنْدَ الْمُرَافَقَةِ فِي السَّفَرِ ، وَكَذَلِكَ فِي التِّجَارَةِ لِلشَّرِكَةِ ، وَكَذَلِكَ فِيمَنْ يَشْتَرِي دَارًا فَسَأَلَ عَنْ جَارِهَا أَوْ دُكَّانًا ، وَالتَّجْرِيحُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالْمُشَاوَرَةُ فِي أَمْرٍ مَا مِنْ أُمُورِ الْمُخَالَطَةِ ، أَوْ الْمُجَاوِرَةِ ، أَوْ الْمُصَاهَرَةِ ، وَتَجْرِيحُ الْمُحَدِّثِينَ لِلرُّوَاةِ ، وَذِكْرُ الرَّجُلِ بِاسْمٍ قَبِيحٍ يَشْتَهِرُ بِهِ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَجِ وَالْأَخْفَشِ فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الْمُسْتَثْنَاةُ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَصْحَابُ الْمُكُوسِ وَالظَّلَمَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُنْتَصِبِينَ لِظُلْمِ الْعِبَادِ وَأَذِيَّتِهِمْ فِي الْعِرْضِ ، أَوْ الْمَالِ ، أَوْ الْبَدَنِ ، وَلَا يُعَيِّنُ بَعْضَ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ إذَا خَشِيَ الْفِتْنَةَ ، فَإِنْ أَمِنَ عَيَّنَ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ الْمَذْكُورُ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَيَحْذَرُونَهُ وَيَهْجُرُونَهُ ، وَلَا يَتَعَاطَوْنَ مِثْلَ فِعْلِهِ
( فَصْلٌ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَنْعُ مِنْ النُّعُوتِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْكَذِبِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْكَذِبُ صُرَاحًا ، فَيَتَحَرَّزُ مِنْهُ أَنْ يَقَعَ فِي مَجْلِسِهِ ، فَإِنْ وَقَعَ فَلْيَنْقِمْ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ ، أَوْ يَمْنَعْهُ مِنْ حُضُورِ الْمَجْلِسِ حَتَّى يَتُوبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُقْلِعَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ وَشُرُوطِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ إلَّا بِقَلْبِهِ قَامَ وَتَرَكَهُ ، وَلَا يَكُونُ مُنْكِرًا بِقَلْبِهِ إنْ قَعَدَ ، وَيَأْثَمُ إلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْ الْخُرُوجِ لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَلَيْسَ هِيَ الْحَيَاءُ وَتَعْبِيسُ وَجْهِ الْمُنْكَرِ بَلْ مَا يُعَدُّ إنْكَارًا شَرْعِيًّا .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ : كُلُّ مَنْ شَاهَدَ مُنْكَرًا وَلَمْ يُنْكِرْ وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ شَرِيكٌ فِيهِ ، فَالسَّامِعُ شَرِيكُ الْمُغْتَابِ وَيَجْرِي هَذَا فِي جَمِيعِ الْمَعَاصِي حَتَّى فِي مُجَالَسَةِ مَنْ يَلْبَسُ الدِّيبَاجَ وَيَتَخَتَّمُ بِالذَّهَبِ وَيَجْلِسُ عَلَى الْحَرِيرِ ، وَالْجُلُوسِ فِي دَارٍ أَوْ حَمَّامٍ عَلَى حِيطَانِهَا صُوَرٌ ، أَوْ فِيهَا أَوَانٍ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَالْجُلُوسِ فِي مَسْجِدٍ يُسِيءُ النَّاسُ الصَّلَاةَ فِيهِ فَلَا يُتِمُّونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، وَالْجُلُوسُ فِي مَجْلِسِ وَعْظٍ يَجْرِي فِيهِ ذِكْرُ الْبِدْعَةِ ، أَوْ فِي مَجْلِسِ مُنَاظَرَةٍ ، أَوْ مُجَادَلَةٍ يَجْرِي فِيهَا الْأَذَى ، أَوْ الْأَبْحَاثُ بِالسَّفَهِ وَالشَّتْمِ .
وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ خَالَطَ النَّاسَ كَثُرَتْ مَعَاصِيه وَإِنْ كَانَ تَقِيًّا فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْمُدَاهَنَةَ فَلَا تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَيَشْتَغِلُ بِالْحِسْبَةِ وَالْمَنْعِ ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُجُوبُ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَلَمْ يُتْرَكْ الْمُنْكَرُ وَنَظَرَ إلَيْهِ بِعَيْنِ الِاسْتِهْزَاءِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي مُنْكَرَاتٍ يَرْتَكِبُهَا الْفُقَهَاءُ وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَهَا هُنَا يَجُوزُ
السُّكُوتُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الزَّجْرُ بِاللِّسَانِ ، وَيَجِبُ أَنْ يُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَلَيْسَ يَجُوزُ مُشَاهَدَةُ الْمَعْصِيَةِ بِالِاخْتِيَارِ ، فَمَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسِ الشُّرْبِ فَهُوَ فَاسِقٌ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ وَمَنْ جَالَسَ مُغْتَابًا ، أَوْ لَابِسَ حَرِيرٍ ، أَوْ آكِلَ رِبًا ، أَوْ حَرَامٍ فَهُوَ فَاسِقٌ وَلْيَقُمْ مِنْ مَوْضِعِهِ .
الثَّانِي : أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ بِأَنْ يَرَى زُجَاجَةً فِيهَا خَمْرٌ فَيَكْسِرُهَا ، أَوْ يَسْلُبَ آلَةَ الْمَلَاهِي مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا وَيَضْرِبَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُضْرَبُ ، أَوْ يُصَابُ بِمَكْرُوهٍ فَهَا هُنَا يُسْتَحَبُّ الْحِسْبَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ .
ثُمَّ قَالَ عُمْدَةُ الْحِسْبَةِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : اللُّطْفُ وَالرِّفْقُ وَالْبُدَاءَةُ بِالْوَعْظِ عَلَى سَبِيلِ اللِّينِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعُنْفِ وَالتَّرَفُّعِ وَالْإِدْلَالِ بِدَلَالَةِ الصَّلَاحِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ دَاعِيَةَ الْمَعْصِيَةِ وَيَحْمِلُ الْعَاصِي عَلَى الْمَنَاكِرِ وَعَلَى الْأَذَى ، ثُمَّ إذَا آذَاهُ وَلَمْ يَكُنْ حَسَنَ الْخُلُقِ غَضِبَ لِنَفْسِهِ وَتَرَكَ الْإِنْكَارَ لِلَّهِ وَاشْتَغَلَ بِشِفَاءِ غَلِيلِهِ مِنْهُ فَيَصِيرُ عَاصِيًا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَارِهًا لِلْحِسْبَةِ يَوَدُّ لَوْ تُرِكَتْ الْمَعْصِيَةُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ ، وَإِذَا أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعْتَرِضُ كَانَ ذَلِكَ لَمَا فِي نَفْسِهِ مِنْ دَلَالَةِ الِاحْتِسَابِ وَعِزَّتِهِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا رَفِيقٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ رَفِيقٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ حَلِيمٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ حَلِيمٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ فَقِيهٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ فَقِيهٌ فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ وَوَعَظَ الْمَأْمُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاعِظٌ بِعُنْفٍ فَقَالَ يَا رَجُلُ : اُرْفُقْ فَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك إلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ فَقَالَ لَهُ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ غُلَامًا شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَأْذَنُ لِي فِي الزِّنَا فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقِرُّوهُ أَقِرُّوهُ اُدْنُ مِنِّي فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّك فَقَالَ لَا جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاك فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِك قَالَ لَا قَالَ كَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ حَتَّى ذَكَرَ الْأُخْتَ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ وَهُوَ يَقُولُ كَذَلِكَ النَّاسُ لَا يُحِبُّونَهُ ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الزِّنَا .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِلْفُضَيْلِ إنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ فَقَالَ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ إلَّا دُونَ حَقِّهِ ، ثُمَّ خَلَا بِهِ وَعَاتَبَهُ بِالرِّفْقِ فَقَالَ يَا أَبَا عَلِيٍّ : إنْ لَمْ نَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ فَإِنَّا نُحِبُّ الصَّالِحِينَ .
الْعُمْدَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ قَدْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ فَهَذَّبَهَا وَتَرَكَ مَا يَنْهَى عَنْهُ أَوَّلًا .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا كُنْت تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ فَلْتَكُنْ مُرَاعِيًا لَهُ قَبْلَ أَخْذِ النَّاسِ بِهِ وَإِلَّا هَلَكْت فَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى حَتَّى يَنْفَعَ كَلَامُهُ وَإِلَّا اُسْتُهْزِئَ بِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا بَلْ يَجُوزُ الِاحْتِسَابُ لِلْعَاصِي أَيْضًا .
قَالَ أَنَسٌ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ : لَا نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى نَعْمَلَ بِهِ كُلَّهُ قَالَ بَلْ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلَّهُ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُرِيدُ أَنْ لَا يَظْفَرَ الشَّيْطَانُ مِنْكُمْ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ وَهُوَ أَنْ لَا تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى تَفْعَلُوا الْأَمْرَ كُلَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا
يُؤَدِّي إلَى حَسْمِ بَابِ الْحِسْبَةِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يُعْصَمُ مِنْ الْمَعَاصِي
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ الْمِزَاحِ الْمُخْرِجِ عَنْ حَدِّ الْوَقَارِ وَإِنْ كَانَ الْمِزَاحُ جَائِزًا إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ وَإِبْقَاءِ هَيْبَةِ الْعِلْمِ وَوَقَارِهِ أَلَا تَرَى إلَى وَاصِفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ وَكَانَ يَمْزَحُ ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لِلَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى جَمَلٍ فَقَالَ لَهُ لَا أَحْمِلُك إلَّا عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ ، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَخَرَجَ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْمِلَنِي عَلَى جَمَلٍ فَقَالَ لَا أَحْمِلُك إلَّا عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ فَقَالُوا لَهُ وَهَلْ الْجَمَلُ إلَّا وَلَدُ النَّاقَةِ .
وَمِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي شَكَتْ زَوْجَهَا فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا : هُوَ الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ فَأَتَتْ الْمَرْأَةُ إلَى زَوْجِهَا فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا فَجَعَلَتْ تَفْتَحُ عَيْنَيْهِ وَتَنْظُرُ الْبَيَاضَ فَاسْتَفَاقَ مِنْ نَوْمِهِ وَسَأَلَهَا عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ بِكَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا أَمَّا عَلِمْت أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ فِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَرَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ تَخْفِيفًا لِأُمَّتِهِ وَرَحْمَةً بِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهَذَا هُوَ تَوْقِيرُ مَجَالِسِ الْعِلْمِ لَا بِالْقُمَاشِ وَحُسْنِ الْمَلْبَسِ بَلْ بِحُسْنِ السَّمْتِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذِكْرِ الْآدَابِ سَلَفٌ صَالِحٌ مِنْهُمْ الْإِمَامَانِ الْكَبِيرَانِ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا ذَكَرْت نُبَذًا مِمَّا احْتَاجَ إلَيْهِ الْوَقْتُ فِي الْأَمْرِ الظَّاهِرِ ، وَمَنْ طَلَبَ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ فَلْيَلْتَمِسْهُ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
، ثُمَّ نَرْجِعُ الْآنَ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ حِينَ خُرُوجِ الْعَالِمِ إلَى الْمَسْجِدِ وَتَحِيَّتِهِ لَهُ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْفَرْضِ فَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ مُشْتَغِلًا بِإِلْقَاءِ الْعِلْمِ إذْ ذَاكَ فَلْيَتْرُكْ كُلَّ مَا هُوَ فِيهِ هُوَ وَجُلَسَاؤُهُ وَيَشْتَغِلُونَ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ مَا هُوَ فَرْضٌ يُتْرَكُ لِفَرْضٍ فَيُقَالُ هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ يُتْرَكُ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَةِ مَالِكٍ مَعَ ابْنِ وَهْبٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ لَهُ مَا الَّذِي قُمْت إلَيْهِ بِأَوْجَبَ عَلَيْك مِنْ الَّذِي قُمْت عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا فِي الْمَسْجِدِ إذْ ذَاكَ ، فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَهَا رُكُوعٌ قَبْلَهَا فَإِنْ كَانَتْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَهِيَ مِنْ السُّنَنِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُمَا فَرْضًا فَلَهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنْ يَنْذِرَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِهِمَا فَتَصِيرُ فَرْضًا فِي سُنَّةٍ ، وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِمَا ثُمَّ يُصَلِّي الْفَرْضَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُفْعَلُ فِيهِ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ قَبْلُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَمِنْ الْآدَابِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا بَعْدَهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِيمَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، أَوْ يُسْتَحَبُّ وَفِيمَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ ، أَوْ يُسْتَحَبُّ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ يَقَعُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي تَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ ، أَوْ تَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ فَيُنْظَرُ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَشْهُودِ وَهُوَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ الَّذِي يُتَكَلَّمُ فِيمَا يُفْعَلُ فِيهِ مَا هُوَ الْأَوْلَى بِهِ فِيهِ فَيُقَدَّمُ فِعْلُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ .
وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا جَاءَ أَحَدٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةِ عِلْمٍ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقُولُ يَأْتِي أَحَدُهُمْ فِي صِفَةِ شَيْطَانٍ وَيَسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةِ عِلْمٍ إنْكَارًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ
فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اقْتِدَاءً مِنْهُ بِالسَّلَفِ السَّابِقِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِيثَارًا مِنْهُ اشْتِغَالَ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالتَّوَجُّهِ وَالْعِبَادَةِ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى زَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رَاغِبِينَ فِي الْعِلْمِ ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ انْتَشَرُوا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ ، وَأَمَّا الْيَوْمَ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ انْتَشَرُوا فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا وَالِانْهِمَاكِ عَلَيْهَا غَالِبًا فَقَلَّ أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ وَيَأْتُوا الْمَسَاجِدَ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ الَّذِي يُعَلِّمُ الْعِلْمَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَسَيَأْتِي إذَا كَانَ فِي الْمَدْرَسَةِ ، أَوْ غَيْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا فَيَنْبَغِي ، أَوْ يَجِبُ إشْغَالُ هَذَا الْوَقْتِ بِالْكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ ، وَآكَدُهَا الْفِقْهُ وَالْكَلَامُ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَا يَجُوزُ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يُمْنَعُ لَعَلَّهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ وَيَتَعَلَّمُونَ أَحْكَامَ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَدْعُوهُمْ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَالْإِصْغَاءِ إلَى فَوَائِدِهِ ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ، وَعَهْدِي مِنْ عَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ يَأْخُذُونَ الدُّرُوسَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيَأْتِي الْعَوَامُّ إلَيْهِمْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ أَمْرَ دِينِهِمْ ، وَكَانَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الزَّيَّاتُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَدُ شُيُوخِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْخُذُ الدَّرْسَ فِي رِسَالَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَيُلِينُ عِبَارَتَهُ لِيُوَصِّلَ إلَى الْعَوَامّ فَهْمَ الْعِلْمِ ، وَلَا يَسْمَعُ سُؤَالَ طَالِبٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَيَقُولُ لَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ دَرْسُ كِتَابِ التَّهْذِيبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنِّي إذَا اشْتَغَلْت بِالْبَحْثِ مَعَكُمْ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَقُومُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينُ إلَى أَسْبَابِهِمْ
وَدَكَاكِينِهِمْ فَهَذِهِ صِفَةُ الْعُلَمَاءِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِمْ وَالْمُقْتَدَى بِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا جَرَمَ أَنَّ الْعَوَامَّ صَارُوا فِي دَكَاكِينِهِمْ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِعِلْمِ مَا يُحَاوِلُونَهُ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ ، وَتَجِدُهُمْ يَبْحَثُونَ فِي دَكَاكِينِهِمْ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي الْمَسَائِلِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ لِيُوقِف بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَإِنْ كَانَ هُوَ عَلَى وُضُوءٍ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْ الْإِشْرَاقِ وَتُجْزِئُ عَنْ الضُّحَى إنْ نَوَاهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا فَرْضًا فَعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فَرَغَ مِنْ مَجْلِسِ الْعِلْمِ عِنْدَ الْإِشْرَاقِ ، أَوْ قَبْلَهُ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَقْطَعُهُ حَتَّى يُتِمَّهُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ فَلْيَرْكَعْ كَمَا سَبَقَ ، ثُمَّ يَنْصَرِفْ لِسَبِيلِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْآدَابُ فِي خُرُوجِهِ مِنْهُ وَيَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ سُرْعَةَ الْعُودِ إلَى الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ وَعَدَّ مِنْهُمْ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ فَإِذَا ذَهَبَ مَارًّا إلَى بَيْتِهِ فَلَهُ فِي رُجُوعِهِ إلَيْهِ نِيَّاتٌ عَدِيدَةٌ تَارَةً تَكُونُ عَلَى الْوُجُوبِ وَتَارَةً تَكُونُ عَلَى النَّدْبِ ، فَأَمَّا الْوُجُوبُ فَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ لِيَقُومَ بِالْحَقِّ الَّذِي لَهُمْ عَلَيْهِ وَأَنْ يُرْشِدَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَيَتَفَقَّدَ أَحْوَالَهُمْ وَمَا يَتَعَاطَوْنَهُ فِي فَرْضِهِمْ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُمُورِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ لِمَا وَرَدَ : كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَشْيِ النَّاسِ مَعَهُ وَمِنْ خَلْفِهِ وَمِنْ وَطْءِ عَقِبِهِ وَتَقْدِيمِهِمْ نَعْلَهُ وَاتِّكَائِهِ عَلَى أَحَدٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَثَارُهُ مِنْ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ غَالِبًا ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُتَوَاضِعًا لَكِنْ ظَاهِرُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ تُنَافِي ذَلِكَ وَتَجُرُّ إلَى الْمَذْمُومِ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَكَفَى بِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَضَرُّ مَا عَلَى الْإِنْسَانِ وَطْءُ عَقِبِهِ ، أَوْ كَمَا قَالَ وَوَطْءُ الْعَقِبِ هُوَ الْمَشْيُ خَلْفَهُ
( فَصْلٌ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، أَوْ يُنْدَبُ لَهُ فِي الطَّرِيقِ حِينَ خُرُوجِهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَهُ فِي رُجُوعِهِ
( فَصْلٌ ) فَإِذَا بَدَأَ بِدُخُولِ بَيْتِهِ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَيُقَدِّمُ الْيَمِينَ وَيُؤَخِّرُ الشِّمَالَ كَمَا وَرَدَ فِي خُرُوجِهِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ ذُكِرَ فَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ إنْ كَانُوا حُضُورًا وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ دُخُولِهِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كَامِلَةً لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَ الْمَوْلِجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا لِمَا جَاءَ فِيهِ أَيْضًا
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْكَعَ فِي بَيْتِهِ قَبْلَ جُلُوسِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهَا فَرْضًا كَمَا تَقَدَّمَ
فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَهْلَهُ بِمَسَائِلِ الْعِلْمِ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ تَعْلِيمِ غَيْرِهِمْ طَلَبًا لِثَوَابِ إرْشَادِهِمْ فَخَاصَّتُهُ وَمَنْ تَحْتَ نَظَرِهِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُمْ رَعِيَّتُهُ وَمِنْ الْخَاصَّةِ بِهِ كَمَا سَبَقَ " كُلُّكُمْ رَاعٍ " الْحَدِيثَ ، فَيُعْطِيهِمْ نَصِيبَهُمْ فَيُبَادِرُ لِتَعْلِيمِهِمْ لِآكَدِ الْأَشْيَاءِ فِي الدِّينِ أَوَّلًا وَأَنْفَعِهَا وَأَعْظَمِهَا فَيُعَلِّمُهُمْ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَيُجَدِّدُ عَلَيْهِمْ عِلْمَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوهُ وَيُعَلِّمُهُمْ الْإِحْسَانَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْوُضُوءَ وَالِاغْتِسَالَ وَصِفَتَهُمَا وَالتَّيَمُّمَ وَالصَّلَاةَ وَمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ ، وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ سَمِعْتُ سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَمَّا أَنْ تَأَهَّلْت قُلْت لِلزَّوْجَةِ لَا تَتَحَرَّكِي ، وَلَا تَتَكَلَّمِي بِكَلِمَةٍ فِي غَيْبَتِي إلَّا وَتَعْرِضِيهَا عَلَيَّ حِينَ آتِي لِأَنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَصَرُّفِك كُلِّهِ ، كُنْت مَسْئُولًا عَنْ نَفْسِي لَيْسَ إلَّا وَأَنَا الْآنَ مَسْئُولٌ عَنْ نَفْسِي وَعَنْكِ فَأُسْأَلُ عَنْ عَشْرِ صَلَوَاتٍ ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ ، وَكُلُّ مَا أَنَا مُطَالَبٌ بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَغَيْرِهَا حَتَّى بَالَغَ مَعَهَا بِأَنْ قَالَ لَهَا إنْ نَقَلْتِ الْكُوزَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَأَخْبِرِينِي بِهِ قَالَ وَذَلِكَ خِيفَةً مِنْ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ تَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِيهِ فَبَقِيَتْ تُخْبِرُنِي بِكُلِّ تَصَرُّفِهَا إلَى أَنْ طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَبَقِيَتْ تُخْبِرُنِي بِمَا يَظْهَرُ لَهَا أَنَّ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ وَتَسْكُتُ عَنْ الْبَاقِي فَوَجَدْت نَفْسِي قَلِقًا خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً قَدْ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ فَبَقِيت إذَا دَخَلْت الْبَيْتَ يُنْطِقُ اللَّهُ لِي جِدَارَ الْبَيْتِ حِينَ أَدْخُلُ فَيَقُولُ لِي جَمِيعَ تَصَرُّفِهَا فَأَجْلِسُ فَتَعْرِضُ عَلَيَّ كُلَّ
مَا تُرِيدُهُ مِمَّا يَظْهَرُ لَهَا أَنَّ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةً كَمَا تَقَدَّمَ فَأَقُولُ لَهَا هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ فَتَقُولُ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهَا هُوَ ذَاكَ ، فَأَقُولُ لَهَا وَفَعَلْت كَذَا وَكَذَا وَأَذْكُرُ لَهَا بَقِيَّةَ تَصَرُّفِهَا فَتَقُولُ : أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْبَابُ عَلَيَّ مُغْلَقًا ، وَلَا أَجِدُ مَعِي فِي الْبَيْتِ أَحَدًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلْته فَمَنْ أَخْبَرَك فَمَا بَقِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ حَتَّى تُخْبِرَنِي فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا كَيْفِيَّةَ نَظَرِهِمْ إلَى تَخْلِيصِ ذِمَمِهِمْ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ فَهِمُوا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَعَمِلُوا بِهِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ وَأَعَادَ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمَنِّهِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ آكَدِ الْأَشْيَاءِ وَأَهَمِّهَا تَفَقُّدُ الْقِرَاءَةِ إذْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامِ وَاجِبَةٌ وَسُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ فَالْوَاجِبَةُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ بِجَمِيعِ حُرُوفِهَا وَحَرَكَاتِهَا وَشَدَّاتِهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا وَالسُّنَّةُ سُورَةٌ مَعَهَا وَالْفَضِيلَةُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَعْنِي فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ ؛ لِأَنَّ أَفْضَلَهَا طُولُ الْقِيَامِ فِيهَا .
أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَيْثُ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ ، ثُمَّ آلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ النِّسَاءِ ، ثُمَّ الْمَائِدَةِ حَتَّى سَمِعْت هَذَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ رَكَعَ .
وَحَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَةِ الْوِتْرِ الْخَتْمَةَ كُلَّهَا ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي وَلَدِهِ وَعَبْدِهِ وَأَمَتِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهِمْ عُجْمَةٌ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى النُّطْقِ فَلَا حَرَجَ ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِالتَّصْرِيحِ فِيهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَ عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ وَمَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دِينِ هِمَا كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ إذْ لَا فَرْقَ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِ ، وَقَدْ كَثُرَ الْجَهْلُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ بِهَذَا الْمَعْنَى حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى أَنَّ الْعَبْدَ وَالْجَارِيَةَ لَا حَظَّ لَهُمَا فِي تَعْلِيمِ ذَلِكَ حَتَّى لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَذْكُرُ شَيْئًا لَوْ اعْتَقَدَهُ لَكَانَ كُفْرًا لَا شَكَّ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهُوَ جَهْلٌ وَسَخَفٌ وَبِدْعَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْهُ وَهُوَ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ
مِنْ قَوْلِهِمْ : إنَّ صَلَاةَ الْعَبْدِ وَصَوْمَهُ وَبَاقِيَ عِبَادَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ ، أَوْ لِسَيِّدَتِهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
وَكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُنَّ مَا يَخُصُّهُنَّ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي الْحَيْضِ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَرِّفَهُنَّ أَنَّ الْحَيْضَ عَلَى سِتِّ مَرَاتِبَ : أَوَّلُهُ أَسْوَدُ ، ثُمَّ حُمْرَةٌ ، ثُمَّ صُفْرَةٌ ، ثُمَّ غُبْرَةٌ ، ثُمَّ كُدْرَةٌ ، ثُمَّ قَصَّةٌ ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَتَصِيرُ جَافَّةً ، فَالْخَمْسَةُ الْأُوَلُ حَيْضٌ وَالْقَصَّةُ وَالْجُفُوفُ نَقَاءٌ وَكَثِيرًا مَا يُتَسَاهَلُ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْبَابِ لِقِلَّةِ سُؤَالِهِنَّ وَمَنْ يُعَلِّمُهُنَّ ، فَمِنْهُنَّ مَنْ تَرَى أَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا يَحْرُمُ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَأَمَّا الصُّفْرَةُ وَالْغُبْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فَلَا بَأْسَ بِالْوَطْءِ فِيهَا عِنْدَهُمْ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الْأُوَلِ وَبَعْدَهَا يَجُوزُ الْوَطْءُ وَمِنْهُنَّ مَنْ تَعْتَقِدُ أَنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ فَإِنْ رَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ مُضِيِّهَا لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ وَانْتَظَرَتْ تَمَامَهَا دُونَ غُسْلٍ وَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَوَطْءٍ ، وَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَصَامَتْ وَوُطِئَتْ مَعَ وُجُودِ الْحَيْضِ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ انْتَهَى فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ وَتَغَفُّلِ الْأَزْوَاجِ ، ثُمَّ يُعَلِّمُهُنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَقَلَّهَا وَمَا بَيْنَهُمَا وَيُعَرِّفُهُنَّ مَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ إلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَلْ يُقَدَّرُ لَهَا قَدْرَ زَمَنِ الْغَسْلِ بِلَا تَرَاخٍ ، أَوْ زَمَنِ الرَّكَعَاتِ ، وَكَذَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ
قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَالصُّبْحُ إلَى أَنْ يَبْقَى لَهَا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُحَقِّقُ لَهُنَّ الطُّهْرَ بِمَاذَا يَكُونُ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَخْتَلِفْنَ فِي هَذَا فَوَاحِدَةٌ يَكُونُ طُهْرُهَا بِالْجُفُوفِ وَأُخْرَى يَكُونُ طُهْرُهَا بِالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ ، وَيُعَلِّمُهُنَّ أَيْضًا مَوَانِعَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَذَلِكَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً مِنْهَا عَشَرَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ وَهِيَ : مَنْعُ رَفْعِ حَدَثِهَا مِنْ حَيْضَتِهَا .
وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ صِحَّةُ فِعْلِهَا .
صِحَّةُ فِعْلِ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ .
مَسُّ الْمُصْحَفِ .
دُخُولُ الْمَسْجِدِ .
الِاعْتِكَافُ وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ .
الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ .
الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ .
وَمِنْهَا خَمْسَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ : مَنْعُ وَطْئِهَا فِيمَا تَحْتَ الْإِزَارِ .
مَنْعُ وَطْئِهَا بَعْدَ النَّقَاءِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ الْمَشْهُورُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ مَنْعُ رَفْعِ حَدَثِ غَيْرِهَا .
مَنْعُ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ مَائِهَا .
قِرَاءَتُهَا الْقُرْآنَ ظَاهِرًا الْمَشْهُورُ الْجَوَازُ ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا هَذَا وَهِيَ أَنْ تَقْعُدَ الْمَرْأَةُ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا فَتَطْلُبَ الصَّابُونَ فِي يَوْمٍ وَتَغْسِلَ ثِيَابَهَا فِي الثَّانِي وَتَغْتَسِلَ فِي الثَّالِثِ وَتُصَلِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَتَقْعُدُ مُدَّةً بِغَيْرِ صَلَاةٍ فِي ذِمَّتِهَا ، ثُمَّ تَرْتَكِبُ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَهِيَ أَنَّهَا لَا تُصَلِّي إلَّا مَا أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ غُسْلِهَا ، وَلَا تَقْضِي مَا فَوَّتَتْهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا سَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مُرْتَدٌّ ، أَوْ مُسْلِمٌ فَمَنْ قَالَ : إنَّهُ مُرْتَدٌّ قَالَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَيَعُودُ إلَى الْإِسْلَامِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ عُظْمَى فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيَقْضِيَ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ تَظْهَرَ اسْتِقَامَتُهُ .
وَكَذَلِكَ يُنَبِّهُهُنَّ أَيْضًا عَلَى مَا إذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ وَزَادَ عَلَى عَادَتِهَا وَانْقَطَعَ ، وَحُكْمُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ تَمَادَى بِهَا وَلَمْ يَنْقَطِعْ وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُنَبِّهَهُنَّ عَلَى مَا يَفْعَلُ بَعْضُهُنَّ مِنْ أَنَّهُنَّ إذَا انْقَطَعَ الْحَيْضُ عَنْ إحْدَاهُنَّ خَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ فَتَغْتَسِلُ فِيهِ ، وَهِيَ لَا تَدْرِي أَحْكَامَ الْغُسْلِ وَمَا يَلْزَمُهَا فِيهِ بَلْ تُنَظِّفُ جَسَدَهَا وَتَقْتَصِرُ عَلَيْهِ ، فَلَوْ صَلَّتْ بِهَذَا الْغُسْلِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا ، وَلَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا إذْ أَنَّهَا لَمْ تَغْتَسِلْ بَعْدُ مِنْ حَيْضَتِهَا الْغُسْلَ الشَّرْعِيَّ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ تَغْتَسِلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ مِنْ حَيْضَتِهَا ، أَوْ جَنَابَتِهَا ، أَوْ هُمَا مَعًا ، فَإِذَا نَوَتْ النِّيَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ فَقَدْ صَحَّ غُسْلُهَا وَاسْتَبَاحَتْ الصَّلَاةَ وَالْوَطْءَ وَكُلَّ مَا كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ فِي حَالِ حَيْضِهَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ إزَالَةِ الْوَسَخِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُنَّ مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا هُوَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ وَالتَّنَظُّفِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِجَهْلِهِنَّ بِالْحُكْمِ فِي ذَلِكَ وَيُنَبِّهُهُنَّ عَلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ النِّسَاءِ بَلْ الْمُحَرَّمَةِ وَهِيَ أَنَّهُنَّ يَعْتَقِدْنَ أَنَّ إحْدَاهُنَّ لَا تَطْهُرُ حَتَّى تُدْخِلَ يَدَهَا فِي فَرْجِهَا وَتَغْسِلَ دَاخِلَهُ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَا غُسْلَ لَهَا فَجَرَّتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ إلَى مُحَرَّمٍ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهَا إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ تَغْتَسِلْ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهِيَ لَمْ تَغْتَسِلْ فَتَتْرُكْ الْغُسْلَ نَهَارًا مُحَافَظَةً مِنْهَا عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ بِسَبَبِ أَنَّهَا تُفْطِرُ بِإِدْخَالِ يَدِهَا فِي فَرْجِهَا ، فَلَوْ أَنَّهَا لَمْ
تَفْعَلْ هَذَا الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ اغْتَسَلَتْ نَهَارًا وَحَصَلَ لَهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ مَعًا عَلَى أَنَّهَا لَوْ اغْتَسَلَتْ نَهَارًا لَصَحَّ صَوْمُهَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ فِعْلِهَا هَذَا الْمُحَرَّمَ الشَّنِيعَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفْطِرُ بِذَلِكَ عِنْدَهُ وَيَنْتَقِضُ بِهِ وُضُوءُهَا دُونَ غُسْلِهَا ؛ لِأَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَمَسُّ فَرْجَهَا هَلْ عَلَيْهَا وُضُوءٌ أَمْ لَا فَقَالَ : إنْ أَلْطَفَتْ فَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ قِيلَ وَمَا مَعْنَى أَلْطَفَتْ قَالَ أَنْ تَفْعَلَ كَمَا يَفْعَلُ شِرَارُ النِّسَاءِ وَهِيَ أَنْ تُدْخِلَ أُصْبُعَهَا مَعَهَا انْتَهَى .
وَسَبَبُ هَذَا عَدَمُ الْعِلْمِ وَعَدَمُ الْفَهْمِ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْحَيْضِ قَالَ : خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً وَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحَى وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ ، أَوْ قَالَ تَوَضَّئِي بِهَا .
قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى .
وَذَلِكَ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ لَهُ رَائِحَةٌ فَقَدْ يَشُمُّهَا الرَّجُلُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْفِرَاقِ ، وَالْوُضُوءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَضَاءَةِ يُقَالُ : وَجْهٌ وَضِيءٌ أَيْ حَسَنٌ نَظِيفٌ فَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ تَنْظِيفُ الْمَحَلِّ وَتَطْيِيبُهُ ، وَصِفَةُ مَا تَفْعَلُ أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُطْنِ ، أَوْ غَيْرِهِ فَتَجْعَلُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْمِسْكِ وَلَوْ قَلَّ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ إنْ تَعَذَّرَ الْمِسْكُ فَتُرْسِلَهُ مَعَهَا بِرِفْقٍ وَتَلْحِمُ عَلَيْهِ بِحَفَّاضٍ وَتَتْرُكُهُ حَتَّى تَظُنَّ أَنَّ مَا فِي الْمَحَلِّ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ هَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلَيْسَ هُوَ غَسْلُ بَاطِنِ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ كَمَا يَزْعُمْنَ .
وَمَعَ ذَلِكَ
فَفِيهِ أَذِيَّةُ لَهَا وَلِلزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا وَصَلَ إلَى بَاطِنِ الْفَرْجِ مَعَ الْأَصَابِعِ أَرْخَى الْمَحَلَّ وَبَرَّدَهُ وَوَسَّعَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ فَكَيْفَ مَعَ وُجُودِ الضَّرَرِ وَالْإِخْلَالِ بِالْفَرْضِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهَا أَنْ تَغْسِلَ الْمَحَلَّ كَمَا تَغْسِلُهُ الْبِكْرُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ لَا تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ وَغَيْرَهُنَّ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهُنَّ بِمَا أَحْدَثَ بَعْضُ النِّسَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِمَّنْ لَهَا مَنْظَرٌ وَسِمَنٌ فَتَخَافُ إنْ صَامَتْ أَنْ يَذْهَبَ بَعْضُ جَمَالِهَا ، أَوْ سِمَنِهَا فَتُفْطِرُ خِيفَةً مِنْ ذَلِكَ ، وَهِيَ لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ اسْتِحْلَالًا فَتَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا عَلَى اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ فَهِيَ مُرْتَكِبَةٌ لِمَعْصِيَةٍ كُبْرَى يَجِبُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : التَّوْبَةُ ، وَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَتُؤَدَّبُ إنْ عَثَرَ عَلَيْهَا عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فَيَحْتَاجُ الْعَالِمُ أَنْ يَتَبَتَّلَ لِتَعْلِيمِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِلْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إلَى قَوْلِهِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فَسَوَّى بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ تَجِدُ أَوْلَادَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ وَإِمَاءَهُمْ فِي غَالِبِ أَمْرِهِمْ مُشْتَرَكِينَ فِي هَذِهِ الْفَضَائِلِ كُلِّهَا .
أَلَا تَرَى إلَى بِنْتِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا أَنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَكَانَ مِنْ أَحَدِ طَلَبَةِ وَالِدِهَا فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ أَخَذَ رِدَاءَهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ : إلَى أَيْنَ تُرِيدُ
فَقَالَ : إلَى مَجْلِسِ سَعِيدٍ أَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ فَقَالَتْ : لَهُ اجْلِسْ أُعَلِّمُكَ عِلْمَ سَعِيدٍ .
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْمُوَطَّأَ فَإِنْ لَحَنَ الْقَارِئُ فِي حَرْفٍ ، أَوْ زَادَ ، أَوْ نَقَصَ تَدُقُّ ابْنَتُهُ الْبَابَ فَيَقُولُ أَبُوهَا لِلْقَارِئِ ارْجِعْ فَالْغَلَطُ مَعَك فَيَرْجِعُ الْقَارِئُ فَيَجِدُ الْغَلَطَ .
وَكَذَلِكَ مَا حُكِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَأَنَّهُ اشْتَرَى خَضِرَةً مِنْ جَارِيَةٍ وَكَانُوا لَا يَبِيعُونَ الْخَضِرَةَ إلَّا بِالْخُبْزِ فَقَالَ لَهَا : إذَا كَانَ عَشِيَّةً حِينَ يَأْتِينَا الْخُبْزُ فَائْتِينَا نُعْطِيك الثَّمَنَ فَقَالَتْ : ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَقَالَ لَهَا : وَلِمَ فَقَالَتْ : لِأَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ غَيْرُ يَدٍ بِيَدٍ فَسَأَلَ عَنْ الْجَارِيَةِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهَا جَارِيَةُ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَعَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ كَانَ حَالُهُمْ وَإِنَّمَا عَيَّنْت مَنْ عَيَّنْت تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ ، وَقَدْ كَانَ فِي زَمَانِنَا هَذَا سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَرَأَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ الْخَتْمَةَ فَحَفِظَتْهَا .
وَكَذَلِكَ رِسَالَةُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنِصْفُ الْمُوَطَّإِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَكَذَلِكَ ابْنَتَاهَا قَرِيبَانِ مِنْهَا فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي زَمَانِنَا فَمَا بَالُكَ بِزَمَانِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَحْمِلُ أَهْلَهُ وَمَنْ يَلُوذُ بِهِ عَلَى طَلَبِ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ فَيَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ جُهْدَهُ فَإِنَّهُمْ آكَدُ رَعِيَّتِهِ وَأَوْجَبُهُمْ عَلَيْهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ فَيُنَبِّهُهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
فَصْلٌ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَيَتَحَرَّزُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ طَعَامٌ خَاصٌّ بِهِ وَزُبْدِيَّةٌ خَاصَّةٌ بِهِ وَكُوزٌ خَاصٌّ بِهِ أَلَا تَرَى حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كُنْت أَشْرَبُ مِنْ الْإِنَاءِ فَيَأْخُذُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْرَبُ مِنْهُ فَيَضَعُ فَاهُ فِي مَوْضِعِ فِي انْتَهَى .
وَهَذَا تَشْرِيعٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتَغْتَنِمَ أُمَّتُهُ بَرَكَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَتَكُونُ مَنْفَعَتُهُمْ عَامَّةً بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ .
وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُؤْرُ الْمُؤْمِنِ شِفَاءٌ فَيُحْرَمُ الْمِسْكِينُ هَذِهِ الْبَرَكَةَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ انْتَهَى فَإِذَا كَانَ لَهُ طَعَامٌ خَاصٌّ بِهِ فَهُوَ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ بِالْعَالِمِ الَّذِي هُوَ إمَامُهُمْ وَقُدْوَتُهُمْ وَهَذِهِ دَسِيسَةٌ مِنْ دَسَائِسِ إبْلِيسَ دَسَّهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِوَاسِطَةِ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُنَّ يَجِدْنَ السَّبِيلَ إلَى إطْعَامِ الرَّجُلِ مَا يَخْتَرْنَ مِنْ السِّحْرِ وَغَيْرِهِ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ وَدِينِهِنَّ إذْ أَنَّهُنَّ مَصَائِدُ الشَّيْطَانِ وَغَيْرَتُهُنَّ تَحْمِلُهُنَّ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ يُشَارِكُهُنَّ فِي الْأَكْلِ مَا وَجَدَ إبْلِيسُ لِفَتْحِ هَذَا الْبَابِ مِنْ سَبِيلٍ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى شَيْنِ الْبِدْعَةِ كَيْفَ تَجُرُّ إلَى مُحَرَّمَاتٍ ، وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ فَاعِلَهُ مُتَّصِفٌ بِالْكِبْرِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى النَّاسِ بِالتَّوَاضُعِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ الْأَكْلِ وَحْدَهُ لِمَا وَرَدَ شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ وَضَرَبَ عَبْدَهُ وَمَنَعَ رِفْدَهُ انْتَهَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا فِي ذَلِكَ بِسَبَبِ حَمِيَّةٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ صَوْمٍ ، أَوْ وِصَالٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ
كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ قَدْ خَرَجَ هَذَا عَنْ هَذَا الْبَابِ إلَى بَابِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُخَلَّى مَنْ أَتَاهُ بِطَعَامٍ أَنْ يُذِيقَهُ مِنْهُ شَيْئًا مَا وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامٍ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ ، أَوْ أَكْلَةً ، أَوْ أَكْلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ انْتَهَى .
وَمَا ذَاكَ إلَّا لِقُوَّةِ بَاعِثِ الشَّهْوَةِ عَلَى الْخَادِمِ ، وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ بَيْنَ الْخَادِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يُبَاشِرُ ذَلِكَ ، أَوْ يَرَاهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْأَكْلِ وَالْعَيْنَانِ تَنْظُرَانِ حَتَّى لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ هِرٌّ ، أَوْ كَلْبٌ فَقَدْ جَعَلَهُ الْعُلَمَاءُ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ مَنْ عَمِلَ لَهُ الطَّعَامَ ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ فَلْيُنَاوِلْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيَكُونُ مَا يُنَاوِلُهُ مِنْ أَوَّلِهِ لَا مَنْ فَضْلَتِهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ الْأَكْلِ وَأَحَدٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ إذْ ذَاكَ فَإِنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ قَلَّ إنْ سَلِمَ مِنْ وُجُودِ الْكِبْرِ ، وَكَثِيرٌ مَنْ يَفْعَلُ الْيَوْمَ هَذَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الذُّبَابُ كَثِيرًا فَيَقُومُ شَخْصٌ عَلَى رُءُوسِ الْآكِلِينَ فَيَنُشُّ عَلَيْهِمْ وَيُرَوِّحُ وَهَذَا مِنْ الْبِدَعِ ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فَلْيَكُنْ فَاعِلُهُ جَالِسًا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَمِنْ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ عَبْدَهُ ، أَوْ أَمَتَهُ ، أَوْ كَائِنًا مَنْ كَانَ
( فَصْلٌ ) فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ يَدُهُ نَظِيفَةً أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَتْ نَظِيفَةً فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْغَسْلِ ، أَوْ التَّرْكِ ، وَالْغَسْلُ أَوْلَى إلَّا أَنَّ الْتِزَامَهُ أَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَدِهِ شَيْءٌ ، أَوْ حَكَّ بَدَنَهُ ، أَوْ مَسَّ عَرَقَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ يَعْنِي الْجُنُونَ وَيَنْوِي بِغَسْلِهِ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ ، وَهَذَا فِيمَا كَانَ لَهُ مِنْ الطَّعَامِ دَسَمٌ ، فَإِنْ يَكُنْ لَا بَأْسَ بِتَرْكِ الْغَسْلِ ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَنْدَلُونَ بِأَقْدَامِهِمْ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى تَرْفِيعِهِمْ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ فِي الْيَدِ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ مَا تَمَنْدَلُوا بِالْأَقْدَامِ ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلَعْقِ الْيَدِ بَعْدَ الْأَكْلِ ، أَوْ يُلْعِقُهَا أَخَاهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَصْعَةً بَقِيَ لُعَاقُهَا قَالَ فَلَعِقْتُهَا فَشَبِعْت ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ لَهُ ، وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ سَاعَةً ، ثُمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ وَدَعَا بِالْوَضُوءِ لِغَسْلِ يَدِهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْدَءُوا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَغْسِلُ فَقَالَ مَالِكٌ إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا يَغْسِلُ يَدَهُ فَاغْسِلْ أَنْتَ يَدَك فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ لَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ بَلَدِنَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ إيَّاكُمْ وَزِيَّ الْعَجَمِ
وَأُمُورَهَا ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إذَا أَكَلَ مَسَحَ يَدَهُ بِظَهْرِ قَدَمَيْهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ أَفَتَرَى لِي تَرْكَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إيْ وَاَللَّهِ فَمَا عَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ إلَى ذَلِكَ انْتَهَى .
فَإِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى آدَابٍ مِنْهَا أَنْ يُشْعِرَ نَفْسَهُ فَيَنْظُرَ فِيمَا حَضَرَهُ كَمْ مِنْ عَالَمٍ عُلْوِيٍّ وَسُفْلِيٍّ خَدَمَهُ فِيهِ لِمَا قِيلَ : إنَّ الرَّغِيفَ لَا يَحْضُرُ بَيْنَ يَدَيْ آكِلِهِ حَتَّى يَخْدُمَ فِيهِ ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عَالِمًا عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ فَإِذَا أَشْعَرَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فَيَعْلَمُ قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي إحْضَارِ هَذَا الرَّغِيفِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَدِّرُ شُكْرَهَا بِأَنْ يَعْلَمَ مَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ النِّعَمِ وَعَجْزَهُ عَنْ شُكْرِهَا .
ثُمَّ الْأَكْلُ فِي نَفْسِهِ عَلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ : وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٌ ، فَالْوَاجِبُ مَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ لِأَدَاءِ فَرْضِ رَبِّهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَالْمَنْدُوبُ مَا يُعِينُهُ عَلَى تَحْصِيلِ النَّوَافِلِ وَعَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ ، وَالْمُبَاحُ الشِّبَعُ الشَّرْعِيُّ وَالْمَكْرُوهُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ قَلِيلًا وَلَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ ، وَالْمُحَرَّمُ الْبِطْنَةُ وَهُوَ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ الْمُضِرُّ لِلْبَدَنِ وَرُتْبَةُ الْعَالِمِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَكْلِ الْمُبَاحِ وَالْمَنْدُوبِ ، وَقَدْ سَبَقَ حَدُّهُمَا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَلْيَقُلْ عِنْدَهُ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ أَوْ مَعَهَا كَيْفِيَّةَ السُّلُوكِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَكْلِهِ فَيَنْوِيَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَكْلِهِ ذَلِكَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ انْتَهَى .
وَيُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ الِافْتِقَارِ وَالْحَاجَةِ وَالْإِضْرَارِ وَالْمَسْكَنَةِ مَعَ نِيَّةِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ الْمُتَقَدِّمِي الذِّكْرِ فِي التَّقْسِيمِ ، وَنَوْعٌ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَالتَّعَلُّقِ بِمَوْلَاهُ
وَالشُّكْرِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ فِي أَكْلِهِ وَفِي تَخْلِيصِهِ مِنْ آفَةِ أَكْلِهِ فَإِنَّ لَهُ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالطَّعَامِ وَآخَرَ بِالشَّرَابِ فَإِذَا أَخَذَ لُقْمَةً سَوَّغَهَا لَهُ الْمَلَكُ وَمِثْلُهُ فِي الشَّرَابِ ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ يَشْرَقُ تَخَلَّى عَنْهُ الْمَلَكُ بِإِذْنِ رَبِّهِ حَتَّى يَنْفُذَ فِيهِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي تَسْوِيغِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ وَالشَّرْبَةِ فَكَيْفَ بِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُفَكِّرُ فِي حَالِهِ حِينَ الْأَكْلِ إذْ أَنَّهُ مُتَوَقَّعٌ لِلْمَوْتِ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ وَفِي كُلِّ شَرْبَةٍ ، وَكَثِيرٌ مَنْ جَرَى لَهُ ذَلِكَ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا جَرَى فِي مَجْلِسِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ قَالَ : إنَّ اللَّهَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ بِالنِّعَمِ قَتَلَ بِالنِّعَمِ وَلَوْ كَانَ مَا كَانَ ، أَوْ كَمَا قَالَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَيَقْتُلُ بِالزُّبْدِ فَقَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ الْمَجْلِسِ قَالَ : مَا أَتَغَدَّى الْيَوْمَ إلَّا بِالزُّبْدِ حَتَّى أَرَى مَا قَالَهُ الْحَسَنُ أَأَحَدٌ يَمُوتُ بِالزُّبْدِ فَأَخَذَ خُبْزًا وَزُبْدًا وَجَاءَ إلَى بَيْتِهِ فَرَفَعَ لُقْمَةً فَأَكَلَهَا فَشَرِقَ بِهَا فَمَاتَ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَنْ طَلَبَ أَهْلَ الْكِتَابِ لِلْمُبَاهَلَةِ فَامْتَنَعُوا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ فَعَلُوا لَمَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرِيقِهِ ، أَوْ كَمَا قَالَ : فَإِذَا كَانَ الْمَوْتُ مُتَوَقَّعًا مَعَهُ فِي حَالِ بَلْعِهِ رِيقَهُ فَمَا بَالُكَ بِاللُّقْمَةِ ، أَوْ الشَّرْبَةِ ، وَالْمَوْتُ مُتَوَقَّعٌ مَعَهُ فِي حَالِ طَلَبِهِ لِلْحَيَاةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي غَالِبِ الْحَالِ لَا يَطْلُبُهُمَا النَّاسُ إلَّا لِلْحَيَاةِ ، وَقَدْ يَمُوتُ بِهِمَا فَنَفْسُ سَبَبِ الْحَيَاةِ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ إنَّ الْمَلَكَ الَّذِي يَتَنَاوَلُ اللُّقْمَةَ وَالْآخَرَ الَّذِي يَتَنَاوَلُ الشَّرْبَةَ
وَظِيفَتُهُمَا التَّسْوِيغُ لَيْسَ إلَّا وَلَهُ مَلَكٌ آخَرُ مُوَكَّلٌ بِالْغِذَاءِ فَيَقْسِمُ قُوتَهُ عَلَى الْبَدَنِ فَيُرْسِلُ لِكُلِّ عُضْوٍ وَجَارِحَةٍ وَعِرْقٍ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَيَحْتَمِلُهُ بَعْدَ تَصْفِيَتِهِ فَيُعْطَى اللَّطِيفُ لَطِيفًا وَالْكَثِيفُ كَثِيفًا قُدْرَةُ قَادِرٍ ، وَمَلَكٌ آخَرُ يَأْخُذُ مَا لَا قُوتَ فِيهِ وَهُوَ الْفَضْلَةُ فَيُرْسِلُهُ لَلْمُصْرَانِ فَلَوْ بَقِيَ مَعَهُ ذَلِكَ الثُّفْلُ لَمَاتَ بِهِ ، أَوْ زَادَ خُرُوجُهُ عَلَى الْعَادَةِ لَمَاتَ فَهُوَ عَبْدٌ مُفْتَقِرٌ مُضْطَرٌّ مُحْتَاجٌ إلَى شَيْءٍ يَأْكُلُهُ وَإِلَى مَنْ يُسَوِّغُهُ لَهُ وَإِلَى مَنْ يَدْفَعُهُ عَنْهُ .
فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَرَقَّبَ الْمَوْتَ عِنْدَ كُلِّ نَفَسٍ ؛ لِأَنَّ أَنْفَاسَهُ عَلَيْهِ مَعْدُودَةٌ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا نَعُدُّ عَلَيْهِمْ الْأَنْفَاسَ فَتَصِيرُ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَاءَ إلَى شَيْخِهِ لِيَزُورَهُ قَالَ فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَوَجَدْته يُصَلِّي فَأَوْجَزَ فِي صَلَاتِهِ وَقَالَ لِي مَا حَاجَتُك فَإِنِّي مَشْغُولٌ فَقُلْت لَهُ وَمَا شَغَلَك ؟ قَالَ أُبَادِرُ خُرُوجَ رُوحِي وَقَالَ غَيْرُهُ جِئْت إلَى شَيْخِي لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَأَى فِي كِسَائِي عُقْدَةً فَقَالَ مَا هَذِهِ فَقُلْت أَخِي فُلَانٌ أَعْطَانِي لُوَيْزَاتٍ عَزَمَ عَلَيَّ أَنْ أُفْطِرَ عَلَيْهَا فَقَالَ لِي وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّك تَعِيشُ إلَى الْمَغْرِبِ وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُك بَعْدَهَا أَبَدًا ، أَوْ كَمَا قَالَ .
وَكَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ يَتَلَفَّتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالُوا لَهُ لِمَنْ أَنْتَ تَتَلَفَّتُ قَالَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَنْظُرُ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ يَأْتِي لِقَبْضِ رُوحِي
وَلِمَصَالِحِ الْإِنْسَانِ مَلَائِكَةٌ عَدِيدَةٌ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِحِفْظِهِ وَحِرَاسَتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا نَامَ فَهُوَ مَحْرُوسٌ مِنْ الْخَشَاشِ وَالْجَانِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِحِرَاسَتِهِ بِالْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهِ ، وَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَمْرًا تَخَلَّوْا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَمِنْ مُسْنَدِ ابْنِ قَانِعٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَكَّلَ اللَّهُ بِالْعَبْدِ سِتِّينَ وَثَلَاثَمِائَةِ مَلَكٍ يَذُبُّونَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِالْبَصَرِ سَبْعَةُ أَمْلَاكٍ وَلَوْ وُكِلَ الْعَبْدُ إلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ انْتَهَى .
فَإِذَا نَظَرَ الْعَبْدُ إلَى هَذِهِ الْحِكَمِ تَبَيَّنَ لَهُ قَدْرُ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ إذْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْفَظُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَتَحْرُسُهُ بَعْدَ الْمَمَاتِ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْحَفَظَةَ تَصْعَدُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَقُولُ يَا رَبَّنَا وَكَّلْتَنَا بِعَبْدِك فُلَانٍ ، وَقَدْ مَاتَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، أَوْ كَمَا قَالَ فَمَا نَفْعَلُ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْزِلَا إلَى قَبْرِهِ وَاعْبُدَانِي وَاكْتُبَا لَهُ ذَلِكَ فِي صَحِيفَتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَانْظُرْ إلَى هَذِهِ الْمِنَّةِ الْعُظْمَى وَالْكَرْمِ الشَّامِلِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا ذَلِكَ يَا ذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي حَالِ أَكْلِهِ وَكَيْفِيَّةِ أَمْرِهِ فَيَكُونُ مَشْغُولًا بِذَلِكَ التَّفَكُّرِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَجِيءُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ بَقِيَ أَكْلُهُمْ أَكْلَ الْمَرْضَى وَنَوْمُهُمْ نَوْمَ الْغَرْقَى فَيَكُونُ مُشْعِرًا نَفْسَهُ بِذَلِكَ مُتَهَيِّئًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَغَيْرِهَا .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُسَمِّي عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ وَإِنْ كَانَ حَسَنًا فَالِاتِّبَاعُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَلَا يُسَمِّي عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ إذْ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ فَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ لَا مُشَرِّعُونَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّبِعِينَ ، وَكَذَلِكَ لَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَرَدَ بِسْمِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ لُقْمَةٍ بِسْمِ اللَّهِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ وَفِي الثَّالِثَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثُمَّ يُسَمِّي بَعْدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ وَهَذَا مِثْلُ مَا سُئِلَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ قِيلَ لَهُ كَيْفَ نَقُولُ فِي الرُّكُوعِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ، أَوْ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَقُولُ وَبِحَمْدِهِ تَحَفُّظًا مِنْهُ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إذْ أَنَّهُ ذِكْرٌ حُسْنٌ لَكِنَّ الِاتِّبَاعَ لَا يَفُوقُهُ غَيْرُهُ أَبَدًا ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ وَهُوَ قَائِمٌ ، أَوْ مَاشٍ بَلْ حَتَّى يَجْلِسَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ الْجُلُوسَ إلَى الطَّعَامِ عَلَى الْهَيْئَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى وَيَضَعَ الْيُسْرَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا وَالْهَيْئَةُ الثَّانِيَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَنْ يُقِيمُهُمَا مَعًا وَالْهَيْئَةُ الثَّالِثَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَنْ يَجْلِسَ كَجُلُوسِهِ لِلصَّلَاةِ ، وَأَمَّا جُلُوسُ الْمُتَرَبِّعِ وَالْجَالِسِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ الْكَابِّ رَأْسَهُ عَلَى الطَّعَامِ فَهَاتَانِ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَكُبَّ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ فَضَلَاتِ فَمِهِ فِي الطَّعَامِ سِيَّمَا إذَا كَانَ سُخْنًا فَيَعَافُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَيَعَافُهُ غَيْرُهُ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ الْعِمَامَةُ كَبِيرَةً فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَنْعِ غَيْرِهِ
مِنْ مَدِّ يَدِهِ لِلْمَائِدَةِ ، أَوْ حَصْرِهَا وَكَفَى بِهَاتَيْنِ الْهَيْئَتَيْنِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فِيهِمَا .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْسَبُ أَكْثَرُ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْمَائِلُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْبَدَنِ إذْ كَانَ مَعْلُومٌ أَنَّ الْآكِلَ مَاثِلًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ ضَغْطٍ يَنَالُهُ فِي مَجَارِي طَعَامِهِ ، وَلَا يُسِيغُهُ ، وَلَا يَسْهُلُ نُزُولُهُ إلَى مَعِدَتِهِ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ وَإِنَّمَا الْمُتَّكِئُ هَا هُنَا هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ وَكُلُّ مَنْ اسْتَوَى قَاعِدًا عَلَى وِطَاءٍ فَهُوَ مُتَّكِئٌ وَالِاتِّكَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوِكَاءِ وَوَزْنُهُ الِافْتِعَالُ وَمِنْهُ الْمُتَّكِئُ وَهُوَ الَّذِي أَوْكَأَ مُقْعَدَتَهُ وَشَدَّهَا بِالْقُعُودِ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ ، وَالْمَعْنَى إنِّي إذَا أَكَلْت لَمْ أَقْعُدْ مُتَّكِئًا عَلَى الْأَوْطِئَةِ وَالْوَسَائِدِ فِعْلُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَيَتَوَسَّعَ فِي الْأَلْوَانِ وَلَكِنِّي آكُلُ عَلَقَةً وَآخُذُ مِنْ الطَّعَامِ بُلْغَةً فَيَكُونُ قُعُودِي مُتَوَفِّزًا لَهُ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْعُدُ مُقْعِيًا وَيَقُولُ : أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ انْتَهَى .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ الْمُقْعِي هُوَ الَّذِي يُلْصِقُ أَلْيَتَهُ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبُ سَاقَيْهِ انْتَهَى ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ بِيَدِهِ ، وَلَا يُدْخِلَ أَصَابِعَهُ فِي فَمِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَى الْقَصْعَةِ فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا شَيْءٌ مِنْ لُعَابِهِ فَيَعَافُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ ، أَوْ يَعَافُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَرَاهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ
جَاهِلًا ، أَوْ نَاسِيًا فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ إنْ لَمْ يَكُنْ اكْتَفَى مِنْ الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّ لَعْقَ الْأَصَابِعِ إنَّمَا شُرِعَ بَعْدَ الطَّعَامِ خَوْفًا مِنْ الِاسْتِقْذَارِ وَحِفْظًا لِنَعَمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تُمْتَهَنَ وَطَرَدُوا ذَلِكَ حَتَّى فِي التَّمْرِ قَالُوا : إنَّهُ إذَا أَكَلَ التَّمْرَ يَأْخُذُ نَوَاةَ التَّمْرِ عَلَى ظَهْرِ يَدِهِ فَيُلْقِيهَا ، أَوْ يُلْقِيهَا بِفِيهِ خِيفَةً مِنْ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ النَّوَاةَ مِنْ فِيهِ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ أَنْ يَتَعَلَّقَ لُعَابُهُ بِالتَّمْرَةِ الَّتِي يَرْفَعُهَا ثَانِيًا ، وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَهُ نَوًى وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ حَتَّى يَمَسَّهُ الْجُوعُ ، وَلَا يَأْكُلَ بِالْعَادَةِ دُونَ أَنْ يَجِدَهُ ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَطِيبَ لَهُ الْخُبْزُ وَحْدَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَذُمَّ طَعَامًا لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَمَّ طَعَامًا قَطُّ إنْ أَعْجَبَهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَعْجِلَ عَلَى الْأَكْلِ إذَا كَانَ الطَّعَامُ سُخْنًا لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ رُفِعَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ ثَلَاثٍ الْحَارِّ وَالْغَالِي وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَارًا وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ بِهَذِهِ الْمَلَاعِقِ ، وَلَا بِغَيْرِهَا وَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : مُخَالَفَةُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ فِي فَمِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَى الطَّعَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِلَّةُ الْمَنْعِ .
وَالثَّالِثُ : فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الرَّفَاهِيَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَأَرْبَابُ الْأَعْذَارِ لَهُمْ حُكْمٌ خَاصٌّ بِهِمْ مَعْلُومٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْحَدِيثَ عَلَى الطَّعَامِ فَإِنَّ تَرْكَهُ عَلَى الطَّعَامِ بِدْعَةٌ ، وَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ فَإِنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ بِدْعَةٌ أَيْضًا وَلِأَنَّهُ قَدْ يَشْغَلُ غَيْرَهُ عَنْ الْأَكْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدْعِيَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ الْكَلَامَ ، فَإِنَّ الْأُنْسَ بِالْكَلَامِ جَانِبٌ قَوِيٌّ مِنْ الْقِرَى .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَمْزَحَ عَلَى الْأَكْلِ خِيفَةَ أَنْ يَشْرَقَ هُوَ ، أَوْ غَيْرُهُ ، أَوْ يَشْتَغِلَ عَنْ ذِكْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْضَارِ ذِكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِ النِّعَمِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا قَدَرَ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ فَعَلَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ خَيْرَ الطَّعَامِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمِعُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكُ لَكُمْ فِيهِ وَلِمَا رُوِيَ مَنْ أَكَلَ مَعَ مَغْفُورٍ غُفِرَ لَهُ وَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ مِنْ الْفَوَائِدِ : أَحَدُهُمَا : بَرَكَةُ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ .
وَالثَّانِي : كَثْرَةُ الْبَرَكَةِ لِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ تَحْصُلُ فِي الطَّعَامِ إذَا حَضَرَهُ
وَاحِدٌ مِنْ الْمُبَارَكِينَ ، أَوْ أَكَلَ مِنْهُ فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ مَلَائِكَةٌ مَعَهُ فَبِقَدْرِ عَدَدِ الْجَمَاعَةِ تَتَضَاعَفُ الْمَلَائِكَةُ وَمَهْمَا كَثُرَ عَلَيْهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ ذُنُوبٌ كَانَتْ الْبَرَكَةُ فِيهِ أَكْمَلَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُ مِنْ الطَّعَامِ ثُلُثَ بَطْنِهِ وَلِلْمَاءِ الثُّلُثُ وَلِلنَّفَسِ الثُّلُثُ فَهُوَ مِنْ الْآدَابِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْعَقَ الْإِنَاءَ إذَا فَرَغَ الطَّعَامُ مِنْهُ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْقَصْعَةَ تَسْتَغْفِرُ لِلَاعِقِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَبِعَ الشِّبَعَ الشَّرْعِيَّ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَجُوعَ فَيَلْعَقَهَا ، أَوْ يَأْتِيَ غَيْرَهُ مُحْتَاجًا فَيَلْعَقَهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ يُلْقِمَ زَوْجَتَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ وَأَوْلَادِهِ وَخَدَمِهِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ أَصْهَارًا كَانُوا ، أَوْ ضُيُوفًا ، أَوْ أَصْدِقَاءَ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ فَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى اللُّقْمَةُ يَضَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ مَعَ أَنَّ وَضْعَ اللُّقْمَةِ فِي فِي امْرَأَتِهِ لَهُ فِيهَا اسْتِمْتَاعٌ فَغَيْرُهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى الَّذِي هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ ذَلِكَ إلَّا لِلَّهِ خَالِصًا ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَعْنِي إحْضَارَ الطَّعَامِ وَالْإِطْعَامِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الثَّوَابُ ابْتِدَاءً لَكِنْ لَمَّا أَنْ زَادَ هَذَا نِيَّةَ الِاحْتِسَابِ جَعَلَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الِاحْتِسَابِ صَدَقَةً ، فَإِنْ اسْتَحْضَرَ مَعَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ كَانَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَغْفِرَةُ مَا تَقَدَّمَ كَمَا مَرَّ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ وَيُكْثِرَ الْمَضْغَةَ لِلسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ فِي أَوَّلِ اللُّقْمَةِ أَنْ يَبْدَأَ فِي مَضْغِهَا بِنَاحِيَةِ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ هِيَ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَلَا فَيَمِّنُوا أَلَا فَيَمِّنُوا أَلَا فَيَمِّنُوا وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَأْكُلُ كَيْفَ شَاءَ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ شَابًّا جَاءَ لِزِيَارَتِهِ فَقَدَّمَ لَهُ شَيْئًا لِلْأَكْلِ فَابْتَدَأَ الْأَكْلَ بِجِهَةِ الْيَسَارِ فَقَالَ لَهُ مَنْ شَيْخُك فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي إنَّ نَاحِيَةَ الْيَمِينِ تُوجِعُنِي فَقَالَ لَهُ كُلْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْك وَعَمَّنْ رَبَّاك ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى يُقَالُ : إنَّ الشَّخْصَ إذَا وَرَدَ يُعْرَفُ فِي تَصَرُّفِهِ مَنْ هُوَ فَإِنْ كَانَتْ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ عَلَى السُّنَّةِ عُرِفَ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ الْعَوَامّ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ فِي كَمْ يَعْرِفُ الشَّخْصَ قَالَ إنْ سَكَتَ فَمِنْ يَوْمِهِ وَإِنْ نَطَقَ فَمِنْ حِينِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا ذُكِرَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا مِمَّا يَلِيه اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَكْلُ مَعَ أَهْلِهِ ، أَوْ هُوَ الَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ فَلَهُ أَنْ يَجُولَ بِيَدِهِ حَيْثُ شَاءَ .
وَكَذَلِكَ فِي الْفَاكِهَةِ وَالتَّمْرِ عُمُومًا مَعَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ ، وَلَا أَعْلَاهَا بَلْ مِنْ جَانِبِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ اللُّقْمَةُ أَمَاطَ عَنْهَا الْأَذَى وَأَكَلَهَا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَقْرِنَ فِي التَّمْرِ وَمَا أَشْبَهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ لُقْمَةً حَتَّى يَبْتَلِعَ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ أَخْذَهَا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ مِنْ الشَّرَهِ وَالْبِدْعَةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى الْآكِلِينَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ وَيَتْرُكَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، فَلِهَذِهِ الْمُصْلِحَةِ يَتَفَقَّدُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَيَأْمُرُهُ بِالْأَكْلِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُصَوِّتَ بِالْمَضْغِ ، فَإِنْ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَمَكْرُوهٌ كَمَا لَا يُصَوِّتُ بِمَجِّ الْمَاءِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ حِينَ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ وَمَكْرُوهٌ أَيْضًا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ عَدَمَ الرِّيَاءِ فِي الْأَكْلِ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَاءَى فِي أَكْلِهِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَائِيَ فِي عَمَلِهِ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ أَصْحَابَهُ أَثْنَوْا عَلَى شَخْصٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِرَارًا وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَرُدُّ جَوَابًا فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ سُكُوتِهِ فَقَالَ : رَأَيْتُهُ يُرَائِي فِي أَكْلِهِ وَمَنْ رَاءَى فِي أَكْلِهِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَائِيَ فِي عَمَلِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا أَخَذَ لُقْمَةً لَا يَرُدُّ بَعْضَهَا إلَى الصَّحْفَةِ خِيفَةً مِنْ إصَابَةِ لُعَابِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا وَلَكِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْعَالِمِ فِي الْأَكْلِ رُتْبَتَيْنِ قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا قَبْلُ فَإِذَا كَانَتْ الْأَلْوَانُ اسْتَدْعَى ذَلِكَ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى رُتْبَتَيْهِ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ لَوْنٍ شَهْوَةً بَاعِثَةً غَالِبًا فَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْأَلْوَانِ لِأَجْلِ شَهْوَةِ عِيَالِهِ ، أَوْ غَيْرِهِمْ فَلَهُ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَوْنًا وَاحِدًا مِنْ الطَّعَامِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الِاتِّبَاعِ وَبَيْنَ شَهْوَةِ مَنْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ .
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدَّمَ إلَيْهِ أَلْوَانَ طَعَامٍ فَفَرَّغَ الْجَمِيعَ فِي صَحْفَةٍ وَاحِدَةٍ ، ثُمَّ خَلَطَهَا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَكَلَ تَحَفُّظًا مِنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِلسُّنَّةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَابِلَ الْأَطْعِمَةَ فَيَأْكُلُ ثَقِيلًا بِخَفِيفٍ وَرَطْبًا بِيَابِسٍ وَحَارًّا بِبَارِدٍ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْسِمَ الصَّائِمُ أَكْلَهُ بَيْنَ الْفُطُورِ وَالسُّحُورِ فَيَسْلَمُ مِنْ الشِّبَعِ وَيَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُتَابِعَ الشَّهَوَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُسْرِفَ فِي الْأَكْلِ ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ وَهُوَ يَشْتَهِيهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْهَشَ الْبِضْعَةَ وَيَرُدَّهَا فِي الْقَصْعَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُسْتَقْذَرٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى حَائِلٍ عَنْ الْأَرْضِ ، وَلَا يَأْكُلُ عَلَى هَذِهِ الْأَخْوِنَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ وَفِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْكِبْرِ .
وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْقُوتِ لَهُ أَنَّ أَوَّلَ مَا حَدَثَ مِنْ الْبِدَعِ أَرْبَعٌ وَهِيَ الْمُنْخُلُ وَالْخُوَانُ وَالْأُشْنَانُ وَالشِّبَعُ انْتَهَى .
أَمَّا الْمُنْخُلُ فَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَطْحُونُ بِالْيَدِ ، أَوْ بِرَحَى الْمَاءِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنْخُلَ بِدْعَةٌ إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ إلَّا مِنْ بَابِ التَّرَفُّهِ ، وَإِنْ كَانَ الطَّحِينُ بِالدَّوَابِّ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنْخُلَ يَتَعَيَّنُ إنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ رَوْثِ الدَّوَابِّ ، وَأَمَّا الْخُوَانُ فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَفِي بَعْضِهَا يَأْكُلُ عَلَى سُفْرَةٍ .
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْخُوَانَ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ وَهُوَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ جِنْسُهُ مِنْ نُحَاسٍ ، أَوْ خَشَبٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْمُتَّبِعِينَ إذَا جَاءَتْهُ زُبْدِيَّةٌ لَهَا قَعْرٌ مُرْتَفِعٌ يَكْسِرُ قَعْرَهَا وَحِينَئِذٍ يَأْكُلُ مِنْهَا وَيَقُولُ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ خُوَانًا لِعُلُوِّهَا عَنْ الْأَرْضِ فَنَقَعُ فِي التَّشَبُّهِ بِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَأَمَّا الْأُشْنَانُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ ، أَوْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ ؛ لِأَنَّ لُحُومَهَا لَيْسَتْ فِيهَا ذَفْرَةٌ
بَلْ لَهَا رَائِحَةٌ عِطْرِيَّةٌ كَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي دِيَارِ مِصْرَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَظِّفَ يَدَيْهِ مِنْ ذَفَرِ لُحُومِهَا ، وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الْأُشْنَانُ فَيَسْتَغْنِي بِغَيْرِهِ مَا اسْتَطَاعَ تَحَفُّظًا عَلَى السُّنَّةِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى غَسْلِهِ بِهِ فَعَلَ ، وَأَمَّا الشِّبَعُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَرَاتِبُ الْأَكْلِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْعَالِمُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ
، فَإِذَا أَكَلَ مَعَ الضَّيْفِ فَلَهُ زِيَادَةُ آدَابٍ مِنْهَا أَنْ يَخْدُمَ الضَّيْفَ بِنَفْسِهِ إنْ اسْتَطَاعَ وَيَنْوِيَ بِذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَلَّى أَمْرَ أَصْحَابِ النَّجَاشِيِّ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ فَقِيلَ لَهُ أَلَا نَكْفِيكَ فَقَالَ خَدَمُوا أَصْحَابِي فَأُرِيدُ أَنْ أُكَافِئَهُمْ فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ صَبَّ الْمَاءِ عَلَى يَدِ الضَّيْفِ حِينَ غَسْلِ يَدَيْهِ ، وَيُقَدِّمَ لَهُ مَا حَضَرَ وَلْيَحْذَرْ التَّكَلُّفَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى التَّبَرُّمِ بِالضَّيْفِ ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ بَلْ هُوَ قَبِيحٌ مِنْ الْفِعْلِ ، وَيَنْبَغِي إذَا حَضَرَ مَنْ دَعَا أَنْ يُقَدِّمَ لَهُمْ مَا عِنْدَهُ مُعَجِّلًا ، وَلَا يُبْطِئُ لِيَتَكَثَّرَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَخَيَّرَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الدَّاعِي إنَّمَا يَأْكُلُ مَا حَضَرَ وَيَنْبَغِي إنْ خُيِّرَ الْمَدْعُوُّ أَنْ لَا يَتَشَطَّطَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَكَلُّفٌ وَيُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى مَنْ خَيَّرَهُ ، وَالتَّكَلُّفُ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا بِالدَّيْنِ ، وَلَيْسَ لَهُ جِهَةٌ يُعَوِّضُ مِنْهَا ، أَوْ يَكُونُ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الدَّيْنَ مُتَكَرِّهًا لِمَا يَبْذُلُ لَهُ ، أَوْ يَكُونُ الْمُتَدَايِنُ يَصْعُبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ وَجْهَهُ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ هُوَ التَّكَلُّفُ الْمَمْنُوعُ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ الدَّيْنُ يُسَرُّ بِذَلِكَ وَالْآخَرُ يُدْخِلُ عَلَيْهِ السُّرُورَ مَعَ كَوْنِ الْوَفَاءِ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي شَيْءٍ ، وَمَا أَعَزَّهُ إذَا كَانَ لِلَّهِ خَالِصًا بَلْ هَذَا النَّوْعُ مَفْقُودٌ فِي زَمَانِنَا هَذَا .
وَيَنْبَغِي لِلْمَدْعُوِّ أَنْ لَا يُعْطِيَ مِنْ الطَّعَامِ لِأَحَدٍ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بَعْضَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ أَخْذُهُ فَيَخْتَلِسُونَهُ وَيَجْعَلُونَهُ تَحْتَهُمْ حَتَّى إذَا رَجَعُوا إلَى بُيُوتِهِمْ أَخْرَجُوهُ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ السَّرِقَةِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ .
وَيَنْبَغِي إذَا حَضَرَ مَنْ دُعِيَ وَأُحْضِرَ الطَّعَامُ فَلَا يُنْتَظَرُ مَنْ غَابَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْضِرَ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْحِفَ بِأَهْلِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَلْوَانًا ؛ لِأَنَّ الضَّيْفَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ غَيْرُ حُكْمِ أَهْلِ الْبَيْتِ إذْ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا الْأَلْوَانَ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ بِخِلَافِ الضُّيُوفِ فَقَدْ لَا يُقِيمُونَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ شَهْوَةُ بَعْضِ الضُّيُوفِ فِي لَوْنٍ ، وَآخَرُ شَهْوَتُهُ فِي آخَرَ ، فَإِذَا كَانَتْ الْأَلْوَانُ لِهَذَا الْغَرَضِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَلَهُ فِي ذَلِكَ جَزِيلُ الثَّوَابِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْجَمِيعِ وَفِي إدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَدْ عُلِمَ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إذَا جَاءَهُ الْأَضْيَافُ يُقَدِّمُ لَهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَا يَقُومُ بِنَفَقَتِهِ شَهْرًا ، أَوْ نَحْوَهُ فَيُقَالُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ : قَدْ وَرَدَ أَنَّ بَقِيَّةَ الضَّيْفِ لَا حِسَابَ عَلَى الْمَرْءِ فِيهَا فَكَانَ لَا يَأْكُلُ إلَّا فَضْلَةَ الضُّيُوفِ لِأَجْلِ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَرُوحَ عَلَيْهِمْ صَاحِبُ الْبَيْتِ ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَكَذَلِكَ يَنُشُّ ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ قَائِمًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ .
وَيَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَأْكُلُونَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ لِمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ أَرْبَعَةً لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا .
الْآكِلُ وَالْجَالِسُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْمُلَبِّي وَزَادَ بَعْضُ النَّاسِ قَارِئَ الْقُرْآنِ .
وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْبَيْتِ ، أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ مَقَامَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَكْلِ إينَاسًا لِلضُّيُوفِ فَيُؤَاكِلُهُمْ ، وَلَا يُمْعِنُ فِي الْأَكْلِ حَتَّى إذَا شَبِعَ الْأَضْيَافُ ، أَوْ قَارَبُوا حِينَئِذٍ يَأْكُلُ بِانْشِرَاحٍ وَيَعْزِمُ عَلَيْهِمْ بِالْأَكْلِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ بَعْضُهُمْ بِدُونِ شِبَعٍ ، وَقَدْ كَانَ بِمَدِينَةِ فَاسَ رَجُلٌ مِنْ التُّجَّارِ فَكَانَ يَعْمَلُ الطَّعَامَ الشَّهِيَّ فِي بَيْتِهِ وَيَجْمَعُ الْفُقَرَاءَ فَيَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى أَيْدِيهِمْ حَتَّى غَسْلِهَا ، وَيُقَدِّمُ لَهُمْ الطَّعَامَ ، فَإِذَا شَبِعُوا قَعَدَ يَأْكُلُ وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مَعَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ اشْتَهَتْ نَفْسِي هَذَا الطَّعَامَ فَجَعَلْت كَفَّارَةَ شَهْوَتِهَا أَنْ تَأْكُلُوهُ قَبْلِي فَإِذَا فَرَغَ مِنْ غَسْلِ أَيْدِيهِمْ وَقَفَ لَهُمْ عَلَى الْبَابِ وَدَفَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ شَيْئًا مِنْ الْفِضَّةِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْخُبْزَ قَبْلَ الْأُدْمِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِالْأُدْمِ بَعْدَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ غَيْرَ مُتَطَلِّعَةٍ لِشَيْءٍ يَبْقَى بَعْدَ الْأَضْيَافِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ النَّاسِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَصِفَ طَعَامًا لِلْحَاضِرَيْنِ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ التَّشْوِيشُ بِذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ .
وَيَنْبَغِي لِلْمَدْعُوِّ إنْ كَانَ عِنْدَهُ الْخَبَرُ بِالدَّعْوَةِ أَنْ يُصْبِحَ مُفْطِرًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَذَلِكَ فِقْهٌ حَالٌّ ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَدْعُوُّ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِنْدَهُ الْخَبَرُ وَكَانَ صَائِمًا فَلْيَدَعْ .
وَيَنْبَغِي لِلْمَدْعُوِّ أَنْ لَا يَسْتَحْقِرَ مَا دُعِيَ إلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ لَوْ دُعِيت إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْت وَلَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْت وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ الضَّيْفَ فِي أَثْنَاءِ أَكْلِهِ وَيَجْعَلَ خِيَارَ الطَّعَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلَا يُحْوِجُهُ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَحْيِ مِنْ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الضَّيْفُ فِيهِ مِنْ الْإِدْلَالِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ
فَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَفَرْقَدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى حَضَرَا عَلَى طَعَامٍ فَكَانَ فَرْقَدٌ يَلْتَقِطُ اللُّبَابَ مِنْ الْأَرْضِ وَيَأْكُلُهُ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الصَّحْفَةِ شَيْئًا ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَنْظُرُ إلَى أَطْيَبِ الطَّعَامِ فَيَأْكُلُهُ ، فَلَمَّا أَنْ خَرَجَا جَاءَ إنْسَانٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ إلَى فَرْقَدٍ فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ مَا رَأَى مِنْهُ فَقَالَ : لَهُ أَغْتَنِمُ بَرَكَةَ سُؤْرِ الْإِخْوَانِ وَلِأُكْرِمَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنِّي إنْ لَمْ أَلْتَقِطْ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ فَتَدُوسُهُ الْأَقْدَامُ ، ثُمَّ رَاحَ إلَى الْحَسَنِ فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلَ فَرْقَدًا فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنِّي مَا أَجَبْتُهُ حِينَ دَعَانِي إلَّا لِأُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَيْهِ وَكَيْفَمَا بَالَغْت فِي الْأَكْلِ وَتَنَاوَلْت أَطَايِبَ الطَّعَامِ الَّذِي انْتَخَبَهُ فَفِيهِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ مَنْ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ فَرْقَدٍ فِي أَكْلِهِ فَيُؤَكِّدُ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ فَيُسَرُّ بِهِ وَيَشْكُرُهُ عَلَى ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي إذَا حَضَرَ الْخُبْزُ بَيْنَ يَدَيْ الْجَمَاعَةِ فَلَا يَنْتَظِرُونَ غَيْرَهُ مِنْ الْأُدْمِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ عَدَمَ احْتِرَامٍ لِلْخُبْزِ ، وَاحْتِرَامُهُ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، فَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ كَثِيرًا أَبْقَاهُ عَلَى حَالِهِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كَسَّرَهُ ، وَإِنْ كَسَّرَهُ مَعَ كَثْرَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ سَتْرًا عَلَى الْآكِلِينَ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَتَكْسِيرُ الْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَفِيهِ انْتِهَاكٌ لِحُرْمَةِ الْخُبْزِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَعَضُّ فِي الْخُبْزِ حِينَ الْأَكْلِ ، وَلَا يَنْهَشُهُ بِخِلَافِ اللَّحْمِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَتْ الْعَضَّ وَالنَّهْشَ فِي اللَّحْمِ دُونَ الْخُبْزِ ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَتَسَاهَلُونَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ فَيَقْطَعُونَ اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ إذَا أَرَادُوا أَكْلَهُ وَمِثْلُهُ الْخُبْزُ ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَفْعَلَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كُسِّرَ الْخُبْزُ يَجْعَلُ النَّاحِيَةَ الْمَكْسُورَةَ مِنْ جِهَةِ الْآكِلِينَ ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ لِنَاحِيَةِ الزَّبَادِيِّ فَإِنَّ تَعَمُّدَ ذَلِكَ بِدْعَةٌ بَلْ يَضَعُ الْخُبْزَ كَيْفَ تَيَسَّرَ ، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَنْفُخُ فِي الطَّعَامِ ، وَلَا فِي الشَّرَابِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِنْ رِيقِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بُصَاقًا فِيهِ وَهُوَ مُسْتَقْذَرٌ وَفِيهِ امْتِهَانٌ لَهُ ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَنَاوَلُ اللُّقْمَةَ بِشِمَالِهِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ يَدِهِ الْيَمِينِ ، وَهِيَ الْمُسَبِّحَةُ وَالْإِبْهَامُ وَالْوُسْطَى إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَرِيدًا وَمَا أَشْبَهَهُ فَيَأْكُلُ بِالْخَمْسَةِ مِنْهَا كَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَمَضَى عَمَلُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَؤُنَّ بِأَكْلِ
اللَّحْمِ قَبْلَ الطَّعَامِ ، وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا إلَّا الشَّيْءَ الْخَفِيفَ كَالْبَقْلِ وَغَيْرِهِ لَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَنَاوَلَ تَمَرَاتٍ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ ، وَكَذَلِكَ لَا يَشْرَبُ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ خِيفَةَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي شُرْبِهِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يُخْلِيَ الْمَائِدَةَ مِنْ شَيْءٍ أَخْضَرَ بَقْلٍ ، أَوْ غَيْرِهِ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ : إنَّهُ يَنْفِي الْجَانَّ ، أَوْ الشَّيَاطِينَ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَإِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ فَلَا يَجْعَلُ عَلَيْهِ الْخُبْزَ خِيفَةَ أَنْ يَتَلَوَّثَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ الطَّعَامَ وَيَجْعَلُهُ عَلَى الْخُبْزِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَأْكُلُ ذَلِكَ الْخُبْزَ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُلَوَّثُ فَلَا يُجْعَلُ الْخُبْزُ عَلَيْهِ احْتِرَامًا لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَأْكُلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمْسَحَ يَدَهُ فِي الْخُبْزِ فَإِنَّ فِيهِ امْتِهَانًا لَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُخَلِّي أَضْيَافَهُ مِنْ شَيْءٍ حُلْوٍ وَإِنْ قَلَّ ، بَلْ هُوَ آكَدُ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ ، فَلَوْ أَطْعَمَهُمْ لَوْنًا وَاحِدًا مَعَ شَيْءٍ حُلْوٍ بَعْدَهُ كَانَ أَوْلَى مِنْ عَمَلِ الْأَلْوَانِ ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حُلْوٌ فَإِنْ جَمَعَهُمَا فَيَا حَبَّذَا ، وَيَنْبَغِي لَهُ إنْ كَانَتْ أَلْوَانًا وَقَدَّمَ لَهُمْ بَعْضَهَا ، وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُهَا أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَلْوَانِ كَذَا وَكَذَا حَتَّى لَا يَكْتَفُوا مِنْ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ لَوْ عَلِمَ بِالطَّعَامِ الثَّانِي لَانْتَظَرَهُ فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَأَتَى بِهِ وَحْدَهُ عَلَى كِفَايَةٍ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَحْرِمُهُ شَهْوَتَهُ وَيَحْرِمُ نَفْسَهُ مِنْ سُرُورِهِ بِأَكْلِ الْمَدْعُوِّ فَيَكُونُ قَدْ بَخَسَ نَفْسَهُ حَظَّهَا ، وَكَذَلِكَ يُخْبِرُهُمْ بِالْحَلَاوَةِ إنْ كَانَ مَا أَحْضَرَهَا مَعَ الطَّعَامِ ، وَكَذَلِكَ الْفَاكِهَةُ وَالنَّقْلُ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي إنْ كَانَتْ أَلْوَانًا أَنْ يُقَدِّمَ خَفِيفَهَا قَبْلَ ثَقِيلِهَا فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْأَكْلِ الْتَقَطَ
مَا سَقَطَ مِنْ اللُّبَابِ .
وَيَنْبَغِي لِلْأَضْيَافِ أَنْ يَتْرُكُوا فَضْلَةً مِنْ الطَّعَامِ وَإِنْ قَلَّ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ ، وَقَدْ تَكُونُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ فِي بَقِيَّةِ سُؤْرِهِ ، وَيُقَدِّمُ لَهُمْ مَا يَغْسِلُونَ بِهِ أَيْدِيَهُمْ فَيَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ كَمَا فَعَلَ قَبْلَ الْأَكْلِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْغَسْلِ أَفْضَلُهُمْ ، ثُمَّ يَدُورُ عَلَى يَمِينِ مَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِمْ الْمَاءَ لِلْغَسْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ آخِرَهُمْ غَسْلَ يَدٍ وَأَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصُبُّ عَلَيْهِمْ الْمَاءَ لِلْغَسْلِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْصُقَ أَحَدٌ فِي الْمَاءِ ، وَلَا يَغْسِلُ بِالْأُشْنَانِ ، وَلَا بِالتُّرَابِ فَإِذَا غَسَلُوا بِالْمَاءِ مَسَحُوا أَيْدِيَهُمْ بَعْدَ الْغَسْلِ بِأَخْمَصِ أَقْدَامِهِمْ إنْ كَانَتْ نَظِيفَةً ، أَوْ بِخِرْقَةِ صُوفٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ شَيْءٍ خَشِنٍ عَدَا الْمُحَرَّمِ شَرْعًا لِيُزِيلُوا بِذَلِكَ بَقِيَّةَ الدَّسَمِ عَنْ أَيْدِيهِمْ مُحَافَظَةً عَلَى النَّظَافَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْغَسْلِ بِالْأُشْنَانِ وَالتُّرَابِ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَشْرَبَ هَذَا الْمَاءَ إذْ أَنَّ شُرْبَهُ شِفَاءٌ وَمَا زَالَ السَّلَفُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ بِالْأُشْنَانِ وَالتُّرَابِ يَحْرِمُ بَرَكَةَ ذَلِكَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَيَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ التُّرَابُ وَالْأُشْنَانُ وَالْبُصَاقُ وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَشْرَبُ هَذَا الْمَاءَ فَيَغْسِلُ بِمَا شَاءَ مِنْ تُرَابٍ وَغَيْرِهِ .
وَالْغَسْلُ بِالْأُشْنَانِ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَعَ تَعَذُّرِ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَشْفُونَ بِهَذَا الْمَاءِ وَيَتَشَاحُّونَ عَلَيْهِ وَيَتَنَافَسُونَ فِيهِ حَتَّى أَنَّهُمْ يُقِيمُونَ النِّدَاءَ عَلَيْهِ وَيَبِيعُونَهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُمْ بَرَكَةُ ذَلِكَ اغْتِنَامًا مِنْهُمْ لِلْبَرَكَةِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَقَعَ فِي
قِصَّةِ هِرَقْلَ لَمَّا أَنْ سَأَلَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ حَالُهُمْ فِي تَصَرُّفِهِمْ مَعَهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُمْ يَتَبَرَّكُونَ بِالْمَاءِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ وَبِبُصَاقِهِ وَمَا شَاكَلَهُمَا فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَكَذَلِكَ الْمُتَّبِعُونَ لَهُ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ هَذِهِ الْبَرَكَةُ حَاصِلَةٌ لَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مِثْلَهَا لَكِنْ بِبَرَكَةِ الِاتِّبَاعِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ وَرِثُوا مِنْهَا أَوْفَرَ نَصِيبٍ .
وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَنَا بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَعْظَمَ بِهَا وَكَانَ يُعْرَفُ بِابْنِ الْمَغِيلِيِّ وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّلَحَاءِ الْكِبَارِ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا إلَى أَنْ أَشْرَفَ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ، وَكَانَ بِالْبَلَدِ طَبِيبٌ حَاذِقٌ فِي وَقْتِهِ عَارِفٌ بِالطِّبِّ فَأَيِسَ مِنْهُ ، وَقَالَ لَهُمْ اُتْرُكُوهُ يَأْكُلُ كُلَّ مَا شَاءَ وَاخْتَارَ فَإِنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهُ عَلَى مُقْتَضَى مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ الصَّنْعَةِ ، فَأَرْسَلَتْ زَوْجَةُ الْقَاضِي إلَى الشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي عُثْمَانَ الْوَرْكَالِيِّ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا جَرَى مِنْ الطَّبِيبِ فَأَخَذَ الشَّيْخُ الْمَاءَ وَتَوَضَّأَ فِي إنَاءٍ ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِمَاءِ وُضُوئِهِ إلَى زَوْجَةِ الْقَاضِي وَقَالَ لَهَا اسْقِيهِ هَذَا الْمَاءَ فَسَقَتْهُ ذَلِكَ ، ثُمَّ بَقِيَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَامَ يُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَأُتِىَ لَهُ بِإِنَاءٍ فَقَضَى حَاجَتَهُ فِيهِ فَوَجَدْت فِيهِ كُبَّةً عَظِيمَةً سَوْدَاءَ فَتَعَجَّبَ كُلُّ مَنْ رَآهَا فَأَرْسَلَتْ زَوْجَةُ الْقَاضِي إلَى الطَّبِيبِ الَّذِي مَا شَكَّ أَنَّهُ يَمُوتُ كَمَا تَقَدَّمَ فَأَرَتْهُ مَا خَرَجَ مِنْهُ فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ عَجَبًا شَدِيدًا وَقَالَ : هَذَا أَمْرٌ إلَهِيٌّ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، فَأَمَّا الْبَشَرُ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا مِنْ فُؤَادِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَوْ بَقِيَ مَعَهُ لَقَتَلَهُ ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِ فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ
تَعَالَى إلَى هَذِهِ الْبَرَكَةِ كَيْفَ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي الْمُتَّبِعِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ الْعِصَابَةُ فِيهِمْ مَنْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ مَعْرُوفٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخْفَاهُ فَلَا يُعْرَفُ فَيَغْتَنِمُ بَرَكَةَ الْجَمِيعِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ حَضَرَهُ وَغَيْرَهُمْ عَلَى مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ بَلْ الْمُحَرَّمِ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَهِيَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ غَسْلِ الْأَيْدِي بِمَاءِ الْوَرْدِ وَتَنْشِيفِهَا بِالْمَنَادِيلِ وَالْفُوَطِ الْحَرِيرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ وَظِيفَةَ الْعَالِمِ فِي التَّغْيِيرِ الْكَلَامُ بِاللِّسَانِ فَيَبُثُّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ إذَا قَدَرَ بِشَرْطِهِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْكُلَ أَحَدٌ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَاءُ ، فَإِنَّ الْأَكْلَ بِغَيْرِ حُضُورِهِ بِدْعَةٌ إذْ أَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ وَفِيهِ خَطَرٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْرَقُ بِاللُّقْمَةِ فَلَا يَجِدُ مَا يُسِيغُهَا بِهِ فَيَكُونُ قَدْ تَسَبَّبَ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ انْتَشَرَ وَخَرَجَ ، وَلَا يَلْبَثُ ، وَلَا يَتَحَدَّثُ بَعْدَ تَمَامِ الطَّعَامِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَعْجِلَ بِرَفْعِ السُّفْرَةِ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ : الْأَوَّلُ : بَسْطُ الْجَمَاعَةِ بِزِيَادَةِ الْأُنْسِ لَهُمْ .
الثَّانِي : لَعَلَّ أَنْ يَأْتِيَ وَارِدٌ فَيَحْصُلُ لِمَنْ حَضَرَ بَرَكَتُهُ ، أَوْ أَجْرُهُ ، أَوْ هُمَا مَعًا .
الثَّالِثُ : لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ مَا دَامَ الْمَأْكُولُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَهَذَا عَامٌّ وَلَوْ فَرَغُوا مِنْ الْأَكْلِ فَتُتْرَكُ لِأَجْلِ ذَلِكَ .
الرَّابِعُ : أَنَّ فِي تَرْكِهَا التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ ، وَالتَّشَبُّهُ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَمْتَثِلُوا السُّنَّةَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ الْأَكْلِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ أَبْدِلْنَا خَيْرًا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَبَنًا فَالسُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ زِدْنَا مِنْهُ .
وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ طَلَبُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْفِطْرَةِ أَعْنِي فِطْرَةَ الْإِسْلَامِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ أُتِيَ لَهُ بِطَسْتَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَمْلُوءٌ لَبَنًا ، وَالْآخَرُ خَمْرًا ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى طَسْتِ اللَّبَنِ فَوَقَعَ النِّدَاءُ قَبَضَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْفِطْرَةِ فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَسْتَزِيدُ مِنْهَا فَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَقَعَ الْإِشْكَالُ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خُيِّرَ أَنْ تُسَيَّرَ مَعَهُ جِبَالُ تِهَامَةَ ذَهَبًا وَفِضَّةً تُسَيَّرُ لِسَيْرِهِ وَتَقِفُ لِوُقُوفِهِ فَأَبَى فَكَيْفَ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ مِنْ هَذَا الشَّيْءِ
الْيَسِيرِ ؟ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ ، فَأَيُّ ذَلِكَ قَالَ : فَقَدْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ وَإِنْ أَتَى بِالْجَمِيعِ فَيَا حَبَّذَا ، وَيَزِيدُ الضَّيْفُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ انْتَهَى زَادَ بَعْضُهُمْ وَذَكَرَكُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِشُرْبِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِالْبَدَنِ عَلَى مُقْتَضَى صِنَاعَةِ الطِّبِّ سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ سُخْنًا فَإِنَّهُ يُبَخِّرُ الْفَمَ وَيُتْلِفُ الْأَسْنَانَ وَيُفَجِّجُ الطَّعَامَ وَيُنْزِلُهُ مِنْ الْمَعِدَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْضَجُ وَذَلِكَ ضَرَرٌ كَبِيرٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ
، فَإِذَا شَرِبَ شَيْئًا نَوَى بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّيَّاتِ فِي الْأَكْلِ ، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ فَقَطْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَكْلِ فَفِي الشُّرْبِ هُنَا كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ فِي الْأَكْلِ لَا يُسَمِّي عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ وَفِي الشُّرْبِ يُسَمِّي عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فَإِنَّ السُّنَّةَ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَتْ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ مَرَّةً وَالتَّحْمِيدَ فِي آخِرِهِ كَمَا سَبَقَ وَجَعَلَتْ فِي الشُّرْبِ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَيَمُصَّ الْمَاءَ مَصًّا ، ثُمَّ يَقْطَعَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى ، ثُمَّ يُسَمِّيَ ، ثُمَّ يَشْرَبَ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ يَحْمَدَ اللَّهَ عَقِبَهَا ، ثُمَّ يُسَمِّيَ ، ثُمَّ يَشْرَبَ حَتَّى يَرْوَى ، ثُمَّ يَحْمَدَ اللَّهَ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ وَيُدْرِجَ شُرْبَ الْمَاءِ فَتَكُونُ الْأُولَى هِيَ الْأَقَلُّ وَالثَّانِيَةُ أَكْثَرَ مِنْهَا وَالثَّالِثَةُ يَبْلُغُ بِهَا كِفَايَتَهُ .
وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِنِيَاطِ الْقَلْبِ مَوْضِعًا رَقِيقًا لَطِيفًا فَإِذَا جَاءَ الْمَاءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً قَطَعَهُ ، وَقَدْ يَمُوتُ بِسَبَبِهِ فَيُؤْنِسُ الْأُولَى بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيمَنْ شَرِبَ الْمَاءَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّ الْمَاءَ يُسَبِّحُ فِي جَوْفِهِ مَا بَقِيَ فِي جَوْفِهِ فَيَبْقَى فِي عِبَادَةٍ وَإِنْ كَانَ نَائِمًا ، أَوْ غَافِلًا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ لِمَعَالِمِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد : رَحِمَهُ اللَّهُ
وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ الشُّرْبِ نَفَسًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ نَهْيُ تَأْدِيبٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَرَعَهُ جَرْعًا وَاسْتَوْفَى رِيَّهُ مِنْهُ نَفَسًا وَاحِدًا تَكَاثَرَ الْمَاءُ فِي مَوَارِدِ حَلْقِهِ وَأَثْقَلَ مَعِدَتَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ ( ثَلَاثَةٍ كَانَ أَنْفَعَ لِرِيِّهِ وَأَخَفَّ لِمَعِدَتِهِ وَأَحْسَنَ فِي الْأَدَبِ وَأَبْعَدَ مِنْ فِعْلِ ذِي الشَّرَهِ انْتَهَى .
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هُوَ فِي شُرْبِ الْمَاءِ ، وَأَمَّا اللَّبَنُ فَيَعُبُّهُ عَبًّا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَيُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ وَيَحْمَدُهُ فِي آخِرِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ الْعَبِّ وَالْمَصِّ وَيَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ وَيُسِرُّ بِالتَّحْمِيدِ ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُنَبِّهَهُمْ عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَخْذِ فِي الْأَكْلِ ، بِخِلَافِ التَّحْمِيدِ جَهْرًا فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بَعْدُ ، وَأَمَّا فِي شُرْبِ الْمَاءِ فَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ لَكِنَّ الْعَالِمَ الْجَهْرُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى لِيُقْتَدَى بِهِ .
وَيَنْبَغِي لِلْجَمَاعَةِ أَنْ لَا يَرْفَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَدَهُ قَبْلَ أَصْحَابِهِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَحْمَدُ جَهْرًا كَمَا تَقَدَّمَ إذْ فِي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَمَّا هُمْ بِصَدَدِهِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِمَا وَرَدَ مِنْ نَهْيِ الشَّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ وَكَفَى بِهِ .
وَالثَّانِي : خَشْيَةَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِنَاءِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ فَيَتَأَذَّى بِهَا الشَّارِبُ وَلَهُ أَنْ يَشْرَبَ قَائِمًا لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أُتِيَ لَهُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَشَرِبَ قَائِمًا ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ أَحَدَكُمْ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ قَائِمًا ، وَقَدْ { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ وَهُوَ قَائِمٌ } .
وَيَنْبَغِي إنْ كَانَ فِي كُوزٍ ثُلْمَةٌ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ الْوَسَخِ ، وَقَدْ نَصَّ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ نَاحِيَةِ أُذُنِ الْكُوزِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِي السَّقْيِ بِأَفْضَلِهِمْ ، ثُمَّ يَدُورُ عَلَى يَمِينِهِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ بَعْضُ مَنْ يَحْتَرِمُونَهُ قَامُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ شُرْبِهِ فَيَنْحَنُونَ لَهُ وَيُقَبِّلُونَ أَيْدِيَهُمْ وَبَعْضُهُمْ يَقُومُونَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الشُّرْبِ وَيَفْعَلُونَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَبَعْضُهُمْ يَقُومُونَ نِصْفَ قَوْمَةٍ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا ، أَوْ أَكْثَرَ مَعَ الْإِشَارَةِ إلَى الْأَرْضِ بِالتَّقْبِيلِ وَقَوْلِهِمْ صِحَّةٌ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ وَفِيهِ التَّشَبُّهُ بِالْأَعَاجِمِ وَبَعْضُهُمْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يَقُولُ لِمَنْ يَفْرُغُ مِنْ الشُّرْبِ صِحَّةٌ وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ دُعَاءً حَسَنًا فَاِتِّخَاذُهُ عَادَةً عِنْدَ الشُّرْبِ بِدْعَةٌ .
فَإِنْ قِيلَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُمِّ أَيْمَنَ لَمَّا أَنْ شَرِبَتْ بَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صِحَّةٌ يَا أُمَّ أَيْمَنَ لَنْ تَلِجَ النَّارُ بَطْنَك } .
فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَاءٌ يُشْرَبُ وَإِنَّمَا هُوَ الْبَوْلُ ، وَهُوَ إذَا شُرِبَ عَادَ بِالضَّرَرِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : صِحَّةٌ لِيَنْفِيَ عَنْهَا مَا تَتَوَقَّعُهُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ بَوْلِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ دُعَاءً وَإِخْبَارًا وَذَلِكَ بِخِلَافِ شُرْبِ الْمَاءِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَذَا اللَّفْظُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْطِنِ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا
أَنْ يَكُونَ بِدْعَةً ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْمِلَ الْآدَابَ مَعَهُمْ حَتَّى يَحُوزَ فَضِيلَةَ الِاتِّبَاعِ وَالسَّبَقِ فَيُقَدِّمُ لَهُمْ نِعَالَهُمْ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ وَيَمْشِي مَعَهُمْ خُطُوَاتٍ لِتَوْدِيعِهِمْ ، وَقَدْ وَرَدَ { ثَلَاثٌ مُحَقَّرَاتٌ أَجْرُهُنَّ كَبِيرٌ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى يَدِ أَخِيكَ حَتَّى يَغْسِلَهَا وَتَقْدِيمُ نَعْلِهِ إذَا خَرَجَ وَإِمْسَاكُ الدَّابَّةِ لَهُ حَتَّى يَرْكَبَهَا } فَيَحْصُلُ لَهُ فِي هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ فَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِالِاتِّبَاعِ مَعَ حُصُولِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْإِخْوَانِ ، وَهَذِهِ مِنْ أَكْمَلِ الْحَالَاتِ .
هَذَا حَالُ الْعَالِمِ مَعَ الضَّيْفِ .
وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا دُعِيَ الْعَالِمُ إلَى دَعْوَةٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَارِعَ إلَى الدَّعَوَاتِ كُلِّهَا مَا خَلَا دَعْوَةَ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُنْكَرٌ بَيِّنٌ وَهُوَ فِي الْأَكْلِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ ، فَإِنْ أُهْدِيَ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَنْظُرْ فِي ذَلِكَ بِلِسَانِ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ ، فَلِسَانُ الْعِلْمِ مَعْرُوفٌ ، وَكَذَلِكَ الْوَرَعُ ، وَالْوَرَعُ أَعْلَى وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّهِمَا يَسْلُكُ ، وَلَهُ فِي الْعِلْمِ سَعَةٌ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْوَرَعُ ، وَيَنْظُرُ فِي سَبَبِ صَاحِبِ الطَّعَامِ ، فَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا بِلِسَانِ الْعِلْمِ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا قَامَ عَلَيْهِ بِسَطْوَةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَزَجَرَهُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ فَيَتَلَطَّفُ لَهُ فِي الْجَوَابِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْعَادَةِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَهِيَ أَنْ يُهْدِيَ أَحَدُ الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ طَعَامًا فَلَا يُمْكِنُ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْوِعَاءَ فَارِغًا حَتَّى يَرُدَّهُ بِطَعَامٍ ، وَكَذَلِكَ الْمُهْدِي إنْ رَجَعَ إلَيْهِ الْوِعَاءُ فَارِغًا وَجَدَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ وَكَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ الْمُهَادَاةِ بَيْنَهُمَا ، وَلِسَانُ الْعِلْمِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ غَيْرَ يَدٍ بِيَدٍ ، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا وَيَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْبِيَاعَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا ، وَقَدْ سُومِحَ فِي ذَلِكَ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُسَلَّمٌ لَوْ مَشَوْا فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْهَدَايَا الشَّرْعِيَّةِ لَكِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ضِدَّ ذَلِكَ لِطَلَبِهِمْ الْعِوَضَ ، فَإِنَّ الدَّافِعَ يَتَشَوَّفُ لَهُ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ يَحْرِصُ عَلَى الْمُكَافَأَةِ ، فَخَرَجَ بِالْمُشَاحَّةِ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا إلَى بَابِ الْبِيَاعَاتِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يُنَبِّهُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ
فَصْلٌ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ طَبِيبًا لِمَلِكٍ مِنْ الْمُلُوكِ فَمَرِضَ الْمَلِكُ مَرَضًا شَدِيدًا وَكَانَ الْيَهُودِيُّ لَا يُفَارِقُ عِيدَهُ ، فَجَاءَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَرَادَ الْيَهُودِيُّ أَنْ يَمْضِيَ إلَى سَبْتِهِ فَمَنَعَهُ الْمَلِكُ فَمَا قَدَرَ الْيَهُودِيُّ أَنْ يَسْتَحِلَّ سَبْتَهُ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سَفْكَ دَمِهِ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ إنَّ الْمَرِيضَ لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ يَوْمَ السَّبْتِ فَتَرَكَهُ الْمَلِكُ وَمَضَى لَسَبْتِهِ ، ثُمَّ شَاعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الْبِدْعَةُ ، وَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْتَمِدُونَهَا حَتَّى أَنِّي رَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ يَنْسِبُهَا إلَى السُّنَّةِ وَيَسْتَدِلُّ بِزَعْمِهِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَارَ الْقُبُورَ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَأَخَذَ مِنْ هَذَا بِزَعْمِهِ أَنَّ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ يَوْمَ السَّبْتِ تَفَاؤُلًا عَلَى مَوْتِ الْمَرِيضِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّفَاؤُلِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّشَاؤُمِ وَالطِّيَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمَا ، وَالْمُسْلِمُونَ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَيْضًا وَهِيَ أَنَّ مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ مَعَهُ بِشَيْءٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَإِلَّا وَقَعَ الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي ، وَلَمْ تَرِدْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ بَلْ الْمَطْلُوبُ الْعِيَادَةُ لَيْسَ إلَّا فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا وَالصَّدَقَاتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي هَدَايَا الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ فِي الطَّعَامِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى تَرْكِ شَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ إذَا اشْتَكَى صَاحِبُهُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَدْخُلُ بِهِ عَلَيْهِ تَرَكَ عِيَادَتَهُ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْقَطِيعَةِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْعَمَى وَالضَّلَالِ .
هَذَا حَالُ الْعَالِمِ فِي مُنَاوَلَةِ غِذَائِهِ مَعَ أَهْلِهِ وَأَضْيَافِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى ذِكْرِ بَقِيَّةِ تَصَرُّفِهِ فِي بَيْتِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ بِدْعَةِ هَذِهِ الْأَسَامِي الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي نُعُوتِ الرِّجَالِ مَا أَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ الْحَافِظُ الْقُدْوَةُ الْمَعْرُوفُ بِالنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ فَكَفَى غَيْرَهُ مُؤْنَةَ ذَلِكَ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَلْتَمِسْهُ فِي كِتَابِهِ .
لَكِنْ بَقِيَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ النُّعُوتَ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : شَنِيعٌ قَبِيحٌ وَهُوَ النَّعْتُ بِسِتِّ الْخَلْقِ وَسِتِّ الْإِسْلَامِ وَسِتِّ الْحُكَّامِ وَسِتِّ الْقُضَاةِ وَسِتِّ الْعُلَمَاءِ وَسِتِّ الْفُقَهَاءِ وَسِتِّ النَّاسِ وَسِتِّ النِّسَاءِ وَسِتِّ الْكُلِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
أَلَّا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْعُلَمَاءُ وَالصُّلَحَاءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَخْيَارِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ وَالْمُتَلَفِّظُ بِهِ لَا يَعْتَقِدُونَ دُخُولَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ تَحْتَ الْعُمُومِ ، وَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ فَهُوَ تَعَمُّدُ كَذِبٍ مَحْضٍ بِلَا ضَرُورَةٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالتَّزْكِيَةِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ .
وَأَمَّا مَا سِوَاهَا كَسِتِّ الْعِرَاقِ وَسِتِّ الْيَمَنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّزْكِيَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ تَسْمِيَتُهُنَّ بِأُمِّ فُلَانِ الدِّينِ وَفُلَانُ الدِّينِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّزْكِيَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ نُعُوتِ الرِّجَالِ لَكِنْ نَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّاتِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِنَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَعَظَّمَ فِيهِ قَدْرَهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ
النِّسَاءِ } الْآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي لَا يُشَكُّ فِيهَا ، وَلَا يُرْتَابُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ مَنْ يُبَادِرُ إلَى تَعْظِيمِ الْحُرُمَاتِ وَالشَّعَائِرِ ، مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُسَمِّ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النُّعُوتِ الْمُحْدَثَةِ وَكَفَى بِهَا ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ ابْنَتِهِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي قَالَ فِي حَقِّهَا { فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي } فَإِذَا كَانَتْ بَضْعَةً مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَاهِيكَ بِهَا مَنْزِلَةً رَفِيعَةً فَيَجِبُ تَعْظِيمُهَا مَا أَمْكَنَ ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَزِدْ عَلَى اسْمِهَا الْمَعْلُومِ شَيْئًا وَوَاجِبٌ الِاعْتِقَادُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَّى لَهَا حَقَّهَا وَلِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَتُكْرَمُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَعْلُومَةِ لَهُنَّ فِيهَا شَيْءٌ مَا مِنْ الْخَيْرِيَّةِ لَمْ يَتْرُكْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَبَيَّنَ الْجَوَازَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً لِتَعْظِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلشَّعَائِرِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَعْظِيمَهُنَّ مِنْ الشَّعَائِرِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ النُّعُوتُ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ أَعْنِي أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً مِنْ التَّزْكِيَةِ وَالْكَذِبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمَا بِالنُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَكَانَ أَمْرُهَا أَقْرَبَ ، وَلَكِنْ وَضَعُوا النُّعُوتَ فِي بَابِ الْمَكْرُوهِ ، أَوْ الْمُحَرَّمِ بِحَسَبِ حَالِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَهَؤُلَاءِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُنَاتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَسْمَاؤُهُنَّ مَعْلُومَةٌ وَهُنَّ اللَّاتِي أُمِرْنَا بِأَخْذِ شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْهُنَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { تَرَكْتُ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي } انْتَهَى .
فَهَذِهِ عِتْرَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الرَّاوِي عَنْهُنَّ عَنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ زِيَادَةً عَلَى أَسْمَائِهِنَّ الْمَعْرُوفَةِ هَذَا مَعَ عِلْمِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُنَّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنْ تَعْظِيمِ حُقُوقِهِنَّ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } فَهَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَظُنَّ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ الَّتِي وَصَفَهُمْ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بِالْخَيْرِيَّةِ أَنَّهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ فَاتَهُمْ تَعْظِيمُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْخَيْرِيَّةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِهِمْ لَكِنَّهُ عَلَى أُصُولِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمْ فَنَعَمْ ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَيَرْجِعُ إلَى بَابِ الْمَكْرُوهِ ، أَوْ الْمُحَرَّمِ وَهَذِهِ النُّعُوتُ الْمُحْدَثَةُ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَحَدِهِمَا ، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ مَثَلًا أُمُّ شَمْسِ الدِّينِ وَأُمُّ ضِيَاءِ الدِّينِ وَنَحْوُهُمَا فَلَا خَفَاءَ أَنَّهَا احْتَوَتْ عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّزْكِيَةِ وَهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا ، فَأَمَّا الْكَذِبُ فَحَرَامٌ ، وَأَمَّا التَّزْكِيَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ مَا ذُكِرَ فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الشَّخْصِ فَمَكْرُوهٌ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِينَ أَثْنَوْا عَلَى الرَّجُلِ بِحَضْرَتِهِ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ
، أَوْ ظَهْرَ أَخِيكُمْ } فَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّنَا نُنْكِرُ الْكُنَى الشَّرْعِيَّةَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ مِنْهَا لَيْسَ فِيهِ تَزْكِيَةٌ .
وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ } فَهَلْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ التَّزْكِيَةِ ، وَكَذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ رُومَانَ وَأُمُّ مَعْبَدٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَقِسْ عَلَى هَذَا تُصِبْ ، فَالْكُنَى الْمَشْرُوعَةُ أَنْ يُكَنَّى الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ ، أَوْ بِوَلَدِ غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُكَنَّى بِوَلَدِهَا ، أَوْ بِوَلَدِ غَيْرِهَا كَمَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ { عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ وَجَدَتْ عَلَى كَوْنِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ تَتَكَنَّى بِهِ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : تَكَنِّي بِابْنِ أُخْتِك يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا } ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ التَّكَنِّي بِالْحَالَةِ الَّتِي الشَّخْصُ مُتَّصِفٌ بِهَا كَأَبِي تُرَابٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمَا أَشْبَهَهُمَا ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيُكَنَّى الصَّبِيُّ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ كَنَّيْت ابْنَك أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَلَا أَفْعَلُهُ وَلَكِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يُكَنُّونَهُ فَمَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ فِي تَكْنِيَةِ الصَّبِيِّ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَحْسَنُ عِنْدَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي كُنْيَةِ ابْنِهِ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَفْعَلُهُ وَلَكِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يُكَنُّونَهُ وَإِنَّمَا كَانَ تَرْكُهُ أَحْسَنَ لِمَا فِي ظَاهِرِهِ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْكَذِبِ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا وَلَدَ لَهُ يُكَنَّى بِذَلِكَ لِلْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ وَالِدُ الْمُكَنَّى بِاسْمِهِ ، وَإِنَّمَا تُجْعَلُ الْكُنْيَةُ الَّتِي يُكَنَّى بِهَا عَلَمًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ فِي لُبْسِ النِّسَاءِ قَدْ تَقَدَّمَ رَحِمَك اللَّهُ نِيَّةُ الْعَالِمِ وَهَدْيُهُ فِي لُبْسِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَبَقِيَ الْكَلَامُ هُنَا عَلَى لُبْسِ أَهْلِهِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ فِي لِبَاسِهِنَّ ، وَهُنَّ كَمَا وَرَدَ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ فَلُبْسُهُنَّ كَذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، فَالذِّكْرُ لِلنِّسَاءِ وَالْكَلَامُ مَعَ مَنْ سَامَحَهُنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَزْوَاجِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَأْخُذُ عَلَى أَهْلِهِ وَبِرَدِّهِنَّ لِلِاتِّبَاعِ مَهْمَا اسْتَطَاعَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَلْبَسْنَ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الضَّيِّقَةِ الْقَصِيرَةِ وَهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَوَرَدَتْ السُّنَّةُ بِضِدِّهِمَا ؛ لِأَنَّ الضَّيِّقَ مِنْ الثِّيَابِ يَصِفُ مِنْ الْمَرْأَةِ أَكْتَافَهَا وَثَدْيَيْهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ ، هَذَا فِي الضَّيِّقِ ، وَأَمَّا الْقَصِيرُ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهُنَّ أَنْ يَجْعَلْنَ الْقَمِيصَ إلَى الرُّكْبَةِ ، فَإِنْ انْحَنَتْ أَوْ جَلَسَتْ أَوْ قَامَتْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا ، وَوَرَدَتْ السُّنَّةُ أَنَّ ثَوْبَ الْمَرْأَةِ تَجُرُّهُ خَلْفَهَا وَيَكُونُ فِيهِ وُسْعٌ بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يَصِفُهَا ، فَإِنْ قُلْنَ إنَّ السَّرَاوِيلَ يُغْنِي مِنْ الثَّوْبِ الطَّوِيلِ فَصَحِيحٌ أَنَّ فِيهِ سُتْرَةً لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ السُّرَّةِ وَهُنَّ يَعْمَلْنَهُ تَحْتَهَا بِكَثِيرٍ .
وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَحُكْمِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ وَحُكْمُهُمَا أَنَّ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ لَا يَكْشِفُهُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْبَدَنِ ، فَتَكُونُ قَدْ ارْتَكَبَتْ النَّهْيَ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى حَدِّ السَّرَاوِيلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ كَثِيفًا لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ وَقَدْ اتَّخَذَ بَعْضُهُنَّ هَذَا السَّرَاوِيلَ عِنْدَ الْخُرُوجِ لَيْسَ إلَّا ، وَأَمَّا فِي الْبَيْتِ فَتَقْعُدُ بِدُونِهِ وَهِيَ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُ زَوْجِهَا أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ
الثَّوْبُ الرَّفِيعُ وَالضَّيِّقُ الَّذِي يَصِفُ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا جَارِيَةٌ فِي الْبَيْتِ أَوْ عَبْدٌ أَوْ أَخٌ أَوْ وِلْدَانٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ظُهُورِ أَطْرَافِهَا لِذِي الْمَحَارِمِ ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَقْعُدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ بِهَذِهِ الثِّيَابِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ بِغَيْرِ سَرَاوِيلَ بَيْنَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ، وَلَا يَلْبَسْنَ السَّرَاوِيلَ إلَّا عِنْدَ الْخُرُوجِ فَيَكُونُ الْعَالِمُ يَنْهَى عَنْ هَذِهِ الْقَبَائِحِ وَيَذُمُّهَا وَيُعَلِّمُهُنَّ أَمْرَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ .
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ لُبْسِ الْقَبَاطِيِّ قَالَ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَشِفُّ فَإِنَّهَا تَصِفُ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْقَبَاطِيُّ ثِيَابٌ ضَيِّقَةٌ مُلْتَصِقَةٌ بِالْجَسَدِ لِضِيقِهَا فَتُبْدِي ثَخَانَةَ جِسْمِ لَابِسِهَا مِنْ نَحَافَتِهِ وَتَصِفُ مَحَاسِنَهُ وَتُبْدِي مَا يُسْتَحْسَنُ مِمَّا لَا يُسْتَحْسَنُ فَنَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَلْبَسْنَهَا النِّسَاءُ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } .
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ عَنْ هَذِهِ الْعَمَائِمِ الَّتِي يَعْمَلْنَهَا عَلَى رُؤْسِهِنَّ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ } قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا هَذَا نَصُّهُ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ } يَعْنِي أَنَّهُنَّ كَاسِيَاتٌ بِالثِّيَابِ عَارِيَّاتٌ مِنْ الدِّينِ لِانْكِشَافِهِنَّ وَإِبْدَاءِ بَعْضِ مَحَاسِنِهِنَّ ، وَقِيلَ كَاسِيَاتٌ ثِيَابًا رِقَاقًا يَظْهَرُ مَا تَحْتَهَا وَمَا خَلْفَهَا فَهُنَّ كَاسِيَاتٌ فِي الظَّاهِرِ عَارِيَّاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَقِيلَ كَاسِيَاتٌ فِي الدُّنْيَا بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ مِنْ الْحَرَامِ وَمِمَّا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ ، عَارِيَّاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ } قِيلَ مَعْنَاهُ زَائِغَاتٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ طَاعَةِ الْأَزْوَاجِ وَمَا يَلْزَمُهُنَّ مِنْ صِيَانَةِ الْفُرُوجِ وَالتَّسَتُّرِ عَنْ الْأَجَانِبِ وَمُمِيلَاتٌ يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ الدُّخُولَ فِي مِثْلِ فِعْلِهِنَّ ، وَقِيلَ مَائِلَاتٌ مُتَبَخْتِرَاتٌ يُمِلْنَ رُءُوسَهُنَّ وَأَعْطَافَهُنَّ لِلْخُيَلَاءِ وَالتَّبَخْتُرِ وَمُمِيلَاتٌ لِقُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَطِيبِ رَائِحَتِهِنَّ ، وَقِيلَ يَتَمَشَّطْنَ الْمَيْلَاءَ يَهِيَ مِشْطَةُ الْبَغَايَا ، وَالْمُمِيلَاتُ اللَّوَاتِي يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ مِشْطَةَ الْمَيْلَاءِ ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَلَى رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ } مَعْنَاهُ يُعَظِّمْنَ رُءُوسَهُنَّ بِالْخُمُرِ وَالْمَقَانِعِ وَيَجْعَلْنَ عَلَى رُءُوسِهِنَّ شَيْئًا يُسَمَّى عِنْدَهُنَّ النَّاهِرَةَ لَا عَقْصُ الشَّعْرِ وَالذَّوَائِبُ الْمُبَاحَةُ لِلنِّسَاءِ انْتَهَى .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { عَلَى
رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ } فَهَذَا مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ ، إذْ أَنَّ فِي عِمَامَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سَنَامَيْنِ ، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ أَنَّ رَأْسَهَا يَعْتَلُّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْعِمَامَةِ ؛ لِأَنَّهُنَّ اتَّخَذْنَهَا عَادَةً مِنْ فَوْقِ الْحَاجِبَيْنِ وَفِي ذَلِكَ مَفَاسِدُ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحِلٌّ لِاسْتِمْتَاعِ الرَّجُلِ وَأَعْظَمُ جَمَالٍ فِيهَا وَجْهُهَا وَهِيَ تُغَطِّي أَكْثَرَهُ فَتَقَعُ بِذَلِكَ فِي الْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ زَوْجَهَا حَقَّهُ وَلَوْ رَضِيَ زَوْجُهَا بِذَلِكَ فَإِنَّهَا تُمْنَعُ مِنْهُ لِمُخَالَفَتِهَا لِلسُّنَّةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ مَسْتُورَةً ، فَإِذَا احْتَاجَتْ إلَى الْوُضُوءِ تَحْتَاجُ إلَى كَشْفِهَا حَتَّى تَغْسِلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا غَسَلَتْهُ فَقَدْ تُسْتَهْوَى ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ قَدْ اعْتَادَ التَّغْطِيَةَ فَإِذَا كَشَفَتْهُ عِنْدَ الْغَسْلِ قَدْ تَتَضَرَّرُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ فَرْضَيْنِ : أَحَدُهُمَا : غَسْلُ الْوَجْهِ .
وَالثَّانِي : مَسْحُ الرَّأْسِ .
وَالثَّالِثُ : الزِّينَةُ الَّتِي جَمَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي وَجْهِهَا سَتَرَتْهَا عَنْ زَوْجِهَا ، وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ لِلْفِرَاقِ ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بَشِعَةَ الْمَنْظَرِ ، فَإِنْ قِيلَ : إنَّ فِيهِ بَعْضَ جَمَالٍ لَهَا فَهَذَا نَادِرٌ وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ جَمَالٌ لَهَا فَتُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا لِلسُّنَّةِ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ
فَصْلٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ تَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ الَّتِي أَحْدَثْنَهَا مَعَ قِصَرِ الْكُمِّ فَإِنَّهَا إذَا رَفَعَتْ يَدَهَا ظَهَرَتْ أَعْكَانُهَا وَنُهُودُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ الْمُتَبَرِّجَاتِ ، وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُنَّ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْقَصِيرِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَتَرْكِ السَّرَاوِيلِ وَتَقِفُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فِي بَابِ الرِّيحِ عَلَى هَذِهِ السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا ، فَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ أَوْ الْتَفَتَ رَأَى عَوْرَتَهَا ، وَالشَّرْعُ أَمَرَهَا بِالتَّسَتُّرِ الْبَالِغِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ .
فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُنَّ السُّنَّةَ فِي الْخُرُوجِ إنْ اضْطَرَّتْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ فِي حَفْشِ ثِيَابِهَا وَهُوَ أَدْنَاهُ وَأَغْلَظُهُ ، وَتَجُرُّ مِرْطَهَا خَلْفَهَا شِبْرًا أَوْ ذِرَاعًا وَيُعَلِّمُهُنَّ السُّنَّةَ فِي مَشْيِهِنَّ فِي الطَّرِيقِ ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ حَكَمَتْ أَنْ يَكُونَ مَشْيُهُنَّ مَعَ الْجُدَرَانِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ الطَّرِيقَ } وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ وَقَدْ اخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ : اسْتَأْخِرْنَ فَلَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تُضَيِّقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ } فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْصَقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى أَنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا انْتَهَى .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ وَأَمَامَهُ امْرَأَةٌ فَقَالَ لَهَا : تَنَحِّي عَنْ الطَّرِيقِ فَقَالَتْ : الطَّرِيقُ وَاسِعٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهَا فَإِنَّهَا جَبَّارَةٌ } انْتَهَى .
وَلَمَّا كَانَ مَشْيُهُنَّ مَعَ الْجُدْرَانِ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْبَوْلِ هُنَاكَ لِئَلَّا يَنْجَسَ مِرْطُ مَنْ مَرَّتْ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَفَوَائِدُهَا مُتَعَدِّدَةٌ ، وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ السُّنَنِ كَيْفَ انْدَرَسَتْ فِي زَمَانِنَا هَذَا حَتَّى بَقِيَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تُعْرَفْ لِمَا ارْتَكَبْنَ مِنْ ضِدِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَتَقْعُدُ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَادَتِهِنَّ بِحَفْشِ ثِيَابِهَا وَتَرْكِ زِينَتِهَا وَبِحَمْلِهَا ، وَبَعْضُ شَعْرِهَا نَازِلٌ عَلَى جَبْهَتِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوْسَاخِهَا وَعَرَقِهَا حَتَّى لَوْ
رَآهَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَنَفَرَ بِطَبْعِهِ مِنْهَا غَالِبًا فَكَيْفَ بِالزَّوْجِ الْمُلَاصِقِ لَهَا ، فَإِذَا أَرَادَتْ إحْدَاهُنَّ الْخُرُوجَ تَنَظَّفَتْ وَتَزَيَّنَتْ وَنَظَرَتْ إلَى أَحْسَنِ مَا عِنْدَهَا مِنْ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ فَلَبِسَتْهُ ، وَتَخْرُجُ إلَى الطَّرِيقِ كَأَنَّهَا عَرُوسٌ تُجَلِّي ، وَتَمْشِي فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ وَتُزَاحِمُ الرِّجَالَ وَلَهُنَّ صَنْعَةٌ فِي مَشْيِهِنَّ حَتَّى أَنَّ الرِّجَالَ لَيَرْجِعُونَ مَعَ الْحِيطَانِ حَتَّى يُوَسِّعُوا لَهُنَّ فِي الطَّرِيقِ أَعْنِي الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ ، وَغَيْرُهُمْ يُخَالِطُوهُنَّ وَيُزَاحِمُوهُنَّ وَيُمَازِحُوهُنَّ قَصْدًا ، كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ عَدَمُ النَّظَرِ إلَى السُّنَّةِ وَقَوَاعِدِهَا وَمَا مَضَى عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِذَا نَبَّهَ الْعَالِمُ عَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ انْسَدَّتْ هَذِهِ الْمَثَالِمُ وَرُجِيَ لِلْجَمِيعِ بَرَكَةُ ذَلِكَ فَمَنْ رَجَعَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي فَهُوَ الْقَصْدُ الْحَسَنُ وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ عُلِمَ أَنَّهُ مُكْتَسِبٌ لِلذُّنُوبِ فَيَبْقَى مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَفِي الْكَسْرِ مِنْ الْخَيْرِ مَا قَدْ عُلِمَ ، وَمَنْ انْكَسَرَ رُجِيَ لَهُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ
فَصْلٌ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى شِرَاءِ حَوَائِجِهِنَّ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ وَيَنْبَغِي لَهُ إنْ كَانَتْ لِأَهْلِهِ حَاجَةٌ مِنْ شِرَاءِ ثَوْبٍ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلْيَتَوَلَّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَتْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِذَلِكَ أَوْ بِمَنْ يَقُومُ عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَعْلُومٌ ، وَلَا يُمَكِّنْهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ أَلْبَتَّةَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الْمُنْكَرِ الْبَيِّنِ الَّذِي يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْهُنَّ الْيَوْمَ جِهَارًا أَعْنِي فِي جُلُوسِهِنَّ عِنْدَ الْبَزَّازِينَ وَالصَّوَّاغِينَ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهَا تُنَاجِيهِ وَتُبَاسِطُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ بَيْنَهُمَا ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى وُقُوعِ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { بَاعِدُوا بَيْنَ أَنْفَاسِ النِّسَاءِ وَأَنْفَاسِ الرِّجَالِ } ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ { لَوْ كَانَ عِرْقٌ مِنْ الْمَرْأَةِ بِالْمَشْرِقِ وَعِرْقٌ مِنْ الرَّجُلِ بِالْمَغْرِبِ لَحَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ } ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَكَيْفَ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْكَلَامِ وَالْمُزَاحِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ لِلْمَرْأَةِ فِي عُمْرِهَا ثَلَاثَ خَرَجَاتٍ : خَرْجَةٌ لِبَيْتِ زَوْجِهَا حِينَ تُهْدَى إلَيْهِ ، وَخَرْجَةٌ لِمَوْتِ أَبَوَيْهَا ، وَخَرْجَةٌ لِقَبْرِهَا ، فَأَيْنَ هَذَا الْخُرُوجُ مِنْ هَذَا الْخُرُوجِ ، وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا حَاصِلَةٌ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِنَّ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ فِيمَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ أَمْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالصَّرْفِ وَكَيْفِيَّةِ حُكْمِ الرِّبَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِهِنَّ مَعَ الْجَهْلِ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، بَلْ أَكْثَرُ الرِّجَالِ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { الْغَيْرَةُ مِنْ الْإِيمَانِ } أَوْ كَمَا قَالَ وَمَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِسَاءِ الْإِفْرِنْجِ شَبَهٌ ؛ فَإِنَّ نِسَاءَهُنَّ
يَبِعْنَ وَيَشْتَرِينَ وَيَجْلِسْنَ فِي الدَّكَاكِينِ وَالرِّجَالُ فِي الْبُيُوتِ ، وَالشَّرْعُ قَدْ مَنَعَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ .
فَصْلٌ فِي السُّكْنَى عَلَى الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ السُّكْنَى عَلَى الْبَحْرِ مَهْمَا اسْتَطَاعَ جَهْدَهُ وَذَلِكَ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ ، وَمَنْ كَانَ فِي دَارٍ عَلَى الْبَحْرِ فَهُوَ كَالْجَالِسِ عَلَى الطَّرِيقِ ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ طَرِيقٌ لِلْمُرُورِ فِيهِ بِالْمَرَاكِبِ ، فَإِذَا نَظَرَ كَشَفَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَشْتَمِلُ عَلَى عَوْرَاتٍ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا : كَشْفُ عَوْرَاتِ النَّوَاتِيَّةِ كَمَا هُوَ وَاقِعٌ مَرْئِيٌّ ، وَكَذَلِكَ كَشْفُ عَوْرَاتِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُغْتَسِلِينَ فِيهِ ، وَالْكَلَامُ الْفَاحِشُ الَّذِي يُمْنَعُ لِلرِّجَالِ سَمَاعُهُ فَكَيْفَ بِالْمَرْأَةِ ؟ وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَكُونُ مَعَهُمْ الْمَغَانِي فِي الشَّخَاتِيرِ ، وَغَيْرِهَا فَإِحْدَاهُنَّ تَضْرِبُ بِالطَّارِ ، وَأُخْرَى بِالشَّبَّابَةِ ، وَمَعَهُنَّ مَنْ يُصَوِّتُ بِالْمِزْمَارِ مَعَ رَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ بِالْغِنَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ظُهُورِ هَذِهِ الْعَوْرَاتِ الْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرِهَا .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ أَهْلَهُ يَنْكَشِفْنَ بِجُلُوسِهِنَّ فِي الطُّرُقَاتِ وَغَيْرِهَا وَيُشَاهِدْنَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَغَيْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ بَنَاتٌ أَوْ إمَاءٌ أَوْ غَيْرُهُنَّ فَتَزِيدُ الْمَفَاسِدُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الثَّالِثُ : أَنَّ شَاطِئَ الْبَحْرِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى وَلَا لِغَيْرِهَا إلَّا الْقَنَاطِرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، وَالظِّلِّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهَا مَرَافِقُ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَنْ جَاءَ يَرْتَفِقُ بِهَا يَجِدُ هُنَاكَ نَجَاسَةً فَيَقُولُ لَعَنْ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا فَإِذَنْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ اللَّعْنَ بِهَذَا الْفِعْلِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَنَهَاهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يُلْعَنُونَ
بِسَبَبِهِ ، هَذَا وَهُوَ مِمَّا يَذْهَبُ بِالشَّمْسِ ، وَالرِّيحِ وَغَيْرِهِمَا فَكَيْفَ بِالْبِنَاءِ عَلَى النَّهْرِ الْمُتَّخَذِ لِلدَّوَامِ غَالِبًا ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ اتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ لَا يَجُوزُ تَضْيِيقُهَا انْتَهَى .
وَالْبِنَاءُ عَلَى النَّهْرِ أَكْثَرُ ضَرَرًا وَأَشَدُّ مِنْ تَضْيِيقِ الطَّرِيقِ ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ يُمْكِنُ الْمُرُورُ فِيهَا مَعَ تَضْيِيقِهَا بِخِلَافِ النَّهْرِ فَمَنْ بَنَى عَلَيْهِ كَانَ غَاصِبًا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْرِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا جَاءَ أَحَدٌ يَرِدُ الْمَاءَ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَدُورَ مِنْ نَاحِيَةٍ بَعِيدَةٍ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَكَانَ مَنْ أَحْوَجَهُ إلَى ذَلِكَ غَاصِبًا ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَنْ أَرْسَلَ سَجَّادَتَهُ إلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ إتْيَانِهِ فَوُضِعَتْ هُنَاكَ لِيَحْصُلَ بِهَا الْمَكَانُ ، أَوْ كَانَ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَصْبٌ ، هَذَا وَهُوَ مِمَّا لَا يَدُومُ فَكَيْفَ بِالْبِنَاءِ عَلَى النَّهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ ؟ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ حَرِيمَ الْعُيُونِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَحَرِيمَ الْأَنْهَارِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَاخْتَلَفُوا فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ فَقِيلَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، وَقِيلَ خَمْسُونَ ، وَقِيلَ ثَلَثُمِائَةٍ ، وَقِيلَ خَمْسُمِائَةٍ ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَوْضِعِ الْبِئْرِ وَلِأَيِّ شَيْءٍ هِيَ هَلْ هِيَ لِلزَّرْعِ أَوْ لِلْمَاشِيَةِ أَوْ فِي الْبَادِيَةِ أَوْ فِي الْبَلَدِ ، نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ حَدًّا إلَّا مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَعَلَى هَذَا وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ ذِرَاعٍ إذَا أَضَرَّ بِهِمْ يُمْنَعُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } وَعَكْسُهُ إنْ كَانَ أَقَلَّ وَلَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ لَمْ يُمْنَعْ ، ثُمَّ أَفْضَى الْأَمْرُ مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ امْتَنَعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْهُ لِلشُّرْبِ وَغَيْرِهِ إلَّا مَوَاضِعَ قَلِيلَةً ، وَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهَا فِتَنٌ لِمَنْعِ أَصْحَابِ الدُّورِ مَنْ يَرِدُ الْمَاءَ مِنْ السَّقَّائِينَ الَّذِينَ يَبِيعُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ جَرَتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ إلَى أَنْ وَصَلَتْ إلَى عِمَادِ الدِّينِ وَأَصْلِهِ ، وَهُوَ الصَّلَاةُ بِإِفْسَادِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى أَحَدٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ فِي الصِّحَّةِ ، وَالْفَسَادِ وَهَذَا مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ كَمَوْضِعِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ } انْتَهَى .
فَإِذَا كَانَتْ مَنْزِلَةُ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْعُظْمَى فَكَيْفَ يَرْضَى لَبِيبٌ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي مَوْضِعٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْبَحْرِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْضُلَ شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الْعِمَارَةِ أَوْ يَنْهَدَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنْ الدُّورِ فَيَقَعُ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ غَالِبًا فَتَجِيءُ الْمَرَاكِبُ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ خَبَرٌ فَتَمُرُّ عَلَى ذَلِكَ فَيَكْسِرُهَا غَالِبًا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْحِجَارَةُ مَبْنِيَّةً بَارِزَةً مَعَ الزَّرَابِيِّ الْخَارِجَةِ عَنْ الْبُيُوتِ فِي دَاخِلِ الْبَحْرِ ، ثُمَّ مَعَ هَذِهِ الْأَذِبَّةِ يَمْنَعُونَ أَصْحَابَ الْمَرَاكِبِ مِنْ أَنْ يَلْتَصِقُوا إلَيْهَا ، وَالْمَوْضِعُ مُبَاحٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ اخْتِصَاصٌ .
الْخَامِسُ : أَنَّ الْمَرَاكِبَ قَدْ تَأْتِي فِي وَقْتِ هَوْلِ الْبَحْرِ مَعَ ثِقَلِهَا بِالْوَسْقِ فَيُرِيدُ صَاحِبُهَا أَنْ يُرْسِيَ فِي الْمَوْضِعِ الْقَرِيبِ مِنْهُ لِيَسْلَمَ مِنْ آفَاتِ الْبَحْرِ فَلَا يَجِدُ لِذَلِكَ سَبِيلًا مِنْ كَثْرَةِ الدُّورِ الَّتِي هُنَاكَ فَيَمْضِي لِسَبِيلِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الدُّورَ ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَرَقِهِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي
ذِمَّةِ الْبَانِي هُنَاكَ .
السَّادِسُ : مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يَلْبَسْنَ وَيَتَحَلَّيْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ الَّتِي عَلَى الْبَحْرِ عَلَى مَا اعْتَدْنَهُ مِنْ الْعَوَائِدِ الذَّمِيمَةِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الطُّرُقَاتِ وَعَلَيْهِنَّ مِنْ جَمَالِ الزِّينَةِ ، وَالتَّحَلِّي مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِأَنَّهُنَّ يُبَالِغْنَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذَا شَعَرْنَ أَنَّ الْعُيُونَ تَنْظُرُ إلَيْهِنَّ ، فَقَدْ يَرَاهَا مِنْ يَشْغَفُ قَلْبُهُ بِصُورَتِهَا فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْهَا فَيَحْتَالُ الْحِيَلَ الْكَثِيرَةَ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهَا إمَّا بِالطَّوَاعِيَةِ مِنْهَا إنْ قَدَرَ أَوْ يَأْتِي بِاللَّيْلِ قَهْرًا ، فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا وَقَعَتْ الْفَاحِشَةُ الْكُبْرَى ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ ، وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَقَدْ يَشْغَفُ آخَرُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْحُلِيِّ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنُزُولِ الْمَنَاسِرِ عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ وَمَا يُقَارِبُهُ مِنْ السَّرِقَةِ ، وَالْخِلْسَةِ ، وَقَدْ تَشْغَفُ هِيَ بِبَعْضِ مَنْ تَرَاهُ مِنْ الشَّبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّجُلِ ، وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقُلُوبَ تَتَعَلَّقُ غَالِبًا بِمَا رَأَتْ ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ الْعِلْمِ عِنْدَهُمَا ، فَإِذَا قَرُبَ زَوْجَتَهُ قَدْ يَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ الصُّورَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِهَا ، وَكَذَلِكَ هِيَ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ شَرِبَ الْمَاءَ يَعُدُّ أَنَّهُ خَمْرٌ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَصِيرُ فِي حَقِّهِ حَرَامًا ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
السَّابِعُ : أَنَّ فِي ذَلِكَ سَرَفًا وَإِضَاعَةَ مَالٍ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا ، إذْ لَا يَخْلُو السَّاكِنُ هُنَاكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَسْكُنَ فِي مِلْكِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُنَ بِأُجْرَةٍ ، فَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ ، فَقَدْ أَضَاعَ مَالَهُ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ كَمَا قَدْ عَلِمَ مِنْ
مُجَاوِرَةِ الْبَحْرِ فَفِي ذَلِكَ تَغْرِيرٌ بِمَالِهِ وَبِأَهْلِهِ وَبِوَلَدِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } وَهَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَدْ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، وَإِنْ كَانَ يَسْكُنُ بِالْأُجْرَةِ فَلَا يُثَابُ عَلَى مَا دَفَعَ مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مِنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِمِصْرَ قَبْلَ هَذَا الزَّمَنِ إذَا عُرِضَ عَلَيْهِمْ الْمِلْكُ لِلْبَيْعِ صَعِدُوا عَلَى سَطْحِهِ ، فَإِذَا رَأَوْا الْبَحْرَ لَا يُعْطُونَ فِيهِ شَيْئًا وَيَقُولُونَ عَنْهُ : إنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِمَا يَخَافُونَ عَلَيْهِ مِنْ وُصُولِ الْبَحْرِ إلَيْهِ فَيُتْلِفَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْا الْبَحْرَ حِينَئِذٍ يَتَسَاوَمُونَ فِيهِ ، وَهُمْ الْيَوْمَ بِضِدِّ ذَلِكَ يُرِيدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبْنِيَ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ وَمَنْ بَنَى فِي قَلْبِ الْبَحْرِ ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَنْ رَمَى مَالَهُ فِيهِ إلَّا أَنَّ الَّذِي رَمَى مَالَهُ فِيهِ هُوَ الَّذِي عَجَّلَ إتْلَافَهُ ، وَاَلَّذِي بَنَى فِيهِ أَجَّلَ إتْلَافَهُ ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَعَلَى هَذَا فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى بِنَاءِ الْمَسْكَنِ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ بِمَوْضِعٍ يَرَاهُ مِنْهُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ فِي الْبُعْدِ بِحَيْثُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُ إذْ كَانَ كَذَلِكَ انْزَاحَتْ تِلْكَ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا وَسَقَطَ عَنْهُ التَّغْيِيرُ وَغَيْرُهُ .
وَهَذَا طَرِيقٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قَبْلُ كَمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ أَحْدَثَ مِئْذَنَةً عَلَى دُورٍ سَبَقَتْهَا أَنَّهُ إذَا صَعِدَ الْمُؤَذِّنُ عَلَيْهَا وَرَأَى النَّاسَ فِي بُيُوتِهِمْ وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَإِنْ مَيَّزَ ذَلِكَ مُنِعَ إحْدَاثُهَا ، وَالصُّعُودُ عَلَيْهَا
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ حُكْمَ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِ ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : بَعِيدٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِي إحْيَائِهِ ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، فَأَمَّا الْبَعِيدُ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي إحْيَائِهِ إلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ ، وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ .
وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ كَالْأَفْنِيَةِ الَّتِي يَكُونُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا ضَرَرًا بِالطَّرِيقِ وَشِبْهُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِحَالٍ ، وَلَا يُبِيحُ ذَلِكَ الْإِمَامُ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
فَصْلٌ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْقُبُورِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُنَّ مَيِّتٌ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ حَكَمَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِنَّ { قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِنِسَاءٍ خَرَجْنَ فِي جِنَازَةٍ أَتَحْمِلْنَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ قُلْنَ لَا قَالَ : أَفَتُنْزِلْنَهُ قَبَرَهُ فِيمَنْ يُنْزِلُهُ قُلْنَ : لَا قَالَ : أَفَتَحْثِينَ عَلَيْهِ التُّرَابَ فِيمَنْ يَحْثِي قُلْنَ : لَا قَالَ : فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ } { وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ لَقِيَهَا فِي طَرِيقٍ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت فَقَالَتْ مِنْ عِنْدِ جِيرَانٍ لَنَا عَزَّيْتُهُمْ فِي مَيِّتِهِمْ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكَدَاءَ يَعْنِي الْقُبُورَ فَقَالَتْ : لَا وَاَللَّهِ سَمِعْتُك تَنْهَى عَنْهَا فَقَالَ : لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكَدَاءَ وَذَكَرَ وَعِيدًا شَدِيدًا } ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لَعَنْ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ ، وَالسُّرُجَ } أَخْرَجَهُ أَبُو دؤاد فِي سُنَنِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نِسَاءً فِي جِنَازَةٍ فَطَرَدَهُنَّ وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَأَرْجِعُ إنْ لَمْ تَرْجِعْنَ ، وَحَصَبَهُنَّ بِالْحِجَارَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ فِي حُضُورِ الْجِنَازَةِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : قَوْلٌ بِالْمَنْعِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَالثَّانِي بِالْجَوَازِ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ ، وَالتَّحَفُّظِ عَكْسُ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ .
وَالثَّالِثُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَجَالَّةِ ، وَالشَّابَّةِ فَيَجُوزُ لِلْمُتَجَالَّةِ وَيُمْنَعُ لِلشَّابَّةِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي نِسَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَكُنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ فِي الِاتِّبَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا خُرُوجَهُنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَمَعَاذَ
اللَّهِ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، أَوْ مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ ، أَوْ غَيْرَةٌ فِي الدِّينِ بِجَوَازِ ذَلِكَ ، فَإِنْ وَقَعَتْ ضَرُورَةٌ لِلْخُرُوجِ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ الذَّمِيمَةِ فِي هَذَا
وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ لِبَعْضِهِمْ فِي بِنَاءِ هَذِهِ الدُّورِ فِي الْقُبُورِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّارِعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرَعَ دَفْنَ الْأَمْوَاتِ فِي الصَّحْرَاءِ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْإِيمَانَ بُنِيَ عَلَى النَّظَافَةِ ، فَإِذَا دُفِنَ الْمُؤْمِنُ فِي الصَّحْرَاءِ ، فَالصَّحْرَاءُ عَطْشَانَةٌ فَأَيُّ فَضْلَةٍ خَرَجَتْ مِنْ الْمَيِّتِ شَرِبَتْهَا الْأَرْضُ فَيَبْقَى الْمُؤْمِنُ نَظِيفًا فِي قَبْرِهِ .
فَلَمَّا أَنْ رَأَى الشَّيْطَانُ هَذِهِ السُّنَّةَ الْمُبَارَكَةُ ، وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ سَوَّلَ لَهُمْ ضِدَّهَا ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ مَيِّتٌ خَرَجُوا بِأَهْلِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ إلَى قَبْرِهِ فَيَسْكُنُونَ فِي دَارٍ إلَى جَانِبِهِ وَلَا بُدَّ لِلدَّارِ مِنْ بَيْتِ الْخَلَاءِ وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمِيَاهِ ، فَإِذَا أَقَامُوا هُنَاكَ نَزَلَتْ تِلْكَ الْفَضَلَاتُ وَهِيَ سَرِيعَةُ السَّرَيَانِ فِي الْأَرْضِ فَتَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ فَتُنَجِّسُهُ ، وَيَنْمَاعُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ بِالْفَضَلَاتِ الَّتِي تَخْرُجُ ، وَالنَّجَاسَاتُ الَّتِي انْجَذَبَتْ إلَيْهِ عَكْسُ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَهُمْ يُقِيمُونَ عَلَى مَيِّتِهِمْ هُنَاكَ بِقَدْرِ عِزَّتِهِ عِنْدَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُقِيمُ الشَّهْرَ ، وَالشَّهْرَيْنِ ، وَالثَّلَاثَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ وَمَا جَرَّتْ إلَيْهِ ، فَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ ، وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ الْمَبِيتِ فِي الْقُبُورِ لِمَا يُخْشَى مِنْ كَشْفِ أَسْرَارِ الْمَوْتَى ، وَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ عَنَّا رَحْمَةً بِنَا فَمَنْ يَبِتْ هُنَاكَ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ إلَى زَوَالِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى شَيْئًا يَذْهَبُ بِهِ عَقْلُهُ .
وَنَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِنَارٍ حِين تَشْيِيعِهِ إلَى قَبْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَفَاؤُلٌ رَدِيءٌ وَهَؤُلَاءِ يُوقِدُونَ الشُّمُوعَ وَغَيْرِهَا عِنْدَهُ مَعَ مَا يُوقِدُونَهُ مِنْ الْأَحْطَابِ لِطَعَامِهِمْ اللَّهُمَّ
عَافِنَا مِنْ قَلْبِ الْحَقَائِقِ ، وَقَدْ قَالَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ إنَّهُ بَنَى دَارًا حَوْلَ الْقُبُورِ فَسَكَنَ هُنَاكَ فَأَصْبَحَتْ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهِ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا رَأَتْ فِي النَّوْمِ شَيْخًا كَبِيرًا ذَا شَيْبَةٍ وَجَمَالٍ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ وَهُوَ يَقُولُ نَحْنُ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ سُكَّانٌ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَأَنْتُمْ تَدُقُّونَ عَلَى رُؤْسِنَا بِالْهَاوُنِ بِاللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ ، وَقَدْ شَوَّشْتُمْ عَلَيْنَا قَالَ فَأَخْلَيْت ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَأَمَرْت بِهَدْمِهِ عَنْ آخِرِهِ فَالْبِنَاءُ فِي الْقُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَلَا يَحِلُّ الْبِنَاءُ فِيهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ تَارِيخَ مِصْرَ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَنْ فَتْحَ مِصْرَ وَأَخَذَ الْبِلَادَ مِنْ الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ مِصْرَ أَعْطَاهُ الْمُقَوْقِسُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ الْقَرَافَةِ مَالًا جَزِيلًا فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كِتَابًا يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ الْمُقَوْقِسَ أَعْطَاهُ فِي أَرْضٍ مِنْ الْأَمْوَالِ كَذَا وَكَذَا ، وَهِيَ لَا تَنْفَعُ لِشَيْءٍ وَرَأَيْت أَنَّ هَذَا الْمَالَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَأْخُذُ هُوَ أَرْضًا لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا لَكِنِّي وَقَفْت فِي ذَلِكَ لِأَمْرِك فَانْظُرْ مَا تَرَى فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا بَعْدُ فَاسْأَلْهُ لِمَاذَا بَذَلَ هَذَا الْمَالَ فِيهَا ، وَهِيَ لَا تَنْفَعُ لِشَيْءٍ فَسَأَلَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ : إنَّا نَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّى لَا أَعْرِفُ تُرْبَةَ
الْجَنَّةِ إلَّا لِأَجْسَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَاجْعَلْهَا لِمَوْتَاهُمْ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَإِذَا جَعَلَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ مُنِعَ الْبِنَاءُ فِيهَا .
وَقَدْ قَالَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ وَأَسْكُنُ إلَى قَوْلِهِ : إنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى هَدْمِ كُلِّ مَا فِي الْقَرَافَةِ مِنْ الْبِنَاءِ كَيْفَ كَانَ فَوَافَقَهُ الْوَزِيرُ فِي ذَلِكَ وَفَنَّدَهُ وَاحْتَالَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ : إنَّ فِيهَا مَوَاضِعَ لِلْأُمَرَاءِ وَأَخَافُ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ بِسَبَبٍ ذَلِكَ ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَعْمَلَ فَتَاوَى فِي ذَلِكَ فَيَسْتَفْتِي فِيهَا الْفُقَهَاءَ : هَلْ يَجُوزُ هَدْمُهَا أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قَالُوا بِالْجَوَازِ فَعَلَ الْمَلِكُ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى فَتَاوِيهِمْ فَلَا يَقَعُ تَشْوِيشٌ عَلَى أَحَدٍ .
فَاسْتَحْسَنَ الْمَلِكُ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَشَارَ بِهِ قَالَ : فَأَخَذَ الْفَتَاوَى وَأَعْطَاهَا إلَيَّ وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْشِيَ بِهَا عَلَى مَنْ وُجِدَ فِي الْوَقْتِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَمَشَيْت بِهَا عَلَيْهِمْ مِثْلُ الظَّهِيرِ التَّزْمَنْتِيِّ وَابْنِ الْجُمَّيْزِيِّ وَنَظَائِرِهِمَا فِي الْوَقْتِ ، فَالْكُلُّ كَتَبُوا خُطُوطَهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ : إنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَهْدِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلِّفَ أَصْحَابَهَا رَمْيَ تُرَابِهَا فِي الْكِيمَانِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ .
قَالَ فَأَعْطَيْت الْفَتَاوَى لِلْوَزِيرِ فَمَا أَعْرِفُ مَا صَنَعَ فِيهَا وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ وَسَافَرَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ إلَى الشَّامِ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ فَلَمْ يَرْجِعْ وَمَاتَ بِهِ ، فَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِيهَا فَعَلَى هَذَا ، فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدْ خَالَفَهُمْ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ بَشِيرٍ : وَلَيْسَتْ الْقُبُورُ مَوْضِعَ زِينَةٍ وَلَا مُبَاهَاةٍ ؛ وَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ بِنَائِهَا عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْمُبَاهَاةَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ
يَحْرُمُ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ وَوَقَعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ بَيْتٌ أَنَّهُ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ وَقَالَ : لَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ وَلَا كَرَامَةَ ، وَظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمِ ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَنَفَّذَ وَصِيَّتَهُ ، وَنَهَى عَنْهَا ابْتِدَاءً انْتَهَى .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَيَأْتِي عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ ، بَلْ هَذَا الْغَصْبُ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا غَصْبٌ لِحَقِّ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ ، وَالْأَوَّلُ لِلْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ ، فَالْأَحْيَاءُ قَدْ يُمْكِنُ التَّحَلُّلُ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْأَمْوَاتِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ قَبْرًا لِيُدْفَنَ فِيهِ إذَا مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَمَنْ سَبَقَ كَانَ أَوْلَى بِالْمَوْضِعِ مِنْهُ وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا غَصْبَ فِي ذَلِكَ .
وَفِيهِ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ حَفَرَ لَهُ ، وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ كُلُّهَا مَعَ وُجُودِ السَّلَامَةِ مِنْ هَتْكِ الْحَرِيمِ ، وَالْمَخَاوِفِ الَّتِي تَقَعُ لَهُمْ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَلَامٍ وَلَا بَيَانٍ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَذُبُّ عَنْ الدِّينِ وَيَذْكُرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَغَيْرَهَا ، وَيُعَظِّمُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَيَنْشُرُهَا حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا مِنْ الْقَبَائِحِ ، وَيُبَيِّنَ السُّنَّةَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَلَّ مَنْ يَعْلَمُ آدَابَهَا فِي الْوَقْتِ أَعْنِي فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، ثُمَّ أَبَاحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا } .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ } فَجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَائِدَةَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ تَذْكِرَةَ الْمَوْتِ
وَصِفَةُ السَّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ أَنْ يَقُولَ ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمُؤْمِنَاتِ ، وَالْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُسْلِمَاتِ رَحِمَ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ ) انْتَهَى .
ثُمَّ يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ ) وَمَا زِدْت ، أَوْ نَقَصْت فَوَاسِعٌ ، وَالْمَقْصُودُ الِاجْتِهَادُ لَهُمْ فِي الدُّعَاءِ ، فَإِنَّهُمْ أَحْوَجُ النَّاسِ لِذَلِكَ لِانْقِطَاعِ أَعْمَالِهِمْ ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي قِبْلَةِ الْمَيِّتِ وَيَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَجْلِسَ فِي نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ إلَى رَأْسِهِ ، أَوْ قُبَالَةِ وَجْهِهِ ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا حَضَرَهُ مِنْ الثَّنَاءِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ الْمَشْرُوعَةَ ، ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بِمَا أَمْكَنَهُ ، وَكَذَلِكَ يَدْعُو عِنْدَ هَذِهِ الْقُبُورِ عِنْدَ نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِهِ ، أَوْ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي زَوَالِهَا وَكَشْفِهَا عَنْهُ وَعَنْهُمْ ، وَهَذِهِ صِفَةُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عُمُومًا .
فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الْمُزَارُ مِمَّنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ فَيَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ ، وَكَذَلِكَ يَتَوَسَّلُ الزَّائِرُ بِمَنْ يَرَاهُ الْمَيِّتُ مِمَّنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يَبْدَأُ بِالتَّوَسُّلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذْ هُوَ الْعُمْدَةُ فِي التَّوَسُّلِ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، وَالْمُشَرَّعُ لَهُ فَيَتَوَسَّلُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ
إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّك فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ ) انْتَهَى .
ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِأَهْلِ تِلْكَ الْمَقَابِرِ أَعْنِي بِالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدِيهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِأَقَارِبِهِ وَلِأَهْلِ تِلْكَ الْمَقَابِرِ وَلِأَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَحْيَائِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلِمَنْ غَابَ عَنْهُ مِنْ إخْوَانِهِ وَيَجْأَرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ عِنْدَهُمْ وَيُكْثِرُ التَّوَسُّلَ بِهِمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اجْتَبَاهُمْ وَشَرَّفَهُمْ وَكَرَّمَهُمْ فَكَمَا نَفَعَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَفِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ ، فَمَنْ أَرَادَ حَاجَةً فَلْيَذْهَبْ إلَيْهِمْ وَيَتَوَسَّلُ بِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ وَعُلِمَ مَا لِلَّهِ تَعَالَى بِهِمْ مِنْ الِاعْتِنَاءِ ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ ، وَمَا زَالَ النَّاسُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَالْأَكَابِرِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا يَتَبَرَّكُونَ بِزِيَارَةِ قُبُورِهِمْ وَيَجِدُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ حِسًّا وَمَعْنًى ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِسَفِينَةِ النَّجَاءِ لِأَهْلِ الِالْتِجَاءِ فِي كَرَامَاتِ الشَّيْخِ أَبِي النَّجَاءِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى ذَلِكَ مَا هَذَا لَفْظُهُ : تَحَقَّقَ لِذَوِي الْبَصَائِرِ ، وَالِاعْتِبَارِ أَنَّ زِيَارَةَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ مَحْبُوبَةٌ لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ مَعَ الِاعْتِبَارِ ، فَإِنَّ بَرَكَةَ الصَّالِحِينَ جَارِيَةٌ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ كَمَا كَانَتْ فِي حَيَاتِهِمْ
وَالدُّعَاءُ عِنْدَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ ، وَالتَّشَفُّعُ بِهِمْ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ انْتَهَى ، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَذْهَبْ إلَيْهِمْ وَلْيَتَوَسَّلْ بِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } انْتَهَى .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ آدَابِ السَّفَرِ مِنْ كِتَابِ الْإِحْيَاءِ لَهُ مَا هَذَا نَصُّهُ : الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يُسَافِرَ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ إمَّا لِجِهَادٍ ، أَوْ حَجٍّ إلَى أَنْ قَالَ : وَيَدْخُلُ فِي جُمْلَتِهِ زِيَارَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَقُبُورِ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ ، وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَكُلُّ مَنْ يُتَبَرَّكُ بِمُشَاهَدَتِهِ فِي حَيَاتِهِ يُتَبَرَّكُ بِزِيَارَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيَجُوزُ شَدُّ الرِّحَالِ لِهَذَا الْغَرَضِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } .
لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ زِيَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَالْعُلَمَاءِ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ ، وَإِنْ كَانَ يَتَفَاوَتُ فِي الدَّرَجَاتِ تَفَاوُتًا عَظِيمًا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَذَكَرَ الْعَبْدَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ لِرِسَالَةِ ابْن أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا هَذَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا النَّذْرُ لِلْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ فَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ الْحَجُّ ، وَالْعُمْرَةُ وَإِلَى الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَمِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ حَجٌّ
وَلَا عُمْرَةٌ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُسْلِمٌ صَحِيحٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا مُشْرِكٌ ، أَوْ مُعَانِدٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي كِتَابِ اتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ قَالَ : اتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبَةٌ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ يُرِيدُ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ .
وَالْحَاصِلُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ أَنَّهَا قُرْبَةٌ مَطْلُوبَةٌ لِنَفْسِهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِغَيْرِهَا فَتَنْفَرِدُ بِالْقَصْدِ وَشَدِّ الرَّحَّالِ إلَيْهَا ، وَمَنْ خَرَجَ قَاصِدًا إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا فَهُوَ فِي أَجَلِّ الطَّاعَاتِ وَأَعْلَاهَا فَهَنِيئًا لَهُ ، ثُمَّ هَنِيئًا لَهُ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّك يَا كَرِيمُ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : اُنْظُرْ إلَى سِرِّ مَا وَقَعَ مِنْ هِجْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْمَدِينَةِ وَإِقَامَتِهِ بِهَا حَتَّى انْتَقَلَ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَذَلِكَ أَنَّ حِكْمَةَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ مَضَتْ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَتَشَرَّفُ الْأَشْيَاءُ بِهِ لَا هُوَ يَتَشَرَّفُ بِهَا فَلَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَكَّةَ إلَى انْتِقَالِهِ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى لَكَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ قَدْ تَشَرَّفَ بِمَكَّةَ ، إذْ أَنَّ شَرَفَهَا قَدْ سَبَقَ بِآدَمَ ، وَالْخَلِيلِ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ لِعِبَادِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ كَانَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ هِجْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْمَدِينَةِ فَتَشَرَّفَتْ الْمَدِينَةُ بِهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا وَقَعَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْبِقَاعِ
الْمَوْضِعُ الَّذِي ضَمَّ أَعْضَاءَهُ الْكَرِيمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا وَانْظُرْ إلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي بَاشَرَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَجِدْهَا أَبَدًا تَتَشَرَّفُ بِحَسَبِ مُبَاشَرَتِهِ لَهَا وَبِقَدْرِ ذَلِكَ يَكُونُ التَّشْرِيفُ أَلَا تَرَى { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ فِي الْمَدِينَةِ : تُرَابُهَا شِفَاءٌ } .
وَمَا ذَاكَ إلَّا لِتَرَدُّدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِتِلْكَ الْخُطَى الْكَرِيمَةِ فِي أَرْجَائِهَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، أَوْ إغَاثَةِ مَلْهُوفٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمَّا أَنْ كَانَ مَشْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِهِ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَرَدُّدِهِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ عَظُمَ شَرَفُهُ بِذَلِكَ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَلَمَّا أَنْ كَانَ تَرَدُّدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَ بَيْتِهِ وَمِنْبَرِهِ أَكْثَرَ مِنْ تَرَدُّدِهِ فِي الْمَسْجِدِ كَانَتْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ الشَّرِيفَةُ بِنَفْسِهَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ } انْتَهَى .
وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا يُحَصِّلُ لِصَاحِبِهِ رَوْضَةً فِي الْجَنَّةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا بِنَفْسِهَا تُنْقَلُ إلَى الْجَنَّةِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ
، ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْآدَابِ ، وَهُوَ فِي زِيَارَةِ الْعُلَمَاءِ ، وَالصُّلَحَاءِ وَمَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِمْ .
وَأَمَّا عَظِيمُ جَنَابِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَيَأْتِي إلَيْهِمْ الزَّائِرُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ قَصْدُهُمْ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ ، فَإِذَا جَاءَ إلَيْهِمْ فَلْيَتَّصِفْ بِالذُّلِّ ، وَالِانْكِسَارِ ، وَالْمَسْكَنَةِ ، وَالْفَقْرِ ، وَالْفَاقَةِ ، وَالْحَاجَةِ ، وَالِاضْطِرَارِ ، وَالْخُضُوعِ وَيُحْضِرْ قَلْبَهُ وَخَاطِرَهُ إلَيْهِمْ ، وَإِلَى مُشَاهَدَتِهِمْ بِعَيْنِ قَلْبِهِ لَا بِعَيْنِ بَصَرِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَبْلَوْنَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَيَتَرَضَّى عَنْ أَصْحَابِهِمْ ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ عَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ ، ثُمَّ يَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ فِي قَضَاءِ مَآرِبِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَيَسْتَغِيثُ بِهِمْ وَيَطْلُبُ حَوَائِجَهُ مِنْهُمْ وَيَجْزِمُ بِالْإِجَابَةِ بِبَرَكَتِهِمْ وَيُقَوِّي حُسْنَ ظَنِّهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ بَابُ اللَّهِ الْمَفْتُوحِ ، وَجَرَتْ سُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِمْ فَلْيُرْسِلْ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَسَتْرِ عُيُوبِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ السَّادَةُ الْكِرَامُ ، وَالْكِرَامُ لَا يَرُدُّونَ مَنْ سَأَلَهُمْ وَلَا مَنْ تَوَسَّلَ بِهِمْ ، وَلَا مَنْ قَصَدَهُمْ وَلَا مَنْ لَجَأَ إلَيْهِمْ هَذَا الْكَلَامُ فِي زِيَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُمُومًا .
فَصْلٌ وَأَمَّا فِي زِيَارَةِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ ، وَالْآخِرِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَكُلُّ مَا ذُكِرَ يَزِيدُ عَلَيْهِ أَضْعَافَهُ أَعْنِي فِي الِانْكِسَارِ ، وَالذُّلِّ ، وَالْمَسْكَنَةِ ؛ لِأَنَّهُ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ الَّذِي لَا تُرَدُّ شَفَاعَتُهُ وَلَا يَخِيبُ مَنْ قَصْدَهُ وَلَا مَنْ نَزَلَ بِسَاحَتِهِ وَلَا مَنْ اسْتَعَانَ ، أَوْ اسْتَغَاثَ بِهِ ، إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قُطْبُ دَائِرَةِ الْكَمَالِ وَعَرُوسُ الْمَمْلَكَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ رَأَى صُورَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَإِذَا هُوَ عَرُوسُ الْمَمْلَكَةِ فَمَنْ تَوَسَّلَ بِهِ ، أَوْ اسْتَغَاثَ بِهِ ، أَوْ طَلَبَ حَوَائِجَهُ مِنْهُ فَلَا يُرَدُّ وَلَا يَخِيبُ لِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْمُعَايَنَةُ ، وَالْآثَارُ وَيَحْتَاجُ إلَى الْأَدَبِ الْكُلِّيِّ فِي زِيَارَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ الزَّائِرَ يُشْعِرُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا هُوَ فِي حَيَاتِهِ ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ أَعْنِي فِي مُشَاهَدَتِهِ لِأُمَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَحْوَالِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ وَعَزَائِمِهِمْ وَخَوَاطِرِهِمْ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ جَلِيٌّ لَا خَفَاءَ فِيهِ .
فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ : هَذِهِ الصِّفَاتُ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَالْجَوَابُ أَنَّ كُلَّ مَنْ انْتَقَلَ إلَى الْآخِرَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَحْوَالَ الْأَحْيَاءِ غَالِبًا ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ الْمُنْتَهَى مِنْ حِكَايَاتٍ وَقَعَتْ مِنْهُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ حِينَ عَرْضِ أَعْمَالِ الْأَحْيَاءِ عَلَيْهِمْ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ أَشْيَاءُ مَغِيبَةٌ عَنَّا .
وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِعَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ ، وَالْكَيْفِيَّةُ فِيهِ غَيْرُ
مَعْلُومَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا وَكَفَى فِي هَذَا بَيَانًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ } انْتَهَى .
وَنُورُ اللَّهِ لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ هَذَا فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ؟ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ : ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إلَّا وَتُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ ؛ فَلِذَلِكَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } ، قَالَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْآبَاءِ ، وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا تَعَارُضَ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْعَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى .
فَالتَّوَسُّلُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ مَحَلُّ حَطِّ أَحْمَالِ الْأَوْزَارِ وَأَثْقَالِ الذُّنُوبِ ، وَالْخَطَايَا ؛ لِأَنَّ بَرَكَةَ شَفَاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعِظَمَهَا عِنْدَ رَبِّهِ لَا يَتَعَاظَمُهَا ذَنْبٌ ، إذْ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ الْجَمِيعِ فَلْيَسْتَبْشِرْ مَنْ زَارَهُ وَيَلْجَأْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ لَمْ يَزُرْهُ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا مِنْ شَفَاعَتِهِ بِحُرْمَتِهِ عِنْدَك آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
وَمَنْ اعْتَقَدَ خِلَافَ هَذَا فَهُوَ الْمَحْرُومُ أَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا
اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } فَمَنْ جَاءَهُ وَوَقَفَ بِبَابِهِ وَتَوَسَّلَ بِهِ وَجَدَ اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنْ خُلْفِ الْمِيعَادِ ، وَقَدْ وَعَدَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالتَّوْبَةِ لِمَنْ جَاءَهُ وَوَقَفَ بِبَابِهِ وَسَأَلَهُ وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ، فَهَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ وَلَا يَرْتَابُ إلَّا جَاحِدٌ لِلدِّينِ مُعَانِدٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْحِرْمَانِ ، وَقَدْ جَاءَ بَعْضُهُمْ إلَى زِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَدْخُلْ الْمَدِينَةَ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ، بَلْ زَارَ مِنْ خَارِجِهَا أَدَبًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَدْخُلُ فَقَالَ : أَمِثْلِي يَدْخُلُ بَلَدَ سَيِّدِ الْكَوْنَيْنِ لَا أَجِدُ نَفْسِي تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِ الْخَلِيفَةِ لَمَّا أَنْ أَتَى إلَيْهِ بِالْبَغْلَةِ لِيَرْكَبَهَا حَتَّى يَأْتِيَ إلَيْهِ لِعُذْرِهِ فِي كَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ انْخَلَعَتْ يَدَاهُ وَرُكْبَتَاهُ مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي قَدْ وَقَعَ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحِكَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَ ، وَقَالَ : مَوْضِعٌ وَطِئَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَقْدَامِهِ الْكَرِيمَةِ مَا كَانَ لِي أَنْ أَطَأَهُ بِحَافِرِ بَغْلَةٍ وَمَشَى إلَيْهِ مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إلَى الْخَلِيفَةِ فِي خَارِجِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَجَرَى لَهُ مَعَهُ مَا جَرَى .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْخَلِيفَةِ لَمَّا أَنْ سَأَلَهُ إذَا دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ يَتَوَجَّهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ إلَى الْقِبْلَةِ فَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَيْفَ تَصْرِفُ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ
الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ لَهُ : وَزِيَارَةٌ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْمُسْلِمِينَ مَجْمَعٌ عَلَيْهَا وَفَضِيلَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي } .
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ زَارَنِي فِي الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كَانَ فِي جِوَارِي وَكُنْت لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي } قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمِمَّا لَمْ يَزَلْ مِنْ شَأْنِ مَنْ حَجَّ الْمُرُورُ بِالْمَدِينَةِ ، وَالْقَصْدُ إلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالتَّبَرُّكُ بِرُؤْيَةِ رَوْضَتِهِ وَمِنْبَرِهِ وَقَبْرِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَلَامِسِ يَدَيْهِ وَمَوَاطِئِ قَدَمَيْهِ ، وَالْعَمُودِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ وَيَنْزِلُ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ فِيهِ عَلَيْهِ وَبِمَنْ عَمَّرَهُ وَقَصَدَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالِاعْتِبَارُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ سَمِعْت بَعْضَ مَنْ أَدْرَكْته يَقُولُ : بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ { إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا مُحَمَّدٌ يَقُولُهَا سَبْعِينَ مَرَّةً نَادَاهُ مَلَكٌ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك يَا فُلَانُ وَلَمْ تَسْقُطْ لَهُ حَاجَةٌ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَهْدِيِّ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا وَدَّعْته قَالَ لِي أَلَك حَاجَةٌ إذَا أَتَيْت الْمَدِينَةَ سَتَرَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ قَالَ غَيْرُهُ وَكَانَ يُبْرِدُ إلَيْهِ
الْبَرِيدَ مِنْ الشَّامِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ : إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا يَقِفُ وَوَجْهُهُ إلَى الْقَبْرِ لَا إلَى الْقِبْلَةِ ، وَيَدْنُو وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ بِيَدِهِ ، وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَبْرِ رَأَيْته مِائَةَ مَرَّةٍ ، وَأَكْثَرُ مَا يَفْعَلُ يَجِيءُ إلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَى أَبِي حَفْصٍ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَيَقُولُ إذَا دَخَلَ مَسْجِدَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : بِسْمِ اللَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَصَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك وَجَنَّتِك وَاحْفَظْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، ثُمَّ اقْصِدْ إلَى الرَّوْضَةِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ ، وَالْمِنْبَرِ فَارْكَعْ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ وُقُوفِك بِالْقَبْرِ تَحْمَدُ اللَّهَ فِيهِمَا وَتَسْأَلُهُ تَمَامَ مَا خَرَجْت إلَيْهِ ، وَالْعَوْنَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ كَانَتْ رَكْعَتَاك فِي غَيْرِ الرَّوْضَةِ أَجْزَأْتُك ، وَفِي الرَّوْضَةِ أَفْضَلُ ، ثُمَّ تَقِفُ بِالْقَبْرِ مُتَوَاضِعًا مُتَوَقِّرًا فَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا يَحْضُرُك وَتُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتَدْعُو لَهُمَا قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ وَخَرَجَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَإِذَا خَرَجَ جَعَلَ آخِرَ عَهْدِهِ الْوُقُوفَ بِالْقَبْرِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ خَرَجَ مُسَافِرًا ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطَةِ : وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْوُقُوفُ بِالْقَبْرِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ فَقِيلَ لَهُ إنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدِمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ إلَّا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ
فِي الْيَوْمِ مَرَّةً ، أَوْ أَكْثَرَ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً فَقَالَ : لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلَدِنَا ، وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَيُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ ، أَوْ أَرَادَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا خَرَجُوا مِنْهَا ، أَوْ دَخَلُوهَا أَتَوْا الْقَبْرَ فَسَلَّمُوا قَالَ ، وَذَلِكَ دَأْبِي قَالَ الْبَاجِيُّ : فَفَرْقٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْغُرَبَاءِ ؛ لِأَنَّ الْغُرَبَاءَ قَاصِدُونَ إلَى ذَلِكَ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ بِهَا لَمْ يَقْصِدُوهَا مِنْ أَجْلِ الْقَبْرِ ، وَالتَّسْلِيمِ .
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ يَبْدَأُ بِالرُّكُوعِ قَبْلَ السَّلَامِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْهِنْدِيِّ وَمَنْ وَقَفَ بِالْقَبْرِ لَا يَلْتَصِقْ بِهِ وَلَا يَمَسَّهُ وَلَا يَقِفْ عِنْدَهُ طَوِيلًا انْتَهَى .
يَعْنِي بِالْوُقُوفِ طَوِيلًا أَنَّ الْحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ دَاخِلُ الدَّرَابِيزِ ، فَإِذَا وَقَفَ طَوِيلًا ضَيَّقَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ خَارِجَ الدَّرَابِيزِ فَذَلِكَ الْمَوْضِعُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقَّ الصَّلَاةِ وَانْتِظَارَهَا ، وَالِاعْتِكَافَ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ مِنْ دَاخِلِ الدَّرَابِيزِ الَّتِي هُنَاكَ ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ مَحَلُّ احْتِرَامٍ وَتَعْظِيمٍ فَيُنَبِّهُ الْعَالِمُ غَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ تِلْكَ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ هُنَاكَ فَتَرَى مِنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ يَطُوفُ بِالْقَبْرِ الشَّرِيفِ كَمَا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ الْحَرَامِ وَيَتَمَسَّحُ بِهِ وَيُقَبِّلُهُ وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ مَنَادِيلَهُمْ وَثِيَابَهُمْ يَقْصِدُونَ بِهِ التَّبَرُّكَ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالِاتِّبَاعِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَا كَانَ سَبَبُ عِبَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ لِلْأَصْنَامِ
إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَرِهَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ التَّمَسُّحَ بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ ، أَوْ بِجُدْرَانِ الْمَسْجِدِ ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَبَرَّكُ بِهِ سَدًّا لِهَذَا الْبَابِ وَلِمُخَالِفَةِ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ التَّعْظِيمِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُلُّ مَا عَظَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعَظِّمُهُ وَنَتَّبِعُهُ فِيهِ ، فَتَعْظِيمُ الْمُصْحَفِ قِرَاءَتُهُ ، وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهِ لَا تَقْبِيلُهُ وَلَا الْقِيَامُ إلَيْهِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ تَعْظِيمُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ لَا التَّمَسُّحُ بِجُدْرَانِهِ .
وَكَذَلِكَ الْوَرَقَةُ يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ فِيهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى ، أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
تَرْفِيعُهُ إزَالَةُ الْوَرَقَةِ مِنْ مَوْضِعِ الْمَهَانَةِ إلَى مَوْضِعٍ تُرْفَعُ فِيهِ لَا بِتَقْبِيلِهَا ، وَكَذَلِكَ الْخُبْزُ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مُلْقًى بَيْنَ الْأَرْجُلِ ؛ تَعْظِيمُهُ أَكْلُهُ لَا تَقْبِيلُهُ ، وَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ تَعْظِيمُهُ اتِّبَاعُهُ لَا تَقْبِيلُ يَدِهِ وَقَدَمِهِ ، وَلَا التَّمَسُّحُ بِهِ ، فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ تَعْظِيمُهُ بِاتِّبَاعِهِ لَا بِالِابْتِدَاعِ عِنْدَهُ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي الْمُصْحَفِ مُصَيْحِفٌ ، وَفِي الْكِتَابِ كُتَيِّبٌ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ حِينَ مُنَاوَلَتِهِمْ الْمُصْحَفَ ، وَالْكِتَابَ لَفْظَةَ حَاشَاك ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ مُسَيْجِدٌ وَفِي الدُّعَاءِ اُدْعُ لِي دُعَيْوَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ شَنِيعَةٌ قَبِيحَةٌ لَوْ عَلِمُوا مَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ مَا تَكَلَّمُوا بِهَا ، إذْ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَعْظِيمُهُ مَطْلُوبٌ ، وَالتَّصْغِيرُ ضِدُّهُ ، وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَعَنْ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } انْتَهَى ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الذَّمُّ الْعَظِيمُ فِيمَنْ اتَّخَذَ الْمَوْضِعَ مَسْجِدًا فَكَيْف بِالطَّوَافِ
عِنْدَهُ
، وَأَمَّا أَكْلُ التَّمْرِ عِنْدَهُ فِي الرَّوْضَةِ الْمُشَرَّفَةِ فَمَمْنُوعٌ ، إذْ أَنَّ فِيهِ قِلَّةُ أَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ مَعَهُ وَمَعَ مَسْجِدِهِ وَمَعَ رَوْضَتِهِ الَّتِي عَظَّمَهَا وَرَفَعَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ عَامَّتَهُمْ يُلْقُونَ النَّوَى هُنَاكَ وَهُوَ أَذًى فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الذُّبَابُ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْأَذَى لِلْمَوْضِعِ الشَّرِيفِ مَا فِيهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُعَامِلُ الْمَوْضِعَ الَّذِي عَظَّمَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالنَّقِيضِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَكَلَ التَّمْرَ حَصَلَ لُعَابُهُ فِي النَّوَاةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا وَيُلْقِيهَا فِي الْمَسْجِدِ وَلُعَابُهُ عَلَيْهَا ، وَهَذَا بُصَاقٌ فِي الْمَسْجِدِ ، وَفِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ وَقِلَّةِ الِاحْتِرَامِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ ===============ج4444444444..===========
ج44444444.... كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
فَإِذَا زَارَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ قَدَرَ أَنْ لَا يَجْلِسَ فَهُوَ بِهِ أَوْلَى ، فَإِنْ عَجَزَ ، فَلَهُ أَنْ يَجْلِسَ بِالْأَدَبِ ، وَالِاحْتِرَامِ ، وَالتَّعْظِيمِ ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ الزَّائِرُ فِي طَلَبِ حَوَائِجِهِ وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ أَنْ يَذْكُرَهَا بِلِسَانِهِ ، بَلْ يُحْضِرُ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْلَمُ مِنْهُ بِحَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ وَأَرْحَمُ بِهِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ الْفَرَاشِ تَقَعُونَ فِي النَّارِ وَأَنَا آخُذُ بِحُجُزِكُمْ عَنْهَا } .
أَوْ كَمَا قَالَ ، وَهَذَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ أَعْنِي فِي التَّوَسُّلِ بِهِ وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ بِجَاهِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ زِيَارَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِسْمِهِ فَلْيَنْوِهَا كُلَّ وَقْتٍ بِقَلْبِهِ وَلْيُحْضِرْ قَلْبَهُ أَنَّهُ حَاضِرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَشَفِّعًا بِهِ إلَى مَنْ مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي رُقْعَتِهِ الَّتِي أَرْسَلَهَا إلَيْهِ مِنْ أَبْيَاتٍ إلَيْك أَفِرُّ مِنْ زَلَلِي وَذَنْبِي وَأَنْتَ إذَا لَقِيت اللَّهَ حَسْبِي وَزَوْرَةُ قَبْرِك الْمَحْجُوجُ قِدَمًا مُنَايَ وَبُغْيَتِي لَوْ شَاءَ رَبِّي ، فَإِنْ أُحْرَمْ زِيَارَتَهُ بِجِسْمِي فَلَمْ أُحْرَمْ زِيَارَتَهُ بِقَلْبِي إلَيْك غَدَتْ رَسُولَ اللَّهِ مِنِّي تَحِيَّةُ مُؤْمِنٍ دَنِفٍ مُحِبِّ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا شَفَاعَتَهُ وَلَا عِنَايَتَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ وَأَدْخَلْنَا بِفَضْلِك فِي زُمْرَةِ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ بِجَاهِهِ عِنْدَك ، فَإِنَّ جَاهَهُ عِنْدَك عَظِيمٌ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَوَّلِ خُلَفَائِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَتَرَضَّى عَنْهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا حَضَرَهُ ، ثُمَّ
يَفْعَلُ كَذَلِكَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَتَوَسَّلُ بِهِمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَدِّمُهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ شَفِيعَيْنِ فِي حَوَائِجِهِ ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْبَقِيعِ لِيَزُورَ مَنْ فِيهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَتَى إلَى الْبَقِيعِ بَدَأَ بِثَالِثِ الْخُلَفَاءِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ثُمَّ يَأْتِي قَبْرَ الْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَأْتِي مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَكَابِرِ وَيَنْوِي امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَزُورُ أَهْلَ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الزِّيَارَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا قُرْبَةٌ بِنَفْسِهَا مُسْتَحَبَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا فِي الدِّينِ ظَاهِرَةٌ بَرَكَتُهَا عِنْدَ السَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ ، وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ كَثِيرَةً بِالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ ، وَالسَّلَامِ .
فَأَمَّا الزَّائِرُ أَيَّامًا وَيَرْجِعُ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَجِوَارِهِ ، وَالْمُقَامِ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَإِنَّهُ عَرُوسُ الْمَمْلَكَةِ وَبَابُ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ دِينًا وَدُنْيَا وَأُخْرَى فَيَذْهَبُ إلَى أَيْنَ ، وَقَدْ فَرَّقَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بَيْنَ الْأَفَّاقِي ، وَالْمُقِيمِ فِي التَّنَفُّلِ بِالطَّوَافِ ، وَالصَّلَاةِ فَقَالُوا : الطَّوَافُ فِي حَقِّ الْأَفَّاقِي أَفْضَلُ لَهُ ، وَالتَّنَفُّلُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ أَفْضَلُ ، وَمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى فَمَنْ كَانَ مُقِيمًا خَرَجَ إلَى زِيَارَةِ أَهْلِ الْبَقِيعِ وَمَنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلْيَغْتَنِمْ مُشَاهَدَتَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ، وَقَدْ قَالَ لِي سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ : مَا جَلَسْت فِي الْمَسْجِدِ إلَّا الْجُلُوسَ فِي
الصَّلَاةِ ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ ، وَمَا زِلْت وَاقِفًا هُنَاكَ حَتَّى رَحَلَ الرَّكْبُ وَلَمْ أَخْرُجْ إلَى بَقِيعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَمْ أَزُرْ غَيْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ قَدْ خَطَرَ لِي أَنْ أَخْرُجَ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَقُلْت : إلَى أَيْنَ أَذْهَبُ ؟ هَذَا بَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَفْتُوحُ لِلسَّائِلِينَ ، وَالطَّالِبِينَ ، وَالْمُنْكَسِرِينَ ، وَالْمُضْطَرِّينَ ، وَالْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يُقْصَدُ مِثْلُهُ ، فَمَنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا ظَفَرَ وَنَجَحَ بِالْمَأْمُولِ ، وَالْمَطْلُوبِ ، أَوْ كَمَا قَالَ
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ ذَلِكَ ، فَإِذَا زَارَ فَلْيَعْتَبِرْ فِي حَالِ مَنْ زَارَهُ وَمَا صَارَ إلَيْهِ فِي قَبْرِهِ مِنْ الْحَمَإِ الْمَسْنُونِ وَهِيَ الطِّينَةُ الْحَارَّةُ الْمُنْتِنَةُ الْعَفِنَةُ ، وَمَاذَا سُئِلَ عَنْهُ ، وَبِمَاذَا أَجَابَ وَمَا هُوَ حَالُهُ هَلْ فِي جَنَّةٍ ، أَوْ ضِدِّهَا ، وَيَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَرَفْعِ مَا بِهِ مِنْ الْكَرْبِ إنْ كَانَ بِهِ وَيَسْأَلُ لَهُ جَلْبَ الرَّحْمَةِ وَرَفْعَ الدَّرَجَاتِ وَيُشْعِرُ نَفْسَهُ أَنَّهُ حَصَلَ فِي عَسْكَرِهِمْ ، إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ كَمَا قِيلَ : مَنْ عَاشَ مَاتَ وَمَنْ مَاتَ فَاتَ وَأَنَّهُ الْآنَ كَأَنَّهُ يَسْأَلُ وَيُفَكِّرُ فِي مَاذَا يُجِيبُ ، وَهُوَ فِي قَبْرِهِ وَحِيدٌ فَرِيدٌ قَدْ رَحَلَ عَنْهُ أَهْلُهُ وَمَعَارِفُهُ وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيَكُونُ مَشْغُولًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ } انْتَهَى .
فَيَتَعَلَّقُ بِمَوْلَاهُ فِي الْخَلَاصِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَطِرَةِ الْعَظِيمَةِ وَيَلْجَأُ إلَيْهِ وَيَتَوَسَّلُ
وَلَا يَقْرَأُ الزَّائِرُ عِنْدَ قَبْرِ الْمَيِّتِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَغْلِهِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَحْتَاجُ صَاحِبُهَا إلَى التَّدَبُّرِ وَإِحْضَارِ الْفِكْرَةِ فِيمَا يَتْلُوهُ وَفِكْرَتَانِ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ لَا يَجْتَمِعَانِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَنَا أَعْتَبِرُ فِي وَقْتٍ وَأَقْرَأُ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، وَالْقِرَاءَةُ إذَا قُرِئَتْ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ ، إذْ ذَاكَ فَلَعَلَّ أَنْ يَلْحَقَ الْمَيِّتَ مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ يَنْفَعُهُ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَرِدْ بِذَلِكَ وَكَفَى بِهَا .
الثَّانِي : شَغْلُهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفِكْرَةِ ، وَالِاعْتِبَارِ فِي حَالِ الْمَوْتِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَالْوَقْتُ مَحَلٌّ لِهَذَا فَقَطْ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عِبَادَةٍ إلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى سِيَّمَا لِأَجْلِ الْغَيْرِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ فِي بَيْتِهِ وَأَهْدَى لَهُ لَوَصَلَتْ ، وَكَيْفِيَّةُ وُصُولِهَا أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ تِلَاوَتِهِ وَهَبَ ثَوَابَهَا لَهُ ، أَوْ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَهَا لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ دُعَاءٌ بِالثَّوَابِ ؛ لَأَنْ يَصِلَ إلَى أَخِيهِ ، وَالدُّعَاءُ يَصِلُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْقُبُورِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى قَبْرِهِ سَبَبًا لِعَذَابِهِ ، أَوْ لِزِيَادَتِهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا فَيُقَالُ لَهُ : أَمَا قَرَأْتَهَا أَمَا سَمِعْتهَا فَكَيْفَ خَالَفْتهَا فَيُعَذَّبُ ، أَوْ يُزَادُ فِي عَذَابِهِ لِأَجْلِ مُخَالِفَتِهِ لَهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَنْ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ ؛ أَنَّهُ رُئِيَ فِي عَذَابٍ عَظِيمٍ فَقِيلَ لَهُ : أَمَا تَنْفَعُك الْقِرَاءَةُ الَّتِي تُقْرَأُ عِنْدَك لَيْلًا وَنَهَارًا فَقَالَ : إنَّهَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ عَذَابِي وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْقُبُورِ بِدْعَةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ وَإِنَّ مَذْهَبَ
مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ انْتَهَى .
فَيَكُونُ الْعَالِمُ يُبَيِّنُ هَذِهِ السُّنَّةَ فِي الزِّيَارَةِ وَيُوَضِّحُهَا حَتَّى تُعْرَفَ وَيَتَعَاهَدَهَا النَّاسُ ، وَيُبَيِّنُ لِمَنْ حَضَرَهُ مَا أَحْدَثُوهُ فِي الزِّيَارَةِ مِنْ الْبِدَعِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يَكِلُّ السَّمْعُ عَنْهَا فَكَيْفَ بِرُؤْيَتِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النِّسَاءِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي رُكُوبِهِنَّ عَلَى الدَّوَابِّ فِي الذَّهَابِ ، وَالرُّجُوعِ وَفِي مَسِّ الْمُكَارِي لَهُنَّ وَتَحْضِينِهِ لِلْمَرْأَةِ فِي إرْكَابِهَا ، وَإِنْزَالِهَا وَحِينَ مُضِيِّهَا يَجْعَلُ يَدَهُ عَلَى فَخْذِهَا وَتَجْعَلُ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ مَعَ أَنَّ يَدَهَا وَمِعْصَمَهَا مَكْشُوفَانِ لَا سِتْرَ عَلَيْهِمَا سِيَّمَا مَعَ مَا يَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْخَوَاتِمِ ، وَالْأَسَاوِرِ مِنْ الذَّهَبِ ، أَوْ الْفِضَّةِ ، أَوْ هُمَا مَعًا مَعَ الْخِضَابِ فِي الْغَالِبِ وَتَقْصِدُ مَعَ ذَلِكَ إظْهَارَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ فَعَلَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ وَمُنِعْنَ مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَرَاهُ الزَّوْجُ ، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ ، أَوْ الْعَالِمُ ، أَوْ غَيْرُهُمْ فَيَسْكُتُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ مَعَ أَنَّهَا تُنَاجِي الْمُكَارِيَ وَتُحَدِّثُهُ كَأَنَّهُ زَوْجُهَا ، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا ، بَلْ الْعَجَبُ أَنَّ زَوْجَهَا وَغَيْرَهُ مِمَّنْ ذُكِرَ يُشَاهِدُونَ ذَلِكَ بِالْحَضْرَةِ وَيَعْلَمُونَهُ بِالْغَيْبَةِ ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ ، وَكُلُّ مَنْ يُعَايِنُهُمْ مِنْ النَّاسِ سُكُوتٌ لَا يَتَكَلَّمُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ وَلَا يَجِدُونَ لِذَلِكَ غَيْرَةً إسْلَامِيَّةً فِي الْغَالِبِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ إذَا رَآهُ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ مَنْ يُجَالِسُهُ وَيَرَاهُ تَنَبَّهَ النَّاسُ لِهَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَلَّ فَاعِلُهَا ، فَإِنْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَعْلَمُ بِسَبَبِ إشَاعَةِ الْعَالِمِ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنَّهُ عَاصٍ وَكَفَى بِهَذِهِ نِعْمَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا ذَلِكَ رُجِيَ لَهُمْ التَّوْبَةُ ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي ذَهَابِهِنَّ وَعَوْدِهِنَّ
.
وَأَمَّا فِي حَالِ زِيَارَتِهِنَّ الْقُبُورَ فَأَشْنَعُ وَأَعْظَمُ ؛ لِأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَفَاسِدَ عَدِيدَةٍ : فَمِنْهَا : مَشْيُهُنَّ بِاللَّيْلِ مَعَ الرِّجَالِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ مَعَ كَثْرَةِ الْخَلَوَاتِ هُنَاكَ وَكَثْرَةِ الدُّورِ الْمُتَيَسِّرَةِ ، وَكَشْفُهُنَّ لِوُجُوهِهِنَّ وَغَيْرِهَا حَتَّى كَأَنَّهُنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ خَالِيَاتٌ فِي بَيْتِهِنَّ ، وَيَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ مُحَادَثَتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَمَزْحُهُنَّ وَمُلَاعَبَتُهُنَّ وَكَثْرَةُ الضَّحِكِ مَعَ الْغِنَاءِ فِي مَوْضِعِ الْخُشُوعِ ، وَالِاعْتِبَارِ ، وَالذُّلِّ ، فَإِنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِالْحُزْنِ ، وَالْخَوْفِ ضِدَّ مَا يَفْعَلُونَهُ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ ، وَالرَّفَثَ فِي الصِّيَامِ ، وَالضَّحِكَ عِنْدَ الْمَقَابِرِ } انْتَهَى .
فَيَحِقُّ لِمَنْ مَصِيرُهُ إلَى هَذَا عَدَمُ اللَّهْوِ ، وَاللَّعِبِ ، وَخُرُوجُهُنَّ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَوْ كَانَ بِالنَّهَارِ لَخِيفَ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الْكُبْرَى فَكَيْفَ بِهِ لَيْلًا ، وَيَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْوُعَّاظِ عَلَى الْمَنَابِرِ ، وَالْكَرَاسِيِّ ، وَالْمُحَدِّثِينَ مِنْ الْقُصَّاصِ بَيْنَ الْمَقَابِرِ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ وَغَيْرِهَا ، وَاجْتِمَاعِ الرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا مُخْتَلِطِينَ ، وَكَذَلِكَ الْقُرَّاءُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِالتَّرْجِيعِ ، وَالزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ ، وَالْوَقَارِ ، وَالتَّمْطِيطِ ، وَالْمَدِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُشَدَّدِ وَعَكْسِهِ ، وَتَرْتِيبِهَا عَلَى تَرْتِيبِ هَنُوكِ الْغِنَاءَ ، وَالطَّرَائِقِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الزُّوَّارُ رِجَالًا ، أَوْ نِسَاءً فَكُلُّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَةِ
وَغَيْرِهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ صِفَةُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ الْمَشْرُوعَةِ أَعْنِي لِلرِّجَالِ ، إذْ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لِلنِّسَاءِ حِينَ رَآهُنَّ فِي جِنَازَةٍ : { ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ } وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِهِ لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكَدَاءَ يَعْنِي الْقُبُورَ وَذَكَرَ وَعِيدًا شَدِيدًا ، هَذَا وَهُنَّ فِي حَالِ التَّشْيِيعِ لِلْجِنَازَةِ فَمَا بَالُك بِهِنَّ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَكَذَلِكَ زِيَارَتُهُنَّ فِي النَّهَارِ مَمْنُوعَةٌ أَيْضًا ، بَلْ النَّهَارُ أَشَدُّ كَشْفًا لِمَا يُظْهِرْنَهُ مِنْ الزِّينَةِ وَكَشْفِهَا وَعَدَمِ الْحَيَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مَا قَرَّرَهُ النِّسَاءُ فِي هَذِهِ الزِّيَارَةِ الَّتِي ابْتَدَعْنَهَا لِأَنْفُسِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ جَعَلْنَ لِكُلِّ مَشْهَدٍ يَوْمًا مَعْلُومًا فِي الْجُمُعَةِ حَتَّى أَتَيْنَ عَلَى أَكْثَرِ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ لِيَجِدْنَ السَّبِيلَ إلَى وُصُولِهِنَّ إلَى مَقَاصِدِهِنَّ الذَّمِيمَةِ فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ فَجَعَلْنَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلسَّيِّدِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، وَالسَّبْتِ لِلسَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَالْجُمُعَةِ لِلْقَرَافَةِ لِزِيَارَةِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لِأَمْوَاتِهِنَّ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ الدَّيِّنَ الْغَيُورَ مِنْهُمْ عَلَى زَعْمِهِ لَا يُمَكِّنُ زَوْجَتَهُ أَنْ تَخْرُجَ وَحْدَهَا لِمَا يَعْلَمُ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَتَأْبَى عَلَيْهِ إلَّا الْخُرُوجَ ، أَوْ تُفَارِقُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّشْوِيشَاتِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا مِنْهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ وَغَيْرِهِ بِسَبَبِ مَنْعِهِ لَهَا فَيَخْرُجُ مَعَهَا لِئَلَّا يُفَارِقَهَا فَيُبَاشِرُ مَا ذُكِرَ ، أَوْ بَعْضَهُ ، أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهِ ، أَوْ يَسْمَعُ وَيَرَى وَهِيَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهَا وَيَقَعُ اسْتِمْتَاعُ
الْأَجَانِبِ بِزَوْجَتِهِ بِالْمُزَاحِ ، وَالْبَسْطِ ، وَالْمُلَاعَبَةِ مَعَهَا ، وَاللَّمْسِ لَهَا بِحُضُورِهِ ، وَقَدْ يَرَى هَذَا مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ ، وَالسِّيَاسَةِ ، وَالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عِرْضِ زَوْجَتِهِ وَعَلَى عِرْضِ مَنْ بَاشَرَ ذَلِكَ مِنْ زَوْجَتِهِ .
وَقَدْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ ، وَهَذَا بَلَاءٌ عَظِيمٌ وَخَسْفٌ بَاطِنٌ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ هَذَا إنْ احْتَمَلَ الزَّوْجُ مَا رَأَى مِمَّا وَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ الْعَدِيدَةِ ، وَإِنْ غَلَبْته الْغَيْرَةُ ، وَضَاقَ ذَرْعُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا فَعَلَ مَعَ زَوْجَتِهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَيَقَعُ الضَّرْبُ ، وَالْخِصَامُ ، وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى الْوَالِي ، وَالْحَاكِمِ ، وَالْحَبْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
هَذَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ سَالِمًا مِنْ الرِّيَاسَةِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَرَأَّسُ ، أَوْ هُوَ رَئِيسٌ وَلَا يَرْضَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَ زَوْجَتِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتْرُكَهَا وَحْدَهَا لِمَا يَعْلَمُ هُنَاكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَيُرْسِلُ مَعَهَا مَنْ يَكُونُ لَهَا عَوْنًا عَلَى ذَلِكَ مِنْ صَبِيٍّ ، أَوْ عَبْدٍ ، أَوْ عَجُوزٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا كَانَ أَكْثَرَ فَسَادًا مِنْ خُرُوجِهَا وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَهَابُ أَنْ يَهْجُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَيَبْتَدِئُهَا بِكَلَامٍ ، أَوْ مُزَاحٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ هَذَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً لَمْ تَبْتَدِئْ أَحَدًا بِكَلَامٍ وَلَا مُزَاحٍ ، فَإِنْ وَجَدُوا مَعَهَا أَحَدًا مِمَّنْ ذُكِرَ تَوَصَّلُوا بِسَبَبِهِ إلَى مَا يَخْتَارُونَ مِنْهَا بِسَبَبِ تَوَسُّلِ الْوَاسِطَةِ وَتَحْسِينِهِ وَتَزْيِينِهِ لِلْفِعْلِ الذَّمِيمِ وَتَيْسِيرِهِ لِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ قَدْ عَدِمَ الطَّرَفَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَسْتَحْيِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ زَوْجَتِهِ .
وَالثَّانِي لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهَا وَعِنْدَهُ غَيْرَةٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتْرُكَهَا تَخْرُجُ وَحْدَهَا وَتَأْبَى عَلَيْهِ إلَّا الْخُرُوجَ فَيَخْرُجُ مَعَهَا وَيَمْشِي بَعِيدًا عَنْهَا ، وَهَذَا أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فِي الْفَسَادِ ،
وَالْفِتْنَةِ بِكَثْرَةٍ تَتَبُّعِ فُرُوعِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعِصْمَةَ فِي الْحَرَكَاتِ ، وَالسَّكَنَاتِ ، وَقَدْ قَالَ لِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَانَ وَرَدَ إلَى مَدِينَةِ مِصْرَ : وَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا أَحَدٌ بِبَغْدَادَ يَفْعَلُ هَذَا وَلَا يَرْضَى بِهِ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ عِنْدَنَا وَنَفَرَ النُّفُورَ الْكُلِّيَّ مِنْ إقَامَتِهِ بِإِقْلِيمِ مِصْرَ ، وَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى بَغْدَادَ ، إذْ أَنَّهَا عِنْدَهُ أَقَلُّ مَفَاسِدَ مِنْ مِصْرَ ، فَإِذَنْ كَانَتْ بَغْدَادُ عَلَى هَذَا أَقَلَّ مَفَاسِدَ مِنْ مِصْرَ وَهِيَ مُقَامُ التَّتَارِ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهَا الْمَدِينَةُ الْمَلْعُونَةُ يُخْسَفُ بِهَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى الْمَشْرِقِ } فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
فَصْلٌ فِي خُرُوجِهِنَّ إلَى دُورِ الْبِرْكَةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الدُّورِ الَّتِي عَلَى الْبِرْكَةِ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، إذْ أَنَّهَا احْتَوَتْ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَمِنْهَا : رُكُوبُهُنَّ إلَيْهَا عَلَى الدَّوَابِّ فِي الذَّهَابِ ، وَالْعَوْدِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَمِنْهَا خُرُوجُ بَعْضِهِنَّ مِنْ الْبُيُوتِ الَّتِي هُنَاكَ عَلَى شَاطِئِ الْبِرْكَةِ فِي الطَّرِيقِ مُتَبَرِّجَاتٍ مُتَزَيِّنَاتٍ مُخْتَلِطَاتٍ بِالرِّجَالِ ، وَبَعْضُهُنَّ يَغْتَسِلْنَ فِي الْبِرْكَةِ ، وَبَعْضُ الرِّجَالِ يَنْظُرُونَ فِي الْغَالِبِ إلَيْهِنَّ وَمَا يَفْعَلْنَ أَيْضًا مِنْ تَبَرُّجِهِنَّ إنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْبُيُوتِ مَنْ يَنْظُرُهُنَّ مِنْ الطَّاقَاتِ وَأَبْوَابِ الرِّيحِ ، وَالْأَسْطِحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُظْهِرْنَ مَا بِهِنَّ مِنْ الزِّينَةِ وَمَا عَلَيْهِنَّ مِنْ حُسْنِ الثِّيَابِ ، وَالْحُلِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمُمَازَحَتِهِنَّ لِلرِّجَالِ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ فِي أَيَّامِ الْخَضِيرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَحَلٌّ لِفُرْجَةِ الرِّجَالِ وَفُسْحَتِهِمْ فَقَلَّ مَنْ تَرَاهُ هُنَاكَ إلَّا وَهُوَ رَافِعٌ رَأْسَهُ إلَى الطَّاقَاتِ ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِنَّ الزِّينَةُ ، وَالتَّبَرُّجُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْغَالِبُ عَلَى بَعْضِ الْمُتَفَرِّجِينَ أَنَّهُمْ لَا يَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ عَنْ الْمَحَارِمِ وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي ذَلِكَ ، بَلْ يَرْتَكِبُونَ الْمُحَرَّمَ جِهَارًا فَيَمْشُونَ فِي زُرُوعِ النَّاسِ قَصْدًا وَيَتَّخِذُونَهَا طَرِيقًا وَمَجَالِسَ وَرُبَّمَا عَمِلُوا فِيهَا السَّمَاعَ ، وَإِنْشَادَ الشَّعْرِ الرَّقِيقِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى التَّغَزُّلَاتِ الَّتِي تُمِيلُ قُلُوبَ الرِّجَالِ فَكَيْفَ بِالنِّسَاءِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ } انْتَهَى .
يَعْنِي النِّسَاءَ ، وَذَلِكَ لِضَعْفِهِنَّ عَنْ سَمَاعِ الصَّوْتِ الْحَسَنِ فَكَيْفَ بِهِ مَعَ التَّغَزُّلَاتِ ، وَقَدْ قَالُوا : إنَّ الْغِنَاءَ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ فَتَرِقُّ طِبَاعُهُنَّ لِمَا يَسْمَعْنَ
وَيَرَيْنَ مِنْ ذَلِكَ وَيُشَاهِدْنَهُ فَيَمِلْنَ إلَيْهِ فَيَدْخُلُ الْفَسَادُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا ، وَقَدْ يَئُولُ الْأَمْرُ إلَى الْفِرَاقِ ، وَالْبَقَاءِ عَلَى دَخَنٍ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ
فَصْلٌ فِي الدُّورِ الَّتِي عَلَى الْبَسَاتِينِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الدُّورِ الَّتِي عَلَى الْبَسَاتِينِ ، إذْ أَنَّ فِي ذَلِكَ كَشْفَةً لَهُنَّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبُسْتَانُ لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ فَهُوَ أَخَفُّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ فِي الدُّخُولِ إلَى الْبُسْتَانِ تَحَرَّزَ مِمَّا يَتَوَقَّعُهُ بِغَلْقِ الطَّاقَاتِ ، وَالْأَبْوَابِ ، وَالْأَسْطِحَةِ وَيَمْنَعُهُنَّ مِنْ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَيُبَاحُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ أَهْلَهُ إلَى الْبُسْتَانِ بِشَرْطَيْنِ ، وَهُوَ : أَنْ يَكُونَ الْبُسْتَانُ لَا يُكْشَفُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَأَنْ لَا يَدْخُلَهُ مَعَ أَهْلِهِ غَيْرُ ذِي مَحْرَمٍ
فَصْلٌ فِي رُكُوبِهِنَّ الْبَحْرَ وَيَنْبَغِي لَهُ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى مَوْضِعٍ يَحْتَجْنَ فِيهِ إلَى رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلْفُرْجَةِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مُبَاحًا ، إذْ أَنَّ رُكُوبَ الْبَحْرِ كَشْفَةٌ لَهُنَّ ، وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ رُكُوبِ الدَّوَابِّ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقَصِّي جُزْئِيَّاتِهِ هَذَا إنْ كَانَ مَوْضِعُ الْفُرْجَةِ لَا مُنْكَرَ فِيهِ وَلَا فِتْنَةً يَتَخَوَّفُ وُقُوعَهَا ، وَأَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَى رُكُوبِ الْبَحْرِ مَفْسَدَةٌ فَالْأَوْلَى الْمَنْعُ مِثْلُ خُرُوجِهِنَّ إلَى الْقَنَاطِرِ وَغَيْرِهَا وَاجْتِمَاعِ الرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ وَمَا يَجْرِي هُنَاكَ مِمَّا يَكِلُّ السَّمْعُ عَنْهُ فَكَيْفَ بِرُؤْيَتِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ كَسْرِ الْخَلِيجِ وَمَا يَجْتَمِعُ فِيهِ مِنْ الْغَوْغَاءِ وَمَا فِيهِ الْيَوْمَ مِنْ الْفِتَنِ وَيَئُولُ أَمْرُهُ إلَى إزْهَاقِ النُّفُوسِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرَقِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ اعْتَادُوا فِيهِ عَادَةً ذَمِيمَةً وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْحَرَافِيشِ وَغَيْرَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَمُدُّونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ يُجَرِّدُونَهُ وَيَأْخُذُونَ مَا مَعَهُ وَيَضْرِبُونَهُ وَرُبَّمَا قَتَلُوهُ وَأَعْدَمُوهُ أَلْبَتَّةَ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَاكِمٌ ؛ لِأَنَّهُ سَبِيلٌ فِيهِمْ عَلَى مَا يَزْعُمُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ
فَصْلٌ فِي خُرُوجِهِنَّ إلَى الْمَحْمَلِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى شُهُودِ الْمَحْمَلِ حِينَ يَدُورُ وَيَمْنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي يَسْتَعِدُّ فِيهَا لِدَوَرَانِ الْمَحْمَلِ ، إذْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ أَشْيَاءُ عَدِيدَةٌ فَمِنْهَا تَزْيِينُ الدَّكَاكِينِ فِي الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا بِالْقُمَاشِ مِنْ الْحَرِيرِ ، وَالْحُلِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ لَا يُنَازَعُ فِيهِ ، وَتَحْرِيمُهُ لَا خَفَاءَ فِيهِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ دَوَرَانِهِ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ ، وَيَقَعُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ مِنْ الْمَفَاسِدِ اسْتِمْتَاعُ الرِّجَالِ بِالْحَرِيرِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ فِي الشَّرْعِ لِحَكَّةٍ ، أَوْ جِهَادٍ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَسَمَّى اسْتِعْمَالَ الْحَصِيرِ لُبْسًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لُبْسَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَزْيِينِهِمْ بِمَسَانِدِ الْحَرِيرِ وَالْبَشْخَانَاتِ الْمُعَلَّقَةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ حَرَامٌ سِيَّمَا إنْ كَانَ فِيهَا صُوَرٌ مُحَرَّمَةٌ فَيَتَأَكَّدُ الْوَعِيدُ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحُ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا } .
.
وَمَا وَرَدَ أَنَّهُ يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُصَوِّرِينَ فِي الدُّنْيَا : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ انْتَهَى .
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ أَعْنِي فِي لُحُوقِ الْإِثْمِ بَيْنَ مَنْ صَنَعَهَا وَبَيْنَ مِنْ اسْتَحْسَنَهَا وَبَيْنَ مَنْ جَلَسَ إلَيْهَا وَبَيْنَ مَنْ رَضِيَ بِهَا وَأَحَبَّهَا وَبَيْنَ مَنْ رَآهَا وَلَمْ يُنْكِرْ وَلَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّغْيِيرِ بِحَسَبِ مَرَاتِبِ التَّغْيِيرِ ،
وَقَدْ تَقَدَّمَ وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَحَلَّهُ فَالْحُكْمُ فِيهِ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا فَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ عُمُومًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لُبْسَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ تَحْتَ الْبَشْخَانَاتِ وَلَا مَسَانِدِ الْحَرِيرِ وَشِبْهِهَا ، وَلَا أَنْ يَمْشِيَ تَحْتَهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا أَنْ يَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى فِعْلِهَا ، بَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِهَا بِشَرْطِ أَنْ يُزِيلَهَا دُونَ إفْسَادِهَا وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ .
أَمَّا الرِّجَالُ فَتَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَيِّنٌ ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْأَدِلَّةُ مَانِعَةٌ لَهُنَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَعْنِي مِنْ الْمَسَانِدِ وَالْبَشْخَانَاتِ الْحَرِيرِ وَشِبْهِهَا .
وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْكَتَّانِ الرَّفِيعِ ، أَوْ الْقُطْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ وَلَا يَصِلُ إلَى التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ مُبَاحٌ أَعْنِي لُبْسَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ شَرْعًا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ ، وَفِيهِ ضَرْبٌ لِإِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا يُبْلِيهَا وَتَتَدَنَّسُ بِمَا يُلَاقِيهَا مِنْ غُبَارٍ وَدُخَانِ مِصْبَاحٍ وَغَيْرِهِمَا دُونَ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، وَالْأَدِلَّةُ دَالَّةٌ عَلَى مَنْعِ اسْتِعْمَالِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى النِّسَاءِ كَالرِّجَالِ إلَّا مَا أَبَاحَ الشَّرْعُ لَهُنَّ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ وَلِهَذَا أَبَاحَ الْعُلَمَاءُ لَهَا اللِّحَافَ ، وَالْفِرَاشَ مِنْ الْحَرِيرِ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ لُبْسٌ لَهُنَّ وَلَمْ يَعُدُّوهُ إلَى غَيْرِ اللُّبْسِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا اتِّخَاذُ الْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ كَانَتْ لِلزِّينَةِ ، أَوْ لِلِاسْتِعْمَالِ فَذَلِكَ كُلُّهُ حَرَامٌ عَلَيْهَا ، فَإِنْ فَعَلْت ذَلِكَ
كَانَتْ عَاصِيَةً وَيَجِبُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ زَكَاةُ تِلْكَ الْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِشُرُوطِهَا مَعَ وُجُودِ الْإِثْمِ ، إذْ أَنَّ التَّوْبَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ ، وَالتَّوْبَةُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ الْإِقْلَاعِ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي تَابَتْ مِنْهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَا دَامَتْ تِلْكَ الْآنِيَةُ عَلَى حَالِهَا إلَّا بِإِخْرَاجِهَا مِنْ يَدِهَا وَعَنْ مِلْكِهَا لِمَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ لَهَا وَذَلِكَ إذَا تَمَكَّنَتْ مِنْ فِعْلِهِ فَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِهِ فَتَوْبَتُهَا صَحِيحَةٌ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا اسْتِعْمَالُ الْفِرَاشِ ، وَاللِّحَافِ مِنْ الْحَرِيرِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهَا خَاصَّةً وَأَمَّا زَوْجُهَا ، فَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لَهَا فَلَا يَدْخُلُ الْفِرَاشَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِهَا وَلَا يُقِيمُ فِي الْفِرَاشِ بَعْدَ قِيَامِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ قَامَتْ ضَرُورَةٌ ، ثُمَّ تَرْجِعُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ ، بَلْ يَنْتَقِلُ مِنْهُ لِمَوْضِعٍ يُبَاحُ لَهُ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى فِرَاشِهَا وَإِنْ قَامَتْ وَهُوَ نَائِمٌ فَتُوقِظُهُ حَتَّى يَنْتَقِلَ إلَى مَوْضِعٍ يُبَاحُ لَهُ ، أَوْ تُزِيلُهُ عَنْهُ انْتَهَى .
هَذَا حُكْمُ الزَّوْجِ مَعَهَا إنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْحُكْمِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَتْ جَاهِلَةً بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ يُعَلِّمُهُ فَيُعَلِّمَهَا ، أَوْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ لِتَتَعَلَّمَ وَإِنْ أَبَى أَنْ تَخْرُجَ فَلْتَخْرُجْ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا وَلَا تَكُونُ عَاصِيَةً وَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ لَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَذِنَ لَهَا الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الْأَوْلَادُ الذُّكُورُ فَفِيهِمْ خِلَافٌ ، وَالْمَنْعُ أَوْلَى ، وَهَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي شَأْنِ الْحَرِيرِ فِي الْبُيُوتِ وَأَمَّا فِي الْأَسْوَاقِ ، وَالدَّكَاكِينِ فَالزِّينَةُ
فِيهَا أَشْنَعُ وَأَقْبَحُ دِينًا وَدُنْيَا ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ فِي الْغَالِبِ خَاصٌّ بِأَهْلِهِ فَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ هَذَا مَعَ مَا فِي الزِّينَةِ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَالْمُبَاهَاةِ ، وَالتَّفَاخُرِ الْمَوْجُودِ بِالْفِعْلِ ، وَالتَّكَاثُرِ بِعَرَضِ الدُّنْيَا الدَّنِيئَةِ وَكَسْرِ خَوَاطِرِ الْفُقَرَاءِ إذَا رَأَوْا ذَلِكَ أَمَّا إضَاعَةُ الْمَالِ فَلِأَنَّهُمْ يُوقِدُونَ الْقَنَادِيلَ عَلَيْهِ لَيَالِيَ الزِّينَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُقْمِرَةً وَتَبْقَى اللَّيْلَ كُلَّهُ مُوقَدَةً وَذَلِكَ إضَاعَةُ مَالٍ لِلزَّيْتِ الَّذِي يَحْتَرِقُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، بَلْ لِلْمَضَرَّةِ بِتَسْوِيدِ الْقُمَاشِ مِنْ كَثْرَةِ الدُّخَانِ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْوَقُودُ بِالزَّيْتِ الْحَارِّ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِهِ وَيُنْقِصُ ثَمَنَهُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : الْخَوْفُ عَلَى الْقُمَاشِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مُتَوَقَّعٌ مِنْ السَّرِقَةِ ، وَالْخِلْسَةِ وَغَيْرِهِمَا .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَكَلُّفِ السَّهَرِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا حَاجَةٍ ، بَلْ لِلْبِدْعَةِ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَكَفَى بِهَا .
الْخَامِسُ : أَنَّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ أَعْنِي الزِّينَةَ ، فَإِنَّ الَّذِي قَرَّرَهَا كَانَ ، وَالِيًا بِمِصْرَ وَصَارَتْ بَعْدَهُ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ حَتَّى شَاعَتْ وَذَاعَتْ ، وَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى أَمْرٍ مَهُولٍ ، وَهُوَ أَنْ ادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْعَوَامّ لَعِيبَ عَلَيْهِمْ وَعُنِّفُوا وَزُجِرُوا عَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ أَنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ ، أَوْ يَعْتَقِدَهُ بِمَقَالِهِ ، أَوْ حَالِهِ ، وَالْعِلْمُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَأْبَى ذَلِكَ فَلَا الْتِفَاتَ إلَى مَنْ خَالَفَهَا ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ كَيْفَ تَعَدَّتْ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ إلَى مُحَرَّمَاتٍ ؟ مِنْهَا أَنَّ النِّسَاءَ ، وَالرِّجَالَ يَخْرُجُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا
وَيَجْتَمِعُونَ فِي لَيَالِي الزِّينَةِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ تَحْتَ سِتْرِ ظَلَامِ اللَّيْلِ ، وَكُلُّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ تَيَسَّرَ لَهُ مَا يُرِيدُهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي بِخِلَافِ خُرُوجِهِنَّ إلَى الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذَكَرُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي النَّاسِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا لِإِنْفَاذِ غَرَضِهِ الْخَسِيسِ .
فَإِذَا تَيَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ فَعَلَهُ فَكَانَتْ الزِّينَةُ سَبَبًا لِتَسْهِيلِ الْمَعَاصِي وَتَيَسُّرِهَا عَلَى مَنْ أَرَادَهَا وَوَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَهُوَ وَقُودُ الْقَنَادِيلِ ، وَالشُّمُوعِ نَهَارًا يَوْمَ دَوَرَانِ الْمَحْمَلِ ، وَقَدْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَقُودَ بِالنَّهَارِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ دُونَ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ بَعْضُهُنَّ مَعَ بَعْضٍ وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَمْنَعَ أَهْلَهُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِالنِّسْوَةِ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَسْتَحْيِنَ أَنْ يَسْأَلْنَ الرِّجَالَ ، وَلَا يُمْكِنُهُ مُبَاشَرَتُهُنَّ بِالْكَلَامِ ، وَيَرَى أَنَّ بَذْلَ الْعِلْمِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لَهُنَّ فَيَجُوزُ ، أَوْ يَجِبُ بِحَسَبِ الْحَالِ الْوَاقِعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى فِعْلُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْعَالِمِ تُبَلِّغُ عَنْهُ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لِلنِّسَاءِ عُمُومًا وَلِبَعْضِ الرِّجَالِ خُصُوصًا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مُخَاطَبَةِ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعْلِيمِ زَوْجَةِ الْعَالِمِ لِلنَّاسِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَرَكْت فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي } انْتَهَى .
لِأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ لَمْ يَزَالُوا يُبَلِّغُونَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ ، وَقَدْ كَانَ كِبَارُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَرْسَلُوا إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُنَّ فَيَرْجِعُونَ إلَى مَا يُفْتِينَ بِهِ فَهَذِهِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { خُذُوا عَنْهَا شَطْرَ دِينِكُمْ } فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَالِمَ يُعَلِّمُ زَوْجَتَهُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ تُعَلِّمُهَا النَّاسَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ الْمَشْرُوعِ ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالزَّوْجَةِ ، بَلْ كُلُّ مَنْ عَلَّمَهُ الْعَالِمُ مِنْ زَوْجَةٍ ، أَوْ غَيْرِهَا صَارَ عَالِمًا بِذَلِكَ الْحُكْمِ وَيُعَلِّمُهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَأَصْحَابَهُ ، ثُمَّ عَلَّمُوا النَّاسَ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ
فَكَانَ الْجَمِيعُ فِي صَحِيفَتِهِمْ وَهُمْ وَمَا فِي صَحِيفَةِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ ، وَالْآخَرِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ، وَذَلِكَ مَاضٍ إلَى أَنْ يُرْفَعَ الْقُرْآنُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا إنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِالْحُكْمِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ طَالَبَتْهُ بِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ طَالَبَتْهُ بِالْخُرُوجِ إلَى التَّعْلِيمِ ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِي الْخُرُوجِ خَرَجَتْ بِغَيْرِ ، إذْنِهِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَعْنِي طَلَبَ النِّسَاءِ حُقُوقَهُنَّ فِي أَمْرِ الدِّينِ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْنَ إلَّا لِأَجْلِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { وَمَا خَلَقْت الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ } قَدْ أُهْمِلَ الْيَوْمَ وَصَارَ مَتْرُوكًا قَدْ دُثِرَ مَنَارُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ لِعَدَمِ الْكَلَامِ فِيهِ مِنْ الزَّوْجِ ، وَالزَّوْجَةِ فِي الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَةَ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا فِي غَالِبِ الْحَالِ فِي هَذَا الزَّمَانِ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفَقَةِ ، وَالْكِسْوَةِ وَفِيمَا كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَلَا يَهُمُّهُمْ شَأْنُهُ غَالِبًا وَلَا يَكْتَرِثُونَ بِهِ ، بَلْ لَا يَخْطِرُ لِبَعْضِهِمْ بِبَالٍ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْخِطَابِ ، فَظَاهِرُ حَالِهِمْ كَحَالِ مِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى تَرْكِهِ فَلَوْ طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ حَقَّهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا مِنْ زَوْجِهَا وَرَفَعْته إلَى الْحَاكِمِ وَطَالَبَتْهُ بِالتَّعْلِيمِ لِأَمْرِ دِينِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهَا إمَّا بِنَفْسِهِ ، أَوْ بِوَاسِطَةِ إذْنِهِ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إلَى ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ جَبْرُهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يَجْبُرُهُ عَلَى حُقُوقِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ ، إذْ أَنَّ حُقُوقَ الدِّينِ آكَدُ وَأَوْلَى ، وَإِنَّمَا سَكَتَ الْحَاكِمُ عَمَّا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا ، أَوْ مُحْتَسِبًا ، أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ يَنْفُذُ أَمْرُهُ
، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ زَوْجَةُ الْعَالِمِ بِالنِّسْوَةِ ؛ لَأَنْ تُعَلِّمَهُنَّ الْأَحْكَامَ فَلْتَحْذَرْ أَنْ يَسْرِيَ إلَيْهَا مِمَّنْ اجْتَمَعَتْ بِهِنَّ مِنْ النِّسْوَةِ شَيْءٌ مِنْ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ، إذْ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ اجْتِمَاعِهِنَّ لَا يَخْلُو مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ الْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ الَّتِي نَشَأْنَ عَلَيْهَا وَتَمَكَّنَتْ مِنْ قُلُوبِهِنَّ حَتَّى كَأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّعْلِيمِ لِلنِّسَاءِ فَيَئُولُ الْأَمْرُ إلَى ضَرَرٍ يَلْحَقُ أَهْلَهُ بِمَعْرِفَةِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ، أَوْ بَعْضِهَا وَيَتَضَرَّرُ هُوَ لِذَلِكَ ، فَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُمَا الْأَمْرُ بِالتَّعْلِيمِ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَعْنِي تَعْلِيمَهَا لِغَيْرِهَا وَإِذْنَ زَوْجِهَا لَهَا وَيَبْقَى الْعَالِمُ مَأْمُورًا بِالتَّعْلِيمِ ، فَإِنْ تَخَوَّفَ وُقُوعَهُ ، فَالتَّعْلِيمُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ لَمْ تُحَقَّقْ لَكِنْ يَحْتَرِزُ مِنْهَا جَهْدَهُ ، وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ فَمِنْ الْعَوَائِدِ الَّتِي اتَّخَذَهَا بَعْضُهُنَّ وَاسْتَحْكَمَ حُبُّهَا فِي قُلُوبِهِنَّ ، وَالْعَمَلِ بِهَا الذِّكْرُ لِلنِّسَاءِ ، وَالْكَلَامُ مَعَ مَنْ سَامَحَهُنَّ مِنْ الرِّجَالِ ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ ، أَوْ رَأَى وَسَكَتَ كَمَنْ فَعَلَ وَمِنْ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ مَا رَتَّبْتَهُ فِي بَعْضِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَأَيَّامِ الْجُمُعَةِ ، فَكُلُّ يَوْمٍ فَعَلُوا فِيهِ أَفْعَالًا مَخْصُوصَةً لَا تَكُونُ فِي غَيْرِهِ وَمَنْ خَالَفَ مِنْهُنَّ ذَلِكَ يَتَطَيَّرْنَ بِهِ وَيَنْسُبْنَهُ إلَى الْجَهْلِ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ فَمِنْ ذَلِكَ شِرَاؤُهُنَّ اللَّبَنَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ وَهِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ السَّنَةِ وَيَزْعُمْنَ أَنَّ ذَلِكَ تَفَاؤُلٌ بِأَنْ تَكُونَ سَنَتُهُمْ كُلُّهَا عَلَيْهِمْ بَيْضَاءَ وَهَذَا مِنْهُمْ بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ ؛ أَمَّا الْبِدْعَةُ فَاِتِّخَاذُهُمْ ذَلِكَ عَادَةً وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ السَّلَفُ ، وَأَمَّا الْبَاطِلُ فَهُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاؤُلِ ،
وَالتَّفَاؤُلُ فِي الشَّرْعِ هُوَ الَّذِي لَا يَقْصِدُهُ الْإِنْسَانُ حَتَّى يَسْمَعَهُ ابْتِدَاءً ، وَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُهُ فَلَيْسَ مِنْ التَّفَاؤُلِ فِي شَيْءٍ .
وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ التَّفَاؤُلُ فِي فَتْحِ الْخِتْمَةِ ، وَالنَّظَرِ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ يَخْرُجُ مِنْهَا ، أَوْ غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ ؛ بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ لَهُ مِنْهَا آيَةُ عَذَابٍ وَوَعِيدٍ فَيَقَعُ لَهُ التَّشْوِيشُ مِنْ ذَلِكَ فَرُفِعَ عَنْهُ ذَلِكَ حَتَّى تَنْقَطِعَ عَنْهُ مَادَّةُ التَّشْوِيشِ ، بَلْ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ لَهُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَيَئُولُ أَمْرُهُ إلَى الْخَطَرِ الْعَظِيمِ أَلَا تَرَى إلَى مَا جَرَى لِبَعْضِ الْمُلُوكِ أَنَّهُ فَتَحَ الْمُصْحَفَ لِيَأْخُذَ مِنْهُ الْفَأْلَ فَوَجَدَ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ مِنْهُ { وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا عَظِيمًا حَتَّى خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ حَالِ الْمُسْلِمِينَ وَجَرَتْ مِنْهُ أُمُورٌ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا لِمُنَافَرَتِهَا لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّ أَخْذَ الْفَأْلِ بِالْمُصْحَفِ وَضَرْبَ الرَّمَلِ وَنَحْوَهُمَا حَرَامٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ مَعَ أَنَّ الْفَأْلَ حَسَنٌ بِالسُّنَّةِ ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ هُوَ مَا يَعْرِضُ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ مِثْلُ قَائِلٍ يَقُولُ : يَا مُفْلِحُ وَنَحْوُهُ .
وَالتَّفَاؤُلُ الْمُكْتَسَبُ حَرَامٌ كَمَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ انْتَهَى .
أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ شِرَاؤُهُمْ الْفُقَّاعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَذَلِكَ الْيَوْمِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ فَيَفْتَحُونَ فَمَهْ فِي الْبَيْتِ فَيَصْعَدُ نَاحِيَةَ السَّقْفِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الرِّزْقَ يَفُورُ لَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيُوَسَّعُ عَلَيْهِمْ فِيهَا ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ مُجَاوَرَةِ الْقَبَطِ ، وَالْأُنْسِ بِعَوَائِدِهِمْ الرَّدِيئَةِ وَيَفْعَلُونَ فِيهِ أَفْعَالًا مِنْ جِهَةِ الْبَسْطِ قَدْ يَئُولُ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى إزْهَاقِ النُّفُوسِ إلَى
غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَذَا جَهْلٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا قَبْلَهُ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلْنَهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَهُوَ أَنَّهُنَّ لَا يَشْتَرِينَ فِيهِ السَّمَكَ وَلَا يَأْكُلْنَهُ وَلَا يُدْخِلْنَهُ بُيُوتَهُنَّ ، وَهَذِهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْيَهُودِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ لَا يَصْطَادُونَ السَّمَكَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَلَا يُدْخِلُونَهُ بُيُوتَهُمْ وَلَا يَأْكُلُونَهُ ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ فَمَنَعَهُ هَؤُلَاءِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ فِيهِ الْحَمَّامَ ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ قَدْ ارْتَفَعَ عَنْهَا حَيْضُهَا تَتْرُكَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَلَا يَشْتَرِينَ فِيهِ الصَّابُونَ وَلَا السِّدْرَ وَلَا الْأُشْنَانَ وَلَا يَغْسِلْنَ فِيهِ الثِّيَابَ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ خِصَالِ الْيَهُودِ كَمَا تَقَدَّمَ .
ثُمَّ انْتَقَلْنَ مِنْ خَصْلَةِ الْيَهُودِ إلَى خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ النَّصَارَى فِي كَوْنِهِنَّ لَا يَعْمَلْنَ فِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ وَلَا فِي يَوْمِهِ شُغْلًا ، وَأَمَّا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمُ الثُّلَاثَاءِ فَعِنْدَهُنَّ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ فِيهِمَا جَمِيعُ مَا يَخْتَرْنَهُ ، وَيَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لَا يَشْتَرِينَ فِيهِ اللَّبَنَ وَلَا يُدْخِلْنَهُ بُيُوتَهُنَّ وَلَا يَأْكُلْنَهُ ، وَيَوْمُ الْخَمِيسِ لِلْإِشْغَالِ ، وَالْحَوَائِجِ الَّتِي لَهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، وَيَوْمُ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ لَا يَعْمَلْنَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ غَزْلِ كَتَّانٍ وَلَا مَحْرِهِ وَلَا تَسْرِيحِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ مَنْعُهُنَّ خُرُوجَ النَّارِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَاعُونِ الْبَيْتِ عَشِيَّةَ كُلِّ يَوْمٍ وَيُبَالِغْنَ فِي مَنْعِ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُنَّ يَتَعَشَّى فِي ضَوْءِ السِّرَاجِ ، ثُمَّ جَاءَ أَحَدٌ يُسْرِجُ مِنْهُ فَلَا يَتْرُكْنَهُ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ أَذِنَ لَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسْرِجَهُ ، ثُمَّ يُطْفِئَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ وَيُوقِدَهُ فِي الرَّابِعَةِ وَحِينَئِذٍ يَذْهَبُ بِهِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى :
إنَّ النَّارَ لَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الِاقْتِبَاسِ مِنْهَا ، إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّرَرِ ، وَالضِّرَارِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إنْ اضْطَرَّ أَحَدٌ إلَى أَخْذِ الْغِرْبَالِ جَعَلْنَ فِيهِ حَجَرًا ، أَوْ مِلْحًا ، أَوْ غَيْرَهُمَا ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْحِجَامَةِ ، وَالِاطِّلَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُهُ أَنْتَ قَالَ نَعَمْ وَأُكْثِرُهُ وَأَتَعَمَّدُهُ ، وَقَدْ احْتَجَمْتُ فِيهِ وَلَا أَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ حِجَامَةٍ وَلَا اطِّلَاءٍ وَلَا نِكَاحٍ وَلَا سَفَرٍ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَيَّامِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ ذَلِكَ : وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَفْعَلَ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَطَيَّرَ ، فَقَدْ أَثِمَ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَلَا طِيَرَةَ ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ } .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ أَيْ عَلَيْهِ إثْمُ مَا تَطَيَّرَ بِهِ لَا أَنَّ مَا تَطَيَّرَ بِهِ يَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : وَلَا طِيَرَةَ انْتَهَى .
وَهَذِهِ الْعَوَائِدُ الرَّدِيئَةُ كُلُّهَا وَمَا شَاكَلَهَا إنَّمَا سَبَبُهَا ارْتِكَابُ مَا نَهَى عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يُجَاوِرُونَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ أَمَرَ أَنْ يَكُونُوا بِمَعْزِلٍ فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ مُنْحَازِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ هُمْ لَا يُشَارِكُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي بَقِيَّةِ الْبَلَدِ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مَا قَرَّرَ لَهُمْ إبْلِيسُ اللَّعِينُ مِنْ هَذِهِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ كَيْفَ جَرَتْ إلَى مَا هُوَ أَرْدَأُ مِنْهَا مِنْ أَوْجُهٍ سَبْعَةٍ :
مِنْهَا فِي التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَا الذِّكْرِ ، وَهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ يَوْمِ السَّبْتِ وَيَوْمِ الْأَحَدِ ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ تَشَبُّهُهُمْ أَيْضًا فِي تَرْكِ الشُّغْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ وَرَدَ عَنْ ذَلِكَ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّهُ أَوْقَعَهُمْ فِي مُخَالَفَةِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَمَّ مَنْ مَنَعَ الْمَاعُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هُوَ مَاعُونُ الْبَيْتِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ : مَا أَحْرَمَهُمْ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ ، وَالْخَيْرِ الْجَسِيمِ مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ، وَهُوَ مَا وَرَدَ أَنَّ الْقِدْرَ إذَا أَعَارَهَا الْإِنْسَانُ ، أَوْ الْغِرْبَالَ ، أَوْ غَيْرَهُمَا كَانَ لَهُ أَجْرُ مَا يُفْعَلُ بِذَلِكَ فَمَا طُبِخَ فِيهَا كَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَى ضَوْءِ السِّرَاجِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ شَيْءٌ فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَالْفَاعِلِ لِذَلِكَ .
الْوَجْهُ السَّادِسُ : أَنَّهُ ، أَوْقَعَهُمْ فِي النَّهْيِ { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الطِّيَرَةِ } وَهُمْ يَتَطَيَّرُونَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
الْوَجْهُ السَّابِعُ : مَا أَوْقَعَهُمْ فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ فِي كَوْنِهِمْ يُحْدِثُونَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ وَلَا هِيَ مُسْتَحْسَنَةٌ عَقْلًا ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَرْكَ الْمُبَادَرَةِ لِلْمَعْرُوفِ ، وَالنَّفْعِ الْمُتَعَدِّي ، فَإِنَّهُمْ إذَا أَوْقَدُوا الْمِصْبَاحَ مِنْ عِنْدَهُمْ ، أَوْ أَخَذُوا الْغِرْبَالَ فَعَلُوا فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَابْتَدَعُوا مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ الشَّرْعُ فِيهِ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَهُ إذَا نَزَلَتْ الشَّمْسُ فِي بُرْجِ الْحَمَلِ فَيَخْرُجُونَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ رِجَالًا وَنِسَاءً وَشُبَّانًا مُخْتَلِطِينَ أَقَارِبَ وَأَجَانِبَ فَيَجْمَعُونَ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ يُسَمُّونَهُ بِالْكَرْكِيشِ فَيَقْطَعُونَ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعِهِ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْخَوَاتِمِ النَّفِيسَةِ ، وَالْأَسَاوِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُلِيِّ وَيَتَكَلَّمُونَ عِنْدَ قَطْعِهِ بِكَلَامٍ أَعْجَمِيٍّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَمَا يُدْرِيه لَعَلَّهُ كُفْرٌ وَيَجْعَلُونَ مَا يَقْطَعُونَ مِنْ تِلْكَ الْحَشِيشَةِ فِي خَرَائِطَ مَصْبُوغَاتٍ بِزَعْفَرَانٍ ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ الْخَرِيطَةَ فِي الصُّنْدُوقِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ مَا دَامَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ يَكُونُ سَبَبًا لِإِكْثَارِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِغْنَائِهِمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، وَأَنَّ الْفَقْرَ يُوَلِّي عَنْهُمْ وَشَاعَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ حَتَّى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ يُذْكَرُ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَبَعْضُهُمْ يَسْتَحْسِنُهُ وَبَعْضُهُمْ يَسْكُتُ وَلَا يَقُولُ شَيْئًا ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْمَحْذُورِ وُجُوهٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ فِيهِ التَّشَبُّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَأَشْبَاهَهُ خَرَجَ مِنْ جِهَةِ الْقَبَطِ الثَّانِي : مَا فِيهِ مِنْ الْكَشَفَةِ وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ فِي اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ ، وَالشَّبَابِ وَرُبَّمَا اخْتَلَطُوا وَتَزَاحَمُوا عَلَى ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِغِنَاهُمْ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ عَرَّضَ مَا مَعَهُ مِنْ الْآلَةِ الَّتِي يَقْطَعُ بِهَا إلَى إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَقْطَعُ بِمَا مَعَهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ ` يَسْقُطُ مِنْ يَدِهِ وَيَقَعُ فِي شَقٍّ مِنْ تِلْكَ الشُّقُوقِ فَيُدْخِلُ يَدَهُ لِيَأْخُذَهُ ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَوْتِهِ ، أَوْ لِلْوُقُوعِ فِي أَمْرَاضٍ خَطِرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الشِّقِّ ثُعْبَانٌ ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي ؛ فَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَسْعِهَا
وَإِمَّا أَنْ يَمْرَضَ ، وَقَدْ يُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ بِسَبَبِ مَا ارْتَكَبَ مِنْ ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا اسْتَعَارَ بَعْضُهُمْ الذَّهَبَ أَوْ غَيْرَهُ لِيَقْطَعَ بِهِ تِلْكَ الْحَشِيشَةِ فَضَاعَ مِنْهُ ، أَوْ سَقَطَ فِي تِلْكَ الشُّقُوقِ فَيَقَعُ فِي التَّشْوِيشِ مَعَ غُرْمِ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ فَهَذَا قَدْ عُجِّلَ لَهُ الْفَقْرُ بِمَا سَقَطَ مِنْهُ أَوْ ضَاعَ ضِدَّ مُرَادِهِ ، وَهَكَذَا هِيَ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى أَبَدًا جَارِيَةٌ فِيمَنْ طَلَبَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ الَّذِي شَرَعَهُ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ أَرْبَعِينَ أَرْبِعَاءَ مُتَوَالِيَاتٍ فَإِنَّهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِ بِالدُّنْيَا ، وَذَلِكَ قُبْحٌ عَظِيمٌ وَسَخَافَةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ تَسْوِيلِ اللَّعِينِ حَتَّى يُوقِعَهُمْ فِي ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي ، وَذَلِكَ أَنَّ دُخُولَ الْحَمَّامِ فِيهِ أَشْيَاءُ مُسْتَهْجَنَةٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ فِيهِ إحْدَاثًا ، وَالْحَدَثُ مَمْنُوعٌ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ عَدَّ فِيهَا طَلَبَ الرِّزْقِ بِالْمَعَاصِي وَلَا شَكَّ أَنَّ دُخُولَ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مَعْصِيَةٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ } فَلَا يُنَالُ ذَلِكَ إلَّا بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ حُصُولَ ذَلِكَ بِالْمُخَالَفَةِ نَقِيضُ الْمُرَادِ مِنْهُمْ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ
عِيد الأضحي ( فَصْلٌ ) وَمِنْ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ أَيْضًا مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَوَاسِمِ وَهُمْ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ : الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى : الْمَوَاسِمُ الشَّرْعِيَّةُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : الْمَوَاسِمُ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ : الْمَوَاسِمُ الَّتِي تَشَبَّهُوا فِيهَا بِالنَّصَارَى ؛ فَأَمَّا الْمَوَاسِمُ الشَّرْعِيَّةُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ فَأَوَّلُهَا عِيدُ الْأَضْحَى الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مَوَاسِمِ الْمُسْلِمِينَ تَرَكَ بَعْضُهُمْ فِيهِ سُنَّةَ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي سَنَّهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَرَغَّبَ فِيهَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ } وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَفْضَلَ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ } ، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هَلْ هِيَ فَرْضٌ ، أَوْ سُنَّةٌ ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ يَعْنِي وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَتْرُكُونَ الْأُضْحِيَّةَ وَيَشْتَرُونَ اللَّحْمَ وَيَطْبُخُونَ أَلْوَانَ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تَكُونُ الْأُضْحِيَّةُ الْمَشْرُوعَةُ بِبَعْضِ ثَمَنِ مَا أَنْفَقُوهُ ، أَوْ مِثْلِهِ ، أَوْ يُقَارِبُهُ حَتَّى حَرَمَهُمْ إبْلِيسُ اللَّعِينُ هَذِهِ الْبَرَكَةَ الْعُظْمَى ، وَالْخَيْرَ الشَّامِلَ بِتَسْوِيلِهِ وَتَزْيِينِهِ لَهُمْ ، ثُمَّ إنَّ مَنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ يَذْبَحُ لَيْلَةَ الْعِيدِ ، وَذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْأُضْحِيَّةَ ، أَوْ لَا ، فَإِنْ نَوَاهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَيَّنَهَا ، أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ عَيَّنَهَا أَثِمَ فِي ذَبْحِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَيَكُونُ حَرِجَةً
فِي حَقِّهِ إنْ قَدِمَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجَاهِلِ هَلْ هُوَ كَالْمُتَعَمِّدِ ، أَوْ كَالنَّاسِي ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْمُتَعَمِّدِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَدَلُهَا فِي وَقْتِهَا إذَا وَجَدَهَا وَلِلْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا وَنَوَى بِهَا الْأُضْحِيَّةَ حِينَ ذَبَحَهَا لَمْ تُجْزِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا فِي وَقْتِهَا إذَا وَجَدَهَا ، وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا الْأُضْحِيَّةَ ، فَقَدْ أَسَاءَ فِي فِعْلِهِ بِارْتِكَابِهِ الْبِدْعَةَ ، وَالْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا فِي وَقْتِهَا وَيُفْطِرَ عَلَى زِيَادَةِ الْكَبِدِ مِنْهَا .
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى الْأُضْحِيَّةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَهُوَ السَّبَبُ فِي حِرْمَانِ نَفْسِهِ مِنْ هَذَا الثَّوَابِ الْجَزِيلِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ ، ثُمَّ إنَّ مَنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ يَعْمَلُ الطَّعَامَ بِلَيْلٍ حَتَّى إذَا جَاءُوا مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجَدُوا ذَلِكَ مُتَيَسِّرًا فَأَكَلُوا هُمْ وَمَنْ يَخْتَارُونَ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَشْتَغِلُونَ بِذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَدَّمَ بَعْضُهُمْ الذَّبْحَ بِاللَّيْلِ لِأَجْلِ عَمَلِ الطَّعَامِ فَوَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ ارْتِكَابُ بِدْعَةٍ وَمُخَالَفَةٍ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الْجَلِيلَةِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُضَحِّي بِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَكْفِيه بَاعَ الثَّانِي وَاشْتَرَى بِهِ الْأُضْحِيَّةَ ، وَكَذَلِكَ فِي ثَوْبِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلَةٌ تَدَايَنَ لِيُحَصِّلَ هَذِهِ الْقُرْبَةَ الْعَظِيمَةَ ، وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ
إلَى مَكِيدَةِ إبْلِيسَ اللَّعِينِ وَمَا أَدْخَلَ مِنْ سُمِّهِ السَّمُومِ عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ بِتَسْوِيلِهِ لَهُمْ تَرْكَ هَذِهِ السُّنَّةِ الْعُظْمَى ، وَحَرَمَهُمْ جَزِيلَ ثَوَابِهَا بِمَا أَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الْعِلَلِ الْقَبِيحَةِ الشَّنِيعَةِ فَزَيَّنَ لِكُلِّ أَهْلِ إقْلِيمٍ مَا يَقْبَلُونَهُ مِنْهُ ، فَإِذَا قُلْت لِبَعْضِ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ : لِمَ لَا تُضَحِّي ؟ فَيَقُولُ : لِي مَعَارِفُ كَثِيرَةٌ وَخَرُوفٌ وَاحِدٌ لَا يَعُمُّهُمْ ، فَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ يَلُومَنِي وَلَا يَلْزَمُنِي أَكْثَرُ مِنْ خَرُوفٍ وَاحِدٍ ، وَإِذَا قُلْت لِلْفَقِيرِ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ : لِمَ تَتَكَلَّفُ الْأُضْحِيَّةَ وَهِيَ لَا تَجِبُ عَلَيْك فَيَقُولُ : قَبِيحٌ مِنْ الْجِيرَانِ ، وَالْأَهْلِ ، وَالْمَعَارِفِ أَنْ يَقُولُوا : فُلَانٌ لَمْ يُضَحِّ فَصَارَتْ هَذِهِ الْقُرْبَةُ بِالنَّظَرِ إلَى فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا مَشُوبَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْخَلْقِ وَتَحْسِينِهِمْ وَتَقْبِيحِهِمْ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْمَوْسِمِ الْعَظِيمِ كَيْفَ تَرَكُوا بَرَكَتَهُ وَانْحَازُوا عَنْهَا بِمَعْزِلٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ { مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ وَأَمَرَ بِزِيَادَةِ الْكَبِدِ فَصُنِعَ لَهُ ، ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَيْهِ } تَشَبُّهًا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتَفَاؤُلًا بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَا يَفْطُرُونَ فِيهَا عَلَى زِيَادَةِ كَبِدِ الْحُوتِ الَّذِي عَلَيْهِ قَرَارُ الْأَرَضِينَ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّفَاؤُلِ بِذَلِكَ ، إذْ أَنَّهُ عَرُوسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ يُشَرِّعُ لِأُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُنَبِّهَهُمْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْجَلِيِّ الْجَلِيلِ ، ثُمَّ إنَّ مَنْ يُضَحِّي مِنْهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي ، بَعْضُهُمْ يَبِيعُ جُلُودَ الْأُضْحِيَّةِ ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ ،
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَعَنْ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَحَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا } فَيَدْخُلُ الْمِسْكِينُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
وَكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَبِيعُهُ ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ فِي تَفْرِقَةِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ ، إذْ أَنَّهُمْ يُهْدُونَ اللَّحْمَ لِلْجَارِ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ تَتَشَوَّفُ نَفْسُهُ لِلْعِوَضِ عَنْهُ ، ثُمَّ إنَّ الْجَارَ وَغَيْرَهُ يُكَافِئُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ بِمِثْلِهِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَالْمُعْطِي ، وَالْآخِذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْظُرُ فِيمَا يُعْطِيَهُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعِوَضِ فَيَرْضَى بِهِ ، أَوْ يَسْخَطُهُ ، فَقَدْ خَرَجَ هَذَا عَنْ بَابِ الْمُهَادَاةِ بِقَصْدٍ مِنْ قَصْدِ الْعِوَضِ عَنْهُ .
وَالْأُضْحِيَّةُ لَا يُتَعَوَّضُ عَنْهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْهَدَايَا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا الْعِوَضِيَّةُ بِشَرْطِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَدِيَّةِ الْجِيرَانِ الطَّعَامُ يَتَعَوَّضُونَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ فَاعِلَ السُّنَّةِ فِيمَا ذُكِرَ قَلِيلٌ مِنْ قَلِيلٍ ، وَاعْلَمْ وَفَّقْنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ الْمَذْكُورَ فِي إهْدَاءِ اللَّحْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الذَّمِيمَةِ وَمَا شَاكَلَهَا ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ يُعْطِي لِلَّهِ تَعَالَى وَيَأْخُذُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى التَّعْوِيضِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِ فَهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، بَلْ هُوَ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَأَسْنَاهَا ، وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ فِي هَدَايَا الْجِيرَانِ وَالْأَقَارِبِ الطَّعَامَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مَكِيدَةِ إبْلِيسَ اللَّعِينِ كَيْفَ يَتَّبِعُ السُّنَنَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَيُلْقِي لِمَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ وَسْوَسَتَهُ حُجَجًا لِتَرْكِ تِلْكَ السُّنَّةِ
وَاسْتِعْمَالِ غَيْرِهَا بِمَا يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّهُ عِبَادَةٌ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُحَرَّمٌ بَيِّنٌ ، أَوْ بِدْعَةٌ بَيِّنَةٌ ، يَرَى ذَلِكَ وَيَعْلَمُهُ مَنْ لَهُ نُورٌ أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ فِي الْعِيدِ بِإِسْرَاعِ الْأَوْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَى الْأَهْلِ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِقَطْعِ تَشَوُّفِ الْأَهْلِ لِوُرُودِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَذَكَاةِ الْأُضْحِيَّةِ إنْ كَانَتْ وَاجْتِمَاعِهِمْ وَفَرَحِهِمْ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { إنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ } وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَذِكْرِ اللَّهِ مَوْضِعَ وَبِعَالٍ انْتَهَى .
يَعْنِي بِذَلِكَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَلَمَّا عَلِمَ إبْلِيسُ مَا لَهُمْ فِيهِ مِنْ النَّصِّ الصَّرِيحِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْبَرَكَةِ الشَّامِلَةِ ، وَالرَّاحَةِ الْمُعَجَّلَةِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ مَا يُلْقِيه لَهُمْ مِنْ تَرْكِ السُّنَّةِ مُجَرَّدًا ، وَمِنْ عَادَتِهِ الذَّمِيمَةِ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِتَرْكِ سُنَّةٍ حَتَّى يُعَوِّضَ لَهُمْ عَنْهَا شَيْئًا يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ أَنَّهُ قُرْبَةٌ .
عَوَّضَ لَهُمْ عَنْ سُرْعَةِ الْأَوْبَةِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْعِيدِ وَزَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ وَأَرَاهُمْ أَنَّ زِيَارَةَ الْأَقَارِبِ مِنْ الْمَوْتَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَزِيَادَةِ الْوُدِّ لَهُمْ وَأَنَّهُ مِنْ قُوَّةِ التَّفَجُّعِ عَلَيْهِمْ ، إذْ فَقَدَهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْعِيدِ ، وَفِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ الْبِدَعِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَكَيْفَ بِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ النِّسَاءُ يَلْبَسْنَ وَيَتَحَلَّيْنَ ابْتِدَاءً ، وَيَتَجَمَّلْنَ فِيهِ بِغَايَةِ الزِّينَةِ مَعَ عَدَمِ الْخُرُوجِ فَكَيْفَ بِهِنَّ فِي الْخُرُوجِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَتَرَاهُنَّ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى الْقُبُورِ مُتَكَشِّفَاتٍ قَدْ خَلَعْنَ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْهُنَّ ، فَبَدَّلَ لَهُمْ مَوْضِعَ السُّنَّةِ مُحَرَّمًا وَمَكْرُوهًا ، فَالْمَكْرُوهُ فِي كَوْنِهِ
أَخَّرَهُمْ عَنْ سُرْعَةِ الْأَوْبَةِ إلَى الْأَهْلِ ؛ لِأَنَّهَا السُّنَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْمُحَرَّمُ مَا يُشَاهِدُ الزَّائِرُ مِنْ أَحْوَالِهِنَّ فِي الْمَقَابِرِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْمُومَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَةِ كُلُّهَا لَمْ يَقْنَعْ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ بِهَا ، بَلْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا شَنِيعًا ، وَهُوَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُهُنَّ مِنْ بَنَاتِ الْعِيدِ وَفِيهِنَّ الْأَبْكَارُ ، وَالْمُرَاهِقَاتُ وَغَيْرُهُنَّ اللَّاتِي يَخْرُجْنَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَعْلُومَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ ظَاهِرَاتٍ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَمَا يَفْعَلْنَهُ مِنْ الْغِنَاءِ ، وَالدُّفُوفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي الطُّرُقِ ، وَالْأَسْوَاقِ وَدُخُولِهِنَّ الْبُيُوتَ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدْ يَفْتَتِنُ بِهِنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، وَيَسْكُتُ لَهُنَّ الْعَالِمُ وَغَيْرُهُ وَيَعِظُونَهُنَّ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
عِيدُ الْفِطْرِ ( فَصْلٌ ) ، وَالسُّنَّةُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ التَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْأَهْلِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ الْمَأْكُولِ ، إذْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَمَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ ، فَقَدْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ فِيهِ طَعَامًا مَعْلُومًا ، إذْ هُوَ مِنْ الْمُبَاحِ لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّكَلُّفِ فِيهِ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَجْعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً يُسْتَنُّ بِهَا فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً ، وَإِذَا وَصَلَ الْأَمْرُ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَفِعْلُ ذَلِكَ بِدْعَةٌ ، إذْ أَنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ يُنْسَبُ إلَى السُّنَّةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ .
وَأَمَّا مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ مِنْ شِرَاءِ الْخُشْكِنَانِ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْكَعْكِ الْمَحْشُوِّ بِالْعَجْوَةِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي بَاطِنِهِ تَبَعٌ لِظَاهِرِهِ بِخِلَافِ الْخُشْكِنَانِ وَالْبُسْنَدُودِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ تَبَعٌ لِبَاطِنِهِ فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَكْسِرَ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَيَرَى جَمِيعَ مَا فِي بَاطِنِهَا .
وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ كَسْرٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكْسِرَ وَاحِدَةً وَيُعَايِنَ جَمِيعَ مَا فِي بَاطِنِهَا ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ مِنْ الْبِدَعِ كَوْنُهُمْ يَبُخُّونَهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ .
وَالْبِدْعَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَهُمْ صِيَامٌ ، وَحَالُ فَمِ الصَّائِمِ كَمَا قَدْ عُلِمَ ، وَكَذَلِكَ فِعْلُهُمْ فِي بَخٍّ الْكَعْكِ بِالشَّيْرَجِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَهُمْ صِيَامٌ أَيْضًا ، وَحَالُ فَمِ الصَّائِمِ كَمَا قَدْ عُلِمَ فَيُعَرِّضُ الصَّائِمُ نَفْسَهُ لِلْفِطْرِ وَيَصِيرُ ذَلِكَ مُسْتَقْذَرًا ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ يَعْمَلُونَهُ وَيَبِيعُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُؤْتَمَنُونَ مِنْ أَنْ يَبُخُّونَهُ كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُونَ ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي لِوُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ
سُؤْرَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ مَكْرُوهٌ إنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ فِي أَفْوَاهِهِمْ نَجَاسَةً فِي وَقْتِ الْفِعْلِ لِذَلِكَ ، أَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يُطَهِّرْ فَمَهُ بَعْدَهَا ، فَمَا أَصَابَهُ بِرِيقِهِ مُتَنَجِّسٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ إذَا كَانَ مِنْ مُسْلِمٍ فَكَيْفَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلِاقْتِدَاءِ بِالسُّنَّةِ وَالسَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِرَازِ مِنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَأْكُولُ عَلَى سَبِيلِ السَّلَامَةِ مِمَّا ذُكِرَ لَكَانَ بَعِيدًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ ، وَالطِّبِّ : أَمَّا الشَّرْعُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ .
وَأَمَّا الطِّبُّ فَإِنَّ الصَّوْمَ يُجَفِّفُ الرُّطُوبَاتِ غَالِبًا وَيَعْصِمُ ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ الصَّوْمِ أَفْطَرُوا عَلَى الْكَعْكِ الَّذِي يَزِيدُهُمْ جَفَافًا وَإِمْسَاكًا فَيَتَضَرَّرُ الْبَدَنُ بِذَلِكَ ، فَقَدْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْأَدْوِيَةِ ، وَالْأَشْرِبَةِ ، وَالْأَطِبَّاءِ وَكَانُوا فِي غِنًى عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمْ السَّمَكَ الْمَشْقُوقَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْفَاضِلِ الَّذِي يُعْتِقُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مِنْ الرِّقَابِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلِّهِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ الْمَرْءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ إلَى كَسْبِ الْحَسَنَاتِ ، وَأَفْضَلُ ذَلِكَ كُلِّهِ اتِّقَاءُ الْمَحَارِمِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَلَا تَقْرَبُوا } .
فَاتَّخَذَ هَؤُلَاءِ فِطْرَهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ الشَّرِيفِ عَلَى شَيْءٍ مُمَكَّسٍ ، وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعِدَّ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِإِفْطَارِهِ شَيْئًا حَلَالًا مِنْ جِهَةٍ يَرْضَاهَا الشَّرْعُ لَعَلَّهُ يَلْحَقُ بِالْقَوْمِ .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْعَوَائِدِ الذَّمِيمَةِ فِي كَوْنِهِمْ يَتَّبِعُونَ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَهُمْ فِيهَا حَظُّ نَفْسٍ وَمُبَاهَاةٌ
وَشَهْوَةٌ خَسِيسَةٌ فَانِيَةٌ يَحْرِصُونَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعًا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَوَلَدٍ وَعَبْدٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ وَيَسْتَعِدُّونَ لِذَلِكَ عَلَى زَعْمِهِمْ ، وَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ شَرْعًا ، وَاَلَّذِي لَهُمْ فِيهِ الثَّوَابُ الْجَسِيمُ وَالْخَيْرُ الْعَمِيمُ يَتَسَاكَتُونَ عَنْهُ وَيُهْمِلُونَ أَمْرَهُ ، وَلَمْ يُطَالِبْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا هَذَا الْغَالِبُ مِنْهُمْ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ هُوَ مَا شَرَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ فِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْيَوْمَ إخْرَاجُهُ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ ، إذْ أَنَّهُ قُوتُ جَمِيعِهِمْ فَفَعَلَ أَكْثَرُهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بَعْضُهُمْ فِي يَوْمِ الْأُضْحِيَّةِ فِي كَوْنِهِمْ يَتْرُكُونَهَا لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا وَيُنْفِقُونَ أَضْعَافَ ثَمَنِهَا ، أَوْ مِثْلَهُ فَعَوَّضُوا مَكَانَ السُّنَنِ الْمَطْهَرَةِ عَوَائِدَهُمْ الرَّدِيئَةَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَفِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مِنْ الْبِدَعِ سَهَرُ بَعْضِ النَّاسِ فِيهِمَا ، أَوْ فِي بَعْضِهِمَا لَا لِعِبَادَةٍ ، بَلْ لِلشُّغْلِ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا وَمَا شَاكَلَهَا وَإِضَاعَةِ الْمَالِ بِصَقْلِ الْقُمَاشِ الَّذِي يُفْضِي إلَى تَقْطِيعِهِ وَتَرْكِ إحْيَاءِ اللَّيْلَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ بِعِبَادَةِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَنْدُوبِ إلَى إحْيَائِهِمَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى مَا فِيهِ مِنْ بَنَاتِ الْعِيدِ ، وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَتَأْخِيرِ الرُّجُوعِ إلَى الْبُيُوتِ وَتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ بِتِلْكَ الْمَقَاصِدِ الذَّمِيمَةِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا ، فَتَفْرِقَةُ الْكَعْكِ هَاهُنَا مُقَابِلَةٌ لِتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ فِي الْأَضْحَى
يَوْمُ عَاشُورَاءَ الْمَوْسِمُ الثَّالِثُ مِنْ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَالتَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْأَهْلِ ، وَالْأَقَارِبِ ، وَالْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينِ وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ ، وَالصَّدَقَةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا بِحَيْثُ لَا يُجْهَلُ ذَلِكَ لَكِنْ بِشَرْطٍ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ عَدَمِ التَّكَلُّفِ ، وَمِنْ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ذَلِكَ سُنَّةً يُسْتَنُّ بِهَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَيُكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ سِيَّمَا إذَا كَانَ هَذَا الْفَاعِلُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ ؛ لِأَنَّ تَبْيِينَ السُّنَنِ وَإِشَاعَتَهَا وَشُهْرَتَهَا أَفْضَلُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَضَى فِيهِ طَعَامٌ مَعْلُومٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتْرُكُونَ النَّفَقَةَ فِيهِ قَصْدًا لِيُنَبِّهُوا عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ أَنَّ عَاشُورَاءَ يَخْتَصُّ بِذَبْحِ الدَّجَاجِ وَغَيْرِهَا ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَكَأَنَّهُ مَا قَامَ بِحَقِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَكَذَلِكَ طَبْخُهُمْ فِيهِ الْحُبُوبَ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتَعَرَّضُونَ فِي هَذِهِ الْمَوَاسِمِ وَلَا يَعْرِفُونَ تَعْظِيمَهَا إلَّا بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالصَّدَقَةِ ، وَالْخَيْرِ وَاغْتِنَامِ فَضِيلَتِهَا لَا بِالْمَأْكُولِ بَلْ كَانُوا يُبَادِرُونَ إلَى زِيَادَةِ الصَّدَقَةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْيَوْمَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مَعْدُومَةٌ ، أَوْ قَلِيلَةٌ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَصَدَّقُ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهَا الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ بِدْعَةً ، أَوْ مُحَرَّمًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ الزَّكَاةُ مَثَلًا فِي شَهْرِ صَفَرٍ ، أَوْ رَبِيعٍ ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ فَيُؤَخِّرُونَ إعْطَاءَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ إلَى يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَفِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِمَالِ الصَّدَقَةِ مَا
فِيهِ ، فَقَدْ يَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ ، أَوْ يُفْلِسُ فَيَبْقَى ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَأَقْبَحُ مَا فِيهِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ شَهِدَ فِيهِ بِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ } .
وَفِيهِ بِدْعَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حَدَّ لِلزَّكَاةِ حَوْلًا كَامِلًا وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، وَفِي فِعْلِهِمْ الْمَذْكُورِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَوْلِ بِحَسَبِ مَا جَاءَهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَدْ يَكُونُ كَثِيرًا ، وَقَدْ يَكُونُ قَلِيلًا ، وَعِنْدَ بَعْضِ مَنْ ذُكِرَ نَقِيضُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ قَبْلَ وَقْتِهَا لِأَجْلِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَرْضًا مِنْهُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِيه كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ قَبْلَ وَقْتِهَا ، وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيه عِنْدَ الْجَمِيعِ ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُجْزِيه بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ دَافِعُ الزَّكَاةِ وَآخِذُهَا بَاقِيَيْنِ عَلَى وَصْفَيْهِمَا مِنْ الْحَيَاةِ ، وَالْجِدَةِ ، وَالْفَقْرِ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُ ذَلِكَ الْمَالِ الْمُزَكَّى عَنْهُ ، وَفِي هَذَا مِنْ التَّغْرِيرِ بِمَالِ الصَّدَقَةِ كَالْأَوَّلِ .
وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ فِيهِ مِنْ الْبِدَعِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ ، وَنَفْسُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَعْلُومِ بِدْعَةٌ مُطْلَقًا لِلرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ ، ثُمَّ يَنْضَمُّ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ خُرُوجِ النِّسَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ اخْتِصَاصِ النِّسَاءِ بِدُخُولِهِنَّ الْجَامِعَ الْعَتِيقَ بِمِصْرَ وَهُنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ الْخَسِيسَةِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ التَّحَلِّي ، وَالزِّينَةِ الْحَسَنَةِ ، وَالتَّبَرُّجِ لِلرِّجَالِ وَكَشْفِ بَعْضِ أَبْدَانِهِنَّ وَيُقِمْنَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الزَّوَالِ لَا يُشَارِكُهُنَّ فِيهِ الرِّجَالُ وَيَتَمَسَّحْنَ فِيهِ بِالْمَصَاحِفِ وَبِالْمِنْبَرِ ، وَالْجُدَرَانِ وَتَحْتَ اللَّوْحِ
الْأَخْضَرِ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ كَانَ السَّبَبُ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ
( فَصْلٌ ) وَمِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْحِنَّاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا مِنْهُنَّ فَكَأَنَّهَا مَا قَامَتْ بِحَقِّ عَاشُورَاءَ ، وَمِنْ الْبِدَعِ أَيْضًا مَحْرُهُنَّ فِيهِ الْكَتَّانَ وَتَسْرِيحُهُ وَغَزْلُهُ وَتَبْيِيضُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ وَيَشِلْنَهُ لِيَخِطْنَ بِهِ الْكَفَنَ ، وَيَزْعُمْنَ أَنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا لَا يَأْتِيَانِ مَنْ كَفَنُهَا مِخْيَطٌ بِذَلِكَ الْغَزْلِ ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الِافْتِرَاءِ ، وَالتَّحَكُّمِ فِي دِينِ اللَّهِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ فَكَيْفَ بِمَنْ رَآهُ ، وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ فِيهِ مِنْ الْبِدَعِ الْبَخُورُ .
فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِهِ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَتَبَخَّرْ بِهِ فَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا وَكَوْنُهُ سُنَّةً عِنْدَهُنَّ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا ، وَادِّخَارِهِنَّ لَهُ طُولَ السَّنَةِ يَتَبَرَّكْنَ بِهِ وَيَتَبَخَّرْنَ إلَى أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُهُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ الثَّانِي ، وَيَزْعُمْنَ أَنَّهُ إذَا بُخِّرَ بِهِ الْمَسْجُونَ خَرَجَ مِنْ سِجْنِهِ وَأَنَّهُ يُبْرِئُ مِنْ الْعَيْنِ ، وَالنَّظْرَةِ ، وَالْمُصَابِ ، وَالْمَوْعُوكِ ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطِرٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِلٌ فَعَلْنَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِنَّ فَهَذِهِ الْمَوَاسِمُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الْمَوَاسِمُ الشَّرْعِيَّةُ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَمْ مِنْ بِدْعَةٍ أَحْدَثُوا فِي ذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : الْمَوَاسِمُ الَّتِي نَسَبُوهَا إلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ فَمِنْهَا أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ فَيَتَكَلَّفُونَ فِيهِ النَّفَقَاتِ ، وَالْحَلَاوَاتِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ صَوَّرَ صُورَةً ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا } .
فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الصُّوَرِ الَّتِي لَهَا رُوحٌ وَدَلِيلٌ عَلَى عَذَابِ مَنْ صَوَّرَهَا ، فَمَنْ اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ فَهُوَ مُعِينٌ لَهُمْ عَلَى تَصْوِيرِهَا ، وَمَنْ أَعَانَهُمْ كَانَ شَرِيكًا لَهُمْ فِيمَا تَوَاعَدُوا بِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ الْحَلَاوَةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِصُورَةٍ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ بَيْعِ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ وَقَفَ يَنْظُرُ إلَيْهَا ، أَوْ تُعْجِبُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ فَكُلُّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ ، وَكَثِيرٌ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِمَّنْ يَعْلَمُ الْمَسْأَلَةَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّغْيِيرِ وَيُسْمَعُ كَلَامُهُ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ بَلْ يَقِفُ بَعْضُهُمْ وَيَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا رَأَى ، وَمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ الْعُدُولِ وَلَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارٌ ، فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ نَظَرٌ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ هَؤُلَاءِ حَتَّى تَقَعَ مِنْهُمْ التَّوْبَةُ بِشُرُوطِهَا ، وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ أُجْرَةً عَلَى الشَّهَادَةِ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِمَا ذَكَرَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ أَخَذَ حَرَامًا وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي بُكَاءِ وَلَدِهِ ، أَوْ سَخَطِ زَوْجَتِهِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْأَعْذَارَ الشَّرْعِيَّةَ مَعْرُوفَةٌ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَلَاوَةُ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَى الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ شَرْعًا الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَنْعِ ،
وَمَا مُنِعَ فِعْلُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ فَلَوْ كَسَّرَهَا وَبَاعَهَا مَكْسُورَةً لَجَازَ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لَكِنْ يُكْرَهُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ أَنْ يَشْتَرُوهَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ صِفَةً فِعْلُهَا مُحَرَّمٌ وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِ فَاعِلِهَا عَلَى الصِّفَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَهُوَ آثِمٌ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ التَّصْوِيرِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ التَّوْبَةَ بِشُرُوطِهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَكَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا مِنْ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِهَذَا الْمَوْسِمِ عَلَى زَعْمِهِمْ ، ثُمَّ زَادُوا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ فِيهِ إلَى مُهَادَاةِ الْأَقَارِبِ وَالْأَصْهَارِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ الْمُصَاهَرَةُ جَدِيدَةً ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِالزَّوْجَةِ بَعْدُ فَلَا بُدَّ مِنْ خِرْقَةٍ عَلَى صِينِيَّةٍ مَعَ أَطْبَاقِ الْحَلَاوَاتِ وَغَيْرِهَا كَمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِمْ .
وَالْغَالِبُ مِنْ النِّسْوَةِ أَنَّهُنَّ يُكَلِّفْنَ أَزْوَاجَهُنَّ بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَرُبَّمَا يَئُولُ أَمْرُهُمْ إنْ قَصَّرَ فِي التَّوْسِعَةِ إلَى الْفِرَاقِ ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَمَا شَاكَلَهُ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { أَنَا وَأُمَّتِي بُرَآءُ مِنْ التَّكَلُّفِ } فَمَنْ تَكَلَّفَ ، أَوْ كَلَّفَ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الدُّخُولِ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
وَالتَّكَلُّفُ مَذْمُومٌ فِي الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالْعِبَادَاتِ الْعَمَلِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فَكَيْفَ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْسِمٍ شَرْعِيٍّ وَلَا عُرْفِيٍّ ، بَلْ مُحْدَثٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَا كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا الشَّهْرَ أَعْنِي شَهْرَ رَجَبٍ وَيَحْتَرِمُونَهُ إلَّا بِزِيَادَةِ الْعِبَادَةِ فِيهِ ، وَالتَّشْمِيرِ لِأَدَاءِ حُقُوقِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِقَامَةِ حُرْمَتِهِ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَأَوَّلَ شُهُورِ الْبَرَكَةِ
وَافْتِتَاحِ تَزْكِيَةِ الْأَعْمَالِ لَا بِالْأَكْلِ وَالرَّقْصِ وَلَا بِالْمُفَاخَرَةِ بِالطَّعَامِ وَالْهَدَايَا .
وَمِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ : أَنَّ أَوَّلَ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْهُ يُصَلُّونَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْجَوَامِعِ ، وَالْمَسَاجِدِ صَلَاةَ الرَّغَائِبِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي بَعْضِ جَوَامِعِ الْأَمْصَارِ وَمَسَاجِدِهَا وَيَفْعَلُونَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ وَيُظْهِرُونَهَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ بِإِمَامٍ وَجَمَاعَةٍ كَأَنَّهَا صَلَاةٌ مَشْرُوعَةٌ ، وَانْضَمَّ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ مَفَاسِدُ مُحَرَّمَةٌ ، وَهِيَ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ فِي اللَّيْلِ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مَا لَا يَنْبَغِي مَعَ زِيَادَةِ وَقُودِ الْقَنَادِيلِ وَغَيْرِهَا .
وَفِي زِيَادَةِ وَقُودِهَا إضَاعَةُ الْمَالِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الزَّيْتُ مِنْ الْوَقْفِ فَيَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً فِي حَقِّ النَّاظِرِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْوَاقِفُ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَإِنْ ذَكَرَهُ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا .
وَزِيَادَةُ الْوُقُودِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ سَبَبٌ لِاجْتِمَاعِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ عَالِمًا بِذَلِكَ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ ، وَأَمَّا إنْ حَضَرَ لِيُغَيِّرَ وَهُوَ قَادِرٌ بِشَرْطِهِ فَيَا حَبَّذَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَقْبِيحَ اجْتِمَاعِهِمْ وَفِعْلِهِمْ صَلَاةَ الرَّغَائِبِ فِي جَمَاعَةٍ ، وَأَعْظَمَ النَّكِيرَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ : إنَّهَا بِدْعَةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ حَدَثَتْ فِي زَمَانِهِ وَأَوَّلُ مَا حَدَثَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَحْدَثَهَا فُلَانٌ سَمَّاهُ فَالْتَمَسَهُ هُنَاكَ هَذَا قَوْلُهُ فِيهَا ، وَهِيَ عَلَى دُونِ مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّدْبِ إلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْإِحْيَاءِ لَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا
وَقَعَ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَإِظْهَارِهَا فِي الْجَمَاعَاتِ ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يَفْعَلُهَا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَيُصَلِّيهَا سِرًّا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ فَلَهُ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا سُنَّةً دَائِمَةً لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ بِالسَّنَدِ الضَّعِيفِ قَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا : إنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا وَلِكِنِّهَا لَا تُفْعَلُ عَلَى الدَّوَامِ فَإِنَّهُ إذَا عَمِلَ بِهَا ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ ، فَإِنْ يَكُنْ الْحَدِيثُ صَحِيحًا ، فَقَدْ امْتَثَلَ الْأَمْرَ بِهِ ، وَإِنْ يَكُنْ الْحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ مَطْعَنٌ يَقْدَحُ فِيهِ فَلَا يَضُرُّهُ مَا فَعَلَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ خَيْرًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ شَعِيرَةً ظَاهِرَةً مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ كَقِيَامِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى صِفَةِ الْجَمْعِ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي أَشْكَلَ عَلَيْنَا صِحَّتُهُ ، وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِنَّ صَلَاةَ الرَّغَائِبِ مَكْرُوهٌ فِعْلُهَا ، وَذَلِكَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِهِ ؛ لِأَنَّ تَكْرِيرَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ يَمْنَعُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَمِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا فِيهِ أَعْنِي فِي شَهْرِ رَجَبٍ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ الَّتِي هِيَ لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ الَّتِي شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ بِمَا شَرَعَ لَهُمْ فِيهَا بِفَضْلِهِ الْعَمِيمِ وَإِحْسَانِهِ الْجَسِيمِ ، وَكَانَتْ عِنْدَ السَّلَفِ يُعَظِّمُونَهَا إكْرَامًا لِنَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَادَتِهِمْ الْكَرِيمَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْعِبَادَةِ فِيهَا وَإِطَالَةِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالتَّضَرُّعِ ، وَالْبُكَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عُلِمَ مِنْ عَوَائِدِهِمْ الْجَمِيلَةِ فِي تَعْظِيمِ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِامْتِثَالِهِمْ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ يَقُولُ : تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللَّهِ ، وَهَذِهِ اللَّيْلَةُ الْمُبَارَكَةُ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَحَاتِ وَكَيْفَ لَا ، وَقَدْ جُعِلَتْ فِيهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِخَمْسِينَ إلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَهَذَا هُوَ الْفَضْلُ الْعَظِيمُ مِنْ غَنِيٍّ كَرِيمٍ ، فَكَانُوا إذَا جَاءَتْ يُقَابِلُونَهَا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ شُكْرًا مِنْهُمْ لِمَوْلَاهُمْ عَلَى مَا مَنْحَهُمْ وَأَوْلَاهُمْ نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ آمِينَ ، فَجَاءَ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ فَقَابَلُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ الشَّرِيفَةَ بِنَقِيضِ مَا كَانَ السَّلَفُ يُقَابِلُونَهَا بِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا فِيهَا مِنْ الْبِدَعِ أَشْيَاءَ ، فَمِنْهَا إتْيَانُهُمْ الْمَسْجِدَ الْأَعْظَمَ وَاجْتِمَاعُهُمْ فِيهِ ، وَمِنْهَا زِيَادَةُ وَقُودِ الْقَنَادِيلِ فِيهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ لِمَا وَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ ، وَمِنْهَا مَا يَفْرِشُونَهُ مِنْ الْبُسُطِ ، وَالسَّجَّادَاتِ وَغَيْرِهِمَا ، وَمِنْهَا أَطْبَاقُ النُّحَاسِ فِيهَا الْكِيزَانُ ، وَالْأَبَارِيقُ وَغَيْرِهِمَا كَأَنَّ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى بَيْتُهُمْ ، وَالْجَامِعُ إنَّمَا جُعِلَ لِلْعِبَادَةِ لَا لِلْفِرَاشِ ، وَالرُّقَادِ ، وَالْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ .
فَإِنْ احْتَجَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ } وَبِفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مُلَازَمَتِهِ الْمَسْجِدَ وَمَبِيتِهِ فِيهِ حَتَّى إنَّهُ كَانَ يُسَمَّى حَمَامَةَ الْمَسْجِدِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْتِزَامَهُمْ الْمَسْجِدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَبِيتَهُمْ فِيهِ لِمَعْنًى بَيِّنٍ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهُمْ بَرَاحٌ مِنْهُ لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا فَكَيْفِيَّةُ الْتِزَامِهِمْ مَعْلُومَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ ، إذْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَزَالُونَ فِي أَحْوَالٍ سَنِيَّةٍ إمَّا صَلَاةٍ ، أَوْ ذِكْرٍ ، أَوْ تِلَاوَةٍ ، أَوْ فِكْرٍ كُلُّ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ، وَإِنْ غَلَبَ النَّوْمُ عَلَى أَحَدِهِمْ أَعْطَى الرَّاحَةَ لِنَفْسِهِ بِأَنْ يَجْلِسَ مُحْتَبِيًا قَلِيلًا ، ثُمَّ يَنْهَضُ لِمَا كَانَ بِسَبِيلِهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُمْ لَيْسُوا كَمِثْلِهِمْ أَنَّهُ جَاءَ إلَيْهِ زَائِرٌ يَزُورُهُ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ حَالُهُ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ : إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ أُحَدِّثُهُ فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ قَامَ يَتَنَفَّلُ فَخَافَ الزَّائِرُ أَنْ يَقْطَعَ عَلَيْهِ تَنَفُّلَهُ ، فَقَعَدَ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ ، فَقَالَ الزَّائِرُ : إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ أُكَلِّمُهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَقْبَلَ عَلَى الذِّكْرِ ، وَالتِّلَاوَةِ فَخَافَ أَنْ يَقْطَعَ عَلَيْهِ وِرْدَهُ فَقَعَدَ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ، فَقَالَ : إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أُكَلِّمُهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَامَ يَتَنَفَّلُ كَذَلِكَ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُكَلِّمَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، فَقَامَ يَتَنَفَّلُ ، فَقَعَدَ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَقَعَدَ يَنْتَظِرُهُ إلَى أَنْ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَقْبَلَ
عَلَى الذِّكْرِ ، وَالتِّلَاوَةِ إلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَامَ يَتَنَفَّلُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ ، وَالزَّائِرُ يَنْتَظِرُهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُكَلِّمَهُ فَخَفَقَتْ رَأْسُ هَذَا السَّيِّدِ فَاسْتَفَاقَ عِنْدَ خَفَقَانِ رَأْسِهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ وَيَقُولُ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَيْنٍ لَا تَشْبَعُ مِنْ النَّوْمِ فَقَالَ الزَّائِرُ فِي نَفْسِهِ : يَحْرُمُ عَلَيَّ أَنْ أُكَلِّمَ مَنْ هَذَا حَالُهُ .
فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَمَضَى فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ كَيْفَ صَارَ حَالُ هَذَا ، وَهُوَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ دَرَجَةِ مَنْ ذَكَرَ حَالَهُمْ فَجَعَلَ السِّنَةَ الَّتِي لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ ذَنْبًا يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ فَمَا بَالُك بِالسَّادَةِ الْكِرَامِ فَكَيْفَ يَحِلُّ الِاسْتِدْلَال بِهِمْ عَلَى اللَّهْوِ ، وَاللَّعِبِ وَارْتِكَابِ الْبِدَعِ وَاتِّبَاعِ أَهْوَاءِ النَّفْسِ وَتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ الْيَوْمَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ ، وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِمَنْ يَظُنُّ فِيهِ ، أَوْ يَتَوَهَّمُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ يَشْتَرِيَ : مَا تَفْعَلُ وَمَا تُرِيدُ ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَوَهَّمَهُ يَقُولُ لَهُ عَلَيْك بِسُوقِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَمِنْهَا السَّقَّاءُونَ وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ جُمْلَةٌ فَمِنْهَا الْبَيْعُ ، وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ جَوَازُ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ وَهِيَ أَنْ تُعْطِيَهُ وَيُعْطِيَك مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْبَيْعِ يَكُونُ بَيْنَكُمَا ، وَقَدْ مُنِعَ فِي الْمَسْجِدِ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ لَفْظُ الْبَيْعِ ، وَالشِّرَاءِ ، وَلَوْ شِرَاءً مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ مِنْ الْعِبَادَةِ فَقَطْ ، وَيَلْحَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ مَنْ سَبَّلَ شَيْئًا مِنْ الْمَاءِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ دَخَلَ لِيَسْقِيَ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ لَجَازَ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ : أَحَدُهَا : أَنْ لَا يَضْرِبَ بِالنَّاقُوسِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا غَيْرِهِ ، وَمَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْجَبُ .
الثَّانِي : أَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ : الْمَاءُ لِلسَّبِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ .
الثَّالِثُ : أَنْ لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ .
الرَّابِعُ : أَنْ لَا يُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ بِقَدَمِهِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ حُفَاةً وَيَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ وَأَقْدَامُهُمْ مُتَنَجِّسَةٌ .
الْخَامِسُ : إنْ كَانَ لَهُ نَعْلٌ فَلَا يَجْعَلُهُ تَحْتَ إبْطِهِ ، أَوْ خَلْفَ ظَهْرِهِ دُونَ شَيْءٍ يُكِنُّهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَذًى وَقَعَ فِي الْمَسْجِدِ وَلِذَلِكَ لَا يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ لَهُ لِمَا ذُكِرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَيْنَ يَضَعُ نَعْلَهُ حِينَ صَلَاتِهِ ، وَلَوْ تَحَفَّظَ النَّاسُ الْيَوْمَ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يَتَحَفَّظُونَ لَمَا احْتَاجُوا إلَى بِدْعَةِ السَّجَّادَةِ ، وَالْحُصُرِ .
وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الْبُسُطِ وَغَيْرِهَا ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي السَّقَّاءِ فَلَيْسَ بِخَاصٍّ بِهَذِهِ اللَّيْلَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي بَلْ الْمَنْعُ عَامٌّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَحَيْثُ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ
الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَقَعَ الْمَنْعُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ، وَمِنْهَا اجْتِمَاعُهُمْ حَلَقَاتٍ كُلُّ حَلْقَةٍ لَهَا كَبِيرٌ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي الذِّكْرِ ، وَالْقِرَاءَةِ وَلَيْتَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ ذِكْرًا ، أَوْ قِرَاءَةً لَكِنَّهُمْ يَلْعَبُونَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَالذَّاكِرُ مِنْهُمْ فِي الْغَالِبِ لَا يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، بَلْ يَقُولُ : لَا يِلَاهَ يِلَّلَّهُ فَيَجْعَلُونَ عِوَضَ الْهَمْزَةِ يَاءً وَهِيَ أَلِفُ قَطْعٍ جَعَلُوهَا وَصَلًا ، وَإِذَا قَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ يَمُطُّونَهَا وَيُرْجِعُونَهَا حَتَّى لَا تَكَادُ تُفْهَمُ ، وَالْقَارِئُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَزِيدُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَيُنْقِصُ مِنْهُ مَا هُوَ فِيهِ بِحَسَبِ تِلْكَ النَّغَمَاتِ ، وَالتَّرْجِيعَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْغِنَاءَ ، وَالْهُنُوكَ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ الذَّمِيمَةِ ، ثُمَّ فِيهَا مِنْ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ أَنَّ الْقَارِئَ يَبْتَدِئُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَالْآخَرُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ ، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِدَهُ فَيُسْكِتُونَ الْقَارِئَ ، أَوْ يَهُمُّونَ بِذَلِكَ ، أَوْ يَتْرُكُونَ هَذَا فِي شِعْرِهِ ، وَهَذَا فِي قِرَاءَتِهِ لِأَجْلِ تَشَوُّقِ بَعْضِهِمْ لِسَمَاعِ الشَّعْرِ وَتِلْكَ النَّغَمَاتِ الْمَوْضُوعَةِ أَكْثَرَ ، فَهَذِهِ الْأَحْوَالُ مِنْ اللَّعِبِ فِي الدِّينِ أَنْ لَوْ كَانَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ مُنِعَتْ فَكَيْفَ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ سِيَّمَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اجْتِمَاعَ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ فِي الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ مُخْتَلَطِينَ بِاللَّيْلِ ، وَخُرُوجَ النِّسَاءِ مِنْ بُيُوتِهِنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ الزِّينَةِ ، وَالْكِسْوَةِ ، وَالتَّحَلِّي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ ، وَمِنْهَا أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي مُؤَخَّرِ الْجَامِعِ وَبَعْضُ النِّسَاءِ يَسْتَحْيِنِ أَنْ يَخْرُجْنَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِنَّ فَيَدُورُ عَلَيْهِنَّ
إنْسَانٌ بِوِعَاءِ فَيَبُلْنَ فِيهِ وَيُعْطِينَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا ، أَوْ يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ يَعُودُ كَذَلِكَ مِرَارًا ، وَالْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ فِي وِعَاءٍ حَرَامٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ ، وَالشَّنَاعَةِ وَبَعْضُهُمْ يَخْرُجَ إلَى سِكَكِ الطُّرُقِ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِيهَا ، ثُمَّ يَأْتِي النَّاسُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَيَمْشُونَ إلَى الْجَامِعِ فَتُصِيبُ أَقْدَامَهُمْ النَّجَاسَةُ ، أَوْ نِعَالَهُمْ وَيَدْخُلُونَ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ فَيُلَوِّثُونَهُ .
وَدُخُولُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ فِيهَا مَا فِيهَا مِنْ عَظِيمِ الْإِثْمِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهَا خَطِيئَةٌ هَذَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ بِاتِّفَاقٍ فَكَيْفَ بِالنَّجَاسَةِ الْمَجْمَعِ عَلَيْهَا ، وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَحْكِي أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا يَوْمًا مَعَ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الزَّوَاوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ مِنْ جُلَّةِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالْأَكَابِرِ فِي الْعِلْمِ ، وَالدِّينِ وَهُوَ شَيْخُ الشَّيْخَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْقَرَوِيَّيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ شَيْخُهُمَا الْمَذْكُورُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ شُبَّاكٌ فِيهِ عَلَى الطَّرِيقِ فَتَنَخَّمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الزَّوَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَرَكَ النُّخَامَةَ فِي فِيهِ وَلَمْ يُلْقِهَا حَتَّى قَامَ وَمَشَى خُطْوَتَيْنِ وَأَخْرَجَ فَمَهْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَحِينَئِذٍ أَلْقَاهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ .
قَالَ : فَقُلْت لَهُ : لِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ وَأَنْتَ جَالِسٌ بِمَوْضِعِك ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ إلَّا خَارِجَ الْمَسْجِدِ .
فَقَالَ لِي : إنَّ النُّخَامَةَ إذَا خَرَجَتْ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ الْبُصَاقِ ، وَلَوْ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ ، أَوْ دُونَهُ فَيَسْقُطُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَذَلِكَ بُصَاقٌ فِي الْمَسْجِدِ ، وَذَلِكَ خَطِيئَةٌ فَقُمْت ؛ لَأَنْ أَسْلَمَ مِنْ تِلْكَ الْخَطِيئَةِ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى احْتِرَازِ هَذَا الْعَالِمِ الْجَلِيلِ فِيمَا فَعَلَ
فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى انْعِكَاسِ الْأُمُورِ وَانْقِلَابِ الْحَقَائِقِ إلَى ضِدِّهَا فَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ مَا أَحْدَثُوهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى نُورًا وَبَصِيرَةً رَأَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَعْنِي فِي الْخَيْرِ وَضِدِّهِ
لَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ ( فَصْلٌ ) ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى ذِكْرِ مَوْسِمِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى زَعْمِهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهُ مَوْسِمًا وَلَيْسَ بِمَوْسِمٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَوَاسِمَ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ الْعِيدَانِ وَعَاشُورَاءُ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هَلْ هِيَ هَذِهِ اللَّيْلَةُ ، أَوْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ .
الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلَهَا فَضْلٌ عَظِيمٌ وَخَيْرٌ جَسِيمٌ وَكَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُعَظِّمُونَهَا وَيُشَمِّرُونَ لَهَا قَبْلَ إتْيَانِهَا فَمَا تَأْتِيهِمْ إلَّا وَهُمْ مُتَأَهِّبُونَ لِلِقَائِهَا ، وَالْقِيَامُ بِحُرْمَتِهَا عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ احْتِرَامِهِمْ لِلشَّعَائِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هَذَا هُوَ التَّعْظِيمُ الشَّرْعِيُّ لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ ، ثُمَّ جَاءَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ فَعَكَسُوا الْحَالَ كَمَا جَرَى مِنْهُمْ فِي غَيْرِهَا فَمَا ثَمَّ مَوْضِعٌ مُبَارَكٌ ، أَوْ زَمَنٌ فَاضِلٌ حَضَّ الشَّرْعُ عَلَى اغْتِنَامِ بَرَكَتِهِ ، وَالتَّعَرُّضِ لِنَفَحَاتِ الْمَوْلَى سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى فِيهِ إلَّا وَتَجِدُ الشَّيْطَانَ قَدْ ضَرَبَ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ وَجَمِيعِ مَكَايِدِهِ لِمَنْ يُصْغِي إلَيْهِ ، أَوْ يَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى يَحْرِمَهُمْ جَزِيلَ مَا فِيهِ مِنْ الثَّوَابِ وَيُفَوِّتَهُمْ مَا وُعِدُوا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ الْعَمِيمِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ .
ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ مِنْهُمْ بِسَبَبِ تَمَرُّدِهِ وَشَيْطَنَتِهِ وَإِغْوَائِهِ بِمَا نَالَ مِنْهُمْ فِي كَوْنِهِمْ سَمِعُوا مِنْهُ وَنَالَ مِنْهُمْ بِأَنْ حَرَمَهُمْ مَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ حَتَّى أَبْدَلَ لَهُمْ مَوْضِعَ الْعِبَادَةِ وَالْخَيْرِ ضِدَّ ذَلِكَ مِنْ إحْدَاثِ الْبِدَعِ وَشَهَوَاتِ النُّفُوسِ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ ، وَالْحَلَاوَاتِ
الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَالْوَعِيدِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حِكَايَةً عَنْ اللَّعِينِ إبْلِيسَ بِقَوْلِهِ { لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيَدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَجِدُ اللَّعِينَ لَا يَجِدُ مَوْضِعًا فِيهِ امْتِثَالُ سُنَّةٍ إلَّا وَيَعْمَلُ عَلَى تَبْدِيلِهَا بِمَا يُنَاقِضُهَا حَتَّى صَارَ مَا أَبْدَلَهُ سُنَّةً لَهُمْ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً } .
وَهَذَا الْحَدِيثُ بَيِّنٌ وَاضِحٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْرِ ، وَالنَّهْيِ ، وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أَوْ يُشِيرُ بِهِ إنَّمَا هُوَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَارَةً يُؤَكِّدُ ذَلِكَ فَيُوجِبُهُ وَتَارَةً يُخَفِّفُ عَنْ الْعِبَادِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سُنَّةً ، فَإِذَا سَمِعْت بِالسُّنَّةِ فَهِيَ عَادَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَرِيقَتُهُ ، ثُمَّ بِهَذِهِ السُّنَّةِ أَعْنِي فِي اتِّخَاذِ السُّنَّةِ عَادَةً فَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ ، أَوْ طَرِيقَةٌ فَتِلْكَ سُنَّتُهُ فَلَمَّا أَنْ اعْتَادَ النَّاسُ عَوَائِدَ وَمَضَتْ الْأَعْوَامُ عَلَيْهَا كَانَتْ سُنَّتَهُمْ .
فَإِذَا جَاءَ الْإِنْسَانُ يَتْرُكُ عَادَتَهُمْ قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً ، فَإِذَا جَاءَ يَفْعَلُ سُنَّةً أَعْنِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا فَعَلَ بِدْعَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّهُ خَالَفَ عَادَتَهُمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا جَرَى بَعْدَ انْقِطَاعِ الثَّلَاثَةِ قُرُونٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِمْ خَيْرَ الْقُرُونِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُذَيْفَةَ { كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا تَرَكَ سُنَّةً } انْتَهَى .
هَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ هُوَ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ ، إذْ أَنَّ أَكْثَرَ الْبِدَعِ الْمُسْتَهْجَنَةِ مَا حَدَثَتْ إلَّا بَعْدَهُمْ ، وَفِي كُلِّ عَامٍ تَزِيدُ الْبِدَعُ وَتَنْقُصُ السُّنَنُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ عَامٌ إلَّا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ خَيْرٌ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ مَا أَرَاهُ مُنْذُ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّ عَامَنَا هَذَا أَخْصَبُ وَأَرْخَصُ سِعْرًا مِنْ الْعَامِ الْمَاضِي فَقَالَ : فَأَيُّهُمَا أَكْثَرُ فِقْهًا وَقِرَاءَةً وَأَحْدَثُ عَهْدًا بِالنُّبُوَّةِ فَقَالَ الَّذِي مَضَى فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْت وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي } .
وَهَا هُوَ ذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى إلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ كَانَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ يَقُولُ : لَا تَسْأَلُوهُمْ الْيَوْمَ عَمَّا أَحْدَثُوا فَإِنَّهُمْ قَدْ أَعَدُّوا لَهُ جَوَابًا وَلَكِنْ سَلُوهُمْ عَنْ السُّنَنِ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهَا وَكَانَ الشَّعْبِيُّ إذَا نَظَرَ إلَى مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ الرَّأْي ، وَالْهَوَى يَقُولُ : لَقَدْ كَانَ الْقُعُودُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا يَعْدِلُ بِهِ فَمُذْ صَارَ فِيهِ هَؤُلَاءِ الْمُرَاءُونَ ، فَقَدْ بَغَّضُوا إلَيَّ الْجُلُوسَ فِيهِ وَلَأَنْ أَقْعُدَ عَلَى مَزْبَلَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ
مِنْ أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُجَادِلَ عَنْ السُّنَّةِ وَلَكِنَّك تُخْبِرُ بِهَا ، فَإِنْ قُبِلَ مِنْك وَإِلَّا فَاسْكُتْ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ ، فَقَدْ صَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا ، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا وَصَارَتْ السُّنَّةُ بِدْعَةً ، وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً انْتَهَى .
وَالْغَرِيبُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَنْ أَوْصَاهُ { كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ } .
وَلَمَّا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ الْغُرَبَاءُ مِنْ أُمَّتِك قَالَ : الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إذَا فَسَدَ النَّاسُ } انْتَهَى وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ { الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي } { وَلَمَّا أَنْ ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْفِتَنَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا أَدْرَكَنِي ذَلِكَ الزَّمَانُ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك } يَعْنِي أَنْ يَتَّخِذَ بَيْتَهُ كَأَنَّهُ ثَوْبُهُ الَّذِي يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ فَيُلَازِمُهُ وَلَا يُفَارِقُهُ إذَا عَمَّتْ الْفِتَنُ وَكَثُرَتْ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ ؛ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الْعِبَادَاتِ رَجَعَتْ لِلْعَادَاتِ ، بَلْ بَعْضُ الْعِبَادَاتِ قَدْ صَارَتْ الْيَوْمَ وَسَائِلَ لِلدُّخُولِ فِي الدُّنْيَا وَأُكُلِهَا ، وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُهَا لِلرِّيَاءِ ، وَالسُّمْعَةِ فِي الْغَالِبِ ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْهَرَبُ مِنْ مَوَاضِعِ الْعِبَادَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ الْيَوْمَ عَلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْعَدِيدَةِ إلَى قُعُودِ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ أَسْلَمُ لَهُ بَلْ أَوْجَبُ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرِهَا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَقُلْ مِنْ فَوْقِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ لِلْعَبْدِ جِهَةُ الْفَوْقِيَّةِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَ
بِالنَّصْرِ مِنْهَا لَهُ فَلَا يُبَالِي الْمُكَلَّفُ بِتَعَدُّدِ جِهَاتِ اللَّعِينَ إبْلِيسَ لِإِبْقَاءِ الْبَابِ الْعُلْوِيِّ الْمَفْتُوحِ لَهُ بِمَحْضِ الْفَضْلِ ، وَالْكَرَمِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ } انْتَهَى .
فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَمَهْمَا وَقَعَ الْمُؤْمِنُ فِي شَيْءٍ مَا مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَتَبُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْمُبَادَرَةِ إلَى التَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَإِذَا أَوْقَعَهَا بِشُرُوطِهَا الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا وَجَدَ الْبَابَ ، وَالْحَمْدَ لِلَّهِ مَفْتُوحًا لَا يُرَدُّ عَنْهُ وَلَا يُغْلَقُ دُونَهُ بِكَرَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِ التَّائِبِ وَقُوَّةِ صِدْقِهِ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَلَا تَرَى إلَى قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا جَرَى لَهُ فِي بَدْءِ تَوْبَتِهِ وَنُزُولِهِ عَنْ فَرَسِهِ وَدَفْعِهِ ثِيَابَهُ لِلصَّيَّادِ وَأَخْذِهِ ثِيَابَ الصَّيَّادِ وَمَرَّ لِسَبِيلِهِ فَرَأَى إنْسَانًا قَدْ وَقَعَ عَنْ قَنْطَرَةٍ فَقَالَ لَهُ : قِفْ .
فَوَقَفَ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى وَصَلَ إلَيْهِ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ وَأَلْقَاهُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ سَالِمًا وَمَا ذَاكَ إلَّا لِصِدْقِ تَوْبَتِهِ وَحُسْنِ نِيَّتِهِ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَوْبَتِهِ وَفِي الرُّجُوعِ إلَيْهِ وَفِي مُلَازَمَتِهِ سُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْكُلِّ وَاحِدَةٌ أَعْنِي أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ وَيُقِيلُهُمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ مَا مَضَى وَيَعُودُ عَلَيْهِمْ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ عَاجِلًا وَآجِلًا ، أَلَا تَرَى إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَنْ ابْتَلَعَهُ الْحُوتُ وَابْتَلَعَ الْحُوتَ حُوتٌ آخَرُ وَنَزَلَ بِهِ إلَى قَعْرِ الْبَحْرِ وَهُوَ يُنَادِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ
سُبْحَانَك إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ } فَسَمِعَهُ قَارُونُ وَهُوَ يُخْسَفُ بِهِ فَسَأَلَ الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلِينَ بِعَذَابِهِ أَنْ يَقِفُوا بِهِ حَتَّى يَسْأَلَ صَاحِبَ الصَّوْتِ فَلَمَّا أَنْ سَأَلَهُ وَأَجَابَهُ قَالَ لَهُ قَارُونُ : ارْجِعْ إلَى رَبِّك فَإِنَّك إذَا رَجَعْت إلَيْهِ تَجِدُهُ فِي أَوَّلِ قَدَمٍ تَرْجِعُ إلَيْهِ فِيهِ .
فَقَالَ لَهُ يُونُسُ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمَا مَنَعَك أَنْتَ أَنْ تَرْجِعَ إلَى رَبِّك فَقَالَ لَهُ : إنَّ تَوْبَتِي وُكِّلَتْ إلَى ابْنِ خَالَتِي مُوسَى فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنِّي فَهَذَا وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي قَبُولِ التَّائِبِ عِنْدَ صِدْقِهِ فِي رُجُوعِهِ إلَى مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك } ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِ مَعْنَاهُ لَكِنْ قَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَسْلَمُ لِذِي دِينٍ إلَّا مَنْ فَرَّ مِنْ شَاهِقٍ إلَى شَاهِقٍ كَطَائِرٍ بِأَفْرَاخِهِ ، أَوْ كَثَعْلَبٍ بِأَشْبَالِهِ } .
أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَا أَتْقَاهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَا أَتْقَاهُ } فَظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ التَّعَارُضُ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ هَذَا بِالْإِقَامَةِ فِي بَيْتِهِ وَأَمَرَ هَذَا بِالْفِرَارِ .
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ ، وَالْفِرَارِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ مَا مَعْنَاهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي الْفِرَارِ مَحْمُولٌ عَلَى زَمَانٍ يَكُونُ فِيهِ بَعْضُ الْمَوَاضِعِ صَالِحًا لِلْإِقَامَةِ فِيهَا وَأُخْرَى فَاسِدَةً ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَفِرَّ بِدَيْنِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْفَاسِدَةِ إلَى الْمَوَاضِعِ الصَّالِحَةِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الزَّمَانُ قَدْ
اسْتَوَى فِي عُمُومِ مُخَالَفَةِ السُّنَنِ وَارْتِكَابِ الْبِدَعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ يَفِرُّ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِهِ وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إذَا رَأَيْت الْفَسَادَ قَدْ كَثُرَ فِي مَوْضِعٍ وَعَلَا أَمْرُهُ فَلَا تَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ وَاعْتَزِلْ مَا قَدَرْت عَلَيْهِ وَكُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّك إذَا خَرَجْت مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَصِرْت إلَى غَيْرِهِ وَجَدْتَهُ أَكْثَرَ فَسَادًا وَمَنَاكِرَ وَبِدَعًا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجْت عَنْهُ فَتَنْدَمُ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى خُرُوجِك مِنْهُ وَتُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى مَوْضِعِك الَّذِي كُنْت فِيهِ فَتَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِشَارَةِ ، وَالِاسْتِخَارَةِ وَتَبْدِيلِ الْحَالِ بِطُرُقِ الْأَسْفَارِ وَمُبَاشَرَةِ مَا كُنْت مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ وَمُلَاقَاةِ الْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَرِي الْمُسَافِرِينَ ، فَإِذَا وَصَلْت إلَى مَوْضِعِك الَّذِي كُنْت فِيهِ وَجَدْته قَدْ تَغَيَّرَ حَالُهُ إلَى مَا هُوَ أَشَدُّ فَتَنْدَمُ عَلَى رُجُوعِك إلَيْهِ ، وَتَرَى أَنَّ إقَامَتَك فِي مَوْضِعِك الَّذِي كُنْت سَافَرْت إلَيْهِ أَقَلُّ فَسَادًا فَتَقَعُ فِي ضَيَاعِ الْأَوْقَاتِ ، وَالْمَشَاقِّ وَارْتِكَابِ الْأَهْوَالِ وَرُؤْيَةِ الْمُخَالَفَاتِ وَمُبَاشَرَتِهَا عِيَانًا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يُسَافِرْ ، ثُمَّ يَبْقَى حَالُهُ كَذَلِكَ مُذَبْذَبًا لَا يَسْتَقِرُّ لَهُ قَرَارٌ ، أَوْ كَمَا قَالَ وَفِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْإِقَامَةِ فِي الْبُيُوتِ رِفْقٌ عَظِيمٌ وَرَحْمَةٌ شَامِلَةٌ لِأُمَّتِهِ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَفَعَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْمَشَقَّاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا بِالْجُلُوسِ فِي ، أَوْطَانِهِمْ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { نِعْمَ الصَّوَامِعُ بُيُوتُ أُمَّتِي } .
هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَوْضِعَ إذَا كَثُرَ فِيهِ الْفَسَادُ ، وَأَهْلُهُ الْمُقِيمُونَ مَعَهُ عَلَى حَالِهِمْ لَمْ يُصِبْهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْبَلَاءِ
دَلَّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّةِ حَالِ الْوَلِيِّ الْمُقِيمِ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا قُوَّةُ حَالِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَكَانَتُهُ عِنْدَهُ وَقُرْبُهُ مِنْهُ مَا انْدَفَعَتْ الْعُقُوبَةُ عَنْهُمْ فَبِنَفْسِهِ وَهِمَّتِهِ الْعَالِيَةِ وَحُلُولِهِ بَيْنَهُمْ أَخَّرَ الْمَوْلَى الْكَرِيمُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ لِيَتُوبَ مَنْ يَتُوبُ وَيَرْجِعَ مَنْ يَرْجِعُ ، أَوْ يُصِيبُ الْعَذَابُ بَعْضَهُمْ خُصُوصًا وَلَا يَقَعُ عَامًّا .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفُ بِالصِّقِلِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخْلِ الْأَرْضَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ؛ إمَّا قَائِمٌ لَهُ بِحُجَّةٍ ، وَإِمَّا مَدْفُوعٌ بِهِ الْبَلَاءُ انْتَهَى .
فَالْقَائِمُ بِالْحُجَّةِ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ ، وَالْمَدْفُوعُ بِهِ الْبَلَاءُ قَدْ يُعْرَفُ ، وَقَدْ لَا يُعْرَفُ ، وَقَدْ يَعْرِفُهُ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ آخَرِينَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُوَضِّحُهُ مَا جَرَى لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ الْمَعْرُوفِ بِالْقُرَشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْ رَأَى فِي وَقْتِهِ أَنَّهُ سَيَنْزِلُ بِأَهْلِ مِصْرَ بَلَاءٌ قَالَ : أَيَقَعُ هَذَا وَأَنَا فِيهِمْ قِيلَ لَهُ : اُخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِمْ فَهَذَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ فَخَرَجَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الشَّامِ فَأَقَامَ بِهِ ، ثُمَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ نَزَلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ أَسْأَلُ اللَّهِ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ ، فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُعَذَّبُونَ عَذَابًا عَامًّا وَفِيهِمْ أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
فَعَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْفِرَارُ إلَى الْبُيُوتِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى إظْهَارِ مَعَالِمِ الشَّرْعِ ، وَالنُّهُوضِ إلَيْهَا فَيُبَادِرُ إلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ يَتَخَوَّفُ مِنْهُ أَعْنِي مِنْ الْبِدَعِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ لَهُ هَلْ الْمُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ الرُّجُوعُ إلَى بَيْتِهِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَنُوبُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ فِي بَيْتِهِ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَفْضَلَ وَأَكْثَرَ نَفْعًا بَادَرَ إلَى فِعْلِهِ سِيَّمَا إذَا كَانَ النَّفْعُ مُتَعَدِّيًا ، وَإِنْ كَانَ يَتَخَوَّفُ مِنْ شَيْءٍ فِيهِ فَالرُّجُوعُ إلَى بَيْتِهِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ وَإِقَامَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَا ذُكِرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِهِ ، إذْ لَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ لَحَصَلَ لَهُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ وَزِيَارَةُ جِوَارِ بَيْتِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالِاعْتِكَافُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّيَّاتِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ .
فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ يُرْشِدُهُ ، أَوْ يَسْتَرْشِدُ هُوَ مِنْهُ فَبَخٍ عَلَى بَخٍ ، إذْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ ، وَالْمَقْصُودَ مِنْ كَوْنِهِ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِهِ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي فِي زَمَنِهِ فَيَكُونُ فِرَارًا بِدِينِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى بَيْتِ رَبِّهِ وَمِنْ بَيْتِ رَبِّهِ إلَى بَيْتِهِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ } ، وَالْفِرَارُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْمُبَادَرَةُ إلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ فَلَا يَتْرُك الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ مَا حَدَثَ مِنْ الْبِدَعِ ، إذْ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ وَمِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَوَّلُ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَبَدَانِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ صَلَاتِهِ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ، بَلْ حَيْثُمَا قَلَّتْ الْبِدَعُ مِنْ الْمَسْجِدِ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ أَوْلَى وَأَفْضَلَ مِنْ
غَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَسْجِدًا سَالِمًا مِمَّا ذُكِرَ وَقَلَّ مَا يَقَعُ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ إلَى أَقَلِّ الْمَسَاجِدِ بِدَعًا فَلْيُصَلِّ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَكُونُ بِدْعَةٌ وَاحِدَةٌ أَشَدَّ مِنْ بِدَعٍ جُمْلَةٍ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ وَلْيُصَلِّ فِيمَا عَدَاهُ ، وَإِذَا صَلَّى مَعَ ذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ جَهْدَهُ وَيُغَيِّرْ مَا اسْتَطَاعَ بِشَرْطِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْقَلْبِ أَدْنَى مَرَاتِبِ التَّغْيِيرِ ، فَإِنْ كَانَتْ لَيْلَةٌ تَزِيدُ فِيهَا الْبِدَعُ وَتَكْثُرُ فَتَرْكُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ ، إذْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا وَلَكِنْ تَكْثِيرُ سَوَادِ أَهْلِ الْبِدَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَتَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَاجِبٌ وَفِعْلُ الْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ فَيَتْرُكُ الْمَنْدُوبَ لَهُ وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا لِلْحَاضِرِينَ فِي أَمَاكِنِ الْبِدَعِ فِي الْإِثْمِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ يَأْنَسُ قَلْبَهُ بِتِلْكَ الْبِدَعِ فَيَئُولُ إلَى تَرْكِ التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَدْنَى رُتَبِ التَّغْيِيرِ لِمَا وَرَدَ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَحْسِنَ شَيْئًا مِمَّا يَرَاهُ ، أَوْ يَسْمَعَ بِهِ ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحْسِنُ مَا كَرِهَهُ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ وَهُوَ الْإِحْدَاثُ فِي الدِّينِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ } .
يَعْنِي مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ عَمَلَ امْرِئٍ حَتَّى يُتْقِنَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا إتْقَانُهُ قَالَ : يُخَلِّصُهُ مِنْ الرِّيَاءِ ، وَالْبِدْعَةِ } ، وَقَدْ وَرَدَ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ
أَحْدَثَ فِي الدِّينِ حَدَثًا : هَبْ أَنِّي أَغْفِرُ لَك مَا بَيْنِي وَبَيْنَك فَاَلَّذِي أَضْلَلْتهمْ مِنْ النَّاسِ } انْتَهَى .
فَإِذَا وَقَعَ اسْتِحْسَانُ شَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ كَائِنًا مَا كَانَ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ مَعَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ قَلَّ أَنْ يَقَعَ أَعْنِي أَنْ تَعُمَّ تِلْكَ الْبِدَعُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَمِيعَ مَسَاجِدِ الْبَلَدِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْكَمَالُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَاصِلٌ لَهُ أَعْنِي الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ السَّالِمِ مِنْ تِلْكَ الْبِدَعِ ، أَوْ مِنْ أَكْثَرِهَا ، وَلَوْ امْتَنَعَ بَعْضُ مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِيهَا الْبِدَعُ لَانْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ وَزَالَتْ الْبِدَعُ كُلُّهَا ، أَوْ أَكْثَرُهَا ، أَوْ بَعْضُهَا لَكِنْ جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ عَلَى تَعَاطِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ ، بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ إذَا خَتَمَ وَلَدُهُ الْقُرْآنَ ، أَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ .
وَسَنُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ وَقَعَ بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّهُمْ أَوْقَدُوا جَامِعَهَا الْأَعْظَمَ فَزَادُوا فِي الْوَقُودِ الزِّيَادَةَ الْكَثِيرَةَ فَجَاءَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَشْتَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَلَى عَادَتِهِ فَرَأَى ذَلِكَ فَوَقَفَ وَلَمْ يَدْخُلْ فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَدْخُلُ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ إلَّا ثَلَاثَةُ قَنَادِيلَ ، أَوْ خَمْسَةٌ ، أَوْ كَمَا قَالَ ، فَامْتَثَلُوا إذْ ذَاكَ قَوْلَهُ ، وَحِينَئِذٍ دَخَلَ فَوَقَعَ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ بِتَغْيِيرِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ فَكَيْفَ بِهِ لَوْ كَانَ زِيَادَةً عَلَى الْوَاحِدِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى التَّسَامُحِ فِي هَذَا الْبَابِ حَتَّى جَرَّ الْأَمْرُ إلَى اعْتِيَادِ الْبِدَعِ وَيَنْسُبُهَا أَكْثَرُ الْعَوَامّ إلَى الشَّرْعِ بِسَبَبِ حُضُورِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ فَظَنَّ أَكْثَرُ الْعَوَامّ أَنَّ
ذَلِكَ مِنْ الْمَشْرُوعِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ ، إذْ ذَاكَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ السَّالِمِ مِنْ الْبِدَعِ مَنْ يُصَلِّي فِيهِ فَتَتَأَكَّدُ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ وَحْدَهُ إحْيَاءُ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَالسَّعَادَةِ مَا فِيهِ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ مِنْ { قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الَّذِي يُصَلِّي فِي الْبَرِّيَّةِ وَحْدَهُ إنَّهُ يُصَلِّي عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ ، فَإِذَا أَذَّنَ لَهَا وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ } .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ } ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا لَمْ يَمْتَلِئْ بِالنَّاسِ كُمِّلَ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي بِصَلَاتِهِ ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَحْضُرُ مَوْضِعًا إلَّا وَيَقْوَى الرَّجَاءُ فِي قَبُولِ مَا يُعْمَلُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ إذَا حَضَرَ مَوْضِعًا ، وَمَنْ هَرَبَ مِنْ الْبِدْعَةِ وَأَوَى إلَى السُّنَّةِ فِي غَالِبِ أَمْرِهِ فَيَقْوَى الرَّجَاءُ فِي وِلَايَتِهِ ، إذْ أَنَّهُ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ .
وَالتَّشَبُّهُ بِالْكِرَامِ فَلَاحٌ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ إمَامَ الْمَسْجِدِ إذَا صَلَّى فِيهِ وَحْدَهُ قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ ، فَإِذَا جَاءَتْ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُ فَلَا يَجْمَعُونَ فِيهِ وَيُصَلُّونَ أَفْذَاذًا ، وَالْإِمَامُ لَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَتَى إلَى الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَكَانَ
فِيهَا بَعْضُ طِينٍ وَظَلَامٍ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ هُوَ وَخَادِمُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا ، فَحَصَلَ لَهُ سُرُورٌ فَسَأَلَهُ خَادِمُهُ مَا سَبَبُ سُرُورِهِ فَقَالَ لَهُ : أَلَا تَرَى مَا حَصَلَ لَنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَمَا خَصَّصَنَا بِهِ مِنْ إحْيَاءِ بَيْتِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحْدَنَا وَلَمْ يُشَارِكْنَا فِيهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ فَهَذَا فَرَحُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَسْجِدٌ سَالِمٌ مِنْ الْبِدَعِ فَكَيْفَ بِالْهَارِبِ مِنْ مَوَاضِعِ الْبِدَعِ إلَى مَوَاضِعَ تَحْصُلُ فِيهَا السَّلَامَةُ ، وَالْخَيْرُ ، وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي إحْيَاءِ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى
وَإِنَّمَا طَالَ الْكَلَامُ فِي ذِكْرِ مَا يُعْمَلُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَعْنِي لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِأَجْلِ مَا أَحْدَثُوهُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ أَعْنِي فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْعَلُ فِيهَا لَكِنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ زَادَتْ فَضِيلَتُهَا وَمُقْتَضَى زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ زِيَادَةُ الشُّكْرِ اللَّائِقِ بِهَا مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَأَنْوَاعِهَا فَبَدَّلَ بَعْضُهُمْ مَكَانَ الشُّكْرِ زِيَادَةَ الْبِدَعِ فِيهَا عَكْسُ مُقَابَلَةِ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ لِزِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ ضِدَّ شُكْرِ النِّعَمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا فَعَلُوهُ مِنْ زِيَادَةِ الْوَقُودِ الْخَارِجِ الْخَارِقِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْجَامِعِ قِنْدِيلٌ وَلَا شَيْءٌ مِمَّا يُوقَدُ إلَّا أَوْقَدُوهُ حَتَّى إنَّهُمْ جَعَلُوا الْحِبَالَ فِي الْأَعْمِدَةِ ، وَالشُّرَافَاتِ وَعَلَّقُوا فِيهَا الْقَنَادِيلَ وَأَوْقَدُوهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعْلِيلُ الَّذِي لِأَجْلِهِ كَرِهَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى التَّمَسُّحَ بِالْمُصْحَفِ ، وَالْمِنْبَرِ ، وَالْجُدَرَانِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ السَّبَبَ فِي ابْتِدَاءِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَزِيَادَةِ الْوَقُودِ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِعَبَدَةِ النَّارِ فِي الظَّاهِرِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَبَدَةَ النَّارِ يُوقِدُونَهَا حَتَّى إذَا كَانَتْ فِي قُوَّتِهَا وَشَعْشَعَتِهَا اجْتَمَعُوا إلَيْهَا بِنِيَّةِ عِبَادَتِهَا ، وَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَى تَرْكِ تَشَبُّهِ الْمُسْلِمِينَ بِفِعْلِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ حَتَّى فِي زِيِّهِمْ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ اجْتِمَاعُ كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ ، وَالْوِلْدَانِ الصِّغَارِ الَّذِينَ يَتَنَجَّسُ الْجَامِعُ بِفَضَلَاتِهِمْ غَالِبًا وَكَثْرَةِ اللَّغَطِ ، وَاللَّغْوِ الْكَثِيرِ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ وَأَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ لَيْلَةِ السَّابِعِ ، وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَفِي هَذِهِ
اللَّيْلَةِ أَكْثَرُ وَأَشْنَعُ وَأَكْبَرُ ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْوَقُودِ فِيهَا فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدَعِ كَيْفَ يَجُرُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَامِعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَجَعَ كَأَنَّهُ دَارُ شُرْطَةٍ لِمَجِيءِ الْوَالِي ، وَالْمُقَدَّمِينَ ، وَالْأَعْوَانِ وَفَرْشِ الْبُسُطِ وَنَصَبِ الْكُرْسِيِّ لِلْوَالِي لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فِي مَكَان مَعْلُومٍ وَتُوقَدُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَشَاعِلُ الْكَثِيرَةُ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ وَيَقَعُ مِنْهَا بَعْضُ الرَّمَادِ فِيهِ وَرُبَّمَا وَقَعَ الضَّرْبُ بِالْعَصَا ، وَالْبَطْحُ لِمَنْ يَشْتَكِي فِي الْجَامِعِ ، أَوْ تَأْتِيهِ الْخُصُومُ مِنْ خَارِجِ الْجَامِعِ وَهُوَ فِيهِ ، هَذَا كُلُّهُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ .
وَإِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الْجَامِعِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ مِنْ الْخُصُومِ ، وَالْجَنَادِرَةِ وَغَيْرِهِمْ ، بَلْ اللَّغَطُ وَاقِعٌ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ فَكَيْفَ بِهِ إذَا انْضَمَّ إلَى الشَّكَاوَى وَأَحْكَامِ الْوَالِي يَا لَيْتَهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ زَادُوا عَلَيْهِ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ إقَامَةُ حُرْمَةٍ لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلِبَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنَّهُمْ أَتَوْهُ لِيُعَظِّمُوهُ ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْقُرَبِ ، وَهَذَا أَمْرٌ أَشَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ ، إذْ أَنَّهُمْ لَوْ اعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَكْرُوهٌ لَرُجِيَ لَهُمْ الْإِقْلَاعُ عَنْهُ وَلَكِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَلَا يَتُوبُ أَحَدٌ مِنْ الْقُرَبِ ، وَمَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تُرْفَعُ أَيْ تُغْلَقُ وَلَا تُفْتَحُ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ تَرْفِيعَهَا إنَّمَا يُعْلَمُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحْكَامَ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ،
وَذَلِكَ يَتَلَقَّى عَنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْآخِذِينَ عَنْهُ ، وَتَعْظِيمُهُمْ لَهَا إنَّمَا كَانَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَا يَعُمُّ جَعْفَرًا يَعُمُّنَا إذَا كُنَّا صَالِحِينَ وَمَا يَخُصُّهُ يَخُصُّنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ } أَيْ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ .
وَقَدْ بَنَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْبَةً خَارِجَ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبَطْحَاءُ ، وَقَالَ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِدَ شِعْرًا ، أَوْ يَنْشُدَ ضَالَّةً فَلْيَخْرُجْ إلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ فَإِنَّمَا الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ نَشَدَ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك } .
وَقَدْ وَرَدَ { مَنْ سَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ فَاحْرِمُوهُ } ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَسْجِدُنَا هَذَا لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ ، وَاجْعَلُوا وُضُوءَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ } انْتَهَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى صَلَاةِ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ ، وَصَلَاةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِمَا فِيهَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِعْلَ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ فِي جَمَاعَةٍ بِدْعَةٌ ، وَلَوْ صَلَّاهَا إنْسَانٌ وَحْدَهُ سِرًّا لَجَازَ ذَلِكَ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ مَذْهَبِهِ فِي كَرَاهِيَتِهِ تَكْرَارِ السُّورَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لِاتِّبَاعِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ
يَا لَيْتَهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ لَكِنَّهُمْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَشْنَعُ وَهُوَ خُرُوجُ الْحَرِيمِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ ، وَهَذِهِ اللَّيْلَةُ فِيهَا زِيَادَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى غَيْرِهَا أَعْنِي كَثْرَةَ خُرُوجِهِنَّ إلَى الْقُبُورِ ، وَمَعَ بَعْضِهِنَّ الدُّفُّ يَضْرِبْنَ بِهِ وَبَعْضُهُنَّ يُغَنِّينَ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ وَرُؤْيَتِهِمْ لَهُنَّ مُتَجَاهَرِينَ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ حَيَائِهِنَّ وَقِلَّةِ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِنَّ ، وَيَزْعُمْنَ أَنَّهُنَّ خَرَجْنَ لِلْعِبَادَةِ وَهِيَ زِيَارَةُ قُبُورِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالْعُلَمَاءِ ، وَالصُّلَحَاءِ ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بَعْضُ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ مِنْ الشُّبَّانِ ، وَالرِّجَالِ فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي وَأَكْثَرُهُمْ مُخْتَلِطُونَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضِ نِسَاءٌ وَشُبَّانٌ وَرِجَالٌ قَدْ رَفَعُوا جِلْبَابَ الْحَيَاءِ ، وَالْوَقَارِ عَنْهُمْ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ كَأَنَّهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ ، إذْ لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي الْقُبُورِ بَيْنَ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ أَعْنِي فِي كَشْفِ الْوُجُوهِ ، وَالْأَطْرَافِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَوَائِدِهِمْ الرَّدِيئَةِ فَيَا لِلْعَجَبِ فِي انْكِشَافِهِنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الِاعْتِبَارِ ، وَالتِّذْكَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، فَإِذَا رَجَعْنَ إلَى الْبَلَدِ يَرْجِعْنَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنْ كَشْفِ السُّتْرَةِ عَنْهُنَّ ، فَإِذَا وَصَلْنَ إلَى الْبَلَدِ تَنَقَّبْنَ ، إذْ ذَاكَ وَاسْتَتَرْنَ ، ثُمَّ صَارَتْ هَذِهِ الْعَادَةُ بَيْنَهُنَّ شَعِيرَةً يَتَدَيَّنُ بِهَا أَعْنِي فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَتِرُ فِي الْبَلَدِ ، وَفِي الْقُبُورِ ، وَالطَّرِيقِ إلَيْهَا مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ لَا تَسْتَتِرُ مِنْ أَحَدٍ ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ مِنْهَا اجْتِمَاعُهُمْ كَمَا سَبَقَ .
الثَّانِي : انْتِهَاكُ حُرْمَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُعَظَّمَةِ ، وَهَذَا الْيَوْمُ الْعَظِيمِ ، وَهَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ أَعْظَمُوا
الْمَعْصِيَةَ بِفِعْلِهَا عَلَى الْقُبُورِ ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الْخَشْيَةِ ، وَالْفَزَعِ ، وَالِاعْتِبَارِ ، وَالْحَثِّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِهَذَا الْمَصْرَعِ الْعَظِيمِ الْمَهُولِ أَمْرُهُ ، فَرَدُّوا ذَلِكَ لِلنَّقِيضِ ، وَجَعَلُوهُ فِي مَوْضِعِ فَرَحٍ وَمَعَاصٍ كَحَالِ الْمُسْتَهْزِئِينَ .
الرَّابِعُ : أَذِيَّةُ الْمَوْتَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ .
الْخَامِسُ : قِلَّةُ احْتِرَامِهِمْ لِتَعْظِيمِ جَنَابِ الْعُلَمَاءِ ، وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَالصُّلَحَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى زَعْمِهِمْ يَمْضُونَ لِلتَّبَرُّكِ بِهِمْ وَيَفْعَلُونَ عِنْدَهُمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُمْ اتَّصَفُوا بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ بِصِفَةِ النِّفَاقِ ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ صِفَتُهُ قَصْدُ الْمَعْصِيَةِ وَإِظْهَارُهَا فِي الصُّورَةِ أَنَّهَا طَاعَةٌ فَيَا لِلْعَجَبِ كَيْفَ يَقْدِرُ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَسْمَعَ بِهَذِهِ الْمُنَاكِرِ وَلَا يَتَنَغَّصُ لَهَا وَلَا يَتَشَوَّشُ مِنْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْحَدِيثِ فِيمَنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ } .
فَكَيْفَ يَتْرُكُ حَرِيمَهُ ، أَوْ أَقَارِبَهُ ، أَوْ مَنْ يَلُوذُ بِهِ يَخْرُجْنَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رُكُوبِهِنَّ الدَّوَابَّ مَعَ الْمُكَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ نَصِيبٌ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْجَنَائِزِ وَلَا الْقُبُورِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا ثَلَاثُ خَرَجَاتٍ عَلَى مَا سَبَقَ وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ فِي الْقُبُورِ حَتَّى صَارَ أَمْرُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُومُ إنْسَانٌ بِشَيْءٍ يَحْمِلُهُ كَالْقُبَّةِ عَلَى عَمُودٍ حَوْلَهَا قَنَادِيلُ كَثِيرَةٌ فَيَجْتَمِعُ لَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النِّسَاءِ ، وَالشُّبَّانِ ، وَالرِّجَالِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ يَتَزَاوَرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَجْرِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ مِنْ الْآفَاتِ فِي الدِّينِ ، وَالدُّنْيَا مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يُقِيمُونَ خَشَبَةً عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ ، أَوْ
الْمَيِّتَةِ وَيَكْسُونَ ذَلِكَ الْعَمُودَ مِنْ الثِّيَابِ مَا يَلِيقُ بِهِ عِنْدَهُمْ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، أَوْ الصُّلَحَاءِ جَعَلُوا يَشْكُونَ لَهُ مَا نَزَلَ بِهِمْ وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ مَا يُؤَمِّلُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَهْلِ ، وَالْأَقَارِبِ ، وَالْمَعَارِفِ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَجَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ مَعَهُ وَيَذْكُرُونَ لَهُ مَا حَدَثَ لَهُمْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ عَرُوسًا ، أَوْ عَرُوسَةً كَسَوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا كَانَ يَلْبَسُهُ فِي حَالِ فَرَحِهِ فَيَكْسُونَ الْمَرْأَةَ ثِيَابَ الْحَرِيرِ وَيُحَلُّونَهَا بِالذَّهَبِ وَيَجْلِسُونَ يَبْكُونَ وَيَتَبَاكَوْنَ وَيَتَأَسَّفُونَ ، وَهَذِهِ أَشْيَاءُ مُتَنَاقِضَةٌ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَوَّلَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ فِي نُفُوسِهِمْ ، وَهَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَهُ مِنْ الْكِسْوَةِ عَلَى الْخَشَبَةِ فِيهِ تَشَبُّهٌ فِي الظَّاهِرِ بِالنَّصَارَى فِي كِسْوَتِهِمْ لِأَصْنَامِهِمْ ، وَالصُّوَرِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا اخْتِلَاقًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ فِي مَوَاسِمِهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ مِنْ الْخَطَرِ ، وَفِي ذَلِكَ مَقْنَعٌ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ فِي الظَّاهِرِ إلَى الْمَشْيَخَةِ ، وَالْهِدَايَةِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْوَقْتِ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَفَعَلَ فِي زَاوِيَتِهِ بِالْمَقَابِرِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْوَقُودِ بِالْجَامِعِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الشَّرِيفَةِ حَتَّى صَارَ النَّاسُ يَخْرُجُونَ إلَى ذَلِكَ قَصْدًا وَيَتْرُكُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْوَقُودِ فِي الْبَلَدِ لِاشْتِمَالِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الزِّيَادَاتِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ لِتَحْصِيلِ أَغْرَاضِهِمْ الْخَسِيسَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُمْ تَنَاوُلُ تِلْكَ الْأَغْرَاضِ فِي الْبَلَدِ وَسَمَّى هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيْلَةَ الْمَحْيَا ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الِاسْمُ يَلِيقُ بِهَا لَكِنْ فِي الْعِبَادَةِ ، وَالْخَيْرِ ، وَالتَّضَرُّعِ إلَى الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَطَلَبِ الْفَوْزِ بِطَاعَتِهِ ، وَالنَّجَاةِ بِفَضْلِهِ مِنْ
مُخَالَفَتِهِ وَمَعَاصِيهِ لَا بِمَا يَفْعَلُهُ هُوَ وَمَنْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ وَأَمْثَالُهُمْ ، وَصَارَ الرِّجَالُ ، وَالنِّسَاءُ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ وَتَمَادَى ذَلِكَ وَاشْتَهَرَ حَتَّى صَارَ عَادَةً لَهُمْ فَبَقِيَ النَّاسُ يَهْرَعُونَ لِذَلِكَ رِجَالًا وَنِسَاءً وَشُبَّانًا وَنَصَبُوا الْخِيَامَ خَارِجَ الزَّاوِيَةِ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ وَزَادَتْ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ بِذَلِكَ وَكَثُرَتْ الْبِدَعُ وَوَقَعَ الضَّرَرُ لِمَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الْمَوْطِنَ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَلِمَنْ فِيهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ فَحُصُولُ الضَّرَرِ لِلْأَحْيَاءِ بِحُضُورِ ذَلِكَ وَاسْتِحْسَانِهِ .
وَحُصُولُ الضَّرَرِ لِلْأَمْوَاتِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ ، إذْ أَنَّهُمْ فِي دَارِ الْحَقِّ وَيَعْظُمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْمَقَابِرِ وَتَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي تِلْكَ الْمَوْضِعِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَى الْمَقَابِرِ فَيَقَعُونَ فِي النَّهْيِ الصَّرِيحِ فَلَمَّا أَنْ مَضَى لِسَبِيلِهِ وَتَوَلَّى ذَلِكَ مَنْ تَوَلَّى قَامَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ كَعَادَةِ شَيْخِهِمْ وَاسْتَأْكَلُوا بِذَلِكَ بَعْضَ الْحُطَامِ الَّذِي فِي أَيْدِي بَعْضِ مَعَارِفِهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ مِنْ الذَّمِّ وَصَارَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ قَلَّمَا يَفُوتُهُمْ الْخُرُوجُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شُهُودِ ذَلِكَ ، فَأَيْنَ الشَّفَقَةُ ، وَالرَّحْمَةُ لِلْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصِيحَةِ لِنَفْسِهِ ، وَلِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ أَيْنَ شِعَارُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ؟ أَيْنَ شِعَارُ أَهْلِ الْإِيمَانِ ؟ أَيْنَ شِعَارُ الْعُلَمَاءِ ؟ أَيْنَ شِعَارُ الْأَوْلِيَاءِ ؟ أَيْنَ شِعَارُ الْمُتَّقِينَ ؟ أَيْنَ شِعَارُ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَزُورُونَهُمْ وَيَتَبَرَّكُونَ
بِهِمْ ؟ هَيْهَاتَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ ، إذْ أَنَّ تَعْظِيمَهُمْ وَحُصُولَ بَرَكَتِهِمْ إنَّمَا يَكُونُ بِالِاتِّبَاعِ لَهُمْ وَاقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ لَا بِالْمُخَالَفَةِ وَاقْتِرَافِ الذُّنُوبِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ مِنْ خَسْفِ الْقُلُوبِ وَانْقِلَابِ الْحَقَائِقِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ .
فَصْلٌ فِي الْمَوْلِدِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْعِبَادَاتِ وَإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ مَوْلِدٍ وَقَدْ احْتَوَى عَلَى بِدَعٍ وَمُحَرَّمَاتٍ جُمْلَةٍ .
فَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُمْ الْمَغَانِي وَمَعَهُمْ آلَاتُ الطَّرَبِ مِنْ الطَّارِ الْمُصَرْصَرِ وَالشَّبَّابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلُوهُ آلَةً لِلسَّمَاعِ وَمَضَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَوَائِدِ الذَّمِيمَةِ فِي كَوْنِهِمْ يَشْتَغِلُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي فَضَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَظَّمَهَا بِبِدَعٍ وَمُحَرَّمَاتٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّمَاعَ فِي غَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فِيهِ مَا فِيهِ .
فَكَيْفَ بِهِ إذَا انْضَمَّ إلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفَضَّلَنَا فِيهِ بِهَذَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَرِيمِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ آلَاتِ الطَّرَبِ إذَا اجْتَمَعَتْ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ .
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الطَّارَ الَّذِي فِيهِ الصَّرَاصِرُ مُحَرَّمٌ وَكَذَلِكَ الشَّبَّابَةُ وَيَجُوزُ الْغِرْبَالُ لِإِظْهَارِ النِّكَاحِ .
فَآلَةُ الطَّرَبِ وَالسَّمَاعِ أَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تَعْظِيمِ هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِيهِ بِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ .
فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْخَيْرِ شُكْرًا لِلْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مَا أَوْلَانَا مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ شَيْئًا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِرَحْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ وَرِفْقِهِ بِهِمْ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ كَمَا وَصَفَهُ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي
كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .
لَكِنْ أَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ { بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلسَّائِلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ } فَتَشْرِيفُ هَذَا الْيَوْمِ مُتَضَمِّنٌ لِتَشْرِيفِ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ .
فَيَنْبَغِي أَنْ نَحْتَرِمَهُ حَقَّ الِاحْتِرَامِ وَنُفَضِّلَهُ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ الْأَشْهُرَ الْفَاضِلَةَ وَهَذَا مِنْهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ } وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { آدَم وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي } انْتَهَى .
وَفَضِيلَةُ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ بِمَا خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيهَا لِمَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْكِنَةَ وَالْأَزْمِنَةَ لَا تَتَشَرَّفُ لِذَاتِهَا وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهَا التَّشْرِيفُ بِمَا خُصَّتْ بِهِ مِنْ الْمَعَانِي .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ هَذَا الشَّهْرَ الشَّرِيفَ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ فِيهِ .
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا دَخَلَ هَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ أَنْ يُكَرَّمَ وَيُعَظَّمَ وَيُحْتَرَمَ الِاحْتِرَامَ اللَّائِقَ بِهِ وَذَلِكَ بِالِاتِّبَاعِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَخُصُّ الْأَوْقَاتَ الْفَاضِلَةَ بِزِيَادَةِ فِعْلِ الْبِرِّ فِيهَا وَكَثْرَةِ الْخَيْرَاتِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ } فَنَمْتَثِلُ تَعْظِيمَ الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ بِمَا امْتَثَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِنَا ( فَصْلٌ ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ الْتَزَمَ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا الْتَزَمَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ مِمَّا قَدْ عُلِمَ وَلَمْ يَلْتَزِمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ مَا الْتَزَمَهُ فِي غَيْرِهِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ لَمْ يَلْتَزِمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَيْئًا فِي هَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيفِ إنَّمَا هُوَ مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُرِيدُ التَّخْفِيفَ عَنْ أُمَّتِهِ وَالرَّحْمَةَ لَهُمْ سِيَّمَا فِيمَا كَانَ يَخُصُّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ حَرَمِ الْمَدِينَةِ { اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَأَنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ بِمَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ } ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَشْرَعْ فِي قَتْلِ صَيْدِهِ وَلَا فِي قَطْعِ شَجَرِهِ الْجَزَاءَ تَخْفِيفًا عَلَى أُمَّتِهِ وَرَحْمَةً لَهُمْ فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنْظُرُ إلَى مَا هُوَ مِنْ جِهَتِهِ وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا فِي نَفْسِهِ يَتْرُكُهُ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ فَمَا أَكْثَرَ شَفَقَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا شَرَعَهَا الشَّارِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْيَمِينِ الَّذِي أَجَازَ الْحَلِفَ بِهَا وَأَمَّا مَنْ يَتَعَمَّدُ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ إنَّمَا سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِانْغِمَاسِ صَاحِبِهَا فِي النَّارِ وَلَمْ تَرِدْ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ لَا مُشَرِّعُونَ .
فَكَذَلِكَ قَتْلُ الصَّيْدِ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ إذْ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنَعَ مِنْ الصَّيْدِ فِيهِ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ جَزَاءً عَلَى مَنْ قَتَلَهُ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عَلَى قَاتِلِهِ الْجَزَاءَ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَرَمِ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ يَتَحَصَّلُ مِنْهُ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ فَعَلَى هَذَا فَتَعْظِيمُ هَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيفِ إنَّمَا يَكُونُ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ الزَّاكِيَاتِ فِيهِ وَالصَّدَقَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَاتِ فَمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ لَهُ تَعْظِيمًا لِهَذَا الشَّهْرِ الشَّرِيفِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَكْثَرُ احْتِرَامًا كَمَا يَتَأَكَّدُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَفِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَيَتْرُكُ الْحَدَثَ فِي الدِّينِ وَيَجْتَنِبُ مَوَاضِعَ الْبِدَعِ وَمَا لَا يَنْبَغِي .
وَقَدْ ارْتَكَبَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ ضِدَّ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ هَذَا الشَّهْرُ الشَّرِيفُ تَسَارَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ بِالدُّفِّ وَالشَّبَّابَةِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ .
فَمَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْإِسْلَامِ وَغُرْبَتِهِ وَغُرْبَةِ أَهْلِهِ وَالْعَامِلِينَ بِالسُّنَّةِ .
وَيَا
لَيْتَهُمْ لَوْ عَمِلُوا الْمَغَانِيَ لَيْسَ إلَّا بَلْ يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَتَأَدَّبُ فَيَبْدَأُ الْمَوْلِدَ بِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَيَنْظُرُونَ إلَى مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مَعْرِفَةً بِالْهُنُوكِ وَالطُّرُقِ الْمُهَيِّجَةِ لِطَرِبِ النُّفُوسِ فَيَقْرَأُ عَشْرًا .
وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ وُجُوهٌ .
مِنْهَا مَا يَفْعَلُهُ الْقَارِئُ فِي قِرَاءَتِهِ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا وَالتَّرْجِيعُ كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ .
الثَّانِي أَنَّ فِيهِ قِلَّةَ أَدَبٍ وَقِلَّةَ احْتِرَامٍ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
الثَّالِثُ أَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ قِرَاءَةَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُقْبِلُونَ عَلَى شَهَوَاتِ نُفُوسِهِمْ مِنْ سَمَاعِ اللَّهْوِ بِضَرْبِ الطَّارِ وَالشَّبَّابَةِ وَالْغِنَاءِ وَالتَّكْسِيرِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُغَنِّي وَغَيْرِ ذَلِكَ .
الرَّابِعُ أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ غَيْرَ مَا فِي بَوَاطِنِهِمْ وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ صِفَةُ النِّفَاقِ وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا وَهُوَ يُرِيدُ غَيْرَهُ اللَّهُمَّ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ شَرْعًا .
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَبْتَدِئُونَ الْقِرَاءَةَ وَقَصْدُ بَعْضِهِمْ وَتَعَلُّقُ خَوَاطِرِهِمْ بِالْمَغَانِي .
الْخَامِسُ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَلِّلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِقُوَّةِ الْبَاعِثِ عَلَى لَهْوِهِ بِمَا بَعْدَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ .
السَّادِسُ أَنَّ بَعْضَ السَّامِعِينَ إذَا طَوَّلَ الْقَارِئُ الْقِرَاءَةَ يَتَقَلْقَلُونَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ طَوَّلَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَسْكُتْ حَتَّى يَشْتَغِلُوا بِمَا يُحِبُّونَهُ مِنْ اللَّهْوِ .
وَهَذَا غَيْرُ مُقْتَضَى مَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَهْلَ الْخَشْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُمْ يُحِبُّونَ سَمَاعَ كَلَامِ مَوْلَاهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي مَدْحِهِمْ { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } فَوَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ بِمَا ذُكِرَ وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يَسْتَعْمِلُونَ الضِّدَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا سَمِعُوا
كَلَامَ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ قَامُوا بَعْدَهُ إلَى الرَّقْصِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَالطَّرَبِ بِمَا لَا يَنْبَغِي فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ يَعْمَلُونَ أَعْمَالَ الشَّيْطَانِ وَيَطْلُبُونَ الْأَجْرَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ فِي تَعَبُّدٍ وَخَيْرٍ وَيَا لَيْتَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ يَفْعَلُهُ سَفَلَةُ النَّاسِ وَلَكِنْ قَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى فَتَجِدُ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ أَوْ الْعَمَلِ يَفْعَلُهُ وَكَذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْمَشْيَخَةِ أَعْنِي فِي تَرْبِيَةِ الْمُرِيدِينَ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ دَاخِلُونَ فِيمَا ذُكِرَ .
ثُمَّ الْعَجَبُ كَيْفَ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمَكِيدَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ وَالدَّسِيسَةُ مِنْ اللَّعِينِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إذَا شَرِبَهُ أَوَّلَ مَا تَدِبُّ فِيهِ الْخَمْرَةُ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ فَإِذَا قَوِيَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ حَيَاؤُهُ وَوَقَارُهُ لِمَنْ حَضَرَهُ وَانْكَشَفَ مَا كَانَ يُرِيدُ سَتْرَهُ عَنْ جُلَسَائِهِ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْمُغَنِّي إذَا غَنَّى تَجِدْ مَنْ لَهُ الْهَيْبَةُ وَالْوَقَارُ وَحُسْنُ الْهَيْئَةِ وَالسَّمْتِ وَيَقْتَدِي بِهِ أَهْلُ الْإِشَارَاتِ وَالْعِبَارَاتِ وَالْعُلُومِ وَالْخَيْرَاتِ يَسْكُتُ لَهُ وَيُنْصِتُ فَإِذَا دَبَّ مَعَهُ الطَّرَبُ قَلِيلًا حَرَّكَ رَأْسَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْخَمْرَةِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ .
ثُمَّ إذَا تَمَكَّنَ الطَّرَبُ مِنْهُ ذَهَبَ حَيَاؤُهُ وَوَقَارُهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْخَمْرَةِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ فَيَقُومُ وَيَرْقُصُ وَيُعَيِّطُ وَيُنَادِي وَيَبْكِي وَيَتَبَاكَى وَيَتَخَشَّعُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ جَاءَهُ الْمَدَدُ مِنْهَا وَيُخْرِجُ الرَّغْوَةَ أَيْ الزَّبَدَ مِنْ فِيهِ وَرُبَّمَا مَزَّقَ بَعْضَ ثِيَابِهِ وَعَبِثَ بِلِحْيَتِهِ .
وَهَذَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَمْزِيقَ الثِّيَابِ مِنْ ذَلِكَ
هَذَا وَجْهٌ .
الثَّانِي أَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْعُقَلَاءِ إذْ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْمَجَانِينِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ .
الثَّالِثُ أَنَّهُ أَلْحَقَ نَفْسَهُ بِالْبَهَائِمِ إذْ التَّكْلِيفُ إنَّمَا خُوطِبَ بِهِ الْعُقَلَاءُ .
وَهَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ سُلِبَ عَقْلُهُ وَلَوْ صَدَقَ فِي دَعْوَاهُ لَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مُدَّةً وَلَكِنَّا نَرَاهُ عِنْدَ سُكُوتِ الْمُغَنِّي يَسْكُنُ إذْ ذَاكَ وَيَرْجِعُ إلَى هَيْئَتِهِ وَيَلْبَسُ ثِيَابَهُ وَيَلُومُ الْمُغَنِّيَ عَلَى سُكُوتِهِ وَلَوْمُهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ بَاقٍ مَعَ حُظُوظِ نَفْسِهِ سَامِعٌ لِقَوْلِ الْمُغَنِّي إذْ لَوْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ وَهُوَ عِنْدَ رَبِّهِ كَمَا يَزْعُمُ لَمَا أَحَسَّ بِالْمُغَنِّي وَلَا غَيْرِهِ إنْ تَكَلَّمُوا أَوْ سَكَتُوا .
يَا لَيْتَهُمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ وَلَكِنَّهُمْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ الدَّاءَ الْعُضَالَ وَهُوَ الْكَذِبُ الْمَحْضُ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ عَاقِلٌ وَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَ بِأَشْيَاءَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِهَا فِي سِرِّهِمْ فَإِنْ يَكُنْ مَا قَالُوهُ حَقًّا وَهُوَ أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِمَا ذَكَرُوا فَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَى إلَيْهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى الشَّيْطَانِ إذْ أَنَّ نُفُوسَهُمْ أَغْنَتْ الشَّيْطَانَ عَنْ تَكَلُّفِ أَمْرِهِمْ فَهِيَ تُحَدِّثُهُمْ وَتُسَوِّلُ لَهُمْ فَيَتَحَدَّثُونَ فِي سِرِّهِمْ بِمَا يَخْطُرُ لِنُفُوسِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ خُوطِبْنَا بِكَذَا وَكَذَا .
وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُطْلِعَ عَلَى سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِهِ مَنْ هُوَ مُخَالِفٌ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِكِتَابِهِ وَلِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَنْ ذُكِرَ لَهُ بِالْوِلَايَةِ فَقَصَدَهُ فَرَآهُ يَتَنَخَّمُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يَلْقَاهُ فَانْصَرَفَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَمِينًا عَلَى أَسْرَارِ الْحَقِّ .
وَقَدْ وَعَظَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمًا مَنْ حَضَرَهُ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَاحَ وَمَزَّقَ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ قُلْ لَهُ يُمَزِّقُ لِي عَنْ قَلْبِهِ لَا عَنْ جَيْبِهِ انْتَهَى .
ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ بَلْ ضَمَّ بَعْضُهُمْ إلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْخَطَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُغَنِّي شَابًّا نَظِيفَ الصُّورَةِ حَسَنَ الْكِسْوَةِ وَالْهَيْئَةِ أَوْ أَحَدًا مِنْ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يَتَصَنَّعُونَ فِي رَقْصِهِمْ بَلْ يَخْطُبُونَهُمْ لِلْحُضُورِ فَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ رُبَّمَا عَادُوهُ وَوَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ وَحُضُورِهِ فِتْنَةً كَمَا تَقَدَّمَ سِيَّمَا وَهُمْ يَأْتُونَ إلَى ذَلِكَ شَبَهَ الْعَرُوسِ الَّتِي تَجَلَّى لَكِنَّ الْعَرُوسَ أَقَلُّ فِتْنَةً لِأَنَّهَا سَاكِنَةٌ حَيِيَّةٌ وَهَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ الْعَنْبَرُ وَالطِّيبُ يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ بَيْنَ أَثْوَابِهِمْ وَيَتَكَسَّرُونَ مَعَ ذَلِكَ فِي مَشْيِهِمْ إذْ ذَاكَ وَكَلَامِهِمْ وَرَقْصِهِمْ وَيَتَعَانَقُونَ فَتَأْخُذُهُمْ إذْ ذَاكَ أَحْوَالُ النُّفُوسِ الرَّدِيئَةِ مِنْ الْعِشْقِ وَالِاشْتِيَاقِ إلَى التَّمَتُّعِ بِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ الشُّبَّانِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْهُمْ الشَّيْطَانُ وَتَقْوَى عَلَيْهِمْ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَيَنْسَدُّ عَلَيْهِمْ بَابُ الْخَيْرِ سَدًّا .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ لَأَنْ أُؤْتَمَنَ عَلَى سَبْعِينَ عَذْرَاءَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤْتَمَنَ عَلَى شَابٍّ .
وَقَوْلُهُ هَذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ الْعَذْرَاءَ تَمْتَنِعُ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ ابْتِدَاءً مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا بِخِلَافِ الشَّابِّ .
لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّظْرَةَ الْأُولَى سُمٌّ وَالشَّابُّ لَا يَتَنَقَّبُ وَلَا يَخْتَفِي بِخِلَافِ الْعَذْرَاءِ .
وَالشَّيْطَانُ مِنْ دَأْبِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ كُبْرَى أَجْلَبَ عَلَيْهَا بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ وَبِعَمَلِ الْحِيَلِ الْكَثِيرَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ خَاطِرُ النَّاظِرِ بِالْعَذْرَاءِ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهَا بِإِذْنِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ الشَّابِّ .
هَذَا فِي حُضُورِ الشَّابِّ لَيْسَ إلَّا .
فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُغَنِّيًا حَسَنَ الصَّوْتِ وَالصُّورَةِ وَيَنْشُدُ التَّغَزُّلَ وَيَتَكَسَّرُ فِي صَوْتِهِ وَحَرَكَاتِهِ فَيُفْتَنُ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ مِنْ الرِّجَالِ .
وَبَعْضُ النِّسْوَةِ يُعَايِنُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ
نَظَرِهِنَّ مِنْ السُّطُوحِ وَالطَّاقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
فَيَرَيْنَهُ وَيَسْمَعْنَهُ وَهُنَّ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَقَلُّ عُقُولًا فَتَقَعُ الْفِتْنَةُ فِي الْفَرِيقَيْنِ .
وَمَنْ لَهُ عَقْلٌ أَوْ لَدَيْهِ بَعْضُ عِلْمٍ أَوْ هُمَا مَعًا وَلَهُ غَيْرَةٌ إسْلَامِيَّةٌ كَيْفَ يَهُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَصِفَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ الشُّبَّانِ لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِبَعْضِ أَهْلِهِ .
فَإِنَّ سَمَاعَ مِثْلِ ذَلِكَ لَهُنَّ يُهَيِّجُ قُلُوبَهُنَّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِقَّتِهِنَّ وَقِلَّةِ عُقُولِهِنَّ مِنْ الْمَيْلِ إلَى رُؤْيَةِ ذَلِكَ .
فَكَيْفَ يَتَسَبَّبُ فِي حُضُورِهِنَّ حَتَّى يُعَايِنَّ مَا يَفْتِنُهُنَّ وَيُغَيِّرُهُنَّ عَنْ وُدِّهِ .
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى قَطْعِ الْمَوَدَّةِ وَالْأُلْفَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمَا .
وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إلَى الْفِرَاقِ فَيَفْسُدُ حَالُ الزَّوْجِ وَحَالُ الزَّوْجَةِ جَزَاءً وِفَاقًا ارْتَكَبُوا مَا نُهُوا عَنْهُ فَجَوَّزُوا عَلَيْهِ بِالنَّكِدِ الْعَاجِلِ إذْ أَنَّ الْغَالِبَ إذَا حَصَلَ ذَلِكَ دَخَلَ الْأَقَارِبُ وَالْجِيرَانُ وَالْجَنَادِرَةُ وَالْقَاضِي بَيْنَهُمْ وَتَشَتَّتَتْ أَحْوَالُهُمْ بَعْدَ جَمْعِهِمْ وَصَارُوا فِرَقًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ يَا عُصْبَةً مَا ضَرَّ أُمَّةَ أَحْمَدَ وَسَعَى عَلَى إفْسَادِهَا إلَّا هِيَ طَارٌ وَمِزْمَارٌ وَنَغْمَةُ شَادِنٍ أَرَأَيْت قَطُّ عِبَادَةً بِمَلَاهِي وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ اللُّوطِيَّةُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ طَائِفَةٌ تَتَمَتَّعُ بِالنَّظَرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ لِأَنَّ النَّظْرَةَ إلَى الْأَمْرَدِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ إجْمَاعًا .
بَلْ صَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ .
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ يَتَمَتَّعُونَ بِالْمُلَاعَبَةِ وَالْمُبَاسَطَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَدَا فِعْلِ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى .
وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النَّظَرِ وَالْمُلَاعَبَةِ وَالْمُبَاسَطَةِ وَالْمُعَانَقَةِ أَقَلُّ رُتْبَةً مِنْ فِعْلِ الْفَاحِشَةِ بَلْ الدَّوَامُ عَلَيْهِ يُلْحِقُهُ بِهَا لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَإِذَا دَاوَمَ
عَلَى الصَّغَائِرِ صَارَتْ كَبَائِرَ هَذَا الْكَلَامُ فِيمَنْ دَاوَمَ عَلَى الصَّغَائِرِ وَصَارَتْ بِدَوَامِهِ عَلَيْهَا كَبَائِرَ .
وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ فِعْلُ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى .
فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ اشْتَمَلَ عَلَى مَفَاسِدَ جُمْلَةٍ مِنْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِمَا لَا يَحِلُّ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْقُوتِ لَهُ .
وَيُقَالُ إنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ وَيَغْضَبُ الرَّبُّ تَعَالَى لِثَلَاثَةِ أَعْمَالٍ لِقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَإِتْيَانِ الذَّكَرِ لِلذَّكَرِ .
وَرُكُوبِ الْأُنْثَى الْأُنْثَى .
وَفِي الْخَبَرِ { لَوْ اغْتَسَلَ اللُّوطِيُّ بِالْبِحَارِ لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا التَّوْبَةُ } وَقَدْ قَالَ بَعْضُ صُوفِيَّةُ الشَّامِ نَظَرْت إلَى غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ فَوَقَفْت أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَرَّ بِي ابْنُ الْجَلَاءِ الدِّمَشْقِيُّ وَأَخَذَ بِيَدِي فَاسْتَحَيْتُ مِنْهُ فَقُلْت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ تَعَجَّبْت مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ وَهَذِهِ الصَّنْعَةِ الْمُحْكَمَةِ كَيْفَ خُلِقَتْ لِلنَّارِ فَغَمَزَ يَدِي وَقَالَ لَتَجِدَنَّ عُقُوبَتَهَا بَعْدَ حِينٍ فَعُوقِبْت بِتِلْكَ النَّظْرَةِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً .
وَحَدَّثَنِي بَعْضُ الْأَشْيَاخِ عَنْ مَنْصُورٍ الْفَقِيهِ .
قَالَ رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ السُّكَّرِيِّ فِي النَّوْمِ فَقُلْت لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ .
فَقَالَ أَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْعَرَقِ حَتَّى سَقَطَ لَحْمُ وَجْهِي .
قُلْت وَلِمَ ذَلِكَ .
قَالَ نَظَرْت إلَى غُلَامٍ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِالطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِي إنْكَارِ الْغِنَاءِ وَالسَّمَاعِ مُطْلَقًا مَعَ سَلَامَتِهِ مِمَّا ذُكِرَ .
وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ فَكَيْفَ بِهِ إذَا انْضَافَ إلَيْهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ .
قَالَ الْإِمَامُ السُّهْرَوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا مَعْنَاهُ .
وَلَا شَكَّ أَنَّك لَوْ مَثَّلْت
بَيْنَ عَيْنَيْك جُلُوسَ هَؤُلَاءِ الْمُغَنِّينَ وَتَزَيُّنَهُمْ .
وَهَذِهِ الْآلَاتِ وَهَيْئَتَهَا وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ السَّمَاعُ الْيَوْمَ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَوَجَدْت نَفْسَكَ تُنَزِّهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حُضُورِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ وَرُؤْيَتِهَا فَكَيْفَ يَفْعَلُهَا مَنْ يَنْتَمِي إلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى .
لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ الصَّادِقِينَ شِعَارُهُمْ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ وَهُوَ مَشْيُهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكِ اللَّعِبِ وَالْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ وَالْخُلْطَةِ وَالْجُمُوعِ وَالْقِيلِ وَالْقَالِ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَوْمِ الصَّادِقِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَشْنَعَهَا وَمَا أَقْبَحَهَا وَكَيْفَ تَجُرُّ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ خَالَفُوا السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَفَعَلُوا الْمَوْلِدَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى فِعْلِهِ بَلْ زَادُوا عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَبَاطِيلِ الْمُتَعَدِّدَةِ فَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ شَدَّ يَدَهُ عَلَى امْتِثَالِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى ذَلِكَ وَهِيَ اتِّبَاعُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنَّا إذْ هُمْ أَعْرَفُ بِالْمَقَالِ وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ .
وَكَذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ عَوَائِدِ أَهْلِ الْوَقْتِ وَمِمَّنْ يَفْعَلُ الْعَوَائِدَ الرَّدِيئَةَ وَهَذِهِ الْمَفَاسِدُ مُرَكَّبَةٌ عَلَى فِعْلِ الْمَوْلِدِ إذَا عَمِلَ بِالسَّمَاعِ فَإِنْ خَلَا مِنْهُ وَعَمِلَ طَعَامًا فَقَطْ وَنَوَى بِهِ الْمَوْلِدَ وَدَعَا إلَيْهِ الْإِخْوَانَ وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ بِنَفْسِ نِيَّتِهِ فَقَطْ إذْ أَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ
الْمَاضِينَ وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ مِنْ أَنْ يَزِيدَ نِيَّةً مُخَالِفَةً لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمًا لَهُ وَلِسُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُمْ قَدَمُ السَّبْقِ فِي الْمُبَادَرَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ نَوَى الْمَوْلِدَ وَنَحْنُ لَهُمْ تَبَعٌ فَيَسَعُنَا مَا وَسِعَهُمْ .
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ فِي الْمَصَادِرِ وَالْمَوَارِدِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَصِيرَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا } انْتَهَى .
وَقَدْ وَقَعَ مَا قَالَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ فِي طَاعَةٍ وَمَنْ لَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ مُقَصِّرٌ بَخِيلٌ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَقَالَ أَيْضًا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاء كَلَامًا مَنْظُومًا فِي وَصْفِ زَمَانِنَا هَذَا كَأَنَّهُ شَاهَدَهُ ذَهَبَ الرِّجَالُ الْمُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ وَالْمُنْكِرُونَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُنْكَرِ وَبَقِيت فِي خُلْفٍ يُزَكِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَدْفَعَ مُعْوَرٌ عَنْ مُعْوَرِ أَبُنَيَّ إنَّ مِنْ الرِّجَالِ بَهِيمَةً فِي صُورَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ الْمُبْصِرِ فَطِنٍ بِكُلِّ مُصِيبَةٍ فِي مَالِهِ فَإِذَا أُصِيبَ بِدِينِهِ لَمْ يَشْعُرْ فَسَلْ الْفَقِيهَ تَكُنْ فَقِيهًا مِثْلَهُ مَنْ يَسْعَ فِي عِلْمٍ بِلُبٍّ يَظْفَرْ ( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَشْنَعَهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا ابْتَدَعُوا فِعْلَ الْمَوْلِدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَشَوَّفَتْ نُفُوسُ النِّسَاءِ لِفِعْلِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي مَوْلِدِ الرِّجَالِ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمُخَالَفَةِ لِلسَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَكَيْفَ إذَا فَعَلَهُ النِّسَاءُ لَا جَرَمَ أَنَّهُنَّ لَمَّا فَعَلْنَهُ ظَهَرَتْ فِيهِ
عَوْرَاتٌ جُمْلَةٌ وَمَفَاسِدُ عَدِيدَةٌ فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي مَوْلِدِ الرِّجَالِ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ النِّسَاءِ يَنْظُرُ إلَى الرِّجَالِ فَيَقَعُ مَا يَقَعُ مِنْ التَّشْوِيشِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَفِي الْمَوْلِدِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَدْهَى لِأَنَّ بَعْضَ الرِّجَالِ يَتَطَلَّعُ عَلَيْهِنَّ مِنْ بَعْضِ الطَّاقَاتِ وَمِنْ السُّطُوحِ وَرُبَّمَا عَرَفَ الرِّجَالُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَعْضَ النِّسْوَةِ الْحَاضِرَاتِ فَيَقُولُونَ هَذِهِ زَوْجَةُ فُلَانٍ وَهَذِهِ بِنْتُ فُلَانٍ وَرُبَّمَا تَعَلَّقَتْ نُفُوسُ بَعْضِ الرِّجَالِ بِبَعْضِ مَنْ يَرَوْنَ .
وَكَذَلِكَ بَعْضُ النِّسْوَةِ رُبَّمَا تَعَلَّقَ خَاطِرُهَا بِمَنْ رَأَتْهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ وَالشُّبَّانِ .
فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى وُقُوعِ الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى وَالْمَفْسَدَةِ الْعُظْمَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْلِدِ الرِّجَالِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُنَّ اقْتَدَيْنَ بِالرِّجَالِ فِي الذِّكْرِ جَمَاعَةً بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ كَمَا يَفْعَلُ الرِّجَالُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِأَدِلَّتِهِ سِيَّمَا وَأَصْوَاتُ النِّسَاءِ فِيهَا مِنْ التَّرْخِيمِ وَالنَّدَاوَةِ مَا هُوَ فِتْنَةٌ فِي الْغَالِبِ فِي الْوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ فَكَيْفَ بِالْجَمَاعَةِ فَتَكْثُرُ الْفِتْنَةُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَسْمَعُهُنَّ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الشُّبَّانِ وَأَصْوَاتُهُنَّ عَوْرَةٌ فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ الَّذِي يُعْمَلُ فِيهِ الْمَوْلِدُ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى السُّوقِ زَادَتْ الْفِتْنَةُ وَعَمَّتْ الْبَلْوَى لِكَثْرَةِ مَنْ يَسْمَعُ أَوْ يَرَى ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ تَصْفِيقَهُنَّ بِالْأَكُفِّ فِيهِ فِتْنَةٌ وَزِيَادَةٌ فِي إظْهَارِ الْعَوْرَاتِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا فِي الْمَرْأَةِ إذَا نَابَهَا شَيْءٌ فِي صَلَاتِهَا وَاضْطُرَّتْ إلَى التَّصْفِيقِ أَنَّهَا تُصَفِّقُ بِبَعْضِ أَصَابِعِهَا عَلَى ظَهْرِ يَدِهَا وَمَا ذَاكَ إلَّا خِيفَةَ صَوْتِ بَاطِنِ كَفَّيْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّ بَعْضَهُنَّ يَرْقُصْنَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي رَقْصِ الشُّبَّانِ وَالرِّجَالِ مِنْ الْعَوْرَاتِ وَالْمَفَاسِدِ وَفِي رَقْصِهِنَّ أَكْثَرُ وَأَشْنَعُ .
وَلِذَلِكَ أُمِرْنَ بِالسِّتْرِ أَكْثَرَ مِنْ الرِّجَالِ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } وَقَدْ عُلِمَ مِنْ أَحْوَالِ النِّسْوَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فِي الْغَالِبِ حَتَّى تَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهَا وَتَتَطَيَّبُ وَتَتَزَيَّنُ ثُمَّ تُفْرِغُ عَلَيْهَا مِنْ الْحُلِيِّ مَا تَجِدُ السَّبِيلَ إلَيْهِ فَإِذَا رَقَصَتْ وَهِيَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ زَادَتْ خَشْخَشَةُ الْحُلِيِّ فَقَدْ تُسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ فَتَزِيدُ الْفِتْنَةُ بِحَسَبِ ذَلِكَ إذْ لَا يَخْلُو أَمْرُهُنَّ فِي الْغَالِبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الرِّجَالِ يَسْتَمِعُونَ وَبَعْضُهُمْ يَنْظُرُونَ فَتَكْثُرُ الْفِتَنُ وَتَفْسُدُ الْقُلُوبُ وَتَتَشَوَّشُ .
فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَطَرَأَ عَلَيْهِ سَمَاعُ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ رُؤْيَتُهُ تَشَوَّشَ مِنْ ذَلِكَ إذْ أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ بَاطِنُهُ مِنْ الْفِتْنَةِ الْمَعْهُودَةِ لَوَقَعَ لَهُ التَّشْوِيشُ مِنْ جِهَةِ مَا يَرَى أَوْ يَسْمَعُ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ فَإِنْ كَانَ التَّشْوِيشُ الْوَاقِعُ فِي بَاطِنِهِ مِنْ جِهَةِ مَا يَجِدُهُ الْبَشَرُ غَالِبًا فَقَدْ يُؤَوَّلُ ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ يَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ تَعَبُّدِهِ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَخَافُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الْعُقُوبَةِ إمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا لِأَجْلِ فَسَادِ حَالِهِ مَعَ رَبِّهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَخُرُوجُهَا لِلْمَوْلِدِ لَيْسَ لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ بَلْ لِلْبِدَعِ وَالْمَنَاكِيرِ وَالْمُحَرَّمَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
ثُمَّ إنَّهُنَّ لَا يَجْتَمِعْنَ لِلْمَوْلِدِ الَّذِي احْتَوَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا بِحُضُورِ مَنْ يَزْعُمْنَ أَنَّهَا شَيْخَةٌ
عَلَى عُرْفِهِنَّ وَقَدْ تَكُونُ وَهُوَ الْغَالِبُ مِمَّنْ تُدْخِلُ نَفْسَهَا فِي التَّفْسِيرِ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتُفَسِّرُ وَتَحْكِي قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وَتَزِيدُ وَتُنْقِصُ وَرُبَّمَا وَقَعَتْ فِي الْكُفْرِ الصَّرِيحِ وَهِيَ لَا تَشْعُرُ بِنَفْسِهَا وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَرُدُّهَا وَيُرْشِدُهَا .
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهَا فِي بَيْتِ شَيْخٍ مِنْ الشُّيُوخِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي الْوَقْتِ وَلَا غَيَّرَ عَلَيْهَا أَحَدٌ بَلْ أَكْرَمُوهَا وَأَعْطَوْهَا .
وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْجُلُوسَ إلَى الْقُصَّاصِ مِنْ الرِّجَالِ أَعْنِي الْوُعَّاظَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ كَانُوا يَرَوْنَ الْقِصَصَ بِدْعَةً وَيَقُولُونَ لَمْ يُقَصُّ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَتَّى ظَهَرَتْ الْفِتْنَةُ فَلَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ ظَهَرَ الْقُصَّاصُ .
وَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى مَجْلِسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ قَاصًّا يَقُصُّ فَوَجَّهَ إلَى صَاحِبَ الشُّرْطَةِ أَنْ أَخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَخْرَجَهُ فَلَوْ كَانَتْ الْقِصَصُ مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْقُصَّاصُ عُلَمَاءَ لَمَا أَخْرَجَهُمْ ابْنُ عُمَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ هَذَا مَعَ وَرَعِهِ وَزُهْدِهِ .
وَرَوَى أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ الْقَصَصُ بِدْعَةٌ .
وَرَوَيْنَا عَنْ عَوْنِ بْنِ مُوسَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ سَأَلْت الْحَسَنَ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قُلْت أَعُودُ مَرِيضًا أَحَبُّ إلَيْكَ أَوْ أَجْلِسُ إلَى قَاصٍّ قَالَ عُدْ مَرِيضَكَ قُلْت أُشَيِّعُ جِنَازَةً أَحَبُّ إلَيْك أَوْ أَجْلِسُ إلَى قَاصٍّ قَالَ شَيِّعْ جِنَازَتَكَ قُلْت إنْ اسْتَعَانَ بِي رَجُلٌ فِي حَاجَتِهِ أُعِينُهُ أَوْ أَجْلِسُ إلَى قَاصٍّ قَالَ اذْهَبْ فِي حَاجَتِك .
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ
الْمَسْجِدِ وَقَالَ مَا أَخْرَجَنِي مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا الْقَاصُّ وَلَوْلَاهُ مَا خَرَجْت .
وَقَالَ ضَمْرَةُ قُلْت لِلثَّوْرِيِّ نَسْتَقْبِلُ الْقَاصَّ بِوُجُوهِنَا فَقَالَ وَلُّوا الْبِدَعَ ظُهُورَكُمْ .
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ دَخَلْت عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَ مَا كَانَ الْيَوْمَ مِنْ خَبَرٍ فَقُلْت نَهَى الْأَمِيرُ الْقُصَّاصَ أَنْ يَقُصُّوا .
وَقَدْ قَسَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامِ فَوَصَفَهُمْ بِأَمَاكِنِهِمْ فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ ثَلَاثَةٌ أَصْحَابُ الْكَرَاسِيِّ وَهُمْ الْقُصَّاصُ وَأَصْحَابُ الْأَسَاطِينِ وَهُمْ الْمَفْتُون وَأَصْحَابُ الزَّوَايَا وَهُمْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ انْتَهَى .
وَقَدْ مَنَعَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ مَنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي جَامِعِ الْبَصْرَةِ حِينَ مَشَى عَلَيْهِمْ وَسَمِعَ كَلَامَهُمْ مَا خَلَا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ لَمَّا أَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَسَأَلَهُ فَأَجَابَهُ بِمَا يَنْبَغِي أَبْقَاهُ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ مِثْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ لَمْ يَتْرُكْهُ حَتَّى امْتَحَنَهُ فَكَيْفَ الْحَالُ فِي زَمَانِنَا هَذَا .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَقَامَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ وَأَدْيَنُ وَأَوْرَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ زَمَانِنَا هَذَا وَصُلَحَائِهِمْ إذْ أَنَّهُمْ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِذَلِكَ وَنَحْنُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ فِيهِمْ بِضِدِّ حَالِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ بَعْضِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ وَصِفَةُ مَا يُفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَسَبَبُ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ الْقِصَّةَ عَلَى مَا نُقِلَ فِيهَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْحِكَايَاتِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ أَنْ تُنْسَبَ لِمَنْصِبِ مَنْ نُسِبَتْ إلَيْهِ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ مَنْ قَالَ عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي غَيْرِ التِّلَاوَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُ عَصَى أَوْ خَالَفَ فَقَدْ كَفَرَ نَعُوذُ
بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَكَثِيرٌ مِنْ الرِّجَالِ مِمَّنْ يُطَالِعُ الْكُتُبَ وَيَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الْمُخَاصَمَةِ فَكَيْفَ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي هِيَ مُعْوَجَّةٌ أَصْلًا وَفَرْعًا ثُمَّ إنَّهَا مَعَ اعْوِجَاجِهَا قَلِيلَةُ الْمُطَالَعَةِ وَإِنْ طَالَعَتْ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَسْتَوِي عِنْدَهَا الصَّحِيحُ وَالسَّقِيمُ وَالْغَالِبُ فِي الْقَصَصِ وَالْحِكَايَاتِ الضَّعْفُ وَالْكَذِبُ فَتَنْقُلُهُ إنْ كَانَتْ ثِقَةً عَلَى مَا رَأَتْهُ فَيَقَعُ الْخَطَأُ فَكَيْفَ بِهَا إذَا حَرَّفَتْهُ فَزَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ فِيهِ فَتَضِلَّ وَتُضِلَّ فَيَدْخُلْنَ النِّسْوَةُ فِي الْغَالِبِ وَهُنَّ مُؤْمِنَاتٌ فَيَخْرُجْنَ وَهُنَّ مُفْتَتَنَاتٌ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْ فُرُوعِ الدِّينِ .
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْد اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ } الْآيَةَ فِي سُورَةِ طَه قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَّا الْيَوْمَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْ آدَمَ إلَّا إذَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ قَوْله تَعَالَى عَنْهُ أَوْ قَوْلِ نَبِيِّهِ فَأَمَّا أَنْ نَبْتَدِئَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِنَا فَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَنَا فِي آبَائِنَا الْأَدْنَيْنَ إلَيْنَا الْمُمَاثِلِينَ لَنَا فَكَيْفَ بِأَبِينَا الْأَقْدَمِ الْأَعْظَمِ الْأَكْبَرِ لِلنَّبِيِّ الْمُقَدَّمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ انْتَهَى .
ثُمَّ الْعَجَبُ الْعَجِيبُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ الْمَوْلِدَ بِالْمَغَانِي وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَجْلِ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ انْتَقَلَ إلَى كَرَامَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفُجِعَتْ الْأُمَّةُ فِيهِ وَأُصِيبَتْ بِمُصَابٍ عَظِيمٍ لَا يَعْدِلُ ذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْمَصَائِبِ أَبَدًا فَعَلَى هَذَا كَانَ يَتَعَيَّنُ
الْبُكَاءُ وَالْحُزْنُ الْكَثِيرُ وَانْفِرَادُ كُلِّ إنْسَانٍ بِنَفْسِهِ لِمَا أُصِيبَ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمْ الْمُصِيبَةُ بِي } انْتَهَى فَلَمَّا ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُصِيبَةَ بِهِ ذَهَبَتْ كُلُّ الْمَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُ الْمَرْءَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَبَقِيَتْ لَا خَطَرَ لَهَا .
وَلَقَدْ أَحْسَنَ حَسَّانُ حِينَ رَثَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ كُنْتَ السَّوَادَ لِنَاظِرِي فَعَمَى عَلَيْكَ النَّاظِرُ مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ فَانْظُرْ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَيْفَ يَلْعَبُونَ فِيهِ وَيَرْقُصُونَ وَلَا يَبْكُونَ وَلَا يَحْزَنُونَ وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَالِ لِأَجْلِ اقْتِرَافِ الذُّنُوبِ وَالْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ مِنْ أَجْلِ فَقْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ذَلِكَ مُذْهِبًا لِلذُّنُوبِ وَمُمْحِيًا لِآثَارِهَا مَعَ أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَالْتَزَمُوهُ لَكَانَ أَيْضًا بِدْعَةً وَإِنْ كَانَ الْحُزْنُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ دَائِمًا لَكِنْ لَا يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ لِذَلِكَ وَالتَّبَاكِي وَإِظْهَارِ التَّحَزُّنِ بَلْ ذَلِكَ أَعْنِي الْحُزْنَ فِي الْقُلُوبِ فَإِنْ دَمَعَتْ الْعَيْنُ فَيَا حَبَّذَا وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ إذَا كَانَ الْقَلْبُ عَامِرًا بِالْحُزْنِ وَالتَّأَسُّفِ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الذِّكْرُ لِهَذَا الْفَصْلِ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا الطَّرَبَ الَّذِي لِلنُّفُوسِ فِيهِ رَاحَةٌ وَهُوَ اللَّعِبُ وَالرَّقْصُ وَالدُّفُّ وَالشَّبَّابَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ الْبُكَاءِ وَالْحُزْنِ إذْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْسِ فِيهِ رَاحَةٌ بَلْ الْكَمَدُ وَحَبْسُ النُّفُوسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا وَمَلَاذِّهَا .
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ أَنَا أَعْمَلُ الْمَوْلِدَ لِلْفَرَحِ وَالسُّرُورِ لِوِلَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَعْمَلُ يَوْمًا آخَرَ لِلْمَأْتَمِ وَالْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ طَعَامًا بِنِيَّةِ الْمَوْلِدِ لَيْسَ إلَّا وَجَمَعَ لَهُ الْإِخْوَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ .
هَذَا وَهُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ ظَاهِرُهُ الْبِرُّ وَالتَّقَرُّبُ لَيْسَ إلَّا فَكَيْفَ بِهَذَا الَّذِي جَمَعَ بِدَعًا جُمْلَةً فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ .
فَكَيْفَ إذَا كَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لِلْفَرَحِ وَمَرَّةً لِلْحُزْنِ فَتَزِيدُ الْبِدَعُ وَيَكْثُرُ اللَّوْمُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كَيْفَ زَادَتْ عَلَى مَا فِي مَوْلِدِ الرِّجَالِ فَتَعَدَّتْ فِتْنَةُ الرِّجَالِ إلَى النِّسَاءِ ثُمَّ تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ آلَ أَمْرُهُمْ إلَى الْخُرُوجِ إلَى الْمَقَابِرِ وَهَتْكِ الْحَرِيمِ هُنَاكَ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالشُّبَّانِ مُخْتَلَطِينَ عَلَى الْوَاعِظِ أَوْ الْوَاعِظَةِ وَتُنْصَبُ لَهُمْ الْمَنَابِرُ وَيَصْعَدُونَ عَلَيْهَا يَعِظُونَ وَيَزِيدُونَ وَيَنْقُصُونَ وَيَتَمَايَلُونَ كَمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ أَفْعَالِ الْوُعَّاظِ وَزَعَقَاتِهِمْ بِتِلْكَ الطُّرُقِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ وَالْهُنُوكُ الْمَذْمُومَةُ شَرْعًا الَّتِي لَا تَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ أَعْجَبَهُمْ شَأْنُهُمْ وَيَتَمَايَلُونَ مَعَ كُلِّ صَوْتٍ وَيَرْجِعُونَ بِحَسَبِ حَالِ ذَلِكَ الصَّوْتِ مَعَ التَّكْسِيرِ وَالضَّرْبِ بِأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْكُرْسِيِّ وَإِظْهَارِ التَّحَزُّنِ وَالْبُكَاءِ وَهُوَ خَالٍ مِنْ الْبُكَاءِ وَالْخَشْيَةِ وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَرِيٍّ عَنْ التَّوْفِيقِ فِيهِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ { إذَا اسْتَكْمَلَ نِفَاقُ الْمَرْءِ كَانَتْ عَيْنَاهُ بِحُكْمِ يَدِهِ يُرْسِلُهُمَا مَتَى شَاءَ } انْتَهَى وَهَذَا نُشَاهِدُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَتَجِدُ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْمَكَّاسِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الظَّلَمَةِ تُذَكِّرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَوَاعِظِ أَوْ التَّخْوِيفِ فَيُرْسِلُونَ دُمُوعَهُمْ إذْ ذَاكَ وَيَتَخَشَّعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ ثُمَّ يَبْقَوْنَ عَلَى حَالِهِمْ لَا يُقْلِعُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَفِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْقُبُورِ مِنْ الْكَشَفَةِ مَا قَدْ تَقَدَّمَ وَإِنَّ النِّسَاءَ كَأَنَّهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ لَا يَحْتَجِبْنَ فَكَأَنَّ الرِّجَالَ فِي الْقُبُورِ صَارُوا نِسَاءً فَإِذَا دَخَلُوا الْبَلَدَ رَجَعُوا رِجَالًا يُسْتَحْيَا مِنْهُمْ فِيهَا ( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى نِكَايَةِ هَذَا الْعَدُوِّ اللَّعِينِ بَلْ بَعْضُهُمْ لَا يَفْتَقِرُ إلَى
وَسْوَسَتِهِ إذْ أَنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَقَدْ قَرَّرُوا وَأَصَّلُوا أَنَّ كُلَّ زَمَانٍ فَاضِلٍ يَشْغَلُونَهُ فِي الْغَالِبِ بِارْتِكَابِ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ أَلَا تَرَى أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ إلَى الْقُبُورِ فِيهِ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِ مِمَّا يَعُمُّ وُجُودُهُ مِنْهُنَّ غَالِبًا وَلَا يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الشَّرِيفَةِ كَلَيَالِي الْجُمَعِ سِيَّمَا الْمُقْمِرَةُ مِنْهَا فَإِنَّ الْفِتْنَةَ فِيهَا تَكْثُرُ فَعَامَلُوهَا بِالنَّقِيضِ عَلَى عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ إذْ أَنَّ اللَّيَالِيَ الْمُقْمِرَةَ هِيَ لَيَالِي الْأَيَّامِ الْبِيضِ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ اللَّيَالِيِ الْمَعْلُومِ فَضْلُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى فَإِنْ اجْتَمَعَ إلَى الْأَيَّامِ الْبِيضِ وَلَيَالِيِهَا شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَشْهُرِ أَوْ الْأَيَّامِ أَوْ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ فَتَزِيدُ الْفَضَائِلُ إلَى فَضَائِلَ أُخَرَ فَتَتَأَكَّدُ الْحُرْمَةُ وَيَقَعُ تَعْظِيمُ الثَّوَابِ وَالْخَيْرَاتِ لِمَنْ قَامَ بِحُرْمَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ .
فَلَمَّا أَنْ زَادَتْ هَذِهِ الْفَضَائِلُ قَابَلْنَهَا بِضِدِّ مَا يُرَادُ مِنْهُنَّ عَلَى عَوَائِدِهِنَّ الذَّمِيمَةِ وَإِنْ كُنَّ لَمْ يَقْصِدْنَ ذَلِكَ لَكِنَّ الْوَاقِعَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ بِالنَّقِيضِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ فَيَنْهَتِكْنَ فِي الْغَالِبِ فِي الْجُمُعَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَوْمِ الْخَمِيسِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْقُبُورِ وَالْجُمُعَةِ فِي إقَامَتِهِنَّ فِيهَا وَالسَّبْتِ فِي رُجُوعِهِنَّ إلَى بُيُوتِهِنَّ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ وَكَذَلِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَالْعِيدَيْنِ وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَكِنْ زَادَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِسَبَبِ الْوُقُودِ فِي الزَّاوِيَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْكَثِيرَةِ بِسَبَبِ الْوَقُودِ فِيهَا وَفِي الْقُبُورِ أَشْنَعُ إذْ فِيهِ تَفَاؤُلٌ لِمَنْ هُنَاكَ مِنْ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ .
وَقَدْ نَهَى
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِنَارٍ فَكَيْفَ يُفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى قَبْرِهِ وَأَعْظَمُ فِتْنَةٍ فِيهَا اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ وَالشُّبَّانِ وَالرِّجَالِ مُخْتَلَطِينَ وَاجْتِمَاعُهُمْ فِتْنَةٌ حَيْثُ وُجِدُوا لَكِنْ فِي الْقُبُورِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ ( فَصْلٌ ) ثُمَّ إنَّهُمْ ضَمُّوا لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِزِيَارَةِ السَّيِّدِ الْحُسَيْنِ وَحُضُورِ بَعْضِهِنَّ سُوقَ الْقَاهِرَةِ لِمَا يَقْصِدْنَ فِيهِ مِنْ الْأَغْرَاضِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا .
وَجَعَلْنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِزِيَارَةِ السِّتِّ نَفِيسَةَ أَوْ حُضُورِ سُوقِ مِصْرَ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِنَّ عَلَى مَا يَزْعُمْنَ .
وَيَوْمَ الْأَحَدِ لِحُضُورِ سُوقِ مِصْرَ أَيْضًا فَلَمْ يَتْرُكْنَ الْإِقَامَةَ فِي الْغَالِبِ إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا وَهُوَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ إنْ سَلِمْنَ فِيهِ مِنْ الزِّيَارَةِ لِمَنْ يَخْتَرْنَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَأَيْنَ الضَّرُورَةُ الشَّرْعِيَّةُ .
وَلَوْ حُكِيَ هَذَا عَنْ الرِّجَالِ لَكَانَ فِيهِ شَنَاعَةٌ وَقُبْحٌ فَكَيْفَ بِهِ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ فَإِنَّهَا لَا تَأْتِي إلَّا بِالشَّرِّ .
وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ قَدْ وَقَعَتْ بِهَدْمِ بُنْيَانِ الْبُيُوتِ الَّتِي فِي الْقُبُورِ عَلَى مَا سَبَقَ فَلَوْ امْتَثَلْنَا أَمْرَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ لَانْسَدَّتْ هَذِهِ الْمَثَالِمُ كُلُّهَا وَكُفِيَ النَّاسُ أَمْرَهَا فَبِسَبَبِ مَا هُنَاكَ مِنْ الْبُنْيَانِ وَالْمَسَاكِنِ وَجَدَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ السَّبِيلَ إلَى حُصُولِ أَغْرَاضِهِ الْخَسِيسَةِ وَمُخَالَفَةِ الشَّرْعِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا قَدْ قِيلَ مِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ فَإِذَا هَمَّ الْإِنْسَانُ بِالْمَعْصِيَةِ وَأَرَادَهَا وَعَمِلَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَفْعَلُهَا أَوْ وَجَدَهُ وَلَكِنْ لَا يَجِدُ مَكَانًا لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعِصْمَةِ .
فَكَانَ الْبُنْيَانُ فِي الْقُبُورِ فِيهِ مَفَاسِدُ .
مِنْهَا هَتْكُ الْحَرِيمِ بِخُرُوجِهِنَّ إلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَيَجِدْنَ أَيْنَ يُقِمْنَ أَغْرَاضَهُنَّ هَذَا وَجْهٌ .
الثَّانِي تَيْسِيرُ الْأَمَاكِنِ لِاجْتِمَاعِ الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ فَتَيْسِيرُ الْمَسَاكِنِ هُنَاكَ سَبَبٌ وَتَسْهِيلٌ لِوُقُوعِ الْمَعَاصِي هُنَاكَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَبْنِي الْبَيْتَ مُجَاوِرًا لِلتُّرْبَةِ الَّتِي تَكُونُ لَهُ ثُمَّ يَمُوتُ هُوَ وَأَهْلُهُ وَمَعَارِفُهُ وَتَنْقَطِعُ آثَارُهُمْ وَتَبْقَى الدِّيَارُ خَالِيَةً فَيَجِدُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ السَّبِيلَ إلَى مُرَادِهِ وَقَدْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ حَيَاةِ صَاحِبِهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ .
وَقَدْ يَنْقَلِعُ بَابُهَا فَتَبْقَى مَأْوَى لِلْفَسَقَةِ وَاللُّصُوصِ .
الثَّالِثُ : وَهُوَ أَكْبَرُ وَأَشْنَعُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَقْفٌ عَلَيْهِ مَا دَامَ مِنْهُ شَيْءٌ مَا مَوْجُودًا فِيهِ حَتَّى يَفْنَى فَإِذَا فَنِيَ حِينَئِذٍ يُدْفَنُ غَيْرُهُ فِيهِ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مَا مِنْ عِظَامِهِ
فَالْحُرْمَةُ قَائِمَةٌ كَجَمِيعِهِ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْفَرَ عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَا يُكْشَفَ عَنْهُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قَدْ غُصِبَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَلْحَدَ مَيِّتًا وَأُهِيلَ عَلَيْهِ بَعْضُ التُّرَابِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ يَاقُوتَةً وَقَعَتْ فِي الْقَبْرِ لَهَا قِيمَةٌ أَوْ نَفَقَةٌ كَثِيرَةٌ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُزَالَ مَا أُهِيلَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ لِأَخْذِ مَا وَقَعَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِ فَلَا يَجُوزُ الْكَشْفُ بَعْدَ إهَالَةِ شَيْءٍ مِنْ التُّرَابِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْكَشْفِ عَنْهُ خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ حَالُ الْمَيِّتِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَمَنَعُوا ذَلِكَ مِنْ بَابِ السَّتْرِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } فَالسَّتْرُ فِي الْحَيَاةِ سَتْرُ الْعَوْرَاتِ وَفِي الْمَمَاتِ سَتْرُ جِيَفِ الْأَجْسَادِ وَتَغَيُّرِ أَحْوَالِهَا فَكَانَ الْبُنْيَانُ فِي الْقُبُورِ سَبَبًا إلَى خَرْقِ هَذَا الْإِجْمَاعِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فِي حَفْرِ قُبُورِهِمْ وَالْكَشْفِ عَنْهُمْ بَلْ يَأْخُذُونَ مَا وَجَدُوا مِنْ الْأَمْوَاتِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ مِنْ قِدَمٍ أَوْ طَرَاوَةٍ فِي الْقِفَافِ فَيَرْمُونَ ذَلِكَ فِي الْمَزَابِلِ أَوْ يَدْفِنُونَهُ بَعْضَ دَفْنٍ وَالْغَالِبُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ فَيَعْمَلُونَ فِي مَوَاضِعِ الْقُبُورِ الْبُيُوتَ الْعَالِيَةَ وَالْمَرَاحِيضَ وَالسَّرَابَاتِ وَيَنْقُلُونَ الْمَوْتَى وَفِيهِمْ الْعُلَمَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْأَشْرَافُ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ كَانَ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا بِمِصْرَ فَيَعْمَلُونَ فِي مَوَاضِعِهِمْ السَّرَابَاتِ الَّتِي لِلْمَرَاحِيضِ فَتَعُمُّ الْأَذِيَّةُ لِمَنْ نُقِلَ
مِنْ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ لَمْ يُنْقَلْ لِقُوَّةِ سَرَيَانِ النَّجَاسَةِ الْمُنْبَعِثَةِ إلَيْهِمْ فِي قُبُورِهِمْ .
وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ لَا شَوْكَةَ لَهُ وَيَسْكُتُ لَهُ لِلْعَادَةِ الذَّمِيمَةِ الْجَارِيَةِ فِيهِمْ وَبَيْنَهُمْ .
وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ عِيَانًا حَفَرَ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ لَا شَوْكَةَ لَهُ مَوْضِعَ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ فَرَأَيْت الْفَعَلَةَ وَهُمْ يَنْقُلُونَ عِظَامَ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ فَيَرْمُونَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَتَّى بَنَى دَارًا عَظِيمَةً عَلَى زَعْمِهِمْ وَحَمَّامًا وَإِصْطَبْلًا وَبِئْرًا وَحَوْضًا لِلسَّبِيلِ عَلَى زَعْمِهِ بَلْ ارْتَكَبَ بَعْضُ مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ أَمْرًا عَظِيمًا هُوَ أَشَدُّ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَنْ يُبَاشِرُ نَبْشَ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُبُورِهِمْ الْأُسَارَى مِنْ كُفَّارِ الْإِفْرِنْجِ وَغَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُونَ عِظَامَ الْمَوْتَى فِي الْقُفَفِ بَعْدَ حَفْرِهِمْ عَلَيْهِمْ أَذِيَّةً وَنِكَايَةً وَحَسِيفَةً فَيَكْسِرُونَ الْعِظَامَ وَيَخْرِقُونَ حُرْمَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كَسْرُ عَظْمِ الْمُسْلِمِ مَيِّتًا كَكَسْرِهِ حَيًّا } انْتَهَى ثُمَّ إذَا أَخْرَجُوا الْعِظَامَ فِي الْقُفَفِ لِيَرْمُوهَا يَتَضَاحَكُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَقَدْ يُنَادِي بَعْضُ الْأُسَارَى عَلَى الْقُفَّةِ الَّتِي مَعَهُ فِيهَا عِظَامُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ كَأَنَّهُ يَبِيعُ شَيْئًا يَقُولُ قُفَّةٌ بِرُبْعٍ قُفَّةٌ بِأَرْبَعِ فُلُوسٍ قُفَّةٌ بِفَلْسَيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اسْتِهْزَائِهِمْ .
وَكَيْفَ لَا وَهُمْ أَعْدَاءُ الدِّينِ وَقَدْ وَجَدُوا السَّبِيلَ إلَى الْجِهَادِ عَلَى زَعْمِهِمْ فَانْتَهَكُوا ذَلِكَ وَطَابَتْ خَوَاطِرُهُمْ بِمَا نَالُوا مِنْهُ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ مَا أَعْظَمَ قُبْحَهَا وَمَا أَشْنَعَهَا وَارْتِكَابِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ فِيهَا كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ تَسَامُحُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْوَقْتِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْبُنْيَانِ فِي الْقُبُورِ وَوَقَعَ ذَلِكَ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ بَلْ بَعْضِ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى وَغَيْرِ ذَلِكَ
مِنْ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ وَالْوُصُولِ إلَى أَرْبَابِ الْأُمُورِ تَجِدْ لَهُمْ فِيهَا مَوَاضِعَ عَالِيَةً عَظِيمَةً عِنْدَهُمْ وَتَشَبَّهُوا فِي ذَلِكَ بِمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بَلْ يَقِفُ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى عَلَى تُرَبِهِمْ الْأَوْقَافَ عَلَى الْقُرَّاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالذَّاكِرِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ حَالِهِمْ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ تِلْكَ الطُّرُقِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَقِفُونَ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالْبَوَّابِ وَالْقَيِّمِ وَالْمُؤَذِّنِ وَعَلَى الزَّيْتِ لِوَقُودِ الْمَكَانِ وَيُمْنَعُ الْوُقُودُ هُنَاكَ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : مُخَالَفَةُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ .
وَالثَّانِي : مَا فِيهِ مِنْ التَّفَاؤُلِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِنَارٍ فَكَيْفَ بِهِ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى قَبْرِهِ .
وَالثَّالِثُ : إضَاعَةُ الْمَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَالْعَجَبُ الْعَجِيبُ مِنْ كَوْنِهِمْ يُفْتُونَ فِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْبَشَ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ وَلَا أَنْ يُتَسَبَّبَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَرَاحِيضِ وَالْفَسَاقِي الْمَمْلُوءَةِ بِالْمَاءِ لِلِاسْتِعْمَالِ ثُمَّ يَقِفُونَ عَلَى ذَلِكَ وَقْفًا فَيَكُونُ الْوَقْفُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَنْ يَبُولُ عَلَيْهِمْ وَيُنَجِّسُهُمْ فَتَجِدُ أَكْثَرَ دُورِهِمْ أَكْثَرَ تَنْجِيسًا لِزِيَادَةِ الِاجْتِمَاعِ عِنْدَهُ مِنْ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَقَوْمَةِ الْمَكَانِ وَمَنْ كَانَ يَأْتِي إلَيْهِمْ وَإِلَى زِيَارَتِهِمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
فَإِذَا عُلِمَ مَا ذُكِرَ وَتَحَقَّقَ بِمُشَاهَدَتِهِ عِيَانًا بَطَلَ إذْ ذَاكَ الْوَقْفُ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً فِي نَفْسِهِ ، وَهَذَا كَمَا تَرَاهُ مُنَافٍ لِلْقُرْبَةِ قَطْعًا فَأَيْنَ الْقُرْبَةُ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ بَلْ يَتَفَاخَرُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى فِي صِفَةِ الرُّخَامِ الَّذِي يَفْرِشُونَهُ حَوْلَ الْقَبْرِ
وَعَلَيْهِ .
وَأَمَّا بُنْيَانُ الْقَبْرِ وَالْأَعْمِدَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالسُّقُوفِ الْمُذَهَّبَةِ وَالتَّصَاوِيرِ الَّتِي فِي بَعْضِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ كَيْفَ يَنْعَكِسُ مُرَادُ مَنْ خَالَفَهُ إلَى ضِدِّهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا وَقَفُوا الْأَوْقَافَ عَلَى مَنْ ذُكِرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَمَا قَصَدُوا بِالْأَوْقَافِ إلَّا كَثْرَةَ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَنْ جَعَلُوهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ انْعَكَسَ عَلَيْهِمْ الْأَمْرُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعَدَمِ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ مِمَّنْ يَأْتِي لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ ، أَوْ يَمُرُّ بِهَا إذْ أَنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِتِلْكَ الْقُصُورِ وَالْأَبْوَابِ وَالْحُجَّابِ مِنْ الطَّوَّاشِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَأَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى حَالِ رِيَاسَتِهِمْ وَمُفَاخَرَتِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَصْحَبُوا ذَلِكَ حَتَّى فِي الْقُبُورِ ( فَصْلٌ ) ثُمَّ الْعَجَبُ كَيْفَ غَابَ عَنْهُمْ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ وَعُمْدَتُهَا إذْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرْعِ الْوَرَعُ وَكُلُّ أَحَدٍ فِيهِ عَلَى مَرْتَبَتِهِ وَالْوَرَعُ بِالْمَرْءِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، أَوْلَى بِهِ بَلْ أَوْجَبُ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ فِي حَيَاتِهِ إذْ أَنَّهُ مَا بَقِيَ لَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا إقَامَةٌ إلَّا أَنْفَاسٌ يَسِيرَةٌ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَأَهَّبَ لِلِقَاءِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَرَعِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَوْ قُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَرَعٌ حَاجِزٌ لَمْ يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْ النَّارِ } انْتَهَى .
فَعَكَسَ هَؤُلَاءِ الْأَمْرَ وَجَمَعُوا الْمَالَ مِنْ وَجْهِهِ وَمِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ وَغَصَبُوا مَوَاضِعَ قُبُورِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ رَاحِلُونَ لِأَوَّلِ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ وَبَنَوْا وَشَيَّدُوا الدِّيَارَ
وَغَيْرَهَا مِنْ مَالٍ جُمِعَ مِنْ الشُّبُهَاتِ ، أَوْ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ هُمَا مَعًا عَكْسُ خِصَالِ الْمُتَّقِينَ بَلْ الْمُسْلِمِينَ وَالْغَصْبُ مِنْ الْكَبَائِرِ فِيمَا هُوَ لِلْأَحْيَاءِ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ لِلْمَوْتَى خُصُوصًا فَغَصَبُوا حُقُوقَ الْمَوْتَى وَبَنَوْا فِيهَا بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ } انْتَهَى .
ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتَّى وَقَفُوا مِنْ تِلْكَ الْجِهَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا أَوْقَافًا عَلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْمَغْصُوبَةِ وَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى انْبِعَاثِ النَّجَاسَاتِ عَلَى قُبُورِ أَنْفُسِهِمْ وَقُبُورِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
ثُمَّ الْعَجَبُ فِي حُكْمِهِمْ بِصِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ كَيْفَ يُمْكِنُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفُ لِلْوَقْفِ مَصْرِفًا غَيْرَ مَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ فَلِمَنْ يَرْجِعُ ذَلِكَ مَعَ الْحُكْمِ بِبُطْلَانِهِ وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ ( فَصْلٌ ) فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَلَا يَنْبَغِي الدُّخُولُ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ لِلتَّرَحُّمِ وَلَا لِحُضُورِ دَفْنِ الْجِنَازَةِ هُنَاكَ وَلَا لِغَيْرِهِمَا إذْ أَنَّ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ مَغْصُوبَةٌ لِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَنْبَغِي وَمَعَ ذَلِكَ يَخْرُجُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ عَنْ أَقَلِّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ ، وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ لِنَصِّ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ انْتَهَى .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الْإِنْكَارُ هَاهُنَا لَا مَحَلَّ لَهُ إذْ أَنَّ مَنْ يُنْكَرُ عَلَيْهِ قَدْ مَاتَ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ فِي تَرْكِ الدُّخُولِ فِيهِ فَائِدَةً كُبْرَى إذْ أَنَّ فِيهِ رَدْعًا وَزَجْرًا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهِ مِنْ الْأَحْيَاءِ ، ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ كَيْفِيَّةَ تَتَبُّعِ اللَّعِينِ إبْلِيسَ
السُّنَنَ الشَّرِيفَةَ لَا يَجِدُ سُنَّةً إلَّا وَيَعْمَلُ عَلَى تَرْكِهَا بِكَيْدِهِ وَتَسْوِيلِهِ وَتَزْيِينِهِ ثُمَّ يُبَدِّلُهَا بِضِدِّهَا أَلَا تَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي النِّسَاءِ فِي حَالِ حَيَاتِهِنَّ الِاخْتِفَاءُ وَالْحِجَابُ الْمَنِيعُ وَمَهْمَا أَمْكَنَ كَانَ أَوْلَى وَأَوْجَبَ وَفِي حَالِ الْمَمَاتِ لَمْ تُفَرِّقْ السُّنَّةُ بَيْنَ قُبُورِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَعْنِي فِي كَيْفِيَّةِ الْقُبُورِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا زِيٌّ يَخْتَصُّ بِهِ .
وَأَنْتَ تَرَى حَالَ بَعْضِ النِّسْوَةِ الْيَوْمَ عَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذَلِكَ فَتَرَاهُنَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ يَتَبَرَّجْنَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَغَيْرِهَا ثُمَّ إنَّهُنَّ إذَا مُتْنَ يَجْعَلْنَ عَلَى قُبُورِهِنَّ أَعْنِي مَنْ قَدَرَ مِنْهُنَّ فَيَجْعَلْنَ فِي التُّرَبِ الْحُجَّابَ مِنْ الطَّوَّاشِيَّةِ وَالْبَوَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَرْضَوْهُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ فَعَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُنَّ فِي قُبُورِهِنَّ عَكْسُ الْحَيَاةِ فَانْتَهَى الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهِنَّ شَيْءٌ مِنْ بَرَكَةِ مَنْ يَزُورُ الْقُبُورَ ، أَوْ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَمُرُّ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ مَنْ يُبَكِّرُ مِنْ الرِّجَالِ وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ إلَّا بِالشَّيْءِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ أَعْنِي أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَتَّصِفُ بِهِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ الْغَنِيُّ الْكَرِيمُ ، وَإِنَّمَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالذُّلِّ وَالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالتَّصَاغُرِ فَهَذِهِ الْمَعَانِي وَمَا أَشْبَهَهَا هِيَ الَّتِي تَنَزَّهَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهَا وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ شَرَفٌ وَلَا تَقَرُّبٌ إلَّا بِهَا فَإِنْ انْخَرَمَ شَيْءٌ مِنْهَا نَقَصَ مِنْ حَالِهِ مَعَ رَبِّهِ تَعَالَى بِقَدْرِ ذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَكْسِ الْحَالِ .
كَانَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِالْعُلَمَاءِ فَصَارَ الْيَوْمَ الْأَمْرُ
بِالْعَكْسِ ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ يَرْتَكِبُ مَا لَا يَنْبَغِي كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَأْتِي الْعَالِمُ فَيَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ فَعَمَّتْ الْفِتْنَةُ وَاسْتَحْكَمَتْ هَذِهِ الْبَلِيَّةُ فَلَا تَجِدُ فِي الْغَالِبِ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ وَلَا مَنْ يُعِينُ عَلَى زَوَالِهِ ، أَوْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، أَوْ مُحَرَّمٌ .
فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَنْ تَرَحَّمَ عَلَى الْقُبُورِ اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي تَرَحُّمِهِ مَنْ كَانَ خَلْفَ بُنْيَانٍ ، أَوْ غَيْرِهِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَصْدَ الزَّائِرِ أَوْ الْمَارِّ التَّرَحُّمُ عَلَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ وَمَنْ رَآهُمْ مِنْ الْقُبُورِ .
وَأَمَّا مَنْ هُوَ خَلْفَ حِجَابٍ وَلَمْ يَقْصِدْهُ فَلَا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ تَرَحُّمِهِ لِانْعِزَالِ الْمَدْفُونِ بِحِجَابِ مَا بِالتُّرْبَةِ الْمُشَيَّدَةِ وَغَيْرِهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعُمَّ بِدُعَائِهِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِمَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ .
وَوَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَأْمُورٌ بِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ بِالْقَلْبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُؤْمِنُ الْعَارِفُ بِلِسَانِ الْعِلْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّى الدُّعَاءَ وَالتَّرَحُّمَ لِمَنْ قَبْرُهُ عَلَى مَا وُصِفَ ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِهِ مَا بَنَوْهُ وَشَيَّدُوهُ وَغَصَبُوهُ لِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَوَاضِعِ دَفْنِهِمْ وَمَنْ دَعَا لَهُمْ أَوْ تَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ تَرَكَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمْ إذَا اتَّصَفُوا بِمَا ذُكِرَ لَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى أُمِرْنَا بِهِجْرَانِ مَنْ أُمِرْنَا بِهِجْرَانِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذَا فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ ، وَأَمَّا الْأَمْوَاتُ فَلَا فَائِدَةَ فِي هِجْرَانِهِمْ بِتَرْكِ الدُّعَاءِ لَهُمْ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ
الْمُكَلَّفَ الْعَالِمَ بِلِسَانِ الْعِلْمِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ أَقَلِّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ ، وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ مِنْهُمْ فَلَا يَدْعُو لَهُمْ .
وَفِي عَدَمِ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ أَيْضًا فَائِدَةٌ كُبْرَى ، وَهُوَ الرَّدْعُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُمْ وَيَحْذُوَ حَذْوَهُمْ وَلَوْ فِي بَعْضِ النَّاسِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَمَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا الْحَالِ لَعَلَّهُ يَحْصُلُ لَهُ عِوَضًا مِنْ ذَلِكَ ثَوَابُ التَّأَسُّفِ وَالتَّحَسُّرِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ يُكْتَبُ مِنْ حِزْبِهِمْ إذْ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا كَمَا يَنْبَغِي شَرْعًا أُلْحِقَ بِهِمْ .
وَلَمْ تَزَلْ الْأَكَابِرُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُوصُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ بِأَنْ يُدْفَنُوا عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لِكَيْ يَصِلَ إلَيْهِمْ بَرَكَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَتَرَحَّمُ ، أَوْ يَسْتَغْفِرُ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَقَدْ خَرَجْنَا عَمَّا كُنَّا بِصَدَدِهِ مِنْ فِعْلِ الْمَوْلِدِ بِالْقُبُورِ وَوَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلِهَا .
ثُمَّ نَرْجِعُ الْآنَ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْمَوْلِدِ ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَتَوَرَّعُ عَنْ فِعْلِ الْمَوْلِدِ بِالْمَغَانِي الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَيُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ الْقُرَّاءَ وَالْفُقَرَاءَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مُجْتَمَعِينَ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَالْهُنُوكِ كَمَا عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْقُرَّاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَكَذَلِكَ الْفُقَرَاءُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْع ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَوْلِدِ فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَوْلِدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَطْعَمَ الْإِخْوَانَ لَيْسَ إلَّا بِنِيَّةِ الْمَوْلِدِ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ فَكَيْفَ بِهِ هُنَا فَمِنْ بَابِ أَحْرَى الْمَنْعُ مِنْهُ .
وَقَدْ يَحْصُلُ فِي هَذَا مِنْ الْمَفَاسِدِ بَعْضُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ أَكْثَرُ ، أَوْ مِثْلُهُ .
وَبَعْضُهُمْ يَتَوَرَّعُ عَنْ هَذَا وَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ
بِقِرَاءَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْحَدِيثِ فِي نَفْسِهَا مِنْ أَكْبَرِ الْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ وَفِيهَا الْبَرَكَةُ الْعَظِيمَةُ وَالْخَيْرُ الْكَثِيرُ لَكِنْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ اللَّائِقِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ كَمَا يَنْبَغِي لَا بِنِيَّةِ الْمَوْلِدِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُشْرَعِ لَهَا لَكَانَ مَذْمُومًا مُخَالِفًا فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمَا بَالَك بِغَيْرِهَا
( فَصْلٌ ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ الْمَوْلِدَ لَا لِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ وَلَكِنْ لَهُ فِضَّةٌ عِنْدَ النَّاسِ مُتَفَرِّقَةٌ كَانَ قَدْ أَعْطَاهَا فِي بَعْضِ الْأَفْرَاحِ وَالْمَوَاسِمِ وَيُرِيدُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا وَيَسْتَحْيِ أَنْ يَطْلُبَهَا بُدَاءَةً فَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأَخْذِ مَا اجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ ، وَهَذَا فِيهِ وُجُوهٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ : أَحَدُهَا : وَهُوَ أَشَدُّهَا أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِصِفَةِ النِّفَاقِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ إذْ ظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ عَمِلَ الْمَوْلِدَ يَبْتَغِي بِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَبَاطِنُهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ بِهِ فِضَّتَهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ الْمَوْلِدَ لِأَجْلِ جَمْعِ الدَّرَاهِمِ وَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ وَكُلُّ قِسْمٍ مِنْهُمَا عَلَى قِسْمَيْنِ ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ دُنْيَا وَيَتَظَاهَرُ بِأَنَّهُ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينِ فَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ لِتَزِيدَ دُنْيَاهُ بِمُسَاعَدَةِ النَّاسِ لَهُ فَيَزْدَادَ هَذَا فَسَادًا عَلَى الْمَفَاسِدِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ مِنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ ثَنَاءَ النَّاسِ عَلَيْهِ وَالنَّفْسُ تُحِبُّ الْمَحَامِدَ كَثِيرًا ، وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ .
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْهُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ إلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ يَخَافُ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَشَرِّهِ فَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ حَتَّى يُسَاعِدَهُ النَّاسُ تَقِيَّةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ فَيَزْدَادَ مِنْ الْحُطَامِ بِسَبَبِ مَا فِيهِ مِنْ الْخِصَالِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطِرٌ ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّنْ يُخَافُ مِنْ شَرِّهِ فَهُوَ مَعْدُودٌ بِفِعْلِهِ مِنْ الظَّلَمَةِ .
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفَ الْحَالِ فَيُرِيدَ أَنْ يَتَّسِعَ حَالُهُ فَيَعْمَلَ الْمَوْلِدَ لِأَجْلِ ذَلِكَ .
الثَّانِي مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْفُقَرَاءِ لَكِنْ لَهُ لِسَانٌ يُخَافُ مِنْهُ وَيُتَّقَى لِأَجْلِهِ فَيَعْمَلُ الْمَوْلِدَ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا مِمَّنْ
يَخْشَاهُ وَيَتَّقِيهِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ مِنْ حُضُورِ الْمَوْلِدِ الَّذِي يَفْعَلُهُ أَحَدٌ مِنْ مَعَارِفِهِ لَحَلَّ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ مَا يَتَشَوَّشُ بِهِ وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى الْعَدَاوَةِ ، أَوْ الْوُقُوعِ فِي حَقِّهِ فِي مَحَافِلِ بَعْضِ وُلَاةِ الْأُمُورِ قَاصِدًا بِذَلِكَ حَطَّ رُتْبَتِهِ بِالْوَقِيعَةِ فِيهِ ، أَوْ نَقْصَ مَالِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْصِدُهُ مَنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرَاعَاةِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ } ، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ تَتَشَوَّفُ نَفْسُهُ إلَى الثَّنَاءِ وَالْمِدْحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ .
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَفَاسِدِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّسَائِسِ وَدُخُولِ وَسَاوِسِ النُّفُوسِ وَشَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِمَّا يَتَعَذَّرُ حَصْرُهُ .
فَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ أَعْطَى قِيَادَهُ لِلِاتِّبَاعِ وَتَرَكَ الِابْتِدَاعَ .
وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لِذَلِكَ بِمَنِّهِ
( فَصْلٌ ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خُصَّ مَوْلِدُهُ الْكَرِيمُ بِشَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَبِيَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَاخْتُصَّ بِفَضَائِلَ عَدِيدَةٍ وَلَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَهَا الْحُرْمَةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَا فِي لَيْلَتِهَا .
فَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ انْتَهَى .
وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ ، وَهُوَ أَنَّ خَلْقَ الْأَقْوَاتِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْخَيْرَاتِ الَّتِي يَتَغَذَّى بِهَا بَنُو آدَمَ وَيَحْيَوْنَ وَيَتَدَاوَوْنَ وَتَنْشَرِحُ صُدُورُهُمْ لِرُؤْيَتِهَا وَتَطِيبُ بِهَا نُفُوسُهُمْ وَتَسْكُنُ بِهَا خَوَاطِرُهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا لِاطْمِئْنَانِ نُفُوسِهِمْ بِتَحْصِيلِ مَا يُبْقِي حَيَاتَهُمْ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ حِكْمَةِ الْحَكِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَوُجُودُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ قُرَّةُ عَيْنٍ بِسَبَبِ مَا وُجِدَ مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَالْبَرَكَةِ الشَّامِلَةِ لِأُمَّتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ ظُهُورَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ فِيهِ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ تَفَطَّنَ إلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى اشْتِقَاقِ لَفْظَةِ رَبِيعٍ إذْ أَنَّ فِيهِ تَفَاؤُلًا حَسَنًا بِبِشَارَتِهِ لِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالتَّفَاؤُلُ لَهُ أَصْلٌ أَشَارَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْ اسْمِهِ نَصِيبٌ هَذَا فِي الْأَشْخَاصِ وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفَصْلُ الرَّبِيعِ فِيهِ
تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَمَّا فِي بَاطِنِهَا مِنْ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَرْزَاقِهِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْعِبَادِ وَحَيَاتُهُمْ وَمَعَايِشُهُمْ وَصَلَاحُ أَحْوَالِهِمْ فَيَنْفَلِقُ الْحَبُّ وَالنَّوَى وَأَنْوَاعُ النَّبَاتِ وَالْأَقْوَاتِ الْمُقَدَّرَةِ فِيهَا فَيَبْتَهِجُ النَّاظِرُ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا وَتُبَشِّرُهُ بِلِسَانِ حَالِهَا بِقُدُومِ رَبِيعِهَا وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ عَظِيمَةٌ إلَى الِاسْتِبْشَارِ بِابْتِدَاءِ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
أَلَا تَرَى أَنَّكَ إذَا دَخَلْت بُسْتَانًا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأَنَّهُ يَضْحَكُ لَك وَتَجِدُ زَهْرَهُ كَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِ يُخْبِرُكَ بِمَا لَكَ مِنْ الْأَرْزَاقِ الْمُدَّخَرَةِ وَالْفَوَاكِهِ .
وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ إذَا ابْتَهَجَ نَوَارُهَا كَأَنَّهُ يُحَدِّثُكَ بِلِسَانِ حَالِهِ كَذَلِكَ أَيْضًا .
فَمَوْلِدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ فِيهِ مِنْ الْإِشَارَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِ وَذَلِكَ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلَى التَّنْوِيهِ بِعَظِيمِ قَدْرِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَحِمَايَةٌ لَهُمْ مِنْ الْمَهَالِكِ وَالْمَخَاوِفِ فِي الدِّينِ وَحِمَايَةٌ لِلْكَافِرِينَ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا لِأَجْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ ، وَإِدْرَارُ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّمَا يَكْثُرُ عِنْدَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِهِ وَاتِّبَاعِ سُنَنِ أَنْبِيَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ وَمُخَالَفَةِ الْعَدُوِّ اللَّعِينِ وَجُنُودِهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ خُرُوجِهِ إلَى هَذَا الْوُجُودِ لَمْ يَقْدِرْ اللَّعِينُ إبْلِيسُ وَجُنُودُهُ عَلَى الْقَرَارِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَا فِي الثَّانِيَةِ وَلَا فِي الثَّالِثَةِ إلَى أَنْ نَزَلُوا إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ فَخَلَتْ
الْأَرْضُ مِنْهُمْ بِبَرَكَةِ وُجُودِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى خُلُوِّ الْأَرْضِ مِنْ هَذَا اللَّعِينِ وَجُنُودِهِ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّهُمْ يُقَيَّدُونَ فَأَيْنَ التَّقْيِيدُ مِنْ نَفْيِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ .
وَفِي هَذَا إشَارَةٌ عَظِيمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى كَرَامَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ رَبِّهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ وَبِمَنْ تَبِعَهُ .
فَإِنْ قِيلَ إنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ تُقَيَّدُ الشَّيَاطِينُ فِي جَمِيعِهِ .
فَلَا شَكَّ أَنَّ نَفْيَهُمْ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى فِي يَوْمِ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْظَمُ مِنْ تَقْيِيدِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلِّهِ إذْ فِيهِ ظُهُورُ مَزِيَّةِ الْوَقْتِ الَّذِي خَلَتْ الْأَرْضُ مِنْ الْعَدُوِّ وَجُنُودِهِ فِيهِ فَلْيَفْهَمْ مَنْ يَفْهَمُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَوَقَعَتْ الْبَرَكَاتُ وَإِدْرَارُ الْأَرْزَاقِ وَمِنْ أَعْظَمِهَا مِنَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ بِهِدَايَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ إلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ .
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَرِّفَنَا بَرَكَةَ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَيَرْزُقَنَا اتِّبَاعَهُ دِينًا وَدُنْيَا وَآخِرَةً بِفَضْلِهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ آمِينَ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : مَا فِي شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ شَبَهِ الْحَالِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ فَصْلَ الرَّبِيعِ أَعْدَلُ الْفُصُولِ وَأَحْسَنُهَا إذْ لَيْسَ فِيهِ بَرْدٌ مُزْعِجٌ وَلَا حَرٌّ مُقْلِقٌ وَلَيْسَ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ طُولٌ خَارِقٌ بَلْ كُلُّهُ مُعْتَدِلٌ وَفَصْلُهُ سَالِمٌ مِنْ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْعَوَارِضِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا النَّاسُ فِي أَبْدَانِهِمْ فِي زَمَانِ الْخَرِيفِ بَلْ النَّاسُ تَنْتَعِشُ فِيهِ قُوَاهُمْ وَتَصْلُحُ أَمْزِجَتُهُمْ وَتَنْشَرِحُ صُدُورُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْأَبْدَانَ يُدْرِكُهَا فِيهِ مِنْ إمْدَادِ الْقُوَّةِ مَا يُدْرِكُ النَّبَاتَ حِينَ خُرُوجِهِ إذْ مِنْهَا خُلِقُوا فَيَطِيبُ لَيْلُهُمْ لِلْقِيَامِ وَنَهَارُهُمْ لِلصِّيَامِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِدَالِهِ فِي الطُّولِ
وَالْقِصَرِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ شَبَهَ الْحَالِ بِالشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مِنْ رَفْعِ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ شَاءَ الْحَكِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَتَشَرَّفُ بِهِ الْأَزْمِنَةُ وَالْأَمَاكِنُ لَا هُوَ يَتَشَرَّفُ بِهَا بَلْ يَحْصُلُ لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُبَاشِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْفَضِيلَةُ الْعُظْمَى وَالْمَزِيَّةُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْأَعْمَالِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ .
فَلَوْ وُلِدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَكَانَ ظَاهِرُهُ يُوهِمُ أَنَّهُ يَتَشَرَّفُ بِهَا فَجَعَلَ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ مَوْلِدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِهَا لِيَظْهَرَ عَظِيمُ عِنَايَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ وَكَرَامَتُهُ عَلَيْهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي { قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلسَّائِلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْت فِيهِ وَلَمَّا أَنْ صَرَّحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْت فِيهِ } عُلِمَ بِذَلِكَ مَا اخْتَصَّ بِهِ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَكَذَلِكَ الشَّهْرُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنْ كَانَ { يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ } وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِالطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَخْيَارِ أَنَّهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَوَّى رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِحَدِيثٍ قَالَ فِي كِتَابِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ وَذَكَرَ فِيهِ { أَنَّ آدَمَ خُلِقَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إلَى اللَّيْلِ انْتَهَى } ؛ لِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهُوَ سَاكِنُ الدَّارِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْخِطَابِ إذْ أَنَّ الدَّارَ لَا تُرَادُ لِنَفْسِهَا بَلْ لِسَاكِنِهَا .
قَالَ وَقَدْ كَانَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إذَا صَلَّتْ الْعَصْرَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ تَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَتُقْبِلُ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَلَا تُكَلِّمُ أَحَدًا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَتَقُولُ إنَّ السَّاعَةَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَتُؤْثِرُ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ صَادَفَ السَّاعَةَ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْوُجُودِ ، وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا أَنَّهُ قَدْ نَجَحَ سَعْيُهُ وَظَفِرَ بِمُرَادِهِ .
إذْ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي فَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ تِلْكَ السَّاعَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ هُوَ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمَا بَالُكَ بِالسَّاعَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { آدَم وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي } انْتَهَى .
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ أُهْبِطَ آدَم وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ .
وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ خَيْرٌ كُلُّهُ وَأَمْنٌ كُلُّهُ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ خُصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْخُطْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا يَخُصُّهُ فِي نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ يُخَفِّفُ فِيهِ الْأَمْرَ عَنْ أُمَّتِهِ فَلَا يُكَلِّفُهُمْ فِيهِ زِيَادَةَ عَمَلٍ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَنْ أَخْرَجَهُ إلَى الْوُجُودِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يُكَلِّفْ الْأُمَّةَ فِيهِ زِيَادَةَ عَمَلٍ إكْرَامًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ بِسَبَبِ عِنَايَةِ وُجُودِهِ فِيهِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ عُمُومًا وَلِأُمَّتِهِ خُصُوصًا .
وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ عَدَمُ التَّكْلِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الدَّلَالَاتِ لَهُ مَا هَذَا لَفْظُهُ .
إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُ ثُمَّ الصِّدِّيقِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ الْمُخْتَارِينَ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَجَعَلَهُ فِي عَمُودٍ أَمَامَ عَرْشِهِ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَيُقَدِّسُهُ ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلِقَ نُورُ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مِنْ نُورِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ انْتَهَى .
وَقَدْ أَشَارَ الْفَقِيهُ الْخَطِيبُ أَبُو الرَّبِيعِ فِي كِتَابِ شِفَاءِ الصُّدُورِ لَهُ أَشْيَاءُ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ .
فَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا شَاءَ الْحَكِيمُ خَلْقَ ذَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَارَكَةِ الْمُطَهَّرَةِ أَمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَنْزِلَ إلَى الْأَرْضِ وَأَنْ يَأْتِيَهُ بِالطِّينَةِ الَّتِي هِيَ قَلْبُ الْأَرْضِ وَبَهَاؤُهَا وَنُورُهَا .
قَالَ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَلَائِكَةُ الْفِرْدَوْسِ وَمَلَائِكَةُ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ مَوْضِعِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ بَيْضَاءُ مُنِيرَةٌ فَعُجِنَتْ بِمَاءِ التَّسْنِيمِ وَغُمِسَتْ فِي مَعِينِ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ حَتَّى صَارَتْ كَالدُّرَّةِ الْبَيْضَاءِ وَلَهَا نُورٌ وَشُعَاعٌ عَظِيمٌ حَتَّى طَافَتْ بِهَا الْمَلَائِكَةُ حَوْلَ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْكُرْسِيِّ وَفِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي الْجِبَالِ وَالْبِحَارِ فَعَرَفَتْ الْمَلَائِكَةُ وَجَمِيعُ الْخَلْقِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَضْلَهُ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَضَعَ فِي ظَهْرِهِ قَبْضَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَسَمِعَ آدَم فِي ظَهْرِهِ نَشِيشًا كَنَشِيشِ الطَّيْرِ .
فَقَالَ آدَم يَا رَبِّ مَا هَذَا النَّشِيشُ .
قَالَ هَذَا تَسْبِيحُ نُورِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي أُخْرِجُهُ مِنْ ظَهْرِكَ فَخُذْهُ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي وَلَا تُودِعْهُ إلَّا فِي الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ .
فَقَالَ آدَم يَا رَبِّ قَدْ أَخَذْتُهُ بِعَهْدِكَ وَمِيثَاقِكَ وَلَا أُودِعُهُ إلَّا فِي
الْمُطَهَّرِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُحْصَنَاتِ مِنْ النِّسَاءِ .
فَكَانَ نُورُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَلَأْلَأُ فِي ظَهْرِ آدَمَ وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تَقِفُ خَلْفَهُ صُفُوفًا يَنْظُرُونَ إلَى نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ اسْتِحْسَانًا لِمَا يَرَوْنَ .
فَلَمَّا رَأَى آدَم ذَلِكَ .
قَالَ أَيْ رَبِّ مَا بَالُ هَؤُلَاءِ يَقِفُونَ خَلْفِي صُفُوفًا .
فَقَالَ الْجَلِيلُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُ يَا آدَم يَنْظُرُونَ إلَى نُورِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي أُخْرِجُهُ مِنْ ظَهْرِكَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ أَرِنِيهِ فَأَرَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ فَآمَنَ بِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مُشِيرًا بِأُصْبُعِهِ .
وَمِنْ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِالْإِصْبَعِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ .
فَقَالَ آدَم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا النُّورَ فِي مُقَدَّمِي كَيْ تَسْتَقْبِلَنِي الْمَلَائِكَةُ وَلَا تَسْتَدْبِرَنِي فَجَعَلَ ذَلِكَ النُّورَ فِي جَبْهَتِهِ فَكَانَ يُرَى فِي غُرَّةِ آدَمَ دَائِرَةٌ كَدَائِرَةِ الشَّمْسِ فِي دَوَرَانِ فَلَكِهَا أَوْ كَالْبَدْرِ فِي تَمَامِهِ وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تَقِفُ أَمَامَهُ صُفُوفًا يَنْظُرُونَ إلَى ذَلِكَ النُّورِ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّنَا اسْتِحْسَانًا لِمَا يَرَوْنَ .
ثُمَّ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ يَا رَبِّ اجْعَلْ هَذَا النُّورَ فِي مَوْضِعٍ أَرَاهُ فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَبَّابَتِهِ فَكَانَ آدَم يَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ النُّورِ .
ثُمَّ إنَّ آدَمَ قَالَ يَا رَبِّ هَلْ بَقِيَ مِنْ هَذَا النُّورِ شَيْءٌ فِي ظَهْرِي .
فَقَالَ نَعَمْ بَقِيَ نُورُ أَصْحَابِهِ .
فَقَالَ أَيْ رَبِّ اجْعَلْهُ فِي بَقِيَّةِ أَصَابِعِي فَجَعَلَ نُورَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْوُسْطَى وَنُورَ عُمَرَ فِي الْبِنْصِرِ وَنُورَ عُثْمَانَ فِي الْخِنْصَرِ وَنُورَ عَلِيٍّ فِي الْإِبْهَامِ فَكَانَتْ تِلْكَ الْأَنْوَارُ تَتَلَأْلَأُ فِي أَصَابِعِ آدَمَ مَا دَامَ فِي الْجَنَّةِ .
فَلَمَّا صَارَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ انْتَقَلَتْ الْأَنْوَارُ مِنْ أَصَابِعِهِ إلَى ظَهْرِهِ انْتَهَى .
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورُ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْبَلَ ذَلِكَ النُّورُ يَتَرَدَّدُ وَيَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَسَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ .
فَخَلَقَ مِنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ الْعَرْشَ .
وَمِنْ الثَّانِي الْقَلَمَ .
وَمِنْ الثَّالِثِ اللَّوْحَ ثُمَّ قَالَ لِلْقَلَمِ اجْرِ وَاكْتُبْ .
فَقَالَ : يَا رَبِّ مَا أَكْتُبُ .
قَالَ مَا أَنَا خَالِقُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
فَجَرَى الْقَلَمُ عَلَى اللَّوْحِ وَكَتَبَ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ .
وَأَقْبَلَ الْجُزْءُ الرَّابِعُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْجُدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَسَمَهُ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ فَخَلَقَ مِنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ الْعَقْلَ وَمِنْ الثَّانِي الْمَعْرِفَةَ وَأَسْكَنَهَا فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ وَمِنْ الْجُزْءِ الثَّالِثِ نُورَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنُورَ الْأَبْصَارِ وَالْجُزْءُ الرَّابِعُ جَعَلَهُ اللَّهُ حَوْلَ الْعَرْشِ حَتَّى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَسْكَنَ ذَلِكَ النُّورَ فِيهِ ، فَنُورُ الْعَرْشِ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ الْقَلَمِ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ اللَّوْحِ مِنْ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ النَّهَارِ مِنْ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ الْعَقْلِ مِنْ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُورُ الْمَعْرِفَةِ وَنُورُ الشَّمْسِ وَنُورُ الْقَمَرِ وَنُورُ الْأَبْصَارِ مِنْ نُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى .
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ لِأَبِي الرَّبِيعِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُقِلَ يَا أَبَا مَعْنَايَ وَيَا ابْنَ صُورَتِي .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ قَالَ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ } انْتَهَى .
فَلَئِنْ
كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ اُخْتُصَّ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَعَظِيمِ قَدْرِهَا الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ ، وَأَنَّ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ عَلَى الرَّاجِحِ ، وَأَنَّ قِيَامَهَا يَعْدِلُ عِبَادَةَ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي أَشَقِّ الْعِبَادَاتِ ، وَهُوَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى .
فَعِلْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ حَصَلَ لَنَا بِإِخْبَارِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفَضِيلَةُ الْأَوْقَاتِ تَلَقَّيْنَاهَا مِنْهُ وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
وَشَهْرُ رَبِيعٍ وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَلَيْلَتُهُ عَلِمْنَا فَضْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِظُهُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهَا فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُطْبُ دَائِرَةِ الْكَوْنِ وَاَلَّذِي خُلِقَ الْوُجُودُ لِأَجْلِهِ وَاَلَّذِي فُضِّلَتْ الْأَوْقَاتُ بِبَرَكَتِهِ وَاَلَّذِي خُصَّتْ أُمَّتُهُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ أَجْلِهِ وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مَا وَرَدَ مِنْ مُنَاظَرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْن عَيَّاشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ يَقُولُ لَهُ أَأَنْت الْقَائِلُ مَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا أَأَنْت الْقَائِلُ إلَى آخِرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وَمِنْ الْمُنْتَقَى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ لَضَرَبَهُ يُرِيدُ لِأَدَبِهِ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ لِاعْتِقَادِهِ تَفْضِيلَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ ، أَوْ هُوَ يَرَى تَرْكَ الْأَخْذِ فِي تَفْضِيلِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ لِمَا شُهِرَ مِنْ أَخْذِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ دُونَ نَكِيرٍ .
فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ .
وَمِنْ كِتَابِ مُسْنَدِ مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لِأَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَافِقِيِّ الْجَوْهَرِيِّ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اُفْتُتِحَتْ الْقُرَى بِالسَّيْفِ وَافْتُتِحَتْ الْمَدِينَةُ بِالْقُرْآنِ } وَمِنْهُ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ تَكَلَّمَ مَرْوَانُ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ مَكَّةَ وَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَدِينَةَ فَقَامَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فَقَالَ مَالَك يَا هَذَا ذَكَرْت مَكَّةَ فَأَطْنَبْت فِي ذِكْرِهَا وَلَمْ
تَذْكُرْ الْمَدِينَةَ وَأَشْهَدُ لَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } انْتَهَى .
مَعَ أَنَّهُ قَدْ خَصَّصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عُمُومَ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَقَالَ إنَّهَا خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ فِي كَثْرَةِ الرِّزْقِ وَبَرَكَةِ الثِّمَارِ ، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا ، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَمَعْنَى لَأْوَائِهَا هُوَ الْجُوعُ وَالشِّدَّةُ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَبَعِيدٌ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى كَثْرَةِ الثِّمَارِ إذْ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُشَرِّعُ وَالْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ وَمَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ رَبِّهِ وَالْأَعْلَى وَالْأَخَصُّ .
وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّصَ عُمُومُ الْحَدِيثِ وَالْمَدِينَةُ قَدْ اشْتَمَلَتْ وَاخْتَصَّتْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيًّا وَمَيِّتًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ الْكُتُبَ الصِّحَاحَ وَذَكَرَ فِي بَابِ فَضْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَا هَذَا لَفْظُهُ ( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَمَا قُلْت .
فَقَالَ الرَّجُلُ إنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا إنَّمَا أَرَدْت الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِثْلُ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا ثَلَاثًا } انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى
مَا احْتَوَى عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ وَالْأَسْرَارِ الْبَيِّنَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ بِحُلُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا حَصَلَتْ لَهَا هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ الْعُظْمَى .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَابَ قَوْلَ الْقَائِلِ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ .
بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِئْسَمَا قُلْت فَمَفْهُومُهُ أَنَّ ذَلِكَ خَيْرُ مَضْجَعِ الْمُؤْمِنِ .
ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِجَوَابِهِ حِينَ قَالَ الرَّجُلُ إنَّمَا أَرَدْت الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَلَا مِثْلَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ } الْآيَةَ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ } وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ مَشْهُورَةٌ .
ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَضَّلَ الدَّفْنَ فِيهَا لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَلِغَيْرِهِ عَلَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْخُصُوصِيَّةِ الْعُظْمَى .
هَذَا ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى ظَهْرِهَا فَكَيْفَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ فِي جَوْفِهَا { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُحْصَرَ فَضِيلَةُ ذَلِكَ وَلَا يُقَدَّرُ قَدْرُهَا .
وَمِنْ الْمُوَطَّأِ أَنَّ مَوْلَاةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَتْهُ فِي الْفِتْنَةِ فَقَالَتْ إنِّي أَرَدْت الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ اُقْعُدِي لَكَاعِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا ، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } انْتَهَى .
قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ شَكٌّ مِنْ الْمُحَدِّثِ وَلَأْوَاؤُهَا هُوَ الْجُوعُ وَالشِّدَّةُ وَتَعَذُّرُ الْكَسْبِ وَالشِّدَّةُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا اللَّأْوَاءَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا كُلَّ مَا يَشْتَدُّ بِسَاكِنِهَا وَتَعْظُمُ مَضَرَّتُهُ وَقَوْلُهُ شَفِيعًا الشَّفَاعَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهِيَ شَفَاعَةٌ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَشَفَاعَةٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ خَاصَّةً وَقَوْلُهُ ، أَوْ شَهِيدًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لَهُ بِالْمَقَامِ الَّذِي فِيهِ الْأَجْرُ
وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ لِشَهَادَتِهِ فَضْلًا فِي الْأَجْرِ وَإِحْبَاطًا لِلْوِزْرِ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ سُكْنَاهُ فِي الْمَدِينَةِ وَالْبَقَاءَ بِهَا يَثْبُتُ لَهُ وَيُوجَدُ ثَابِتًا فِي جُمْلَةِ حَسَنَاتِهِ إلَّا أَنَّ شَهَادَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةٌ فِي الْأَجْرِ .
وَكَذَلِكَ { قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ فَضِيلَةَ اسْتِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَالْبَقَاءِ بِهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَرِيبٌ مِمَّا جَاءَ فِي الصَّائِمِ مِنْ قَوْله تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } وَإِذَا كَانَ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهُوَ الْمُجَازِي عَلَيْهِ فَلَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ وَفِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ شَبَهٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ بِحُلُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْبَلَدِ عَمَّتْ بَرَكَتُهُ لِجَمِيعِ مَنْ دُفِنَ فِيهَا وَمَنْ لَمْ يُدْفَنْ فَبَرَكَتُهُ لِلْأَحْيَاءِ مَعْلُومَةٌ وَكَذَلِكَ لِلْأَمْوَاتِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا } فَلَمْ يَكْتَفِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي فَضِيلَتِهَا بِمَا بَيَّنَهُ وَصَرَّحَ بِهِ أَوَّلَ الْحَدِيثِ حَتَّى قَالَ { مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا ثَلَاثًا } انْتَهَى .
وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى بَعْضِ سِرِّ تَكْرَارِهِ ذَلِكَ ثَلَاثًا إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَلْقَى أَمْرًا لَهُ خَطَرٌ وَبَالٌ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالْمَدِينَةِ وَمَا قَارَبَهَا وَمَا
خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ الْعَمِيمَةِ وَالْبَرَكَاتِ الشَّامِلَةِ الْعَظِيمَةِ إذْ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعُزَيْرِ حَاكِيًا عَنْ حَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى } فَمَا يَفْضُلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيَعْظُمُهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَأَيُّ بَلَدٍ وَأَيُّ بُقْعَةٍ تَصِلُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ .
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيبِ فِيهِ وَالْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ وَتَدَاخُلُ كَلَامِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ يَحْرُسُونَهَا لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ } وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا } وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ .
وَأَوْضَحُهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَأَنَا أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاك إبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ } وَدُعَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ دُعَاءِ إبْرَاهِيمَ ؛ لِأَنَّ فَضْلَ الدُّعَاءِ عَلَى قَدْرِ فَضْلِ الدَّاعِي .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا لَنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ } وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحَبِّبَ إلَيْهِ الْأَدْوَنَ عَلَى الْأَعْلَى .
وَمِنْهَا مَا اسْتَقَرَّ عِنْدَ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ يُخَاطِبُهُ أَأَنْت الْقَائِلُ مَكَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ { لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إلَّا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ } وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ } وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ تَأْكُلُ الْقُرَى إلَّا رُجْحَانُ فَضْلِهَا عَلَيْهَا وَزِيَادَتُهَا عَلَى غَيْرِهَا .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا } وَتَخْصِيصُهُ إيَّاهَا بِذَلِكَ لِفَضْلِهَا عَلَى جَمِيعِ الْبِقَاعِ الَّتِي لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِيهَا وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْلُوقٌ مِنْهَا ، وَهُوَ خَيْرُ الْبَشَرِ فَتُرْبَتُهُ أَفْضَلُ التُّرَبِ وَلِأَنَّ فَرْضَ الْهِجْرَةِ إلَيْهَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمُقَامِ بِهَا طَاعَةً وَقُرْبَةً وَالْمُقَامُ بِغَيْرِهَا ذَنْبًا وَمَعْصِيَةً وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى فَضْلِهَا عَلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ انْتَهَى كَلَامُهُمَا .
فَلَمَّا أَنْ عُلِمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَى رَبِّهِ هَذِهِ الْبُقْعَةُ أَحَبَّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهَا إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ شَيْءٌ قَطُّ يُفَضِّلُهُ لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بَلْ بِحَسَبِ مَا فَضَّلَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَوَابًا لِنِسَائِهِ حِينَ تَكَلَّمْنَ مَعَهُ فِي تَفْضِيلِهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَيْهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَأَجَابَهُنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ { إنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيَّ فِي فِرَاشِ إحْدَاكُنَّ إلَّا فِي فِرَاشِهَا } .
فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُفَضِّلُ الْأَشْيَاءَ بِحَسَبِ مَا فَضَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذَا التَّنْبِيهُ كَافٍ .
وَمَذْهَبُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ { ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ
مَكَّةَ بِدُونِ الْأَلْفِ ، وَأَنَّهَا تَفْضُلُ غَيْرَهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ بِالْأَلْفِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ } لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ .
وَبِقَوْلِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَاضِلَةً فِي نَفْسِهَا فَإِذَنْ فَضَلَتْهَا الْمَدِينَةُ .
وَقَدْ جَاءَ فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ وَكَفَى بِهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ أَنَّهَا مَطْلَعُ شَمْسِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِيهَا نُبِّئَ وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ وَمِنْهَا أُسْرِيَ بِهِ إلَى قَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ فَحَصَلَتْ لَهَا الْفَضِيلَةُ الْعُظْمَى بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبِمَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
لَكِنْ جَرَتْ حِكْمَةُ الْحَكِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ جَعَلَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَتْبُوعًا ، وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تَتَشَرَّفُ بِهِ وَيَعْلُو قَدْرُهَا وَفَضْلُهَا بِسَبَبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَظَهَرَ أَمْرُهُ بِهَا حَتَّى انْتَقَلَ مِنْهَا إلَى رَبِّهِ لَكَانَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ تَشَرَّفَ بِمَكَّةَ فَكَانَ انْتِقَالُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْمَدِينَةِ لِيَخُصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِبَلَدٍ وَحْدَهُ وَحَرَمٍ أَوْ مَسْجِدٍ وَرَوْضَةٍ وَوُفُودٍ تَسِيرُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْفَرْضِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْإِسْلَامُ إلَّا بِهِ ، وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَوْ اقْتَصَرَ أَحَدٌ عَلَى الشَّهَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلَمْ يُقِرَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالرِّسَالَةِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ إسْلَامٌ وَلَا إيمَانٌ فَلَمْ يَصِحَّ التَّوْحِيدُ إلَّا مَعَ الْإِقْرَارِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ بِالرِّسَالَةِ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَفَضَّلَهَا بِذَلِكَ جَعَلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَابِلَتَهَا فَالْوُفُودُ تَسِيرُ مِنْ كُلِّ الْآفَاقِ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَكَذَلِكَ تَسِيرُ إلَى زِيَارَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَمَّا أَنْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ حَرَمًا جَعَلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَمًا يُقَابِلُهُ .
وَلَمَّا أَنْ جَعَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَهُ فَضِيلَةً فِي الصَّلَاةِ فِيهِ جَعَلَ مَسْجِدَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَذَلِكَ فِي تَضْعِيفِ الْأُجُورِ وَلَمَّا أَنْ كَانَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَشْهَدُ لِلَامِسِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا شَهِدَ لِلَامِسِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ جَعَلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُقَابَلَتِهِ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْمَعُونَةِ لَهُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فِيهَا لِفَضْلِهِ عَلَى بَقِيَّتِهَا فَكَانَ بِأَنْ يَدُلَّ عَلَى فَضْلِهَا عَلَى سِوَاهَا أَوْلَى انْتَهَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَلْ هِيَ بِنَفْسِهَا فِي الْجَنَّةِ أَوْ الْعَمَلُ فِيهَا يُوجِبُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ خَرَّجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ } قَالَ وَلَا نَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَعَالَى قَاعِدَةُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنْ عَارَضَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق