
ج5. كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
تَقَدَّمَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ إلَّا لِأَمْرٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَكَانَ الْعَمَلُ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ كَالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُخْرِجْهُ مَنْ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالرُّجُوعُ إلَى الْعَمَلِ أَرْجَحُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ شَرَعَ الْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَلَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ .
فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فَلَا فَرْقَ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي بِعَدَمِ الْجَزَاءِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْبَرَهُمْ بِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنْ رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ عَمَلًا ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ الْعَمَلِ قَدْ يَقَعُ بَعْضُهُمْ ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِي تَرْكِهِ فَيَئُولُ أَمْرُهُمْ إلَى الْخُسْرَانِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فَرَفَعَ عَنْهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِهِمْ مِنْ التَّقْصِيرِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ حَتَّى رَدَّ الْخَمْسِينَ إلَى خَمْسٍ بِبَرَكَةِ شَفَاعَتِهِ وَشَفَقَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَسُؤَالِهِ فِي الرِّفْقِ بِهِمْ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَالْوُفُودُ تَسِيرُ إلَى مَكَّةَ لِأَدَاءِ فَرْضِ الْحَجِّ بِخِلَافِ زِيَارَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنْظُرُ أَبَدًا مَا فِيهِ الْأَفْضَلُ لِأُمَّتِهِ فَيُرْشِدُهُمْ إلَيْهِ وَمَا كَانَ فِيهِ تَكْلِيفٌ يَرْفَعُهُ عَنْهُمْ مُكْتَفِيًا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ فَتَجِدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كُلِّ مَا يَخُصُّ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ يُخَفِّفُهُ عَنْ أُمَّتِهِ .
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا يَحْرِمَنَا مِنْ بَرَكَاتِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَى رَبِّهِ وَشُمُولِ عِنَايَتِهِ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ .
وَمِمَّا
يُؤَيِّدُ مَا ذُكِرَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الْأُولَى } فَكُلُّ مَقَامٍ ، أَوْ مَكَان أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ أُقِيمَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فِي الْفَضِيلَةِ بِحَيْثُ الْمُنْتَهَى ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا يَشُكُّ وَلَا يُرْتَابُ أَنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ انْتِقَالِهِ إلَى رَبِّهِ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِهِ وَأَتَمِّهَا إذْ هُوَ الْخِتَامُ وَالْخِتَامُ يَكُونُ أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهُ وَأَعْظَمَ مِنْهُ فَلَئِنْ كَانَتْ مَكَّةُ مَوْضِعَ شَمْسٍ مَشْرِقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَالْمَدِينَةُ مَوْضِعُ شَمْسِ مَغْرِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِيهَا حَلَّ وَأَقَامَ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْإِيمَانُ يَأْرِزُ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ } يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا بَيْنَ مَطْلِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَغْرِبِهِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِثْلُهُ أَعْنِي بِذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ وَمَا وَقَعَ فِي شَهْرِ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ ظُهُورِ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ الْبَيِّنَةِ مِنْ إخْمَادِ نَارِ فَارِسَ وَانْشِقَاقِ إيوَانِ كِسْرَى وَمَنْعِ الشَّيَاطِينِ مِنْ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ وَنُزُولِ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ لَاكْتَفَى فِي فَضِيلَتِهِ بِوُجُودِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } وَمَعْنَى لَعَمْرُكَ لَحَيَاتُكَ فَأَقْسَمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِحَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِمَخْلُوقٍ إلَّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ تَعَالَى {
لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لَا بِمَعْنَى التَّأْكِيدِ .
وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إنَّمَا تَكُونُ لَا لِلتَّأْكِيدِ إذَا عُدِمَتْ الْفَائِدَةُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا لَفْظَةُ لَا وَالْفَائِدَةُ مَوْجُودَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى { لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } مَعْنَاهُ أَيُّ قَدْرٍ وَأَيُّ خَطَرٍ لِهَذَا الْبَلَدِ حَتَّى يُقْسَمَ بِهِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ وَالْخَطَرُ لَكَ فَأَنْتَ الَّذِي يُقْسَمُ بِكَ لِعَظِيمِ جَاهِكَ وَحُرْمَتِكَ عِنْدَنَا .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى سِرِّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إذْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَدِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَكَّةُ اتِّفَاقًا ، وَمَكَّةُ قَدْ تَظَافَرَتْ النُّصُوصُ عَلَى تَفْضِيلِهَا .
فَإِذَا كَانَتْ مَكَّةُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنْ الْفَضِيلَةِ الْعُظْمَى وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقْسِمُ بِهَا مَعَ وُجُودِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهَا إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَالشَّمْسِ لَا تَظْهَرُ الْكَوَاكِبُ مَعَهَا بَلْ هُوَ الَّذِي كُسِيَتْ الْأَكْوَانُ مِنْ بِهَاءِ نُورِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ مَنْ مَدَحَهُ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ الْجَمِيلَةِ حَيْثُ يَقُولُ إلَى الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ أَحْمَدُ قَدْ دَنَا وَنُورُهُمَا مِنْ نُورِهِ يَتَلَأْلَأُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَوْضِعُ مَقَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَائِمًا لَا يُوَازِيهِ غَيْرُهُ وَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ الْأَدِلَّةُ بِالْفَضِيلَةِ الْعُظْمَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَمَا شَابَهَهُ يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ فَاضِلٌ وَبَيْنَ مَا هُوَ أَفْضَلُ فَإِنَّك إذَا قُلْت مَثَلًا الشَّمْسُ أَكْثَرُ ضَوْءًا مِنْ الْبَدْرِ السَّالِمِ مِنْ كُلِّ مَا يَعْتَرِيهِ فَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ إذْ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ شَارَكَهَا الْبَدْرُ فِي بَعْضِ الضِّيَاءِ لَكِنْ لِلشَّمْسِ زِيَادَةُ ضِيَاءٍ أَضْعَافُ
ذَلِكَ فَظَهَرَتْ فَضِيلَةُ الشَّمْسِ عَلَى الْبَدْرِ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ وَإِذَا فَضَلَتْ عَلَى الْبَدْرِ فَعَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَالْبَدْرُ يَفْضُلُ عَلَى مَا دُونَهُ فِي الضِّيَاءِ وَالْجُرْمِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْمَدِينَةُ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ مُقَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيًّا وَمَيِّتًا الَّتِي قَدْ خُصَّتْ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَكْرَمُ مِنْ غَيْرِهَا بِوُجُودِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهَا .
أَلَا تَرَى أَنَّ مَكَّةَ مَعَ عَظِيمِ قَدْرِهَا لَمْ يُقْسِمْ بِهَا لِأَجْلِ حُلُولِهِ إذْ ذَاكَ بِهَا فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَفْضُلَ مَوْضِعًا حَلَّ فِيهِ وَأَقَامَ بِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا فَكَيْفَ يَفْضُلُهُ غَيْرُهُ وَكُلُّ مَا ذُكِرَ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ فِي وُجُودِ الْفَضِيلَةِ إذْ لَا فَرْقَ فِي الِاحْتِرَامِ لِرَفِيعِ جَنَابِهِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ .
وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ مِنْ فَضَائِلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَا مِنْ نَبِيٍّ دُفِنَ إلَّا وَقَدْ رُفِعَ بَعْدَ ثَلَاثٍ غَيْرِي فَإِنِّي سَأَلْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ أَكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ مَاتَ بِأَحَدِ الْحَرَمَيْنِ كُنْت لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فَسَوَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَهُمَا فِي الشَّفَاعَةِ لَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَصَّصَ الْمَدِينَةَ بِالذِّكْرِ وَحَضَّ عَلَى مُحَاوَلَةِ ذَلِكَ بِالِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا } وَالِاسْتِطَاعَةُ هِيَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي ذَلِكَ فَزِيَادَةُ عِنَايَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِإِفْرَادِ الْمَدِينَةِ بِالذِّكْرِ دَلِيلٌ عَلَى تَمْيِيزِهَا
.
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ } فَجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيَاتَهُ وَمَمَاتَهُ كِلَيْهِمَا سِيَّانِ فِي الْفَضِيلَةِ فِي تَعَدِّي نَفْعِهِ وَبَرَكَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأُمَّتِهِ أَوَّلِهَا وَوَسَطِهَا وَآخِرِهَا فَنَصَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عُمُومِ نَفْعِهِ فِي الْحَالَتَيْنِ مَعًا .
كَيْفَ لَا ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَسَيِّدُ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى وَكَانَ مِنْ رَبِّهِ فِي الْقُرْبِ وَالتَّدَانِي مَعَ التَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيسِ كَقَابَ قَوْسَيْنِ ، أَوْ أَدْنَى .
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَعْنَى كَلَامِ سَيِّدِي الشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ ثُمَّ أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبِأُمَّتِهِ فَقَالَ تَعَالَى { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ فِي حَقِيقَةِ الْمَعْنَى هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأُمَّتُهُ أَوْلَادُهُ .
إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ سَبَبًا لِلْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ بِالْحَيَاةِ السَّرْمَدِيَّةِ وَالْخُلُودِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَسَلَامَتِهِمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ الْعَظِيمِ .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { إنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَثَابَةِ الْوَالِدِ } انْتَهَى ، وَهَذَا ظَاهِرٌ قَالَ تَعَالَى { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } فَحَقُّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْظَمُ مِنْ حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } فَقَدَّمَ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَدَّمَهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى نَفْسِ كُلِّ مُؤْمِنٍ .
وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا تَعَارَضَ لَهُ حَقَّانِ حَقٌّ لِنَفْسِهِ وَحَقٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآكَدُهُمَا عَلَيْهِ وَأَوْجَبُ .
حَقُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَجْعَلُ حَقَّ نَفْسِهِ تَبَعًا لِلْحَقِّ
الْأَوَّلِ ثُمَّ كَذَلِكَ فِي تَتَبُّعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ .
وَإِذَا تَأَمَّلْت الْأَمْرَ فِي الشَّاهِدِ وَجَدْت نَفْعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَك أَعْظَمَ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ إذْ أَنَّ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَك غَرِيقًا فِي بِحَارِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا الْمُوجِبَةِ لِغَضَبِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَأَنْقَذَك وَأَنْقَذَ آبَاءَك وَأَبْنَاءَك وَمَنْ مَشَى عَلَى مَشْيِك ، وَغَايَةُ أَمْرِ أَبَوَيْك أَنَّهُمَا أَوْجَدَاك فِي الْحِسِّ فَكَانَا سَبَبًا لِإِخْرَاجِك إلَى دَارِ التَّكْلِيفِ وَمَحَلِّ الْبَلَايَا وَالْمِحَنِ فَأَوَّلُ ذَنْبٍ يُوقِعُهُ الْمَرْءُ فِيهَا اسْتَحَقَّ بِهِ النَّارَ وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَشِيئَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَخَذَ بِالْعَدْلِ وَإِنْ شَاءَ عَفَا بِالْفَضْلِ .
فَبِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ أَنْقَذَك اللَّهُ الْكَرِيمُ مِمَّا قَدْ كَانَ حَلَّ بِك وَنَزَلَ بِسَاحَتِك مِمَّا لَا طَاقَةَ لَك بِهِ فَتَنَبَّهْ لِعَظِيمِ قَدْرِهِ وَرَفِيعِ مِقْدَارِهِ عِنْدَ رَبِّهِ وَعَظِيمِ إحْسَانِهِ وَجُودِهِ عَلَيْك قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي صِفَتِهِ : { حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ } انْتَهَى فَخَيْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ بَيِّنٌ جِدًّا .
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَآهُ ، أَوْ أَدْرَكَهُ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ لَا يَفُوقُهُ غَيْرُهُ أَبَدًا فِي فَضِيلَةِ مَزِيَّةِ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَوُقُوعِ ذَلِكَ النَّظَرِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَوْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلِأَنَّ أَعْمَالَ أُمَّتِهِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَقَارِبِ فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فَمَا رَآهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَعْمَالِ حَسَنًا سُرَّ بِهِ وَدَعَا لِصَاحِبِهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ
غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَغْفَرَ لِصَاحِبِهِ ، وَهَذَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةٌ فِي التَّلَطُّفِ بِك وَالْإِحْسَانِ إلَيْك بِخِلَافِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَإِنَّهُمْ يُسَرُّونَ ، أَوْ يَحْزَنُونَ لَيْسَ إلَّا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
اللَّهُمَّ بِحُرْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَك عَرِّفْنَا قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي مَنَنْت عَلَيْنَا بِدَوَامِهَا وَلَا تُعَرِّفْهَا لَنَا بِزَوَالِهَا عَنَّا إنَّك وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ آمِينَ .
وَلَقَدْ أَحْسَنَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ ابْنُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ ابْنِ الشَّيْخِ أَبِي مَرْوَانَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَكْرِيِّ عُرِفَ بِابْنِ السَّمَّاطِ ، وَهُوَ أَخُو الشَّيْخِ الْأَجَلِّ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السِّمَاطِ شَيْخِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ مِنْ الْأَكَابِرِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ أَعَلِمْت أَنَّك يَا رَبِيعَ الْأَوَّلِ تَاجٌ عَلَى هَامِ الزَّمَانِ مُكَلَّلُ مُسْتَعْذَبُ الْإِلْمَامِ مُرْتَقَبُ اللِّقَا كُلُّ الْفَضَائِلِ حِينَ تُقْبِلُ تُقْبِلُ مَا عُدْت إلَّا كُنْت عِيدًا ثَالِثًا بَلْ أَنْتَ أَحْلَى فِي الْعُيُونِ وَأَجْمَلُ شَرَفًا بِمَوْلِدِ مُصْطَفًى لَمَّا بَدَا أَخْفَى الْأَهِلَّةَ وَجْهُهُ الْمُتَهَلِّلُ وَحَوَيْت مَنْ أَصْبَحْت ظَرْفَ زَمَانِهِ ظَرْفًا بِهِ فِي بُرْدِ حُسْنِك تَرْفُلُ وَمَلَكْت أَنْفُسَهَا بِلُطْفِ شَمَائِلَ بِنَسِيمِهَا نَفْسُ الْعَلِيلِ تُعَلَّلُ وَإِذَا حَدَا الْحَادِي بِمَنْزِلَةِ الْحِمَى فَالْقَصْدُ سُكَّانُ الْحِمَى لَا الْمَنْزِلُ فَضْلُ الشُّهُورِ عَلَا فَفَاخَرَهَا فَإِنْ فَخَرْت بِأَطْوَلِهَا فَأَنْتَ الْأَطْوَلُ وَاسْتَثْنِ مِنْهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ الَّتِي أَثْنَاءَهَا نَزَلَ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ وَاصْغَ لِقَوْلِ اللَّهِ فِيهَا إنَّهَا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ فِي الْإِبَانَةِ أَفْضَلُ وَاسْتَكْمِلْ الْبُشْرَى فَإِنَّك لَمْ تَزَلْ لَك فِي الْقُلُوبِ مَكَانَةٌ لَا تُجْهَلُ لِمَ لَا وَعَشْرُك وَاثْنَتَاك أَرَيْنَنَا قَمَرًا بِهِ شَمْسُ الضُّحَى لَا تُعْدَلُ وَمِنْ الْعَجَائِبِ أَنَّ بَدْرًا يَسْتَوِي لِتَمَامِ عَشْرٍ وَاثْنَتَيْنِ وَيَكْمُلُ وَيَفُوقُ أَقْمَارَ السَّمَاءِ لِأَنَّهَا لِلنَّقْصِ مِنْ بَعْدِ الزِّيَادَةِ تُنْقَلُ وَكَمَالُ هَذَا الْبَدْرِ لَا يُعْزَى إلَى نَقْصٍ وَلَا عَنْ حَالِهِ يَتَحَوَّلُ بَلْ نُورُهُ يَزْدَادُ ضَعْفًا كُلَّمَا طَفِقَ الْمَحَاقُ سَنَا الْبُدُورِ
يُبَدَّلُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَذَا الشَّهْرُ لَمْ نَجِدْ فِيهِ زِيَادَةً فِي الْأَعْمَالِ كَمَا نَجِدُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ وَاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ تِلْكَ الْأَزْمِنَةَ حَصَلَتْ لَهَا الْفَضِيلَةُ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ فِيهَا ، وَهَذَا الشَّهْرُ حَصَلَ لَهُ التَّشْرِيفُ بِظُهُورِ مَنْ جَاءَتْ الْأَعْمَالُ وَالْخَيْرَاتُ الَّتِي حَصَلَتْ بِهَا الْفَضِيلَةُ لَتِلْكَ الْأَوْقَاتِ عَلَى يَدَيْهِ وَبِسَبَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا وَجْهٌ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ .
وَوَجْهٌ ثَانٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حَيْثُ يَقُولُ فِي صِفَتِهِ { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } فَكَانَ دَأْبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبَ التَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ مَهْمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَوَجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ فَعَلَهُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ هَذَا الشَّهْرُ اُخْتُصَّ بِظُهُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ لَمْ يُكَلِّفْ أُمَّتَهُ زِيَادَةَ عَمَلٍ فِيهِ بَلْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ .
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْآفَاقِ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْحَاجَّ ضَيْفُ اللَّهِ تَعَالَى فَوَقَعَتْ الضِّيَافَةُ لِأَهْلِ الْأَقَالِيمِ كُلِّهَا كَرَامَةً لَهُمْ فَكَيْفَ بِالزَّمَنِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ مَنْ شُرِعَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْلَا أَنْتَ مَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَلَا حَجَجْنَا بَيْتَ رَبِّنَا انْتَهَى فَكَانَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ غَالِبًا وَعَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ الْعِبَادَاتِ ؛ لِأَنَّ أُمَّتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّهْرِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ فِي ضِيَافَةِ وُجُودِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلَمَّا أَنْ كَانَ تَحْرِيمُ الصَّوْمِ عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ كَرَامَةً
لِلْحُجَّاجِ الَّذِينَ هُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ الْخَلِيلِ وَوَلَدِهِ الْكَرِيمِ إسْمَاعِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَلَمَّا أَنْ كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْوُجُودِ .
كَانَتْ الضِّيَافَةُ الشَّهْرَ كُلَّهُ لَكِنْ تَرَكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُمَّتَهُ رَحْمَةً بِهِمْ فِي عَدَمِ التَّكْلِيفِ لَهُمْ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ وَالْفِطْرِ ؛ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ خُصُوصًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَمَا سَبَقَ وَشَأْنُ الرَّحْمَةِ التَّوَسُّعَةُ أَلَا تَرَى إلَى عَدَمِ وُجُوبِ جَزَاءِ الصَّيْدِ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فَلْيَفْهَمْ مَنْ يَفْهَمُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
( فَصَلِّ ) فِي ذِكْر بَعْض مَوَاسِم أَهْل الْكتاب فَهَذَا بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى الْمَوَاسِمِ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ وَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَوَاسِمِ الَّتِي اعْتَادَهَا أَكْثَرُهُمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مَوَاسِمُ مُخْتَصَّةٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَتَشَبَّهَ بَعْضُ أَهْلِ الْوَقْتِ بِهِمْ فِيهَا وَشَارَكُوهُمْ فِي تَعْظِيمِهَا يَا لَيْتَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ خُصُوصًا وَلَكِنَّك تَرَى بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ وَيُعِينُهُمْ عَلَيْهِ وَيُعْجِبُهُ مِنْهُمْ وَيُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ فِي الْبَيْتِ مِنْ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ بِتَوْسِعَةِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ عَلَى زَعْمِهِ بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ يُهَادُونَ بَعْضَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي مَوَاسِمِهِمْ وَيُرْسِلُونَ إلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَهُ لِمَوَاسِمِهِمْ فَيَسْتَعِينُونَ بِذَلِكَ عَلَى زِيَادَةِ كُفْرِهِمْ وَيُرْسِلُ بَعْضُهُمْ الْخِرْفَانَ وَبَعْضُهُمْ الْبِطِّيخَ الْأَخْضَرَ وَبَعْضُهُمْ الْبَلَحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِي وَقْتِهِمْ وَقَدْ يَجْمَعُ ذَلِكَ أَكْثَرُهُمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ .
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ قِيلَ لِمَالِكٍ أَتَرَى بَأْسًا أَنْ يُهْدِيَ الرَّجُلُ لِجَارِهِ النَّصْرَانِيِّ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى هَدِيَّةٍ أَهْدَاهَا إلَيْهِ قَالَ مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } الْآيَةَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى هَدِيَّةٍ أَهْدَاهَا إلَيْهِ إذْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ هَدِيَّةً ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْهَدَايَا التَّوَدُّدُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ } ، فَإِنْ أَخْطَأَ وَقَبِلَ مِنْهُ هَدِيَّتَهُ وَفَاتَتْ عِنْدَهُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُكَافِئَهُ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلٌ فِي مَعْرُوفٍ صَنَعَهُ مَعَهُ .
وَسُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ
اللَّهُ عَنْ مُؤَاكَلَةِ النَّصْرَانِيِّ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ قَالَ تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَا يُصَادِقُ نَصْرَانِيًّا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْوَجْهُ فِي كَرَاهَةِ مُصَادَقَةِ النَّصْرَانِيِّ بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } الْآيَةَ .
فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُبْغِضَ فِي اللَّهِ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ وَيَجْعَلُ مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ وَيُكَذِّبُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمُؤَاكَلَتُهُ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ تَقْتَضِي الْأُلْفَةَ بَيْنَهُمَا وَالْمَوَدَّةَ فَهِيَ تُكْرَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ عَلِمْت طَهَارَةَ يَدِهِ .
وَمِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرُّكُوبِ فِي السُّفُنِ الَّتِي يَرْكَبُ فِيهَا النَّصَارَى لِأَعْيَادِهِمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ مَخَافَةَ نُزُولِ السُّخْطِ عَلَيْهِمْ لِكُفْرِهِمْ الَّذِي اجْتَمَعُوا لَهُ .
قَالَ وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُهْدِيَ إلَى النَّصْرَانِيِّ فِي عِيدِهِ مُكَافَأَةً لَهُ .
وَرَآهُ مِنْ تَعْظِيمِ عِيدِهِ وَعَوْنًا لَهُ عَلَى مَصْلَحَةِ كُفْرِهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبِيعُوا لِلنَّصَارَى شَيْئًا مِنْ مَصْلَحَةِ عِيدِهِمْ لَا لَحْمًا وَلَا إدَامًا وَلَا ثَوْبًا وَلَا يُعَارُونَ دَابَّةً وَلَا يُعَانُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّعْظِيمِ لِشِرْكِهِمْ وَعَوْنِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَيَنْبَغِي لِلسَّلَاطِينِ أَنْ يَنْهَوْا الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى .
وَيُمْنَعُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ } وَمَعْنَى ذَلِكَ تَنْفِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ فِي كُلِّ مَا اخْتَصُّوا بِهِ .
وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَكْرَهُ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ حَتَّى قَالَتْ الْيَهُودُ إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أَنْ لَا يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا
إلَّا خَالَفَنَا فِيهِ .
وَقَدْ جَمَعَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِيمَا ذُكِرَ وَالْإِعَانَةِ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فَيَزْدَادُونَ بِهِ طُغْيَانًا إذْ أَنَّهُمْ إذَا رَأَوْا الْمُسْلِمِينَ يُوَافِقُونَهُمْ أَوْ يُسَاعِدُونَهُمْ ، أَوْ هُمَا مَعًا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغِبْطَتِهِمْ بِدِينِهِمْ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ وَكَثُرَ هَذَا بَيْنَهُمْ .
أَعْنِي الْمُهَادَاةَ حَتَّى إنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَيُهَادُونَ بِبَعْضِ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي مَوَاسِمِهِمْ لِبَعْضِ مَنْ لَهُ رِيَاسَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَيَشْكُرُونَهُمْ وَيُكَافِئُونَهُمْ .
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَغْتَبِطُونَ بِدِينِهِمْ وَيُسَرُّونَ عِنْدَ قَبُولِ الْمُسْلِمِ ذَلِكَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ صُوَرٍ وَزَخَارِفَ فَيَظُنُّونَ أَنَّ أَرْبَابَ الرِّيَاسَةِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالْمُشَارُ إلَيْهِمْ فِي الدِّينِ وَتَعَدَّى هَذَا السُّمُّ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَسَرَى فِيهِمْ فَعَظَّمُوا مَوَاسِمَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَكَلَّفُوا فِيهَا النَّفَقَةَ .
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَةِ فَيُكَلِّفُهُ أَهْلُهُ وَأَوْلَادُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَتَدَايَنَ لِفِعْلِهِ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَفْعَلُ إلَّا ضَحِيَّةً لِجَهْلِهِ وَجَهْلِ أَهْلِهِ بِفَضِيلَتِهَا ، أَوْ قِلَّةِ مَا بِيَدِهِ فَلَا يَتَكَلَّفُ هُوَ وَلَا هُمْ يُكَلِّفُونَهُ ذَلِكَ .
مَعَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَالُوا يَتَدَايَنُ لِلْأُضْحِيَّةِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ بَاعَ أَحَدَهُمَا وَأَخَذَ بِهِ الْأُضْحِيَّةَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ لِتَأْكِيدِ أَمْرِهَا فِي الشَّرْعِ .
فَأَوَّلُ مَا أَحْدَثُوهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ اتَّخَذُوا طَعَامًا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْيَوْمِ فَتَشَبَّهُوا بِهِمْ فِي فِعْلِ النَّيْرُوزِ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ التَّشْوِيشِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَأَهْلِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الزَّلَابِيَةِ وَالْهَرِيسَةِ وَغَيْرِهِمَا كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ .
فَمِنْهُمْ
مَنْ يَأْتِي بِالصَّانِعِ يَبِيتُ عِنْدَهُ فَيَقْلِيهَا لَيْلًا حَتَّى لَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ إلَّا وَهِيَ مُتَيَسِّرَةٌ فَيُرْسِلُونَ مِنْهَا لِمَنْ يَخْتَارُونَ وَيَجْمَعُونَ الْأَقَارِبَ وَالْأَصْحَابَ وَغَيْرَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ عِيدٌ بَيْنَهُمْ .
ثُمَّ يَأْكُلُونَ فِيهِ الْبِطِّيخَ الْأَخْضَرَ وَالْخَوْخَ وَالْبَلَحَ إذَا وَجَدُوهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُلْزِمُهُ النِّسَاءُ لِأَزْوَاجِهِنَّ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ اكْتَسَبْنَ ذَلِكَ مِنْ مُجَاوَرَةِ الْقِبْطِ وَمُخَالَطَتِهِنَّ بِهِمْ فَأَنِسْنَ بِعَوَائِدِهِمْ الرَّدِيئَةِ .
ثُمَّ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَفْعَالًا قَبِيحَةً مُسْتَهْجَنَةً شَرْعًا وَطَبْعًا .
فَمِنْ ذَلِكَ مُضَارَبَتُهُمْ بِالْجُلُودِ وَغَيْرِهَا بَعْدَ أَكْلِهِمْ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ .
فَبَعْضُ مَنْ لَهُ رِيَاسَةٌ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي بُيُوتِهِمْ ، أَوْ فِي بَسَاتِينِهِمْ .
وَبَعْضُ مَنْ لَا يَسْتَحْيِ ، أَوْ لَيْسَ لَهُ رِيَاسَةٌ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الطُّرُقِ وَالْأَزِقَّةِ وَالْأَسْوَاقِ وَعَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ بِمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْمُرُورِ فِيهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَلْ صَارَ ذَلِكَ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَهُمْ حَتَّى إنَّ الْوَالِيَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَحْكُمُ لِأَحَدٍ مِمَّنْ زَهَقَتْ نَفْسُهُ بِضَرْبِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، أَوْ سُلِبَ مَا مَعَهُ كَأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُمْ فِيهِ نَهَبُ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِبَاحَةُ دِمَائِهِمْ أَعْنِي مَنْ وَجَدُوهُ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ .
وَهَذَا الْيَوْمُ شَبِيهٌ بِمَا يَفْعَلُونَهُ فِي يَوْمِ كَسْرِ الْخَلِيجِ وَهُمَا خَصْلَتَانِ مِنْ خِصَالِ فِرْعَوْنَ بَقِيَتَا فِي آلِهِ وَهُمْ الْقِبْطُ فَسَرَى ذَلِكَ مِنْهُمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ .
ثُمَّ جَرَّ ذَلِكَ إلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ السَّفَلَةِ إذَا كَانَ لَهُ عَدُوٌّ يُخَبِّئُ لَهُ ذَلِكَ لِأَحَدِ الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَيَأْخُذُ جِلْدَةً ، أَوْ غَيْرَهَا فَيَجْعَلُ فِيهَا حَجَرًا ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُمْكِنُ الْقَتْلُ بِهِ فَيَضْرِبُ بِهِ عَدُوَّهُ عَلَى جِهَةِ اللَّعِبِ فَيَهْلِكُ فَيَذْهَبُ
دَمُهُ هَدَرًا لَا يُؤْخَذُ لَهُ بِثَأْرٍ لِأَجْلِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَلَيْتَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي عَامَّةِ النَّاسِ بَلْ سَرَى ذَلِكَ إلَى بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فَتَرَى الْمَدَارِسَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا تُؤْخَذُ فِيهَا الدُّرُوسُ أَلْبَتَّةَ .
وَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِي مَسْأَلَةٍ بَلْ تَجِدُ بَعْضَ الْمَدَارِسِ مُغْلَقَةً فَيَلْعَبُونَ فِيهَا حَتَّى لَوْ جَاءَهُمْ الْمُدَرِّسُ ، أَوْ غَيْرُهُ وَثَبُوا عَلَيْهِ وَأَسَاءُوا الْأَدَبَ فِي حَقِّهِ وَرُبَّمَا أَخْرَقُوا الْحُرْمَةَ وَأَلْقَوْهُ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَوْ قَارَبُوا ذَلِكَ ، أَوْ صَالَحَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْإِخْرَاقِ بِهِ بِدَرَاهِمَ يَأْخُذُونَهَا مِنْهُ تَقْرُبُ مِنْ الْغَصْبِ الَّذِي يَبْحَثُونَ فِيهِ فِي مَجَالِسِهِمْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا فَيَأْكُلُونَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا فَرْعَ ، وَهَذِهِ خِصَالٌ مُسْتَهْجَنَةٌ مِنْ الْعَوَامّ فَكَيْفَ يَفْعَلُهَا مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ ، أَوْ مَنْ يَزْعُمُ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْمُشَارَ إلَيْهِ حَصَلَتْ لَهُ غَيْرَةُ أَهْلِ الدِّينِ كَمَا يَزْعُمُ لَغَيَّرَ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَزَجَرَهُمْ عَنْهُ إذْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ مَا فَلَوْ قَالَ امْنَعُوا هَذَا أَنْ يَدْخُلَ الْمَدْرَسَةَ ، أَوْ أَخْرِجُوهُ مِنْهَا ، أَوْ لَا يَحْضُرُ فِي مَجْلِسِي ، أَوْ قَالَ لِأَحَدِهِمْ مَا كُنْت أَظُنُّ أَنَّ فِيك قِلَّةَ هَذَا الْأَدَبِ ، أَوْ أَنْتُمْ لَا تَتَأَدَّبُونَ بِآدَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْمُرُوءَةِ مِنْ الْعَوَامّ ، أَوْ مَنْ لَهُ حَسَبٌ وَنَسَبٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ ، أَوْ مِثْلُكُمْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ ، أَوْ لَا كَثَّرَ اللَّهُ مِنْكُمْ ، أَوْ أَدَّبَ بَعْضَ أَكَابِرِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَانْزَجَرَ مَنْ دُونَهُ عَنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَحُسْنِ التَّأَنِّي وَالتَّوَاضُعِ فِي الْعِشْرَةِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرِّيَاسَةِ
وَيَحْصُلُ بِذَلِكَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لَيْسَتْ الرِّيَاسَةُ بِمَا تُسَوِّلُ النُّفُوسُ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِالِاتِّبَاعِ لِلشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ وَآدَابِهَا الْحَسَنَةِ وَأَخْلَاقِهَا الْجَمِيلَةِ .
وَلَوْ تَأَمَّلَ هَذَا مَنْ وَقَعَ فِيهِ لَحَقَّ لَهُ الْبُكَاءُ عَلَى مَا أَتَى بِهِ مِنْ قَبِيحِ فِعْلِهِ إذْ أَنَّهُ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ أَقَلِّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ وَالتَّغْيِيرِ ، وَهُوَ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ التَّغْيِيرَ بِالْيَدِ لِلْأُمَرَاءِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ وَبِاللِّسَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ وَبِالْقَلْبِ لِلْعَوَامِّ .
وَهَذَا قَدْ نَزَلَ عَنْ رُتْبَتِهِ الَّتِي هِيَ التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ بَلْ تَرَكَ رُتْبَةَ الْعَوَامّ الَّتِي هِيَ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ } انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى بَلِيَّةِ هَذِهِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ وَقُوَّةِ سَرَيَانِ سُمِّهَا فِي الْقُلُوبِ كَيْفَ أَوْقَعَتْ هَذَا الْعَالِمَ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ الْعَظِيمَةِ فَتَرَكَ التَّغْيِيرَ وَكَانَ سَهْلًا عَلَيْهِ بِأَدْنَى إشَارَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذِهِ خِصَالٌ ذَمِيمَةٌ كَمَا تَرَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَعِبُ الْمُؤْمِنِ فِي ثَلَاثٍ } ، وَهَذَا عَرِيَ عَنْهَا كُلِّهَا .
ثُمَّ إنَّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَامّ جَمَعُوا فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ مَفَاسِدَ جُمْلَةً مُسْتَهْجَنَةً .
فَمِنْهَا إخْرَاقُ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِإِدْخَالِ التَّشْوِيشِ عَلَيْهِمْ وَوُقُوعِ الضَّرَرِ بِهِمْ وَمَنْعِهِمْ مِنْ قَضَاءِ ضَرُورَاتِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ سِيَّمَا إنْ كَانَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ مَرِيضٌ يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ يُلَاطِفُهُ بِهِ ، أَوْ مَيِّتٌ يَحْتَاجُ إلَى الْمُبَادَرَةِ إلَى تَجْهِيزِهِ ، أَوْ غَرِيبٌ لَا يَعْرِفُ عَادَتَهُمْ الذَّمِيمَةَ ، أَوْ نَاسٍ لِمَا يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَمَا شَعَرَ بِنَفْسِهِ حَتَّى حَصَلَ بَيْنَهُمْ فَأَوْقَعُوا
بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى الْخِصَالِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ لَا يُنْتَجُ مِنْهَا إلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْقَبَائِحِ .
ثُمَّ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَفْسَدَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَأْبَاهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُسْلِمُونَ إحْدَاهُمَا شُرْبُ الْخَمْرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلنَّصَارَى لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُهُ جِهَارًا وَتَعَدَّى ذَلِكَ لِبَعْضِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَبَعْضُهُمْ لَا يَسْتَحْيُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ .
الثَّانِيَةُ : أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النِّسَاءِ يَلْعَبْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ مُخْتَلَطِينَ نِسَاءً وَرِجَالًا وَشُبَّانًا وَبَنَاتٍ أَبْكَارًا وَيَبُلُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِذَا ابْتَلَّ ثَوْبُ أَحَدِهِمْ بَقِيَ بَدَنُهُ مُتَّصِفًا يَحْكِي النَّاظِرُ أَكْثَرَهُ فَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى وَلَا يُعَدُّ مِنْ الْقَبَائِحِ الرَّدِيئَةِ .
وَهَذَا وَمَا شَاكَلَهُ أَعْظَمُ فَسَادًا وَفِتْنَةً مِمَّا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَوْلِدِ مِمَّا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْمَوْلِدِ يَخْتَلِطُونَ لَكِنْ بِثِيَابِهِمْ مُسْتَتِرِينَ بِخِلَافِ فِعْلِهِمْ فِي يَوْمِ النَّيْرُوزِ فَإِنَّهُمْ فِيهِ مُنْهَتِكُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ نَزَعُوا فِيهِ ثِيَابَهُمْ وَخَلَعُوا فِيهِ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْهُمْ فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ عُرْيَانًا عَدَا الْمِئْزَرِ وَآخَرَ عَلَيْهِ خِلْقَةٌ أَوْ قَمِيصٌ رَفِيعٌ لِلْمُحْتَشِمِ أَوْ الْمُحْتَشِمَةِ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ الْمَاءُ صَارَ كَأَنَّهُ عُرْيَانًا وَالْغَالِبُ مِنْ عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ أَنَّ الْجَارَةَ لَا تَسْتَحِي مِنْ الْجَارِ ، وَأَنَّ الشَّابَّ إذَا تَرَبَّى بَيْنَهُنَّ لَا يَسْتَحْيِينَ مِنْهُ وَإِنْ صَارَ رَجُلًا وَلَا يَسْتَحْيِينَ مِنْ ابْنِ الْعَمِّ وَلَا مِمَّنْ شَابَهَهُ مِنْ الْأَقَارِبِ وَكَذَلِكَ أَصْدِقَاءُ الزَّوْجِ وَأَصْدِقَاءُ الْأَبِ وَالْأَصْهَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ هَذِهِ أَحْوَالُهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ وَزَادُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنْ رَفْعِ بُرْقُعِ الْحَيَاءِ عَنْهُمْ مَا هُوَ شَنِيعٌ فِي ذِكْرِهِ
فَكَيْفَ بِرُؤْيَتِهِ فَكَيْفَ بِفِعْلِهِ ، وَهُوَ أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ النَّظَرَ لِأَكْثَرِ الْبَدَنِ وَلَا تَمْنَعُ نُعُومَةَ الْبَدَنِ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى جِهَةِ أَنَّهُ يَلْعَبُ مَعَهُ وَيُبَاسِطُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَيَسْتَمْتِعُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَيَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ كَأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كُلَّهُمْ نِسَاءٌ لِعَدَمِ حَيَاءِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَتَصَارَعُ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فَمَا أَقْبَحَ هَذَا وَأَشْنَعَهُ عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُ الْإِسْلَامَ وَيَدِينُ بِهِ كَائِنًا مَا كَانَ فَمَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ عَلَى غُرْبَةِ الْإِسْلَامِ وَغُرْبَةِ أَهْلِهِ وَدُثُورِ أَكْثَرِ مَعَالِمِهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ أَوْ الدِّينِ فَلَمْ يَبْقَ فِي الْغَالِبِ إلَّا كَمَا قَالَ الْإِمَامُ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ وُضِعَتْ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتٍ .
فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ( فَصْلٌ ) وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْفِعْلِ الْقَبِيحِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ إنْسَانًا مِنْهُمْ فَيُخَالِفُونَ فِيهِ السُّنَّةَ أَعْنِي فِي تَغْيِيرِ ظَاهِرِ صُورَتِهِ وَخِلْقَتِهِ فَيَدْخُلُونَ بِذَلِكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَعَنَ اللَّهُ الْمُغَيِّرَاتِ وَالْمُغَيِّرِينَ لِخَلْقِ اللَّهِ } ، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَيُغَيِّرُونَ وَجْهَهُ بِجِيرٍ ، أَوْ دَقِيقٍ ثُمَّ يَجْعَلُونَ لَهُ لَحَيَّةً مِنْ فَرْوَةٍ ، أَوْ غَيْرِهَا وَيُلْبِسُونَهُ ثَوْبًا أَحْمَرَ ، أَوْ أَصْفَرَ لِيُشْهِرُوهُ بِذَلِكَ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ كَسَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ ذُلٍّ وَصَغَارٍ ثُمَّ أَشْعَلَهُ عَلَيْهِ نَارًا } انْتَهَى ثُمَّ يَجْعَلُونَ عَلَى رَأْسِهِ طُرْطُورًا طَوِيلًا ثُمَّ يُرَكِّبُونَهُ عَلَى حِمَارٍ دَمِيمٍ فِي نَفْسِهِ وَيَجْعَلُونَ حَوْلَهُ الْجَرِيدَ الْأَخْضَرَ وَشَمَارِيخَ الْبَلَحِ
وَيَجْعَلُونَ فِي يَدِهِ شَيْئًا يُشْبِهُ الدَّفْتَرَ كَأَنَّهُ يُحَاسِبُ النَّاسَ عَلَى مَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمْ مِنْ السُّحْتِ وَالْحَرَامِ فَيَطُوفُونَ بِهِ فِي أَزِقَّةِ الْبَلَدِ وَشَوَارِعِهَا عَلَى الْأَبْوَابِ وَفِي الْأَسْوَاقِ عَلَى أَكْثَرِ الدَّكَاكِينِ وَالْبُيُوتِ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُونَ عَلَى شَبَهِ الظُّلْمِ وَالْغَصْبِ وَالتَّعَسُّفِ وَيَأْكُلُونَهُ وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ آذَوْهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ التُّرَابُ فَيُهِينُونَهُ بِالضَّرْبِ وَالْكَلَامِ الْفَاحِشِ الْمَذْمُومِ شَرْعًا وَإِنْ رَضِيَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَسْطِ وَالْمِزَاحِ فَهُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا .
إذْ شَرْطُ الْمِزَاحِ وَالْبَسْطِ أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَمِزَاحُهُمْ قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْ الْكَذِبِ وَذِكْرِ الْفَوَاحِشِ وَمَنْ تَحَصَّنَ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتِ فَأَغْلَقَ بَابَهُ عَلَيْهِ لِيَسْلَمَ مِنْ أَذَاهُمْ عَظُمَتْ بَلِيَّتُهُمْ عَلَيْهِ فَرُبَّمَا كَسَرُوا بَعْضَ الْأَبْوَابِ الضَّعِيفَةِ وَرُبَّمَا صَبُّوا الْمِيَاهَ الْكَثِيرَةَ فِي الْبَابِ حَتَّى قَدْ يُمْنَعُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ وَرُبَّمَا أَخْرَجُوا صَاحِبَ الْبَيْتِ ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُمْ مَا يَخْتَارُونَهُ وَإِلَّا أَخْرَقُوا حُرْمَتَهُ وَزَادُوا فِي أَذِيَّتِهِ وَيَحْتَجُّونَ بِالنَّيْرُوزِ وَيَقُولُونَ لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وَلَا أَحْكَامٌ تَقَعُ ، وَأَمَّا الْمُشَالِقُونَ فَأَكْثَرُ قُبْحًا وَشَنَاعَةً مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ لِشُهْرَتِهِ وَمُعَايَنَةِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَثَالِبِ وَالْمَفَاسِدِ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيهِ مِنْ الرَّذَائِلِ وَالْأَفْعَالِ الْخَسِيسَةِ مَا لَا يَلِيقُ بِذَوِي الْعُقُولِ فَكَيْفَ بِأَهْلِ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ : وَكُلُّ هَذَا فِي ذِمَّةِ الْعَالِمِ إذَا لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَيَنْهَ عَنْهَا وَيُقَبِّحْهَا وَيُكْثِرْ التَّشْنِيعَ عَلَى فَاعِلِهَا وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْعَالِمِ وَحْدَهُ بَلْ فِي أَرْبَابِ الْأُمُورِ أَشَدُّ كَالْمُحْتَسِبِ وَالْحَاكِمِ وَمَنْ لَهُ أَمْرٌ نَافِذٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَعَجَزَ
عَنْ التَّغْيِيرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ ، فَإِنْ غَيَّرُوا وَقَامُوا بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ أُجِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكُوا ذَلِكَ أَثِمُوا وَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ مَنْ بَلَّغَهُمْ وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ غَيْرِ الْحَاكِمِ إنَّمَا هُوَ بِالْكَلَامِ الْحَسَنِ وَالرَّدْعِ الْجَمِيلِ ، أَوْ يُوصَلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ أَعْنِي وُلَاةَ الْأُمُورِ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَوْسِمُ الَّذِي تَشَبَّهُوا فِيهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْقَبَائِحِ الْمُسْتَهْجَنَةِ وَالرَّذَائِلِ الْفَظِيعَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ لَكَانَ فِيهِ مَا فِيهِ فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ عَلَى مَا تَرَى ، وَمَا بَقِيَ أَكْثَرُ مِمَّا وُصِفَ فَلَوْ كَانَ مَنْ مَعَهُ عِلْمٌ يَتَكَلَّمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَتَحَفَّظُ مِنْهُ لَانْسَدَّتْ هَذِهِ الْمَثَالِمُ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اشْتَهَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَوْلَادِهِ شَهْوَةً وَكَانَتْ تِلْكَ الشَّهْوَةُ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الْمَوَاسِمِ الَّتِي لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ .
وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا بِشَهْوَتِهِمْ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ } وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَجُوزُ شَرْعًا أَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يُتَحَرَّزَ مِنْ عَوَائِدِ الْوَقْتِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُمَاكَسَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ شَرْعًا وَذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَوْسِمَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا مَا يُفْعَلُ فِيهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَا أَرَادُوهُ فَعَزَمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَ إجَابَتَهُمْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مُوَاقَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ .
وَالثَّانِي : رُبَّمَا يَرَاهُ أَحَدٌ فَيَقْتَدِي بِهِ فِي فِعْلِهِ فَحُسِمَ الْبَابُ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ .
فَلَوْ كَانَ
مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ يَمْشُونَ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ إلَّا نَادِرًا إذْ أَنَّ الْعَالِمَ هُوَ الْقُدْوَةُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ جَيِّدُهُمْ وَرَدِيئُهُمْ رَاجِعُونَ إلَيْهِ إمَّا بِالطَّوَاعِيَةِ ، أَوْ بِالْجَبْرِ وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ
فَصْلٌ فِي خَمِيسِ الْعَدَسِ ، وَهُوَ الْمَوْسِمُ الثَّانِي مِنْ مَوَاسِمِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّتِي شَارَكَهُمْ فِيهَا بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ اُتُّخِذَتْ فِيهِ أَشْيَاءُ لَا تَنْبَغِي .
فَمِنْهَا خُرُوجُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِشِرَاءِ الْبَخُورِ وَالْخَوَاتِمِ وَغَيْرِهِمَا فَتَجِدُهُنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الْأَسْوَاقِ أَكْثَرَ مِنْ الرِّجَالِ فَمَنْ يَمُرُّ بِالسُّوقِ مِنْ الرِّجَالِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْي فِيهِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ لِزَحْمَةِ النِّسَاءِ وَقَدْ يُزَاحِمُهُنَّ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مَا فِي خُرُوجِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ بِالرِّجَالِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا دَوَاءَ لَهَا فِي الْغَالِبِ .
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَنَعَ أَهْلَهُ مِنْ الْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَوَقَعَ التَّشْوِيشُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ يَئُولُ الْأَمْرُ إلَى الْفِرَاقِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ إلَى السُّلْطَانِ أَمْرُ مَا أَحْدَثَهُ النِّسَاءُ مِنْ جُلُوسِهِنَّ عِنْدَ الصَّوَّاغِينَ حَتَّى يَمْتَنِعْنَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الصَّوَّاغِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الصَّوَّاغِينَ مَعَ أَنَّهُنَّ كُنَّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ السِّتْرِ الشَّرْعِيِّ وَالدِّينِ الْمَتِينِ وَكَذَلِكَ الصَّوَّاغُونَ إذْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي خَيْرِ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْخَيْرِيَّةِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَنَحْنُ الْيَوْمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِضِدِّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصَّوَّاغِينَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْبَيَّاعِينَ فِي كُلِّ مَا يَتَعَاطَوْنَهُ الْغَالِبُ أَنَّ النِّسَاءَ هُنَّ اللَّاتِي يُبَاشِرْنَ ذَلِكَ كُلَّهُ بَلْ تَجِدُ الْمَرْأَةَ فِي الْغَالِبِ تَشْتَرِي لِزَوْجِهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ لِبَاسِهِ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ لِأَرْبَابِ الْأُمُورِ حَتَّى يَمْنَعُوهُنَّ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، وَمَا أَحْدَثُوهُ فِيهِ
اسْتِعْمَالُ الْبَخُورِ لَهُنَّ وَلِغَيْرِهِنَّ مِنْ الرِّجَالِ فَيُبَخِّرُونَ بِهِ ثُمَّ يَتَخَطَّوْنَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَنْفُضُونَ عَلَيْهِ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَصْرِفُ عَنْهُمْ الْعَيْنَ وَالْكَسَلَ وَالْوَعْكَةَ مِنْ الْجَسَدِ وَيَتَكَلَّمُ مِنْ يَرْقِي الْبَخُورَ بِكَلَامٍ لَا يُعْرَفُ وَلَعَلَّهُ كُفْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُمْ فِيهِ الْعَدَسَ الْمُصَفَّى وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَالْبِدْعَةُ تَحَرِّيهِمْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ مُوَافَقَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي مَوَاسِمِهِمْ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْهُمْ تَشَوَّشَ هُوَ وَأَهْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمِنْ ذَلِكَ صَبْغُهُمْ فِيهِ الْبَيْضَ أَلْوَانًا لِأَوْلَادِهِمْ وَغَيْرِهِمْ وَتَعَدَّى ذَلِكَ فِي الْكَثْرَةِ إلَى أَنْ صَارَ الْمُقَامِرُونَ وَغَيْرُهُمْ يَلْعَبُونَ بِهِ جِهَارًا وَلَا أَحَدَ فِيمَا أَعْلَمُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ .
وَمِنْ ذَلِكَ شِرَاؤُهُمْ فِيهِ السَّلَاحِفَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَطْرُدُ الشَّيْطَانَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الشَّيْطَانُ لَا يُطْرَدُ بِالِابْتِدَاعِ ، وَإِنَّمَا يُطْرَدُ بِالِاتِّبَاعِ فَكُلُّ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَمَا أَشْبَهَهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُسْتَهْجَنَةِ وَالْعَوَائِدِ الذَّمِيمَةِ وَفِيهِ تَعْظِيمُ مَوَاسِمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَغْبِيطُهُمْ بِدِينِهِمْ الْبَاطِلِ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا رَأَوْا الْمُسْلِمِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِهِمْ أَعْنِي فِي تَعْظِيمِ مَوَاسِمِهِمْ يَقْوَى ظَنُّهُمْ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الثُّلْمَةِ مَا أَشَدَّ قُبْحَهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قُبْحُ مَا أَحْدَثُوهُ فِي النَّيْرُوزِ مَا أَغْنَى عَنْ ذِكْرِ مِثْلِهِ هُنَا إذْ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ تَعْظِيمُ مَوَاسِمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَارْتِكَابِ الْبِدَعِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَنِ .
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْيَوْمِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سَبْتُ النُّورِ .
وَهُوَ لَعَمْرُ اللَّهِ بِضِدِّ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَلْيَقُ لَيْتَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي عَوَامِّ النَّاسِ لَكِنْ تَجِدُ بَعْضَ الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى طَرَفِ عِلْمٍ ، أَوْ صَلَاحٍ ، أَوْ هُمَا مَعًا يُسَمُّونَهُ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ وَذَلِكَ تَعْظِيمٌ مِنْهُمْ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَيُشَارِكُونَهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ الذَّمِيمَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَفِي تَشَبُّهِهِمْ بِهِمْ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِمَوَاسِمِهِمْ وَتَغْبِيطٌ لَهُمْ بِدِينِهِمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ بِسَبَبِ تَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لِمَوَاسِمِهِمْ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ بِمُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي يَوْمِ النَّيْرُوزِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْقَبَائِحِ وَالرَّذَائِلِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَفِي ذَلِكَ غُنْيَةٌ عَنْ إعَادَةِ مِثْلِهِ هُنَا .
لَكِنْ نُشِيرُ إلَى بَعْضِ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْخَاصِّ ، وَمَا يُظْهِرُونَ فِيهِ مِنْ الْعَوْرَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ .
فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي سَحَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ فِي أَمْسِهِ وَرَقَ الشَّجَرِ عَلَى أَنْوَاعِهَا حَتَّى الرَّيْحَانَ وَغَيْرَهُ فَيُبِيتُونَهُ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَيَغْتَسِلُونَ بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ غَسْلِهِمْ وَيُلْقُونَهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مَفْرِقِ الطَّرِيقِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ عَنْهُمْ الْأَمْرَاضَ وَالْأَسْقَامَ وَالْكَسَلَ وَالْعَيْنَ وَالسِّحْرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَأَنَّ مَنْ يَمُرُّ بِهِ تُصِيبُهُ تِلْكَ الْعِلَلُ وَيَنْتَقِلُ مَا كَانَ عَلَيْهِ إلَى مَنْ تَخَطَّاهُ مِنْ الْمَارِّينَ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي يَوْمِ النَّيْرُوزِ .
وَهَذَا لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ قَصْدُهُمْ لِذَلِكَ مُحَرَّمًا إذْ فِيهِ قَصْدُ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ } وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حُفْرَةً أَوْقَعَهُ اللَّهُ فِيهَا } وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } انْتَهَى فَأَوَّلُ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَصْدُهُمْ الْمُحَرَّمُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } انْتَهَى وَهَؤُلَاءِ قَدْ قَصَدُوا الضَّرَرَ لِلْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَى ذَلِكَ .
وَقَدْ أَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَهَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ فِي ذَلِكَ أَذًى وَمَعَ ذَلِكَ يَرْمُونَهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لِيُصِيبَهُمْ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النُّشْرَةِ فَقَالَ هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } انْتَهَى عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الرُّخْصَةُ فِي النُّشْرَةِ بِوَرَقِ الْأَشْجَارِ لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَجْعَلَ الْوَرَقَ فِي مَاءٍ يَغْمُرُهُ فَإِذَا أَصْبَحَ أَخَذَهُ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَبَلَّ يَدَهُ مِنْهُ وَمَشَّاهَا عَلَى بَدَنِهِ هَذَا هُوَ النُّشْرَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَأَمَّا الْغُسْلُ بِهِ فَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا أَضَافُوا إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَهِيَ لَا تَجُوزُ فِي الشَّرْعِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمُرُوءَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ اكْتِحَالُهُمْ فِي صَبِيحَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالسَّذَابِ أَوْ الْكُحْلِ الْأَسْوَدِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ اكْتَحَلَ مِنْ ذَلِكَ يَكْتَسِبُ نُورًا زَائِدًا فِي بَصَرِهِ يَرَى بِهِ الْخِشَاش فِي طُولِ سَنَتِهِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَذَلِكَ تَحَكُّمٌ مِنْهُمْ وَالشَّاهِدُ يُكَذِّبُ ذَلِكَ حِسًّا وَمَعْنًى .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ شُرْبِ الدَّوَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ شُرْبَ الدَّوَاءِ فِيهِ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمِنْ
ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَشْتَكِي بِحَكَّةٍ فَإِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ وَيَفْعَلُونَ أَفْعَالًا قَبِيحَةً يَسْتَحْيِ مِنْ فِعْلِهَا أَهْلُ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَيَعِيبُونَ عَلَى فَاعِلِهَا وَيَنْسُبُونَهُ إلَى عَدَمِ الْحَيَاءِ وَالْغَيْرَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يَتَعَرَّيْنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى إنَّهُنَّ لَا يُبْقِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ السُّتْرَة بِالثِّيَابِ شَيْئًا لَا مِئْزَرًا وَلَا سَرَاوِيلَ ثُمَّ يَدَّهِنَّ بِالْكِبْرِيتِ وَيَقْعُدْنَ فِي الشَّمْسِ أَكْثَرَ يَوْمِهِنَّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْهِنَّ بَرًّا وَبَحْرًا وَلَا يَسْتَحِينَ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بَعْضُ الرِّجَالِ أَيْضًا بِمَكَانٍ آخَرَ ، فَإِنْ كَانَ آخِرُ النَّهَارِ دَخَلُوا فِي الْبَحْرِ وَاغْتَسَلُوا فِيهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْبَسُونَ ثِيَابَهُمْ وَيَسْتَتِرُونَ كَأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ وَالنَّظَرَ إلَيْهَا مِنْ كِلَيْهِمَا مُبَاحٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَنْ يَخْرُجُ إلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ دَخَلَ الْحَمَّامَ فِي الْغَالِبِ فَاغْتَسَلَ فِيهِ ، أَوْ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْغُسْلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نُشْرَةٌ حَيْثُ كَانَ وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ مَوَاسِمِهِمْ الْمُسْتَهْجَنَةِ لَيْسَ فِيهَا أَقْبَحُ وَلَا أَشْنَعُ مِنْ هَذَا الْمَوْسِمِ الْمَذْكُورِ إذْ كُلُّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ فِيهِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ وَلَا عَدَمُ الْحَيَاءِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ جَرَى فِي يَوْمِ النَّيْرُوزِ مَا جَرَى لَكِنْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ شَيْءٌ مِنْ السُّتْرَةِ بِخِلَافِ كَشْفِهِمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ .
وَقَرِيبٌ مِمَّا يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي الْمَنَاشِرِ أَعْنِي الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَغْسِلُونَ فِيهَا الثِّيَابَ فَيَجْتَمِعُ فِيهَا نِسَاءٌ وَرِجَالٌ وَأَجَانِبُ .
وَالنِّسَاءُ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ قِصَرِ الثِّيَابِ فَكَأَنَّ الْمَرْأَةَ هُنَاكَ مَعَ زَوْجِهَا بَلْ هَذَا أَشَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يُفْعَلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ
، وَمَا تَقَدَّمَ يُفْعَلُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ .
وَأَمَّا اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بِالطَّمِيَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ حَالِهَا وَتَفْصِيلِ أَمْرِهَا إذْ أَنَّ الْأَقْلَامَ تُنَزَّهُ عَنْ كَتْبِ ذَلِكَ .
وَيُنَزَّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَنْ ذِكْرِ مَا يُفْعَلُ فِيهَا بَيْنَهُمْ .
ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ تَعَدَّدَتْ مَوَاضِعُهَا وَكَثُرَتْ .
وَقَلَّ مَنْ تَحْصُلُ لَهُ حَمِيَّةُ الْإِسْلَامِ فَيُغَيِّرُ لِمَا تَدَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَوْ بِالْكَلَامِ وَإِشَاعَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْقُبْحِ وَالرَّذَائِلِ لَعَلَّ أَنْ يَتَنَبَّهَ لِذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُغَيِّرُونَ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ إلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ كَأَنَّ الْجَمِيعَ شَرِبُوا مِنْ مَنْهَلٍ وَاحِدٍ .
فَمَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ عَلَى ذَهَابِ أَكْثَرِ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ لِكَثْرَةِ مَا يَحْدُثُ فِيهِ وَمَنْ يَسْكُتُ عَمَّا أُحْدِثَ فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
فَصْلٌ فِي مَوْلِدِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلْنَهُ فِي مُوَافَقَةِ النَّصَارَى فِي مَوْلِدِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ أَنَّهُ أَخَفُّ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
لَكِنَّ اتِّخَاذَ ذَلِكَ عَادَةً بِدْعَةٌ ، وَهُوَ أَنَّهُنَّ يَعْمَلْنَ صَبِيحَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَصِيدَةً لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا لِكَثِيرٍ مِنْهُنَّ وَيَزْعُمْنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا ، أَوْ يَأْكُلْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ الْبَرْدُ فِي سَنَتِهِ تِلْكَ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا دِفْءٌ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ وَمَعَ كَوْنِ فِعْلِهَا بِدْعَةً فَالشَّاهِدُ يُكَذِّبُ مَا افْتَرَيْنَهُ مِنْ قَوْلِهِنَّ الْبَاطِلَ وَالزُّورَ فَكَأَنَّهُنَّ يَشْرَعْنَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِنَّ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ
فَصْلٌ فِي مَوْسِمِ الْغِطَاسِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي مَوْسِمِ الْغِطَاسِ .
وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ اغْتَسَلَتْ فِيهِ مِنْ النِّفَاسِ .
فَاِتَّخَذَ النَّصَارَى ذَلِكَ سُنَّةً لَهُمْ فِي كَوْنِهِمْ يَغْتَسِلُونَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ وَذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ حَتَّى الرَّضِيعُ فَتَشَبَّهَ بِهِمْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي كَوْنِهِمْ يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ مَوْسِمًا .
أَعْنِي أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ النَّفَقَةَ وَيُدْخِلُونَ فِيهِ السُّرُورَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ بِأَشْيَاءَ يَفْعَلُونَهَا فِيهِ .
، وَهَذَا فِيهِ مِنْ التَّعْظِيمِ لِمَوَاسِمِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا سَبَقَ فِي غَيْرِهِ فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ وَبَعْضُ مَنْ انْغَمَسَ فِي الْجَهْلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَغْطِسُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَمَا يَغْطِسُونَ .
وَمِنْ أَشْنَعِ مَا فِيهِ أَنَّهُمْ يَزِفُّونَ فِيهِ بَعْضَ عِيدَانِ الْقَصَبِ وَعَلَيْهَا الشُّمُوعُ الْمَوْقُودَةُ وَالْفَاكِهَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ .
وَبَعْضُهُمْ يُهْدِي ذَلِكَ لِلْقَابِلَةِ وَيَتَهَادَوْنَ فِيهِ بِأَطْنَانِ الْقَصَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
فَصْلٌ فِي عِيدِ الزَّيْتُونَةِ وَمِنْ ذَلِكَ بَعْضُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَحَدِ أَعْيَادِ الْقِبْطِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِيدَ الزَّيْتُونَةِ فَتَخْرُجُ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْمَطَرِيَّةُ إلَى بِئْرٍ هُنَاكَ تُسَمَّى بِئْرَ الْبَلْسَمِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ .
فَيَجْتَمِعُ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الْغَالِبِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الْقِبْطِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بِلَادٍ كَثِيرَةٍ يَأْتُونَ إلَيْهَا لِلْغُسْلِ مِنْ مَائِهَا .
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيُهْرَعُونَ إلَيْهِ كَمَا تَفْعَلُ النَّصَارَى وَيَغْتَسِلُونَ كَغُسْلِهِمْ وَيَنْكَشِفُونَ لِذَلِكَ فِي الْغَالِبِ .
وَهَذَا فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ وَتَعْظِيمِ مَوَاسِمِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيَزِيدُ هَذَا أَنَّهُمْ يُسَافِرُونَ إلَيْهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ نِسَاءً وَرِجَالًا وَشُبَّانًا وَيَجْتَمِعُونَ هُنَاكَ وَيَنْهَتِكُونَ فِيهِ كَغَيْرِهِ .
وَفِي اجْتِمَاعِهِمْ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
لَكِنْ فِي هَذَا زِيَادَةُ مَفْسَدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ نَظَرُ الذِّمِّيَّةِ إلَى جَسَدِ الْمُسْلِمَةِ ، وَهُوَ حَرَامٌ وَقَدْ مَنَعَهُ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
هَذَا وَإِنْ كَانَ الْغُسْلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مُبَاحًا فِعْلُهُ لَكِنْ فِي غَيْرِ وَقْتِ اجْتِمَاعِهِمْ وَفِي التَّلْوِيحِ مَا يُغْنِي عَنْ التَّصْرِيحِ .
فَصْل فِي بَعْضِ عَوَائِدَ اتَّخَذَهَا بَعْضُ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ آلَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْفَرَائِضِ فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النِّسْوَةِ مِنْ إفْطَارِهِنَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ قَدْرُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مُبْدِنَةً وَتَخَافُ أَنَّهَا إنْ صَامَتْ اخْتَلَّ عَلَيْهَا حَالُ سِمَنِهَا فَتَفْطُرُ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْبَنَاتِ الْأَبْكَارِ يُفْطِرُهُنَّ أَهْلُهُنَّ خِيفَةً عَلَى تَغَيُّرِ أَجْسَامِهِنَّ عَنْ الْحُسْنِ وَالسِّمَنِ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ قَدْ عَقَدَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا بَعْدُ فَتَتْرُكُ الصَّوْمَ خِيفَةً عَلَى بَدَنِهَا أَنْ يَنْقُصَ وَكُلُّ هَذَا مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ وَالْإِثْمُ وَالْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
وَهَذَا الْفَعْلُ الْقَبِيحُ مَشْهُورٌ بَيْنَهُنَّ لَا جَرَمَ أَنَّهُنَّ لَمَّا خَالَفْنَ الشَّرْعَ وَارْتَكَبْنَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ بَيْنَهُمْ تَوْفِيقًا فِي الْغَالِبِ إذْ التَّوْفِيقُ إنَّمَا يَنْتُجُ عَنْ الِامْتِثَالِ وَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْهُنَّ فِي الْغَالِبِ فَتَجِدُ أَكْثَرَهُنَّ يَشْتَكِينَ وَيَبْكِينَ وَيُكَابِدْنَ الْهُمُومَ وَكَذَلِكَ أَزْوَاجُهُنَّ وَيَأْكُلْنَ بِالْفَرْضِ بَعْدَ الْمُشَاجَرَةِ أَوْ الْوُقُوفِ إلَى الْحُكَّامِ أَوْ هُمَا مَعًا وَكَشْفُ السِّتْرِ عَنْهُنَّ بِدُخُولِ الْأَجَانِبِ بَيْنَهُمَا مِنْ جِنْدَارٍ وَوَكِيلٍ وَأَبٍ وَقَرِيبٍ وَجَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى إنَّ الْغَالِبَ مِنْهُنَّ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا إلَى مُنْتَهَاهُ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ خَاطِرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَيَفْعَلُونَ مَا هُوَ مَشْهُورٌ الْيَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنْ الِاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمِ الْبَيِّنِ التَّحْرِيمِ الَّذِي يَسْتَحِي الْمَرْءُ أَنْ يَحْكِيَهُ فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ
يَرُدُّهَا إلَى الْعِصْمَةِ عَلَى مَا يَزْعُمُونَ ثُمَّ يَرْجِعْنَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى مَا اعْتَدْنَهُ مِنْ الْمُضَارَرَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَسُوءِ الْعِشْرَةِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّ ذَلِكَ لَا يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ وَهُمَا آثِمَانِ مَا دَامَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَكَذَلِكَ مَنْ عَقَدَ لَهُمَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ انْتَهَى كَلَامُهُ بَعْضُهُ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى جَزَاءً وِفَاقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ وَالرَّذَالَةِ إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ لَكَانَ يَنْبَغِي لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَهْرُبَ مِنْهُ إذْ أَنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مُعَجَّلَةٌ لَا مُؤَخَّرَةٌ وَهُوَ أَنَّ التَّجْرِبَةَ قَدْ مَضَتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ سُلِّطَ عَلَيْهِ الْفَقْرُ الْمُدْقِعُ فِي الْوَقْتِ وَفِي ذَلِكَ مَقْنَعٌ لِمَنْ خَافَ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا وَأَمَّا خَوْفُ الْآخِرَةِ فَذَلِكَ لِلْمُفْلِحِينَ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِذَلِكَ إجْمَاعًا وَذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ عِنْدَهُنَّ أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يَتَحَلَّلْنَ بِهِ رَجُلٌ مَعْلُومٌ فَتَجِيءُ الْمَرْأَةُ تَتَحَلَّلُ بِهِ ثُمَّ تَأْتِي ابْنَتَهَا تَتَحَلَّلُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ أُمُّهَا وَجَدَّتُهَا وَهِيَ لَا تَحِلُّ بِذَلِكَ إجْمَاعًا وَلَا يَحِلُّ لِلْمُحَلِّلِ وَطْءُ ابْنَةِ مَنْ تَحَلَّلَتْ بِهِ وَلَا أُمِّهَا وَلَا جَدَّتِهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .
فَلَوْ كَانَ الْعَالِمُ يَتَكَلَّمُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَمَا أَشْبَهَهُ وَيُشَنِّعُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ وَيُقَبِّحُ فِعْلَهُ وَيُشَنِّعُ ذِكْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَأْمُرُ مَنْ حَضَرَهُ بِإِشَاعَتِهَا لَانْحَسَمَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ وَقَلَّ فَاعِلُهَا
فَصْلٌ فِي صَوْمِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا اتَّخَذَهُ بَعْضُهُنَّ مِنْ أَنَّهَا إذَا حَاضَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ ثُمَّ لَا تَقْضِي تِلْكَ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا حَائِضًا وَيُعَلِّلُ بَعْضُهُنَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَصْعُبُ عَلَيْهِنَّ فِي حَالِ كَوْنِ النَّاسِ مُفْطِرِينَ .
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهَا آثِمَةٌ وَأَنَّ قَضَاءَ مُدَّةِ الْحَيْضِ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ وَأَنَّ التَّوْبَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا .
وَمِنْهُنَّ مَنْ تُفْطِرُ إذَا جَاءَهَا الْحَيْضُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَتَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ تَمَادِي الدَّمِ بِهَا وَيَزْعُمْنَ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي لَا يُصَامُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ الْأُوَلُ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَالصِّيَامُ فِيهِ وَاجِبٌ وَيُجْزِئُ .
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ .
وَمِنْهُنَّ مَنْ تَصُومُ مُدَّةَ الْحَيْضِ وَتَقْضِيهَا بَعْدَهُ وَفَاعِلَةُ ذَلِكَ مِنْهُنَّ آثِمَةٌ فِي صَوْمِهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا مُصِيبَةٌ فِي الْقَضَاءِ بَعْدَهُ وَمِنْهُنَّ مَنْ تُفْطِرُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ لَكِنَّهُنَّ يُجَوِّعْنَ أَنْفُسَهُنَّ فِيهِ فَتُفْطِرُ إحْدَاهُنَّ عَلَى التَّمْرَةِ وَنَحْوِهَا وَيَزْعُمْنَ أَنَّ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ الثَّوَابَ ، وَهَذَا بِدْعَةٌ وَهِيَ آثِمَةٌ فِي التَّدَيُّنِ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا حَالُهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا فِي رَمَضَانَ كَحَالِهَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ وَالْعَجَبُ الْعَجِيبُ فِي صَوْمِ بَعْضِهِنَّ فِي أَيَّامِ حَيْضَتِهَا مُحَافَظَةً مِنْهَا عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى زَعْمِهِنَّ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ مِنْهُنَّ يَتْرُكُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ إلَّا أَنَّهُنَّ اتَّخَذْنَ ذَلِكَ عَادَةً حَتَّى لَوْ أَمَرْت إحْدَاهُنَّ بِالصَّلَاةِ يَعِزُّ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَتَقُولُ أَعَجُوزًا رَأَيْتنِي فَكَأَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الشَّابَّةِ وَالْفَرْضُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ طَعَنَ مِنْهُنَّ فِي السِّنِّ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى
وَإِيَّاكَ أَيَّ نِسْبَةٍ بَيْنَ الِاحْتِيَاطِ فِي الصَّوْمِ حَتَّى صَامَتْ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا وَبَيْنَ تَرْكِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ وَبِهَا قِوَامُهُ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ مَوْضِعُ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ } وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ .
فَصْلٌ فِي الْوَطْءِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ وَمِنْهُنَّ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَمْنَعُ الرَّجُلَ مِنْ الْوَطْءِ مَعَهُ إنَّمَا هُوَ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ الْأُوَلُ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَطَأَ فِيهِ .
وَهَذَا افْتِرَاءٌ وَكَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ .
وَمِنْهُنَّ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ وَالْغَبَرَةَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ أَيْضًا .
وَمِنْهُنَّ مَنْ يَزْعُمُ جَوَازَ وَطْءِ الْمَرْأَةِ إذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ وَقَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ ، وَهَذَا شَنِيعٌ مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى { حَتَّى يَطْهُرْنَ } أَيْ يَنْقَطِعُ عَنْهُنَّ الدَّمُ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ أَيْ اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَبَاحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَطْأَهَا فَقَالَ تَعَالَى { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ }
فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ بَعْضُ النِّسْوَةِ مِنْ أَسْبَابِ السِّمَنِ وَمِنْهُنَّ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا مُسْتَهْجَنًا قَبِيحًا جَمَعَ بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ مِنْ الرَّذَائِلِ : أَحَدُهُمَا : مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ .
الثَّانِي : إضَاعَةُ الْمَالِ .
الثَّالِثُ : الصَّلَاةُ بِالنَّجَاسَةِ .
الرَّابِعُ : كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُنَّ اتَّخَذَ عَادَةً مَذْمُومَةً وَهِيَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَتَتْ إلَى فِرَاشِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَعَشَّتْ وَمَلَأَتْ جَوْفَهَا فَتَأْخُذُ عِنْدَ دُخُولِهَا الْفِرَاشَ لُبَابَ الْخُبْزِ فَتُفَتِّتُهُ مَعَ جُمْلَةِ حَوَائِجَ أُخَرَ فَتَبْتَلِعُ ذَلِكَ بِالْمَاءِ إذْ أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى أَكْلِهِ لِكَثْرَةِ شِبَعِهَا الْمُتَقَدِّمِ وَرُبَّمَا تُعِيدُ ذَلِكَ بَعْدَ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ يَمْضِي عَلَيْهَا وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي الْأَكْلِ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَرْءُ وَهِيَ قَدْ زَادَتْ فِي عَشَائِهَا حَتَّى لَمْ تَتْرُكْ مَوْضِعًا لِسُلُوكِ الْمَاءِ فِي الْغَالِبِ مِمَّنْ يُرِيدُ السِّمَنَ مِنْهُنَّ ، وَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى زِيَادَةٍ .
وَذَلِكَ مِمَّا يُحْدِثُ الْأَمْرَاضَ وَالْعِلَلَ وَالْأَسْقَامَ ضِدَّ مُرَادِهَا .
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ وَلَدَهُ أَكَلَ وَزَادَ عَلَى أَكْلِهِ الْمُعْتَادِ فَمَرِضَ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَقَالَ وَالِدُهُ لَوْ مَاتَ مَا صَلَّيْت عَلَيْهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ قَدْ تَسَبَّبَ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ وَمَنْ لَهُ فَضْلٌ وَدِينٌ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَهَذَانِ وَجْهَانِ أَعْنِي فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُخَالَفَةَ الشَّرْعِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ، أَمَّا مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ فَلِمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِي بُعِثْت فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا ثُمَّ يَظْهَرُ فِيهِمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا
يُسْتَشْهَدُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ } انْتَهَى .
وَأَمَّا إضَاعَةُ الْمَالِ فَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الشِّبَعِ مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ إذْ أَنَّهُ يُفْعَلُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ .
وَقَدْ أَدَّى الْأَمْرُ بِسَبَبِ تَعَاطِي السِّمَنِ إلَى أَمْرٍ شَنِيعٍ فَظِيعٍ وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُنَّ يَأْكُلْنَ مَرَارَةَ الْآدَمِيِّ لِأَجْلِ أَنَّ مَنْ اسْتَعْمَلَهَا مِنْهُنَّ يُكْثِرُ أَكْلَهَا وَقَلَّ أَنْ تَشْبَعَ فَتَسْمَنُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلَى زَعْمِهِنَّ .
وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْرِيمِهِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ بَعْضَهُنَّ يَعْبِلْنَ بِكَثْرَةِ السَّمْنِ وَالشَّحْمِ حَتَّى أَنَّ يَدَهَا لَتَقْصُرُ عَنْ الْوُصُولِ لِغَسْلِ مَا عَلَى الْمَحَلِّ مِنْ النَّجَاسَةِ لِأَجْلِ مَا تَسَبَّبَتْ فِيهِ مِنْ عَبَالَةِ الْبَدَنِ وَهُنَّ فِي ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَكُونَ فَقِيرَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى شِرَاءِ مَنْ يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهَا فَتُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ إذْ أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى زَوَالِهَا كَمَا تَقَدَّمَ .
الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيلِ مَنْ يُبَاشِرُ ذَلِكَ مِنْهَا وَيُزِيلُهُ عَنْهَا فَتَقَعُ فِي كَشْفِ الْعَوْرَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ .
وَقَدْ لَا تَكْفِيهَا الْجَارِيَةُ الْوَاحِدَةُ فَتَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةٍ فَتَزِيدُ الْمُحَرَّمَاتُ بِكَثْرَةِ مَنْ يَكْشِفُ عَوْرَتَهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَهِيَ لَوْ صَلَّتْ وَالنَّجَاسَةُ مَعَهَا لَكَانَ أَخَفَّ مِنْ كَشْفِ عَوْرَتِهَا ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ مُؤَكَّدٌ أَمْرُهُ ثُمَّ إنَّهُنَّ يَرْتَكِبْنَ مَعَ ذَلِكَ أَمْرًا قَبِيحًا مُحَرَّمًا أَقْبَحَ وَأَشْنَعَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ اعْتَدْنَ عَلَى مَا يَزْعُمْنَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَنَظَّفُ مِنْ النَّجَاسَةِ حَتَّى تُدْخِلَ يَدَهَا فِي فَرْجِهَا فَتُنَظِّفُ مَا تَصِلُ إلَيْهِ بِالْمَاءِ مَعَ يَدِهَا
وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا ثُمَّ أَنَّهَا إنْ عَجَزَتْ عَنْ ذَلِكَ لِقِصَرِ يَدِهَا كَمَا سَبَقَ وَتَوَلَّى غَيْرُهَا مِنْهَا ذَلِكَ احْتَاجَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي دَاخِلِ فَرْجِهَا لِيَغْسِلَ لَهَا مَا هُنَاكَ مِنْ الْأَذَى ، وَهَذَا قُبْحٌ عَلَى قُبْحٍ وَذَمٌّ عَلَى مَذْمُومَاتٍ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ وَهُوَ اشْتِغَالُ النِّسَاءِ بِالنِّسَاءِ وَلَوْ كَانَتْ صَائِمَةً أَفْطَرَتْ بِذَلِكَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهَا بِنَفْسِهَا أَوْ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهَا بِهَا .
الْخَامِسُ : وَهُوَ أَشَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ أَنَّهَا تَسَبَّبَتْ فِي إسْقَاطِ فَرْضٍ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْقِيَامُ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُنَّ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ فِي الْغَالِبِ فَتُصَلِّي جَالِسَةً وَهِيَ الَّتِي أَدْخَلَتْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهَا .
اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى شَنَاعَةِ مَا أَحْدَثْنَهُ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ الْقَبِيحِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْ زَادَ فِي أَكْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَرِضَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَالِدُهُ لَوْ مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ هَذَا حَالُهُ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا تَقَدَّمَ فَكَيْفَ الْحَالُ فِيمَنْ اتَّخَذَ ذَلِكَ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً حَتَّى وَصَلَ بِهِ السِّمَنُ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سِيَّمَا وَهِيَ إذَا وَقَعَ لَهَا مَرَضٌ أَوْ مَوْتٌ فَالْغَالِبُ أَنَّهَا هِيَ الْمُتَسَبِّبَةُ فِي جَلْبِ ذَلِكَ لِنَفْسِهَا بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْأَكْلِ الْكَثِيرِ عَلَى مَا مَضَى بَيَانُهُ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ بِهَا السِّمَنُ إلَى أَنْ يَصِلَ الشَّحْمُ إلَى قَلْبِهَا فَيُطْغِيَهَا فَتَمُوتَ بِهِ وَقَدْ يَصْعَدُ إلَى دِمَاغِهَا فَيُشَوِّشُ عَلَى الدِّمَاغِ فَيَذْهَبَ عَقْلُهَا وَقَدْ يَصْعَدُ إلَى عَيْنِهَا فَيُعْمِيهَا فَتَكُونُ هِيَ الْمُتَسَبِّبَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَثِيرًا .
وَقَدْ وَرَدَ { مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا تَعَاطِي مَا ذُكِرَ مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ إذْ هُوَ
عَرَى مِنْ الْمَقَاصِدِ جُمْلَةً إذْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَزِيدَ حُسْنُهَا فِي زَعْمِهَا وَيَغْتَبِطُ الرَّجُلُ بِهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّ السِّمَنَ فِيهِ يَقْبُحُ وَتَعَاطِي ذَلِكَ بِأَسْبَابِهِ مِنْ الرِّجَالِ أَقْبَحُ وَأَقْبَحُ .
وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ { فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } } انْتَهَى .
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ السِّمَنُ فِيهِ خِلْقَةً لَمْ يَتَسَبَّبْ فِيهِ فَلَا حَرَجَ إذًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ مِنْ صُنْعِهِ فِي شَيْءٍ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ مَا أَكْثَرَ بَرَكَتَهَا .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْءَ إذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْغِذَاءِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي لَا يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهِ إلَّا وَيَتَضَرَّرُ وَيَضْعُفُ لِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ زَادَ عَلَى الْغِذَاءِ الشَّرْعِيِّ زِيَادَةً بَيِّنَةً فَإِنَّ الْقُوَّةَ تَضْعُفُ بِحَسَبِ مَا زَادَ ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ مُجَرَّبٌ فَالْخَيْرُ لِلْقَالَبِ وَالْقَلْبِ وَلِلدِّينِ وَلِلْمُرُوءَةِ وَلِلْعَقْلِ وَلِلرُّوحِ وَلِلسِّرِّ إنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِاتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُوَافَقَةِ سُنَّتِهِ وَضِدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أَعْنِي مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الشِّبَعِ وَالنَّقْصِ مِنْهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يُحْدِثُ ضِدَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحُسْنِ وَهُوَ الْقُبْحِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا مَضَى .
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْهُنَّ فِي ارْتِكَابِهِنَّ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَكْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي الْحُسْنِ وَتَغْتَبِطُ الرِّجَالُ بِهِنَّ ثُمَّ يَفْعَلْنَ مَا يَحْدُثُ لَهُنَّ ضِدَّ ذَلِكَ وَهُوَ أَكْلُهُنَّ لِلطَّفْلِ وَالطِّينِ وَذَلِكَ يُحْدِثُ عِلَلًا فِي الْبَدَنِ مِنْهَا صُفْرَةُ الْوَجْهِ
وَتَفَتُّحُ الْفُؤَادِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِلَلِ الَّتِي يَطُولُ تَتَبُّعُهَا وَهُوَ مِمَّا يُذْهِبُ لَوْنَ الْبَدَنِ وَعَافِيَتَهُ وَيُضْطَرُّ مَعَهَا إلَى أَخْذِ الْأَدْوِيَةِ مَعَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي أَكْلِهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ .
فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ إنَّهُ مُحَرَّمٌ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَالْمَشْهُورُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ مَكْرُوهٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ مُبَاحٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْإِبَاحَةِ يَحْدُثُ مَا ذُكِرَ .
وَمَنْ لَهُ عَقْلٌ لَا يَتَسَبَّبُ فِيمَا يَضُرُّ بَدَنَهُ أَوْ عَقْلَهُ نَقَلَ مَعْنَاهُ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ أَعْنِي فِي تَحْلِيلِ ذَلِكَ وَكَرَاهَتِهِ .
وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُ التَّحْرِيمَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ إفْطَارِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ جِهَارًا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ مِثْلَ بَعْضِ التَّرَّاسِينَ وَغَيْرِهِمْ وَلَا أَحَدَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } وَالنَّهْيُ عَنْ هَذَا آكَدُ وَأَوْجَبُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ إذْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْغَالِبِ لَا يَتَحَقَّقُ تَرْكُهَا إلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْ فَاعِلِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْإِفْطَارِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ بَيِّنٌ لَيْسَ فِيهِ تَأْوِيلٌ إذْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ، إمَّا مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ وَهَؤُلَاءِ يُفْطِرُونَ وَلَيْسُوا بِمَرْضَى وَلَا مُسَافِرِينَ وَمِنْ ذَلِكَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِهِ أَلَمٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَهُ أَوْ يَتَوَضَّأَ تَرَكُوا الصَّلَاةَ لِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَلَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ إذَا كَانَ فِي عُضْوَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَكَانَ الْوَاجِبُ الْغُسْلَ أَوْ الْوُضُوءَ مَسَحَ مَا تَعَذَّرَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُعْرَفُ فِي مَذْهَبِهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيُجْمَعُ بَيْنَ غَسْلِ مَا صَحَّ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى مَا تَعَذَّرَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْقَ إلَّا عُضْوٌ وَاحِدٌ أَوْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَلْبَتَّةَ فَيَتَيَمَّمُ وَهُمْ يَتْرُكُونَ التَّيَمُّمَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِقِلَّةِ إشَاعَةِ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ وَمَا ذَاكَ إلَّا ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّمَ فِي الْغَالِبِ مَحْجُوبٌ عَنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَوَّابِينَ وَالنُّقَبَاءِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ تَنْظِيفَ الْبَيْتِ وَكَنْسَهُ عَقِيبَ سَفَرِ مَنْ سَافَرَ مِنْ أَهْلِهِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِفِعْلِ ذَلِكَ
بَعْدَ خُرُوجِهِ وَيَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ إنْ فُعِلَ لَا يَرْجِعْ الْمُسَافِرُ .
وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَهُ حِينَ خُرُوجِهِمْ مَعَهُ إلَى تَوْدِيعِهِ فَيُؤَذِّنُونَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَرُدُّهُ إلَيْهِمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَمِنْ الْعَوَائِدِ الَّتِي أَحْدَثَتْ بَعْدَهَا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي يَذْكُرُ النَّاسُ أَنَّهَا إنْ فُعِلَتْ أَوْ لَمْ تُفْعَلْ يَجْرِي فِيهَا مِنْ الْأُمُورِ مَا يُكْرَهُ وُقُوعُهُ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا وَقَعَ لِأَجْلِ شُؤْمِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالتَّدَيُّنِ بِالْبِدْعَةِ فَعُومِلُوا بِالضَّرَرِ الَّذِي هُمْ يَتَوَقَّعُونَهُ وَقَدْ شَاءَ الْحَكِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْمَكْرُوهَاتِ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِالِامْتِثَالِ فَكَانَ وُقُوعُ ذَلِكَ لَهُمْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِمَا أُمِرُوا بِهِ جَزَاءً وِفَاقًا .
وَمِمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُ النِّسَاءِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُنَّ إذَا كَانَتْ حَائِضًا لَا تَكْتَالُ الْقَمْحَ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَلَا تَحْضُرُ مَوْضِعَهُ لِأَجْلِ حَيْضِهَا ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مَنْ شَرِبَ الدَّوَاءَ لَا يَغْسِلُ الْآنِيَةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا الدَّوَاءُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَبِدَعٌ أَخْتَرَعْنَهَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِنَّ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ
فَصْلٌ فِي خُرُوجِ الْعَالِمِ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي السُّوقِ وَاسْتِنَابَتِهِ لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ نَرْجِعُ لِذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَالِمُ فِي تَصَرُّفِهِ ، فَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي السُّوقِ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَتَى بِالسُّنَّةِ عَلَى وَجْهِهَا وَبَرِئَ مِنْ الْكِبْرِ فِي حَمْلِ سِلْعَتِهِ بِيَدِهِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ عَاقَهُ عَنْ ذَلِكَ عَائِقٌ شَرْعِيٌّ فَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ ذَلِكَ .
وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ يَبْحَثُ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ وَالْأَحْكَامِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي الدُّرُوسِ وَيَسْتَدِلُّ وَيُجِيزُ وَيَمْنَعُ وَيَكْرَهُ فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ أَرْسَلَ إلَى السُّوقِ مَنْ يَقْضِي لَهُ الْحَاجَةَ صَبِيًّا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ عَجُوزًا أَوْ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَفِي السُّوقِ الْيَوْمَ مَا قَدْ عُهِدَ وَعُلِمَ مِنْ جَهْلِ أَكْثَرِ الْبَيَّاعِينَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ فِي سِلَعِهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ وَفِي الْأَسْوَاقِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا جُمْلَةً .
فَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الكشكاك وَالْمُحَبَّبَةِ ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا وُجُوهًا مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ .
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّحْمَ الَّذِي فِيهِمَا إنْ كَانَ لَحْمُ الْبَقَرِ الْيَوْمَ فَهُوَ مُمَكَّسٌ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شِرَائِهِ إلَّا مِنْ الْمَكَّاسِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِإِعَانَةِ الْمَكَّاسِ بِالشِّرَاءِ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا إذْ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْهُ ضَمِنَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْعَالِمُ يَتَحَرَّى ذَلِكَ لَاقْتَدَى بِهِ غَيْرُهُ وَفَسَدَ عَلَى الْمَكَّاسِ مُرَادُهُ .
هَذَا إنْ كَانَ شِرَاؤُهُ فِي غَيْرِ النَّيْرُوزِ .
وَأَمَّا فِي النَّيْرُوزِ فَيَتَأَكَّدُ الْمَنْعُ لِشِرَاءِ لَحْمِ الْبَقَرِ مُطْلَقًا لِزِيَادَةِ تَعْظِيمِ شَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الْكُفَّارِ عَلَى زَعْمِهِمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي فِعْلِهِمْ فِي النَّيْرُوزِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي مَا يَدْخُلُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْجَهَالَةِ وَالْمُغَابَنَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ اللَّحْمَ وَالدُّهْنَ أَكْثَرَ مِنْ الْقَمْحِ وَالْبَائِعُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَ الْقَمْحَ أَكْثَرَ مِنْ اللَّحْمِ وَالدُّهْنِ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَلَى وَزْنٍ مَعْلُومٍ وَالْجَهَالَةُ فِي ذَلِكَ حَاصِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ وَزْنُ اللَّحْمِ وَالدُّهْنِ وَلَا كَمْ وَزْنُ الْقَمْحِ لِإِمْكَانِ إعْطَاءِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ بِخِلَافِ الْهَرِيسَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِيهَا إذْ أَنَّ اللَّحْمَ وَالْقَمْحَ صَارَا مَعًا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْطَى أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ وَلَا أَقَلَّ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَكِنَّهَا تُمْنَعُ مِنْ جِهَةِ اللَّحْمِ ؛ لِأَنَّهُ مُمَكَّسٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ سَلِمَ اللَّحْمُ مِنْ
الْمَكْسِ فَهِيَ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ النَّيْرُوزِ فَيُمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنَّصَارَى فَيُحَذِّرُ الْعَالِمُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ إذْ أَنَّهُ قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْعَالِمُ دُونَ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ صَارَ هَذَا الْأَمْرُ الْيَوْمَ بَيْنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فَتَرَاهُمْ يَوْمَ النَّيْرُوزِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْهُمْ بِالزُّبْدِيَّةِ فِي يَدِهِ لِشِرَاءِ الْهَرِيسَةِ وَمِنْ فَاتَتْهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَكَأَنَّهُ فَاتَهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَنَا أَشْتَرِي الكشكاك وَالْمُحَبَّبَةَ عَلَى الْوَصْفِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِذَا حَصَلَ فِي الْوِعَاءِ وَعَايَنْته أَخَذْته مِنْهُ جِزَافًا إذْ أَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجِزَافَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَلَمَّا أَنْ دَخَلَهُ الْوَزْنُ قَبْلَ شِرَائِهِ مِنْهُ جِزَافًا انْتَفَتْ الْجَهَالَةُ لِعِلْمِهِمَا بِحَمْلَتِهِ وَزْنًا وَبَقِيَتْ الْجَهَالَةُ وَالْمُغَابَنَةُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ فَيُمْنَعُ شِرَاؤُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ جِزَافًا ابْتِدَاءً فَيُمْنَعُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ عَالِمٌ بِذَلِكَ فِي الْغَالِبِ وَإِنْ لَمْ يَزِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمِغْرَفَةَ الَّتِي بِيَدِهِ يَعْلَمُ بِهَا مِقْدَارَهُ وَزْنًا فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ جِزَافًا ابْتِدَاءً اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَغْرِفَ لَهُ بِغَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهُ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ لَحْمِ السَّمِيطِ نِيئًا وَمَطْبُوخًا وَالشِّوَاءُ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ .
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا } قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي الْعُرُوقِ مِنْ الدَّمِ وَلَقَدْ كُنَّا نَطْبُخُ الْبُرْمَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ الصُّفْرَةَ لَتَعْلُوَهَا مِنْ الدَّمِ انْتَهَى .
تَعْنِي بِتِلْكَ الصُّفْرَةِ فَضْلَةَ مَا فِي الْعُرُوقِ مِنْ الدَّمِ وَهُوَ غَيْرُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَهُمْ الْيَوْمَ يَذْبَحُونَ فَيَخْرُجُ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فَتَتَخَبَّطُ الذَّبِيحَةُ فِيهِ وَيَمْتَلِئُ رَأْسُهَا وَبَعْضُ جِلْدِهَا .
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُمْ ذَبَائِحُ جُمْلَةٌ أَلْقَوْا ذَلِكَ فِي دَسْتٍ وَاحِدٍ فِيهِ مَاءٌ يَغْلِي فَيَحِلُّ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فِيهِ فَيَصِيرُ الْمَاءُ كُلَّهُ كَأَنَّهُ دَمٌ عَبِيطٌ وَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَكَيْ يُنْتَفَ لَهُمْ الصُّوفُ وَهُوَ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْتَلِئَ الْأَعْضَاءُ الْبَاطِنَةُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَتَسْرِي النَّجَاسَةُ إلَى بَاطِنِ الذَّبِيحَةِ مَعَ أَنَّ حَلْقَهَا مَفْتُوحٌ وَدُبُرَهَا فَتَدْخُلُ النَّجَاسَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَتَخْرُجُ مِنْ الْآخَرِ فَإِذَا أَخَذُوا الصُّوفَ وَعَلَّقُوا الذَّبِيحَةَ فِي مَوْضِعٍ وَقَدْ تَمَكَّنَتْ النَّجَاسَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا مِنْهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَيُطَهِّرُونَهَا عَلَى زَعْمِهِمْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَتُمَسُّ النَّجَاسَةُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَتَجْمُدُ فِي بَاطِنِ الذَّبِيحَةِ وَالْمَسَامِّ فَيَبْقَى مُتَنَجِّسًا فِي الشَّاهِدِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ ثُمَّ يُخْرِجُونَ ذَلِكَ إلَى سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَيَبِيعُونَهُ فِيهِ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ مِنْ تِلْكَ النَّجَاسَاتِ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ الَّذِي يَغْسِلُونَهُ بِهِ مَاءً قَرَاحًا لَكَانَ فِيهِ شَبَهُ مَا فِي
التَّطْهِيرِ فَكَيْفَ وَالْمَاءُ الَّذِي يَغْسِلُونَهُ بِهِ فِي الْغَالِبِ تَرَاهُ مُتَغَيِّرًا مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الدِّمَاءِ وَغَيْرِهَا .
وَالشِّوَاءُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ سَمِيطٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ أَوْ يَبِيعَهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَوَامُّ النَّاسِ لَكَانَ مَذْمُومًا وَلَكِنْ قَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى حَتَّى إنَّ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ يَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ وَيُرْسِلُ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْفَظِيعِ بَلْ يُبَاشِرُ بَعْضُهُمْ شِرَاءَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَوْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مَعَ مَنْ لَهُ أَمْرٌ لَكَانَ يُغَيِّرُهُ بِأَيْسَرَ شَيْءٍ إذْ أَنَّهُمْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كُلْفَةٌ فِي أَنْ يَغْسِلُوا الْمَنْحَرَ وَغَيْرَهُ مِمَّا أَصَابَهُ مِنْ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُدْلُونَهُ فِي الدَّسْتِ ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَشَقَّةٍ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْمَشَقَّةُ مَوْجُودَةً لَوَجَبَ فِعْلُهَا لِكَيْ يَسْلَمَ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ فَكَيْفَ وَلَا مَشَقَّةَ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى التَّسَاهُلِ فِي ارْتِكَابِ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ إلَّا أَنَّهَا عَادَةٌ اُتُّخِذَتْ وَوَقَعَ التَّسَامُحُ فِيهَا لِغَفْلَةِ بَعْضِ مَنْ غَفَلَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَعَدَمِ السُّؤَالِ لَهُمْ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ .
وَهَذَا بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الْبَيْضَ الْكَثِيرَ إذَا صُلِقَ وَوُجِدَتْ فِيهِ بَيْضَةٌ فِيهَا فَرْخٌ فَإِنَّ الْبَيْضَ كُلَّهُ يَتَنَجَّسُ وَلَا يُؤْكَلُ إذْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ مَعَ أَنَّ قِشْرَةَ الْبَيْضِ لَيْسَ لَهَا مَسَامُّ حَتَّى يَدْخُلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فِيهَا شَيْءٌ أَوْ يَخْرُجَ فَمَا بَالُك بِاللَّحْمِ الَّذِي بَاشَرَ الدَّمَ الْعَبِيطَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ غَسْلِهِمْ لَهُ أَنَّهُمْ يَغْسِلُونَهُ بِالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ
أُخْرَى وَهِيَ مِمَّا تَعُمُّ فِي الْغَالِبِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَذْبَحُونَ فِيهِ مُسْتَدْبَرٌ فَالْقَلِيلُ مِنْهُمْ الَّذِي يَكُونُ ذَبْحُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَمِنْ تَعَمَّدَ الذَّبْحَ إلَى غَيْرِهَا فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً يُكْرَهُ أَكْلُ الْمَذْبُوحِ بِسَبَبِ تَرْكِهَا ، وَسَبَبُ وُجُودِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا تَرْكُ السُّؤَالِ مِنْ الْعَامَّةِ وَتَرْكُ تَفَقُّدِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ عِنْدَ مَبْدَأِ أَمْرِهَا فَاسْتَحْكَمَتْ الْمَفَاسِدُ وَمَضَتْ عَلَيْهَا الْعَوَائِدُ الرَّدِيئَةُ فَيُطْعِمُونَ النَّاسَ الطَّعَامَ الْمُتَنَجِّسَ وَأَجَازُوا بَيْعَهُ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ وَالسُّكُوتِ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ وَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ .
أَمَّا الْعَامَّةُ فَبِالسُّؤَالِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَبِالْكَلَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ فِي هَذَا كَبِيرُ أَمْرٍ .
وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ خُصُوصًا عَلَى أَرْبَاب الْأُمُورِ وَعَلَى مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ بِيَدِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ .
ثُمَّ إنَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ يَعْجِنُونَ التُّرَابَ الَّذِي يَسُدُّونَ بِهِ التَّنُّورَ الَّذِي فِيهِ الذَّبَائِحُ بِالْمَاءِ الَّذِي صَارَ كَأَنَّهُ دَمٌ عَبِيطٌ فَيَتَنَجَّسُ التُّرَابُ بِهِ إنْ كَانَ طَاهِرًا وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَيُضِيفُونَ نَجَاسَةً إلَى مِثْلِهَا فَإِذَا أَحَسَّ بِحَرَارَةِ النَّارِ عَرِقَ وَقَطَرَ مِنْهُ عَلَى الشِّوَاءِ وَغَيْرِهِ مَا يُنَجِّسُهُ ظَاهِرًا أَنْ لَوْ كَانَ طَاهِرًا فَكَيْف وَبَاطِنُهُ مُتَنَجِّسٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَكَذَلِكَ يَقْطُرُ فِي نَفْسِهِ هُوَ وَالشِّوَاءُ عَلَى الْجَذَّابَةِ الَّتِي تَحْتَهُ فَتَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ مُتَنَجِّسًا ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ مَرْئِيٌّ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْرِجُونَهُ إلَى سُوقِ الْمُسْلِمِينَ يَبِيعُونَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ .
وَكَذَلِكَ تَعَدَّتْ هَذِهِ النَّجَاسَةُ إلَى أَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَذْبَحُونَ الدَّجَاجَ وَغَيْرَهُ وَيَأْتُونَ بِهِ إلَى الْمَسْمَطِ
فَيُدْلُونَهَا فِي الْمَاءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَنَجَّسُ كُلُّ ذَلِكَ .
وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ انْضَمَّ إلَيْهِ مُحَرَّمٌ آخَرُ اتِّفَاقًا وَهُوَ إضَاعَةُ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ مَا تَنَجَّسَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عُمِلَ بِتِلْكَ الدَّجَاجَةِ الْمَسْمُوطَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَغَيْرِهَا مِنْ السَّمِيطِ مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ فِي الْبُيُوتِ أَوْ عِنْدَ الشَّرَائِحِيِّ أَوْ عِنْدَ الطَّبَّاخِينَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ كُلُّهُ مُتَنَجِّسًا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ وَيَجِبُ غَسْلُ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي جُعِلَ فِيهَا نِيئًا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا وَيَغْسِلُ مَا أَصَابَ ذَلِكَ مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان أَوْ وِعَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ النَّجَاسَةُ مِثْلُ السُّمِّ يَعْنِي فِي سُرْعَةِ سَرَيَانِهَا وَأَنْتَ تَرَى ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ شَيْئًا مِنْهُ إلَّا بَعْدَ تَطْهِيرِهِ ، وَاللَّحْمُ وَالْأَطْعِمَةُ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهَا وَلَا بَيْعُهَا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّ اللَّحْمَ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهُ لَا يَقْبَلُ شَيْئًا عُمِلَ فِيهِ وَلَا تَسْرِي النَّجَاسَةُ إلَى بَاطِنِهِ فَجَوَابُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ يَرُدُّهُ الشَّاهِدُ ؛ لِأَنَّك إذَا عَمِلْت اللَّحْمَ فِي مَاءٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مِلْحٍ أَوْ غَيْرِهِ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَاءِ مِلْحٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ أَوْ فُلْفُلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ تَجِدُ طَعْمَهُ فِي اللَّحْمِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي قَلْبِ الْقِطْعَةِ مِنْ اللَّحْمِ .
فَإِنْ قِيلَ إنَّ طَعْمَ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ إلَّا بَعْدَ النُّضْجِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ دُخُولَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي اللَّحْمِ لَمْ يَكُنْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهُوَ إذَا أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ يَغْلِي فَقَدْ سَرَى إلَى بَاطِنِهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ سَوَاءٌ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ
عَلَى أَنَّهُ يَقْبَلُ مَا أُلْقِيَ فِيهِ .
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ قَدْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِيهِ بَعْدَ نُضْجِهِ وَطَبْخِهِ فَيَكْفِي فِيهِ التَّطْهِيرُ بِالْمَاءِ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْمَسَامِّ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالَهُ سَحْنُونَ فِي زَيْتُونِ مِلْحٍ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَإِنْ كَانَ قَدْ نَضِجَ فِي الْمِلْحِ فَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْضَجْ بَعْدُ فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ لَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ وَلَا يُؤْكَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ مَا وَقَعَ فِيهِ قَبْلَ نُضْجِهِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللَّحْمِ سَوَاءٌ وَلَا عُذْرَ لِمَنْ يَدَّعِي الِاضْطِرَارَ إلَى اسْتِعْمَالِ السَّمِيطِ وَالشِّوَاءِ لِوَصْفِ طَبِيبٍ لِمَرِيضٍ أَوْ غَيْرِهِ إذْ أَنَّ لَحْمَ الْمَاعِزِ مَوْجُودٌ لِلْأَصِحَّاءِ نِيئًا وَمَشْوِيًّا ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ سَلِيخًا لَا سَمِيطًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْ السَّمِيطِ إنْ جُعِلَ مَعَهُ فِي التَّنُّورِ أَوْ يَسْقُطُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ التُّرَابِ أَوْ الطِّينِ الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي يُسَدُّ بِهِ التَّنُّورُ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّ لَحْمَ الضَّأْنِ الصَّغِيرِ السَّلِيخِ مَوْجُودٌ أَيْضًا .
وَأَمَّا لَحْمُ السَّمِيطِ الطَّاهِرِ فَمَوْجُودٌ لِلْمَرْضَى وَلِمَنْ احْتَاجَهُ مِنْ الْأَصِحَّاءِ فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ الشِّوَاءَ سَالِمًا مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ مِمَّا يَعْتَرِي الْمُسْلِمِينَ فِي سِمْطِ ذَلِكَ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بِتَطْهِيرِ ذَلِكَ أَجْدَرَ وَأَوْلَى فَمَا أَقْبَحَ هَذَا وَأَشْنَعَهُ أَنْ يَمْتَازَ الْيَهُودُ بِتَطْهِيرِ ذَلِكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلرَّشَادِ بِمَنِّهِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَعُلِمَ فَلَا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ بَلْ هُوَ يَتَعَدَّى إلَى كُلِّ مَنْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا تَنَاوَلَهُ بِهِ مِثْلُ الْجَزَّارِ يَكُونُ عِنْدَهُ سَلِيخٌ أَوْ سَمِيطٌ فَإِنَّهُ إذَا مَسَّ السَّمِيطَ بِيَدِهِ أَوْ سِكِّينِهِ تَنَجَّسَ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ يَتَنَجَّسُ الْمَوْضِعُ
الَّذِي يَكُونُ فِيهِ وَاللَّحْمُ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ أَوْ سِكِّينُهُ الَّتِي يَقْطَعُ بِهَا مِنْ السَّمِيطِ وَبَعْضُ مَنْ يَحْتَرِزُ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ السَّمِيطِ قَدْ يَقَعُ فِي هَذَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ثُمَّ تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى تَنْجِيسِ الْوِعَاءِ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ إلَى الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا ، وَكَذَلِكَ يَتَنَجَّسُ مَا يُطْبَخُ فِيهَا أَوْ يُؤْكَلُ فِيهَا فَظَهَرَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ النَّجَاسَةَ كَالسُّمِّ لِسُرْعَةِ سَرَيَانِهَا .
وَأَمَّا الرُّءُوسُ فَهِيَ جَائِزَةٌ إذَا سَلِمَتْ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ فِي السَّمِيطِ وَقَدْ جُمِعَتْ الْمَفَاسِدُ الَّتِي فِي السَّمِيطِ وَزَادَتْ عَلَيْهِ الْمَكْسُ الَّذِي اُخْتُصَّتْ بِهِ دُونَ السَّمِيطِ إذْ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى شِرَائِهَا مِنْ غَيْرِ الْمُكَّاسِ وَالْأَكَارِعُ كَذَلِكَ تَنْجِيسُهَا وَمَكْسُهَا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا النَّقَانِقُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا لِلْجَهَالَةِ بِمَا فِي بَاطِنِهَا .
هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَشُقَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَيَرَى دَاخِلَهَا كُلَّهَا وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ إذَا رَأَى وَاحِدَةً مِنْهَا وَاطَّلَعَ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهَا وَأَخَذَ الْبَاقِيَ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْخُشْكِنَانِ .
هَذَا لَوْ سَلِمَتْ مِنْ الْمَكْسِ وَهِيَ الْآنَ مُمَكَّسَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهَا ، وَهَذَا إنْ كَانَ بَيْعُهَا بَعْدَ نُضْجِهَا ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَبِيعُهَا نِيئَةً وَيَزِنُهَا لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ يَأْخُذُهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَيَقْلِيهَا لَهُ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ .
وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي السَّمَكِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ وَزْنًا مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ مَقْلُوًّا بَعْضَ قَلْيٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نِيئًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ كَذَلِكَ فَفِيهِمَا وُجُوهٌ مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَلَاهُ لَهُ بَعْدَ وَزْنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا يَعْرِفُ كَمْ وَزْنُهُ بَعْدَ الْقَلْيِ فَهُوَ مَجْهُولٌ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ اشْتَرَى مِنْهُ الدُّهْنَ الَّذِي قَلَاهُ لَهُ بِهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ .
الثَّالِثُ : مَا أَوْقَدَ بِهِ تَحْتَهُ كَذَلِكَ مَجْهُولٌ .
الرَّابِعُ : أُجْرَةُ قَلْيِهِ مَجْهُولَةٌ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ مَجْهُولٌ فِي الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ عَمِلُوا عَلَيْهِ الدَّقِيقَ كَثِيرًا لَمْ يُعْلَمْ كَمْ وَزْنُ الدَّقِيقِ وَلَا كَمْ وَزْنُ السَّمَكِ الَّذِي يُؤْخَذُ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ وَلَوْ قَلَاهُ لَهُ قَبْلَ الْوَزْنِ إذْ أَنَّ الْجَهَالَةَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ قَبْلَ الْقَلْيِ وَبَعْدَهُ فَهَذِهِ خَمْسَةُ وُجُوهٍ مِنْ الْمَوَانِعِ فَكَيْفَ يُرْتَكَبُ ذَلِكَ .
وَالتَّوَصُّلُ إلَى أَكْلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ شَرْعًا سَهْلٌ يَسِيرٌ بِأَنْ يُنْضِجَهُ الْبَائِعُ بِالْقَلْيِ وَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ ثُمَّ يَبِيعَهُ لِلْمُشْتَرِي وَزْنًا أَوْ جِزَافًا بِشَرْطِ أَنْ
يَكُونَ الدَّقِيقُ الَّذِي عَلَيْهِ يَسِيرًا مُحْتَاجًا إلَيْهِ .
وَأَمَّا الْكُبُودُ فَإِنْ سَلِمَتْ مِنْ الْمَكْسِ لَكَانَتْ جَائِزَةً وَهِيَ الْآنَ مُمَكَّسَةٌ فَيُمْنَعُ شِرَاؤُهَا .
وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ كُلُّ مَا هُوَ مُمَكَّسٌ وَيُسْتَغْنَى بِغَيْرِهِ عَنْهُ مِثْلَ النَّشَا وَالسِّمْسِمِ الْمَقْشُورِ وَلَحْمِ الْجَمَلِ وَلَحْمِ النَّعَامِ وَأَمَّا اللِّسَانُ الْبَلَدِيُّ وَالْقُدُورُ الْبَلَدِيَّةُ وَالْكِيزَانُ الْبِيضُ أَيْضًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عُلِمَ فَكَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الشِّرَاءَ مِنْهُمْ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى الْمُحَرَّمِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ فَقَدْ اتَّصَفَ بِتَرْكِ التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَنْقُلُ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صُورَةَ الْمَكْسِ أَنْ يَحْتَكِرَ شَخْصٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ سِلْعَةً أَوْ سِلَعًا لَا يَبِيعُهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ أَوْ غَيْرُهُمْ أَوْ مَنْ يَخْتَارُهُ أَوْ يَخْتَارُونَهُ وَإِنْ كَثُرُوا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْخُذُوا السِّلْعَةَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْهُ ، وَالظُّلْمُ هُوَ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا أَوْ بَاعَ فَعَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا فَهَذَا لَا يُمْتَنَعُ مِنْ شِرَائِهِ وَلَا بَيْعِهِ ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إعَانَةٌ انْتَهَى .
وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَا يُرْضِيهِ بِمَنِّهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ .
وَأَمَّا الْمَنْفُوشُ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ إذَا اشْتَرَى الْفَطِيرَ عَلَى حِدَةٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَاللَّطُوخُ مِثْلُهُ .
وَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَيُمْنَعُ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنْ الْجَهَالَةِ ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ مُخْتَلِفَانِ فِي ذَلِكَ فَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اللَّطُوخِ أَكْثَرَ مِنْ فَطِيرِ الْمَنْفُوشِ وَالْبَائِعُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ فَطِيرِ الْمَنْفُوشِ أَكْثَرَ مِنْ اللَّطُوخِ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ بَيْعِ الْمُغَابَنَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ بِالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ كَمْ وَزْنُ الْفَطِيرِ وَلَا كَمْ وَزْنُ اللَّطُوخِ .
وَالْبِيَاعَاتُ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مَكِيلٌ وَمَوْزُونٌ وَجُزَافٌ ، وَهَذَا غَيْرُ مَكِيلٍ وَقَدْ اشْتَرَاهُ عَلَى الْوَزْنِ وَأَخَذَهُ مَجْهُولًا وَلَوْ أَخَذَهُ جُزَافًا مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ بَعْدَ تَعْيِينِ ذَلِكَ لَهُ لَمُنِعَ ذَلِكَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَعْرِفُ مِقْدَارَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ اللَّطُوخِ غَالِبًا وَإِنْ لَمْ يَزِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْمُحَبَّبَة وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَأَمَّا بَيْعُ الْفُقَّاعِ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا وَذَلِكَ إذَا صَبَّ مَا فِي الْكُوزِ فِي وِعَاءٍ وَعَايَنَهُ الْمُشْتَرِي وَعَلِمَ قَدْرَهُ وَصِفَتَهُ .
وَأَمَّا عَلَى مَا يَبِيعُونَهُ الْيَوْمَ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ لِوُجُوهٍ .
الْأَوَّلِ أَنَّ كُوزَ الْفُقَّاعِ مِنْ الْأَوَانِي الَّتِي نُهِيَ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِيهَا مِثْلُ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ لِسُرْعَةِ التَّخْمِيرِ الَّذِي يَسْرِي إلَيْهَا بِسَبَبِ سَدِّ مَسَامِّهَا وَكُوزُ الْفُقَّاعِ كَذَلِكَ وَقَدْ يَبِيتُ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَ الْبَائِعِ فَيَبِيعُهُ لِلنَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَفَقَّدُهُ وَقَدْ يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّخْمِيرُ فَيَشْتَرِيهَا الْمُشْتَرِي وَقَدْ صَارَتْ خَمْرًا هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ مَجْهُولٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَسُدُّ فَمَ الْكُوزِ بِعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَضَعُهُ عَلَى فَمِهِ فَقَدْ يَكُونُ فَمُهُ لَمْ يُسَدَّ كُلُّهُ فَيَنْزِلُ مَا فِي الْكُوزِ أَوْ بَعْضُهُ فَإِنْ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ مَا فِيهِ فَيَظُنُّهُ مَلْآنًا وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي الْمُحَقَّرَاتِ ، وَهَذَا مِنْهَا فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْتُك وَالْمُشْتَرِي قَدْ اشْتَرَيْت أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ مِمَّا نَقَلُوهُ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ بَيْنَهُمَا .
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَيَجُوزُ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ إذَا فَرَغَ مَا فِي الْكُوزِ وَعَايَنَهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّ الشُّرْبَ مِنْ مَوْضِعِ سُؤْرِ الْكُفَّارِ مَكْرُوهٌ وَالْفُقَّاعُ يَشْرَبُهُ النَّصْرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَكُونُ فَمُهُ مُتَنَجِّسًا فَيُنَجِّسُهُ وَقَدْ لَا يَغْسِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْغُسْلَ الشَّرْعِيَّ قَبْلَ مَلْئِهِ ثَانِيًا ثُمَّ يَأْتِي الْمُسْلِمُ فَيَضَعُ فَاهُ مَوْضِعَ فَمِ النَّصْرَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَتَحَرَّزُ مِنْ النَّجَاسَةِ .
وَلَيْسَ هَذَا الْوَجْهُ خَاصًّا بِالْفُقَّاعِ وَحْدَهُ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُشْبِهُهُ ، مِثْلُ السِّقَاءِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ يَسْقُونَ مَنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَمَنْ تَعَافُهُ النُّفُوسُ ، مِثْلُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمَجْذُومِ وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ثُمَّ يَأْتِي غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَصِحَّاءِ فَيَضَعُ فَاهُ مَوْضِعَ فَمِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ مَا فِيهِ ثُمَّ مَعَ هَذَا فَقَدْ عَرِيَ عَنْ أَقْسَامِ الْبِيَاعَاتِ الثَّلَاثِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ وَلَا جُزَافٍ إذْ أَنَّ الْجُزَافَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا مَحْزُورًا يُحِيطُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بِقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ ، وَهَذَا غَائِبٌ لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ وَلَا صِفَتُهُ وَلَا يَأْخُذُهُ حَزْرٌ فَهَذِهِ وُجُوهٌ عَدِيدَةٌ تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِهِ وَلَا عُذْرَ لِمَنْ يَقُولُ إنَّهُ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُحَقَّرَاتِ وَغَيْرَهَا فِي شَرْطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَفَسَادِهِ سَوَاءٌ إلَّا مَا اُغْتُفِرَ فِي ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِيهَا وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ الْمَيْلِ إلَى فَتْوَى مُفْتٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ فَيَأْنَسُ بِالْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ فَيَخْرُجُ بِسَبَبِهَا عَنْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ بِسَبَبِ اسْتِمْرَارِ تِلْكَ الْعَوَائِدِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَمِنْ ذَلِكَ شِرَاءُ الْخُبْزِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ أَنَّ الْبِيَاعَاتِ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ فَشِرَاءُ الْخُبْزِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ وَزْنًا أَوْ جُزَافًا .
وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ وَأَنْتَ تَرَى بَعْضَهُمْ يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْهُمَا بِسَبَبِ أَنَّهُ يَزِنُ الْخُبْزَ فَيَجِدُهُ يَشِحُّ عَنْ الْوَزْنِ فَيُخْرِجُهُ مِنْ كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَيُعْطِيهِ لِلْمُشْتَرِي وَيَدْفَع لَهُ عِوَضًا عَمَّا نَقَصَ مِنْ وَزْنِهِ كِسْرَةً جُزَافًا فَقَدْ خَرَجَ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ الْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ وَزْنِ الْأَوَّلِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ نَاقِصًا وَلَا قَدْرَ الْكِسْرَةِ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهِ جُزَافًا فَقَدْ دَخَلَ عَلَى وَزْنٍ مَعْلُومٍ وَأَخَذَ مَجْهُولًا وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ فَلَوْ زَادَ الْكِسْرَةَ أَوْ الْخُبْزَ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى حَقَّقَ كَمَالَ الْوَزْنِ لَكَانَ جَائِزًا وَإِنْ رَجَحَ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ هِبَةٌ مَجْهُولَةٌ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَفَّى لَهُ الْوَزْنَ وَدَفَعَ لَهُ الْكِسْرَةَ جُزَافًا لَجَازَ وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ فِي وَزْنِ الْخُبْزِ وَمَا يُفْعَلُ فِيهِ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ مَجْهُولًا خَاصًّا بِهِ بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي أَكْثَرِ الْبِيَاعَاتِ كَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْعَلُ فِيهِ مَا يُفْعَلُ فِي الْخُبْزِ مِنْ الْمَحْذُورِ فَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكْتَسِبُ الْإِنْسَانُ الثَّمَنَ مِنْ حِلِّهِ وَيَأْكُلُهُ حَرَامًا بِتَصَرُّفِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَمِنْ ذَلِكَ الشِّرَاءُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ النَّجَاسَةِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ شِرَاءِ الْمَائِعَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّنْ هَذَا حَالُهُ ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى يَتَدَيَّنُونَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ إنَّمَا هِيَ دَمُ الْحَيْضِ وَحْدَهُ وَكُلُّ مَا عَدَاهُ طَاهِرٌ عَلَى زَعْمِهِمْ فَتَجِدُ أَحَدَهُمْ يَبُولُ فِي دُكَّانِهِ وَيَتَنَاوَلُ الْمَائِعَ وَغَيْرَهُ بِيَدِهِ وَلَا يُطَهِّرُهَا ، وَكَذَلِكَ الْجُبْنُ الْمَقْلُوُّ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُكْثِرُ مُبَاشَرَتَهُ لَهُ حَتَّى قَدْ يَصِلُ ذَلِكَ إلَى تَعْيِينِ النَّجَاسَةِ يَقِينًا فَالشِّرَاءُ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا مَكْرُوهٌ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا يَأْكُلُهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ غَسْلُهُ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ شِرَاءَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَكْرُوهٌ لَوْ كَانَ طَاهِرًا بِلَا شَكٍّ ؛ لِأَنَّ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُمْ مَنْفَعَةً لَهُمْ ، وَالْمُسْلِمُونَ أَحَقُّ بِالنَّفْعِ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ بِإِعَانَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ .
وَمِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ أَنَّ مَالِكًا ذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْبُلْدَانِ يَنْهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي أَسْوَاقِهِمْ صَيَارِفَةً وَجَزَّارِينَ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَرَى لِلْوُلَاةِ أَنْ يَفْعَلُوا فِي ذَلِكَ فِعْلَ عُمَرَ .
قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْصِبَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَهْلِ دِينِهِمْ مَجْزَرَةً عَلَى حِدَةٍ وَيُنْهَوْنَ أَنْ يَبِيعُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُنْهَى الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْهُمْ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ لَا يُفْسَخُ شِرَاؤُهُ وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ الْيَهُودِيِّ مِثْلَ الطَّرِيفَةِ وَشِبْهِهَا مِمَّا لَا يَأْكُلُونَهُ فَيُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ انْتَهَى .
وَالطَّرِيفَةُ هِيَ مَا يُوجَدُ مِنْ الرِّئَةِ مَلْصُوقَةً بِالشَّحْمِ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي
تَذْكِيَتِهِمْ لِهَذِهِ وَكُلِّ ذِي ظُفُرٍ وَالشُّحُومِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ .
فَحَكَى اللَّخْمِيُّ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا : قَوْلٌ بِالْجَوَازِ وَقَوْلٌ بِالْمَنْعِ وَقَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ وَقَوْلٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَبَيْنَ مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْقَوْلِ عَلَى أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ فَقِيلَ يُؤْكَلُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَقِيلَ لَا يُؤْكَلَانِ وَقِيلَ يُؤْكَلُ مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَا يُؤْكَلُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ انْتَهَى .
فَإِذَا تَرَكَ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَاشْتَرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ الشِّرَاءِ مِمَّنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْهُمْ مِنْ النَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَشْتَرُونَ الْخِرَقَ مِمَّنْ يَجْمَعُهَا مِنْ الطُّرُقِ وَالْكِيمَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَقْذَرَةِ بِالنَّجَاسَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أَثَرِ الْحَيْضِ أَوْ مِنْ أَثَرِ مَنْ يُعَافُ أَثَرُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَاءِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا أَيْدِيَهُمْ وَغَيْرَهَا مِنْ الْأَوْعِيَةِ وَذَلِكَ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ .
وَإِذَا اشْتَرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُمْ مَنْ يَظْهَرُ عَلَيْهِ سِيَّمَا الصَّلَاحِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَيَخْتَارُ مَنْ يُصَلِّي مِنْهُمْ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَيَخْتَارُ مَنْ هُوَ أَنْظَفُ وَجْهًا ؛ لِأَنَّ النَّظَافَةَ وَالْوَضَاءَةَ غَالِبًا لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْوَضِيءِ فَالْغَالِبُ فِيهِ عَدَمُ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَمِنْ ذَلِكَ الشِّرَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الطَّبْلِيَّاتِ وَالدِّكَكِ الْمُسْتَدِيمَةِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ يَقْعُدُ فِي طَرِيقِهِمْ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَصْبٌ لِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَمُرَّ فِي حَاجَتِهِ أَوْ يَقِفَ قَدْرَ ضَرُورَتِهِ وَلَا يَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ دُكَّانٌ يَبِيعُ فِيهِ وَيَشْتَرِي ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقَاتِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ مُتَّسِعَةً فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَا سِيَّمَا وَالطُّرُقُ فِي هَذَا الْوَقْتِ قَدْ ضَاقَتْ عَنْ الطَّرِيقِ الَّتِي شُرِعَتْ لِلنَّاسِ وَذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنْ يَمُرَّ جَمَلَانِ مَعًا مُحَمَّلَانِ تِبْنًا فِي الطَّرِيقِ لَا يَمَسُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى حَدِّ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ وَإِلَى مَا عَلَيْهِ الطَّرِيقُ الْيَوْمَ فَكَيْفَ يَجُوزُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَا سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ فِي وَقْتِ مُنْصَرَفِ النَّاسِ إلَى الْخَمْسِ صَلَوَاتٍ أَوْ إلَى تَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْجُلُوسِ بِالطَّبْلِيَّاتِ عَلَى أَبْوَابِ الْجَوَامِعِ فَيُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ طَرِيقَهُمْ إلَى بَيْتِ رَبِّهِمْ فَهُمْ غَاصِبُونَ لِذَلِكَ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .
وَكُلُّ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ فَقَدْ أَعَانَهُمْ عَلَى مَا فَعَلُوهُ مِنْ الْغَصْبِ فَهُوَ شَرِيكٌ مَعَهُمْ فِي الْإِثْمِ سِيَّمَا إنْ كَانَ فِيهَا الشَّيْءُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بِالْحَبْلَقَةِ فَإِنَّهُ يَنْضَافُ إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ مَفْسَدَةٌ أَكْبَرُ مِنْهَا تَقَدَّمَ مِثْلُهَا فِي السِّقَاءِ وَالْفُقَّاعِ وَهِيَ أَنَّ تِلْكَ الْمِلْعَقَةَ الَّتِي يَغِطُّهَا لِلنَّاسِ لَا يَرُدُّ عَنْهَا أَحَدًا مِمَّنْ كَانَ كَالْأَجْذَمِ وَالْأَبْرَصِ وَالصَّبِيِّ وَالصَّغِيرِ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ اللِّفْتَ وَاللُّوبِيَاءَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ فِيهِمَا النَّشَادِرَ
حَتَّى يَخْضَرَّا بِذَلِكَ وَهُوَ نَجِسٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ غَيْرُهُمَا مِنْ الْمَائِعَاتِ فَكُلُّ مَا يُبَاشِرُهُ مِنْهَا تَنَجَّسَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّمِيطِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ سِيَّمَا إنْ كَانَ الْبَائِعُ نَصْرَانِيًّا فَمِنْ بَابٍ أَحْرَى إذْ أَنَّهُ لَا يُتَحَرَّزُ مِنْ بَوْلِ نَفْسِهِ فِي طَعَامِهِ فَضْلًا عَمَّا يَعْمَلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْتَرِيَ مِمَّنْ يَجْلِسُ فِي الْمَقَاعِدِ الَّتِي فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ إذْ أَنَّ ذَلِكَ غَصْبٌ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ فَشَا هَذَا الْأَمْرُ وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَيْهِ حَتَّى قَدْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ يُكْرِي تِلْكَ الْمَقَاعِدَ الَّتِي تَلِي بَيْتَهُ أَوْ مِلْكَهُ أَوْ مَا هُوَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهُمْ يَأْخُذُ أُجْرَةَ ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بَيْنَهُمْ فَلَا يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ رَضِيَا مَعًا بِذَلِكَ فَالشَّرْعُ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّهُ لِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالْمَقَاعِدِ لَيْسَ إلَّا بَلْ كُلُّ مَنْ غَصَبَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ فَلَا يَنْبَغِي مُعَامَلَتُهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بُدٌّ كَهَذِهِ الدَّكَاكِينِ الَّتِي يَعْمَلُونَ بِهَا مَسَاطِبَ يَقْطَعُونَهَا مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ خَارِجَةً عَنْ حَوَانِيتِهِمْ قَدْ ضَاقَ الطَّرِيقُ بِهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَسَبَبُ هَذَا كُلِّهِ عَدَمُ النَّظَرِ إلَى مَا كُلِّفَهُ الْمَرْءُ مِنْ مُرَاعَاةِ الشَّرْعِ وَغَفْلَةُ مَنْ غَفَلَ مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَتَرْكُ السُّؤَالِ مِنْ الْعَامَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ مُنِعَ الشِّرَاءُ مِنْ الْمُكَّاسِ مَوْجُودٌ فِي الشِّرَاءِ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ إذْ أَنَّهُ لَوْ تَحَامَى الْمُسْلِمُونَ الشِّرَاءَ مِنْهُ لِأَجْلِ مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ غَصْبِ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَنَزَعَ عَنْ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالشِّرَاءُ مِنْهُمْ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ ،
وَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَصِيرُ شَرِيكًا لَهُمْ فِي إثْمِ غَصْبِهِمْ لِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ شَيْخٌ مِنْ الصُّلَحَاءِ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ وَكَانَ الْإِمَامُ يُعَظِّمُهُ لِخَيْرِهِ وَبَرَكَتِهِ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ الشَّيْخَ لَيَّسَ جِدَارَ بَيْتِهِ بِالطِّينِ مِنْ الْخَارِجِ فَتَرَكَهُ الْإِمَامُ وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ إلَيْهِ أَجْلَسَهُ إلَى جَانِبِهِ وَرَحَّبَ بِهِ فَلَمَّا أَنْ بَلَغَهُ عَنْهُ ذَلِكَ تَرَكَهُ وَلَمْ يُقْبِلْ عَلَيْهِ وَأَعْرَضَ عَنْهُ فَبَقِيَ كَذَلِكَ أَيَّامًا فَسَأَلَ الشَّيْخُ أَصْحَابَ الْإِمَامِ عَنْ سَبَبِ إعْرَاضِهِ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّك لَيَّسْت جِدَارَ بَيْتِك بِالطِّينِ مِنْ خَارِجِ فَجَاءَ الشَّيْخُ إلَى الْإِمَامِ فَسَأَلَهُ عَنْ مُوجِبِ هِجْرَانِهِ لَهُ فَأَخْبَرَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ لِي ضَرُورَةٌ فِي تَلْيِيسِ الْجِدَارِ وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ أَمْرٍ فِي حَقِّ الْمَارِّينَ ، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ : ذَلِكَ غَصْبٌ فِي طَرِيقِهِمْ ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ : هُوَ نَزْرٌ يَسِيرٌ ، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ الْيَسِيرُ وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَفْعَلُ ، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ تُزِيلَ التَّلْيِيسَ وَإِمَّا أَنْ تُنْقِصَ الْجِدَارَ وَتُدْخِلَهُ فِي مِلْكِك قَدْرَ التَّلْيِيسِ فَتَبْنِيهِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تُلَيِّسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ الْإِمَامُ حَتَّى امْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَوْ كَمَا قَالَ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ مَرَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِجَانِبِ قَمْحٍ قَدْ سَنْبَلَ فَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَدَهُ عَلَى السُّنْبُلِ ثُمَّ نَزَعَهَا فِي الْوَقْتِ فَرَآهُ الشَّيْخُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ صَاحِبِ الْقَمْحِ وَيَسْتَحِلَّ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ الْفَقِيرُ : يَا سَيِّدِي أَلَيْسَ السُّنْبُلُ قَدْ وَقَفَ
كَمَا هُوَ وَمَا ضَرَّهُ مَا فَعَلْت بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَرَأَيْت لَوْ مَرَّ بِهِ أَلْفُ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرُ فَفَعَلُوا مَا فَعَلْت أَكَانَ يَرْقُدُ قَالَ نَعَمْ ، فَقَالَ لَهُ لَك فِي ذَلِكَ حِصَّةٌ مِنْ الظُّلْمِ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ ، وَلَمْ يَصْحَبْهُ حَتَّى اسْتَحَلَّ مِنْهُ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى بَرَكَةِ تَفَقُّدِ الْعُلَمَاءِ لِلْحَوَادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي زَمَانِهِمْ كَيْفَ يَتَلَقَّوْنَهَا بِهَذَا التَّلَقِّي الْحَسَنِ الْجَمِيلِ .
فَلَوْ بَقِيَ الْعُلَمَاءُ عَلَى طَرَفٍ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَتْ هَذِهِ الْمَوَادُّ تَنْحَسِمُ أَوْ يَقِلُّ فَاعِلُهَا وَلَكِنَّ السُّكُوتَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَعَدَمَ السُّؤَالِ مِنْ الْعَامَّةِ لَهُمْ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَصَارَ مُتَزَايِدًا وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَرْضَاتِهِ .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَبْصِرَتِهِ : وَأَمَّا مَا يَكُونُ بَيْنَ الدِّيَارِ مِنْ الرِّحَابِ وَالشَّوَارِعِ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْهَا إلَى دَارِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَضُرُّ بِالْمَارِّينَ وَبِأَهْلِ الْمَوَاضِعِ مُنِعَ ، وَإِنْ فَعَلَ هُدِمَ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ .
فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْجَوَازُ وَالْكَرَاهَةُ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ يُهْدَمُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ اقْتَطَعَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ } وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ بِكِيرِ حَدَّادٍ بِالسُّوقِ فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ وَقَالَ تُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ .
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا تَشَاحُّوا فِي الطَّرِيقِ فَسَبْعَةُ أَذْرُعٍ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ انْتَهَى .
فَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِ مَا فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَفِي التَّلْوِيحِ مَا يُغْنِي عَنْ التَّصْرِيحِ .
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فِي قَضَاءِ مَآرِبِهِ إنْ قَدَرَ خِيفَةً مِنْ الْمَفَاسِدِ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ وَلِوُجُوهٍ أُخْرَى نَذْكُرُ بَعْضَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةً جَلِيَّةً لِغَيْرِ الْعَالِمِ فَكَيْفَ لِلْعَالِمِ .
فَمِنْهَا إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ فَيَنْوِي بِذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي الْخُرُوجِ إلَى السُّوقِ ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِيَدِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ التَّوَاضُعِ مَعَ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَنِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ وَتَهْذِيبِهِمْ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ وَسَلَامَتِهِمْ مِنْ دُخُولِ الرِّبَا عَلَيْهِمْ إذْ أَنَّ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فِي جُلِّ بِيَاعَاتِهِمْ .
أَلَا تَرَى أَنَّ السَّلَفَ لِجَرِّ الْمَنْفَعَةِ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنْتَ تَرَى كَثْرَةَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ فَتَجِدُ أَحَدَهُمْ يُعَامِلُ الْآخَرَ فَيَشْتَرِي مِنْهُ السِّلَعَ الَّتِي فِي دُكَّانِهِ ثُمَّ إنْ أَعْوَزَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ ثَمَنَ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَامِلْهُ مَا أَقْرَضَهُ حَتَّى إنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِهِ السِّلْعَةَ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ لَتَشَوَّشَ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ لَا يُقْرِضُهُ ثَمَنَ ذَلِكَ إلَّا بِكُرْهٍ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً .
وَكَذَلِكَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَفَاسِدِ مِثْلُ عَدَمِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ دُخُولِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ عَلَيْهِمْ وَالسَّلَفِ وَالصَّرْفِ وَغَيْرِهِمَا ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي وَغَيْرُهَا كَثِيرَةٌ بَيْنَهُمْ فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ يُبَاشِرُهُمْ فِي ذَلِكَ انْحَسَمَتْ مَادَّةُ الْمَفَاسِدِ وَقَلَّ وُقُوعُهَا بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ الَّذِي يَدُورُ بَيْنَهُمْ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ تَرْكَ
التَّكَبُّرِ وَتَرْكَ التَّجَبُّرِ وَتَرْكَ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ إذْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْأَسْوَاقَ وَحَمَلَ سِلْعَتَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ إلَى السُّوقِ فِي خِلَافَتِهِ فَلَمْ يَرَ فِيهِ فِي الْغَالِبِ إلَّا النَّبَطَ فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ فَلَمَّا أَنْ اجْتَمَعَ النَّاسُ بِهِ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَعَذَلَهُمْ فِي تَرْكِهِمْ السُّوقَ ، فَقَالَ لَهُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَغْنَانَا عَنْ الْأَسْوَاقِ بِمَا فَتَحَ بِهِ عَلَيْنَا ، فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاَللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَيَحْتَاجَنَّ رِجَالُكُمْ إلَى رِجَالِهِمْ وَنِسَاؤُكُمْ إلَى نِسَائِهِمْ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا رَأَى النَّبَطَ يَقْرَءُونَ الْعِلْمَ يَبْكِي إذْ ذَاكَ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْعِلْمَ إذَا وَقَعَ لِغَيْرِ أَهْلِهِ يَدْخُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا أَنْتَ تَرَاهُ وَاَللَّهُ يُرْشِدُنَا لِمَا فِيهِ السَّدَادُ بِمَنِّهِ .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ مِنْ إرْشَادِ الضَّالِّ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالسَّلَامِ عَلَى إخْوَانِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي السُّوقِ إنْ شَاءَ سِرًّا ، وَإِنْ شَاءَ جَهْرًا فَالسِّرُّ فِيهِ فَائِدَةٌ كُبْرَى وَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَوْضِعِ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْرُ فِيهِ ذَلِكَ وَزِيَادَةُ تَنْبِيهٍ لِلنَّاسِ عَلَى ذِكْرِ رَبِّهِمْ وَحَدُّ الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمِنْ يَلِيهِ وَفَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِحَيْثُ إنَّهُ يَعْقِرُ حَلْقَهُ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ وَيُضِيفُونَ إلَيْهِ التَّلْحِينَ وَالتَّرْجِيعَ ، وَذَلِكَ مِنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَحَدُّ السِّرِّ تَحْرِيكُ اللِّسَانِ بِمَا يُرِيدُهُ وَهُوَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فَيَقُولَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
ثُمَّ يُصَلِّي
عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ التَّامَّةَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ هَذَا السُّوقِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ بِذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ فَيَغْتَنِمُ بَرَكَةَ الِامْتِثَالِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَعْتَبِرُ فِيهِ ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْرُجُ إلَى السُّوقِ وَلَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ وَيُسَلِّمَ عَلَى إخْوَانِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمَا .
وَالْخُرُوجُ إلَى السُّوقِ مِنْ شِعَارِ الصُّلَحَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ يَخْرُجُونَ إلَى السُّوقِ وَيَقْعُدُونَ فِيهِ انْتَهَى .
وَمَا سُمِّيَ السُّوقُ سُوقًا إلَّا لِنَفَاقِ السِّلَعِ فِيهِ فِي الْغَالِبِ وَأَكْبَرُ سِلَعِ الْمُؤْمِنِ الَّتِي يَطْلُبُ رِبْحَهَا تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَإِرْشَادُهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ ، وَذَلِكَ فِي الْغَالِب مَوْجُودٌ فِي الْأَسْوَاقِ لِكَثْرَةِ وُجُودِ إخْوَانِهِ فِيهَا وَفِيهِمْ الْعَالِمُ بِمَا يُحَاوِلُهُ وَالْجَاهِلُ بِذَلِكَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا فِي الْأَسْوَاقِ يَتَّجِرُونَ وَفِي حَوَائِطِهِمْ يَعْمَلُونَ وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَسَلَفُهَا ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ يُمْكِنُ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَذَلِكَ امْتِهَانٌ لِحَقِّ الْعِلْمِ وَنَقْصٌ لِحُرْمَةِ الْعَالِمِ وَاسْتِهَانَةٌ بِقَدْرِهِمَا وَأَهْلُ الْأَسْوَاقِ مَعَ ذَلِكَ لَا يَسْأَلُونَ فِي الْغَالِبِ وَبَذْلُ الْعِلْمِ إنَّمَا يَجِبُ إذَا سُئِلَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْعَالِمَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ تَرْكَ السُّؤَالِ وَتَرْكَ التَّعْلِيمِ مِنْ الْمُنْكَرِ الْبَيِّنِ
فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَنْصَحَ إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ التَّلَطُّفِ لَهُمْ وَامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ تَعْلِيمُ جَاهِلِهِمْ ، وَالتَّعْلِيمُ فِي الْأَسْوَاقِ أَكْثَرُ بَيَانًا مِنْ غَيْرِهَا لِوُجُودِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ مَعًا ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَتَعَلَّمُهُ الْبَائِعُ إنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِبِ فِي السِّلَعِ الَّتِي فِي دُكَّانِهِ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَنْسَاهُ فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ { ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ } وَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا حَتَّى قَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَعَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعَالِمَ لَا يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَ حَتَّى يُسْأَلَ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ { ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ } ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ تِلْكَ لَا تَجُوزُ فَغَيَّرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنَّ يُغَيِّرَ عَلَى النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ فَإِذَا غَيَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ سَأَلُوهُ فَأَجَابَهُمْ وَإِنَّمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ مَعَ الْأَعْرَابِيِّ ثَلَاثًا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَسْأَلَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَالثَّانِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْعِلْمُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ مِرَارًا قَبْلَ الْإِلْقَاءِ ثَبَتَ الْعِلْمُ بَعْدَهُ كَمَا { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ يَا مُعَاذُ ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا مُعَاذُ ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ فَأَلْقَى إلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ } .
وَحِكْمَةُ تَنْبِيهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثَيْنِ ثَلَاثًا أَعْنِي حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ وَحَدِيثَ مُعَاذٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إذَا وَقَعَ لَهُ أَمْرٌ لَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا وَلَمَّا كَانَ حَدِيثُ مُعَاذٍ فِي الِاعْتِقَادِ وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَمَحَلُّ الصَّلَاةِ مِنْ الدِّينِ مَحَلُّ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ كَرَّرَهُمَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا ، وَكَذَلِكَ كَرَّرَ مَا نَاسَبَهُمَا وَمَا لَمْ يَتَأَكَّدْ أَمْرُهُ يَكْتَفِي فِيهِ مِنْ التَّنْبِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِمَنْ عَقَلَ وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ يَزِيدُ لَهُ فِي التَّنْبِيهِ حَتَّى يَعْقِلَ .
وَلَمْ يَزَلْ عَلَى هَذَا شَأْنُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ إذْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَالْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا أَكَّدَ هَذَا الْأَمْرَ وَبَيَّنَهُ وَأَثْبَتَهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ كَالْجَسَدِ إذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى } وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّتْ الْأُمَّةُ إلَى هَلُمَّ جَرًّا .
أَلَا تَرَى إلَى مَا جَرَى لِلْإِمَامِ الطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمَّا أَنْ وَرَدَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ لِيَحُجَّ فَلَمَّا أَنْ حَجّ وَرَجَعَ وَجَدَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ شَاغِرَةً مِنْ الْعِلْمِ وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ فِي مَسْأَلَةٍ جِهَارًا وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُمْسِكَ فِي يَدِهِ كِتَابًا لِغَلَبَةِ الْأَمْرِ مِنْ السَّلْطَنَةِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ لِبِدْعَةٍ كَانَتْ فِيهِمْ تَدَيَّنُوا بِهَا فَلَمَّا أَنْ رَأَى الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْحَالَ وَدَّعَ رَفِيقَهُ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَأَرْسَلَ السَّلَامَ إلَى وَلَدِهِ بِالْمَغْرِبِ ، وَقَالَ : هَذِهِ بِلَادٌ لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْهَا لِمَا غَلَبَ فِيهَا مِنْ
الْجَهْلِ فَجَعَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقْعُدُ عَلَى دُكَّانِ بَيَّاعٍ فَيُعَلِّمُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي عَقِيدَتِهِ وَفَرَائِضِ وُضُوئِهِ وَسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ ، وَكَذَلِكَ تَيَمُّمُهُ وَغُسْلُهُ وَصَلَاتُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ السِّلَعِ فَيُعَلِّمُهُ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَلْزَمُهُ وَكَيْفِيَّةَ تَعَاطِيهِ بَيْعَهَا وَشِرَاءَهَا وَكَيْفِيَّةَ دُخُولِ الرِّبَا عَلَيْهِ وَالسَّلَامَةَ مِنْهُ إنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ يَقُولُ لَهُ عَلِّمْ جَارَك ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى دُكَّانٍ آخَرَ حَتَّى قَامَ الْعِلْمُ عَلَى مَنَارِهِ وَزَالَ الْجَهْلُ فِي حِكَايَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا فَكَانَ السَّبَبَ لِانْتِشَارِ الْعِلْمِ وَظُهُورِهِ فِي الْأَسْوَاقِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يُطْلَبَ مِنْهُ التَّعْلِيمُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ الْخَيْرُ الْعَظِيمُ بِبَرَكَةِ التَّوَاضُعِ وَامْتِثَالِ السُّنَّةِ وَسُلُوكِ طَرِيقِ السَّلَفِ فِي دُخُولِ الْأَسْوَاقِ وَمُرَاجَعَةِ الْعَوَامّ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي .
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا رَأَى النَّاسَ قَدْ أَعْرَضُوا عَنْ الْعِلْمِ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ لِتَعْلِيمِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا مُعْرِضِينَ ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَانَ النَّاسُ مُعْرِضِينَ كَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ الْمُكَرَّمَةَ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ لِيَتَّبِعُوهُ وَيَنْصُرُوهُ إذْ أَنَّ الْغَنِيمَةَ عِنْدَهُمْ إرْشَادُ شَارِدٍ عَنْ بَابِ رَبِّهِ أَوْ ضَالٍّ لَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ فَيَرُدُّونَهُمْ إلَى بَابِ مَوْلَاهُمْ وَيُوقِفُونَهُمْ عَلَى بِسَاطِ كَرَامَتِهِ بِاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي حَسَنٌ الزُّبَيْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ إنِّي لَا أُرِيدُ أَحَدًا مِنْ الصَّالِحِينَ وَلَا مِنْ الْعُلَمَاءِ يَأْتِينِي إذْ لَا
حَاجَةَ لَهُمْ بِي وَلَا حَاجَةَ لِي بِهِمْ وَإِنَّمَا أُرِيدُ مَنْ هُوَ شَارِدٌ عَنْ بَابِ رَبِّهِ فَأَرُدَّهُ إلَيْهِ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ قَعَدَ فِي السُّوقِ ، وَلَمْ يَأْتِ الْعُلَمَاءَ وَالصُّلَحَاءَ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَرَضِيَ لِنَفْسِهِ بِتِلْكَ الْحَالِ أَنَّهُ شَارِدٌ عَنْ بَابِ رَبِّهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَالِمِ سِيَاسَةُ مَنْ هَذَا حَالُهُ حَتَّى يُوقِفَهُ بِبَابِ رَبِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى نِيَّةِ الْعُلَمَاءِ إذَا صَلُحَتْ كَيْفَ يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا مَعَ الْبَاعَةِ وَمَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْبُعْدِ وَالْجَهْلِ فَيَرُدُّونَهُمْ بِالْعِلْمِ إلَى أَسْنَى الْأَحْوَالِ وَأَرْفَعِهَا لَا جَرَمَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ الْمُبَارَكِ انْتَفَعُوا وَنَفَعُوا وَعَمَّتْ بَرَكَتُهُمْ لِأَهْلِ الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهِمْ بِخِلَافِ مَا يُعْهَدُ مِنْ أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ مَعَ أَنَّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يَعْدَمْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ إذْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمَغْرِبِ أَكْثَرُهُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا لَمْ يُغَيِّرُ عَلَيْهِمْ بُعْدُ الزَّمَانِ وَلَا مُخَالَطَةُ غَيْرِ الْجِنْسِ مِنْ الْأَعَاجِمِ وَغَيْرِهِمْ فَانْتَفَعُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِمْ وَعَمَّتْ بَرَكَتُهُمْ عَلَى النَّاسِ كَافَّةَ مُلُوكِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ وَصُلَحَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ .
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ { لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ } وَفِي رِوَايَةٍ تَعْيِينُ جِهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { طَائِفَةٌ بِالْمَغْرِبِ } .
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ } فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَقِيَ الْخَيْرُ مُتَّصِلًا وَبِسَبَبِ وُجُودِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ارْتَدَعَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَقَلَّ ظُهُورُهَا وَأَهْلُهَا وَنَزَلَتْ
الْبَرَكَاتُ وَجَاءَتْ الْخَيْرَاتُ وَبَقِيَ النَّاسُ فِي خَفَارَتِهِمْ مَحْمُولِينَ فِي أَرْغَدِ عَيْشٍ عَكْسُ مَا هُوَ عَلَيْهِ الْحَالُ الْيَوْمَ فِي الْغَالِبِ فِي الْوَقْتِ فَتَجِدُ بَعْضَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ يَتَشَبَّهُ بِالْمُلُوكِ فِي الْبَوَّابِينَ وَالْحُجَّابِ وَمَنْ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الطَّرَّادِينَ حَتَّى قَلَّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْمُضْطَرِّينَ وَالْمُحْتَاجِينَ إلَى مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِلْمِ فَيَتَحَيَّلُونَ فِي الْوُصُولِ إلَيْهِ بِوَسَائِطَ كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ وَهَذَا الْحَالُ لَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ بَلْ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْجَبَابِرَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَالْغَالِبُ مِنْ بَعْضِ الْعَوَامّ الْيَوْمَ الشُّرُودُ عَنْ الْعِلْمِ وَالنُّفُورُ عَنْ أَهْلِ الْخَيْرِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الْهِمَمِ لِغَيْرِ سَبَبٍ فَكَيْفَ بِهِمْ إذَا وَجَدُوا السَّبَبَ وَيَعْسَرُ عَلَيْهِمْ أَمْرُ السُّؤَالِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ فَيَقَعُ الْفِرَارُ وَالشُّرُودُ أَكْثَرُ فَكَانَ مَا يَتَعَاطَوْنَهُ جَمِيعُهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ فِي ذِمَّةِ مَنْ اتَّصَفَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّا مَنَعَهُمْ بِهِ عَنْ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ .
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ بَقِيَّةِ فِعْلِ الْعَالِمِ فِي السُّوقِ وَأَدَبِهِ فَإِذَا مَشَى فِي السُّوقِ فَيَضَعُ بَصَرَهُ حَيْثُ يُرِيدُ أَنْ يَضَعَ قَدَمَهُ وَيَتَحَفَّظُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ رَفْعِ بَصَرِهِ لِئَلَّا يَقَعَ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ رُؤْيَتُهُ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَفَعَ بَصَرَهُ فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مَا رَفَعَهُ إلَّا وَيَنْظُرُ إلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ إذْ أَنَّ مِنْ عَادَةِ بَعْضِ نِسَائِهِمْ الْجُلُوسُ فِي الطَّاقَاتِ وَأَبْوَابِ الرِّيحِ ، وَذَلِكَ عَلَى الْأَسْوَاقِ وَالطَّرَقَاتِ فِي الْغَالِبِ .
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - يَكْرَهُونَ فُضُولَ النَّظَرِ كَمَا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ .
وَقَدْ دَخَلَ بَعْضُ النَّاسِ وَمَعَهُ وَلَدُهُ عَلَى بَعْضِ السَّلَفِ ، فَقَالَ الصَّبِيُّ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ يَا سَيِّدِي أَمَا تَخَافُ أَنْ تَقْعُدَ فِي هَذَا الْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى السُّقُوطِ ، فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْت ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ خَشَبَةٌ مَكْسُورَةٌ فِي سَقْفِهِ ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ مَا أَكْثَرَ فُضُولَك لِي الْيَوْمَ أَرْبَعُونَ سَنَةً فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا رَأَيْت سَقْفَهُ وَأَنْتَ مِنْ حِينِك رَأَيْته أَوْ كَمَا قَالَ وَقَدْ مَكَثَ بَعْضُهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا يَنْظُرُ إلَى السَّمَاءِ فَعَلَى مِنْوَالِهِمْ فَانْسِجْ إنْ كُنْت لَهُمْ مُحِبًّا إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّا قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فَيَتَأَكَّدُ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ صَارَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ الْقُرَبِ مِثْلُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ اللَّغَطِ وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ فَيُنَبِّهُ الْعَالِمُ عَلَى هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ ، إذْ الْكَلَامُ قَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَيُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ
الْمُسْلِمِينَ كُلُّ ذَلِكَ مَعَ الرِّفْقِ بِهِمْ وَالتَّجَاوُزِ عَنْ مَسَاوِئِهِمْ وَتَوْقِيرِ كَبِيرِهِمْ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ مِنْهُمْ وَزِيَارَةِ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ بِالسُّؤَالِ وَغَيْرِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَالدِّينُ أَهَمُّ .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ عِيَادَةَ الْمَرْضَى عَلَى وَجْهِهَا إنْ وَجَدَ لِذَلِكَ سَبِيلًا .
وَقَدْ يَجِدُ بَعْضُهُمْ فِي سُوقِهِ فَتَحْصُلُ لَهُ النِّيَّةُ وَالْعَمَلُ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جِنَازَةٍ إنْ وَجَدَهَا عَلَى السُّنَّةِ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ وَالْمُرِيدِ أَنْ يَكُونَا عَلَى وُضُوءٍ فِي كُلِّ الْحَالَاتِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ بِسِلَاحِهِ فَإِذَا وَجَدَ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ عَمَلُهُ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَجَدَ السَّبِيلَ إلَى ذَلِكَ فَلَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرُبَاتِ غَالِبًا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَ عِدَّةً تَكُونُ مَعَهُ إذْ أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ فِي السُّوقِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ شَاةً أَوْ غَيْرَهَا تُرِيدُ أَنْ تَمُوتَ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ صَاحِبِهَا مَا يَذْبَحُهَا بِهِ فَيُجْبِرُهَا عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْعِدَّةِ الَّتِي خَرَجَ بِهَا .
وَقَدْ يَجِدُ دَابَّةً قَدْ انْخَنَقَتْ بِحَبْلٍ فَيَقْطَعُهُ بِمَا مَعَهُ مِنْ تِلْكَ الْآلَةِ فَإِنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ هَذَا حَصَلَ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِنِيَّةِ السُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ جُيُوشِهِمْ وَمَا يَجْرِي لَهُمْ فَيُسَرُّ لِخَيْرٍ إنْ سَمِعَهُ عَنْهُمْ وَيَحْزَنُ لِضِدِّهِ فَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِمْ .
وَكَذَلِكَ يَسْأَلُ عَمَّنْ غَابَ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَيُسَرُّ وَيَحْزَنُ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْوَاقِعِ لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَلَا عَمَلٍ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى السُّوقِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِهِ إذَا خَرَجَ وَلَيْسَ السَّلَامُ الْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ
الْآخَرِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ فَكَانُوا مُشْتَغِلِينَ فِي خَيْرٍ كَانَ شَرِيكًا لَهُمْ فِيهِ ، وَإِنْ خَاضُوا فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي خَرْجِهِ وَيُؤَخِّرُ الْيُسْرَى ثُمَّ يَسْتَعِيذُ فَيَقُولَ ( اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلُ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ ثُمَّ يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ خُرُوجِهِ فَإِنْ كَانَ لِلسُّوقِ طَرِيقَانِ فَلْيَخْتَرْ أَقْرَبَهُمَا يَمْشِي فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْخُطَى الزَّائِدَةَ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهَا وَكَوْنُهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ لِإِلْقَاءِ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْقُرُبَاتِ أَفْضَلُ مِنْ تِلْكَ الْخُطَى الزَّائِدَةِ وَمَعَ ذَلِكَ يُرِيحُ بَدَنَهُ مِنْ زِيَادَةِ التَّعَبِ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ الْمَشْيِ فِي ثَنِيَّاتِ الطَّرِيقِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلَاكِ بَعْضِهِمْ فِيهَا بَلْ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ فَإِنَّ فِيهَا السَّلَامَةَ ، وَإِنْ بَعُدَتْ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَنْ يَتَرَبَّصَ قَلِيلًا فِي الْبَيْتِ حَتَّى يُفَكِّرَ أَهْلَهُ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ لِكَيْ يَكُونَ مَشْيُهُ إلَى السُّوقِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِئَلَّا يَحْتَاجَ أَهْلُهُ إلَى حَوَائِجَ أُخَرَ فَيَحْتَاجَ أَنْ يَتَكَرَّرَ إلَى السُّوقِ مِرَارًا فَيَكُونَ ذَلِكَ ضَيَاعًا لِلْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقُرُبَاتِ الَّتِي هِيَ أَوْلَى مِنْ حُضُورِ الْأَسْوَاقِ فَإِنْ كَانَتْ الطَّرِيقُ إلَى السُّوقِ بَعِيدَةً يَصْعُبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ لِبُعْدِهَا أَوْ كَانَ ضَعِيفًا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ ، وَإِنْ قَرُبَ فَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ التَّوَاضُعِ ، فَإِذَا رَكِبَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الذِّكْرِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ شَهِدْت عَلِيًّا أُتِيَ لَهُ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي
الرِّكَابِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قَالَ { سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ } ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَك إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْت لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْت ، فَقَالَ { إنَّ رَبَّك لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذَا قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُهُ } انْتَهَى .
وَيَعْتَبِرُ عِنْدَ رُكُوبِهِ عَلَيْهَا إذْ أَنَّ الدَّابَّةَ لَا تَحْمِلُ نَفْسَهَا فَكَيْفَ تَحْمِلُ غَيْرَهَا { إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا } فَالْأَرْضُ مُمْسَكَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهِيَ عَاجِزَةٌ عَنْ إمْسَاكِ نَفْسِهَا فَكَيْفَ تُمْسِكُ غَيْرَهَا فَيَسْتَصْحِبُ هَذَا النَّظَرَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ فَيَشْهَدُ بِذَلِكَ رُؤْيَةَ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ وَاسِطَةٍ فَيَقْوَى بِذَلِكَ إيمَانُهُ وَيَقِينُهُ وَيَرْجِعُ لَهُ الْإِيمَانُ حَالًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَقَالًا ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَمْشِيَ بِالدَّابَّةِ عَلَى رِفْقٍ وَلَا يُزْعِجُهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ } .
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي إيصَالِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَوَصَّلُونَ بِذَلِكَ إلَى سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ مَعَ تَعْلِيمِهِ وَإِرْشَادِهِ وَالْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ .
ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي رُجُوعِهِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ لِلْمُكَارِي فَيَشْتَرِطُ أَنْ لَا يُمَكِّنَ الْمُكَارِيَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ الْعَنِيفِ الَّذِي اعْتَادُوهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ إذَا رَأَى قِرْطَاسًا فِي سِكَّةِ الطَّرِيقِ
رَفَعَهُ وَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِ الْمِهْنَةِ إلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ يَصُونُهُ فِيهِ وَلَا يُقَبِّلْهُ وَلَا يَضَعْهُ عَلَى رَأْسِهِ إذْ إنَّ فِعْلَ ذَلِكَ بِدْعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَسَوَاءٌ كَانَ مَكْتُوبًا أَوْ غَيْرَ مَكْتُوبٍ فَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا فَقَدْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَفِي ذَلِكَ مِنْ الثَّوَابِ مَا فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مَكْتُوبٌ فَيَكُونُ أَخْذُهُ لِذَلِكَ تَوْقِيرًا وَتَعْظِيمًا لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ إنَّ الْوَرَقَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النَّشَا ، وَإِنْ قَلَّ ، وَكَذَلِكَ يَنْوِي إذَا وَجَدَ خُبْزًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَهُ حُرْمَةٌ مِمَّا يُؤْكَلُ فَإِنَّهُ يُزِيلُهُ عَنْ مَوْضِعِ الْمِهْنَةِ إلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ يَصُونُهُ فِيهِ وَلَا يَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا يُقَبِّلُهُ تَحَرُّزًا مِنْ الْبِدْعَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا جَاءَهُ الْقَمْحُ لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا مِنْ الْفُقَرَاءِ فِي الزَّاوِيَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَعْمَلُ عَمَلًا حَتَّى يَلْتَقِطُوا مَا وَقَعَ مِنْ الْحَبِّ عَلَى الْبَابِ أَوْ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَرْجِعُونَ إلَى مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، وَهَذَا الْبَابُ مُجَرَّبٌ كُلُّ مَنْ عَظَّمَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَطَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَأَكْرَمَهُ ، وَإِنْ وَقَعَتْ الشِّدَّةُ بِالنَّاسِ جَعَلَ اللَّهُ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا فَعَلَى مِنْوَالِهِمْ فَانْسِجْ إنْ كُنْت ذَا حَزْمٍ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا قَدَرَ أَنْ يَحْمِلَ الْحَوَائِجَ كُلَّهَا بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ فَهُوَ بِهِ أَوْلَى لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ رَاكِبَهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ وَالِامْتِثَالِ وَتَرْكِ الْبِدْعَةِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ وَأَحَدٌ يَمْشِي مَعَهُ إلَى السُّوقِ
أَنْ يُرْدِفَهُ خَلْفَهُ لِيَكْمُلَ لَهُ امْتِثَالُ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ التَّوَاضُعُ فَيُذْهِبُ عَنْهُ مَا يَتَعَاطَاهُ بَعْضُ أَهْلِ الْوَقْتِ مِمَّنْ يَتَحَامَى ذَلِكَ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى مَنْ يَحْمِلُ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْحَوَائِجِ فَيَسْتَأْجِرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُعْطِي لِغَيْرِهِ أَنْ يَحْمِلَ بِلَا أُجْرَةٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ إبْرَارُ قَسَمِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ بَعْدُ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِأَحَدٍ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ خَوْفًا أَيْ يَتَعَجَّلُ أَجْرَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا .
وَكَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتَحَرَّزُونَ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرًا وَقَدْ رَأَيْت الشَّيْخَ الْجَلِيلَ أَبَا إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ التِّنِّيسِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ تِلِمْسَانَ وَكَانَ فَاضِلًا فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ إلَى خَارِجِ الْبَلَدِ فَعَطِشُوا وَاشْتَدَّ عَطَشُهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَاءٌ فَرَأَوْا عِمَارَةً فَجَاءُوا إلَيْهَا يَطْلُبُونَ الْمَاءَ فَإِذَا بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَكَانَ قَدْ قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فَذَهَبَ فَأَتَى بِلَبَنٍ فِيهِ سُكَّرٌ فَأَعْطَاهُ لِلشَّيْخِ لِيَشْرَبَ فَأَبَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ وَلِمَ وَهُوَ مِنْ وَجْهٍ حِلٍّ ؟ فَقَالَ لَهُ ؛ لِأَنَّك قَرَأْت عَلَيَّ وَلَا يُمْكِنِّي أَنْ آخُذَ مِنْكَ شَيْئًا لِئَلَّا أَتَعَجَّلَ ثَوَابَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا فَرَغَّبَهُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَسْتَقْضِي حَاجَةً مِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ ، وَذَلِكَ خِيفَةً مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَرَجَ إلَى السُّوقِ لِقَضَاءِ بَعْضِ حَوَائِجِهِ فِي وَقْتٍ فَأَخَذَ جُمْلَةَ حَوَائِجِهِ فَأَشْغَلَ يَدَيْهِ مَعًا فَنَزَلَ الْبَيَّاعُ مِنْ الدُّكَّانِ
وَسَأَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ بَعْضَ الْحَوَائِجِ فَأَبَى عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَعْطَاهُ شَيْئًا حَمَلَهُ لَهُ ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ الْبَيَّاعُ رُؤْيَا رَآهَا فَسَكَتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا سَيِّدِي أَمَا تُعَبِّرُهَا لِي ، فَقَالَ لَهُ لَا يُمْكِنِّي ذَلِكَ وَأَنْتَ تَحْمِلُ لِي شَيْئًا فَيَكُونُ ذَلِكَ أُجْرَةً عَلَى الْعِلْمِ فَرَغَّبَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ حَاجَتَهُ يَحْمِلُهَا بِنَفْسِهِ فَمِنْ رَغْبَةِ الرَّجُلِ فِي تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيَا أَعْطَاهُ حَوَائِجَهُ فَحَمَلَهَا بِنَفْسِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَبَّرَ لَهُ رُؤْيَاهُ وَمَضَى لِسَبِيلِهِ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى تَحَرُّزِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ فِيهَا فَأَيْنَ الْحَالُ مِنْ الْحَالِ فَيَكُونُ الْعَالِمُ مُتَيَقِّظًا لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِمَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ لَيْسَ إلَّا بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْهُ إرْشَادٌ مَا أَوْ تَعْلِيمٌ مَا فَيَتَحَفَّظُ مَنْ هَذَا جَهْدَهُ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ .
فَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِيَدِهِ إمَّا لِضَعْفٍ مِنْ كِبَرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ شَغْلٍ مَعَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَوْ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ أَمْرِ دِينِهِ الضَّرُورِيِّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ فَالنِّيَابَةُ إذْ ذَاكَ لَهُ أَفْضَلُ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ فِي وَقْتِهِ إذْ أَنَّ إلْقَاءَ الْعِلْمِ لِأَهْلِهِ لَا يَفُوقُهُ غَيْرُهُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ هُمْ الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ لِلْعَمَلِ بِهِ لَا لِغَيْرِهِ وَمَعَ هَذَا لَوْ تَوَالَتْ بِهِ الْأَشْغَالُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ إحْيَاءِ هَذِهِ السُّنَّةِ أَعْنِي الْخُرُوجَ إلَى السُّوقِ وَلَوْ مَرَّةً فِي وَقْتٍ مَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا لِكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ عَلَيْهِ فَلْيَخْرُجْ إلَى ذَلِكَ وَهُمْ يَشْتَغِلُونَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْمَذْمُومِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي وَطْءِ الْأَعْقَابِ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَا خَرَجُوا مَعَهُ إلَّا
لِضَرُورَةِ تَعْلِيمِهِمْ وَخَرَجَ هُوَ لِإِظْهَارِ سُنَّةٍ وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْأَسْوَاقِ إذْ أَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا كَلَامُ الْبَشَرِ ، نَعَمْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَقْرَأَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقِهِ إذْ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَتَعَيَّنُ احْتِرَامُهُ وَتَعْظِيمُهُ .
وَكَذَلِكَ لَا يَقْرَأُ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَشْيِ مَعَهُ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ إنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ فِتْنَةِ وَطْءِ عَقِبِهِ فَإِنْ وَقَعَ لَهُ خَوْفٌ مَا مِنْ هَذِهِ السَّيِّئَةِ فَتَرْكُ هَذِهِ السُّنَّةِ أَوْلَى بِهِ أَوْ يَخْرُجُ لِفِعْلِهَا وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِيَدِهِ فَيَسْتَنِيبُ مَنْ يَقْضِي لَهُ ذَلِكَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي مُحَاوَلَةِ مَا خَرَجَ إلَيْهِ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا يُكْرَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِ .
فَجُمْلَةُ مَا تَحْصُلُ فِي خُرُوجِهِ إلَى السُّوقِ مِنْ النِّيَّاتِ وَالْآدَابِ يَنُوفُ عَنْ خَمْسِينَ خَصْلَةً وَهِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لِمَا عَدَاهَا فَلْيَتَنَبَّهْ مَنْ يَتَنَبَّهُ مِمَّنْ يُوَفَّقُ لِذَلِكَ ، وَاَللَّهُ يُوَفِّقُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُهَا فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ النِّيَّاتِ إلَى الْمَسْجِدِ يَخْرُجُ بِهِ إلَى السُّوقِ وَمَا يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ وَحْدَهُ فَهُوَ مَعْلُومٌ مَذْكُورٌ قَبْلَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ .
وَمَنْ دَقَّقَ النَّظَرَ وَجَدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَسَبِ مَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ النُّورِ وَالْحُضُورِ
فَصْلٌ فِي رُجُوعِ الْعَالِمِ مِنْ السُّوقِ إلَى بَيْتِهِ وَكَيْفِيَّةِ نِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَيَنْوِي فِي رُجُوعِهِ كُلَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ إلَى السُّوقِ وَمِنْهُ تَعْلِيمُ جَاهِلِهِمْ وَالتَّعَلُّمُ مِنْ عَالِمِهِمْ وَيَنْوِي فِي رُجُوعِهِ إلَى بَيْتِهِ نِيَّةَ الْخَلْوَةِ عَنْ النَّاسِ فَيَكُونُ مَأْجُورًا فِي خُطَاهُ إلَى الْخَلْوَةِ وَإِذَا وَصَلَ إلَى بَيْتِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى أَهْلِهِ بِنِيَّةِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حِينَ دُخُولِهِ وَيُؤَخِّرُ الْيُسْرَى ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَلَا تَقَعُ التَّفْرِقَةُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ إلَّا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَبَيْتِ الْخَلَاءِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَوَاضِعِ الْفَضَلَاتِ وَيُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى حِينَ دُخُولِهِ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَمْتَثِلُ السُّنَّةَ فِي الدُّعَاءِ الْوَارِدِ حِينَ الدُّخُولِ إلَى الْبَيْتِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ ( اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا ) ثُمَّ يَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إلَى آخِرِهَا .
وَيَنْوِي حِينَ دُخُولِهِ إلَى بَيْتِهِ نِيَّةَ الْخَلْوَةِ عَنْ النَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ يَنْوِي بِذَلِكَ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ لِسَانِهِ وَنَظَرِهِ وَسَمْعِهِ وَبَطْشِهِ وَسَعْيِهِ وَحَسَدِهِ وَبَغْيِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْخِصَالِ الرَّدِيئَةِ إذْ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَرُبَ مِنْ بَابِ رَبِّهِ تَعَالَى كَانَ أَسْوَأَ ظَنًّا بِنَفْسِهِ كَمَا قَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ لَمَّا انْعَزَلَ فِي خَلْوَتِهِ عَنْ النَّاسِ وَانْفَرَدَ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ قَالَ وَجَدْت لِسَانِي كَلْبًا عَقُورًا قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ مَنْ خَالَطَهُ فَحَبَسْت نَفْسِي لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ وَآفَتِهِ .
وَفِي هَذِهِ النِّيَّاتِ مِنْ الْخَيْرَاتِ أَشْيَاءُ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا أَنَّهَا
تَحْتَوِي عَلَى عَدَمِ الدَّعْوَى وَعَلَى عَدَمِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِصَالِ الرَّدِيئَةِ فَبِنَفْسِ هَذِهِ النِّيَّةِ تَنْدَفِعُ كُلُّهَا وَفِي الْخَلْوَةِ مِنْ الْخَيْرَاتِ أَشْيَاءُ مُتَعَدِّدَةٌ تَحْصُلُ لَهُ دُونَ كُلْفَةٍ يَتَكَلَّفُهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِ حَالِ الْمُرِيدِ ، وَاَللَّهُ يَنْفَعُ بِالْجَمِيعِ بِمَنِّهِ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْوِيَ بِالْخَلْوَةِ سَلَامَتَهُ مِنْ النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاءٌ عُضَالٌ وَالْعَطَبُ فِيهِ مَوْجُودٌ إذْ أَنَّ فِيهِ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِغَيْرِهِ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا حِينَ رُجُوعِ الْعَالِمِ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى بَيْتِهِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ بَعْضُ ذَلِكَ هُنَا زِيَادَةَ تَنْبِيهٍ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ ، فَإِنْ احْتَاجَ أَهْلُهُ إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى أَوْ نَسِيَ شَيْئًا مِمَّا خَرَجَ إلَيْهِ فَلَا يَعُودُ إلَى السُّوقِ وَيَتْرُكُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَخَافُ فَوَاتَ أَمْرٍ ، مِثْلُ مَرِيضٍ يَحْتَاجُ إلَى فَصَادٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ غِذَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَمْضِيَ عَلَيْهِ الزَّمَانُ فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا سَبَقَ ؛ لِأَنَّ الْأَهْلَ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مَهْمَا أَعْوَزَهُمْ شَيْءٌ يُقْضَى لَهُمْ تَكْثُرُ حَوَائِجُهُمْ وَيَضِيعُ عَلَيْهِ وَقْتُهُ فَإِذَا عَلِمُوا مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً جَمَعُوا لَهُ الْحَوَائِجَ كُلَّهَا فِي خُرُوجِهِ فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ وَقْتَهُ وَإِذَا قَعَدَ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ وَبَنِيهِ فَأَجْرُ الْخَلْوَةِ حَاصِلٌ لَهُ ، فَإِنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ الْقُرَبِ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ مَعَ عِلْمِهِمْ فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ عَمَلِ السِّرِّ وَلَهُ تَضْعِيفُ الثَّوَابِ فِيهِ إذْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ قَالُوا ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لَا تَخْرُجُ عَنْ عَمَلِ السِّرِّ ، وَإِنْ عُمِلَتْ فِي الْجَهْرِ وَهِيَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ إذَا مَرَّ التَّالِي بِسَجْدَةٍ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي
سِرِّهِ فَيَسْجُدُ لَهَا بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ صَائِمًا فَدُعِيَ إلَى طَعَامٍ ، فَقَالَ إنِّي صَائِمٌ ، وَإِذَا كَانَ مَعَ أَهْلِهِ يَعْمَلُ عَمَلًا وَهُمْ مَعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ عَمَلِ السِّرِّ وَلَا عَنْ الْخَلْوَةِ .
أَمَّا سُجُودُ التِّلَاوَةِ فَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ إذَا مَرَّ بِسَجْدَةٍ يَسْجُدُ لَهَا فَإِذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَلَا يَتْرُكُهَا لِأَجْلِ الْغَيْرِ إذْ أَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ وَالرِّيَاءُ مَمْنُوعٌ فِعْلُهُ .
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَيَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ إذَا خَافَ التَّشْوِيشَ عَلَى مَنْ دَعَاهُ حَتَّى يُرْفَعَ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يَتَوَقَّعُ مِنْ تَشْوِيشِ خَاطِرِهِ ، وَأَمَّا الْعَمَلُ بِحَضْرَةِ أَهْلِهِ فَلَوْ كُلِّفَ أَنْ لَا يَعْمَلَ الْعَمَلَ إلَّا بِغَيْبَتِهِ عَنْهُمْ لَكَانَ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ وَفَتْحُ بَابٍ لِتَرْكِ الْعَمَلِ ، لَكِنْ إذَا أَرَادَ جَمْعَ خَاطِرِهِ وَقَدَرَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْزِلٍ عَنْ الْأَهْلِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ ، وَهَذَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الضَّعِيفِ الَّذِي يُخِلُّ بِحَالِهِ الِاجْتِمَاعُ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّنَفُّلِ فِي الْبَيْتِ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّنَفُّلِ فِي الْمَسْجِدِ يَعْنِي لِفَضِيلَةِ عَمَلِ السِّرِّ فَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَوْلَادٌ أَوْ مَنْ يُفَرِّقُ خَاطِرَهُ فِي عِبَادَتِهِ فَفِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ انْتَهَى .
وَأَمَّا أَهْلُ التَّمْكِينِ فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَقَّرَهُ أَهْلُهُ وَاحْتَرَمُوهُ كَثِيرًا فَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَثُرَ لَغَطُهُمْ وَيَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَخْتَارُونَ فَسَأَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالُوا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَسْمَعُ مَا نَقُولُ ، فَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ كَيْفَ تَنْصَرِفُ هِمَّتُهُ لِرُؤْيَةِ الْأَوْلَادِ مُمَازَجَتِهِمْ أَوْ غَيْرِهِمْ .
وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : إنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ تَكُونُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَفِي بَعْضِ
الْأَوْقَاتِ تَكُونُ فِي الْبَيْتِ الْحَرَكَةُ الْكَثِيرَةُ وَالْبُكَاءُ الْكَثِيرُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُشَوِّشُ الْخَاطِرَ فَلَا أَسْمَعُهُ وَلَا أَعْرِفُ بِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِي وَبَعْضُ الْأَوْقَاتِ أَشْعُرُ بِهِ وَمَا ذَلِكَ إلَّا بِحَسَبِ الْحُضُورِ وَالتَّفْرِقَةِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ فِي تِلَاوَتِهِ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَبَعْضُ الْأَيَّامِ أُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ أَسْتَفْتِحُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَمَا يَجِيءُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَلِيلٍ إلَّا وَأَنَا قَدْ خَتَمْت ، وَبَعْضُ الْأَيَّامِ لَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحُضُورِ فَإِنْ كُنْت حَاضِرًا كَانَ ذَلِكَ وَبِحَسَبِ التَّفْرِقَةِ يَكُونُ الْبُطْءُ فِي الْخَتْمِ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوِيَّ وَالضَّعِيفَ لَا يَسْتَوِيَانِ ، فَعَلَى هَذَا فَالْخَلْوَةُ عَنْ الْأَهْلِ مُشْتَرَطَةٌ فِي حَقِّ الضَّعِيفِ وَفِي وَقْتِ التَّفْرِقَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْطِيَهُمْ حَظَّهُمْ مِنْهُ فِي وَقْتِ مَا وَيُؤَاكِلُ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ وَجَوَارِيَهُ وَعَبِيدَهُ مِنْ صَحْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَرُبَّمَا كَانَ هَذَا أَفْضَلَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ خَلَوَاتِهِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا مِنْ الْخَيْرِ مِنْهَا امْتِثَالُ السُّنَّةِ وَالتَّوَاضُعُ وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الْكَلْبِ فَالْكَلْبُ خَيْرٌ مِنْهُ وَقَوْلُهُ هَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَلْبَ مَقْطُوعٌ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ مُحْتَمَلٌ لِدُخُولِهَا إلَّا مَنْ اُسْتُثْنِيَ فَالْكَلْبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَفِي الْأَكْلِ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ تَرْكُ رُعُونَةِ النَّفْسِ وَتَرْكُ رِيَاسَتِهَا وَالتَّعَاظُمِ وَالْفَخْرِ وَاتِّصَافِهَا بِالْخَوْفِ وَالْوَجَلِ وَرُؤْيَةِ الْفَضْلِ لِغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ فَيَقْوَى الرَّجَاءُ لِمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ النَّاجِينَ ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُنْجِيَنَا مِنْ جَمِيعِ الْمَهَالِكِ بِفَضْلِهِ أَجْمَعِينَ .
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْخَلْوَةِ مَعَ وُجُودِ
الْأَهْلِ فَهُوَ عَلَى جَادَّةِ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَمَذْهَبُ بَعْضِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ أَنَّ عَمَلَ السِّرِّ هُوَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ بِهِ الْمَلَكَانِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ آدَابِ الْعَالِمِ فِي أَخْذِهِ الدَّرْسَ فِي الْمَسْجِدِ
أَخْذُ الدَّرْسِ فِي الْبَيْتِ وَالْمَدْرَسَةِ وَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى أَخْذِهِ الدَّرْسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْمَدْرَسَةِ فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ لِضَرُورَةٍ مَا أَعْنِي لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ لِأَجْلِهَا فَأَخْذُهُ الدَّرْسَ فِي الْبَيْتِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ فِيهِ ضَرَرٌ فِي الْغَالِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ .
فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَالْأَدَبُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْجِدِ لَكِنْ يَخْتَصُّ الْبَيْتُ بِبَعْضِ الْآدَابِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَطْلُوبَةً فِي الْمَسْجِدِ لَكِنْ فِي الْبَيْتِ تَتَأَكَّدُ ، فَمِنْهَا كَثْرَةُ تَوَاضُعِهِ لِلدَّاخِلَيْنِ عَلَيْهِ أَعْنِي فِي تَلَقِّيهمْ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ وَحُسْنِ التَّلَقِّي إذْ أَنَّ الْبَيْتَ مَحَلُّ انْقِبَاضِهِمْ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُمْ وَغَيْرَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فَإِنْ لَمْ يَبْسُطْ لَهُمْ الْأُنْسَ وَإِلَّا كَانَ سَبَبًا لِانْقِبَاضِهِمْ أَوْ عَدَمِ مَجِيئِهِمْ أَوْ يَقِلُّ فَهْمُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ مَا يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ وَمِنْهَا أَنْ يَأْذَنَ لِلطَّلَبَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِفْتَاءِ أَوْ التَّعْلِيمِ أَوْ لِيَسْمَعَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْخَلِيفَةِ أَدْرَكْت الْعُلَمَاءَ وَهُمْ يَقُولُونَ إنَّ هَذَا الْعِلْمَ إذَا مُنِعَ عَنْ الْعَامَّةِ لَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ الْخَاصَّةُ انْتَهَى .
وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ لَا يُوَفَّقُونَ لِلْعَمَلِ بِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ ثَوَابَ الْعِلْمِ يَكْثُرُ بِانْتِشَارِهِ ، فَكُلَّمَا انْتَشَرَ زَادَ الثَّوَابُ لِمُعَلِّمِهِ وَحَصَلَ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ .
وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِصَاصُ بِهِ امْتَنَعَ انْتِشَارُهُ ، وَإِذَا امْتَنَعَ انْتِشَارُهُ ذَهَبَ بَعْضُ ثَوَابِهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُحْرَمَ الْخَاصَّةُ فَهْمَ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَمَعَانِيهَا ؛ لِأَنَّ فِي اخْتِصَاصِهِمْ بِذَلِكَ نَوْعَ تَكَبُّرٍ وَتَجَبُّرٍ وَبُخْلٍ بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُنْفِقُوهُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فَحُرِمُوا الْفَهْمَ فِيهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي
الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } الْآيَةَ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَكَبِّرِينَ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَلَكِنَّهُمْ مَنَعُوا فَائِدَتَهُ وَهِيَ الْفَهْمُ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ فَبَقِيَ الْعَوَامُّ أَحْسَنَ حَالًا مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَعَانُ .
وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنَ مَشْهُورًا مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّ عَدَمَ اشْتِهَارِهِ سَبَبٌ لِقِلَّةِ انْتِشَارِ الْعِلْمِ أَوْ يَكُونُ فِيهِ بَعْضُ كَتْمٍ لَهُ .
وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ أَخْذِ الدَّرْسِ فِي الْبَيْتِ بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ فِيهِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ حِسٌّ وَلَا كَلَامٌ خِيفَةً مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا يُشْعَرُ بِهَا .
وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا وَقَعَ الضَّرَرُ بِهِ وَبِمَنْ يَأْتِي إلَيْهِ إذْ أَنَّ وَقْتَ الْإِذْن بَقِيَ غَيْرَ مَضْبُوطٍ لَهُمْ .
وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ فِي أَثْنَاءِ الدَّرْسِ قَطَعَ وَقَامَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ لِيَتَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ إذْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ إظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ .
فَإِذَا خَرَجَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إلَى الْمَسْجِدِ ظَهَرَتْ بِذَلِكَ الشَّعَائِرُ وَاقْتَدَى بِهِ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَحَصَلَ لَهُمْ بَرَكَةُ امْتِثَالِ السُّنَّةِ لِمَا فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ مِنْ الْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ وَالثَّوَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ .
أَلَا تَرَى إلَى وَصَفَ الْوَاصِفُ لِبَعْضِ حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ فَيَحْصُلُ لِلْعَالِمِ بَرَكَةُ الِامْتِثَالِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُبَادَرَةِ إلَى الْخَيْرَاتِ ، وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةُ الْعَالِمِ فِي الْبَيْتِ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ طَلَبَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ يَحُوزُونَ بِهَا فَضِيلَةَ الِاجْتِمَاعِ لَكِنْ يَذْهَبُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ إذَا صَلَّوْا فِي الْبَيْتِ الْفَضَائِلَ وَالْأُجُورَ
الْمَذْكُورَةَ فِي الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ وَيَكُونُ مَا وَقَعَ مِنْهُ وَمِنْهُمْ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَكْرُوهَةِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً إذْ أَنَّ النَّاسَ يَقْتَدُونَ بِهِ وَبِهِمْ فِي ذَلِكَ .
وَقَدْ يَئُولُ الْأَمْرُ إلَى تَعْطِيلِ الْمَسَاجِدِ أَوْ بَعْضِهَا مِنْ الْجَمَاعَاتِ .
إذْ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَعْدَمُونَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُمْ فِي الْبُيُوتِ فَيَجِدُونَ السَّبَبَ لِلْقُدْوَةِ بِالْعَالِمِ فِي تَرْكِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ ضَرُورَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ لِأَجْلِهَا فَأَرْبَابُ الضَّرُورَاتِ لَهُمْ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُمْ لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ لِمَنْ حَضَرَهُ أَنَّهُ مَضْرُورٌ لِتَرْكِ ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ الْوَجْهَ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَرَكَ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا كُلُّ الْأَعْذَارِ تُبْدَى .
وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَافِظُونَ عَلَى آدَابِ الشَّرِيعَةِ كَمَا يُحَافِظُونَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ مِنْهَا .
أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ إلَى الْمَسْجِدِ لِشِدَّةِ مَرَضِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْهِ يَتَهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ لِأَجْلِ شُهُودِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ لِيَشْهَدَ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَاغْتِنَامَ بَرَكَتِهِمْ وَالصَّلَاةَ مَعَهُمْ وَخَلْفَهُمْ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مَغْفُورٌ لَهُ وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَأْتِي إلَى الْمَسْجِدِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ رَغْبَةً مِنْهُ فِي فَضِيلَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَإِذَا امْتَلَأَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى الصَّفِّ الَّذِي يَلِيه ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى آخِرِ النَّاسِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ أَمَّا سَبْقِي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلِأَحُوزَ فَضِيلَةَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَعَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَأَمَّا انْتِقَالِي إلَى مَا سِوَاهُ فَلَعَلَّ أَنْ أُصَلِّيَ خَلْفَ مَغْفُورٍ لَهُ فَيُغْفَرَ لِي سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَغْفُورُ لَهُ إمَامًا فَبَخٍ عَلَى بَخٍ .
فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الدِّينِ وَمُهِمَّاتِهِ .
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إذَا فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ أَعْتَقَ رَقَبَةً .
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ لِلْعَالِمِ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ فِي الْبَيْتِ عَنْ الْمَسْجِدِ فَلْيَأْذَنْ لِمَنْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ مِنْ الطَّلَبَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ إظْهَارِ شَعِيرَةِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُمْسِكُهُمْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ وَيُصَلِّي هُوَ مَعَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ إنْ أَمْكَنَ فَإِذَا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ رَجَعُوا إلَيْهِ إنْ كَانَ بَقِيَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ وَظِيفَتِهِمْ إنْ شَاءُوا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ فِي الْبَيْتِ صَلَّى فَذَا فَهُوَ أَفْضَلُ لَهُ وَأَبْرَكُ لِأَجْلِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي إذْنِهِ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ لِإِظْهَارِ السُّنَّةِ وَالشَّعِيرَةِ كَمَا سَبَقَ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَثْرَةَ الْمَسَاجِدِ وَقِلَّةَ الْمُصَلَّيْنَ فِيهَا .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَقَدْ كَانُوا يَكْرَهُونَ كَثْرَةَ الْمَسَاجِدِ فِي الْمَحَلَّةِ الْوَاحِدَةِ .
رُوِيَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ لَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ جَعَلَ كُلَّمَا خَطَا خُطْوَتَيْنِ رَأَى مَسْجِدًا ، فَقَالَ مَا هَذِهِ الْبِدْعَةُ كُلَّمَا كَثُرَتْ الْمَسَاجِدُ قَلَّ الْمُصَلَّوْنَ أَشْهَدُ لَقَدْ كَانَتْ الْقَبِيلَةُ بِأَسْرِهَا لَيْسَ فِيهَا إلَّا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ وَكَانَ أَهْلُ الْقَبِيلَةِ يَتَنَاوَبُونَ الْمَسْجِدَ الْوَاحِدَ فِي الْحَيِّ مِنْ الْأَحْيَاءِ .
وَاخْتَلَفُوا إذَا اتَّفَقَ مَسْجِدَانِ فِي مَحَلَّةٍ فِي أَيِّهِمَا يُصَلَّى .
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي أَقْدَمِهِمَا .
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ : وَكَانُوا يُجَاوِزُونَ الْمَسَاجِدَ الْمُحْدَثَةَ إلَى الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ انْتَهَى .
فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ يَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا انْسَدَّتْ
هَذِهِ الثُّلْمَةُ فَلَمْ يُوجَدْ تَعْطِيلٌ بِبَرَكَةِ الِاتِّبَاعِ .
وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لِذَلِكَ بِمَنِّهِ .
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمِيلَ أَوْ يَغْتَرَّ بِبَعْضِ عَوَائِدِ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّك تَجِدُ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى يَسْمَعُ الْأَذَانَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَلَا يُزَعْزِعُهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَحَرَّكُ لِلْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ وَيَنْتَظِرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَحَدٌ مِنْ الطَّلَبَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَيُصَلِّيَ مَعَهُ الْفَرْضَ وَيَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ السِّيَاسَةِ بِأَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ دُونَ خُرُوجٍ وَحَرَكَةٍ إلَى الْمَسْجِدِ وَدُونَ مُخَالَطَةِ الْعَوَامّ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ فِي الْوَقْتِ وَخَشِيَ خُرُوجَهُ صَلَّى مَعَ أَهْلِهِ إنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ وَإِلَّا صَلَّى فَذًّا ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَسْجِدُ عَلَى بَابِهِ أَوْ بِجِوَارِهِ ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ أَحَدٌ وَقَدْ يُصَلِّي فِيهِ مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ بَعِيدًا لَكَانَ الْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَهْرَعُ إلَيْهِ حِينَ قَرَعَ سَمْعَهُ النِّدَاءُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَكْثَرَكُمْ أَجْرًا أَبْعَدُكُمْ دَارًا } مَعَ عِلْمِهِ بِمَا فِي الْجَمَاعَةِ وَإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْبَرَكَاتِ وَالْكُنُوزِ فِي الْغَالِبِ لَا يُبَادِرُ إلَيْهَا إلَّا مَنْ يَعْرِفُهَا .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ ثَلَاثًا .
رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ ، وَرَجُلٌ سَمِعَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلَمْ يُجِبْ .
} انْتَهَى .
ثُمَّ مَعَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ تَجِدُ الْجَامِعَ الْأَعْظَمَ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ يَسْتُرُهُ عَوَامُّ النَّاسِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ ، وَقَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ سَهْوٌ ، فَلَا يَجِدُ مِنْ يُسَبِّحُ لَهُ وَلَا مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ إنْ جَرَى
عَلَيْهِ أَمْرٌ يُحْوِجُهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِإِفْسَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ ، ثُمَّ إنَّك إذَا نَظَرْت إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَا تَجِدُ فِيهِ فِي الْغَالِبِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ عَكْسُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى } انْتَهَى ، وَالسُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنْهُمْ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ إلَى آخِرِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ مِنْهُمْ كَانُوا أَسْرَعَ سَبْقًا لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدْ أُمِيتَتْ وَتُرِكَتْ فِي الْغَالِبِ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، لَكِنْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ بَقِيَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ قَائِمَةٌ بِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ ، فَإِنَّك تَجِدُ بِهَا الْمَسَاجِدَ مُصَانَةً مُرَفَّعَةً عَظِيمَةً لَا تُرْفَعُ فِيهَا الْأَصْوَاتُ ، وَلَا تُدْخَلُ إلَّا لِلصَّلَاةِ أَوْ لِمَجَالِسِ الْعِلْمِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّرْتِيبِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَغَيْرِهِ ، فَهُمْ مَاشُونَ عَلَى ذَلِكَ الْأُسْلُوبِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ .
وَلَهُمْ عَادَةٌ حَسَنَةٌ قَدْ مَضَى ذِكْرُهَا وَهِيَ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمُرُونَ الصُّفُوفَ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ لَكِنَّ الَّذِينَ يَسْتُرُونَ الْإِمَامَ هُمْ أَكْثَرُ امْتِيَازًا مِنْ غَيْرِهِمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ ، وَهُمْ مَعْلُومُونَ قَلَّ أَنْ يَغِيبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، فَإِنْ غَابَ لِضَرُورَةٍ قَدَّمُوا مَوْضِعَهُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ يُقَارِبُهُ ، فَيُصَلِّي الْإِمَامُ وَهُوَ مُطْمَئِنُّ الْقَلْبِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ ، إذْ أَنَّهُمْ فِي الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ بِحَيْثُ لَا يَغْفُلُونَ عَنْ حَرَكَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ ، وَهَذَا عَكْسُ مَا الْحَالُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ حَتَّى إنَّهُ لَوْ حَضَرَ أَحَدٌ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ الْيَوْمَ فِي الْمَسْجِدِ لَرَأَيْته بَعِيدًا مِنْ الْإِمَامِ ، وَقَدْ
لَا يُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ تَتَقَدَّمُهُ السَّجَّادَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ .
فَهَذَا بَعْضُ الْآدَابِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْعَالِمِ إذَا أَخَذَ الدَّرْسَ فِي بَيْتِهِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ يَأْخُذُهُ فِي الْمَدْرَسَةِ فَآدَابُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، لَكِنَّ الْمَسْجِدَ لَهُ آدَابٌ تَخُصُّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، وَالْمَدْرَسَةُ لَهَا آدَابٌ تَخُصُّهَا سَنَذْكُرُهَا قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، لَكِنَّ أَخْذَ الدَّرْسِ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ لِأَجْلِ كَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْعِلْمِ لِمَنْ قَصَدَهُ وَمَنْ لَمْ يَقْصِدْهُ ، بِخِلَافِ الْمَدْرَسَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي إلَيْهَا غَالِبًا إلَّا مَنْ قَصَدَ الْعِلْمَ أَوْ الِاسْتِفْتَاءَ فَأَخْذُهُ فِي الْمَدْرَسَةِ أَقَلُّ رُتْبَةً فِي الِانْتِشَارِ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَخْذُهُ فِي الْمَدْرَسَةِ أَكْثَرُ انْتِشَارًا مِنْهُ فِي الْبَيْتِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ أَخْذَ الدَّرْسِ فِي الْمَدْرَسَةِ إلَّا لِأَجْلِ الْمَعْلُومِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ إذَا أَخَذَ الدَّرْسَ فِي الْمَدْرَسَةِ أَنْ يَأْخُذَ بِتِلْكَ النِّيَّاتِ الَّتِي وُصِفَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَتِلْكَ الْآدَابِ .
بَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي إخْلَاصِ نِيَّتِهِ وَيَدْفَعَ الشَّوَائِبَ عَنْ نَفْسِهِ لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِالْمَعْلُومِ أَوْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ بِقَلْبِهِ ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ } انْتَهَى ، فَإِذَا جَاءَهُ الْمَعْلُومُ دُونَ سُؤَالٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ
إذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ .
هَذَا عَلَى جَادَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيمُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، وَعَلَامَةُ صِدْقِهِ فِيمَا وَصَفَ مِنْ تَعْلِيمِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا قَطَعَ عَنْهُ الْمَعْلُومَ لَا يَتْرُكُ التَّعْلِيمَ وَلَا مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَتَبَرَّمُ وَلَا يَتَضَجَّرُ ، بَلْ يَكُونُ فِي وَقْتِ قَطْعِ الْمَعْلُومِ أَكْثَرَ تَعْلِيمًا وَأَشَدَّ حِرْصًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَحَّضَ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْلُومُ قَدْ قُطِعَ عَنْهُ اخْتِبَارًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِكَيْ يَرَى صِدْقَهُ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ بِهِ ، فَإِنَّ رِزْقَهُ مَضْمُونٌ لَهُ مُطْلَقًا لَا يَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي جِهَةٍ دُونَ أُخْرَى .
قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { تَكَفَّلَ اللَّهُ بِرِزْقِ طَالِبِ الْعِلْمِ } انْتَهَى ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُيَسِّرُهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ ، لَكِنَّ حِكْمَةَ تَخْصِيصِ طَالِبِ الْعِلْمِ بِالذِّكْرِ أَنَّ ذَلِكَ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ بِلَا تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ كَمَا سَبَقَ ، فَجَعَلَ نَصِيبَهُ مِنْ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ فِي الدَّرْسِ وَالْمُطَالَعَةِ وَالتَّفَهُّمِ لِلْمَسَائِلِ وَإِلْقَائِهَا ، وَذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ اللُّطْفِ بِهِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ .
وَهَذَا مِنْ كَرَامَاتِ الْعُلَمَاءِ أَعْنِي فَهْمَ الْمَسَائِلِ وَحُسْنَ إلْقَائِهَا وَالْمَعْرِفَةَ بِسِيَاسَةِ النَّاسِ فِي تَعْلِيمِهَا ، كَمَا أَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فِيهَا أَشْيَاءُ أُخَرُ يَطُولُ تَعْدَادُهَا مِثْلَ الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصُونَ هَذَا الْمَنْصِبَ الشَّرِيفَ مِنْ التَّرَدُّدِ لِمَنْ يُرْجَى أَنْ يُعِينَ عَلَى إطْلَاقِ الْمَعْلُومِ أَوْ التَّحَدُّثِ فِيهِ أَوْ إنْشَاءِ مَعْلُومٍ عِوَضُهُ .
وَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ رَأَى بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَانَ يُدَرِّسُ فِي مَدْرَسَةٍ فَانْقَطَعَ الْمَعْلُومُ عَنْهُ وَعَنْ طَلَبَتِهِ أَوْ
نُقِصَ مِنْهُ ، فَقَالُوا لِلْمُدَرِّسِ : لَعَلَّك أَنْ تَمْشِيَ إلَى فُلَانٍ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا لِتَجْتَمِعَ بِهِ عَسَى أَنْ يَأْمُرَ بِإِطْلَاقِ ذَلِكَ الْمَعْلُومِ ، فَقَالَ : نَعَمْ مِرَارًا إلَى أَنْ عَزَمُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأَسْتَحْيِ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَكْذِبَ هَذِهِ الشَّيْبَةُ عِنْدَهُ ، فَقَالُوا : وَكَيْفَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنِّي أُصْبِحُ كُلَّ يَوْمٍ أَقُولُ : اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت فَأَقُولُ هَذَا وَأَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ مَخْلُوقٍ أَسْأَلُهُ ذَلِكَ ، وَاَللَّهِ لَا فَعَلْته فَلَمْ يَمْشِ إلَيْهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَذْكُرَ قَطْعَ الْمَعْلُومِ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا يُشْهِرُهُ إذْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الضَّجَرِ وَقِلَّةِ الثِّقَةِ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّعَرُّضِ إلَى اطِّلَاعِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ضَرُورَاتِهِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَثِقُ بِرَبِّهِ فِي الْمَنْعِ وَالْعَطَاءِ ، بَلْ الْمَنْعُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ هُوَ عَطَاءٌ ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ أَحْسَنُ وَأَوْلَى مِنْ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ ، إذْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَدْرَسَةِ عَلَى مَا وُصِفَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ التَّوَاضُعِ وَالْقُرْبِ لِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ الطَّلَبَةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ إذَا مُنِعَ عَنْ الْعَامَّةِ لَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ الْخَاصَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِغْلَاقُ بَابِ الْمَدْرَسَةِ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ عَنْ الْعَامَّةِ وَمَنْعُهُمْ مِنْ الِاسْتِمَاعِ لِلْعِلْمِ وَالتَّبَرُّكِ بِهِ وَبِأَهْلِهِ ، وَكَذَلِكَ الْبَوَّابُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حِجَابٌ عَنْ الْعِلْمِ أَيْضًا وَاخْتِصَاصٌ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، بَلْ يَفْتَحُ الْبَابَ وَلَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى الدُّخُولَ كَمَا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا جُعِلَ الْبَوَّابُ لِأَجْلِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَوَامّ إذَا دَخَلُوا الْمَدْرَسَةَ تَشَوَّشَ الْمَوْضِعُ وَكَشَفُوا عَوْرَاتِهِمْ عِنْدَ الْفَسْقِيَّةِ ، وَقَدْ يَسْرِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضَ أَقْدَامِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَدْ يَكْثُرُ لَغَطُهُمْ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْبَوَّابَ الَّذِي يَقْعُدُ عَلَى الْبَابِ أَوْ غَيْرِهِ يَكُونُ وَاقِفًا عِنْدَ أَخْذِهِمْ الدَّرْسَ ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا أَنْ يَقْرُبَ مِنْ نَاحِيَةِ أَقْدَامِهِمْ ، وَإِنْ رَأَى أَحَدًا يُرِيدُ أَنْ يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ نَهَاهُ وَزَجَرَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَتَّخِذَ نَقِيبًا بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِمًا كَانَ أَوْ جَالِسًا ، وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ الْيَوْمَ مِنْ الْعَوَائِدِ الَّتِي لَيْسَتْ لِمَنْ مَضَى ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَفِي مَجَالِسِ عِلْمِهِمْ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ ، وَمَا يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ اتِّخَاذِ الْحَاجِبِ وَالْبَوَّابِ وَالنَّقِيبِ إنَّمَا يَفْعَلُهُ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ : إمَّا مُتَكَبِّرٌ فِي نَفْسِهِ مُتَجَبِّرٌ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَهُ الِاتِّسَامُ بِالْعِلْمِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ فَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الْمُتَكَبِّرِينَ ،
وَإِمَّا رَجُلٌ جَاهِلٌ يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ بِجَهْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ حَالَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي تَوَاضُعِهِمْ لَتَشَبَّهَ بِهِمْ إنْ سَلِمَ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ .
وَالثَّالِث وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَأَعْظَمُ ثُبُوتًا فِي الصُّدُورِ وَهِيَ الْعَوَائِدُ الْمُسْتَمِرَّةُ ، حَتَّى إنَّهُ قَدْ يُدْرِكُ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ الْوَهْمُ فِي تِلْكَ الْعَوَائِدِ الْمُسْتَمِرَّةِ فَقَدْ يَجْعَلُهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ إنْ سَلِمَ مِنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ إلَى مَا أَنِسَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ تِلْكَ الْعَوَائِدِ لِكَوْنِهِ نَشَأَ فَوَجَدَهَا مَعْمُولًا بِهَا ، وَالْعُلَمَاءُ بَرَاءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَفِي فِعْلِ مَنْ يُسْكِتُ الطَّلَبَ إخْمَادٌ لِلْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون بَعْضُ الطَّلَبَةِ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَيُرِيدُ أَنْ يَبْحَثَ فِيهَا حَتَّى تَبِينَ لَهُ ، أَوْ عِنْدَهُ سُؤَالٌ وَارِدٌ يُرِيدُ أَنْ يُلْقِيَهُ حَتَّى يُزِيلَ مَا عِنْدَهُ ، فَيُسْكَتَ إذْ ذَاكَ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الْمَقْصُودِ .
وَكَذَلِكَ الْمُدَرِّسُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُسْكِتَ أَحَدًا إلَّا إذَا خَرَجَ عَنْ الْمَقْصُودِ أَوْ كَانَ سُؤَالُهُ وَبَحْثُهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي فَيُسْكِتُهُ الْعَالِمُ بِرِفْقٍ وَيُرْشِدُهُ إلَى مَا هُوَ أَوْلَى فِي حَقِّهِ مِنْ السُّكُوتِ أَوْ الْكَلَامِ ، فَكَيْفَ يَقُومُ عَلَى الطَّلَبَةِ شَخْصٌ سِيَّمَا إذَا كَانَ مِنْ الْعَوَامّ النَّافِرِينَ عَنْ الْعِلْمِ فَيُؤْذِيهِمْ بِبَذَاءَةِ لِسَانِهِ وَزَجْرِهِ بِعُنْفٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى نُفُورِ الْعَامَّةِ أَكْثَرَ سِيَّمَا وَمِنْ شَأْنِهِمْ النُّفُورُ فِي الْغَالِبِ مِنْ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ عَلَيْهِمْ ، وَالنُّفُوسُ فِي الْغَالِبِ تَنْفِرُ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهَا ، فَإِذَا رَأَى الْعَوَامُّ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْمَذْمُومَ يُفْعَلُ مَعَ الطَّلَبَةِ أَمْسَكَتْ الْعَامَّةُ عَنْ السُّؤَالِ عَمَّا يُضْطَرُّونَ إلَيْهِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَتْمًا لِلْعِلْمِ وَاخْتِصَاصًا بِهِ كَمَا سَبَقَ .
وَشَأْنُ الْعَالِمِ سَعَةُ الصَّدْرِ وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَضِيقَ عَنْ سُؤَالِ الْعَامَّةِ وَجَفَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَيْهِ ؛ إذْ أَنَّهُ مَحَلُّ الْكَمَالِ وَالْفَضَائِلِ وَقَدْ عَلِمَ مَا فِي سَعَةِ الْخُلُقِ مِنْ الثَّنَاءِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَنَاقِبِ الْعُلَمَاءِ مَا لَا يَأْخُذُهُ حَصْرٌ .
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } فَتَخْصِيصُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْخُلُقَ بِالذِّكْرِ فِيهِ تَخْصِيصٌ عَظِيمٌ وَإِرْشَادٌ بَلِيغٌ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ ، وَالِاتِّصَافِ بِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ الْمَمْدُوحَةِ شَرْعًا .
فَإِنْ قَالَ الْعَالِمُ مَثَلًا : إنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُسْكِتَهُمْ فَأَدَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى مَنْ يُسْكِتُهُمْ عَنْهُ ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يَرُدُّهُ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى هَلُمَّ جَرًّا .
أَمَّا
فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ حَجّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَمَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى نَاقَتِهِ ، وَهَذَا يَسْأَلُهُ ، وَهَذَا يُحَدِّثُهُ ، وَهَذَا يُنَادِيهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ ثَمَّ حَاجِبٌ وَلَا طَرَّادٌ وَلَا إلَيْك إلَيْك وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ : { اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ } .
وَإِنَّمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ لِلتَّشْرِيعِ لِأُمَّتِهِ فَإِنَّهُ صَاحِبُ الْعِصْمَةِ الْكُبْرَى وَالْمَنْزِلَةِ الْمُنِيفَةِ الْعُظْمَى عِنْدَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقْعُدُ لِلنَّاسِ عُمُومًا وَيَتَكَلَّمُ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِهِ مِنْ التَّبْلِيغِ وَتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ ، وَاَللَّهُ يُعْطِي } انْتَهَى .
فَأَخْلَصَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطِيَّةَ وَالْهِبَةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ .
وَكَلَامُهُ كَانَ عَامًّا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَخُصَّ قَوْمًا دُونَ آخَرِينَ بِإِلْقَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ إذْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَسَاوَوْا فِي الْأَحْكَامِ وَبَقِيَتْ الْمَوَاهِبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يَخُصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ فِي أَمْرٍ أَنَّهُ لَا يَنْجَحُ ، وَمِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ أَنْ يَخْتَارَ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِلتَّعْلِيمِ دُونَ غَيْرِهِمْ .
وَأَمَّا فِعْلُ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَكَثِيرٌ فِي هَذَا الْبَابِ بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُهُ حَصْرٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ أَنْ يَنْوِيَ بِجُلُوسِهِ إظْهَارَ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ عَادَتْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ بَرَكَةُ تِلْكَ النِّيَّةِ السُّنِّيَّةِ
فَيُوَفَّقُ وَيُسَدَّدُ وَيُعَانُ وَيُحْمَلُ وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا يَتَوَقَّعُهُ غَيْرُهُ ، أَوْ يُصِيبُهُ مِنْ الْمَلَلِ وَالسَّآمَةِ وَالضَّجَرِ وَالْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَيَحْتَمِلُهُمْ كَاحْتِمَالِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ، بَلْ هُمْ أَعْظَمُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً مِنْ أَوْلَادِهِ ؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُ مَعَهُمْ إنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى مُجَرَّدًا عَنْ حَظِّ النَّفْسِ ، وَشَفَقَتُهُ عَلَى أَوْلَادِهِ لَهُ فِيهَا حَظُّ الْبَشَرِيَّةِ فِي الْغَالِبِ فَكَانَ احْتِمَالُهُ لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْبَرَكَةُ حَاصِلَةٌ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْبَوَّابِ وَالنَّقِيبِ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ بَابِ الْمَدْرَسَةِ وَأَبْوَابِ الْأُمَرَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى أَبْوَابِهِمْ فِي الْغَالِبِ إلَّا بِالْحَاجِبِ وَالنَّقِيبِ فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ جَاءَ بِفَتْوَى إلَى بَابِ الْمَدْرَسَةِ يَجِدُ الْحَاجِبَ وَالْبَوَّابَ وَغَيْرَهُمَا يَمْنَعُونَهُ ، بَلْ يَمْتَنِعُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْبِغَالَ وَالْغِلْمَانِ الَّذِينَ عَلَى بَابِ الْمَدْرَسَةِ ، وَلَا يَتَجَاسَرُ أَنْ يَصِلَ الْبَابَ بَلْ يَنْصَرِفُ وَيَتْرُكُ مَا جَاءَ بِسَبَبِهِ .
وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الرُّكُوبَ عَلَى الدَّوَابِّ مَكْرُوهٌ ، بَلْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا أَوْ جَائِزًا فَمَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ ، وَهُوَ صَحِيحُ الْبَدَنِ فَرُكُوبُهُ مِنْ الْقِسْمِ الْجَائِزِ ، وَمَنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ وَكَانَ أَخْذُ الدَّرْسِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ وَيَزِيدُ مَرَضُهُ بِهِ زِيَادَةً تَضُرُّهُ شَرْعًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَاجِبًا .
وَأَمَّا مَنْ كَانَ صَحِيحَ الْبَدَنِ قَرِيبَ الدَّارِ فَلَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمَشْيَ فِي حَقِّ هَذَا أَفْضَلُ ، إذْ أَنَّهُ مَاشٍ إلَى أَصْلِ الْعِبَادَاتِ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي قَوِيًّا فِي دِينِهِ وَجَاءَ إلَى بَيْتِ الْمَدْرَسَةِ وَجَدَ الْحُجَّابَ أَغْلَظَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ،
وَإِذَا وَصَلَ إلَى الْبَابِ وَجَدَ مَنْ يَمْنَعُ وُصُولَ خَبَرِهِ إلَى الْعَالِمِ حَتَّى إنَّهُ قَدْ يَبْذُلَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى يُوصِلَ الْفَتْوَى إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ يُكَلِّمَهُ .
وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ فِعْلِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ ، فَلَوْ كَانَ الْعَالِمُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَكَانَ النَّاسُ يَتَوَصَّلُونَ إلَى قَضَاءِ أَغْرَاضِهِمْ مِمَّا يُضْطَرُّونَ إلَيْهِ فِي دِينِهِمْ ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدًا خَرَجَ مِنْهُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ عَلَى صِفَةٍ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى بَعْضِ الْعَوَامّ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ ، وَقَدْ يَخْرُجُ بَعْضُهُمْ إلَى الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ نَقِيبٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهُوَ نَادِرٌ ، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ، وَتَفْصِيلُ هَذَا يَطُولُ وَبِالْجُمْلَةِ فَفِيمَا أُشِيرُ إلَيْهِ غُنْيَةٌ عَنْ الْبَاقِي .
وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إذَا جَاءَتْهُ الْفَتْوَى أَنْ يَسْأَلَ عَمَّنْ وَقَعَتْ لَهُ حَتَّى يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِهِ إنْ كَانَ حَاضِرًا أَوْ يُسَهِّلَ حُضُورَهُ وَيَتَثَبَّتَ فِي فَهْمِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَسْمَعُهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوَرَقَةَ قَدْ يُكْتَبُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ فَيُفْتِي عَلَى وَهْمٍ أَوْ غَلَطٍ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْخَطَرِ مَا فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ جَوَابُهُ صَوَابًا عَلَى مَا رَآهُ مَكْتُوبًا ، فَإِنْ تَعَذَّرَ حُضُورُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ النَّازِلَةُ فَشَأْنُ الْعَالِمِ أَنْ يَتَثَبَّتَ جَهْدَهُ وَأَنْ يَأْمُرَ مَنْ أَتَى بِالْفَتْوَى أَنَّهُ يُعَاوِدُ صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ إنْ تَيَسَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْمَقْصُودُ وَالْمَطْلُوبُ أَنْ لَا يُفْتِيَ إلَّا بَعْدَ التَّحَرُّزِ الْكُلِّيِّ وَالتَّحَفُّظِ الْعَظِيمِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ وَيَنْشَرِحَ صَدْرُهُ ، ثُمَّ بَعْدَ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ لِذَلِكَ وَالْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِ الْفَتْوَى لَا يُعَجِّلُ بِالْكَتْبِ عَلَيْهَا بَلْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى وَقْتِ الدَّرْسِ ، فَيَعْرِضُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَيَرَى رَأْيَهُ وَرَأْيَهُمْ فِيهَا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ فَإِنْ وَافَقَ مَا عِنْدَهُ مَا قَالُوهُ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ خَالَفُوهُ بَحَثَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَأَبْدَى لَهُمْ مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ الْمَسْأَلَةَ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ كَتَبَ عَلَيْهَا بِمَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ الصَّوَابُ عِنْدَهُ وَلْيَحْذَرْ مِنْ الْعَجَلَةِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ وَيُفْتِي بِمَا تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّ الْغَلَطَ فِي ذَلِكَ قَلَّ أَنْ يُسْتَدْرَكَ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَعْرُوفُ بِالزَّيَّاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَاسْتَفْتَتْهُ فَأَجَابَهَا ثُمَّ مَضَتْ لِسَبِيلِهَا فَمَا هُوَ إلَّا قَلِيلٌ ، وَإِذَا بِالشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَجَعَلَهُ فِي فَمِهِ
وَخَرَجَ يَجْرِي حَافِيًا إلَى أَنْ لَحِقَ الْمَرْأَةَ فَأَخَذَ الْفَتْوَى مِنْهَا ، ثُمَّ رَجَعَ فَسَأَلَهُ أَصْحَابُهُ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ذَكَرْت أَنِّي وَهَمْت فِي جَوَابِهَا فَأَسْرَعْت لِئَلَّا تَفُوتَنِي ، فَقَالُوا لَهُ : لَوْ أَمَرْتنَا لَفَعَلْنَا ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا هِيَ فِي ذِمَّةِ أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَكَانَ أَحَدُكُمْ يَقُومُ عَلَى هَيِّنَتِهِ ، وَحَتَّى يَلْبَسَ نَعْلَيْهِ ، وَحَتَّى يَمْشِيَ الْمَشْيَ الْمُعْتَادَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ قَلِيلًا ، فَقَدْ تَفُوتُ الْمَرْأَةُ وَلَا تُعْلَمُ جِهَتُهَا ، وَاَلَّذِي تَتَعَلَّقُ الْمَسْأَلَةُ بِذِمَّتِهِ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَا جَرَى عَلَيْهِ فَيُبَادِرُ إلَى خَلَاصِ نَفْسِهِ .
وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا جَاءَتْهُ الْفَتْوَى يَقُولُ لِمَنْ أَتَى بِهَا : مَا يُمَكِّننِي أَنْ أَكْتُبَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْخَطَّ قَدْ يُزَادُ فِيهِ وَيُنْقَصُ فَيَقَعُ مُخَالِفًا لِمَا الْمَسْأَلَةُ عَلَيْهِ ، فَلَا يُفْتِي حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ النَّازِلَةِ ، فَإِذَا حَضَرَ سَأَلَهُ عَمَّا وَقَعَ لَهُ فَيُخْبِرُهُ بِهِ فَيَقُولُ لَهُ : إذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ يَحْضُرُ الْجَوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ الْغَدِ يَسْأَلُهُ الْجَوَابَ يَقُولُ لَهُ الشَّيْخُ : أَعِدْ عَلَيَّ الْمَسْأَلَةَ فَإِذَا أَعَادَهَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِمَا قَالَهُ بِالْأَمْسِ بَحَثَ فِيهَا مَعَ مَنْ حَضَرَهُ ثُمَّ أَفْتَاهُ أَوْ كَتَبَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ خَالَفَ مَا قَالَهُ بِالْأَمْسِ قَالَ لَهُ الشَّيْخُ : أَيُّمَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي بِالْأَمْسِ أَوْ الَّذِي بِالْيَوْمِ فَيَرُدُّهَا وَلَا يُفْتِي لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ ، وَيَقُولُ لَهُ : لَا أَعْلَمُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ حَتَّى أُفْتِيَ عَلَيْهِ ، هَكَذَا هُوَ حَالُ الْعُلَمَاءِ فِي التَّحَرُّزِ عَلَى ذِمَمِهِمْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةً مَعْرُوفَةً لَا تَحْتَاجُ إلَى بَحْثٍ وَلَا تَطْوِيلِ نَظَرٍ ، فَلَا بَأْسَ بِالْجَوَابِ عَلَيْهَا فِي الْوَقْتِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِلسَّدَادِ بِمَنِّهِ .
فَلَوْ مَشَى الْعَالِمُ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ الْقَوِيمِ
لَحَصَلَ لَهُ فَائِدَتَانِ عَظِيمَتَانِ : إحْدَاهُمَا : بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ .
وَالثَّانِي : انْتِفَاعُ مَنْ حَضَرَهُ وَتَعْلِيمُهُمْ فِي أَقَلِّ زَمَانٍ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الدَّرْسِ سَهْلٌ يَسِيرٌ فِي الْغَالِبِ إذْ النُّبَهَاءُ مِنْ الطَّلَبَةِ قَدْ طَالَعُوا عَلَيْهِ غَالِبًا ، وَهُمْ قَدْ عَرَفُوا مَأْخَذَهُ وَمُرَادَهُ وَمُشْكِلَاتِهِ وَالْجَوَابَ عَنْهَا وَحَلَّهَا وَالْفَتَاوَى لَيْسَتْ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا نَوَازِلُ تَنْزِلُ عَلَى غَيْرِ تَعْبِيَةٍ وَلَا أُهْبَةٍ ، وَفِيهَا تَظْهَرُ نَبَاهَةُ طَلَبَتِهِ وَتَحْصُلُ لَهُمْ بِهَا الْفَائِدَةُ الْجَمَّةُ وَالتَّثَبُّتُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقَعُ لَهُمْ مِنْهَا .
وَعَنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : لَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَيُؤْخَذُ مِمَّنْ سِوَاهُمْ : لَا يُؤْخَذُ مِنْ مُبْتَدِعٍ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ ، وَلَا سَفِيهٍ مُعْلِنٍ بِسَفَهِهِ ، وَلَا مِمَّنْ يَكْذِبُ فِي حَدِيثِ النَّاسِ ، وَإِنْ كَانَ يَصْدُقُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الشَّأْنَ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَهُ وَلَا يَكُونُ إمَامًا أَبَدًا ، ثُمَّ قَرَأَ { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } انْتَهَى ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَتَرَدَّدَ لِأَحَدٍ أَوْ يَسْعَى فِي طَلَبِ التَّدْرِيسِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ مَدْرَسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجْلِسُ لِلَّهِ تَعَالَى فَيُعَلِّمُ وَيَتَعَلَّمُ وَيُفِيدُ وَيَسْتَفِيدُ لِكَيْ يَظْهَرَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ حَرَّمَهُ أَوْ كَرِهَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، فَمَا كَانَ أَصْلُهُ لِهَذِهِ الْمَعَانِي وَمَا جَانَسَهَا فَيَنْبَغِي بَلْ يَجِبُ أَنْ لَا يَخْلِطَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْذَارِ الدُّنْيَا .
وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يُبَادِرُ إلَى مَعَالِي الْأُمُورِ وَأَكْمَلِهَا إذْ أَنَّهُ قُدْوَةٌ لِلْمُقْتَدِينَ وَهُدًى لِلْمُهْتَدِينَ ، فَإِذَا رَآهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يَتَسَبَّبُ فِيمَا ذُكِرَ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي طَلَبِ حُطَامِ الدُّنْيَا ، وَالْغَالِبُ أَنَّ النُّفُوسَ
تَأْنَسُ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا ، وَإِنْ كَانَ ذَمُّهُ مَوْجُودًا فِي الْكُتُبِ وَأَحْوَالِ السَّلَفِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَكِنَّ شَأْنَ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي الْغَالِبِ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ فِي وَقْتِهِمْ ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِلنَّظَرِ فِي حَالِ مَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ إيثَارًا لِلتَّوَصُّلِ إلَى أَغْرَاضِهِمْ .
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَتَحَفَّظُ عَلَى نَفْسِهِ صِيَانَةً لِلْعِلْمِ وَإِقَامَةً لِحُرْمَتِهِ ، بَلْ إذَا عُرِضَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَلْيَتَرَبَّصْ وَلْيَسْتَخِرْ اللَّهَ تَعَالَى وَيَسْتَشِرْ وَلَا يَعْجَلْ ، فَإِنَّ الْعَجَلَةَ مِنْ الشَّرَاهَةِ ، وَالشَّرَاهَةُ مَذْمُومَةٌ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى } انْتَهَى .
وَإِذَا فَعَلَ مَا ذُكِرَ وَكَانَ أَخْذُهُ لِذَلِكَ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِشْرَافٍ مِنْهُ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَالْبَرَكَةُ هِيَ الْمَقْصُودُ وَالْمَأْمُولُ ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي الْقَلِيلِ أَغْنَتْ عَنْ الْكَثِيرِ وَأَعَانَتْ عَلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا سَأَلَهُ كَانَتْ يَدُهُ سُفْلَى ، وَلَيْسَ هَذَا مَنْصِبَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعُلَمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هِيَ الْعُلْيَا ، وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي الطَّلَبِ لِمَا ذُكِرَ لِأَجْلِ الْعَائِلَةِ وَالْمُلَازِمِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ ذَلِكَ تَقِيَّةً عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ لَمْ يُضَيِّعْ اللَّهُ الْكَرِيمُ قَصْدَهُ ، وَأَتَاهُ بِهِ أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْبِهِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ ، وَسَدَّ خَلَّتَهُ وَأَعَانَهُ عَلَى مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ ، وَلَيْسَ رِزْقُهُ بِمُنْحَصِرٍ فِي جِهَةٍ بِعَيْنِهَا .
وَعَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَبَدًا مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
يَرْزُقُ مَنْ هَذَا حَالُهُ مِنْ غَيْرِ بَابٍ يَقْصِدُهُ أَوْ يُؤْمَلُهُ ، بَلْ الْأَمْرُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ مَنْ لِلَّهِ تَعَالَى بِهِ اعْتِنَاءٌ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ بِهِ كُلَّ جِهَةٍ يُؤَمِّلُهَا أَوْ يَقْصِدُهَا ؛ لِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمْ انْقِطَاعُهُمْ إلَيْهِ وَتَعْوِيلُهُمْ فِي كُلِّ أُمُورِهِمْ عَلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُونَ إلَى الْأَسْبَابِ ، بَلْ إلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَمُدَبِّرِهَا وَالْقَادِرِ عَلَيْهَا .
وَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْعَالِمُ كَذَلِكَ ، وَهُوَ الْمُرْشِدُ لِلْخَلْقِ وَالْمُوَضِّحُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ لِلسُّلُوكِ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَمَنْ تَرَكَ جِهَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ قَاصِدٌ إلَى أُخْرَى فَيُبَدَّلُ عَنْهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا .
قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } انْتَهَى فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَالِمَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَيْتٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءً فِي حَقِّهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَجِيءُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ عَنْهُ الْمَعْلُومُ لَا يَتَسَخَّطُ وَلَا يَتَضَجَّرُ وَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ ، بَلْ يَزِيدُ فِي الِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ لَا يَتَرَدَّدَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى أَنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ غَيْرَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ يَنْبَغِيَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ عَلَى بَابِهِ لَا عَكْسَ الْحَالِ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَلَى أَبْوَابِهِمْ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي كَوْنِهِ يَخَافُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ حَاسِدٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّنْ يَخْشَى أَنَّهُ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَرْجُو أَحَدًا مِنْهُمْ فِي دَفْعِ شَيْءٍ مِمَّا يَخْشَاهُ ، أَوْ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ لَهُمْ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْهُمْ ، فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ عُذْرٌ يَنْفَعُهُ .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ ذَلِكَ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ خَائِفًا مِمَّا ذُكِرَ فَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ إشْرَافِ النَّفْسِ ، وَقَدْ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ مَنْ يَتَرَدَّدُ إلَيْهِ فِي مَعْلُومِهِ عُقُوبَةً لَهُ مُعَجَّلَةً .
وَأَمَّا الثَّانِي : فَهُوَ يَرْتَكِبُ أَمْرًا مَحْذُورًا مُحَقَّقًا لِأَجْلِ مَحْذُورٍ مَظْنُونٍ تَوَقُّعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي الْوَقْتِ بِعَدَمِ ارْتِكَابِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَذْمُومِ شَرْعًا ، بَلْ الْإِعَانَةُ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا هُوَ الِانْقِطَاعُ عَنْ أَبْوَابِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّجُوعُ إلَيْهِ ، إذْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْقَاضِي لِلْحَوَائِجِ وَالدَّافِعُ لِلْمَخَاوِفِ وَالْمُسَخِّرُ لِقُلُوبِ الْخَلْقِ وَالْإِقْبَالُ بِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ كَيْفَ يَشَاءُ .
قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ خِطَابًا لِسَيِّدِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ : { لَوْ أَنْفَقَتْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا فِي مَعْرَضِ الِامْتِنَانِ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْعَالِمُ إذَا كَانَ
مُتَّبِعًا لَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ سِيَّمَا فِي التَّعْوِيلِ عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالسُّكُونِ إلَيْهِ دُونَ مَخْلُوقَاتِهِ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُعَامِلُهُ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي عَامَلَ بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَرَكَةِ الِاتِّبَاعِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيَسْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ التَّرَدُّدِ إلَى أَبْوَابِ مَنْ لَا يَنْبَغِي كَاَلَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَهُوَ سُمٌّ قَاتِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَحْوَالِهِمْ يَا لَيْتَهُمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ لَا غَيْرُ ، بَلْ يَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ مَا هُوَ أَشَدُّ وَأَشْنَعُ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ تَرَدُّدَهُمْ إلَى أَبْوَابِهِمْ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ أَوْ مِنْ بَابِ إرْشَادِهِمْ إلَى الْخَيْرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْطِرُ لَهُمْ وَهُوَ كَثِيرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى ، وَإِذَا اعْتَقَدُوا ذَلِكَ فَقَدْ قَلَّ الرَّجَاءُ مِنْ تَوْبَتِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ إذْ أَنَّهُ لَا يَتُوبُ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ الْخَيْرِ .
وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا تَرَدَّدَ لِبَابِ الْقَاضِي فَإِنَّ ذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ وَتُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي التَّرَدُّدِ إلَى بَابِ الْقَاضِي وَهُوَ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ سَالِمٌ مَجْلِسُهُ مِمَّا يَجْرِي فِي مَجَالِسِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ، فَكَيْفَ التَّرَدُّدُ لِغَيْرِ الْقَاضِي ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَوْجَبُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ
( فَصْلٌ ) وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَتْرُكَ الدَّرْسَ لِعَوَارِضَ تَعْرِضُ لَهُ مِنْ جِنَازَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ كَانَ يَأْخُذُ عَلَى الدَّرْسِ مَعْلُومًا ، فَإِنَّ الدَّرْسَ إذْ ذَاكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَحُضُورُ الْجِنَازَةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَفِعْلُ الْوَاجِبِ يَتَعَيَّنُ ، فَإِنَّ الذِّمَّةَ مَعْمُورَةٌ بِهِ وَلَا شَيْءَ آكَدُ وَلَا أَوْجَبُ مِنْ تَخْلِيصِ الذِّمَّةِ ، إذْ تَخْلِيصُهَا هُوَ الْمَقْصُودُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ ، فَلَوْ حَضَرَ الْجِنَازَةَ وَأَبْطَلَ الدَّرْسَ لِأَجْلِهَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْقِطَ مِنْ الْمَعْلُومِ مَا يَخُصُّ ذَلِكَ ، بَلْ لَوْ كَانَ الدَّرْسُ لَيْسَ لَهُ مَعْلُومٌ لَتَعَيَّنَ عَلَى الْعَالِمِ الْجُلُوسُ إلَيْهِ ، إذْ أَنَّهُ تَمَحَّضَ لِلَّهِ تَعَالَى .
وَلَسَمَاعُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعَالِمِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً مَبْرُورَةً كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ فَضْلِ الْجِنَازَةِ ؟ ، وَقَدْ مَاتَ أَحَدُ أَوْلَادِ الْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ فَخَرَجَ لِجِنَازَتِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَبَقِيَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَخْرُجُ إلَى جِنَازَةِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ ابْنِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ مُجِيبًا لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ : صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ حُضُورِ جِنَازَةِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ ابْنِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فَضَّلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ نَافِلَةً عَلَى حُضُورِهَا فَمَا بَالُكَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَا بَالُكَ بِإِلْقَاءِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ مُتَعَدٍّ سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا .
وَكَذَلِكَ لَا يَتْرُكُ الدَّرْسَ لِأَجْلِ مَرِيضٍ يَعُودُهُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ التَّعْزِيَةِ وَالتَّهْنِئَةِ الْمَشْرُوعَةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَنْدُوبٌ ، وَإِلْقَاءُ الْعِلْمِ مُتَعَيِّنٌ إنْ كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْلُومًا بَلْ لَوْ عَرِيَ عَنْهُمَا مَعًا لَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَعُلِمَ مِنْ أَنَّهُ يَتْرُكُ مَا نُدِبَ إلَيْهِ لِأَجْلِهِ ، فَمَا بَالُكَ بِبَطَالَةِ الدَّرْسِ لِأَجْلِ بِدْعَةٍ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ كَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَيُبْطِلُونَ الدَّرْسَ لِأَجْلِ الصُّحْبَة لِأَجْلِ الْمَيِّتِ أَوْ الثَّالِثِ لَهُ أَوْ تَمَامِ الشَّهْرِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْفَرَحِ كَالْعَقِيقَةِ وَغَيْرِهَا كَالسَّلَامِ عَلَى الْغَائِبِ وَالتَّهْنِئَةِ بِوِلَايَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَنْدُوبًا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الدَّرْسِ إذَا سَلِمَ مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْبِدَعِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ مَعَ إظْهَارِ تَقْبِيحِهِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَى فَاعِلِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ بِمَا أَمْكَنَهُ .
وَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ مَاشِيًا عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ انْسَدَّتْ بِهِ هَذِهِ الثُّلْمَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ يُبْطِلُونَ الدُّرُوسَ لِبِدْعَةِ الصُّبْحَةِ أَوْ الثَّالِثِ أَوْ التَّهْنِئَةِ بِوِلَايَةِ خُطَّةٍ أَوْ السَّلَامِ عَلَى غَائِبٍ قَدِمَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَيَتْرُكُونَ الْوَاجِبَ وَيَصِيرُ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ فِيهِ مِنْ الشُّبْهَةِ مَا فِيهِ ، وَيَمْضُونَ إلَى بِدْعَةٍ يَا لَيْتَهُمْ لَوْ فَعَلُوهَا وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ مَا فَعَلُوهُ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ ، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِحَسْبِ مَا يَخْطِرُ لَهُ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي تَأْبَاهَا قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ .
مِثَالُهُ أَنْ يَتْرُكَ الدَّرْسَ وَيَرُوحَ إلَى تَهْنِئَةِ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَنْصِبَ مِنْ يَدِهِ أَوْ يَرْجُوهُ لِمَنْصِبٍ آخَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِهِمْ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَ أَوَّلًا فِي الْمَدْرَسَةِ إذَا عَرَضَتْ عَلَيْهِ هَلْ هِيَ مِنْ وَجْهِ حِلٍّ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ وَجْهِ حِلٍّ فَلَا بَأْسَ إذَنْ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ شُبْهَةٍ فَالْعُلَمَاءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ الشُّبُهَاتِ بَلْ يَتَأَكَّدُ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِمْ .
وَقَدْ يَصِيرُ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ فِي حَقِّهِمْ وَاجِبًا ؛ لِأَنَّهُمْ الْقُدْوَةُ وَالنَّاسُ لَهُمْ تَبَعٌ ، فَإِذَا اقْتَحَمُوا الشُّبُهَاتِ اقْتَدَى بِهِمْ النَّاسُ فِي تَنَاوُلِهَا ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمَعْلُومِ الَّذِي قُرِّرَ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْغَصْبُ ، وَأَمَّا مَعَ التَّعْيِينِ فَلَا يَحِلُّ وَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْفَظِيعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَتَجِدُ بَعْضَ النَّاسِ يَغْصِبُ الْمَوَاضِعَ ، وَكَذَلِكَ الْآلَاتُ مِثْلَ الْأَعْمِدَةِ وَالرُّخَامِ وَالشَّبَابِيكِ .
وَقَدْ يَأْخُذُونَ بَعْضَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْمَسَاجِدِ وَبَعْضِ الْبُيُوتِ وَبَعْضِ الْحَمَّامَاتِ عَلَى يَقِينٍ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُغْضِبُونَ النَّاسَ مِنْ الصُّنَّاعِ وَغَيْرِهِمْ فِي بِنَائِهَا بِذَلِكَ ، ثُمَّ مَعَ هَذَا الْأَمْرِ الْجَلِيِّ قَلَّمَا يُوضَعُ الْأَسَاسُ إلَّا وَقَدْ وَقَعَتْ الْخُطْبَةُ فِي طَلَبِ تَوْلِيَةِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ ، وَلَا يَصِلُ إلَى تَوْلِيَتِهَا إلَّا مَنْ لَهُ الشَّوْكَةُ الْقَوِيَّةُ فَكَيْفَ يَقَعُ السَّعْيُ فِي مَوْضِعٍ وَقَعَ بِنَاؤُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَادَى مُنَادٍ يَقُولُ : كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ شَيْءٌ فَلْيَأْتِ لَقَامَ نَاسٌ يَدَّعُونَ مَا لَهُمْ فِيهِ مِنْ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ وَيُثْبِتُونَ ذَلِكَ ، فَيَصِيرُ تَصَرُّفُ هَذَا الْعَالِمِ فِي مِلْكِ النَّاسِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، وَهَذَا أَمْرٌ قَبِيحٌ لَوْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْعَوَامّ فَكَيْفَ يُقْدِمُ عَلَيْهِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَثِيرٌ مِنْ
الْمَدَارِسِ بُنِيَتْ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ مَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ كَانَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ حَرَامًا بِخِلَافِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَادَى مُنَادٍ عَلَى مَدْرَسَةٍ قَدِيمَةٍ فَيَقُولُ : كُلُّ مَنْ غُصِبَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ فَلْيَأْتِ يَأْخُذُ مَا غُصِبَ مِنْهُ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ لِانْقِرَاضٍ صَاحِبِهَا وَانْقِرَاضِ وَرَثَتِهِ أَوْ الْجَهْلِ بِهِمْ فِي الْغَالِبِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَارَ ذَلِكَ مَجْهُولًا لَا تُعْرَفُ جِهَاتُهُ وَلَا أَرْبَابُهُ فَيَرْجِعُ إذْ ذَاكَ إلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ مُرْصَدٌ فِيهِ لِمَصَالِحِهِمْ وَمِنْ أَهَمِّهَا إقَامَةُ وَظِيفَةِ إلْقَاءِ الْعِلْمِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ وَتَحْصِيلِهِ ، فَقَدْ افْتَرَقَا فَلَا حُجَّةَ لِمَنْ احْتَجَّ بِهَذَا عَلَى جَوَاز التَّصَرُّفِ فِي الْحَرَامِ الْبَيِّنِ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ صَارَ فِي الذِّمَّةِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُعَيَّنًا ، فَهُوَ مُسْتَحَقٌّ لِصَاحِبِهِ وَالْغَاصِبُ لَهُ مَأْمُورٌ فِي كُلِّ زَمَنٍ بِرَدِّهِ لِمُسْتَحِقِّهِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ ذِمَّةَ هَذَا الْغَاصِبِ مُسْتَغْرَقَةٌ لِكَثْرَةِ غَصْبِهِ وَكَثْرَةِ الْحُقُوقِ الْمُرَتَّبَةِ فِيهَا ، فَصَارَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَإِنْ كَثُرَتْ مُسْتَحَقَّةٌ لِأَرْبَابِهَا ، وَتَبْقَى الْفَضَلَاتُ الْكَثِيرَةُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ مَا فِي يَدِهِ فِي الْغَالِبِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى تِلْكَ الْمَوَاضِعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا عُذْرَ لِمَنْ يَقُولُ : إنَّ الضَّرُورَاتِ أَلْجَأَتْ إلَى أَخْذِ هَذِهِ الْجِهَاتِ وَالْمَوَاضِعِ لِكَثْرَةِ الْعَائِلَةِ وَالْمَلَازِمِ .
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مَأْخُوذٌ مِمَّا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ وَصَرَّحَ بِهِ .
قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً } ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَلِكَ فِي مَعْرَضِ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى
مَنْ عَدَا الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَإِنَّهُمْ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ .
وَمَعَ كَثْرَةِ عَائِلَتِهِمْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْإِقَامَةِ بِأَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ ، فَكُلٌّ فِي ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى مَا أُرِيدَ مِنْهُ .
وَقَدْ كَانَ عَيْشُهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ وَاشْتُهِرَ مِنْ شَظَفِ الْعَيْشِ وَخَشِنِ الْمَلْبَسِ وَقِلَّةِ الْجِدَّة ، تَكْرِيمًا لَهُمْ وَتَرْفِيعًا لِمَنَازِلِهِمْ السَّنِيَّةِ .
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُحِبُّونَ الْفَقْرَ وَيَعْمَلُونَ عَلَيْهِ وَيَهْرُبُونَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا ، لَا جَرَمَ أَنَّا لَمَّا أَخَذْنَا فِي الضِّدِّ مِنْ أَحْوَالِهِمْ جَاءَ الْخَوْفُ مِنْ الْفَقْرِ وَالِاعْتِلَالِ بِالْعَائِلَةِ ، فَلَا حُجَّةَ لِمَنْ احْتَجَّ بِالضَّرُورَاتِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَوَابِ بِذِكْرِ أَحْوَالِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وَأَحْوَالِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : مَا أَتَى عَلَى مَنْ أَتَى فِي هَذَا الزَّمَانِ إلَّا مِنْ الضَّرُورَاتِ الْمُعْتَادَاتِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ ، فَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : هَذِهِ الضَّرُورَاتُ تُقْطَعُ مِنْ أَصْلِهَا ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهَا .
مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْفَقِيهُ : لَا بُدَّ مِنْ فَوْقَانِيَّةٍ عَلَى صِفَةٍ ، لَا بُدَّ مِنْ عِمَامَةٍ عَلَى صِفَةٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ كُتُبٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ دَابَّةٍ ، فَإِذَا جَاءَتْ الدَّابَّةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ غُلَامٍ وَكُلْفَةٍ فِي الْغَالِبِ ، وَلَا بُدَّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَغْلَةٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَتَّخِذُ لِغُلَامِهِ بَغْلَةً أَيْضًا ، وَقَدْ يَحْتَاجُ الْغُلَامُ إلَى زَوْجَةٍ ، فَلَا يَزَالُ هَكَذَا فِي ضَرُورَاتٍ حَتَّى يَرْجِعَ فِي الدُّنْيَا مُتَّسِعَ الْحَالِ وَهُوَ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّهُ مَضْرُورٌ ، حَتَّى لَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ فِي الْوَقْتِ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا الْمُتَّسِعَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقُول :
أَسْتَحِقُّ أَخْذَ الزَّكَاةِ نَظَرًا مِنْهُ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ الْمَسْكَنِ عَلَى صِفَةٍ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ وَالْأَوَانِي وَالْجَوَارِي وَالْخَدَمِ وَالْغِلْمَانِ ، فَتَأْتِي الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ ، وَهُوَ مَهْمُومٌ تَجِدُهُ يَشْكُو مِنْ كَثْرَةِ الضَّرُورَاتِ الَّتِي يَدَّعِيهَا ، فَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : هَذِهِ الضَّرُورَاتُ تُقْطَعُ مِنْ أَصْلِهَا فَلَا ضَرُورَةَ إلَّا شَرْعِيَّةٌ ، وَالضَّرُورَاتُ الشَّرْعِيَّةُ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا فِي الْغَالِبِ إلَى كُلْفَةٍ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَهُمْ إنَّمَا حَدَثَتْ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ ، وَالْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يَتَّبِعُ الشَّرْعَ وَيَحُثُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ الْقُدْوَةُ ، وَعَلَى أَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ يَدُورُ أَمْرُ النَّاسِ فِي اقْتِدَائِهِمْ بِهِ فِي ذَلِكَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ آكَدُ الْأُمُورِ وَأَهَمُّهَا عِنْدَهُ الْقَنَاعَةَ ؛ لِأَنَّ بِهَا يَسْتَعِينُ عَلَى مَا أَخَذَ بِصَدَدِهِ ، فَإِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ مَنْصِبٌ مِنْ حِلٍّ وَكَانَ لَهُ غُنْيَةٌ عَنْهُ ، فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى أَخْذِهِ ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَخْذِهِ وَالتَّصَدُّقِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِنْ الرِّفْقِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ طَلَبِ الدُّنْيَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَخْذِهَا وَالتَّصَدُّقِ بِهَا .
وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ كَانَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : لَا شَيْءَ أَفْضَلُ مِنْ رَفْضِ الدُّنْيَا .
، وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ ثَوْرٍ قُلْت لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيدٍ رَجُلَانِ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الدُّنْيَا بِحَلَالِهَا فَأَصَابَهَا فَوَصَلَ بِهَا رَحِمَهُ وَقَدَّمَ فِيهَا لِنَفْسِهِ وَرَجُلٌ رَفَضَ الدُّنْيَا قَالَ : أَحَبُّهُمَا إلَيَّ الَّذِي رَفَضَ الدُّنْيَا ، قَالَ : فَأَعَدْت عَلَيْهِ الْقَوْلَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ مَا اعْتَدَلَ الرَّجُلَانِ أَحَبُّهُمَا إلَيَّ الَّذِي جَانَبَ الدُّنْيَا انْتَهَى .
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ وَيُبَيِّنُهُ مَا خَرَّجَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا : بَلَى قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى .
الْعَالِمُ أَوْلَى مَنْ يُبَادِرُ إلَى أَعْلَى الْأُمُورِ وَأَسْنَاهَا ؛ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَجَلِّهَا ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ عِوَضًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِالنِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فَنَعَمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا جَرَى لِلشَّيْخِ الْجَلِيلِ أَبِي إِسْحَاقَ التِّنِّيسِيِّ فِي شَرْبَةِ لَبَنٍ ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَا هُنَا ، بَلْ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْمَنْصِبُ ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ لَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ وَيَتْرُكَهُ إقَامَةً لِحُرْمَةِ الْعِلْمِ ، وَلِكَيْ يَتَّصِفَ بِصِفَاتِ أَهْلِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ ضَرُورَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ دُونَ زِيَادَةٍ ، وَيَقْتَصِرَ عَلَيْهَا .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، انْسَدَّتْ بِهِ هَذَا الثُّلْمَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ لَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا ، وَفِي الْأُخْرَى دُونَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَتَجِدُ بَعْضَ الْمُدَرِّسِينَ لَهُ دُنْيَا كَثِيرَةٌ ، وَهُوَ يَدَّعِي الضَّرُورَاتِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَرِهِمْ إلَى الضَّرُورَاتِ الْمُعْتَادَاتِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَأْخُذُ عَلَيْهِ الْمَعْلُومَ إنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى تَعْلِيمِهِ عِوَضًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مَعَ أَنَّ التَّرْكَ أَوْلَى وَأَرْفَعُ .
وَإِذَا أَخَذَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ عَلَى نِيَّةِ الْإِعَانَةِ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ لَا عَلَى الْعِوَضِ وَالْإِجَارَةِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ تَعْلِيمُهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَخْذُهُ الرِّزْقَ لِلَّهِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَصْلٌ فِي مَوَاضِعِ الْجُلُوسِ فِي الدُّرُوسِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَوَاضِعِ الِاجْتِمَاعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَحْسَنَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيَّ وَإِلَيْك الْقَوْلُ فِي الْقِيَامِ لِلدَّاخِلِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَتَفْصِيلِهِ وَمَا يَجُوزُ فِيهِ وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى مَوَاضِعِ الْجُلُوسِ وَتَبْيِينِ مَا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنْ الْعَوَائِدِ ، فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُحَذِّرَ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ الْمُسْتَهْجَنَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ إذْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِمَنْ مَضَى ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَوْلَى بِالتَّوَاضُعِ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ النَّاسِ مُطَالَبِينَ بِذَلِكَ .
وَطَلَبُ مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ لِلْجُلُوسِ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالِازْدِرَاءِ بِمَنْ دُونَهُ غَالِبًا ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَمَّنْ اتَّصَفَ بِالْعِلْمِ سِيَّمَا مَنْ هُوَ جَالِسٌ لِإِلْقَائِهِ أَوْ لِسَمَاعِهِ ، وَالْعِلْمُ يَطْلُبُهُ بِتَرْكِ مَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ طَلَبِ الْحُظُوظِ الْخَسِيسَةِ وَالْأَمَانِي الْفَاسِدَةِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقِيَامِ أَنَّ سِمَةَ الْعَالِمِ إنَّمَا هِيَ بِوُجُودِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَالتَّقَشُّفِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّنَازُلِ لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِضِدِّهِ ، وَطَلَبُ مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ مِنْ بَابِ التَّعْظِيمِ لَا خَفَاءَ بِهِ ، وَالْعُلَمَاءُ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ .
أَلَا تَرَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَنْ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَكَانَ عَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ تُجَاهَهُ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ، وَقَالَ : أَلَا فَيَمِّنُوا أَلَا فَيَمِّنُوا أَلَا فَيَمِّنُوا ، } قَالَ أَنَسٌ : فَهِيَ سُنَّةٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبِالضَّرُورَةِ أَنَّ جِهَةَ الْيَمِينِ أَفْضَلُ .
وَقَدْ كَانَ الْأَعْرَابِيُّ فِي جِهَتِهَا وَالصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْيَسَارِ ، فَلَمْ يَضُرَّ
أَبَا بَكْرٍ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ فَضِيلَتِهِ الَّتِي أَوْلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهَا إذْ أَنَّ الْفَضِيلَةَ إنَّمَا هِيَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ لَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ ؛ فَإِنْ ظَهَرَتْ الْفَضْلَةُ لِلنَّاسِ وَأُمِرُوا بِتَعْظِيمِ صَاحِبِهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، أَلَا تَرَى { أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا أَنْ أَسْتَأْذَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَدِّمَ أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ } .
وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ : لَمَّا أَنْ أَقْرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ بَيْنَ رَجُلٍ وَوَلَدِهِ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِلْوَلَدِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : آثِرْنِي بِهَا يَا بُنَيَّ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ : الْجَنَّةُ هَذِهِ يَا أَبَتِ لَا يُؤْثِرُ بِهَا أَحَدٌ أَحَدًا فَانْظُرْ - رَحِمنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ - كَيْفَ فَعَلَ هَذَا الصَّحَابِيُّ هَذَا الْفِعْلَ مَعَ أَبِيهِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مُتَأَكِّدٌ طَلَبُهُ فِي الشَّرْعِ لَكِنْ عَلَى مَا أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ لَا عَلَى مَا يَخْطِرُ لَنَا أَوْ يَهْجِسُ فِي أَنْفُسِنَا .
أَلَا تَرَى إلَى مَا جَرَى لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّتِهِ مَعَ الْخَلِيفَةِ لَمَّا أَرَادَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ الْمُوَطَّأِ وَجَلَسَ الْخَلِيفَةُ إلَى جَانِبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَمَرَ وَزِيرَهُ جَعْفَرًا أَنْ يُقْرَأَ ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَمْ يُؤْخَذْ إلَّا بِالتَّوَاضُعِ وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَأَنْ تَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ ، فَقَامَ الْخَلِيفَةُ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، هَذَا وَهُوَ خَلِيفَةُ ذَلِكَ الزَّمَانِ مَعَ
أَنَّهُ فِي الْفَضِيلَةِ كَانَ بِحَيْثُ يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ مِنْهَا ، وَلِأَجْلِ مَا عِنْدَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ انْقَادَ إلَى الْأَدَبِ وَالتَّوَاضُعِ ، وَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلَّا رِفْعَةً وَهَيْبَةً ، بَلْ ارْتَفَعَ قَدْرُهُ بِذَلِكَ وَبَقِيَ يُثْنِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ .
وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ إذَا جَمَعَ الْعَالِمُ ثَلَاثًا تَمَّتْ النِّعْمَةُ بِهِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ الصَّبْرُ وَالتَّوَاضُعُ وَحُسْنُ الْخَلْقِ ، وَإِذَا جَمَعَ الْمُتَعَلِّمُ ثَلَاثًا تَمَّتْ النِّعْمَةُ بِهِ عَلَى الْعَالِمِ الْعَقْلُ وَالْأَدَبُ وَحُسْنُ الْفَهْمِ انْتَهَى .
فَمَنْ أَرَادَ الرِّفْعَةَ فَلْيَتَوَاضَعْ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لَا تَقَعُ إلَّا بِقَدْرِ النُّزُولِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا نَزَلَ إلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ صَعِدَ إلَى أَعْلَاهَا ، فَكَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ مَا صَعِدَ بِك هَاهُنَا أَعْنِي فِي رَأْسِ الشَّجَرَةِ وَأَنْتَ قَدْ نَزَلْت تَحْتَ أَصْلِهَا ، فَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِ يَقُولُ : مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَنْ سَبَقَ إلَى مَوْضِعٍ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَكَوْنُهُ يُقِيمُ أَحَدًا مِنْ مَوْضِعِهِ ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْبِدْعَةِ وَارْتِكَابِ النَّهْيِ وَالتَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ { نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا } انْتَهَى .
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ ، وَهُوَ نَصٌّ فِي عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ فَعَلَى هَذَا فَحَيْثُمَا بَلَغَ بِالْإِنْسَانِ الْمَجْلِسُ جَلَسَ فَهِيَ السُّنَّةُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْبِدْعَةِ وَارْتِكَابِ النَّهْيِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَالْفَضِيلَةُ عِنْدَ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّمَا هِيَ بِالِاتِّصَافِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَلَيْسَتْ بِالْمَوَاضِعِ وَلَا بِالْخُلَعِ وَلَا بِوُجُودِ الْمَنَاصِبِ ، وَلَكِنْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي التَّوَاضُعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ ، فَلَوْ جَلَسَ مَنْ لَهُ فَضِيلَةٌ عِنْدَ الْأَقْدَامِ لَصَارَ
مَوْضِعُهُ صَدْرًا وَعَكْسُهُ عَكْسَهُ ، فَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذَا التَّنَافُسِ الْمَذْمُومِ شَرْعًا ، فَإِنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ لِفَاعِلِهِ وَلِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ ، وَهُوَ نَوْعٌ قَبِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي الْقِيَامِ وَاللِّبَاسِ ، بَلْ هَذَا أَشَدُّ قُبْحًا لِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِلنَّهْيِ .
فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ : إنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّرْفِيعِ لِلْعِلْمِ وَالتَّوْقِيرِ لَهُ .
فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَلَا يُتَّبَعُ غَيْرُهُمْ وَلَا يُرْجَعُ إلَّا إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حُظُوظَ النُّفُوسِ وَمُخَالَفَةَ السُّنَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ } فَلَا شَيْءَ أَعْلَى وَلَا أَرْفَعَ مِنْ اتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاتِّبَاعِ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ هَذَا لَزَمَانٌ لَا يُشْبِهُ ذَلِكَ الزَّمَانَ لِتَعْظِيمِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِأَجْلِ عِلْمِهِمْ الْغَزِيرِ وَدِيَانَتِهِمْ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ وَالسُّنَّةَ الشَّرِيفَةَ وَرَدَا جَمِيعًا لِأَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ ، وَلَمْ يَخُصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ قَرْنًا دُونَ قَرْنٍ وَلَا قَوْمًا دُونَ آخَرِينَ ، بَلْ أَتَى بِذَلِكَ عُمُومًا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ : { وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } ، وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَلَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ } انْتَهَى .
أَيْ اعْمَلْ بِهِ فَالْمَنْزِلَةُ الَّتِي يُرَاعَى حَقُّهَا فِي الشَّرْعِ إنَّمَا بِالْعِلْمِ وَالِاتِّصَافِ بِالْعَمَلِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَتَقْدِيمُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا
هُوَ لِتَعْظِيمِ الدُّنْيَا فِي قُلُوبِهِمْ ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ خِلْعَةٌ أَوْ هَيْئَةٌ قَدَّمُوهُ فِي الْمَجَالِسِ ، وَمَنْ كَانَ رَثَّ الْحَالِ أَخَّرُوهُ عَكْسُ حَالِ السَّلَفِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ عَوَائِدِ أَكْثَرِهِمْ ، فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذِكْرِ تَفَاصِيلِ أَحْوَالِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ فِي ذَلِكَ .
الْغَالِبُ مِنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُرَاعُونَ الْإِنْصَافَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ جَائِزًا فِي الشَّرْعِ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا : أَنَّ ذَلِكَ مُجَرَّدُ حَظٍّ مَذْمُومٍ شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ ذَلِكَ ، بَلْ يُوَضِّحَ الْأَمْرَ وَيُنْكِرَهُ وَيَزْجُرَ فَاعِلَهُ وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعْلَهُ وَيُشَنِّعَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ حَسْبَ اسْتِطَاعَتِهِ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِمَّنْ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ لِلْفَتْوَى ، وَهُوَ مَقْصُودٌ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فِي أُمُورِ الدِّينِ ، وَكَانَ لَهُ مَكَانٌ يُعْرَفُ بِهِ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَالضَّرُورَاتُ لَهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهَا ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ قَدْ تَقَدَّمَ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ ذِكْرُ بَعْضِ آدَابِ الْعَالِمِ ، وَفِي ذِكْرِهِ غُنْيَةٌ عَنْ ذِكْرِ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ إذْ أَنَّ الْغَالِبَ فِيمَا ذُكِرَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي ذَلِكَ ، لَكِنْ قَدْ يَخْتَصُّ الْمُتَعَلِّمُ بِبَعْضِ نُبَذٍ يَسِيرَةٍ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعَالِمِ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ فِي التَّعْلِيمِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَأَنْ يُظْهِرَ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ ، وَعَلَى غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، ثُمَّ هُوَ فِي حَقِّ الْمُتَعَلِّمِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مُتَّصِفٌ بِالْجَهْلِ فَيَحْرِصُ عَلَى تَخْلِيصِ نِيَّتِهِ مِنْ الشَّوَائِبِ فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِأَجْلِ أَنْ يَرْتَفِعَ قَدْرُهُ عِنْدَ النَّاسِ ، أَوْ يُعْرَفَ بِالْعِلْمِ ، أَوْ لِمَعْلُومٍ يَأْخُذُهُ بِهِ ، أَوْ لَأَنْ يَرْأَسَ بِهِ عَلَى الْجُهَّالِ ، أَوْ لَأَنْ يُشَارَ إلَيْهِ ، أَوْ لَأَنْ يُسْمَعَ قَوْلُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُظُوظِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا الَّتِي تُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى ، بَلْ يَفْعَلَ ذَلِكَ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُرِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِمَنْ اتَّصَفَ بِبَعْضِ مَا ذُكِرَ : { أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ اذْهَبْ فَخُذْ الْأَجْرَ مِنْ غَيْرِي }
، وَلَا تَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَإِذَا كَانَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ فَيَتَعَيَّنُ تَخْلِيصُهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَبْتَدِئُهُ أَوَّلًا بِالْإِخْلَاصِ الْمَحْضِ ، حَتَّى يَكُونَ الْأَصْلُ طَيِّبًا فَتَأْتِيَ الْفُرُوعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الطَّيِّبِ فَيُرْجَى خَيْرُهُ ، وَتَكْثُرَ بَرَكَتُهُ ، وَالْقَلِيلُ مِنْ الْعِلْمِ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ فِيهِ أَنْفَعُ وَأَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ الْكَثِيرِ مِنْهُ مَعَ تَرْكِ الْمُبَالَاةِ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ وَمِنْ مَرَاقِي الزُّلْفَى لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِوَجْهِ اللَّهِ لَمْ يَزَلْ مُعَانًا ، وَمَنْ طَلَبَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَزَلْ مُهَانًا انْتَهَى هَذَا إذَا كَانَ هُوَ الدَّاخِلُ بِنَفْسِهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ ، فَإِنْ كَانَ وَلِيُّهُ هُوَ الَّذِي يُرْشِدُهُ لِذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُعَلِّمَهُ النِّيَّةَ فِيهِ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُرْشِدَهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ بِسَبَبِ أَنْ يَرْأَسَ بِهِ ، أَوْ يَأْخُذَ مَعْلُومًا عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَإِنَّ هَذَا سُمٌّ قَاتِلٌ يُخْرِجُ الْعِلْمَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ يَقْرَأُ ، وَيَجْتَهِدُ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
فَإِنْ جَاءَ شَيْءٌ مِنْ غَيْبِ اللَّهِ تَعَالَى قَبِلَهُ عَلَى سَبِيلِ أَنَّهُ فُتُوحٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ لَا لِأَجْلِ إجَارَةٍ ، أَوْ مُقَابَلَةٍ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ إذْ أَنَّ أَعْمَالَ الْآخِرَةِ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهَا عِوَضٌ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى رَاوِيَ الْمُوَطَّأِ لَمَّا أَنْ جَاءَ إلَى مَالِكٍ لِيَقْرَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ : اجْتَهِدْ يَا بُنَيَّ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ شَابٌّ فِي سِنِّك فَقَرَأَ عَلَى رَبِيعَةَ ، فَمَا كَانَ إلَّا أَيَّامٌ وَتُوُفِّيَ الشَّابُّ فَحَضَرَ جِنَازَتَهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ ، وَلَحَدَهُ رَبِيعَةُ بِيَدِهِ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فِي النَّوْمِ ، وَهُوَ فِي حَالَةٍ
حَسَنَةٍ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ : غَفَرَ اللَّهُ لِي ، وَقَالَ لِمَلَائِكَتِهِ : هَذَا عَبْدِي فُلَانٌ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَبْلُغَ دَرَجَةَ الْعُلَمَاءِ فَبَلِّغُوهُ دَرَجَتَهُمْ فَأَنَا مَعَهُمْ أَنْتَظِرُ مَا يَنْتَظِرُونَ .
قَالَ فَقُلْت : وَمَا يَنْتَظِرُونَ قَالَ : الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْعُصَاةِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْعَى لِطَلَبِ الْمَعْلُومِ ، وَلَا فِي زِيَادَتِهِ ، وَلَا فِي تَنْزِيلِهِ فِي الْمَدَارِسِ ، وَلَا فِي الْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ يُرْجَى ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ كَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي نِيَّتِهِ ، وَوَقَعَ عَلَيْهِ الذَّمُّ بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَدْرَسَةِ إلَى غَيْرِهَا ، وَلَا مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى غَيْرِهِ إلَّا لِفَائِدَةٍ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ ، إمَّا لَأَنْ يَكُونَ مُدَرِّسُ الْمَدْرَسَةِ الْأُخْرَى أَعْلَمَ ، أَوْ أَفْيَدَ ، أَوْ أَصْلَحَ مِنْ الْأَوَّلِ ، أَوْ لَأَنْ تَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْعِلْمِ ، وَتَثْبُتَ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقَلَّ عِلْمًا مِنْ الْأَوَّلِ لَا لِأَجْلِ مَعْلُومٍ ، فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ غَيْرَ مَا ذُكِرَ كَانَ قَدْحًا فِي نِيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَالْمُبْتَدِي يَحْتَاجُ إلَى تَخْلِيصِ نِيَّتِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُنْتَهِي ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَهِيَ عَارِفٌ بِالدَّسَائِسِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ إنْ حَصَلَ لَهُ التَّوْفِيقُ لَهُ بِخِلَافِ الْمُبْتَدِي
، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَضُرُّهُ أَخْذُ الْمَعْلُومِ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا سَبَقَ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَخْلِيصِ نِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لِبَقَاءِ تَعَلُّقِ خَاطِرِهِ بِالْأَسْبَابِ ، وَيَأْخُذُ الْمَعْلُومَ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَتَرْكُ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ أَوْلَى بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي بَحْرٍ مَخُوفٍ ، وَالْغَالِبُ فِيهِ الْعَطَبُ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ يَقُولُ : { مَنْ عَمِلَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ شَيْئًا يُرِيدُ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ } أَوْ كَمَا قَالَ .
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَعَلُّمُ الْعِلْمِ فَيُخَافُ عَلَيْهِ ، فَتَرْكُهُ أَوْلَى بِهِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى مَسْأَلَةٍ فَلْيَسْأَلْ عَنْهَا أَهْلَ الْعِلْمِ ، وَحِينَئِذٍ يَقْدُمُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا عَلِمْت عِلْمًا فَلْيُرَ عَلَيْك أَثَرُهُ ، وَسَمْتُهُ ، وَسَكِينَتُهُ ، وَوَقَارُهُ ، وَحِلْمُهُ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ } .
وَعَنْ ابْنِ يُونُسَ ، وَذُكِرَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَكُونُوا يَهْذِرُونَ الْكَلَامَ هَكَذَا ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ شَهْرٍ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : مِنْ الْعُلَمَاءِ طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَبَى الْعِلْمُ أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ : أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا جَاهِلًا لَا يَعْرِفُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَلَمَّا أَنْ قَرَأَ الْعِلْمَ وَجَدَ قَوَاعِدَهُ مَاشِيَةً عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٌ ، فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ الْوَاجِبَ لَمْ يَسَعْهُ إلَّا فِعْلُهُ ، وَكَذَلِكَ
الْمُحَرَّمُ عَكْسُهُ ، وَالْمَنْدُوبُ مَا لَهُ فِي فِعْلِهِ ثَوَابٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ ، وَالْمَكْرُوهُ ضِدُّهُ ، وَالْمُبَاحُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ فَالْمُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ فِي فِعْلِهِ ، وَفِي تَرْكِهِ فَاتَّبَعَ الْعِلْمَ ، وَبِاتِّبَاعِهِ صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ أَوَّلًا فَوَجَدَ الْعِلْمَ يَمْنَعُهَا فَتَرَكَهَا .
وَقَدْ نَقَلَ مَعْنَى هَذَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَرَاقِي الزُّلْفَى لَهُ فَقَالَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْعِلْمُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْعَمَلُ لِلَّهِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَطْلُبُ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَرُدُّهُ الْعِلْمُ إلَى اللَّهِ ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ انْتَهَى .
هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ هَذَا إنْسَانٌ غُرَّ فَسَلِمَ ، وَلَا يُمْكِنُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَغُرَّ بِنَفْسِهِ ، وَيَرْجُوَ أَنْ يَسْلَمَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ تَدْعُو الضَّرُورَةُ ، وَهُوَ الْغَالِبُ إلَى طَلَبِ الْمَعْلُومِ ، وَإِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ مَدَارِسَ جَمَّةٍ لِأَجْلِ قِيَامِ الْبِنْيَةِ ، وَضَرُورَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْهُ ، وَقَعَ الْخَلَلُ ، وَرَجَعَتْ أَعْمَالُ الْآخِرَةِ لِمُجَرَّدِ الدُّنْيَا ، وَهُوَ عَطَبٌ عَظِيمٌ إذْ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تُطْلَبُ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو طَالِبُ الْعِلْمِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا فِي دِينِهِ وَاثِقًا بِرَبِّهِ ، أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَاشْتِغَالُهُ بِالْعِلْمِ ، وَإِقْبَالُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَنْ يَدُورَ عَلَى الْمَدَارِسِ ، أَوْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِهِ خُصُوصًا كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } فَجَعَلَ الْمَشْيَ سَبَبًا لِلرِّزْقِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّك إذَا نَظَرْت إلَى تَمَامِ الْآيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى { وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } بَانَ لَك أَنَّ آخِرَ الْآيَةِ
الْكَرِيمَةِ فِيهِ التَّنْبِيهُ لِلْمُتَسَبِّبِينَ عَلَى التَّحَفُّظِ فِي مَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ كُلِّهَا ، إذْ أَنَّ يَوْمَ النُّشُورِ فِيهِ الْحِسَابُ فَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الْوَرَعِ فِي السَّبَبِ خِيفَةً مِنْ الْحِسَابِ وَالْمُنَاقَشَةِ يَوْمَ النُّشُورِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ } انْتَهَى .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا } انْتَهَى .
فَأَرْشَدَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ هَذَا إلَى تَرْكِ الْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ ثِقَةً بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِكِفَايَتِهِ ، فَإِنَّهُ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ الْكَرِيمُ ، فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّغَفُ بِالْأَسْبَابِ فَقَالَ : طَيَرَانُ الطَّائِرِ سَبَبٌ فِي رِزْقِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ طَيَرَانَ الطَّائِرِ فِي الْهَوَاءِ لَا يُمَاثِلُ التَّسَبُّبَ فِي الرِّزْقِ ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ لَيْسَ فِيهِ حَبٌّ يُلْتَقَطُ ، وَلَا جِهَةٌ تُقْصَدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ، وَلَا عَقْلَ لَهُ يُدْرِكُ بِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَيَرَانَهُ فِي الْهَوَاءِ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ الرِّزْقِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ حَرَكَةِ يَدِ الْمُرْتَعِشِ لَا حُكْمَ لَهَا ، فَيَتَرَدَّدُ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى يُؤْتَى بِرِزْقِهِ إلَيْهِ ، أَوْ يُؤْتَى بِهِ إلَى رِزْقِهِ ، وَهَذَا الَّذِي يَتَعَيَّنُ حَمْلُ طَيَرَانِ الطَّائِرِ عَلَيْهِ أَعْنِي فِي أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ فِي الرِّزْقِ ، وَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ مُتَوَكِّلًا مَعَ
طَيَرَانِهِ ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِهِ ، وَالْعَاقِلُ الْمُكَلَّفُ أَوْلَى بِالتَّوَكُّلِ مِنْهُ سِيَّمَا مَنْ دَخَلَ فِي بَابِ الِاشْتِغَالِ بِأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي ، وَهُوَ الْعَاجِزُ عَنْ التَّوَكُّلِ لِعَدَمِ قُوَّةِ الْيَقِينِ عِنْدَهُ فَالْأَسْبَابُ عَلَيْهِ مُتَّسِعَةٌ فَيَتَسَبَّبُ فِي شَيْءٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ أَوْلَى بِهِ ، بَلْ أَوْجَبُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ أَوْسَاخَ النَّاسِ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ ، وَيَكْفِيهِ مَعَ ذَلِكَ الْقَلِيلُ مِنْ الْعِلْمِ ، وَقَدْ يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ فَيَصِيرُ كَثِيرًا .
وَعَلَى هَذَا كَانَ حَالُ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فِي كَوْنِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعْلُومٌ عَلَى سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ الْأَرْزَاقُ عَلَى أَعْمَالِ الْآخِرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَمِنْهُ دَخَلَ الْفَسَادُ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ تَعَاطَى أَسْبَابَ الْآخِرَةِ ، وَمِنْ كِتَابِ سِيَرِ السَّلَفِ لِلْحَافِظِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْبَهَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْدَادُ بِعِلْمِهِ بُغْضًا لِلدُّنْيَا ، وَتَرْكًا لَهَا ، فَالْيَوْمَ يَزْدَادُ الرَّجُلُ بِعِلْمِهِ لِلدُّنْيَا حُبًّا ، وَلَهَا طَلَبًا ، وَكَانَ الرَّجُلُ يُنْفِقُ مَالَهُ عَلَى الْعِلْمِ ، وَالْيَوْمَ يَكْتَسِبُ الرَّجُلُ بِعِلْمِهِ مَالًا ، وَكَانَ يُرَى عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ زِيَادَةُ إصْلَاحٍ فِي بَاطِنِهِ ، وَظَاهِرِهِ ، فَالْيَوْمَ تَرَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَسَادَ الْبَاطِنِ ، وَالظَّاهِرِ انْتَهَى .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ طَالِبَ الْعِلْمِ التَّسَبُّبُ فِي الصَّنَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ سَمْتِهِ ، وَوَقَارِهِ ، وَزِيِّهِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فَرْقٌ فِي الزِّيِّ ، وَلَا الْمَلْبَسِ لِفَقِيهٍ ، وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّ اللَّهَ أَخَذَ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى أَنْ يَكُونُوا فِي مِثْلِ أَدْنَى أَحْوَالِ النَّاسِ لِيَقْتَدِيَ بِهِمْ الْغَنِيُّ ، وَلَا يَزْرِي بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ ، وَعُوتِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي لِبَاسِهِ ، وَكَانَ يَلْبَسُ الْخَشِنَ مِنْ الْكَرَابِيسِ قِيمَةُ قَمِيصِهِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَى خَمْسَةٍ ، وَيَقْطَعُ مَا فَضَلَ عَنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فَقَالَ : هَذَا أَدْنَى إلَى التَّوَاضُعِ ، وَأَجْدَرُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ .
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّنَعُّمِ ، وَقَالَ : { أَلَا إنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ } ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : مَنْ رَقَّ ثَوْبُهُ رَقَّ دِينُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ مِنْ شِرَارِ أُمَّتِي الَّذِينَ غُذُّوا بِالنَّعِيمِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ ، وَيَلْبَسُونَ أَلْوَانَ الثِّيَابِ ، وَيَتَشَدَّقُونَ فِي الْكَلَامِ } انْتَهَى .
أَلَا تَرَى إلَى قِصَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ثَوْبِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ إحْدَى عَشْرَةَ رُقْعَةً إحْدَاهَا مِنْ أَدِيمٍ ، هَذَا وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ لَائِقٍ بِهِمْ ، وَهَذَا زَمَانٌ لَا يَلِيقُ بِهِ مَا ذَكَرْتُمْ فَالْجَوَابُ : أَنَّ الزَّمَانَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ سَوَاءٌ إذْ أَنَّ الْكُلَّ عَمَّهُمْ الْخِطَابُ ، وَتَنَاوَلَتْهُمْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مُتَّصِفًا بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ الْجَلِيلَةِ
=====================ج66666666666666..................
ج66666666666666
كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
شَرْعًا ، أَوْ بِجُلِّهَا ، وَقَدْ مَضَتْ حِكَايَةُ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَوَاضُعِهِ فِي تَصَرُّفِهِ ، وَكَذَلِكَ حِكَايَةُ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ الْمَعْرُوفِ بِالزَّيَّاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَمَا جَرَى لَهُ ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ الصُّلَحَاءِ فِي وَقْتِهِ ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إذَا جَلَسَ إلَى الدَّرْسِ يَجْتَمِعُ لَهُ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ ، أَوْ سِتِّمِائَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَحْضُرُونَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مَجْلِسِهِ قَامَ ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ ، وَأَخْرَجَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ، أَوْ فِي يَدِهِ مِنْ قَمْحٍ يَطْحَنُهُ ، أَوْ عَجِينٍ يَخْبِزُهُ ، أَوْ شِرَاءِ خُضْرَةٍ ، أَوْ حَاجَةٍ مِنْ السُّوقِ ، أَوْ حَصَادٍ لِزَرْعِهِ بِيَدِهِ ، أَوْ غَسْلِ ثِيَابٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَوَائِجِ ، وَلَهُ مِنْ الْهَيْبَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ مِنْ الطَّلَبَةِ ، أَوْ غَيْرِهِمْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ فَالْخَيْرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَاقٍ لِمَنْ أَرَادَهُ ، وَتَحْصِيلُهُ مُمْكِنٌ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ التَّوْفِيقُ فَمَنْ وُفِّقَ ، وَتَرَكَ الْعَوَائِدَ الرَّدِيئَةَ ، وَالطَّبَائِعَ النَّفْسَانِيَّةَ ، فَقَدْ أَرْشَدَ ، وَجَاءَهُ الْعَوْنُ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى طَائِفَةٌ بِالْمَغْرِبِ انْتَهَى .
مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَيُّهُ أَنْفَعُ أَوَّلُهُ ، أَوْ آخِرُهُ } ، أَوْ كَمَا قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلَا يَقْطَعُ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ الْإِيَاسَ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَرَمِهِ ، وَقَدْ رَأَيْت وَبَاشَرْت بَعْضَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِالْمَغْرِبِ يَأْخُذُونَ الْمِسْحَاةَ ، وَيَأْتُونَ إلَى مَوَاقِفِ الْبَنَّائِينَ ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُمْ سَبَبٌ مَشَوْا فِيهِ يَوْمَهُمْ
ذَلِكَ ، وَإِلَّا رَجَعُوا إلَى الدَّرْسِ ، وَالِاشْتِغَالِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَطُولُ ذِكْرُهُ فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنْ يَدْخُلَ الْمُتَعَلِّمُ إلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ بِجِدٍّ ، وَاجْتِهَادٍ ، وَحُسْنِ نِيَّةٍ ، وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إلَى الْعَوَارِضِ ، وَالْأَسْبَابِ ، وَالْعَوَائِدِ الَّتِي اُنْتُحِلَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ يُقْدِمُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَتْرُكُهَا ثِقَةً بِهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا سَبَقَ
، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعَالِمِ أَنَّ مِنْ صِفَاتِهِ التَّوَاضُعَ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا فِي الْعَالِمِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي الْمُتَعَلِّمِ الْمُحْتَاجِ إلَى التَّعْلِيمِ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ تَوَاضُعُهُ أَكْثَرَ حَتَّى لَوْ صَارَ أَرْضًا تُوطَأُ كَانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ يَطْلُبُهُ ؛ وَلِأَنَّ التَّوَاضُعَ يُقْبَلُ بِالْقُلُوبِ عَلَيْهِ ، وَيُنَشِّطُ مَنْ يُعَلِّمُهُ لِتَعْلِيمِهِ ، وَإِرْشَادِهِ ، وَالتَّوَاضُعُ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ ، وَبَرَكَةُ كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا اتَّصَفَ الْمُتَعَلِّمُ بِمَا ذُكِرَ انْتَفَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي الْوَقْتِ مِنْ نَظَرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْمَعْلُومِ ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : كَيْفَ يَأْخُذُ فُلَانٌ كَذَا ، وَكَذَا ، وَأَنَا أَكْثَرُ مِنْهُ بَحْثًا ، وَقَدْ حَفِظْت الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ ، وَالْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ ، وَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ شَنَآنٌ ، وَاتِّصَافٌ بِالْحَسَدِ ، وَمَا شَاكَلَهُ .
وَخَرَجَ ذَلِكَ إلَى بَابِ الْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَوَقَعُوا بِسَبَبِهِ فِي الْوَعِيدِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ عَمِلَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ } إلَخْ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ لَا يَتَّصِفُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ إلَّا أَنْ يَبْنِيَ أَمْرَهُ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ إذْ أَنَّ الْبِنَاءَ إذَا طَلَعَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَسَاسٍ صَحِيحٍ جَيِّدٍ يُعْمَلُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُبْنَى عَلَيْهِ .
وَالْأَسَاسُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُبْتَدِي فِي هَذَا الْفَنِّ اتِّبَاعُ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ ، وَكَانَتْ أَحْوَالُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْهَرَبَ مِنْ الدُّنْيَا ، وَأَسْبَابِهَا ، فَإِنْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا قَالُوا : ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ ضِيقٌ سُرُّوا بِذَلِكَ ، وَفَرِحُوا بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ غَنِيمَتَهُمْ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ
جَعَلَهُمْ اللَّهُ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ ، وَيُرْجَعُ إلَى أَقْوَالِهِمْ ، وَأَحْوَالِهِمْ ، وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا مَعْنَاهُ يَا مُوسَى إذَا رَأَيْت الدُّنْيَا أَقْبَلَتْ فَقُلْ : ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ، وَإِذَا رَأَيْتهَا أَدْبَرَتْ فَقُلْ : أَهْلًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ ، وَقَدْ دَعَا مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَطَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُغْنِيَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا مُوسَى أَمَا تُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَ بِغَدَائِك رَقَبَةً مِنْ النَّارِ ، وَبِعَشَائِك رَقَبَةً مِنْ النَّارِ قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ قَالَ : هُوَ كَذَلِكَ ، أَوْ كَمَا قَالَ فَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَتَغَدَّى عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَيَتَعَشَّى عِنْدَ آخَرَ ، وَكَانَ ذَلِكَ رِفْعَةً فِي حَقِّهِ لِتَعَدِّي النَّفْعِ إلَى عِتْقِ مَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعِتْقِ رَقَبَتِهِ مِنْ النَّارِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَكَابِرُ لَهُمْ أَمْوَالٌ ، وَأَسْبَابٌ فَالْجَوَابُ : أَنَّ اتِّخَاذَهُمْ الْأَمْوَالَ ، وَالْعَمَلَ عَلَى الْأَسْبَابِ لَا يُمْنَعُ إذَا دَخَلَ فِيهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي عَدَمِ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِهَا ، إذْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِيهَا سَوَاءٌ أَقْبَلَتْ ، أَوْ أَدْبَرَتْ ، فَإِنْ أَقْبَلَتْ قَابَلُوهَا بِالْإِيثَارِ ، وَالْبَذْلِ لِلَّهِ ، وَإِنْ أَدْبَرَتْ قَابَلُوهَا بِالصَّبْرِ ، وَالرِّضَا ، وَالتَّسْلِيمِ لِمَنْ الْأَمْرُ بِيَدِهِ ، وَهِمَّتُهُمْ ، وَبُغْيَتُهُمْ إنَّمَا كَانَ تَحْصِيلَ زَادِهِمْ لِمَعَادِهِمْ فِي الْفَقْرِ ، وَالْغِنَى ، وَالْحَرَكَةِ ، وَالسُّكُونِ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : هَذِهِ الْحَالَةُ اُخْتُصَّ بِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ عَجَزَ غَيْرُهُمْ عَنْهَا انْتَهَى .
يَعْنِي فِي الْغَالِبِ فَقَلَّ أَنْ تَجِدَ مَنْ اشْتَغَلَ بِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ إلَّا أَضَرَّ بِالْآخَرِ ، يَعْنِي مَنْ اشْتَغَلَ بِالدُّنْيَا
أَضَرَّ بِالْآخِرَةِ ، وَمَنْ اشْتَغَلَ بِالْآخِرَةِ أَضَرَّ بِالدُّنْيَا ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَجَمْعُك بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ عَجِيبٌ فَإِذَا اتَّصَفَ الطَّالِبُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ التَّفَاوُتُ لِمَنْ زِيدَ لَهُمْ فِي الْمَعْلُومِ ، أَوْ نُقِصَ ، وَكَذَلِكَ يَتَسَاوَى عِنْدَهُ مَوَاضِعُ الْجُلُوسِ فِي الِارْتِفَاعِ ، وَالِانْخِفَاضِ ، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فَحَيْثُ أَجْلَسَهُ اللَّهُ جَلَسَ ، وَمَا سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ رَضِيَهُ ، وَشَكَرَهُ ، وَمَا مَنَعَهُ مِنْهُ حَمِدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَرَآهُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَطَاءً ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ حَالِهِ انْتَفَتْ عَنْهُ الشَّوَائِبُ الْمَذْمُومَةُ ، وَبَقِيَ الْعِلْمُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِذَا صَارَ الْعِلْمُ كَذَلِكَ ، وَصَحِبَهُ الْعَمَلُ بِهِ جَاءَ مِيرَاثُهُ الْعَاجِلُ ، وَهُوَ الْخَشْيَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ، وَإِذَا حَصَلَتْ الْخَشْيَةُ قَوِيَ الرَّجَاءُ فِي الْقَوْلِ ، وَأَنَّهُ مَاشٍ عَلَى مِنْهَاجِ السَّلَامَةِ ، وَالْغَنِيمَةِ فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ ، وَعَكْسُ هَذَا الْحَالِ فِي النَّقِيضِ ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَنْسِجْ عَلَى مِنْوَالِ مَنْ مَضَى ، فَالْخَيْرُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ ، وَبِأَحْوَالِهِمْ فِي الْقَلِيلِ ، وَالْكَثِيرِ ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِمَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ بِمُحَمَّدٍ ، وَآلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِمْ ، وَسَلَّمَ .
وَأَصْلُ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ فِي تَعْلِيمِهِ ، وَهُوَ آكَدُ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ } فَإِذَا اتَّصَفَ الْمُتَعَلِّمُ بِالتَّقْوَى كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُعَلِّمَهُ ، وَهَادِيَهُ ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَلِّمَهُ ، وَهَادِيَهُ ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ
الْعَزِيزِ { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } ، وَهَذَا لَفْظٌ عَامٌّ فَقَدْ يَحْصُلُ لِلْمُتَعَلِّمِ نَفَائِسُ مِنْ الْمَسَائِلِ لَا تُؤْخَذُ بِالدَّرْسِ ، وَلَا بِالشُّيُوخِ لِأَجْلِ مَا حَصَلَ مِنْ قَوْلِهِ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ ، وَآكَدُ مَا عَلَيْهِ فِي التَّقْوَى اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ } ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَلَا تَقْرَبُوا } فَإِذَا اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعَمَلِ
وَمِنْ آكَدِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ تَخْلِيصُ ذِمَّتِهِ مِنْ إخْوَانِهِ ، وَجُلَسَائِهِ ، وَمَعَارِفِهِ ، وَغَيْرِهِمْ إذْ تَخْلِيصُ الذِّمَّةِ هُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ فَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْخَطِرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ عَمَّتْ بِهِمَا الْبَلْوَى لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِمَا عَلَى الْأَلْسُنِ ، وَهُمَا الْغِيبَةُ ، وَالنَّمِيمَةُ فَالنَّمِيمَةُ : أَنْ تَنْقُلَ حَدِيثَ قَوْمٍ إلَى آخَرِينَ ، وَالْغِيبَةُ : أَنْ تَقُولَ فِي غَيْبَةِ الشَّخْصِ مَا يَكْرَهُهُ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا ، وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ بَاطِلًا فَهُوَ الْبُهْتَانُ بِعَيْنِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ { أَيُّ بَلَدٍ هَذَا إلَى أَنْ قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ ، وَأَمْوَالَكُمْ ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ ، وَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ إلَى أَنْ قَالَ : أَلَا هَلْ بَلَّغْت أَلَا هَلْ بَلَّغْت مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا } فَأَكَّدَ الْأَمْرَ فِي الثَّلَاثِ كَمَا تَرَى ، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ مُنْقَسِمُونَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ لَا خَامِسَ لَهَا : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : السَّالِمُ مِنْ الْجَمِيعِ { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ } { ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
الْقِسْمُ الثَّانِي : عَكْسُ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ مَنْ كَانَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ ، وَالْجِدَّةُ ، وَوَاقَعَ الْجَمِيعَ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَنْ عَجَزَ عَنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَكَانَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ ، وَالْوَقِيعَةِ فِي الْأَعْرَاضِ ، وَوَاقَعَهُمَا مَعًا ، فَقَدْ لَحِقَهُ الْإِثْمُ فِي فِعْلِهِ ، وَالْتَحَقَ بِالْأَوَّلِ بِنِيَّتِهِ إذْ لَوْلَا عَجْزُهُ عَنْهُ لَفَعَلَهُ .
الْقِسْمُ الرَّابِعُ : مَنْ عَجَزَ عَنْ الدِّمَاءِ ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ ، وَوَقَعَ فِي الْأَعْرَاضِ لِقُدْرَتِهِ
عَلَيْهَا فَيَكُونُ آثِمًا فِي الثَّالِثِ لِفِعْلِهِ لَهُ مُلْحَقًا بِأَصْحَابِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ بِنِيَّتِهِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ ، وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ } انْتَهَى .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ عِنْوَانُ الصِّدْقِ فِيمَنْ ادَّعَى الْوَرَعَ عَنْ الدِّمَاءِ ، وَالْأَمْوَالِ اسْتِعْفَافَهُ عَنْ الْأَعْرَاضِ ، فَإِنْ اسْتَعَفَّ عَنْهَا كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ فِي تَرْكِ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، وَإِنْ تَعَاطَى الثَّالِثَ ، أَوْ بَعْضَهُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى كَذِبِهِ فِي الْأَوَّلِ ، وَالثَّانِي فَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمَا أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ غِيبَةَ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسْبِ حَالِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ غِيبَةُ الصَّالِحِينَ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا أَنْ يُذْكَرَ شَخْصٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُونَ : اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ يَقَعُونَ بِسَبَبِ غَيْرَتِهِمْ فِي الدِّينِ يَقُولُونَ : فُلَانٌ فَعَلَ كَذَا ، وَكَذَا عَلَى سَبِيلِ الْغَيْرَةِ مِنْهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ شَفَقَتُهُمْ ، وَرَحْمَتُهُمْ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَيَقُولُونَ : مِسْكِينٌ فُلَانٌ ، وَاقَعَ كَذَا ، وَكَذَا مِمَّا يَكْرَهُ ذِكْرَهُ الْمَقُولُ فِيهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، وَعُلِمَ فَيَحْتَاجُ الْعَالِمُ ، وَالْمُتَعَلِّمُ أَنْ يَكُونَا مُتَيَقِّظَيْنِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ ، وَمَا شَاكَلَهَا ، وَيَتَحَفَّظَانِ مِنْهَا إذْ أَنَّ بِتَحَفُّظِهِمَا يَتَحَفَّظُ كُلُّ مَنْ رَآهُمَا أَوْ عَلِمَ حَالَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا قُدْوَةٌ لِلْمُهْتَدِينَ
فَصْلٌ فِي أَوْرَادِ طَالِبِ الْعِلْمِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ وِرْدٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا إذْ أَنَّهَا سَبَبُ الْإِعَانَةِ عَلَى مَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَاسْتَعِينُوا بِالْغُدْوَةِ ، وَالرَّوْحَةِ ، وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ } انْتَهَى .
) ، وَمَا يُسْتَعَانُ بِهِ لَا يُتْرَكُ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِيَّاكَ لِحِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَاسْتَعِينُوا بِالْغُدْوَةِ ، وَالرَّوْحَةِ ، وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ } فَعَمَّ الطَّرَفَيْنِ ، وَجَعَلَ مِنْ الثَّالِثِ جُزْءًا ، وَالْغُدْوَةُ هُوَ مَا كَانَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ ، وَالرَّوْحَةُ مَا كَانَ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ ، وَالْمُكَلَّفُ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَشْتَغِلَ فِي غُدْوَتِهِ ، أَوْ فِي رَوْحَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ فَهِيَ الِاسْتِعَانَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِقِصَّةِ { مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا أَنْ بَعَثَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ الدِّينَ فَافْتَرَقَا لِذَلِكَ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ : أَقْرَأُهُ قَائِمًا ، وَقَاعِدًا ، وَمُضْطَجِعًا ، وَأَفُوقُهُ تَفْوِيقًا ، وَلَا أَنَامُ ، وَقَالَ مُعَاذٌ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ ، وَأَنَامُ ، وَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي فَلَمْ ، يُسَلِّمْ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ حَتَّى أَتَيَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ أَفْقَهُ مِنْك يَعْنِي مُعَاذًا الَّذِي كَانَ يَحْتَسِبُ نَوْمَهُ كَقِيَامِهِ } لَكِنَّ هَذَا بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَاشِيًا عَلَى مِنْهَاجِهِمْ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ
، وَلِأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ ، وَحُسْنِ نِيَّاتِهِمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا مِنْ حَسَنَةٍ إلَّا ، وَلَهَا أُخَيَّاتٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا فَذَلِكَ عَوْنٌ لَهُ عَلَى الطَّاعَةِ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَأَنْ أَمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رِجْلِي أَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي ، وَقَدْ كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ انْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى يَصْفُوَ بِهَا قَلْبُهُ ، وَيَنْشَرِحَ صَدْرُهُ ، فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ فِي تَعَلُّمِ الْعِلْمِ ، وَذَلِكَ لِطُولِ أَعْمَارِهِمْ ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَدْرَكْت النَّاسَ ، وَهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ إلَى أَنْ يَصِلَ أَحَدُهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَيَنْقَطِعَ لِلْعِبَادَةِ ، وَيَطْوِيَ الْفِرَاشَ انْتَهَى .
وَمَعْنَى طَيِّ الْفِرَاشِ مِثْلُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَفْعَلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ { ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْوِي فِرَاشَهُ ، وَيَشُدُّ مِئْزَرَهُ ، وَيُوقِظُ أَهْلَهُ ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ } ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ فِي أَوَّلِ طَلَبِهِ الْعِلْمَ أَنْ يَمْزُجَهُ بِالتَّعَبُّدِ ، إذْ أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ عُمُرٌ طَوِيلٌ فِي الْغَالِبِ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى يَتْرُكَ لَهُ بُرْهَةً مِنْهُ فَيُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ ، وَهُوَ فِي السَّبَبِ قَبْلَ وُصُولِهِ لِلْمَقْصُودِ ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعَلَّمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَتَعَلَّمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَعْمَلُوا ؛ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ كَالشَّجَرَةِ ، وَالتَّعَبُّدَ كَالثَّمَرَةِ ، فَإِذَا كَانَتْ الشَّجَرَةُ لَا ثَمَرَ لَهَا فَلَيْسَ لَهَا فَائِدَةٌ كُلِّيَّةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ حَسَنَةَ الْمَنْظَرِ نَاعِمَةً ، وَقَدْ يُنْتَفَعُ بِهَا لِلظِّلِّ وَغَيْرِهِ ، وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ قَدْ عُدِمَ
مِنْهَا ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَكَلَّمُوا بِالْحَقِّ تُعْرَفُوا بِهِ ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ انْتَهَى .
وَلْيُحْذَرْ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِنْ الْعَمَلِ مَا عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ ، أَوْ يُخِلَّ بِاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ ، إذْ أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا بَابٌ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ إذَا عَجَزَ عَنْ تَرْكِهِمْ لَهُ فَيَأْمُرُهُمْ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَادِ حَتَّى يَنْقُصَ اشْتِغَالُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْعُدَّةُ الَّتِي يَتَلَقَّى بِهَا ، وَيُحَذِّرُ مِنْهُ بِهَا فَإِذَا عَجَزَ عَنْ التَّرْكِ رَجَعَ إلَى بَابِ النَّقْصِ ، وَهُوَ بَابٌ قَدْ يَغْمُضُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ بَابُ خَيْرٍ ، وَعَادَةُ الشَّيْطَانِ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ فَيَلْتَبِسُ الْأَمْرُ عَلَى الطَّالِبِ فَيُخِلُّ بِحَالِهِ ، وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِي عِلْمِهِ مِثْلَ الْمِلْحِ فِي الْعَجِينِ إنْ عُدِمَ مِنْهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ، وَالْقَلِيلُ مِنْهُ يُصْلِحُهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشُدَّ يَدَهُ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ عَلَى فِعْلِ السُّنَنِ ، وَالرَّوَاتِبِ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ قَبْلَهُ ، أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِظْهَارُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَفْعَلُ مَا عَدَا مَوْضِعَيْنِ ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لَا يَفْعَلُهُمَا إلَّا فِي بَيْتِهِ ، وَهُمَا الرُّكُوعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَالرُّكُوعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ .
أَمَّا الْجُمُعَةُ فَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { لَمَّا أَنْ قَامَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْكَعُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ ، فَأَقْعَدَهُ عُمَرُ ، وَقَالَ لَهُ : اجْلِسْ تُشْبِهُ الْجُمُعَةُ بِمَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ مِنْ الظُّهْرِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَلَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ } ، وَلِأَنَّهَا لَوْ صُلِّيَتْ فِي الْمَسْجِدِ لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ لِأَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ صِحَّةَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا
خَلْفَ إمَامٍ مَعْصُومٍ ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَمِنْ بَابِ اللُّطْفِ ، وَالرَّحْمَةِ ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا صِيَامًا ، وَأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَالصِّبْيَانِ يَنْتَظِرُونَ صَاحِبَ الْبَيْتِ حَتَّى يَأْتِيَ فَيَأْكُلُونَ مَعَهُ ، فَلَوْ رَكَعَ فِي الْمَسْجِدِ لَتَشَوَّفُوا إلَى مَجِيئِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كَانَ إذَا سَمِعَ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بُكَاءَ الصَّبِيِّ يُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ } سِيَّمَا فِي حَقِّ الْعَالِمِ ، وَالْمُتَعَلِّمِ ؛ لِأَنَّهُمَا قُدْوَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ تَحْصِيلِ الْفَرَائِضِ ، وَكَذَلِكَ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ السُّنَنَ ، وَعَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ
، وَكَذَلِكَ لَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الضُّحَى لِقَوْلِ عَائِشَةَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَوْ نُشِرْ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتهَا ، وَمَعْنَاهُ لَوْ أُحْيِيَا لِي ، وَقَامَا مِنْ قَبْرَيْهِمَا مَا اشْتَغَلْت بِهِمَا عَنْهَا
، وَكَذَلِكَ يُحَافِظُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَلَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْهُ ، وَهُوَ خَمْسُ تَسْلِيمَاتٍ غَيْرَ الْوِتْرِ ، وَيَقْرَأُ فِيهَا بِمَا خَفَّ مِنْ الْقُرْآنِ يَكُونُ لَهُ فِي تِلْكَ الرَّكَعَاتِ حِزْبٌ مَعْلُومٌ مِنْ حِزْبَيْنِ إلَى ثَلَاثَةٍ ؛ لِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ ، وَإِنْ قَلَّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، فَإِنْ كَانَ الْحِزْبُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَفُوتَ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ فَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ التِّلَاوَةِ يَكْفِيهِ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ ، وَلَا يَنْسَى الْخَتْمَةَ فِي الْغَالِبِ إذَا دَامَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ مَا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي بُيُوتِهِمْ طُولَ السَّنَةِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ الَّذِي يَقُومُونَ بِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ ، لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ فِي النَّاسِ مَنْ لَمْ يَجْمَعْ الْقُرْآنَ كُلَّهُ جُعِلَ لَهُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ يَجْمَعُونَ فِيهِ فِي الْمَسَاجِدِ لِيَسْمَعَ مَنْ لَمْ يَجْمَعْ الْخَتْمَةَ كَلَامَ رَبِّهِ ، فَإِنْ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ ، وَوَجَدَ مَعَهُ الْكَسَلَ ، وَثِقَلَ النَّوْمِ ، فَإِذَا كَانَ الْحِزْبُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ سَهُلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ ، وَأَتَى بِهِ ، وَرَجَعَ إلَى النَّوْمِ إنْ لَمْ يَطْلُعْ عَلَيْهِ الْفَجْرُ ، وَعَلَى هَذَا دَرَجَ مَنْ مَضَى أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ فَاتَهُ وِرْدُهُ مِنْ اللَّيْلِ : إنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَقَدْ كَانُوا يُغْلِسُونَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا هُوَ فِي الْحَدِيثِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ ، وَذَلِكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى خِفَّةِ الْوَرْدِ ، وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْجِدِّ ، وَالِاجْتِهَادِ ، وَأَمَّا مَعَ النَّشَاطِ ، وَقُوَّةِ الْعَزْمِ فَيَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ ، وَمَا وَجَدَ إلَيْهِ السَّبِيلَ فَإِنْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ فِي التِّلَاوَةِ فَلْيَمْضِ فِيهَا ، وَلَا يَقْتَصِرْ عَلَى حِزْبِهِ
الْمُعْتَادِ ، وَلَوْ خَتَمَ الْخَتْمَةَ ، وَابْتَدَأَهَا ثَانِيًا ، وَثَالِثًا ، وَهَكَذَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ مَثَلًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِحِزْبٍ فَالْمَشْرُوعُ فِي الثَّانِيَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا بِمِثْلِ الْأُولَى ، أَوْ أَقَلَّ ، فَلَوْ وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي الثَّانِيَةِ فَلْيَمْضِ لِسَبِيلِهِ مَا دَامَ يَجِدُ ذَلِكَ ، وَلَوْ طَالَ الْأَمْرُ ، فَإِنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فَلْيَرْجِعْ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ إلَى الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لَكِنْ يُكْمِلُ خَمْسَ تَسْلِيمَاتٍ مُخَفَّفَةٍ كَمَا لَوْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ فَإِنَّهُ يُوقِعُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : مَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ إذَا وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي شَيْءٍ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ .
مِثْلَ أَنْ يَجِدَ الْحَلَاوَةَ فِي الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا يَقْطَعُهُ ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْرَادِ ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي الرُّكُوعِ فَلَا يَرْفَعُ ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهَا فِي السُّجُودِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى فَوَاتِ الْفَرَائِضِ فِي الْجَمَاعَةِ فَلْيَقْطَعْ ذَلِكَ لِأَجْلِهَا .
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُغْلِسُونَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْرُ جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُقَرِّبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ لَعَلَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْحَلَاوَةِ فِي الْمُنَاجَاةِ فِي وِرْدِهِ ، أَوْ الدُّعَاءِ ، أَوْ غَيْرِهِمَا ، إلَّا أَنْ يَعْرِضَ الْفَرْضُ فَيَفْعَلَ كَمَا سَبَقَ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ مَرَّ فِي وِرْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فَبَقِيَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُكَرِّرُهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ } ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ رَحِمَهُ
اللَّهُ ، وَنَفَعَنَا بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ فَخَرَجَ خَلْفَهُ بَعْضُ إخْوَانِهِ ، وَهُوَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ رَفَعَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فَوَضَعَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى ، وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ بِيَدِهِ ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ شَاخِصًا إلَى السَّمَاءِ ، فَوَقَفَ الرَّجُلُ خَلْفَهُ يَنْتَظِرُهُ إلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ رَجَعَ أَبُو يَزِيدَ إلَى الْمَسْجِدِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ خَلْفَهُ ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَبُو يَزِيدَ ، وَإِلَى تَرْكِهِ مَا كَانَ فِيهِ ، وَإِتْيَانِهِ إلَى الْفَرْضِ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ كَانَ الْقُرْآنُ يَنْفَلِتُ مِنْهُ لِقِلَّةِ حِفْظِهِ : فَلْيَقُمْ بِهِ فِي اللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُثَبِّتُهُ لَهُ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِبَرَكَةِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي الثُّلُثِ الْآخِرِ مِنْهُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَرَكَاتِ ، وَالْخَيْرَاتِ .
أَلَا تَرَى إلَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الْآخِرِ مِنْ اللَّيْلِ فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ } إلَخْ ، وَمَعْنَى النُّزُولِ هَاهُنَا نُزُولُ طَوْلٍ وَمَنٍّ ، وَتَفَضُّلٍ ، وَكَرَمٍ عَلَى عِبَادِهِ ، لَا نُزُولُ انْتِقَالٍ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، وَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ الْفَوَائِدِ جُمْلَةٌ ، فَلَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَفُوتَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَمِنْهَا : أَنْ يَحُطَّ الذُّنُوبَ كَمَا يَحُطُّ الرِّيحُ الْعَاصِفُ الْوَرَقَ الْيَابِسَ مِنْ الشَّجَرَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يُنَوِّرُ الْقَلْبَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُحَسِّنُ الْوَجْهَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ يُذْهِبُ الْكَسَلَ ، وَيُنَشِّطُ الْبَدَنَ .
الْخَامِسُ : أَنَّ مَوْضِعَهُ تَرَاهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ السَّمَاءِ كَمَا يَتَرَاءَى الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ لَنَا فِي السَّمَاءِ .
وَقَدْ رَوَى
التِّرْمِذِيُّ عَنْ بِلَالٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ قَالَا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ ، وَقُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَدِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْمُقَنْطِرِينَ } ، وَلَعَلَّك تَقُولُ : إنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ إنْ فَعَلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ تَعَطَّلَتْ عَلَيْهِ وَظَائِفُهُ مِنْ الدَّرْسِ ، وَالْمُطَالَعَةِ ، وَالْبَحْثِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ نَفْحَةً مِنْ هَذِهِ النَّفَحَاتِ تَعُودُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ بِالْبَرَكَاتِ ، وَالْأَنْوَارِ ، وَالتُّحَفِ مَا قَدْ يَعْجِزُ الْوَاصِفُ عَنْ وَصْفِهِ ، وَبِبَرَكَةِ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ أَضْعَافُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ ، مَعَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ عَزِيزٌ قَلَّ أَنْ يَقَعَ إلَّا لِلْمُعْتَنِي بِهِ ، وَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ إنَّمَا هُمَا وَسِيلَتَانِ لِمِثْلِ هَذِهِ النَّفَحَاتِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللَّهِ } انْتَهَى .
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِيمَا حَكَاهُ الْبَاجِيُّ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ عَادَةَ السَّلَفِ مَضَتْ عَلَى فِعْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ طُولَ السَّنَةِ فِي الْبُيُوتِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَلَا فِي الْمَوَاضِعِ الْمَشْهُورَةِ إلَّا فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَفِعْلُ الْقِيَامِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ بِدْعَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَأْتِي إلَّا بِشَرٍّ ، وَالْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الِاتِّبَاعِ ، وَقَدْ نَصَّ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ ذَلِكَ يُمْنَعُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ إنْ فُعِلَ فِي
غَيْرِ الْبُيُوتِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ قِيَامَ السُّنَّةِ فِي الْبُيُوتِ فِيمَا عَدَا رَمَضَانَ مُخَالِفٌ لِقِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كَوْنِهِ يُفْعَلُ بَعْدَ النَّوْمِ فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ يُفْعَلُ قَبْلَهُ ، وَيَكْفِي .
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ قَبْلَ النَّوْمِ ، وَبَعْدَهُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ فِعْلَهُ بَعْدَ النَّوْمِ أَكْثَرُ ، وَلَا يَجْمَعُونَ لَهُ ، وَلَا يُشْهِرُونَهُ بِخِلَافِ قِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهُ لَا يُفْعَلُ إلَّا قَبْلَ النَّوْمِ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ يَعْنِي مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، وَقَامَ آخِرَهُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ قَامَ أَوَّلَهُ فَقَطْ ، وَأَمَّا قِيَامُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَذَلِكَ أَفْضَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا فَرَغُوا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَسْتَعْجِلُونَ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ أَفْضَلُ مِمَّنْ قَامَ بَعْضَهُ ؛ لِأَنَّهُ حَازَ فَضْلَ اللَّيْلِ كُلِّهِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : إمَّا أَنْ يَقُومَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ، وَلَا شَكَّ فِي فَضِيلَتِهِ ، أَوْ يَقُومَ أَوَّلَهُ ، وَآخِرَهُ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ ، أَوْ يَقُومَ آخِرَهُ دُونَ أَوَّلِهِ ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ ، وَإِمَّا أَنْ يَقُومَ أَوَّلَهُ دُونَ آخِرِهِ ، وَهُوَ الْمَفْضُولُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى وِرْدِ الصَّوْمِ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَلَّلَ بِأَنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْهُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ ، إذْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ لَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ مَشَقَّةٍ فِي الْغَالِبِ سِيَّمَا عَلَى مَا كَانَ يَصُومُهَا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُفْطِرُ تِسْعَةَ أَيَّامٍ ، وَيَصُومُ عَاشِرَهَا ، وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ فَإِنْ وَجَدَ النَّشَاطَ ، وَالْقُوَّةَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بَادَرَ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ وُقُوعِ الْخَلَلِ فِيمَا هُوَ بِسَبِيلِهِ ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ مَعَ طَلَبِ الْعِلْمِ فَيَنْبَغِي لِهَذَا أَنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْعِلْمِ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ ، وَيَصُومَهَا ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ الْعُظْمَى لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ } فَيَكُونُ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ، ثُمَّ كَذَلِكَ يَكُونُ حَالُهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ لَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ اشْتِغَالَهُ بِالدَّرْسِ ، وَالْمُطَالَعَةِ ، وَالتَّفَهُّمِ ، وَالْبَحْثِ مَعَ الْإِخْوَانِ الَّذِينَ يُرْتَجَى النَّفْعُ بِهِمْ ، وَلِقَاءِ مَشَايِخِ الْعِلْمِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ سَبَبًا لِلْفَتْحِ ، وَالْخَيْرِ ، وَيُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ
فَصْلٌ فِي زِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ زِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ يُحْيِي اللَّهُ الْقُلُوبَ الْمَيِّتَةَ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ ، فَتَنْشَرِحُ بِهِمْ الصُّدُورُ الصُّلْبَةُ ، وَتَهُونُ بِرُؤْيَتِهِمْ الْأُمُورُ الصَّعْبَةُ إذْ هُمْ وُقُوفٌ عَلَى بَابِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ فَلَا يُرَدُّ قَاصِدُهُمْ ، وَلَا يَخِيبُ مُجَالِسُهُمْ ، وَلَا مَعَارِفُهُمْ ، وَلَا مُحِبُّهُمْ إذْ هُمْ بَابُ اللَّهِ الْمَفْتُوحُ لِعِبَادِهِ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَتَتَعَيَّنُ الْمُبَادَرَةُ إلَى رُؤْيَتِهِمْ ، وَاغْتِنَامِ بَرَكَتِهِمْ ؛ وَلِأَنَّهُ بِرُؤْيَةِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْفَهْمِ ، وَالْحِفْظِ ، وَغَيْرِهِمَا مَا قَدْ يَعْجِزُ الْوَاصِفُ عَنْ وَصْفِهِ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى تَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ اتَّصَفَ بِمَا ذُكِرَ لَهُ الْبَرَكَةُ الْعَظِيمَةُ فِي عِلْمِهِ ، وَفِي حَالِهِ ، فَلَا يُخَلِّي نَفْسَهُ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُحَافِظًا عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ
فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَزُورَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَمِمَّنْ لَا خَطَرَ لَهُ فِي الدِّينِ إلَّا بِالتَّمْوِيهِ ، وَبَعْضِ الْإِشَارَاتِ ، وَالْعِبَارَاتِ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَلَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْ يَضْطَرُّ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُدَّعِينَ بَلْ قَدْ تَجِدُ بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ يَقْعُدُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ مَنْ يَدَّعِي الْفَقْرَ وَالْوِلَايَةَ ، وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ ، وَقَدْ تَذْهَبُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ ، وَيَعْتَذِرُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُحَزِّبُ عَلَى نَفْسِهِ .
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْفُقَرَاءِ الصُّلَحَاءِ رَحَلَ إلَى زِيَارَةِ شَخْصٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، أَوْ أَرْبَعَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَ بِهِ ، وَهُوَ عُرْيَانٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ بَعْضُ قُضَاةِ الْبَلَدِ ، وَرُؤَسَائِهَا ، وَهَذَا أَمْرٌ شَنِيعٌ فِي الدِّينِ ، وَقِلَّةُ حَيَاءٍ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ ، وَارْتِكَابِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ ، وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ إذْ أَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مُحَرَّمٌ ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلَيْهَا ، وَإِخْرَاجُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا فَيَرْتَكِبُونَ مُحَرَّمَاتٍ جَمَّةً ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ مَا ، وَإِلَّا فَالْمَفَاسِدُ الَّتِي تَعْتَوِرَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ، أَوْ تَرْجِعَ إلَى قَانُونٍ مَعْرُوفٍ فِي الْغَالِبِ
فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ عِنْدَهُ أَعْظَمَ مَطْلُوبٍ ، وَيَغَارُ عَلَيْهَا إنْ تَغَيَّرَتْ مَعَالِمُهَا بِأَنْ يُنْسَبَ إلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا فَإِذَا تَعَارَضَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى السُّنَّةِ ، وَزِيَارَةُ مَنْ يُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ هَا ، فَالتَّرْكُ لِزِيَارَتِهِ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَتَحْسِينُ الظَّنِّ بِهِ مُخَالِفٌ مَعَ عَدَمِ الِاجْتِمَاعِ بِهِ ، وَأَمَّا مَعَ الِاجْتِمَاعِ فَقَدْ يَضِيقُ عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ ، وَيَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُخِلَّ بِجَانِبِ السُّنَّةِ ، أَوْ بَعْضِهَا فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِشَخْصٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ ، أَوْ يَتَأَوَّلَ لَهُ ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَكَثُرَتْ الطُّرُقُ ، وَاخْتَلَفَتْ الْأَحْوَالُ ، وَتَشَعَّبَتْ السُّبُلُ .
وَلَوْ قُلْت لِأَحَدِهِمْ مَثَلًا : السُّنَّةُ كَذَا ، وَكَذَا قَابَلَك بِمَا لَا يَلِيقُ فَيَقُولُ : كَانَ شَيْخِي يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا ، وَمَا هَذَا طَرِيقُ شَيْخِي ، وَكَانَ شَيْخِي يَقُولُ : كَذَا ، وَكَذَا ، وَيُصَادِمُ بِذَلِكَ كُلِّهِ السُّنَّةَ الْوَاضِحَةَ ، وَالطَّرِيقَةَ النَّاجِحَةَ ، يَا لَيْتَهُمْ لَوْ وَقَفُوا عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ لَوْ كَانَ سَائِغًا ، بَلْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَخُوفِ ، وَهُوَ مَا بَلَغَنِي مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ ، وَنَقَلَ فِيهَا عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ نَقْلًا تَأْبَاهُ الشَّرِيعَةُ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ : حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ هَذَا فَأَجَابَهُ بِأَنْ قَالَ : حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يُرَادُ لِلتَّبَرُّكِ ، وَالشُّيُوخُ هُمْ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ ، وَهَذَا إنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِمَا قَالَهُ كَانَ كَافِرًا حَلَالَ الدَّمِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهُوَ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ عُظْمَى يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا مَعَ الْأَدَبِ الْمُوجِعِ .
وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُ فِعْلًا قَبِيحًا شَنِيعًا ، وَهُوَ مَا
أَحْدَثُوهُ مِنْ اعْتِقَادِ بَعْضِ النِّسْوَةِ ، وَزِيَارَتِهِنَّ ، وَهُنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ قِلَّةِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ بَلْ عَدَمِ ذَلِكَ فِي أَكْثَرِهِنَّ سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَيْهِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ مِنْ يَتَسَمَّى بِالشَّيْخَةِ مِنْ الذِّكْرِ جَمَاعَةً بِأَصْوَاتِ النِّسْوَةِ ، وَفِي أَصْوَاتِهِنَّ مِنْ الْعَوْرَاتِ مَا لَا يَنْحَصِرُ بِسَبَبِ تَرْخِيمِ أَصْوَاتِهِنَّ ، وَنَدَاوَتِهَا سِيَّمَا ، وَبَعْضُ الشَّيْخَاتِ عَلَى زَعْمِهِنَّ مِنْ شِعَارِهِنَّ إلْبَاسُ الصُّوفِ لِمَنْ تَابَتْ عَلَى يَدِهَا ، وَدَخَلَتْ فِي طَرِيقَتِهَا .
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ لِبَاسِ الصُّوفِ لِلرِّجَالِ فَقَالَ : لَا خَيْرَ فِي الشُّهْرَةِ ، وَمِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ مَا هُوَ فِي مِثْلِ ثَمَنِهِ ، وَأَبْعَدُ مِنْ الشُّهْرَةِ انْتَهَى .
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ فَمَا بَالُك بِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ ، بَلْ لِبَاسُ ذَلِكَ لَهُنَّ مُثْلَةٌ ، وَشُهْرَةٌ ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِنِسَاءِ النَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِنَّ أَعْنِي فِي لِبَاسِهِنَّ الصُّوفَ ، وَالتَّخَلِّي عَنْ الْأَزْوَاجِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ ضِدُّ مُرَادِ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَسَلَامُهُ حَيْثُ يَقُولُ : { جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ } انْتَهَى .
وَمِنْ حُسْنِ التَّبَعُّلِ لُبْسُ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ ، وَالتَّحَلِّي وَالتَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا ، فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ تَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ فَاعِلَ هَذَا مُصَادِمٌ لِلسُّنَّةِ مُخَالِفٌ لَهَا فَيَنْبَغِي زَجْرُهُ وَهَجْرُهُ ، فَكَيْفَ يُعْتَقَدُ ، وَأَنْتَ تَرَى كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ لَهُ رِيَاسَةٌ ، وَمِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ رِيَاسَةٌ يَتَحَدَّثُونَ بِفَضَائِلَ مَنْ هَذَا حَالُهَا ، وَيُثْنُونَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ ، وَيُطَرِّزُونَ بِذِكْرِهَا مَجَالِسَهُمْ ، وَيَزُورُونَهَا فِي بَيْتِهَا ، وَيَسْتَعْمِلُونَ خُطَاهُمْ إلَى زِيَارَتِهَا ، أَوْ تَأْتِي هِيَ إلَيْهِمْ ، وَيُعَظِّمُونَهَا ، وَيُكَرِّمُونَهَا ، وَمَنْ لَا يَلْبَسُ الصُّوفَ مِنْ الشَّيْخَاتِ لَهُنَّ عَوْرَاتٌ أُخَرُ أَكْثَرُ ، وَأَشْنَعُ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا مِمَّا تُنَزَّهُ الْأَلْسُنُ
عَنْ ذِكْرِهَا ، وَالْأَقْلَامُ عَنْ كَتْبِهَا .
وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اطَّلَعْت فِي النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قِيلَ : بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ : يَكْفُرْنَ بِاَللَّهِ ؟ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ ، لَوْ أَحْسَنْت إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْك شَيْئًا قَالَتْ : مَا رَأَيْت مِنْك خَيْرًا قَطُّ } ، وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كَمُلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا أَرْبَعٌ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَعَائِشَةُ } انْتَهَى .
وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ : رَحِمَهُ اللَّهُ احْذَرُوا الِاغْتِرَارَ بِالنِّسَاءِ ، وَإِنْ كُنَّ نِسَاءً صَالِحَاتٍ فَإِنَّهُنَّ يَرْكَنَّ إلَى كُلِّ بَلِيَّةٍ ، وَلَا يَسْتَوْحِشْنَ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ ، وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَنَفَعَنَا بِهِ : لَيْسَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ فِي الْإِسْلَامِ ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا شِعَارُهُ لُزُومُ بَيْتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ : كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِك } انْتَهَى .
فَكَيْفَ تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ يُشْرَعْ لَهَا الْخُرُوجُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ ، وَاعْتِقَادُ الشَّيْخَاتِ يَسْتَدْعِي خُرُوجَ رَبَّاتِ الْخُدُورِ ، وَغَيْرِهِنَّ ، وَفِي خُرُوجِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ مَا قَدْ عُلِمَ ، وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ صَالِحَاتٌ ، وَلَا عَابِدَاتٌ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِهِنَّ ، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ ثُمَّ الْعَجَبُ الْعَجِيبُ فِي اعْتِقَادِ بَعْضِهِنَّ فِي هَؤُلَاءِ الشَّيْخَاتِ مِنْ النِّسْوَةِ ، وَهُنَّ كَمَا قَدْ عُلِمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَمْضِينَ لِمَوْضِعٍ يَعْمَلْنَ فِيهِ إلَّا بَعْدَ إطْلَاقِهِنَّ عَنْ ضَامِنَةِ الْمَغَانِي ، فَمَفَاسِدُ مُرَكَّبَةٌ عَلَى مَفْسَدَةٍ عَظِيمَةٍ ،
ثُمَّ الْعَجَبُ أَيْضًا مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ مِمَّنْ لَهُ الْحِشْمَةُ أَوْ الْمَشْيَخَةُ يَتَوَرَّعُونَ عَنْ سَمَاعِ الْمَغَانِي ، وَيُعَوِّضُونَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخَةَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا فَتَجِيءُ بَعْدَ إطْلَاقِهَا مِنْ الضَّامِنَةِ ، وَمَعَهَا حَفَدَتُهَا ، وَيَرْفَعْنَ عَقِيرَتَهُنَّ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ جَمَاعَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ جَمَاعَةً لِلرِّجَالِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .
وَأَنْكَرَ مَالِكٌ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ ، فَمَا بَالُك بِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ ، وَفِي أَصْوَاتِهِنَّ مِنْ النَّدَاوَةِ ، وَالتَّرْخِيمِ ، وَالْفِتْنَةِ مَا قَدْ عُلِمَ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَلَامِ الْمُتَجَالَّةِ أَمَّا الَّتِي كَلَامُهَا أَحْلَى مِنْ الرُّطَبِ فَلَا انْتَهَى .
يَعْنِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً فَكَيْفَ بِهِ فِي الشَّابَّةِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا مِنْ سَاقِطَةٍ إلَّا وَلَهَا لَاقِطَةٌ ، وَسَبَبُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا قِرَاءَةُ الرِّجَالِ جَمَاعَةً ، وَذِكْرُهُمْ جَمَاعَةً فَجَرَّ ذَلِكَ إلَى هَذَا الْمُحَرَّمِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّسْوَةُ فِي الْفَرَحِ ، وَالْمَوْلِدِ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَزِدْنَ عَلَى ذَلِكَ قِيَامَهُنَّ يَرْقُصْنَ ، وَيُعَيِّطْنَ ، وَتَأْخُذُهُنَّ الْأَحْوَالُ عَلَى زَعْمِهِنَّ ، وَفِي رَقْصِهِنَّ مِنْ الْعَوْرَاتِ مَا لَا خَفَاءَ فِيهِ مِنْ وُقُوعِ الْفِتَنِ ، وَفَسَادِ الْقُلُوبِ ، وَالتَّشْوِيشِ عَلَى مَنْ فِيهِ دِينٌ ، أَوْ خَيْرٌ مَا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى خَسْفِ الْقُلُوبِ ، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى ، وَاسْتِعْمَالِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ، وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ مِنْ عَمَلِ الذُّنُوبِ ، وَقَلْبِ الْحَقَائِقِ ، وَانْقِلَابِ الْمَقَاصِدِ ، وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ لِلْمَفَاسِدِ ، وَلَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا ، وَلَا عَدُّهَا فَاللَّبِيبُ مَنْ تَرَكَ هَذَا كُلَّهُ إذْ أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي عِنْدَهُ يُحَرِّمُهُ ، وَيَأْمُرُهُ بِتَغْيِيرِهِ ،
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ التَّغْيِيرُ بِالْقَلْبِ ، وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ أَنْ لَا يَشْهَدَ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ ، وَلَا يَتْرُكَ أَحَدًا يَشْهَدُهَا ، وَلَا يَرْضَى بِفِعْلِهَا ، وَلَا يَذْكُرَهَا سِيَّمَا بِحَضْرَتِهِ بَلْ يَعِيبُ ذَلِكَ ، وَيُبَيِّنُ أَمْرَ الشَّرْعِ فِيهِ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يَكُنْ أَحَدُكُمْ إمَّعَةً يَقُولُ : أَنَا مَعَ النَّاسِ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنْت ، وَإِنْ أَسَاءُوا أَسَأْت ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا لَا تَظْلِمُوا انْتَهَى .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزْهَدَ فِي زِيَارَةِ الْأَكَابِرِ ، وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَالصَّالِحِينَ إذْ أَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِسِيمَاهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } ، وَقَالَ تَعَالَى { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ } ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ } انْتَهَى .
فَإِنْ خَفِيَ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَمْرُ أَحَدٍ مِمَّنْ يَرَاهُ فَلْيَنْظُرْ فِي تُصَرِّفْهُ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى السُّنَّةِ فَلْيَشُدَّ يَدَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَاقَعَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلْيَهْرُبْ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ لِصٌّ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أُثْنِيَ عِنْدَهُ عَلَى شَخْصٍ كَانَ فِي وَقْتِهِ فَخَرَجَ هُوَ ، وَمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ إلَى زِيَارَتِهِ ، وَدَخَلَا الْمَسْجِدَ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فَلَمْ يَجِدَاهُ فَجَلَسَا يَنْتَظِرَانِهِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ تَنَخَّمَ ، وَبَصَقَ فِيهِ ، فَخَرَجَ هَذَا السَّيِّدُ ، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، وَخَرَجَ مَعَهُ الشَّخْصُ الَّذِي كَانَ أَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : لِمَ خَرَجْت ، وَلَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : إذَا كَانَ إنْسَانٌ لَمْ يَأْتَمِنْهُ
اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ فَكَيْفَ يَأْتَمِنُهُ عَلَى سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِهِ ، وَنَقَلْت مِنْ الْقُوتِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى السُّنَّةِ ، وَتَرْفِيعُهَا ، وَتَعْظِيمُ قَدْرِهَا إذْ أَنَّهَا أَوَّلُ بَابٍ فِي الْخَيْرِ ، وَهِيَ آخِرُهُ فَشُدَّ يَدَك عَلَيْهَا إنْ كُنْت مِنْ أَهْلِهَا ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا ذَلِكَ بِمَنِّهِ آمِينَ بِمُحَمَّدٍ ، وَآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
فَصْلٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مُوَاظِبًا عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهِ فَإِنَّ التَّرْكَ مُضِرٌّ ، وَلَوْ قَلَّ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْقُلُ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ مَا مَعْنَاهُ إذَا تَرَكَ الطَّالِبُ الِاشْتِغَالَ يَوْمًا كَأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةً : وَإِنْ تَرَكَهُ يَوْمَيْنِ كَأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّتَيْنِ ، وَإِنْ تَرَكَهُ ثَلَاثًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ شَيْءٌ انْتَهَى .
وَمَا قَالَهُ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَاتِبَ خَطُّهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِتَرْكِ الْكَتْبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الِاشْتِغَالَ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الِاشْتِغَالَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ فَضْلٍ عَظِيمٍ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبَادِرَ إلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَيَعْمَلَهَا فِيهِ ، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ طَلَبُ الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ ، لَكِنْ إنْ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ قَدْ يُخْشَى أَنْ يَفُوتَهُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ مِنْ وَظَائِفِ الْجُمُعَةِ مِثْلَ الْغُسْلِ ، وَقَصِّ الشَّارِبِ ، وَالْأَظَافِرِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ اشْتِغَالُهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَيَحْضُرَ مَجْلِسَ الْعِلْمِ فِي الْجَامِعِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَعْنِي بِمَجْلِسِ الْعِلْمِ الْمَجْلِسَ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا مَجْلِسَ الْقُصَّاصِ وَالْوُعَّاظِ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ
، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْجُلُوسِ إلَى الْقُصَّاصِ فَقَالَ : مَا أَرَى أَنْ يُجْلَسَ إلَيْهِمْ ، وَإِنَّ الْقَصَصَ لَبِدْعَةٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ كَرَاهَةُ الْقَصَصِ مَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ : خَرَجَ مَعَنَا فَتًى مِنْ طَرَابُلُسَ إلَى الْمَدِينَةِ فَكُنَّا لَا نَنْزِلُ مَنْزِلًا إلَّا وَعَظَنَا فِيهِ حَتَّى بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ فَكُنَّا نَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ إذَا هُوَ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا كَانَ يَفْعَلُ بِنَا ، فَرَأَيْته مِنْ سِمَاطِ أَصْحَابِ التَّيَقُّظِ ، وَهُوَ قَائِمٌ يُحَدِّثُهُمْ ، وَقَدْ لَهَوْا عَنْهُ ، وَالصِّبْيَانُ يَحْصِبُونَهُ ، وَيَقُولُونَ لَهُ : اُسْكُتْ يَا جَاهِلُ فَوَقَفْت مُتَعَجِّبًا مِمَّا رَأَيْت فَدَخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَأَلْنَاهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ مَا رَأَيْنَاهُ مِنْ الْفَتَى فَقَالَ مَالِكٌ : أَصَابَ الرِّجَالُ إذْ لَهَوْا عَنْهُ ، وَأَصَابَ الصِّبْيَانُ إذْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ بَاطِلَهُ ، وَقَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكًا يُكَرِّهُ الْقَصَصَ فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَإِذًا تَكْرَهُ مِثْلَ هَذَا فَعَلَامَ كَانَ يَجْتَمِعُ مَنْ مَضَى ؟ فَقَالَ : عَلَى الْفِقْهِ ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ ، وَيَنْهَاهُمْ انْتَهَى .
وَقَوْلُ مَالِكٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ أَصَابَ الرِّجَالُ إذْ لَهَوْا عَنْهُ ، وَأَصَابَ الصِّبْيَانُ إذْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ بَاطِلَهُ إنَّمَا صَوَّبَ فِعْلَ الرِّجَالِ لِكَوْنِ الصِّبْيَانِ قَدْ كَفَوْهُمْ مُؤْنَةَ التَّغْيِيرِ ، فَلَوْ لَمْ يُغَيِّرْ الصِّبْيَانُ لَبَادَرُوا إلَى التَّغْيِيرِ ، وَمِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ الْقَصَصَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ قَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْنِي أَدْعُو اللَّهَ ، وَأَقُصُّ ، وَأُذَكِّرُ النَّاسَ فَقَالَ عُمَرُ : لَا فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ : أَنَا تَمِيمٌ الدَّارِيُّ
فَاعْرِفُونِي .
وَقَالَ الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ قَالَ مَالِكٌ : وَنَهَيْت أَبَا قُدَامَةَ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَيَقُولَ افْعَلُوا كَذَا ، وَكَذَا ، وَقَالَ أَبُو إدْرِيسَ : لَأَنْ أَرَى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ نَارًا تُؤَجَّجُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِي نَاحِيَتِهِ قَاصًّا يَقُصُّ ، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : لَمْ يُقَصَّ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَا فِي زَمَانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَتَّى ظَهَرَتْ الْفِتْنَةُ ، وَظَهَرَ الْقُصَّاصُ ، وَلَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ أَخْرَجَ الْقُصَّاصَ مِنْهُ ، وَقَالَ : لَا يُقَصُّ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي عُلُومِ الْأَعْمَالِ فَاسْتَمَعَ إلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ .
وَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ إلَى مَجْلِسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ قَاصًّا يَقُصُّ فَوَجَّهَ إلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ أَنْ أَخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَخْرَجَهُ .
وَقِيلَ لِابْنِ سِيرِينَ : لَوْ قَصَصْت عَلَى إخْوَانِك فَقَالَ : قَدْ قِيلَ : لَا يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ إلَّا أَمِيرٌ ، أَوْ مَأْمُورٌ ، أَوْ أَحْمَقُ ، وَلَسْت بِأَمِيرٍ ، وَلَا مَأْمُورٍ ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ الثَّالِثَ انْتَهَى .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا يَقُصُّ إلَّا أَمِيرٌ ، أَوْ مَأْمُورٌ ، أَوْ مُخْتَالٌ } انْتَهَى .
وَقَالَ الطُّرْطُوشِيُّ أَيْضًا : قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ : رَأَيْت سَيَّارًا أَبَا الْحَكَمِ يَسْتَاكُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَقَاصًّا يَقُصُّ فِي الْمَسْجِدِ فَقُلْت لَهُ : يَا أَبَا الْحَكَمِ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْك فَقَالَ : الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا هُمْ فِيهِ أَنَا فِي سُنَّةٍ ، وَهُمْ فِي بِدْعَةٍ ، وَلَمَّا أَنْ دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشُ الْبَصْرَةَ نَظَرَ إلَى قَاصٍّ يَقُصُّ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ
: فَتَوَسَّطَ الْأَعْمَشُ الْحَلْقَةَ ، وَجَعَلَ يَنْتِفُ شَعْرَ إبْطَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْقَاصُّ : يَا شَيْخُ أَلَا تَسْتَحِي نَحْنُ فِي عِلْمٍ ، وَأَنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَهُ الْأَعْمَشُ : الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِنْ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ قَالَ : كَيْفَ فَقَالَ : لِأَنِّي فِي سُنَّةٍ ، وَأَنْتَ فِي كَذِبٍ ، أَنَا الْأَعْمَشُ ، وَمَا حَدَّثْتُك مِمَّا تَقُولُ شَيْئًا ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذِكْرَ الْأَعْمَشُ انْفَضُّوا عَنْ الْقَاصِّ ، وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ ، وَقَالُوا : حَدِّثْنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَكْذَبُ النَّاسِ الْقُصَّاصُ ، وَالسُّؤَالُ ، وَمَا أَحْوَجَ النَّاسَ إلَى قَاصٍّ صَدُوقٍ ؛ لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الْمَوْتَ ، وَعَذَابَ الْقَبْرِ قِيلَ لَهُ : أَكُنْت تَحْضُرُ مَجَالِسَهُمْ قَالَ لَا ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : وَحُضُورُ الرَّجُلِ مَجَالِسَ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَصَلَاتُهُ أَفْضَلُ مِنْ حُضُورِهِ مَجَالِسَ الْقُصَّاصِ ، وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { حُضُورُ مَجْلِسِ عِلْمٍ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ } ، وَفِي الْخَبَرِ { لَأَنْ يَتَعَلَّمَ أَحَدُكُمْ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ ، أَوْ يُعَلِّمَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ } ، وَفِي خَبَرٍ { قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَقَالَ : وَهَلْ تَنْفَعُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ إلَّا بِعِلْمٍ } فَالصَّلَاةُ إذَا عُدِمَ مَجْلِسُ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ ، وَالتَّفَقُّهُ فِي دِينِ اللَّهِ أَزْكَى مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَصَصِ ، وَمِنْ الِاسْتِمَاعِ إلَى الْقُصَّاصِ ، فَإِنَّ الْقَصَصَ كَانَ عِنْدَهُمْ بِدْعَةٌ ، وَكَانُوا يُخْرِجُونَ الْقُصَّاصَ ، وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ قُلْت لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : أَخٌ لِي يَقْعُدُ إلَى الْقُصَّاصِ قَالَ : انْهَهُ قُلْت : لَا يَقْبَلُ قَالَ : عِظْهُ قُلْت : لَا يَقْبَلُ قَالَ : اُهْجُرْهُ قُلْت : نَعَمْ قَالَ : فَأَتَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَذَكَرْت لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ فَقَالَ : قُلْ لَهُ يَقْرَأُ فِي الصُّحُفِ ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ ، وَيَطْلُبُ
حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ : بَلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ قُلْت : فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَهْجُرُهُ قَالَ : فَتَبَسَّمَ ، وَسَكَتَ انْتَهَى .
، وَكَذَلِكَ لَا يُحْضِرُ الْكُتُبَ الَّتِي تُقْرَأُ ، وَفِيهَا الْأَحَادِيثُ الْمُشْكِلَةُ عَلَى السَّامِعِ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يُبَيِّنُ أَحْكَامَهَا ، وَمَعْنَاهَا ، وَيَحِلُّ مُشْكِلَهَا ، وَلَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَحِلُّ الْمُشْكِلَ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صَوْتُهُ يَعُمُّ مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ كَمَا يَعُمُّهُمْ صَوْتُ الْقَارِئِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعُمَّهُمْ ، فَالْغَالِبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُومُ ، وَعِنْدَهُ الرِّيبَةُ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْحَدِيثِ فِي جِنَازَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي اهْتِزَازِ الْعَرْشِ ، وَعَنْ حَدِيثِ { إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ } ، وَعَنْ الْحَدِيثِ فِي السَّاقِ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يُتَحَدَّثَنَّ بِهِ ، وَمَا يَدْعُو الْإِنْسَانَ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ ، وَهُوَ يَرَى مَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَتَّقِي اللَّهَ ، وَيَخَافُهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِمِثْلِ هَذَا قِيلَ لَهُ : فَالْحَدِيثُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَضْحَكُ فَلَمْ يَرَهُ مِنْ هَذَا ، وَأَجَازَهُ انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْعَرْشِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ : { اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَأَنَّهُ قَالَ : اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ } ، وَمَا رُوِيَ { مِنْ أَنَّ أُمَّهُ بَكَتْ ، وَصَاحَتْ لَمَّا أُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَرْقَأْ دَمْعُك ، وَيَذْهَبْ حُزْنُكِ ، فَإِنَّ وَلَدَك أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ } ، وَمَا يُرْوَى مِنْ { أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي مَاتَ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَتَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ قَالَ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا سَعْدُ بْنُ
مُعَاذٍ قَدْ مَاتَ } .
وَالْحَدِيثُ فِي السِّيَاقِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ مَا يُرْوَى { أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَجَلَّى لِلْخَلْقِ فَيَقُولُ : مَنْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا فَيَقُولُ : وَهَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ فَيَقُولُونَ : إذَا تَعَرَّفَ إلَيْنَا سُبْحَانَهُ عَرَفْنَاهُ قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إلَّا خَرَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَاجِدًا } ، وَإِنَّمَا نَهَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُتَحَدَّثَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ { أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ } ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ ، وَسَبِيلُهَا إذَا صَحَّتْ الرِّوَايَاتُ بِهَا أَنْ تَتَأَوَّلَ عَلَى مَا يَصِحُّ مِمَّا يَنْتَفِي بِهِ التَّشْبِيهُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ ، كَمَا يُصْنَعُ بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِمَّا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ التَّشْبِيهَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ كَالْإِتْيَانِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ ، وَالْمَلَائِكَةُ } ، وَالْمَجِيءِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَجَاءَ رَبُّك ، وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } انْتَهَى .
وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ { هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ } أَيْ عَذَابُهُ ، وَنِقْمَتُهُ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ ، وَأَلْحَدَ فِي آيَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ ، وَجَاءَ رَبُّك .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الظُّهُورَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَإِنَّمَا الْحِجَابُ مِنَّا ، فَإِذَا كَشَفَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحِجَابَ عَنَّا ظَهَرَ لَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ غَيْرِ حَدٍّ ، وَلَا تَكْيِيفٍ جَلَّ جَلَالُهُ عَنْ الصُّورَةِ ، وَالْكَيْفِيَّةِ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالِاسْتِوَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } مَعْنَاهُ اسْتَوْلَى قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْقَهْرُ ، وَالْغَلَبَةُ
تَقُولُ الْعَرَبُ : اسْتَوَى زَيْدٌ عَلَى أَرْضِ كَذَا أَيْ مَلَكَهُمْ وَقَهَرَهُمْ ، قَالَ الشَّاعِرُ : قَدْ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ وَلَمَّا أَنْ كَانَ الْعَرْشُ أَعْظَمَ الْمَخْلُوقَاتِ الْمَهُولَةِ اكْتَفَى بِذَكَرِهِ عَمَّا دُونَهُ ، إذْ أَنَّ مَا دُونَهُ تَبَعٌ لَهُ ، وَفِي حُكْمِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ كَمَا يَفْعَلُ أَيْضًا بِمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ كَالضَّحِكِ ، وَالنُّزُولِ ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ تُكْرَهْ رِوَايَتُهَا لِتَوَاتُرِ الْآثَارِ بِهَا انْتَهَى .
أَمَّا الضَّحِكُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَصْدُرُ مِنْ الْمُتَّصِفِ بِذَلِكَ مِنَّا مِنْ الرِّضَا ، وَالْإِحْسَانِ ، وَأَمَّا النُّزُولُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ سَبِيلَهَا كُلِّهَا فِي اقْتِضَاءِ ظَاهِرِهَا التَّشْبِيهَ ، وَإِمْكَانِ تَأْوِيلِهَا كُلِّهَا عَلَى مَا يَنْتَفِي بِهِ تَشْبِيهُ اللَّهِ عَزَّ ، وَجَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَقْرَبَهَا كُلِّهَا أَنَّ عَرْشَ الرَّحْمَنِ قَدْ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدٍ ؛ لِأَنَّ الْعَرْشَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَا تَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَالِاهْتِزَازُ ، وَإِضَافَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى التَّشْرِيفِ لَهُ كَمَا يُقَالُ : بَيْتُ اللَّهِ ، وَحَرَمُهُ لَا أَنَّهُ مَحَلٌّ لَهُ ، وَمَوْضِعٌ لِاسْتِقْرَارِهِ ، إذْ لَيْسَ فِي مَكَان فَقَدْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْمَكَانُ فَلَا يَلْحَقُهُ عَزَّ وَجَلَّ بِاهْتِزَازِ عَرْشِهِ مَا يَلْحَقُ مَنْ اهْتَزَّ عَرْشُهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ مِنْ تَحَرُّكِهِ بِحَرَكَتِهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مَجَازًا فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِتَحْرِيكِ الْعَرْشِ حَرَكَةَ حَمَلَتِهِ اسْتِبْشَارًا وَفَرَحًا بِقُدُومِ رُوحِهِ ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : اهْتَزَّ الْمَجْلِسُ بِقُدُومِ فُلَانٍ عَلَيْهِ أَيْ اهْتَزَّ أَهْلُهُ لِقُدُومِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { ، وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ } يُرِيدُ أَهْلَهَا ، وَمِثْلَ
قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُحُدٌ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا ، وَنُحِبُّهُ } أَيْ : يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَنُحِبُّهُمْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ السَّاقِ فَلَمْ يُضَفْ السَّاقُ فِيهَا إلَى أَحَدٍ ، وَمَعْنَاهُ عَنْ شِدَّةٍ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعْنَى شِدَّةِ الْأَمْرِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَقَامَتْ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ( { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } أَيْ عَنْ شِدَّةٍ مِنْ الْأَمْرِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْله تَعَالَى ( { ، وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ } أَيْ الْتَفَّتْ سَاقُ الدُّنْيَا بِسَاقِ الْآخِرَةِ ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مَعْنَاهُ أَمْرُ الدُّنْيَا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْمَالُ الدُّنْيَا بِمُحَاسَبَةِ الْآخِرَةِ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ { إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ } فَإِنَّهُ حَدِيثٌ يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ فِي صِحَّتِهَا لِاشْتِهَارِ نَقْلِهَا مِنْ غَيْرِ مُنْكِرٍ لَهَا ، وَلَا طَاعِنٍ فِيهَا ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ فَمِنْ مُصَحِّحٍ لَهَا ، وَمِنْ طَاعِنٍ فِيهَا ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى إنْكَارِ ذَلِكَ ، وَعَلَى أَنَّهُ غَلَطٌ ، وَقَعَ مِنْ طَرِيقِ التَّأْوِيلِ لِبَعْضِ النَّقْلَةِ تَوَهُّمُ أَنَّ الْهَاءَ تَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَنَقَلَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ ، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْمَحْفُوظَةُ فَهِيَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ، وَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى رَجُلٍ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَأَبُوهُ أَوْ مَوْلَاهُ يَضْرِبُ وَجْهَهُ لَطْمًا ، وَيَقُولُ : قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَك فَقَالَ : { إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى
صُورَتِهِ } .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَك ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَك فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ سَبَّ آدَمَ ؛ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى صِفَتِهِ ، وَمَنْ دُونَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا ، وَمِنْهَا أَنَّ الْكِنَايَةَ فِي قَوْلِهِ عَلَى صُورَتِهِ تَرْجِعُ إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلِذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا - أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَفَائِدَتُهُ الْإِعْلَامَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَوِّهْ خَلْقَهُ حِينَ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ .
وَالثَّانِي - أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَفَائِدَتُهُ إبْطَالَ قَوْلِ أَهْلِ الزَّيْغِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّهُ لَا إنْسَانَ إلَّا مِنْ نُطْفَةٍ ، وَلَا نُطْفَةَ إلَّا مِنْ إنْسَانٍ ، وَلَا دَجَاجَةَ إلَّا مِنْ بَيْضَةٍ ، وَلَا بَيْضَةَ إلَّا مِنْ دَجَاجَةٍ لَا إلَى أَوَّلٍ .
الثَّالِثُ - مَعْنَاهُ وَفَائِدَتُهُ إبْطَالُ قَوْلِ أَهْلِ الزَّيْغِ ، وَالْمُنَجِّمِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ بِتَأْثِيرِ الْعُنْصُرِ ، وَالْفَلَكِ ، وَاللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ ، فَأَعْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الصُّورَةِ ، وَالتَّرْكِيبِ ، وَالْهَيْئَةِ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِعْلُ طَبْعٍ ، وَلَا تَأْثِيرُ فَلَكٍ ، وَخَصَّ آدَمَ بِالذِّكْرِ مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُهَا ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِخَلْقِهِ دُونَ مُشَارَكَةِ فِعْلِ طَبْعٍ ، أَوْ تَأْثِيرِ فَلَكٍ فَوَلَدُهُ ، وَمَنْ سِوَاهُمْ عَلَى حُكْمِهِ كَذَلِكَ .
وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ رَابِعٌ وَهُوَ : أَنَّ فَائِدَةَ الْحَدِيثِ تَكْذِيبُ الْقَدَرِيَّةِ فِيمَا زَعَمَتْ مِنْ أَنَّ صِفَاتِ آدَمَ مِنْهَا مَا خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَمِنْهَا مَا خَلَقَهَا آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِنَفْسِهِ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَكْذِيبِهِمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى جَمِيعِ صُورَتِهِ ،
وَصِفَتِهِ ، وَمَعَانِيهِ ، وَأَعْرَاضِهِ ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ : عَرِّفْنِي هَذَا الْأَمْرَ عَلَى صُورَتِهِ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ ، وَالِاسْتِقْصَاءِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ .
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي جَاءَتْ ، وَهِيَ : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّقْلِ لَا يُصَحِّحُ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ ، وَأَنَّ الرَّاوِيَ سَاقَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا ظَنَّهُ مِنْ مَعْنَاهُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ إضَافَةَ تَشْرِيفٍ عَلَى طَرِيقِ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الْمُضَافِ ، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى { نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا } فَإِنَّهَا إضَافَةُ تَخْصِيصٍ وَتَشْرِيفٍ تُفِيدُ التَّحْذِيرَ ، وَالرَّدْعَ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي } وقَوْله تَعَالَى { ، وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } ، وَقَوْلُ النَّاسِ : الْكَعْبَةُ بَيْتُ اللَّهِ ، وَالْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ .
فَشَرُفَتْ صُورَةُ آدَمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ اخْتَرَعَهَا ، وَخَلَقَهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ انْتَهَى .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهَا قَدَمَهُ ، فَتَقُولُ : قَطُّ قَطُّ وَعِزَّتِك ، وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ } ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ وُجُوهًا عِدَّةً فَمِنْهَا أَنَّ الْكَافِرَ عِنْدَ الْعَرَبِ يُسَمَّى قَدَمًا ، وَالنَّارُ مَوْعُودَةٌ بِهِمْ ، فَإِنْ لَمْ تُحَصِّلْهُمْ فِي جَوْفِهَا بَقِيَتْ مَلْهُوفَةً عَلَيْهِمْ كَمَا هِيَ الْأُمُّ حِينَ تَفْقِدُ أَوْلَادَهَا ، فَإِذَا حَصَلُوا فِي جَوْفِهَا تَقُولُ : قَطُّ قَطُّ أَيْ حَسْبِي حَسْبِي ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَخَذَتْ أَوْلَادَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } ، وَالْهَاوِيَةُ : اسْمٌ لِإِحْدَى طَبَقَاتِ النَّارِ أَعَاذَنَا اللَّهُ
مِنْ جَمِيعِ دَرَكَاتِهَا بِنُورِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُفْهَمُ عِنْدَنَا مِنْ أَنَّ الشَّيْءَ الْحَقِيرَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يُبَالَى بِهِ يُدَحْرَجُ بِالْقَدَمِ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْغَضَبِ عَلَيْهِ وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الْحَقَارَةِ لَهُ كَمَا الْأَمْرُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الرَّفِيعَةَ ، وَالطَّاهِرَةَ تُتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ يَقُولُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ : يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ } ، وَهُوَ حَجَرٌ مَرْئِيٌّ مَحْسُوسٌ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْجَارِحَةَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَادَةَ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ كَمَا سَبَقَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَشْهَدُ لِلَامِسِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ شَهِدَ لَهُ رُحِمَ ، وَغُفِرَ لَهُ ، فَضِدُّ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْقَدَمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ إذْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الصُّورَةِ ، وَالْكَيْفِيَّةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ .
وَقَدْ حَصَلَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمِثَالِ فِي الْآيِ ، وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْإِشْكَالُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْعِلْمَ ، وَالْمَحَامِلِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْسَنُ ، بَلْ الَّذِي لَا يَنْبَغِي : أَنْ يُعْرَجَ عَنْهُ ، وَهُوَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ خِيفَةً مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الضُّعَفَاءِ أَنْ يَدْخُلَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْفِتْنَةِ فِي عَقِيدَتِهِمْ ، فَكَيْفَ يُقْرَأُ ذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْعَوَامّ ، وَالنِّسَاءُ حُضُورٌ يَسْمَعْنَ فَالْغَالِبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ ، وَهُمْ مُؤْمِنُونَ فَيَخْرُجُونَ ، وَهُمْ مُفْتَتِنُونَ .
الْقِسْمُ الثَّانِي : أَنَّهُ إنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ
الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُوقِعُ فِي الْقَلْبِ مَعْنًى مِنْ التَّشْبِيهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ شَيْخٍ عَارِفٍ عَالِمٍ بِالسُّنَّةِ ، وَمَعَانِي مَا احْتَوَى عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ جَهِيرَ الصَّوْتِ يَسْمَعُهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، فَيَحِلُّ مُشْكِلَهَا ، وَيُبَيِّنُ مَعْنَاهَا ، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ جَالِسًا عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ عَنْهُمْ لِيَعُمَّ صَوْتُهُ الْجَمِيعَ كَمَا تَقَدَّمَ ، بِخِلَافِ مَا هُمْ يَفْعَلُونَ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، فَإِنَّ الْقَارِئَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ فَيَعُمُّ صَوْتُهُ الْجَمِيعَ فِي الْغَالِبِ ، وَالشَّيْخُ جَالِسٌ عَلَى الْأَرْضِ ، وَصَوْتُهُ خَفِيٌّ فَلَا يَعْرِفُ مَا قَالَ إلَّا مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ إنْ عُدِمَ هَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي فَتُمْنَعُ قِرَاءَةُ الْكُتُبِ ، وَالْمَوَاعِيدُ الَّتِي تُفْعَلُ ، فَإِنْ فَعَلَهَا أَحَدٌ أُدِّبَ عَلَى ذَلِكَ ، وَزُجِرَ ، وَأُخْرِجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَطَالِبُ الْعِلْمِ قُدْوَةٌ ، فَإِذَا رَآهُ أَحَدٌ مِنْ الْعَوَامّ يَحْضُرُ هَذَا الْمَجْلِسَ يَقْتَدِي بِهِ فِي حُضُورِهِ فَقَدْ يَجْلِسُ فِيهِ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَيَقُومُ ، وَعِنْدَهُ شَكٌّ وَرَيْبٌ فِي اعْتِقَادِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَيَكُونُ طَالِبُ الْعِلْمِ بِحَذَرٍ مِنْ هَذَا ، وَأَشْبَاهِهِ ، هَذَا وَجْهٌ فِي الْكَرَاهَةِ ، وَوَجْهٌ ثَانٍ ، وَهُوَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ كَرِهُوا تَرْكَ الشُّغْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَأَنْ يُخَصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ خِيفَةً مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ فِي السَّبْتِ ، وَبِالنَّصَارَى فِي الْأَحَدِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَيُحْذَرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ : رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ أَنْ يُتْرَكَ الْعَمَلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِئَلَّا يَصْنَعُوا فِيهِ كَمَا صَنَعَتْ الْيَهُودُ ، وَالنَّصَارَى فِي السَّبْتِ وَالْأَحَدِ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَيَنْهَى عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ ، رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَلْحِدُوا ، وَلَا تَشُقُّوا فَإِنَّ اللَّحْدَ لَنَا ، وَالشَّقَّ لِغَيْرِنَا } أَيْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأَنَّهُ قَالَ ( { فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا ، وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السُّحُورِ } ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ
فَصْلٌ فِي تَحَفُّظِ طَالِبِ الْعِلْمِ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى الْمَنَاصِبِ ، أَوْ التَّشَوُّفِ إلَيْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّهُ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطْلُبَ التَّدْرِيسَ ، وَلَا أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْطُبَ لَهُ ، وَيَجِدَهُ عَلَى وَجْهِهِ السَّائِغِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدِلَّ هُوَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُدْخِلُ عَلَيْهِ الْخَلَلَ فِي نِيَّتِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي أَخْذِ الدَّرْسِ فَمِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى فِي الْأَحْكَامِ ، بَلْ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ أَشَدُّ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ } انْتَهَى .
، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ صَبِيَّيْنِ جَاءَاهُ يَتَخَايَرَانِ فِي خَطَّيْهِمَا فَنَظَرَ فِي الْخَطَّيْنِ ثُمَّ قَالَ : لَوْلَا أَنَّهُ حُكْمٌ لَقُلْت : إنَّ أَحَدَهُمَا أَحْسَنُ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { يُحْشَرُ الْحَاكِمُ ، وَيَدَاهُ مَغْلُولَتَانِ إلَى عُنُقِهِ لَا يَفُكُّهُمَا إلَّا عَدْلُهُ } ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُحْشَرَ مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ ) ، أَوْ كَمَا قَالَ ، وَلَمْ يَزَلْ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ يَهْرُبُونَ مِنْهُ الْهَرَبَ الْكُلِّيَّ حَتَّى قَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ تَوَلَّاهُ فِي الظَّاهِرِ حَتَّى رُفِعَ عَنْهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ جَرَى لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَقَالَ : إنِّي لَا أَصْلُحُ فَقِيلَ لَهُ : لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ : هَذَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ قَالُوا لِمَ قَالَ : لِأَنِّي بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ أَكُونَ صَادِقًا فِيمَا قُلْته فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُوَلُّوا مَنْ لَا يَصْلُحُ ، وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا ، فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُوَلُّوا كَاذِبًا فَتَرَكُوهُ .
وَحِكَايَتُهُمْ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ، وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ مِنْ الِابْتِلَاءِ ، وَيَسْتَعِيذُونَ مِنْ ذَلِكَ
حَتَّى أَنَّهُمْ قَدْ يَهْجُرُونَ بَعْضَ مَنْ تَوَلَّى مِنْ مَعَارِفِهِمْ ، وَقَدْ جَرَى لِسَيِّدِي الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الزَّيَّاتِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ مَا قَدْ ذُكِرَ ، وَقَدْ جَرَى لِسَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي إفْرِيقِيَّةَ لَمَّا أَنْ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ ، وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا لِمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الرِّجَالِ لِاسْتِخْلَاصِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالُوا : وَلِمَ ذَلِكَ قَالَ : لِأَنَّ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُوصِلَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ فِي الْمَذْهَبِ قَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ .
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لَهُ فَلَمَّا أَنْ طَلَبَ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَمِلُوا حِسَابَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ ، فَوَجَدُوهُ مَالًا كَثِيرًا فَشَحُّوا بِإِخْرَاجِهِ فَتَرَكُوهُ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : يَنْبَغِي لِمَنْ وَلِيَ أَيَّ خُطَّةٍ أَنْ يَنْظُرَ إلَى نَفْسِهِ فِي يَوْمِ عَزْلِهِ مِنْهَا ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى يَوْمِ تَوْلِيَتِهِ انْتَهَى .
وَمَا ذَاكَ إلَّا ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى يَوْمِ تَوْلِيَتِهِ هَلَكَ فِي الْغَالِبِ إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ، وَإِذَا نَظَرَ إلَى يَوْمِ عَزْلِهِ سَلِمَ فِي الْغَالِبِ .
وَقَدْ جَرَى بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّ السُّلْطَانَ أَجَبَرَ الشَّيْخَ الْجَلِيلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عِمْرَانَ عَلَى الْقَضَاءِ ، فَاسْتَشَارَ بَعْضَ الْأَكَابِرِ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ : لَا تَتَوَلَّى ، وَإِنْ تَوَقَّعْت الْمَوْتَ قَالَ لَهُ آخَرُونَ : إنْ تَوَقَّعْت الْمَوْتَ تَوَلَّ ، وَاحْكُمْ بِالْعَدْلِ ، وَهُمْ يَعْزِلُونَك فَسَمِعَ مِنْ الثَّانِي فَتَوَلَّى ، وَحَكَمَ بِالْعَدْلِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَيَّامًا يَسِيرَةً ، وَعَزَلُوهُ فِي حِكَايَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْهَرَبُ الْكُلِّيُّ مِنْ الْوِلَايَةِ ، وَأَسْبَابِهَا إذْ أَنَّهَا احْتَوَتْ - سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ - عَلَى حُظُوظِ
النُّفُوسِ مِنْ الرِّيَاسَةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي هُوَ مُعَلَّقٌ بِالْقُلُوبِ فِي الْغَالِبِ يُبْذَلُ فِي الْمَنَاصِبِ ، وَلَا تُبْذَلُ الْمَنَاصِبُ فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ ، وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ : الزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ أَفْضَلُ ، وَأَعْظَمُ مِنْ أَلْفِ زُهْدٍ فِي الْمَالِ ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ أَنْ يَمِيلَ إلَى خَاطِرِ النَّفْسِ ، وَالْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ، وَالْإِلْزَامِ الْمُعَيَّنَةِ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ ، فَقَدْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ ، أَوْ أَحَدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ أَنَّهُ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِينَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْوِلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَيَقَعُ بِالْقَضَاءِ فِي الْقَضَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ آفَةٌ عَلَيْهِ عَاجِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ عَلَيْهِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ لِكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ إنْ كَانَ شَابًّا إذْ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا جَاءَهُ الْخَصْمَانِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِمُطَالَعَةِ الْمَسَائِلِ ، أَوْ غَيْرِهَا ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذْ ذَاكَ تَرْكُ الضَّرُورَاتِ كُلِّهَا إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ شَرْعًا لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : { لَا يَقْضِي الْقَاضِي ، وَهُوَ غَضْبَانُ } انْتَهَى .
وَعَدَّاهُ الْفُقَهَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ ذَا سِنٍّ فَأَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا بَلَغَ أَحَدُهُمْ الْأَرْبَعِينَ طَوَى الْفِرَاشَ ، وَانْعَزَلَ عَنْ النَّاسِ ، وَتَبَتَّلَ لِلْعِبَادَةِ ، وَتَرَكَ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ إذْ ذَاكَ ، فَمَا بَالُك بِالدُّخُولِ فِي الْقَضَاءِ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ أَعْنِي : أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِيءُ لِلْإِنْسَانِ إلَّا بَعْدَ الطَّعْنِ فِي السِّنِّ حِينَ تَوَقُّعِ هُجُومِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ غَالِبًا لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ يَقُولُ : { مُعْتَرَكُ مَنَايَا أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ } ، وَيَكْفِي مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْهُ مَا حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْقُضَاةِ كَانَ إذَا جَلَسَ لِلْأَحْكَامِ جَلَسَ إلَى جَانِبِهِ
رَجُلٌ أَسْوَدُ الْوَجْهِ أَبْيَضُ الْبَدَنِ ، فَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْصِلَ الْحُكْمَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ نَظَرَ إلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ يَفْصِلُ الْحُكْمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَسُئِلَ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ فَقَالَ : اسْأَلُوهُ فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَنْبُشُ الْقُبُورَ فَمَاتَ قَاضِي الْبَلَدِ قَالَ : فَذَهَبْت إلَيْهِ لَيْلًا فَنَبَشْت عَلَيْهِ حَتَّى وَصَلْت إلَيْهِ ، وَجِئْت آخُذُ الْكَفَنَ ، وَإِذَا بِشَخْصَيْنِ قَدْ دَخَلَا فَرُعِبْت مِنْهُمَا فَرَجَعْت فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْقَبْرِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى قَدَمَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَقَالَ : هَاتَانِ قَدَمَانِ مَا عَصَتَا اللَّهَ قَطُّ ، فَقَالَ لَهُ : تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى فَرْجِهِ فَشَمَّهُ فَقَالَ : هَذَا فَرْجٌ مَا عَصَى اللَّهَ قَطُّ ، فَقَالَ لَهُ : تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى بَطْنِهِ فَشَمَّهَا فَقَالَ هَذِهِ بَطْنٌ مَا أَكَلَتْ الْحَرَامَ قَطُّ ، فَقَالَ لَهُ : تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى يَدَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَقَالَ : هَاتَانِ يَدَانِ مَا عَصَتَا اللَّهَ قَطُّ ، فَقَالَ لَهُ : تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى فِيهِ فَشَمَّهُ فَقَالَ : هَذَا لِسَانٌ مَا عَصَى اللَّهَ قَطُّ ، فَقَالَ لَهُ : تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى عَيْنَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَقَالَ : هَاتَانِ عَيْنَانِ مَا عَصَتَا اللَّهَ قَطُّ ، فَقَالَ لَهُ : تَقَدَّمْ فَجَاءَ إلَى أُذُنَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَسَكَتَ ، فَقَالَ لَهُ : مَا بَالُك ؟ فَقَالَ لَهُ : هَاتَانِ أُذُنَانِ جَاءَهُ يَوْمًا خَصْمَانِ فَأَصْغَى إلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ فَارْتَفَعَا يَضْرِبَانِهِ ، فَهَرَبْت فَحَصَلَ لِي هَذَا مِنْ هُوِيِّ الْمِقْمَعَةِ فَأَصْبَحَ وَجْهِي كَمَا تَرَى انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ ، وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْحِكَايَةِ مَا أَعْجَبَهَا ، فَأَيْنَ الْحَاكِمُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا السَّيِّدُ هُوَ ، وَاَللَّهِ أَعَزُّ شَيْءٍ يَكُونُ ، وَمَنْ لَهُ عَقْلٌ يَنْظُرُ إلَى كُلِّ مَوْضِعٍ يُضْطَرُّ فِيهِ إلَى الصَّبْرِ فَيَهْرُبُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ فِي الْغَالِبِ عَاجِزَةٌ عَنْ الصَّبْرِ ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَارَهُ ، وَيُضْطَرَّ إلَيْهِ
فَالِاسْتِغَاثَةُ إذْ ذَاكَ بِرَبِّهِ لَعَلَّ أَنْ يُصَبِّرَهُ عَلَى مَا ابْتَلَاهُ بِهِ ، فَبُعْدُهُ مِنْ بَابِ الِابْتِلَاءِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يُرْجَى لَهُ أَنْ يُعَانَ ، وَأَنْ يَسْلَمَ مِنْ الْآفَاتِ الْمَنُوطَةِ بِهِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : ( { لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إذَا أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا } ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : إنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ } انْتَهَى .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ فِي تَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا ، بَلْ يَبْذُلُ بَعْضُنَا الْمَالَ فِي تَحْصِيلِهَا فَأَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَ هَذَا الْحَالِ ، وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : إنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ } ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ .
.
.
} الْحَدِيثَ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ بِهِ قُبْحُ تَعَاطِيهِمْ لِذَلِكَ .
فَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَذْلُ فِي ذَلِكَ لِمَا يَرَاهُ مِنْ أَنَّ فِيهِ أَهْلِيَّةً لِلْمَنْصِبِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ - أَنَّ فِي هَذَا تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ .
الثَّانِي - أَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْأَحْكَامِ فِيهِ إشْغَالُ الذِّمَّةِ بِأَمْرٍ لَا يُعْلَمُ هَلْ يُتَخَلَّصُ مِنْهُ أَمْ لَا ؟ وَخَلَاصُ الذِّمَّةِ مُتَعَيِّنٌ ، فَإِنْ اُحْتُجَّ بِمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ نَبِيِّهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُمْ أَلَا تَرَى إلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ طَلَبَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ، وَذَلِكَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ نَبِيٌّ مَلِكٌ ، فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ خَافَ عَلَى غَيْرِهِ إنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ يَهْلَكُ بِسَبَبِهِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ أَمِنَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ عِصْمَتِهِ ، هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَقَعُ بِالنَّاسِ شِدَّةٌ وَغَلَاءٌ خَافَ عَلَيْهِمْ إنْ تَوَلَّى غَيْرُهُ ذَلِكَ أَنْ يَهْلَكُوا هَلَاكَ اسْتِئْصَالٍ فَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ ، فَطَلَبَ مَا طَلَبَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَشِيَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَصِّرُوا فِي حَقِّهِ ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ إذْ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ {
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ } ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى طَلَبِ الْوِلَايَةِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا ، وَالسَّلَامَةُ غَالِبًا إنَّمَا تُتَوَقَّعُ فِي تَرْكِ الْوِلَايَاتِ ، فَكَيْفَ تُبْذَلُ فِيهَا الْأَمْوَالُ لَا جَرَمَ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى بَذْلِ الْأَمْوَالِ صَارَ يَطْلُبُهَا مَنْ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لَهَا ، وَلَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ فَضَاعَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ طَلَبِهَا ، وَدُخُولِ الْأَمْوَالِ فِيهَا ، وَصَارَتْ التَّوْلِيَةُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَإِذَا فُهِمَ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ الْهَرَبُ مِنْ الْوِلَايَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهَا ، وَهُوَ أَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ ، وَأَخْلَصُ مِنْ التَّبَعَاتِ عَاجِلًا وَآجِلًا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا التَّفْرِقَةُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ ، وَالِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ
، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ بِفَتْوَى مَنْ وَهَمَ ، وَأَلْحَقَ الرِّشْوَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ السُّحْتِ وَالْحَرَامِ بِبَابِ الْجَعَالَةِ ، وَإِلْحَاقُهَا بِبَابِ الْجَعَالَةِ لَا يَجُوزُ لِفَقْدِ شُرُوطِ الْجَعَالَةِ فِيهَا إذْ أَنَّ الْجَعَالَةَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَهَا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ مَعْلُومًا .
وَالثَّانِي : أَنْ لَا يَنْقُدَهُ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِلِ إلَّا بِتَمَامِهِ .
وَالرَّابِعُ : أَنْ لَا يُضْرَبُ لِلْعَمَلِ الْمَجْعُولِ فِيهِ أَجَلٌ ، فَمَتَى انْخَرَمَ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ لَمْ تَجُزْ ، وَقَدْ فُقِدَ فِي الرِّشْوَةِ أَكْثَرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ .
وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْعَالِمِ مِنْ الِاتِّبَاعِ يَزِلُّ الزَّلَّةَ فَتُحْمَلُ عَنْهُ فِي الْآفَاقِ ، وَقَالَ آخَرُ : زَلَّةُ الْعَالِمِ مِثْلُ انْكِسَارِ السَّفِينَةِ تَغْرَقُ ، وَتُغْرِقُ الْخَلْقَ انْتَهَى .
وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ يَقُولُ : إنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْآخِذِ لِلرِّشْوَةِ لَيْسَ إلَّا ؛ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ قَدْ تَسَبَّبَ فِي وُقُوعِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْمُحَرَّمِ فَصَارَ شَرِيكًا لَهُ فِي إثْمِ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الظَّلَمَةَ يُحْشَرُونَ وَأَعْوَانَهُمْ ، حَتَّى مَنْ مَدَّ لَهُمْ مَدَّةً ، فَإِذَا كَانَ مَنْ مَدَّ لَهُمْ مَدَّةً يُحْشَرُ مَعَهُمْ ، فَمَا بَالُك بِمَنْ أَخَذَ مَالًا مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَلَى شَيْءٍ هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَنْفَعَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا } ، وَمِنْ كِتَابِ التَّفْسِيرِ لِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ ظُفْرٍ الْحَمَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى قَوْله تَعَالَى { سَمَّاعُونَ
لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } - : قَالَ الْحَسَنُ : هُمْ حُكَّامُ الْيَهُودِ يَسْتَمِعُونَ الْكَذِبَ مِمَّنْ يَأْتِيهِمْ بِرِشْوَةٍ ، وَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ : رِشْوَةُ الْحَاكِمِ مِنْ السُّحْتِ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ شَفَعَ لِرَجُلٍ لِيَدْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً فَأَهْدَى إلَيْهِ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا فَذَلِكَ السُّحْتُ فَقِيلَ : لَهُ كُنَّا نَرَى أَنَّ السُّحْتَ الرِّشْوَةُ فِي الْقَضَاءِ فَقَالَ : ذَلِكَ الْكُفْرُ ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الرِّشْوَةَ فِي الْقَضَاءِ أَكَلَ السُّحْتَ وَكَفَرَ ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ لَعَنَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ } فَالرَّائِشُ : هُوَ الَّذِي يُرْشِي الْمُرْتَشِيَ مِنْ مَالِ الرَّاشِي فَيَأْخُذُ لَهُ الرِّشْوَةَ مِنْهُ فَكُلُّ مَالٍ كَسَبَهُ ذُو الْوَجَاهَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ مِنْ ذَوِي الْحَوَائِجِ إلَيْهِ بِجَاهِهِ ، فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ سُحْتٌ ، وَالْقَضَاءُ فِيهِ أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْحَابِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا رَفَعَهُ السُّلْطَانُ إلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { هَدَايَا الْعُمَّالِ مِنْ السُّحْتِ } ، وَقَالَ عُمَرُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ انْتَهَى .
فَصْلٌ فِي الْعَدَالَةِ فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْهَرَبِ مِنْ الْمَنَاصِبِ فَمِنْ آكَدِهَا الْهَرَبُ مِنْ الْعَدَالَةِ ، وَتَرْكُ التَّشَوُّفِ إلَيْهَا ، إذْ أَنَّ الْخَطَرَ فِيهَا أَعْظَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ ، إذْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَمْرٌ ، وَلَا نَهْيٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا بِشَهَادَتِهِمْ فَكَأَنَّهُ أَسِيرُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ بِحَسْبِ مَا قَالُوهُ حَكَمَ ، فَهُمْ الْبَاعِثُونَ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ ، وَأُمُورُهَا مُتَشَعِّبَةٌ مُشْغِلَةٌ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ فِي الْغَالِبِ ، حَتَّى إنَّهُ قَدْ يُضَيِّعُ بَعْضُهُمْ لِأَجْلِهَا ، وَفِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ أَشْيَاءُ عَدِيدَةٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : إنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ } انْتَهَى .
فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ طَلَبَ الْعَدَالَةَ فَهُوَ قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ خُصُوصًا لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مِنْ الْقَبَائِحِ إلَّا مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ خَاصًّا بِهَا ، بَلْ هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ رَجَعَتْ إلَى بَذْلِ الْمَالِ وَالِاسْتِعَانَةِ مَعَهُ بِمَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا فِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَنَاصِبَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا ، وَيُحْرَمَهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا فِي الْغَالِبِ ، فَآلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى أَشْيَاءَ فَظِيعَةٍ مِنْ إبْطَالِ الْأَنْكِحَةِ ، وَالْعُقُودِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، إذْ أَنَّ الرَّبْطَ وَالْحَلَّ إنَّمَا هُوَ بِالْعُدُولِ ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُدُولِ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَالُهُمْ مَعْلُومٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى شَرْحِهِ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَثُرَتْ شَهَادَاتُ الزُّورِ إذْ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْعَدَالَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ أَهْلُهَا لَقَلَّتْ الْمَفَاسِدُ ، بَلْ تُعْدَمُ بِالْكُلِّيَّةِ .
وَقَدْ ذَكَرْت لِبَعْضِ الْمُبَارَكِينَ
شَخْصًا ، وَأَثْنَيْت عَلَيْهِ عِنْدَهُ ، وَقُلْت لَهُ : إنَّ وَالِدَهُ يَطْلُبُ لَهُ الْعَدَالَةَ فَقَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ هُوَ الْآنَ عَدْلٌ كَيْفَ يُجَرِّحُونَهُ ، فَقُلْت لَهُ : الْعَدَالَةُ تَجْرِيحٌ فَقَالَ : نَعَمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَرْكُ الْعَدَالَةِ هِيَ الْعَدَالَةُ ، وَمَا ذَكَرَهُ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى إلَى حَالِ بَعْضِهِمْ فِي الْمَكْتُوبِ إذَا كَتَبَهُ يَطْلُبُ عَلَيْهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَيَتَشَاحُّ فِي ذَلِكَ ، وَلِسَانُ الْعِلْمِ يَمْنَعُهُ إذْ أَنَّ الْجَالِسَ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَرْبَعِ مَرَاتِبَ أَوَّلُهَا ، وَهِيَ أَعْلَاهَا : أَنْ يَجْلِسَ لِقَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالتَّفْرِيجِ عَنْهُمْ ، وَإِرْشَادِهِمْ ، وَتَصْحِيحِ عُقُودِهِمْ طَالِبًا بِذَلِكَ الثَّوَابَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِدُنْيَا يُصِيبُهَا ، وَلَا لِثَنَاءٍ وَغَيْرِهِ ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ } ، فَإِذَا أَعْطَى شَيْئًا تَبَرَّمَ مِنْهُ ، وَأَغْلَظَ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَهَذَا عَزِيزُ الْوُجُودِ ، فَإِنْ وُجِدَ كَانَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاتِهِ النَّافِلَةَ فِي بَيْتِهِ ، وَانْقِطَاعِهِ لِلتَّعَبُّدِ ، إذْ أَنَّهُ خَيْرٌ مُتَعَدٍّ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّ النَّفْعَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ عَلَى الْمَرْءِ نَفْسِهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ مِنْ الْآفَاتِ الَّتِي تَعْتَوِرُهُ فِي ذَلِكَ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَجْلِسَ لِلشَّهَادَةِ فَإِذَا جَاءَهُ شُغْلٌ أَخَذَ عَلَيْهِ أُجْرَةَ نَسْخِهِ لِلْوَرَقَةِ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ لَيْسَ إلَّا ، فَإِنْ زَادَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا رَدَّهُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فِي عِزَّةِ وُجُودِهِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَدِينَةِ فَاسَ جَالِسًا فِي الْعُدُولِ ، وَجَاءَهُ إنْسَانٌ فَكَتَبَ عِنْدَهُ حُجَّةً ، وَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَا نَسْتَحِقُّهُ
فَقَالَ لَهُ : مَا عِنْدِي غَيْرُ الدِّرْهَمِ فَقَالَ : لَا آخُذُ مَا لَا أَسْتَحِقُّهُ فَقَالَ لَهُ : فَكَمْ نُعْطِيكَ قَالَ : رُبْعُ دِرْهَمٍ قَالَ : مَا عِنْدِي رُبْعٌ قَالَ : هَاتِ أَرْبَعَةً مِنْ الْبِيضِ ، ثُمَّ جَاءَهُ مَرَّةً أُخْرَى لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَنَزَلَ مِنْ دُكَّانِهِ لِأَدَائِهَا فَأَعْطَاهُ شَيْئًا فَانْتَهَرَهُ ، وَزَجَرَهُ قَالَ : تُطْعِمُونَ النَّاسَ الْحَرَامَ ، وَمَعَ هَذَا الْحَالِ مِنْ التَّحَرُّزِ وَالِاحْتِيَاطِ لِدِينِهِ تَبَرَّمَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَامَ مِنْ الْمَجْلِسِ ، وَانْعَزَلَ فِي الْبَيْتِ فَعَلَى مِنْوَالِهِ فَانْسِجْ إنْ أَرَدْت الْخَلَاصَ .
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَجْلِسَ فَإِذَا جَاءَهُ شُغْلٌ عَمِلَهُ ، وَلَا يَطْلُبُ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإِنْ أَعْطَاهُ قَلِيلًا رَضِيَ بِهِ ، وَإِنْ أَعْطَاهُ كَثِيرًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ لَمْ يَرُدَّهُ ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ أَدْنَى مِنْ الْمَرْتَبَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ مَعَ كَوْنِهَا جَائِزَةً شَرْعًا ، وَقَدْ قَلَّ وُجُودُهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ .
الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ : مَا يَتَعَاطَوْنَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا ، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ الشَّاهِدُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَيَمْنَعَ الْحُجَّةَ لِأَجْلِهِ ، حَتَّى يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَدَّى الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَتْرُكَ بَعْضُ النَّاسِ الْإِشْهَادَ عَلَى حُقُوقِهِ لِأَجْلِ الْإِجْحَافِ بِهِ ، وَخَوْفًا مِنْ إعَانَتِهِمْ عَلَى أَكْلِ الْحَرَامِ ، وَأَقْبَحُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا طُلِبَ مِنْ بَعْضِهِمْ ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ الْيَوْمَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهَا يَتَنَاسَاهَا ، كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا ، حَتَّى إذَا أُعْطِيَ شَيْئًا تَذَكَّرَهَا إذْ ذَاكَ مِنْ غَيْرِ ارْتِيَابٍ سِيَّمَا فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ يَفْعَلُ بَعْضُهُمْ فِيهَا فِعْلًا قَبِيحًا ، وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَ الصَّدَاقَ عِنْدَهُ ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ يَقُولُ : حَتَّى أُفَتِّشَ فَلَا يَزَالُ يُمَاطِلُ حَتَّى إذَا اُضْطُرَّتْ الْمَرْأَةُ إلَيْهِ بِمَوْتِ زَوْجِهَا ، أَوْ طَلَاقِهِ إيَّاهَا ، أَوْ بِطَلَبِ حَقِّهَا الْمَذْكُورِ فِي صَدَاقِهَا ، فَيَطْلُبُ مِنْهَا إذْ ذَاكَ مَا
يَخْتَارُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الْحَالِ ، وَخَشِيَتْ مِنْهُ أَيْضًا إنْ كَانَ الصَّدَاقُ عِنْدَهَا أَنْ تَقْضِيَ مَا تَزِيدُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِالْمُبَارَأَةِ ، وَأَفْعَالُهُمْ مِنْ هَذَا وَمَا شَاكَلَهُ أَقْبَحُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ ، وَتُنَزَّهُ الْكُتُبُ عَنْ ذِكْرِهَا ، وَالْأَقْلَامُ عَنْ كَتْبِهَا ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { سَتَكُونُ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الْمَرْءُ مُؤْمِنًا ، وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا ، وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا } ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ فَقَدْ بَاعَ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ يُضْطَرُّ طَالِبُ الْعِلْمِ إلَى الْعَدَالَةِ وَالْجُلُوسِ لِأَجْلِ الْعَائِلَةِ ، وَمَا يَعْتَوِرهُ مِنْ الضَّرُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ مِمَّا يُحْوِجُهُ إلَى ذَلِكَ ، فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا ، وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لَا تُسْتَأْكَلُ بِهِ الدُّنْيَا ، فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ ، فَلَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ اتِّسَاعٌ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَأُمُورُ الدِّينِ وَالْآخِرَةِ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا ، فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى التَّسَبُّبِ فِي الْعَدَالَةِ ، وَالْجُلُوسِ لِمَا ذُكِرَ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَهُ ، وَيَجْلِسَ بِقَصْدِ أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، فَلَا بَأْسَ إذَنْ ، وَيُرْجَى لَهُ أَنَّهُ فِي طَاعَةٍ لِضَرُورَةِ النَّاسِ إلَيْهِ ، وَضَرُورَتُهُ شَرْعِيَّةٌ .
( تَنْبِيهٌ ) ، وَلْيَحْذَرْ إذَا جَلَسَ أَنْ يَفْعَلَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ ، وَهُوَ مَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ ، وَذَلِكَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ السَّرَفِ ، وَعَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ } ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَتْبَ الصَّدَاقِ فِي خِرْقَةِ الْحَرِيرِ مِنْ بَابِ السَّرَفِ ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ يَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ ، وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ لَكِنْ فِيمَا يَكُونُ لُبْسًا وَتَحَلِّيًا شَرْعِيًّا ، وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَمِنْ بَابِ الْفَخْرِ ، وَالْخُيَلَاءِ ، وَالْمُبَاهَاةِ ، وَالْمُخَالَفَةِ ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا كَتْبُهُمْ لِذَلِكَ فِي النَّصَّافِي ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِلُبْسٍ ، وَالسَّرَفُ فِيهِ مَوْجُودٌ ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَهُمْ فِي الرَّقِّ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُبَاحِ اتِّسَاعٌ ، ثُمَّ كَذَلِكَ يُحْذَرُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى ، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ سَطْرًا أَوْ سَطْرَيْنِ ثُمَّ يَتْرُكَ بَيَاضًا خَارِجًا عَنْ الْعَادَةِ ، فَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابِ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَالسَّرَفِ ، وَالْخُيَلَاءِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي رَقٍّ ، أَوْ ، وَرَقٍ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا مُخَالَفَةُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَكَانَ فِعْلُهُمْ لِذَلِكَ قَبِيحًا ، فَكَيْفَ بِهِ مَعَ مُصَادَمَةِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ السَّرَفِ .
( تَنْبِيهٌ آخَرُ ) وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَحْضُرَ كَتْبَ صَدَاقٍ فِي مَوْضِعٍ مَفْرُوشٍ بِحَرِيرٍ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْغَالِبِ ، أَوْ يَجْلِسَ عَلَى حَرِيرٍ ، أَوْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ ، أَوْ إلَى وِسَادَةٍ مُطَرَّزَةٍ بِحَرِيرٍ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ وُسْعِ الطِّرَازِ بِالْحَرِيرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَدْرُ الَّذِي يُبَاحُ ، وَيُتَسَامَحُ فِي إبَاحَتِهِ مِنْ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ ، وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ تَحْتَ السَّقْفِ الْمُذَهَّبِ ، وَمِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا تَمَاثِيلُ ، أَوْ صُوَرٌ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ الْكَتْبَ
فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مُنْكَرٌ بَيِّنٌ ، أَوْ مَعَ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ جَهْرًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ شُرْبُ خَمْرٍ ، أَوْ مَغَانٍ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ حُضُورِهِنَّ بِآلَاتِ الطَّرَبِ ، وَكَشْفِ الْوُجُوهِ ، وَالْمَعَاصِمِ ، أَوْ يَكُونَ ثَمَّ نِسَاءٌ مُتَبَرِّجَاتٌ سَوَاءٌ اخْتَلَطْنَ بِالرِّجَالِ أَمْ لَا .
وَكَذَلِكَ لَا يَحْضُرُ مَوْضِعًا فِيهِ مَغَانِي الرِّجَالِ بِالْآلَاتِ الْمَمْنُوعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا دُونَهَا ، وَلَا فِي مَكَان تَحْضُرُهُ الشَّيْخَةُ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْخَيْرِ ، وَالصَّلَاحِ ، وَالْعِلْمِ ، أَوْ أَحَدِهَا أَنْ لَا يُجِيبَ إلَى مَوْضِعٍ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي خَيْرِهِ ، وَصَلَاحِهِ ، وَعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ ذَلِكَ ، وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِ مِنْ التَّغْيِيرِ أَنْ لَا يُجِيبَ لِمَوْضِعٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهُ أَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ أَجْلِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَمْنُوعٌ شَرْعًا ، وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي حَقِّ النَّاسِ كُلِّهِمْ مَمْنُوعًا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ ، لَكِنْ فِي حَقِّ الْعَدْلِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا ، وَمَا شَاكَلَهُ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ مَفْسَدَتَانِ عَظِيمَتَانِ : إحْدَاهُمَا : وَهِيَ أَشَدُّهُمَا : سُقُوطُ عَدَالَتِهِ فِي نَفْسِهِ ، وَإِذَا سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ بَطَلَتْ الْعُقُودُ الَّتِي يَشْهَدُ فِيهَا إنْ كَانَ النِّصَابُ لَمْ يَكْمُلْ إلَّا بِهِ .
وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ قُدْوَةٌ فَيَقَعُ الْعَوَامُّ بِسَبَبِ تَعَاطِيهِ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِ جَوَازِهِ فِي الشَّرْعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ بِزِيَادَةِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَمِّ الشَّرْعِ حَيْثُ قَالَ : { وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ } انْتَهَى .
وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ تَسَاهَلَ فِيهِ أَكْثَرُهُمْ الْيَوْمَ ، وَفِيهِ مِنْ الْخَطَرِ
مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
( تَنْبِيهٌ آخَرُ ) ، وَكَذَلِكَ يَحْتَرِزُ الشَّاهِدُ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ فِي إمْضَاءِ الْحُكْمِ قَامَ الشُّهُودُ لَهُ إذْ ذَاكَ ، وَانْحَنُوا حَتَّى يَقْرُبَ بَعْضُهُمْ مِنْ الرُّكُوعِ الْمَمْنُوعِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتَكَلَّمُوا مَعَ ذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ مُنَمَّقَةٍ مَمْنُوعَةٍ فِي الشَّرْعِ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّزْكِيَةِ ، وَالتَّمَلُّقِ بِالْبَاطِلِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَدْحٌ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَفِيمَنْ رَضِيَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ يُحْتَرَزُ مِنْ قِيَامِهِ عِنْدَ عُطَاسٍ لِلْقَاضِي ، وَمِنْ تَشْمِيتِهِ بِأَلْفَاظِهِمْ الَّتِي اعْتَادُوهَا الْيَوْمَ ، وَلَمْ تَرِدْ فِي الشَّرْعِ .
وَقَدْ وَقَعَ بِهَذَا الَّذِي ذُكِرَ التَّنْبِيهُ بِالْأَقَلِّ عَلَى الْأَكْثَرِ ، وَبِالْأَصْغَرِ عَلَى الْأَكْبَرِ ، فَلْيَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ مَنْ يَتَنَبَّهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا ، وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ بِمُحَمَّدٍ ، وَآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - .
( تَنْبِيهٌ آخَرُ ) ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا جَاءَهُ الْخَصْمَانِ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمَا بِتَقْيِيدِ أَلْفَاظِهِمَا ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ بَيْنَهُمَا حِينَ الْمُشَاجَرَةِ ، أَوْ الرَّجُلُ وَزَوْجَتُهُ يُرِيدَانِ الْفِرَاقَ أَنْ يَكْسِرَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ ، وَيُشِيرَ عَلَيْهِمَا بِالصُّلْحِ جَهْدَهُ ، وَيَذْكُرَ لَهُمَا مَا فِي الصُّلْحِ مِنْ الْخَيْرِ ، وَالْبَرَكَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ، أَوْ مَعْرُوفٍ ، أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ } ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ، أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } فَلَا يُعْجِلُ الشَّاهِدَ عَلَيْهِمَا بِالشَّهَادَةِ إلَّا بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْ صُلْحِهِمَا ، وَيَرَى أَنَّ الْفُرْقَةَ خَيْرٌ لَهُمَا ، وَالشَّهَادَةَ أَوْجَبُ عَلَيْهِمَا لِمَا يَرَاهُ مِنْ حَسْمِ بَابِ النِّزَاعِ بَيْنَهُمَا ، وَيُخْبِرُهُمَا بِمَا فِي التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ مِنْ الْآثَامِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ لِامْتِثَالِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ .
وَفِيهِ تَرْكُ الِاسْتِشْرَافِ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْ الْحُطَامِ ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْبَرَكَةُ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ : { إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ } ، وَقَدْ أَدْرَكْت بَعْضَ الشُّهُودِ بِمَدِينَةِ فَاسَ إذَا جَاءَهُمْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْمُتَخَاصِمَيْنِ لَا يُعْجِلُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِشْهَادِ حَتَّى يَيْأَسُوا مِنْ صُلْحِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَانَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبَبٌ غَيْرَ مَا هُمْ فِيهِ ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ كَانَ حَالُهُمْ أَجْمَلَ حَالٍ فِي الْيَسَارِ وَالسَّعَةِ ، فَظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتُ الِامْتِثَالِ لِمَا قَالَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ إذْ الْبَرَكَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ فَإِذَا حَصَلَتْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْأَسْبَابِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ ، وَلِأَجْلِ تَرْكِ النَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثُرَتْ الْيَوْمَ الْأَشْغَالُ وَالشَّهَادَاتُ ، وَامْتَحَقَتْ الْبَرَكَاتُ سِيَّمَا إنْ حَصَلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْمُومَةِ فِي التَّحْلِيلِ ، فَإِنَّهَا كَالتِّرْيَاقِ الْمُجَرَّبِ قَدْ عُلِمَتْ بِالْعَادَةِ الْمَاضِيَةِ فِيهِ ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَتَعَانَّاهُ مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، وَالْوَلِيِّ ، وَالشُّهُودِ سُلِّطَ عَلَيْهِ الْفَقْرُ ، وَلِأَجْلِ هَذَا تَجِدُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَحْصُلُ لَهُ فِي الْيَوْمِ جُمْلَةً مِنْ الْفِضَّةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ حَالُهُ ضَيِّقٌ ، وَتَجِدُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ ، وَيَشْتَكِي بِالْفَقْرِ ، وَالْفَاقَةِ الْكَثِيرَةِ ، وَهَذَا حَالُ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ الِاسْتِشْرَافُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَمُّهُ فِي الْحَدِيثِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ الشَّاهِدَ إذَا فَعَلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ يَقِلُّ عَلَيْهِ الشُّغْلُ ، وَقَدْ يَنْعَدِمُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ فَيَضِيعُ حَالُهُ ، وَحَالُ عِيَالِهِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ الشُّغْلَ الْقَلِيلَ مَعَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ أَبْرَكُ مِنْ الْكَثِيرِ مَعَ مُخَالَفَتِهَا ، بَلْ مَا مَعَ الْمُخَالَفَةِ بَرَكَةٌ أَصْلًا ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( { لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ } انْتَهَى .
فَأَرْشَدَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَا فِيهِ صَلَاحُ أُمَّتِهِ دِينًا وَدُنْيَا ، فَمَنْ حَاوَلَ الرَّاحَةَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ رَامَ شَطَطًا ، وَتَعِبَ ، وَأَتْعَبَ فَلْيَحْذَرْ الْعَاقِلُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ ، فَإِنَّهُ خَطِيرٌ ثُمَّ مَعَ تَنَزُّهِهِ عَنْ الْأَشْغَالِ الْكَثِيرَةِ يَحْصُلُ لَهُ الْبَرَكَةُ ، وَفَرَاغُ السِّرِّ ، وَقَدْ يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى الْمُطَالَعَةِ وَالدَّرْسِ ، وَهُوَ فِي دُكَّانِهِ بِخِلَافِ حَالِهِ مَعَ كَثْرَةِ الْأَشْغَالِ الْمَكْرُوهَةِ شَرْعًا ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَمْتَحِقُ
مِنْهَا ، وَيَتَعَوَّقُ بِهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ، وَأَزْكَاهَا ، وَأَبْرَكُهَا فَلْيَشُدَّ عَلَى ذَلِكَ يَدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَبَرْكُ مِمَّا هُوَ فِيهِ أَلَا تَرَى إلَى مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي خَرَّجَهُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ ، وَصَحَّحَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ ، وَالثَّنَاءِ عَلَى حَامِلِهِ ، وَبَرَكَتِهِ ، وَالتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ حَسَنَةٌ ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ } ؛ لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ ، وَالْحَرَامِ ، وَمَنَارُ سَبِيلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَالْأُنْسُ فِي الْوَحْشَةِ ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ ، وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ ، وَالْمُعِينُ عَلَى الضَّرَّاءِ ، وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَالزَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَفَى آثَارُهُمْ ، وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ ، وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهِمْ تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ ، وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ وَهَوَامُّهُ ، وَسِبَاعُ الطَّيْرِ ، وَأَنْعَامُهُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنْ الْجَهْلِ ، وَمِصْبَاحُ الْأَبْصَارِ مِنْ الظُّلْمَةِ بِالْعِلْمِ تُبْلَغُ مَنَازِلُ الْأَخْيَارِ ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ ، وَمُدَارَسَتُهُ الْقِيَامَ ، وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ ، وَيُعْرَفُ الْحَلَالُ ، وَالْحَرَامُ الْعِلْمُ إمَامٌ ، وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ ، وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ .
فَصْلٌ فِي آدَابِ الْعَالِمِ ، وَالْمُتَعَلِّمِ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا قُدْوَةٌ لِلْمُقْتَدِي ، فَإِذَا فَعَلَتْ زَوْجَةُ أَحَدِهِمَا شَيْئًا نُسِبَ ذَلِكَ لِلشَّرْعِ ، وَصَارَ حُجَّةً فِي الدِّينِ غَالِبًا ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى تَصَرُّفِ أَهْلِهِ كَمَا يَتَحَفَّظُ عَلَى تَصَرُّفِهِ فِي نَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ } ) يَعْنِي فِي امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ ، وَالنَّوَاهِي ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي النُّعُوتِ مِنْ الذَّمِّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ ، وَمَا فِي قِيَامِ الرِّجَالِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ الذَّمِّ ، وَقِيَامُ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ أَشْنَعُ إذْ أَنَّهَا عَوْرَةٌ ، وَحَرَكَتُهَا زِيَادَةٌ فِي ظُهُورِ الْعَوْرَةِ ؛ لِأَنَّ فِي قِيَامِهَا يُرَى مِنْهَا مَا لَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى رُؤْيَتِهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ الْقِيَامَ فِي حَقِّهَا أَشَدُّ مِنْ قِيَامِ الرَّجُلِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا لَهُ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُفَاحِشَهَا ، وَقَدْ مَنَعَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْعَالِمِ ، وَالْمُتَعَلِّمِ فَكَيْفَ بِهِ فِي حَقِّهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا قُدْوَةٌ ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ انْتَهَى .
وَلَهُ فِي الِانْبِسَاطِ بِمَا يَجُوزُ شَرْعًا اتِّسَاعٌ فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى غَيْرِهِ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ تَتَزَيَّنَ زَوْجَتُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي غَيْرِ مَا أُبِيحَ لَهَا ، إذْ أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا أَجَازَ لَهُنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ ، وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ عَلَى أَبْدَانِهِنَّ ، إذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا تَتَّخِذُ الْمُكْحُلَةَ ، أَوْ الْمِيلَ ، أَوْ الْمِرْآةَ مِنْ ذَهَبٍ ، أَوْ فِضَّةٍ ؛ إذْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِزِينَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى
فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَعِيرَةٌ بَيْنَهُمْ ، وَهُوَ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَدْخُلُ عَلَى زَوْجِهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا بِثَلَاثِ دِكَكٍ دِكَّةِ فِضَّةٍ ، وَدِكَّتَيْ نُحَاسٍ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ ، وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَعْنِي مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِضَّةً إذْ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي اتِّخَاذِ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ لِلْمَرْأَةِ لَكِنَّهُ قَوْلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ آثِمٌ فِي فِعْلِهِ ، وَادِّخَارِهِ ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ تَمْضِي عَلَيْهِ ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ الْوَلِيِّ أَنْ يَمْنَعَ مَا أَحْدَثَهُ النِّسَاءُ مِنْ تَزْيِينِهِنَّ لِلْحَوَاجِبِ بِمَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ ، سِيَّمَا إنْ كَانَ نَجِسًا إذْ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا ، وَأَمَّا النَّقْشُ ، وَالتَّكْتِيبُ فَلَا شَكَّ فِي مَنْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ ، وَحَائِلٌ ، وَيَزِيدُ عَلَى مَا ذُكِرَ بِكَشْفِ الْعَوْرَةِ لِأَجْلِهِ إذْ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي حَالِهَا مَعَ النِّسَاءِ مِثْلِهَا مِنْ الْمُسْلِمَاتِ فَقِيلَ : كَالرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَقِيلَ : كَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ ، وَفِيهِ مِنْ التَّشْوِيهِ أَعْنِي فِي النَّقْشِ وَالتَّكْتِيبِ ، أَنَّهُنَّ يُغَيِّرْنَ بِهِ الْبَدَنَ ، وَيُكْسِبُهُ ذَلِكَ خُشُونَةً ، وَذَلِكَ مِمَّا يُنَغِّصُ عَلَى الرَّجُلِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ ، وَقَدْ يَئُولُ ذَلِكَ إلَى وُقُوعِ الْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ غَفَلَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ نَفْسِهَا قَلِيلًا بَقِيَ بَدَنُهَا كَأَنَّهُ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ .
وَالْغَالِبُ أَنَّ بَدَنَهَا يُدْمِي فَتَزِيدُ النَّجَاسَةُ ، وَيَكْثُرُ ضِدُّ مُرَادِ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّبَاعُدِ عَنْهَا ، وَأَمَّا هِيَ فَالْغَالِبُ أَنَّهَا تُقَاسِي مِنْ ذَلِكَ شِدَّةً حَتَّى تَبْرَأَ ، فَإِذَا بَرِئَتْ بَقِيَ أَثَرُهُ فِي بَدَنِهَا حُفَرًا حُفَرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْتَوِيًا صَحِيحًا سَالِمًا مِنْ الْعُيُوبِ ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ
الْبِدْعَةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا بَعْضُ النِّسَاءِ فِي الْغَالِبِ ، وَهِيَ أَنَّهَا إذَا أَرَادَتْ الْخُرُوجَ لَبِسَتْ أَحْسَنَ ثِيَابِهَا ، وَتَزَيَّنَتْ ، وَتَعَطَّرَتْ ، وَلَبِسَتْ مِنْ الْحُلِيِّ مَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ مِنْ سِوَارٍ ، وَخَلْخَالٍ ، وَتُضِيفُ إلَى ذَلِكَ فِعْلًا قَبِيحًا شَنِيعًا ، وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ الْخَلْخَالَ فَوْقَ السَّرَاوِيلِ لِكَيْ يَظْهَرَ ، وَقَدْ تَضْرِبُ بِرِجْلِهَا فِي الْغَالِبِ فَيُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ .
وَهَذَا خِلَافُ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } إلَى قَوْله تَعَالَى { ، وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } ، وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلْنَهُ مِنْ لُبْسِ هَذَا الْإِزَارِ الرَّفِيعِ الَّذِي لَوْ عُمِلَ عَلَى عُودٍ لَأَفْتَنَ بَعْضَ الرِّجَالِ فِي الْغَالِبِ لِحُسْنِ مَنْظَرِهِ ، وَصِقَالَتِهِ ، وَرِقَّةِ قُمَاشِهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ الْخُرُوجَ أَنْ تَلْبَسَ حَشَفَ ثِيَابِهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهَا أَنْ تَجُرَّ مِرْطَهَا خَلْفَهَا نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ إلَى ذِرَاعٍ ، وَأَنْ تَمْشِيَ مَعَ الْجُدْرَانِ ، وَتَتْرُكَ وَسَطَ الطَّرِيقِ ، وَهَذَا فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْعَالِمِ ، وَالْمُتَعَلِّمِ فَيَجِلُّ حَالُهُمَا أَنْ يَرْضَيَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا قُدْوَةٌ لِلْمُقْتَدِينَ فَإِذَا رَأَى أَحَدٌ زَوْجَةَ الْعَالِمِ ، أَوْ الْمُتَعَلِّمِ تَعْمَلُ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ يَنْسُبُ ذَلِكَ إلَى الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ ، فَكَيْفَ تُنْسَبُ إلَى مَنْ لَهُ عِلْمٌ مَعَاذَ اللَّهِ ؟ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا ثَلَاثُ خَرْجَاتٍ فَإِنْ كَانَ ، وَلَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثِ فَلْيَكُنْ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ لِسَانِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ .
وَيُعَلِّمُهَا السُّنَّةَ فِي الْخُرُوجِ ، وَفِي الْإِقَامَةِ فِي بَيْتِهَا إذْ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي بَيْتِهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَفْعَلَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا
تَفْعَلُهُ فِي خُرُوجِهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ } ، وَمِنْ حُسْنِ التَّبَعُّلِ التَّزَيُّنُ وَالتَّحَلِّي ، وَالتَّعَطُّرُ فِي بَيْتِهَا لِزَوْجِهَا مَعَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالتَّأَنِّي لَهُ ، وَلَهَا فِي ذَلِكَ أُسْوَةٌ بِالسَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَكَذَلِكَ يُحْذَرُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَنَامُونَ فِي ثِيَابِهِمْ ، وَالسُّنَّةُ الْفِرَاشُ ، وَالتَّجْرِيدُ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّجْرِيدِ وَالْفِرَاشِ ، وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهَا قَامَتْ مِنْ فِرَاشِهَا قَالَتْ : فَجَعَلْت دِرْعِي فِي رَأْسِي ، وَاخْتَمَرْت ، وَتَقَنَّعْت إزَارِي إلَى أَنْ قَالَ : فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَانِي حِينَ رَأَيْت فَنَادَانِي فَأَخْفَيْته مِنْك ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْك ، وَقَدْ وَضَعْت ثِيَابَك } ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ ، وَهِيَ قَبِيحَةٌ مُسْتَهْجَنَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا جَاءَتْ إلَى الْفِرَاشِ تَأْخُذُ شَيْئًا يُعْطِيهِ لَهَا زَوْجُهَا فِي الْغَالِبِ غَيْرَ نَفَقَتِهَا بِحَسْبِ حَالِهِ ، وَحَالِهَا لِحَقِّ الْفِرَاشِ عَلَى مَا يَزْعُمْنَ ، وَهَذَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ ، وَقَدْ وَقَعَ بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ يُعْطِي فِضَّةً عِنْدَ حَلِّ السَّرَاوِيلِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءَ فَقَالُوا : هُوَ شَبِيهٌ بِالزِّنَا ، وَمَنَعُوهُ ، وَهَذَا إنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فَمَا بَالُك بِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ، وَلْيُحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى بَلْ الْمُحَرَّمِ ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَغْفُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ فِي الْغَالِبِ ، وَلَا يَسْأَلُهَا عَنْ صَلَاتِهَا ، وَلَا عَمَّا يَلْزَمُهَا فِي الشَّرْعِ ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَالرَّجُلُ
رَاعٍ فِي بَيْتِهِ ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } ، فَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ صَلَاتِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَةُ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ أَهْلِهِ ، وَالْغَالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ : أَنَّ الرَّجُلَ يُرَاعِي حَقَّ نَفْسِهِ إذَا كَانَتْ لَهُ عِنَايَةٌ بِدِينِهِ فَيَطَأُ ، وَيَخْرُجُ إلَى الْحَمَّامِ ، وَيَتْرُكُ أَهْلَهُ ، وَهُنَّ جُنُبٌ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُنَّ مَوْضِعٌ لِلْغُسْلِ ، وَلَا آلَةٌ تُعِينُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَسْتَحِي بَعْضُهُنَّ ، وَهُوَ الْغَالِبُ أَنْ يَخْرُجْنَ إلَى الْحَمَّامِ فِي كُلِّ أَوَانٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَرِيءُ الذِّمَّةِ مِنْ جِهَةِ أَهْلِهِ فِي تَرْكِهِنَّ الصَّلَاةَ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، وَإِنْ أَمَرَهُنَّ بِهَا فَأَمْرٌ مُطْلَقٌ إذْ لَا يُفَكِّرُ لَهُنَّ فِي تَحْصِيلِ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُنَّ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ تَرْكَ صَلَاةِ الزَّوْجَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَتِهِ لَا مِنْ جِهَتِهَا ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي الْغَالِبِ أَعْنِي الْغَفْلَةَ عَنْهَا ، وَإِيثَارَهَا لِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ يَكُونُ لَهَا فِي الْبَيْتِ مَا يُمْكِنُهَا الْغُسْلُ فِيهِ لَكِنْ تَسْتَحِي مِنْ الْعَائِلَةِ الَّتِي فِي الْبَيْتِ أَنْ تَغْتَسِلَ ، وَهُمْ يَشْعُرُونَ بِهَا فَتَتْرُكَ الصَّلَاةَ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، وَلَا حَيَاءَ فِي الدِّينِ ، وَإِنَّمَا هِيَ عَوَائِدُ جَرَتْ ، وَاسْتَحْكَمَتْ ، وَصَارَ يُسْتَحَى فِي الْغَالِبِ مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ ، وَلَا يُسْتَحَى مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ .
وَالْعَجَبُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَشْتَرِي الدَّارَ بِالْأَلْفِ ، أَوْ يَبْنِيهَا ابْتِدَاءً ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِي طَسْتٍ ، وَلَا يَعْمَلُ مَوْضِعًا لِلْوُضُوءِ فَضْلًا عَنْ مَوْضِعِ الْغُسْلِ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَجْلِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ الْمُسْتَهْجَنَةِ الْقَبِيحَةِ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا فِكْرَةَ لَهُمْ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي صَلَاحِ دُنْيَاهُمْ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَلَا يُفَكِّرُونَ
فِيهِ حَتَّى يَفْجَأَهُمْ إنْ كَانُوا مُتَّقِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، فَإِنْ أَصَابَتْ الْجَنَابَةُ بَعْضَ الْمُتَحَفِّظِينَ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ خَرَجَ إلَى الْحَمَّامِ ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِي الْحَمَّامِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَشْيَاءُ مُتَعَدِّدَةٌ .
وَكَذَلِكَ تَجِدُ بَعْضَهُمْ يُعْطِي فِي صَدَاقِ الْمَرْأَةِ الْمِئِينَ ، أَوْ الْآلَافَ ، وَلَا يُعِدُّ مَوْضِعًا لِلْغُسْلِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُسَاعِدُهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى فِعْلِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُتْرَكُ الصَّلَاةُ لِأَجْلِهَا ، وَالصَّلَاةُ لَا تَسْقُطُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَا جَرَمَ أَنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَهُمَا قَلَّ أَنْ يَقَعَ ، وَإِنْ دَامَتْ الْأُلْفَةُ بَيْنَهُمَا فَعَلَى دَخَنٍ ، وَإِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا مَوْلُودٌ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ إنْ نَشَأَ الْعُقُوقُ ، وَارْتِكَابُ مَا لَا يَنْبَغِي كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَرْكِ مُرَاعَاةِ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمَا مَعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ طَلَبَتْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لَهَا زَوْجُهَا مَوْضِعًا لِلْغُسْلِ لَحَكَمَ لَهَا بِذَلِكَ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ فَقِيلَ لَهُ : أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك الْغُسْلُ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ ، أَوْ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ ؟ فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا دُخُولُ الْحَمَّامِ بِصَوَابٍ ، فَكَيْفَ يُغْتَسَلُ مِنْ مَائِهِ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ غُسْلَهُمْ كَانَ فِي بُيُوتِهِمْ ، بَلْ إنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحَمَّامَ أَلَا تَرَى إلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا : الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلُهَا الرِّجَالُ إلَّا بِإِزَارٍ ، وَامْنَعُوا مِنْهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً ، أَوْ نُفَسَاءَ } ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد ،
وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ قَالَتْ : ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهُ بِالْمِئْزَرِ } ، وَقَالَ : ( دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ نِسْوَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَتْ : لَعَلَّكُنَّ مِنْ الْكُورَةِ الَّتِي يَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ قُلْنَ : نَعَمْ قَالَتْ : أَمَا إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حِجَابٍ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلُ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسُ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ } ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرًا مَا يُحَافِظُ عَلَى مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ إذَا عَزَمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُعْتَقِدِينَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ سَأَلَهُ هَلْ عِنْدَك حَمَّامٌ فِي بَيْتِك أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ مَضَى إلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ : لَا امْتَنَعَ مِنْ الْمُضِيِّ إلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى تَيْسِيرِ الطَّهَارَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ عَرَفَهُ فِي الْغَالِبِ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْقُرَشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا يَسَّرَ عَلَيْهِ أَسْبَابَ الطَّهَارَةِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ مَوْضِعٌ لِلْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فَقَدْ تَيَسَّرَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ ، إذْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ التَّيْسِيرِ لَهَا
فَصْلٌ فِي دُخُولِ الْمَرْأَةِ الْحَمَّامَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَأْذَنَ لِزَوْجَتِهِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الدِّينِيَّةِ ، وَالْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ هَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ ؟ أَوْ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ ، أَوْ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ ، وَهُنَّ قَدْ تَرَكْنَ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَخَرَقْنَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ بِدُخُولِهِنَّ الْحَمَّامَاتِ بَادِيَاتِ الْعَوْرَاتِ ، وَإِنْ قَدَّرْنَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُنَّ سَتَرَتْ مِنْ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتِهَا عِبْنَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَأَسْمَعْنَهَا مِنْ الْكَلَامِ مَا لَا يَنْبَغِي حَتَّى تُزِيلَ السُّتْرَةَ عَنْهَا ، ثُمَّ يَنْضَافَ إلَى ذَلِكَ مُحَرَّمٌ آخَرُ : هُوَ أَنَّ الْيَهُودِيَّةَ ، وَالنَّصْرَانِيَّة لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَرَى بَدَنَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ ، وَهُنَّ يَجْتَمِعْنَ فِي الْحَمَّامَاتِ مُسْلِمَاتٍ ، وَنَصْرَانِيَّاتٍ ، وَيَهُودِيَّاتٍ فَيَكْشِفُ بَعْضُهُنَّ عَلَى عَوْرَاتِ بَعْضٍ ، فَكَيْفَ يَأْذَنُ أَحَدٌ أَهْلَهُ فِي دُخُولِهَا ، فَإِنْ قَالَ : إنَّهُ يَأْخُذُ لِأَهْلِهِ الْخَلْوَةَ فَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَفَاسِدِ لَا تُذْهِبُهُ الْخَلْوَةُ إذْ أَنَّهُنَّ حِينَ الدُّخُولِ فِيهَا ، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا ، وَالْجُلُوسِ فِي الْمَقْطَعِ يَكْشِفْنَ عَلَى عَوْرَاتِ غَيْرِهِنَّ ، وَيُكْشَفُ عَلَيْهِنَّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْخَلْوَةُ خَارِجَةً عَنْ الْحَمَّامِ ، فَكَأَنَّهَا حَمَّامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، فَهَذَا جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ يَسْتَتِرُ السُّتْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ .
وَلَا يُمَكِّنُ الْبَلَّانَةَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ ، وَهِيَ مُنْكَشِفَةٌ حَتَّى تَسْتَتِرَ السُّتْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ ، فَهَذَا لِلضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْلَى لِأَهْلِهِ الْحَمَّامَ بِلَيْلٍ ، وَاسْتَتَرْنَ ، فَلَا بَأْسَ إذَنْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَلْوَةِ ، لَكِنْ لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا ، إذْ أَنَّ الْغُسْلَ فِي
الْبَيْتِ فِيهِ سَتْرٌ حَصِينٌ ، وَسَدٌّ لَبَاب الذَّرِيعَةِ إلَى الْمَفَاسِدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ إذَا أَرَادَتْ الْحَمَّامَ اسْتَصْحَبَتْ مَعَهَا أَفْخَرَ ثِيَابِهَا ، وَأَنْفَسَ حُلِيِّهَا فَتَلْبَسُهُ حِينَ فَرَاغِهَا مِنْ الْغُسْلِ فِي الْحَمَّامِ حَتَّى يَرَاهَا غَيْرُهَا فَتَقَعُ بِذَلِكَ الْمُفَاخَرَةُ ، وَالْمُبَاهَاةُ ، وَقَلَّ أَنْ تَقْنَعَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَرَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ زَوْجِهَا إلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ ، أَوْ مَا يُقَارِبُهُ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لِزَوْجِهَا قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَتَنْشَأُ الْمَفَاسِدُ ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفِرَاقِ ، أَوْ الْإِقَامَةِ عَلَى شَنَآنٍ بَيْنَهُمَا لِطُولِ الْمُدَّةِ .
هَذَا حَالُ غَالِبِهِنَّ ، وَذَلِكَ ضِدُّ مَقْصُودِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فِي الْأُلْفَةِ ، وَالْوُدِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا ، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } ، وَفِي دُخُولِ الْحَمَّامِ مَفَاسِدُ جُمْلَةً ، وَفِيمَا ذُكِرَ غُنْيَةٌ عَنْ ذِكْرِ بَاقِيهَا ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ عِنْدَ الْمُتَأَمِّلِ إنْ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ فَيَتَبَيَّنُ لَهُ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ
فَإِنْ قَالَ مَثَلًا : الْغُسْلُ فِي الْبَيْتِ يَصْعُبُ عَلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ فِي خَلْوَةٍ يَعْمَلُهَا فِي الْبَيْتِ مِنْ بَعْضِ مَا يُعْطِي مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ مِنْ ثَمَنِ الْمِلْكِ لَانْسَدَّتْ هَذِهِ الثُّلْمَةُ ، فَلَوْ قَالَ أَيْضًا : إنَّ الْغُسْلَ فِي الْبَيْتِ لَا يَكُونُ كَالْحَمَّامِ سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْبَرْدِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ أَيَّامَ الْبَرْدِ يُمْكِنُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْتَغْنِيَ فِيهَا عَنْ الْغُسْلِ بِالسِّدْرِ ، وَمَا شَاكَلَهُ ، إذْ أَنَّ أَيَّامَ الْبَرْدِ لَا يَجْتَمِعُ فِيهَا الْوَسَخُ وَلَا الْغُبَارُ كَثِيرًا ، فَإِذَا فَرَغَتْ أَيَّامُ الْبَرْدِ كَانَ الْغُسْلُ فِي الْبَيْتِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُهَيَّأِ لَهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ ، وَيَكْفِيهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ مِنْ الْحَيْضِ كَمَا تَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُعَلِّمَ زَوْجَتَهُ سُرْعَةَ الْغُسْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ آمَنُ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مِنْ الضَّرَرِ بِهَا ، وَذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ أَلَا تَرَى إلَى مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ يَوْمًا فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ : عَلَى رِسْلِكُمْ ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ ، وَخَرَجَ ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ } فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى سُرْعَةِ غُسْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرْحَمُ الْخَلْقِ بِأُمَّتِهِ ، وَأَشْفَقُهُمْ عَلَيْهَا ، فَلَوْ كَانَ زَمَانُ الْغُسْلِ فِيهِ طُولٌ لَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ حِينَ ذَكَرَ سِيَّمَا ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ الضَّعِيفُ ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ ، وَلَنَا فِي فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ .
وَكَذَلِكَ يُعَلِّمُهَا إذَا اغْتَسَلَتْ فِي الْبَيْتِ أَنْ تَتْرُكَ رَأْسَهَا مُغَطًّى لَا تَكْشِفُهُ حَتَّى إذَا جَاءَتْ إلَى غَسْلِهِ كَشَفَتْهُ ، وَخَلَّلَتْ شَعْرَ رَأْسِهَا ، وَأَفَاضَتْ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثُمَّ نَشَّفَتْهُ فِي الْوَقْتِ ، وَغَطَّتْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَغْسِلُ سَائِرَ بَدَنِهَا ، وَإِنَّمَا
يَأْمُرُهَا بِذَلِكَ خِيفَةَ أَنْ يُصِيبَهَا فِي رَأْسِهَا أَلَمٌ إنْ تَرَكَتْهُ مَكْشُوفًا حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ غُسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهَا ، وَلَهَا أَنْ تَتْرُكَ رَأْسَهَا مُغَطًّى حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ غَسْلِ جَمِيعِ بَدَنِهَا ، ثُمَّ تَغْسِلَ رَأْسَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا تَرْكُ التَّرْتِيبِ فِيهِ ، وَهُوَ فِي الْغُسْلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَلَوْ كَانَ الْمُغْتَسِلُ بِهِ أَلَمٌ فِي رَأْسِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى كَشْفِهِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً فَإِنَّهُ يَغْسِلُ جَمِيعَ بَدَنِهِ ، وَيَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ ، فَلَوْ كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ ، أَوْ الْخِمَارِ ، وَيُجْزِيهِ ذَلِكَ مَا دَامَ بِهِ الْأَذَى ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْأَلَمُ فِي غَيْرِ رَأْسِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَيَمُّمٌ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ ، وَلَوْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ لِمَرَضٍ بِهِ ، أَوْ جُرْحٍ ، أَوْ لِمَا يَخْشَى أَنْ يَنْزِلَ بِهِ مِنْ مَرَضٍ فَلَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، وَإِنْ طَالَ بِهِ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرْأَةِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا ، وَهِيَ فِي سَفَرٍ مَعَ زَوْجِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِمَا لِغُسْلِهِمَا مِنْ الْجَنَابَةِ بَعْدَ غُسْلِهَا مِنْ حَيْضَتِهَا فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ حَيْضَتِهَا ، حَتَّى يَكُونَ مَعَهُمَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِمَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَطُولَ السَّفَرُ بِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ فَيَجُوزُ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا ، وَيَتَيَمَّمَا مِنْ جَنَابَتِهِمَا ، وَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ إنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ قَصِيرَةً لَا يَتَضَرَّرُ بِهَا الزَّوْجُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِعَجْزِهَا عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ ، وَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالزَّوْجِ فَذَلِكَ جَائِزٌ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ
يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَدَنَهُ } ، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْدَمَ الْمَاءَ ، أَوْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، وَهَذَا كُلُّهُ جَارٍ عَلَى الِامْتِثَالِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا فَلَوْ قَالَ مَثَلًا : الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ عَدَمُ الْجِدَةِ ، وَالسُّكْنَى بِالْكِرَاءِ ، فَلَا يَتَأَتَّى لِأَكْثَرِهِمْ عَمَلُ مَوْضِعٍ فِي الْبَيْتِ لِلِاغْتِسَالِ فِيهِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْبُيُوتِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا خِزَانَةٌ ، أَوْ مَوْضِعُ كَنِيفٍ فَيَتَّخِذُهُ لِلْغُسْلِ فَيَجْعَلُ فِيهِ إنَاءً يَقْعُدُ فِيهِ مِثْلَ الْمَاجُورِ وَغَيْرِهِ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ كَانَ هَمُّهُ صَلَاحَ دِينِهِ عَمِلَ الْحِيلَةَ فِي صَلَاحِهِ ، وَدَرْءِ الْمَفَاسِدَ عَنْهُ ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
فَصْلٌ فِي تَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ أَحْكَامَ الْغُسْلِ وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَلِي أَمْرَ الْمَرْأَةِ أَنْ يُعَلِّمَهَا أَحْكَامَ الْغُسْلِ ، وَمَا يَجِبُ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْفَرَائِضِ ، وَالسُّنَنِ ، وَالْفَضَائِلِ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مَوْجُودًا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، لَكِنْ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِهِ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ ، وَسُنَنِهِ ، وَفَضَائِلِهِ لِتَتِمَّ الْآدَابُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيُعَلِّمَهَا أَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مِنْ الْإِنْزَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِمَاعٌ ، وَمِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ ، وَمِنْ دَمِ الْحَيْضِ ، وَمِنْ دَمِ النِّفَاسِ ، وَفَرَائِضَهُ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَبِ ، وَهِيَ النِّيَّةُ ، وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ ، وَتَعْمِيمُ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ ، وَاخْتُلِفَ فِي ثَمَانٍ الْفَوْرُ ، وَالتَّدْلِيكُ ، وَالْبَدَنُ الطَّاهِرُ ، وَنَقْلُ الْمَاءِ ، وَإِمْرَارُ الْيَدِ مَعَ الْمَاءِ ، وَدَوَامُ النِّيَّةِ ، وَالْخُشُوعُ ، وَالتَّخْلِيلُ ، وَسُنَنَهُ خَمْسٌ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ ، وَالْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ ، وَالِاسْتِنْثَارُ ، وَمَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ ، وَفَضَائِلُهُ تِسْعٌ التَّسْمِيَةُ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالْمَوْضِعُ الطَّاهِرُ ، وَالْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَعْلَى فَالْأَعْلَى ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَيْمَنِ فَالْأَيْمَنِ ، وَالصَّمْتُ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالتَّشَهُّدُ ، وَالدُّعَاءُ بَعْدَ الْغُسْلِ
وَاخْتُلِفَ فِي الْخَاتَمِ فِي الْغُسْلِ ، وَالْوُضُوءِ هَلْ يُحَرِّكُهُ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ أَمْ لَا ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا فَيُحَرِّكَهُ ، أَوْ وَاسِعًا فَيَتْرُكَهُ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ وَهُوَ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةُ ذَلِكَ ، لَكِنْ هِيَ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَنْ آخِرِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْرَجَ عَلَيْهَا ، وَلَا يُلْتَفَتَ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَى آحَادِ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ التَّعْظِيمِ لِجَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَجَانِبِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ عَنْهُ .
فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي السِّمَنِ بِحَيْثُ لَا تَصِلُ يَدُهَا إلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتْرُكَ غَيْرَهَا يَغْسِلُ لَهَا ذَلِكَ مِنْ جَارِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْشِفَ عَلَيْهَا غَيْرُ زَوْجِهَا فَإِنْ أَمْكَنَ زَوْجَهَا أَنْ يَغْسِلَ لَهَا ذَلِكَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَلَهُ الْأَجْرُ فِي ذَلِكَ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ ، وَإِنْ أَبَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاجِبًا ، وَتُصَلِّي هِيَ بِالنَّجَاسَةِ ، وَلَا يَكْشِفُ عَلَيْهَا أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ ، وَكَشْفَهَا مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا ، وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا : أَنَّ إزَالَتَهَا مُسْتَحَبَّةٌ ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَارْتِكَابُهُ أَيْسَرُ مِنْ الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَى ذَلِكَ بِيَدِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً تَلِي ذَلِكَ مِنْهُ ، وَإِنْ تَطَوَّعَتْ الزَّوْجَةُ بِغُسْلِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شِرَاءُ الْجَارِيَةِ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ عَلَى غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصَلَاتُهُ بِالنَّجَاسَةِ أَخَفُّ مِنْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرْأَةِ الْمُبْدَنَةِ أَوْ الرَّجُلِ يَكُونُ مِثْلَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَصِلَانِ إلَيْهِ بِأَيْدِيهِمَا مِنْ ظُهُورِهِمَا إذَا اغْتَسَلَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْهُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَتَّخِذُ خِرْقَةً أَوْ غَيْرَهَا لِيُعَالِجَ ذَلِكَ بِهَا .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَغْمُرُهُ بِالْمَاءِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ .
وَالرَّابِعُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ ، وَالْكَثِيرِ
ثُمَّ يُعَلِّمُهَا الشُّرُوطَ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا عَنْهَا الْوُضُوءُ ، وَالْغُسْلُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا التَّيَمُّمُ ، وَهِيَ سِتٌّ .
أَنْ تَعْدَمَ الْمَاءَ أَوْ تَعْدَمَ بَعْضَهُ ، أَوْ يَتَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِهِ ، وَوُجُودِ الْحَدَثِ ، وَوُجُودِ الصَّعِيدِ ، وَدُخُولِ الْوَقْتِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ .
ثُمَّ يُعَلِّمَهَا فَرَائِضَ التَّيَمُّمِ ، وَهِيَ خَمْسٌ .
النِّيَّةُ ، وَالْفَوْرُ ، وَالضَّرْبَةُ الْأُولَى بِالْأَرْضِ ، وَمَسْحُ الْوَجْهِ ، وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ ، وَسُنَنُهُ ثَلَاثٌ .
الضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ بِالْأَرْضِ ، وَالْمَسْحُ مِنْ الْكُوعَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَالتَّرْتِيبُ ، وَفَضَائِلُهُ أَرْبَعَةٌ .
التَّسْمِيَةُ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالصَّمْتُ ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى .
، وَيُعَلِّمَهَا مَوَانِعَ الْحَيْضِ ، وَالنِّفَاسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْلِيمِ لِأَهْلِهِ لِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي بَيْتِهِ ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَقْبُحُ بِالْمُتَعَلِّمِ أَوْ الْعَالِمِ أَنْ تَسْأَلَ زَوْجَتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النِّسَاءُ فِي الدِّينِ ، فَلَا يَكُونُ عِنْدَهَا عِلْمٌ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَيِّنًا عَلَيْهَا ، فَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْأَشْيَاءِ ، وَأَرْذَلِهَا إذْ أَنَّهُ قُدْوَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ
، فَصْلٌ فِي دُخُولِ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ وَلْيَحْذَرْ هُوَ أَيْضًا مِنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ مَهْمَا اسْتَطَاعَ تَرْكَهُ ، كَانَ بِهِ عِلَّةٌ أَوْ لَا ، بَلْ أَوْجَبُ إذْ أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي حَمَّامِ النِّسَاءِ مَوْجُودَةٌ فِي الْغَالِبِ فِي حَمَّامِ الرِّجَالِ ، وَإِنْ كَانُوا فِي السُّتْرَةِ أَوْجَدَ مِنْ النِّسَاءِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَهُمْ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ اسْتَتَرَ بِالْفُوطَةِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِيهِ نَزَعَهَا ، وَبَقِيَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ ، وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ إلَى الْمَسْلَخِ أَلْقَى مَا عَلَيْهِ ، وَبَقِيَ مَكْشُوفًا حَتَّى يَتَنَشَّفَ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَسْتُورُ الْعَوْرَةِ مَعَ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ تَحْتَ سَقْفٍ ، وَاحِدٍ .
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : فِي مَعْنَى كَرَاهَةِ مَالِكٍ لِلْغُسْلِ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ ثَلَاثُ مَعَانٍ : أَحَدُهَا : مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ فَيَرَاهَا غَيْرُهُ أَوْ تَنْكَشِفَ عَوْرَةُ غَيْرِهِ فَيَرَاهَا هُوَ ، إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَخَلَهُ مَعَ النَّاسِ لِقِلَّةِ تَحَفُّظِهِمْ ، وَهَذَا إذَا دَخَلَ مُسْتَتِرًا مَعَ مُسْتَتِرِينَ ، وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ أَوْ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَتِرُ فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَمَنْ فَعَلَهُ فَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ ، وَقَدْحٌ فِي شَهَادَتِهِ .
الْمَعْنَى الثَّانِي : أَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ غَيْرُ مُصَانٍ عَنْ الْأَيْدِي ، وَالْغَالِبُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهِ مَنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ النَّجَاسَاتِ مِثْلَ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَصِيرُ الْمَاءُ مُضَافًا فَتَسْلُبُهُ الطُّهُورِيَّةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ يُوقَدُ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَاتِ ، وَالْأَقْذَارِ فَقَدْ يَصِيرُ الْمَاءُ مُضَافًا مِنْ دُخَّانِهَا فَتَسْلُبُهُ الطُّهُورِيَّةُ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا حَالُ أَهْلِ وَقْتِنَا فِي الْغَالِبِ ، وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ مَسْتُورُ الْعَوْرَةِ مَعَ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ
كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الْحَمَّامِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ هُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ ، وَيَصُونَ نَظَرَهُ وَسَمْعَهُ ، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاغْتِسَالُ فِي النَّهْرِ ، وَإِنْ كَانَ يَجِدُ ذَلِكَ فِيهِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسَاجِدَ ، وَفِيهَا مَا فِيهَا ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَحْمُولٌ عَلَى زَمَنِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ، وَأَمَّا زَمَانُنَا هَذَا فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُجِيزَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّ النِّسَاءَ بَادِيَاتُ الْعَوْرَاتِ كُلَّهُنَّ لَيْسَ فِيهِنَّ مَنْ تَسْتَتِرُ ، وَالسُّتْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ عَيْبٌ عِنْدَهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَحَمَّامُ الرِّجَالِ قَرِيبٌ مِنْهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَتْرُكَهُ مَا اسْتَطَاعَ جَهْدُهُ .
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْغُسْلِ فِي النَّهْرِ ، وَالدُّخُولِ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَفِيهَا مَا فِيهَا ، فَغَيْرُ وَارِدٍ ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا ابْتِدَاءً إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ شَاطِئَ النَّهْرِ فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ مَا هُوَ مِثْلُ الْحَمَّامِ أَوْ أَعْظَمُ مِنْهُ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ مِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِ النَّوَاتِيَّةِ ، وَمَنْ يَفْعَلْ كَفِعْلِهِمْ سِيَّمَا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْبَرْدِ فَذَلِكَ أَكْثَرُ وَأَشْنَعُ لِوُرُودِ النَّاسِ لِلْغُسْلِ ، وَغَيْرِهِ ، وَقَلَّ مَنْ يَسْتَتِرُ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ لِمُشَاهَدَتِهِ عِيَانًا ، وَمَا أَتَى عَلَى بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَلْفَاظَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عُرْفِهِمْ فِي زَمَانِهِمْ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، بَلْ كُلُّ زَمَانٍ يَخْتَصُّ بِعُرْفِهِ ، وَعَادَتِهِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَكَذَلِكَ يَجْرِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْفَسَاقِي الَّتِي فِي الْمَدَارِسِ ، وَالرِّبَاطَاتِ ، إذْ أَنَّهَا مَحَلُّ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَجِدُهُ
فِي الْحَمَّامِ فِي الْغَالِبِ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي عَلَى بَابِهِ ، وَاَلَّتِي فِي جُدْرَانِهِ ، وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّغْيِيرِ إزَالَةُ رُءُوسِهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إنْكَارُ ذَلِكَ ، وَالْأَخْذُ عَلَى يَدِ فَاعِلِهِ فَكَيْفَ يَدْخُلُهُ الْعَالِمُ أَوْ الْمُتَعَلِّمُ ، وَيَسْكُتَانِ ؟ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَازَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ دُخُولَ الْحَمَّامِ لَكِنْ بِشُرُوطٍ ، وَهِيَ : أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا لِلتَّدَاوِي .
الثَّانِي : أَنْ يَتَعَمَّدَ أَوْقَاتَ الْخَلْوَةِ ، وَقِلَّةِ النَّاسِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ بِإِزَارٍ صَفِيقٍ .
الرَّابِعُ : أَنْ يَطْرَحَ بَصَرَهُ إلَى الْأَرْضِ أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْحَائِطَ لِئَلَّا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَحْظُورٍ .
الْخَامِسُ : أَنْ يُغَيِّرَ مَا رَأَى مِنْ مُنْكَرٍ بِرِفْقٍ بِأَنْ يَقُولَ : اسْتَتِرْ سَتَرَك اللَّهُ .
السَّادِسُ : إنْ دَلَّكَهُ أَحَدٌ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ عَوْرَتِهِ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ إلَّا امْرَأَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ .
السَّابِعُ : أَنْ يَدْخُلَهُ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ .
الثَّامِنُ : أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ .
التَّاسِعُ : إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دُخُولِهِ وَحْدَهُ اتَّفَقَ مَعَ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ دِينَهُمْ عَلَى كَرَاهَةٍ فِي ذَلِكَ لِمَا يُخْشَى .
الْعَاشِرُ : أَنْ يَتَذَكَّرَ بِهِ عَذَابَ جَهَنَّمَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ مَهْمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ بِالْفِعْلِ كَانَ أَوْلَى ؛ إذْ أَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الثُّبُوتِ فِي نَفْسِ الْمُتَعَلِّمِ ، وَقَدْ { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ هُوَ وَزَوْجَتُهُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، حَتَّى إنَّهَا لَتَقُولُ دَعْ لِي دَعْ لِي } فَكُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ تَعَلُّمُهُ بِالْفِعْلِ لِلْمُتَعَلِّمِ ، كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ أَثْبَتُ فِي النُّفُوسِ .
، وَيَنْبَغِي لَهُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ، إذْ أَنَّ مَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى سَائِرِ مَا يَعْتَوِرُهُمْ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي الْغَالِبِ يَتَعَلَّمْنَ مِنْهُنَّ الْأَحْكَامَ فِيمَا يَقَعُ لَهُنَّ ، فَإِذَا كُنَّ جَاهِلَاتٍ بِمَا يُسْأَلْنَ عَنْهُ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ كَتْمِ الْعِلْمِ .
ثُمَّ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْبِلًا عَلَى الْعِلْمِ لَا يَسَعُهُ غَيْرُهُ فَيَا حَبَّذَا فَيَشْتَغِلُ بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ ، وَلَا يَعْرُجُ عَلَى غَيْرِهِ .
كَمَا حُكِيَ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَمَّا أَنْ دَخَلَ مِصْرَ ، وَتَأَهَّلَ بِهَا ، وَقَعَدَ مَعَ زَوْجَتِهِ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يُزَوِّجُوهَا فَقَالَتْ لَهُمْ : إذَا عَزَمْتُمْ فَزَوِّجُونِي عَلَى أَنِّي بِكْرٌ فَقَالُوا لَهَا : كَيْفَ وَقَدْ أَقَمْت سِنِينَ مَعَهُ ؟ فَقَالَتْ : أَوَّلُ لَيْلَةٍ دَخَلَ عَلَيَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَجَلَسَ يَنْظُرُ فِي كُتُبِهِ ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ أَيَّامِهِ فَقُمْت يَوْمًا ، وَلَبِسْت ، وَتَزَيَّنْت ، وَلَعِبْت بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، وَنَظَرَ إلَيَّ ، وَتَبَسَّمَ ، وَأَخَذَ الْقَلَمَ الَّذِي بِيَدِهِ فَجَرَّهُ عَلَى وَجْهِي ، وَأَفْسَدَ بِهِ زِينَتِي ، ثُمَّ أَكَبَّ رَأْسَهُ عَلَى كُتُبِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، حَتَّى انْتَقَلَ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ سُنِّيَّةٌ فَلْيَنْسِجْ عَلَى مِنْوَالِهِ .
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ : إنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَحْتَاجُ إلَى سِتَّةِ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ نَقَصَ مِنْ عِلْمِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، وَهِيَ هِمَّةٌ بَاعِثَةٌ ، وَذِهْنٌ ثَاقِبٌ ، وَصَبْرٌ ، وَجِدَّةٌ ، وَشَيْخٌ فَتَّاحٌ ، وَعُمْرٌ طَوِيلٌ .
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِيحَ فَكَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ بِتِلْكَ الِاسْتِرَاحَةِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ } ، وَيَنْوِي بِذَلِكَ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى أَهْلِهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهِنَّ ، وَالتَّحَدُّثِ مَعَهُنَّ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا مَزِيَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ ، أَعْنِي بِذَلِكَ فِي بَسْطِهِ لَهُمْ ، وَالتَّوَاضُعِ مَعَهُمْ ، وَيَنْوِي بِذَلِكَ كُلِّهِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ .
وَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَا يُعَارِضُهُ مُخَالَفَةُ أَمْرٍ ، وَلَا ارْتِكَابُ نَهْيٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْزَحُ ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفِرَاشَ وَالتَّعَرِّي مِنْ السُّنَّةِ .
، وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَفَرَغَ مِنْ رُكُوعِهِ فِي بَيْتِهِ جَلَسَ يَتَحَدَّثُ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ، ثُمَّ إذَا عَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْفِرَاشِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِلنَّوْمِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ يَرْكَعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ ، وَهَذَا مَا لَمْ يُوتِرْ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْتَرَ ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ بَعْدَ الْوِتْرِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ مِنْ نَوْمِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ رَجَاءَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ ، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ } ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ إرَادَتِهِ النَّوْمَ مُحْدِثًا فَلْيَنْوِ بِوُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ لِكَيْ يَسْتَبِيحَ بِهِ الصَّلَاةَ اتِّفَاقًا .
وَالْحِكْمَةُ فِي وُضُوئِهِ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ هِيَ أَنَّ النَّوْمَ تَارَةً يَكُونُ مِنْ بَابِ الِاضْطِرَارِ ، وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ بَابِ الِاخْتِيَارِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْهُ مَا هُوَ اضْطِرَارٌ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ اخْتِيَارٌ ، وَرَأْسُ مَالِ الْمُؤْمِنِ إنَّمَا هُوَ عُمُرُهُ ، فَإِنْ عَمَّرَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ رَبِحَ عُمُرَهُ ، وَزَكَا فَشَرَعَ لَهُ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ الْوُضُوءَ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ ، لِكَيْ يَخْتَبِرَ بِهِ النَّوْمَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ هُوَ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ ضَرُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَهُوَ لَا يُذْهِبُهُ الْوُضُوءُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الِاخْتِيَارِ وَالرَّاحَةِ فَالْوُضُوءُ يُذْهِبُهُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ : أَنَّ النَّوْمَ هُوَ الْمَوْتُ الْأَصْغَرُ فَشُرِعَ لَهُ نَوْعٌ مِنْ الطَّهَارَةِ كَالْمَيِّتِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ فِي ذَلِكَ النَّوْمِ فَتُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ لِكَيْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ : وَهُوَ أَنَّ النَّوْمَ إذَا وَقَعَ عَقِبَ
طَهَارَةٍ اجْتَزَأَ الْمُكَلَّفُ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ لِأَجْلِ بَرَكَةِ الِاتِّبَاعِ فَتَوَفَّرَ عَلَيْهِ رَأْسُ مَالِهِ ، وَهُوَ عُمُرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
ثُمَّ يَقْرَأُ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي كَفَّيْهِ ، وَيَنْفُثُ فِيهِمَا ، وَيُمَشِّيهِمَا عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ يَتَعَرَّى كَمَا سَبَقَ ، وَيَدْخُلُ فِي فِرَاشِهِ فَيَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ بَعْدَ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْأَيْمَنِ ، بَلْ نَفْسُ الدُّخُولِ هُوَ الَّذِي يُطْلَبُ فِيهِ التَّيَمُّنَ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْتَقِلُ إلَى مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ بِهِ ضَعْفٌ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْأَيْمَنِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ فِي الدُّخُولِ عَلَى الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ حِينِهِ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَدْخُلَ عَلَى الْجَنْبِ الْآخَرِ ؛ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اشْتَكَى مَرَّةً بِنَزْلَةٍ نَزَلَتْ لَهُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ، وَحَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شِدَّةٌ ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ إلَى الْفِرَاشِ لِيَضْطَجِعَ صَعُبَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى الْأَيْسَرِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ ، ثُمَّ وَقَعَ لَهُ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لِتَحْصُلَ لَهُ بَرَكَةُ الِامْتِثَالِ ثُمَّ يَنْقَلِبَ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فِي الْوَقْتِ قَالَ : فَاضْطَجَعْت عَلَى الْأَيْمَنِ بِعَزِيمَةٍ فَوَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ هَلْ الْأَلَمُ ارْتَفَعَ قَبْلَ وُصُولِ رَأْسِي إلَى الْوِسَادَةِ أَوْ بَعْدَ وُصُولِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِبَرَكَةِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ إذْ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَحَلَّتْ الْبَرَكَةُ فِيهِ ، ثُمَّ يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ثُمَّ يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَيُكَبِّرُ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ ، وَيَجْعَلُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْيَمِينِ ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى وِرْكِهِ
الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ : بِاسْمِك اللَّهُمَّ وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا ، وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَك الصَّالِحِينَ ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك ، وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك ، وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك ، وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً مِنْك ، وَرَغْبَةً إلَيْك لَا مَلْجَأَ ، وَلَا مَنْجَا مِنْك إلَّا إلَيْك ، أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت ، وَرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت ، وَمَا أَخَّرْت ، وَأَسْرَرْت ، وَأَعْلَنْت أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك انْتَهَى .
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اشْفِنِي بِالْقَلِيلِ مِنْ النَّوْمِ ، وَاجْعَلْهُ لِي عَوْنًا عَلَى طَاعَتِك ، وَيَنْوِي بِنَوْمِهِ الْعَوْنَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا مِنْ طَلَبِ عِلْمٍ أَوْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهِمَا ، إذْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْطِ نَفْسَهُ حَظَّهَا مِنْ النَّوْمِ قَلَّ أَنْ يَتَأَتَّى لَهُ مِنْهَا التَّوْفِيَةُ بِالْمَأْمُورَاتِ عَلَى أَنْوَاعِهَا سِيَّمَا ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالْحُضُورِ فِي الطَّاعَاتِ سِيَّمَا إنْ كَانَتْ صَلَاةً إذْ الْحُضُورُ مَعَ النَّوْمِ مُتَعَذِّرٌ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ ، وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ ، لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ } ثُمَّ يُشْعِرُ نَفْسَهُ حِينَ الدُّخُولِ فِي الْفِرَاشِ بِالدُّخُولِ فِي قَبْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ هُوَ الْمَوْتُ الْأَصْغَرُ فَشُرِعَ لَهُ نَوْعٌ مِنْ حَالَةِ الْمَوْتَى ، وَهُوَ التَّجْرِيدُ مِنْ ثِيَابِ الْأَحْيَاءِ ، وَالدُّخُولُ فِي ثِيَابٍ تُشْبِهُ ثِيَابَ الْمَوْتَى إذْ أَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالْكَفَنِ .
فَإِذَا أَشْعَرَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ قَلَّ مِنْهُ الِاسْتِغْرَاقُ فِي النَّوْمِ ، وَخَافَ الْفَوَاتَ .
إذْ أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّهُ يُنَوِّرُ الْقَبْرَ ؛ لِأَنَّ وَقْتَ اللَّيْلِ
شَبِيهٌ بِظُلْمَةِ الْقَبْرِ فَكَانَ الثَّوَابُ مُنَاسِبًا لِقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ .
وَفِي التَّعَرِّي حِكَمٌ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّهُ يُرِيحُ الْبَدَنَ مِنْ حَرَارَةِ حَرَكَةِ النَّهَارِ ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ التَّقْلِيبَ يَمِينًا وَشِمَالًا ، وَفِيهِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى أَهْلِهِ ، وَفِيهِ زِيَادَةُ التَّمَتُّعِ بِالْأَهْلِ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ الْيَوْمَ ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَحَلِّ لَيْسَ إلَّا ، إذْ أَنَّ الرَّجُلَ ثِيَابُهُ عَلَيْهِ ، وَالْمَرْأَةَ مِثْلُهُ ، وَفِيهِ التَّوَاضُعُ ، وَفِيهِ امْتِثَالُ السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ } ، وَالنَّوْمُ فِي الثَّوْبِ هُوَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي عُمُرُهُ سَنَةٌ إذَا نَامَ فِيهِ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ ، وَفِيهِ قِلَّةُ الدَّوَابِّ ، وَفِيهِ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ السُّنَّةِ ، وَهِيَ النَّظَافَةُ إذْ أَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يُنَامُ فِيهِ يَكْثُرُ فِيهِ هَوَامُّ بَدَنِهِ ، وَيَتَقَذَّرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ ، وَهِيَ جُمْلَةٌ
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي النَّوْمِ وَحَالَتِهِ فِيهِ إذْ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ حَاضِرُ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ مُتَكَلِّمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ آمِرٌ نَاهٍ مُدَبِّرٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ ، ثُمَّ تَأْتِي عَلَيْهِ عَاهَةُ النَّوْمِ لَا يَشْعُرُ بِهَا مِنْ أَيْنَ أَتَتْهُ ، وَلَا يُكَيِّفُهَا فَيَتْرُكُ الْمَلِكُ مُلْكَهُ ، وَتَدْبِيرَهُ ، وَسِيَاسَتَهُ فِيهِ ، وَالْعَالِمُ عِلْمَهُ ، وَالْمُحْتَرِفُ حِرْفَتَهُ ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِي شَيْءٍ ، وَعَزَمَ عَلَى فِعْلِهِ تَرَكَهُ قَهْرًا لِأَجْلِ هَذِهِ الْعَاهَةِ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهِ مُجْبَرًا عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ سَبِيلٌ إلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ ، وَلَا دَفْعِهِ عَنْهُ فَسُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ عِبَادَهُ بِالْمَوْتِ .
وَهَذَا مُتَكَرِّرٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ ، وَهُوَ الْمُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ ، وَالدَّالُّ عَلَيْهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ، وَاَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } كُلُّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ ، وَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَنْظُرُ وَيَعْتَبِرُ ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } بَيْنَمَا هُوَ مُسْتَيْقِظٌ مُدَّعٍ لِلْقُوَّةِ ، وَالسَّطْوَةِ إذْ أَتَاهُ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَسِيلُ لُعَابُهُ ، وَتَنْحَلُّ أَعْضَاؤُهُ ، وَيُحْدِثُ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِنَفْسِهِ ، وَالْغَالِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَبْقَى مُثْلَةً إذْ ذَاكَ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ مِنْ الْأَدَبِ فِي النَّوْمِ أَنْ لَا يَنَامَ بَيْنَ مُسْتَيْقِظِينَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } قَالَ الْعُلَمَاءُ : رَحِمَهُمُ اللَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ وَالنِّسْيَانَ ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بِهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ إذْ أَنَّ الْيَقِظَةَ فِيهَا
حَرَارَةٌ ، فَلَوْ تَمَادَتْ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ لَأَهْلَكَتْهَا ، سِيَّمَا وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَهُمْ الرَّغْبَةُ فِيمَا هُمْ بِصَدَدِهِ مِنْ طَلَبِ دُنْيَا ، وَالْعَمَلِ فِي أَسْبَابِهَا أَوْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَوْ وَكَّلَ الْأَمْرَ إلَيْهِ فِيهِ لَحَرَمَ نَفْسَهُ النَّوْمَ أَلْبَتَّةَ لِقُوَّةِ الْحِرْصِ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى النَّوْمَ يَأْتِيهِ قَهْرًا رَحْمَةً بِهِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَرَارَةٌ ، وَالنَّوْمَ فِيهِ سُكُونٌ ، وَبُرُودَةٌ فَيَعْتَدِلُ مِزَاجُهُ بِذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } ، وَهَذِهِ مِنْهُ يَقِظَةٌ وَنَوْمٌ حَرَارَةٌ وَبُرُودَةٌ ذَكَرٌ وَأُنْثَى صَحِيحٌ وَمَرِيضٌ طَائِعٌ وَعَاصٍ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً لِلْعَبْدِ بِفَضْلِهِ ، وَحَرَسَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي نَوْمِهِ كَمَا حَفِظَهُ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَنِ } ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فَسُبْحَانَ الْمُنْعِمِ الْمَنَّانِ
فَصْلٌ فِي آدَابّهِ فِي الِاجْتِمَاعِ بِأَهْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى أَهْلِهِ فَالسُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعَهُ أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ ، إذْ ذَاكَ .
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى أَهْلِهِ أَخْرَجَ الرَّضِيعَ مِنْ الْبَيْتِ ، وَقَدْ قَالُوا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ، وَهِرٌّ فِي الْبَيْتِ ، وَذِكْرُ الْهِرِّ مِنْهُمْ تَنْبِيهٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَكُونُ سَالِمًا مِنْ عَيْنَيْنِ تَنْظُرَانِ إلَيْهِ ؛ إذْ أَنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ ، وَالْعَوْرَةُ يَتَعَيَّنُ سَتْرُهَا ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي فِعْلِ ذَلِكَ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ آخِرَهُ لَكِنَّ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْغُسْلِ يَبْقَى زَمَنُهُ مُتَّسِعًا بِخِلَافِ آخِرِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ قَدْ يَضِيقُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَئُولُ إلَى تَفْوِيتِ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ إلَى إخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ .
وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِ كَانَ عَقِيبَ نَوْمٍ ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْفَمِ وَالْأَنْفِ شَيْءٌ مِنْ بُخَارِ الْمَعِدَةِ مِمَّا يُغَيِّرُ رَائِحَةَ الْفَمِ أَوْ الْأَنْفِ ، فَإِذَا شَمَّهَا أَحَدُهُمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَرَاهَةِ أَحَدِهِمَا فِي صَاحِبِهِ ، وَمُرَادُ الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - دَوَامُ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ ، وَذَلِكَ يُنَافِيهَا .
أَلَا تَرَى إلَى نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ طُرُوقًا لَيْلًا لِئَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ قَبْلَ أَنْ يَتَأَهَّبْنَ لِلِقَائِهِ ، فَنَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَدْهُنَ وَتَتَطَيَّبَ وَتَتَأَهَّبَ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى بَقَاءِ الْعِصْمَةِ وَالْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ ، أَلَا تَرَى إلَى فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ ، وَذَلِكَ لِفَوَائِدَ .
أَحَدُهَا : أَنْ يَبْدَأَ بِزِيَارَةِ بَيْتِ
رَبِّهِ ، وَبِالْخُضُوعِ لَهُ فِيهِ بِالرُّكُوعِ ، وَالسُّجُودِ ، وَمِنْهَا أَنْ يُفَضِّلَ مَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى رَبِّهِ لِيُنَبِّهَ أُمَّتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَقْدِيمِ مَا هُوَ لِلَّهِ عَلَى مَا لِأَنْفُسِهِمْ فِيهِ حَظٌّ مَا ، وَمِنْهَا أَنَّ أَصْحَابَهُ وَمَعَارِفَهُ يَأْخُذُونَ حَظَّهُمْ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ حِينَ قُدُومِهِ ، فَإِذَا فَرَغُوا ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ " لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يُحْوِجُهُ إلَى الْخُرُوجِ فِي الْغَالِبِ ، وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّ أَهْلَهُ يَأْخُذُونَ الْأُهْبَةَ لِلِقَائِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّ لِقَاءَ الْأَحِبَّةِ بَغْتَةً قَدْ يَئُولُ إلَى ذَهَابِ النُّفُوسِ عِنْدَ اللِّقَاءِ لِقُوَّةِ مَا يَتَوَالَى عَلَى النَّفْسِ إذْ ذَاكَ مِنْ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ مَاتُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ فَاجَأَهُمْ السُّرُورُ فَمَاتُوا مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ، وَقَوْمٌ فَجَأَتْهُمْ الْمَصَائِبُ فَمَاتُوا مِنْ شِدَّةِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا فَعَلَهُ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّلَطُّفِ بِالِاجْتِمَاعِ بِأَبِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيْهِ الْبَشِيرَ أَوَّلًا حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْأَحْيَاءِ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِ ثَانِيًا الْقَمِيصَ لِيَجِدَ رِيحَهُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَزَادَ أُنْسُهُ بِشَمِّ رَائِحَتِهِ وَأَثَرِهِ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ الِاجْتِمَاعُ ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا عَزَمَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَهْلِهِ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ عَلَى غَفْلَةٍ ، بَلْ حَتَّى يُلَاعِبَهَا وَيُمَازِحَهَا بِمَا هُوَ مُبَاحٌ مِثْلَ الْجَسَّةِ ، وَالْقُبْلَةِ ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنَّهَا قَدْ انْبَعَثَتْ لِمَا هُوَ يُرِيدُ مِنْهَا ، وَانْشَرَحَتْ لِذَلِكَ ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَأْتِيهَا ، وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُحِبُّ مِنْ
الرَّجُلِ مَا يُحِبُّ مِنْهَا ، فَإِذَا أَتَاهَا عَلَى غَفْلَةٍ قَدْ يَقْضِي هُوَ حَاجَتَهُ ، وَتَبْقَى هِيَ فَقَدْ يُشَوِّشُ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، وَقَدْ لَا يَنْصَانُ دِينُهَا ، فَإِذَا فَعَلَ مَا ذُكِرَ تَيَسَّرَ عَلَيْهَا الْأَمْرُ ، وَانْصَانَ دِينُهَا .
ثُمَّ إذَا أَتَاهَا فَيَمْتَثِلُ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ { : لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَتَى إلَى أَهْلِهِ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا فَرُزِقَا وَلَدًا ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ ، وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ } ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ خَرَجَ وَلَدُهُ كَمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ أَوْلَادِ الْمُبَارَكِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ فَالْجَوَابُ : أَنَّ وَالِدَهُ لَوْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَا حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْقَلِيلُ مِنْ النَّاسِ مِنْ يَثْبُتُ لِامْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِغَلَبَةِ قُوَّةِ بَاعِثِ النَّفْسِ عَلَى تَحْصِيلِ لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِيَ حَقَّ زَوْجَتِهِ فِي الْجِمَاعِ ، وَأَنْ يَأْتِيَهَا لَيَصُونَ دِينَهَا ، وَيَكُونَ قَضَاءُ حَاجَتِهِ تَبَعًا لِغَرَضِهَا فَيَحْصُلَ إذْ ذَاكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ } ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ يَأْتِي زَوْجَتَهُ عَلَى غَفْلَةٍ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ مِنْهَا ، وَهِيَ لَمْ تَقْضِ مِنْهُ وَطَرًا ، كَمَا تَفْعَلُ الْبَهَائِمُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا فَسَادُ دِينِهَا وَإِمَّا تَبْقَى مُتَشَوِّشَةً مُتَشَوِّفَةً لِغَيْرِهِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا ، وَهُمَا مَكْشُوفَانِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ يَسْتُرُهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ
وَعَابَهُ ، وَقَالَ فِيهِ : كَمَا يَفْعَلُ الْعِيرَانِ ، وَقَدْ كَانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُغَطِّي رَأْسَهُ إذْ ذَاكَ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ فِي بَرِيَّةٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ فَلَا يُجَامِعُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَلَا مُسْتَدْبِرَهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتٍ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ ، وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا قَضَى وَطَرَهُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالْقِيَامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُشَوِّشُ عَلَيْهَا بَلْ يَبْقَى هُنَيْهَةً حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا قَدْ انْقَضَتْ حَاجَتُهَا ، وَالْمَقْصُودُ مُرَاعَاةُ أَمْرِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوصِي عَلَيْهِنَّ ، وَيَحُضُّ عَلَى الْإِحْسَانِ إلَيْهِنَّ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَانُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلْيَجْتَهِدْ فِي ذَلِكَ جَهْدَهُ ، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي التَّجَاوُزِ عَمَّا يَعْجِزُ الْمَرْءُ عَنْهُ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ فَأَنْكَرَهُ وَعَابَهُ ، هُوَ النَّخِيرُ ، وَالْكَلَامُ السَّقْطُ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِنَّمَا أَنْكَرَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ .
ثُمَّ إذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ إرَبِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَغْتَسِلَ لِيَنَامَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ ، وَإِمَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ لِيَنَامَ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ ، وَاخْتُلِفَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أَوْ الْوُضُوءُ هَلْ يَتَيَمَّمُ أَمْ لَا ؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يَنَامُ الْجُنُبُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فَلْيَتَيَمَّمْ ، وَلَا يَنَامُ إلَّا بِوُضُوءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ الْجِمَاعِ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يَكْثُرُ بِهِ الْإِسْلَامُ ، وَيَكُونُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنِّي لَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، وَمَا لِي إلَيْهِنَّ حَاجَةٌ ، وَأَطَأهُنَّ وَمَا لِي إلَيْهِنَّ شَهْوَةٌ قِيلَ لَهُ : وَلِمَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : رَجَاءَ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ ظَهْرِي مَنْ يُكَاثِرُ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا نَوَى مَا تَقَدَّمَ ، وَفَعَلَ مَا ذُكِرَ أَنْ يَكِلَ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنْ يَفْتَقِرَ إلَيْهِ فِيهِ وَيَتَبَرَّأَ مِنْ مَشِيئَةِ نَفْسِهِ ، وَتَدْبِيرِهِ ، وَحَوْلِهِ ، وَقُوَّتِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ إذْ ذَاكَ مُتَوَاضِعًا مُتَذَلِّلًا لَعَلَّ أَنْ تُقْضَى حَاجَتُهُ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ كُلِّهِنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ : قُلْ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ ، } فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنْ يَتَعَلَّقَ الْمَرْءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى
، وَيَكِلَ الْأَمْرَ إلَيْهِ ، وَيَتَبَرَّأَ مِنْ مَشِيئَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ
ثُمَّ إنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَهْلِهِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ فَيَفْعَلُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ غَسَلَ ذَكَرَهُ ثُمَّ عَادَ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الذَّكَرِ يُقَوِّي الْعُضْوَ وَيُنَشِّطُهُ ، وَكَثْرَةُ هَذَا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ يَتَمَدَّحُوا بِهِ ، وَيَفْتَخِرُوا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الرَّجُلِ ، وَصِحَّةِ بَدَنِهِ ، وَمِزَاجِهِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أُعْطِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاءَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا حَتَّى خَرَجَ عَنْ مَأْلُوفِهِمْ ، وَعَادَتِهِمْ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرْتُمْ أَنَّ كَثْرَةَ هَذَا مَمْدُوحٌ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ، فَمَا الْجَوَابُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كَوْنِهِ أُعْطِيَ مَاءَ مِائَةِ رَجُلٍ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ أُعْطِيَ مَقْصِدَهُ وَمَطْلَبَهُ ، فَنَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَلَبَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ، وَمِنْ شَأْنِ الْمُلُوكِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الشَّأْنِ ، وَكَثْرَةُ النِّسَاءِ فَأُعْطِيَ مَا يَفُوقُ بِهِ سَائِرَ الْمُلُوكِ ؛ لِأَنَّ الْمُلُوكَ وَإِنْ وَجَدُوا الْقُدْرَةَ عَلَى تَحْصِيلِ كَثْرَةِ النِّسَاءِ فَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ مَاءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَضْلًا عَنْ مَاءِ مِائَةِ رَجُلٍ .
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا فَأُعْطِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَفْضُلُهُمْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُعْطِيَ مَاءَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا سُئِلَتْ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ، وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِإِرَبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ؟ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لَا يَأْتِي لِأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ ، بَلْ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى طَرِيقِ تَأْنِيسِ الْبَشَرِيَّةِ لِأَجْلِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ : إنِّي لَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، وَمَا لِي إلَيْهِنَّ حَاجَةٌ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ الطِّيبُ ، وَالنِّسَاءُ ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } فَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : حُبِّبَ ، وَلَمْ يَقُلْ : أَحْبَبْت ، وَقَالَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فَأَضَافَهَا إلَيْهِمْ دُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ حُبُّهُ خَاصًّا بِمَوْلَاهُ عَزَّ وَجَلَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي الْعَلِيَّةِ الشَّرِيفَةِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَشَرِيَّ الظَّاهِرِ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَأْتِي إلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ إلَّا تَأْنِيسًا لِأُمَّتِهِ ، وَتَشْرِيعًا لَهَا لَا أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلِلْجَهْلِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الْجَلِيلَةِ ، وَالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ قَالَ الْجَاهِلُ الْمِسْكِينُ { : مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { : قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ } فَقَالَ : { لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ } ، وَلَمْ يَقُلْ إنِّي مَلَكٌ ، فَلَمْ يَنْفِ الْمَلَكِيَّةَ عَنْهُ إلَّا بِالنِّسْبَةِ
إلَيْهِمْ أَعْنِي فِي مَعَانِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا فِي ذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ ، إذْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَلْحَقُ بَشَرِيَّتَهُ مَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ .
وَلِهَذَا قَالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هُوَ بَشَرٌ لَيْسَ كَالْأَبْشَارِ كَمَا أَنَّ الْيَاقُوتَ حَجَرٌ لَيْسَ كَالْأَحْجَارِ ، وَهَذَا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ لِلْأَفْهَامِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ ، وَمَنْ كَانَ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ مَلَكَ نَفْسَهُ ، وَمِنْ هَاهُنَا يُفْهَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا } ؛ لِأَنَّ هَذَا ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ بَابِ التَّأْنِيسِ لِلْأُمَّةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ { : إنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ } قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ : إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ شِدَّةِ الْآلَامِ ، وَالْأَوْجَاعِ لِرِفْعَةِ مَنَازِلِ الْمُرْسَلِينَ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنْكُمْ } الْحَدِيثَ انْتَهَى .
وَهَذَا مِنْ بَابِ تَأْنِيسِ الْبَشَرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : إنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ } إنَّ تِلْكَ السَّكَرَاتِ سَكَرَاتُ الطَّرِبِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَالَ لَهُ أَهْلُهُ ، وَهُوَ فِي السِّيَاقِ ، وَاكَرْبَاهُ فَفَتَحَ عَيْنَهُ ، وَقَالَ : وَاطَرَبَاهُ غَدًا أَلْقَى الْأَحِبَّهْ مُحَمَّدًا ، وَحِزْبَهْ انْتَهَى .
فَإِذَا كَانَ هَذَا طَرَبَهُ فِي هَذَا الْحَالِ بِلِقَاءِ مَحْبُوبِهِ ، وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِزْبُهُ ، فَمَا بَالُك بِلِقَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَوْلَى الْكَرِيمِ { : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ } ، وَهَذَا مَوْضِعٌ تَقْصُرُ الْعِبَارَةُ عَنْ وَصْفِ بَعْضِهِ ، فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ أَحْوَالَ الْبَشَرِيَّةِ ، وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْأَعْرَاضِ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ فِي الظَّاهِرِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَشْغُولٌ بِرَبِّهِ مُقْبِلٌ عَلَى آخِرَتِهِ ظَاهِرُهُ مَعَ الْخَلْقِ ، وَبَاطِنُهُ مَعَ رَبِّ الْخَلْقِ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ غَائِبٌ عَنْ أَلَمِ الظَّاهِرِ .
هَذَا تَجِدُهُ مَحْسُوسًا فِي بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ فَكَيْفَ بِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ ، وَالْآخَرِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ ، أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ، وَهُوَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَصَابَتْهُ الْأَكَلَةُ فِي رِجْلِهِ فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوا الْقَدَمَ الَّتِي خَرَجَتْ فِيهِ لِئَلَّا تَتَعَدَّى لِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، فَكَانَ يَأْبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُمْ زَوْجَتُهُ : إنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ حَضَرُوا فَقَطَعُوهَا لَهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ رَآهُمْ مُحَدِّقِينَ بِهِ فَقَالَ لَهُمْ : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقْطَعُوا لِي غَيْرَ هَذِهِ الْمَرَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالُوا لَهُ : هُوَ ذَا فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا شَعَرْت بِكُمْ ، وَكَذَلِكَ مَا حُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي ، وَانْهَدَمَتْ أُسْطُوَانَةٌ فِيهِ ، فَهَرِعَ النَّاسُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ يَنْظُرُونَ الْخَبَرَ لِشِدَّةِ انْزِعَاجِهِمْ عِنْدَ وُقُوعِهَا وَتَأَثُّرِهِمْ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَةُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ فِي حَضْرَتِهِ ، فَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ تَكَلَّمُوا وَلَغَطُوا ، فَسُئِلَ أَهْلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : إنَّهُ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ ، وَظَاهِرُ مَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مُشْكِلٌ ، وَبَيَانُ إشْكَالِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِمَّا
ذُكِرَ ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُ التَّوْفِيَةُ بِأَرْكَانِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يُزِيلُ هَذَا الْإِشْكَالَ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ، وَيَقُولُ : إنْ كَانَ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ إبْقَاءِ بَعْضِ حَالِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهِ لِتَوْفِيَةِ أَرْكَانِ الْفَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْلِ فَحَقِيقَةُ الْحُضُورِ فِيهِ أَنْ يَفْنَى الذَّاكِرُ فِي الْمَذْكُورِ .
: ( فَصْلٌ ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّ { الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ ، } فَإِذَا كَانَ فِي الْأَكْلِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمَا بَالُك بِهِ فِي الْجِمَاعِ ، إذْ أَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْمَلْذُوذَاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، فَيَعْمَلُ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَ لَهَا ذَلِكَ إذَا أَرَادَتْهُ ، وَهُوَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى إرَادَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَطْلُبُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُكِّبَ فِيهَا مِنْ الشَّهْوَةِ أَضْعَافُ مَا فِي الرَّجُلِ لَكِنْ أَعْطَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْحَيَاءِ مَا يَغْمُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَإِذَا رَأَى مِنْهَا أَمَارَاتِ الطَّلَبِ لِذَلِكَ فَلْيُرْضِهَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَتَزَيَّنَ وَتَتَعَطَّرَ ، وَتَلْبَسَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكُونُ غَرَضُهُ تَابِعًا لِغَرَضِهَا فَيَتَّصِفُ إذْ ذَاكَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ } ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ ثَمَّ ضَرُورَةٌ أَكِيدَةٌ لِلْجِمَاعِ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ امْرَأَةً تُعْجِبُهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ ، فَإِنَّ الَّذِي عِنْدَ هَذِهِ عِنْدَ هَذِهِ } فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَا يَنْتَظِرُ أَمَارَاتِ طَلَبِهَا ، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْمُلَاعَبَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ مَعَ الْآدَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا .
وَقَدْ وَرَدَ { عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ ، وَرَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَبْدِلْ لِي عِوَضَهَا حُورِيَّةً ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْدِلُ لَهُ عِوَضَهَا حُورِيَّةً } أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
( فَصْلٌ ) وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَفْعَلَ مَعَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ هَذَا الْفِعْلَ الْقَبِيحَ الشَّنِيعَ الَّذِي أَحْدَثَهُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ ، وَهُوَ إتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُعْضِلَةٌ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَيْتَهُمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ نَسَبُوا ذَلِكَ إلَى الْجَوَازِ ، وَيَقُولُونَ : إنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ عَنْهُ لَا أَصْلَ لَهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ نَسَبَهَا إلَى مَالِكٍ إنَّمَا نَسَبَهَا لِكِتَابِ السِّرِّ ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مُتَقَوَّلٌ عَلَيْهِ ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابُ سِرٍّ ، وَفِيهِ مِنْ غَيْرِ هَذَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مُنْكَرَةٌ يَجِلُّ غَيْرُ مَالِكٍ عَنْ إبَاحَتِهَا فَكَيْفَ بِمَنْصِبِهِ ، وَمَا عُرِفَ مَالِكٌ إلَّا بِنَقِيضِ مَا نَقَلُوا عَنْهُ مِنْ أَنْ يَخُصَّ الْخَلِيفَةَ بِرُخَصٍ دُونَ غَيْرِهِ بَلْ كَانَ يُشَدِّدُ عَلَيْهِمْ ، وَيَأْخُذُهُمْ بِالسِّيَاسَةِ حَتَّى يُنْزِلَهُمْ عَنْ دَرَجَاتِهِمْ إلَى دَرَجَاتِ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا جَرَى لَهُ مَعَ الْخَلِيفَةِ فِي إقْرَاءِ الْمُوَطَّأِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ قَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ مَرَّةً : يَا مَالِكُ مَا زِلْت تُذِلُّ الْأُمَرَاءَ ، فَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَالْمَعْهُودُ مِنْ حَالِهِ مَعَهُمْ ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ أَيَجُوزُ وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا ؟ فَقَالَ : أَمَا أَنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ ؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } أَيَكُونُ الزَّرْعُ حَيْثُ لَا نَبَاتَ ؟ .
وقَوْله تَعَالَى { أَنَّى شِئْتُمْ } قِيلَ : مَعْنَاهُ كَيْفَ شِئْتُمْ مُقْبِلَةً أَوْ مُدْبِرَةً أَوْ بَارِكَةً فِي مَوْضِعِ الزَّرْعِ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَتَى شِئْتُمْ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ كَيْفَ شِئْتُمْ إنْ شِئْتُمْ فَاعْزِلُوا ، وَإِنْ
شِئْتُمْ فَلَا تَعْزِلُوا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جَوَازِ ذَلِكَ فَقَالَ : أُفٍّ أُفٍّ أَيَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ ؟ أَوْ قَالَ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا } ، وَمِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي مَحَاشِّهِنَّ ، مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى النِّسَاءَ فِي غَيْرِ مَخْرَجِ الْأَوْلَادِ } ، وَقَدْ قِيلَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْكُتُبِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْهُ أَنْتَ تُبِيحُ ذَلِكَ فَقَالَ : كَذَبَ مَنْ قَالَهُ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : كَذَبُوا عَلَيَّ ، وَقَالَ فِي أُخْرَى : كَذَبُوا عَلَيَّ عَافَاك اللَّهُ أَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } هَلْ يَكُونُ الْحَرْثُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الزَّرْعِ ، وَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ إلَّا فِي مَوْضِعِ الْوَلَدِ ، وَمِنْ كِتَابِ التَّفْسِيرِ لِابْنِ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَفِي مُصَنَّفِ النَّسَائِيّ قَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ } ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُتَّبَعُ ، وَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَعْرُجَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ عَلَى زَلَّةِ عَالِمٍ لَمْ تَصِحَّ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ الْمُرْشِدُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ، وَمِنْ التَّفْسِيرِ لِلْقُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ تَكْفِيرُ مَنْ فَعَلَهُ .
قَالَ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ { : مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي
دُبُرِهَا لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تِلْكَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى أَعْنِي إتْيَانَ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا } ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطَ إتْيَانَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَإِذَا ثَبَتَ الشَّيْءُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُسْتُغْنِيَ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ ، وَمِنْ كِتَابِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ ظَفَرٍ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهَا اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ شُرْطِيَّ الْمَدِينَةِ دَخَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ رُفِعَ إلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا ، فَقَالَ لَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : أَرَى أَنْ تُوجِعَهُ ضَرْبًا ، فَإِنْ عَادَ إلَى ذَلِكَ فَفَرِّقْ بَيْنَهُمَا ، وَأَمَّا مَا حُكِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ السَّلَفِ أَجَازُوا ذَلِكَ ، فَلَا يَصْلُحُ مَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ إضَافَتِهِ إلَيْهِمْ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى سُوءِ ضَبْطِ النَّقَلَةِ ، وَالِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ الدُّبُرَ اسْمٌ لِلظَّهْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } ، وَقَالَ { : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } أَيْ ظَهْرَهُ ، وَالْمَرْأَةُ تُؤْتَى مِنْ قُبُلٍ ، وَمِنْ دُبُرٍ انْتَهَى .
يَعْنِي أَنَّهَا تُؤْتَى مِنْ جِهَةِ ظَهْرِهَا فِي قُبُلِهَا ، وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا مَا اعْتَادَهُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَذَّذُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ مُقْبِلَاتٍ ، وَمُدْبِرَاتٍ ، وَمُسْتَلْقِيَاتٍ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَتْ : كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَاصْنَعْ ذَلِكَ ، وَإِلَّا
فَاجْتَنِبْنِي حَتَّى سَرَى أَمْرُهُمَا فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } أَيْ مُقْبِلَاتٍ ، وَمُدْبِرَاتٍ ، وَمُسْتَلْقِيَاتٍ يَعْنِي بِذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْوَلَدِ .
وَرُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } انْتَهَى .
مِنْ السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا .
هَذَا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ ، وَأَمَّا طَرِيقُ النَّظَرِ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إذَا مُنِعَ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ فِي حَالِ الْحَيْضِ مِنْ أَجْلِ الْأَذَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ : هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } ، وَهِيَ أَيَّامٌ يَسِيرَةٌ مِنْ الشَّهْرِ غَالِبًا ، فَمَا بَالُك بِمَوْضِعٍ لَا تُفَارِقُهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ ، وَقَدْ قَالُوا أَيْضًا : إنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا مَحَلٌّ لِلِاسْتِمْتَاعِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا ، وَفِيمَا تَحْتَ الْإِزَارِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ شَهْوَةَ الرَّجُلِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِشَهْوَةِ الْمَرْأَةِ ، وَوَطْؤُهَا فِي الدُّبُرِ لَا مَنْفَعَةَ لَهَا فِيهِ بَلْ تَتَضَرَّرُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا تَحْرِيكُ بَاعِثِ شَهْوَتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنَالَ غَرَضَهَا ، وَالثَّانِي أَنَّ الْوَطْءَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ يَضُرُّهَا
( فَصْلٌ ) وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ ، وَفِي غَيْرِهِ بِالْقَوْلِ مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي الْغَالِبِ ، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا رَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ ، وَأَتَى أَهْلَهُ جَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي رَآهَا ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الزِّنَا لِمَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ أَخَذَ كُوزًا يَشْرَبُ مِنْهُ الْمَاءَ فَصَوَّرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَنَّهُ خَمْرٌ يَشْرَبُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَصِيرُ عَلَيْهِ حَرَامًا ، وَهَذَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حَتَّى لَقَدْ قَالَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ : إنَّهُ اسْتَفْتَى فِي ذَلِكَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فَأَفْتَى بِأَنْ قَالَ : إذَا جَعَلَ مَنْ رَآهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ عِنْدَ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَعَلَّلَهُ بِأَنْ قَالَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَانَ دِينَهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى وُجُودِ الْجَهْلِ وَالْجُهَّلِ بِالْجَهْلِ ، وَمَا ذُكِرَ لَا يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ وَحْدَهُ بَلْ الْمَرْأَةُ دَاخِلَةٌ فِيهِ بَلْ هِيَ أَشَدُّ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الْخُرُوجُ أَوْ النَّظَرُ مِنْ الطَّاقِ فَإِذَا رَأَتْ مَنْ يُعْجِبُهَا تَعَلَّقَ بِخَاطِرِهَا ، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ بِزَوْجِهَا جَعَلَتْ تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي رَأَتْهَا بَيْنَ عَيْنَيْهَا ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَعْنَى الزَّانِي نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى اجْتِنَابِ ذَلِكَ لَيْسَ إلَّا ، بَلْ يُنَبِّهُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَغَيْرَهُمْ ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا شَرِبَ الْعَبْدُ الْمَاءَ عَلَى شَبَهِ الْمُسْكِرِ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ حَرَامًا }
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ بِأَهْلِهِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مَا كَانَ فَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ بَعْضُ السُّفَهَاءِ هَذَا الْمَعْنَى فَيَذْكُرُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، وَغَيْرِهِمْ مَا كَانَ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ ، وَهَذَا قَبِيحٌ مِنْ الْفِعْلِ كَفَى بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ فِي الْمَصَادِرِ ، وَالْمَوَارِدِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَمَا لَا يُحَدِّثُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بِمَا ذُكِرَ فَكَذَلِكَ لَا يُحَدِّثُ أَهْلَهُ بِشَيْءٍ جَرَى بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ كَائِنًا مَا كَانَ ، وَهَذَا النَّوْعُ أَيْضًا مِمَّا يَتَسَاهَلُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، وَهُوَ قَبِيحٌ إذْ أَنَّ ذَلِكَ يُحْدِثُ بَيْنَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَالنِّسَاءِ الْمَوَدَّةَ وَالْمَحَبَّةَ فَيَأْتِي الرَّجُلُ إلَى أَهْلِهِ فَيُثْنِي لَهُمْ عَلَى مَنْ يَخْطِرُ بِبَالِهِ ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ مِنْ جِهَتِهِ ، وَالسَّلَامُ يُحْدِثُ الْمَوَدَّةَ وَالْمَحَبَّةَ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي السَّلَامِ نَصِيبٌ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَلِّغَ الْإِنْسَانُ لَهُنَّ السَّلَامَ فَإِنَّهُ يُحْدِثُ لَهُنَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُلُوبِ ، وَدُخُولَ وَسْوَاسِ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَالشَّيْطَانِ وَنَزَغَاتِهِ ، فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْعَادَةِ ، فَإِنَّهَا شَنِيعَةٌ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ السَّلَامَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ عَلَى الْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ فِي الِابْتِدَاءِ بِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحَدِّثَ الْمَرْءُ بِمَا جَرَى لَهُ مَعَ شَيْخِهِ أَوْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ أَوْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُكَلَّفُ فِي دِينِهِ مِنْ الْآدَابِ ، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَقَدْ يَجِبُ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى آدَابِهِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي بَيْتِهِ لَكِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ أَوْ الْجَارِيَةُ ،
فَالتَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى نَاصِيَتِهَا ، وَالنَّاصِيَةُ مَقْدَمُ الرَّأْسِ زَوْجَةً كَانَتْ أَوْ جَارِيَةً بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا فَيُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا ، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَمْضِيَ لِسَبِيلِهِ
فَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيُمِرَّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ يَتَشَهَّدْ ثُمَّ يَرْجِعْ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى ، وَيَلْبَسُ ثَوْبَهُ ، وَيُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْكُمِّ قَبْلَ الْيُسْرَى ، فَإِذَا لَبِسَ ثَوْبَهُ فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ جَنَابَةٍ قَرَأَ { : إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } إلَى آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، وَيَدَاهُ تُعَرِّكُ النَّوْمَ عَنْ عَيْنَيْهِ كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ .
ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَيَقُومُ مِنْ الْفِرَاشِ فَيَنْظُرُ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ ، وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، أَنْتَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُك الْحَقُّ ، وَوَعْدُك الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُك حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَك أَسْلَمْت ، وَبِك آمَنْت ، وَعَلَيْك تَوَكَّلْت ، وَإِلَيْك أَنَبْت ، وَبِك خَاصَمْت ، وَإِلَيْك حَاكَمْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت ، وَمَا أَخَّرْت ، وَمَا أَسْرَرْت ، وَمَا أَعْلَنْت ، أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك .
هَكَذَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ : نَامَتْ الْعُيُونُ ، وَغَارَتْ النُّجُومُ ، وَأَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ .
فَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَفْعَلُ فِي وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ ، وَغَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ بِأَيِّ نِيَّةٍ يَلْبَسُ ثَوْبَهُ ، وَكَمْ لَهُ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ ، وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَ الِاسْتِفَاقَةِ مِنْ النَّوْمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ { : يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ ، يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ } ، وَكَسَلُ النَّفْسِ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْعُقَدِ الثَّلَاثِ ، فَإِنْ هُوَ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَيَذْهَبُ مِنْ الْكَسَلِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ إنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ الْعُقْدَةُ الثَّانِيَةُ فَيَذْهَبُ مَعَهَا مِنْ الْكَسَلِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ إنْ صَلَّى ذَهَبَ الْكَسَلُ كُلُّهُ ، وَبَقِيَ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي كَوْنِهِ شَرَعَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْمَرْءُ مَا ذُكِرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، فَشَرَعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلًا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حَتَّى تَذْهَبَ عُقَدُ الشَّيْطَانِ كُلُّهَا ، وَيَذْهَبَ أَثَرُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَجِدَ بِسَبَبِ النَّشَاطِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ الَّذِي شَرَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ .
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي كُمِّهِ الْيَمِينِ أَوَّلًا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ ، وَتَرَجُّلِهِ ، وَتَنَعُّلِهِ } فَعَمَّتْ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا بِقَوْلِهَا فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ ، ثُمَّ فَصَّلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَخْلُو
فِعْلُهُ مِنْ إحْدَى ثَلَاثٍ : إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ ، فَذَكَرَتْ الطُّهُورَ لِتُشِيرَ بِهِ إلَى جِنْسِ الْوَاجِبَاتِ ، وَالتَّرَجُّلَ لِجِنْسِ الْمَنْدُوبَاتِ ، وَالتَّنَعُّلَ لِجِنْسِ الْمُبَاحَاتِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي اللُّبْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَكْسُهُ فِي النَّزْعِ ، فَإِذَا نَزَعَ ثَوْبَهُ فَيَبْدَأُ بِنَزْعِ الْكُمِّ مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَزْعِ النَّعْلِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ مَعَ شَيْخِهِ أَعْنِي فِي الِاجْتِمَاعِ بِهِ مُخْتَارًا لِلْأَوْقَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ بِهِ فِيهَا يَخِفُّ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا مِنْ أَنْ يَجِدَ لِلِاجْتِمَاعِ بِهِ كُلْفَةً ، فَيُحْرَمَ الْعِلْمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَوْ بَرَكَتَهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْخُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا هُوَ أَهَمُّ عَلَيْهِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ ، وَهَذَا النَّوْعُ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَجِدُهُمْ يَعْتَقِدُونَ الشَّخْصَ ، وَيَقُولُونَ بِبَرَكَتِهِ ثُمَّ إنَّهُمْ يَخْتَارُونَ الْأَوْقَاتَ الْفَاضِلَةَ فَيَأْتُونَ فِيهَا إلَى زِيَارَتِهِ فَيُشْغِلُونَهُ عَنْ اغْتِنَامِ بَرَكَةِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ ، فَيَصِيرُ هُوَ وَهُمْ بِالسَّوَاءِ أَعْنِي فِي بَطَالَةِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ الشَّرِيفَةِ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَى إلَيْهِمْ ذَلِكَ فَتَجِدُهُمْ مُخَالِفِينَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَالُهُمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إذْ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ تَنَاكَرَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَنَفَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ حَتَّى إذَا فَرَغَ اجْتَمَعُوا ، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِخِلَافِ مَا الْحَالُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ كَثُرَ اجْتِمَاعُهُمْ وَزِيَارَتُهُمْ فِيهِ ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ مِنْهُمْ إلَى قَرِيبِهِ أَوْ صَاحِبِهِ أَوْ مُعَلِّمِهِ يَجِدُّونَ عَلَيْهِ ، وَيَقَعُ التَّشْوِيشُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى عَكْسِ الْأُمُورِ وَارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي مَعَ رُؤْيَةِ النَّفْسِ أَنَّهَا عَلَى الْخَيْرِ وَالدِّينِ ، فَيَرَوْنَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الشَّرِيفَةِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَيْهِ
فَصْلٌ فِي نُبَذٍ بَقِيَتْ لَمْ تُذْكَرْ بَعْدُ : فَمِنْهَا أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ إذَا كَانَ سَاكِنًا فِي الْمَدْرَسَةِ أَوْ الرِّبَاطِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ أُمُورٍ : مِنْهَا أَنْ لَا يَدَعَ الْوُضُوءَ مِنْ مَاءِ الْفَسْقِيَّةِ أَوْ الْبِئْرِ ، وَلَا يَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ الصِّهْرِيجِ أَوْ الزِّيرِ الْمُعَدَّيْنِ لِلشُّرْبِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا عُمِلَ لِلشُّرْبِ لَا لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِ فَقَدْ يُقْتَدَى بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَفْعَلُ مَا ذُكِرَ ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ عَلَى الْبَلَاطِ الَّذِي عَلَى السُّقُوفِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْبَلَاطِ وَالْخَشَبِ ، وَهُمَا وَقْفٌ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَجْمِرَ بِالْحِجَارَةِ وَيَدَعَهَا فِي الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّ الْقَيِّمَ إذَا وَجَدَهَا هُنَاكَ رَمَاهَا فِي السَّرَبِ فَيَمْتَلِئُ بِالْحِجَارَةِ ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِالْوَقْفِ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَجْمِرَ بِحَائِطِ الْوَقْفِ أَوْ بِأُصْبُعِهِ ، وَيَمْسَحَ مَا أَصَابَهُ فِي الْحَائِطِ ، وَهَذَا النَّوْعُ قَدْ كَثُرَ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وِعَاءٌ يَتَوَضَّأُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجَ إلَى الْغُسْلِ يَكُونُ لَهُ وِعَاءٌ يَغْتَسِلُ فِيهِ لِئَلَّا يَضُرَّ بِالسَّقْفِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا صَعِدَ أَوْ نَزَلَ أَنْ يَمْشِيَ بِرِفْقٍ إذْ أَنَّ الْمَشْيَ بِقُوَّةٍ يَضُرُّ بِالْبَلَاطِ وَالسُّقُوفِ ، وَهُمَا وَقْفٌ سِيَّمَا إذَا كَانَ بِقَبْقَابٍ فَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ ، فَهَذَا مُنْتَهَى الْكَلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ عَلَى آدَابِ الْعَالِمِ ، وَالْمُتَعَلِّمِ لِيَتَنَبَّهَ بِمَا ذُكِرَ عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
فَصْلٌ فِي نِيَّةِ الْإِمَامِ ، وَالْمُؤَذِّنِ ، وَآدَابِهِمَا ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِمَا مُشْتَرَكٌ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ ، فَالْإِمَامُ لَهُ آدَابٌ تَخُصُّهُ فَمِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَنْدُوبٌ ، وَمِثْلُهُ الْمُؤَذِّنُ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِمَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ : أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَمَانِيَةُ أَوْصَافٍ ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا عَدْلًا مُتَكَلِّمًا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ أَوْ لِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقِيهًا بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ ، وَالْمُؤَذِّنُ : شَرَطُوا فِيهِ أَيْضًا ثَمَانِيَةَ أَوْصَافٍ ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا عَدْلًا مُتَكَلِّمًا عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ سَالِمًا مِنْ اللَّحْنِ فِي الْأَذَانِ ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ ، وَهِيَ : كُلُّ صَلَاةٍ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَتُهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فِي غَيْرِهَا ، وَهِيَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ ، وَالْجَمْعُ لِلْمَطَرِ ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ ، وَإِذَا كَانَ مَأْمُومًا ، وَاسْتُخْلِفَ هَذَا الَّذِي يَجِبُ فِيهِ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ ، فَلَا يَجِبُ لَكِنْ إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ لَا تَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ مَنْ نَوَاهَا ، وَإِذَا نَوَاهَا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ مَعَ ذَلِكَ نِيَّةَ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْعَالِمِ .
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ مَأْمُومٌ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، وَالْإِمَامَةُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِذَا عَزَمَ عَلَيْهَا فَلْيَنْوِ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ حَتَّى يُسْقِطَ ذَلِكَ عَنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَسَارَعَ إلَيْهَا ، وَلَا يَتْرُكَهَا رَغْبَةً عَنْهَا ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ جَمَاعَةً تَرَادُّوا الْإِمَامَةَ بَيْنَهُمْ فَخُسِفَ بِهِمْ ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَوَرَّعُ عَنْ الْإِمَامَةِ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ يُبَادِرُ
إلَيْهَا ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا هَذَا أَعْنِي فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَنْبَغِي لِمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ أَنْ يُبَادِرَ إلَيْهَا إذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ حَالَ الْإِمَامِ ، وَأَمَّا مَعَ مَعْرِفَتِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى مَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إذَا أَخَذَك وَقْتُ الصَّلَاةِ بِمَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ ، فَإِنْ كُنْت فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ فَصَلِّ حَيْثُ كُنْت ، وَلَيْسَ عَلَيْك إعَادَةٌ ، وَإِنْ كُنْت فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَقَعُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تَعْلَمَ حَالَ الْإِمَامِ أَمْ لَا فَتَعْمَلَ عَلَى مَا تَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ مَضَتْ صَلَاتُك ، وَإِلَّا فَتُعِيدُهَا ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُعَلِّلُ ذَلِكَ فَيَقُولُ : إنَّ بِلَادَ الْمَغْرِبِ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلَدِ عَلَى فَضِيلَتِهِ وَتَقْدُمَتِهِ فِي الْعِلْمِ ، وَالْخَيْرِ ، وَالصَّلَاحِ ، وَسَائِرَ الْمَسَاجِدِ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِيهَا إلَّا مَنْ أَجْمَعَ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ عَلَى فَضِيلَتِهِ عَلَيْهِمْ .
وَأَمَّا الدِّيَارُ الْمِصْرِيَّةُ وَمَا أَشْبَهَهَا ، فَإِنَّ الْإِمَامَةَ فِيهَا بِالدَّرَاهِمِ غَالِبًا ، وَهِيَ إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ لَا يَتَوَلَّاهَا إلَّا صَاحِبُ جَاهٍ أَوْ شَوْكَةٍ ، وَمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ رِقَّةُ الدِّينِ ، فَإِذَا صَلَّى خَلْفَهُ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَعَادَ صَلَاتَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ فَانْظُرُوا بِمَنْ تَسْتَشْفِعُونَ } ، وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا تَوَلَّى الْإِمَامَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ صَادِقَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَطْلُبُ بِذَلِكَ عِوَضًا عَنْ ثَنَاءٍ ، وَلَا رَاحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ، وَلَا صُورَةٍ مُمَيَّزَةٍ بَيْنَ النَّاسِ ، بَلْ يَجْعَلُ ذَلِكَ لِوَجْهِ رَبِّهِ خَالِصًا ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مِنْ أَكْبَرِ مُهِمَّاتِ الدِّينِ .
، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ عَمِلَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ شَيْئًا يُرِيدُ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ ، وَعَرْفُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ } فَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا الْخَطَرِ الْعَظِيمِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { : ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَغْبِطُهُمْ الْأَوَّلُونَ ، وَالْآخِرُونَ عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقَّ مَوَالِيهِ ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كُلَّ يَوْمٍ ، وَلَيْلَةٍ ، } فَإِنْ خَافَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يَكْرَهُ إمَامَتَهُ فَتَرْكُهَا إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ لَهُ ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عَلَى مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ حَذَرًا أَنْ يَكْرَهَ أَحَدٌ إمَامَتَهُ لِحَظٍّ دُنْيَوِيٍّ أَوْ نَفْسَانِيٍّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ شَرْعِيَّةً فَلَا يَتَقَدَّمُ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ ثَلَاثًا رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ ، وَرَجُلٌ سَمِعَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَمْ يُجِبْ } فَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْإِمَامَةِ مَعْلُومٌ ، فَلَا يَأْخُذُهُ بِنِيَّةِ الْإِجَارَةِ ، بَلْ يَأْخُذُهُ عَلَى نِيَّةِ الْفُتُوحِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى فِعْلِ الْإِمَامَةِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَعَلَامَتُهُ أَنْ لَا يَطْلُبَهُ ، وَلَا يَجِدَ الْقَلَقَ حِينَ قَطْعِهِ عَنْهُ ، وَلَا يَتَضَجَّرَ ، وَلَا يَتْرُكَ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ ، فَإِنْ طَلَبَ أَوْ تَضَجَّرَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ إلَى بَابِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْمُحَرَّمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَمْرِ الْعَالِمِ ، وَلَوْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَإِرْشَادِ الْمُسْلِمِينَ لِمَصَالِحِ دِينِهِمْ فَذَلِكَ سَائِغٌ مَا لَمْ يَصْحَبْهُ حَظٌّ مَا فَإِنْ صَحِبَهُ فَيُكْرَهُ أَوْ يُمْنَعُ بِحَسَبِ الْحَالِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ
يَتَحَفَّظَ عَلَى الْأَوْقَاتِ أَكْثَرَ مِنْ تَحَفُّظِ الْمُؤَذِّنِ عَلَيْهَا ، إذْ أَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ الْمُؤَذِّنُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ، وَالْمُؤْمِنُ كَفِيلٌ لِأَخِيهِ فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَتَحَفَّظُ عَلَى الْأَوْقَاتِ فَقَلَّ أَنْ يَتَأَتَّى خَطَؤُهُمَا مَعًا ، بَلْ إذَا أَخْطَأَ هَذَا أَصَابَ هَذَا فِي الْغَالِبِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ فَرْضٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا بَالُك بِمَنْ لَهُ الْإِمَامَةُ إذْ بِهِ الْحَلُّ وَالرَّبْطُ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُزْرِي بِصَاحِبِهَا مِنْ الْمِزَاحِ ، وَكَثْرَةِ الضَّحِكِ سِيَّمَا مَعَ الْأَجَانِبِ ، وَالْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُزْرِي بِصَاحِبِهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ فِي شَيْءٍ .
وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الطَّرَقَاتِ } كَمَا تَقَدَّمَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقْعُدُ عَلَى دُكَّانِ الْبَيَّاعِ لَا لِحَاجَةٍ ، وَذَلِكَ جُلُوسٌ عَلَى الطُّرُقَاتِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ النَّهْيِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ الْجَمَاعَةِ قَلَقًا وَخَوْفًا ، وَأَكْثَرَهُمْ عِلْمًا وَخَشْيَةً وَرِقَّةً ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ تُرْفَعُ عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ حَتَّى يُحَصِّلَ جَمِيعَ مَنْ خَلْفَهُ فِي صَحِيفَتِهِ ، وَفِي خِفَارَتِهِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فَضْلًا ، وَيَرَى الْفَضْلَ لَهُمْ عَلَيْهِ ، وَيَتَخَوَّفُ عَلَى ذِمَّتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : الْإِمَامُ ضَامِنٌ ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ } أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ مُهِمَّاتِهِ
التَّحَفُّظَ مِنْ الْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ ، وَالْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ السُّنَنِ الْمَعْمُولِ بِهَا عِنْدَهُمْ ، حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَحَدٌ الْيَوْمَ لَوَجَدُوا عَلَيْهِ ، وَقَالُوا : تَرَكَ السُّنَّةَ فَظَهَرَ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ { : كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا : تَرَكَ سُنَّةً } فَيَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِرِ جَهْدَهُ إذْ أَنَّهُ عَلَمٌ لِلْعَامَّةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الْغَالِبِ
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَالْأَمْرِ بِتَغْيِيرِهَا قَالَ الرَّسُولُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَسْجِدَ وَمَا يُفْعَلُ فِيهِ مِنْ رَعِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ التَّصَرُّفُ .
أَلَا تَرَى إلَى فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : { إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ ، أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَقَالَ أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا } فَنَظَرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِذَلِكَ مِنْ بَعْضِ فَوَائِدَ ، إذْ أَنَّ الْمَسْجِدَ مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتِهِ .
وَقَوْلُهُ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي مِثْلِ مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي هُوَ مَفْرُوشٌ بِالرَّمْلِ ، أَمَّا غَيْرُهُ مِمَّا هُوَ مَفْرُوشٌ بِالْحُصُرِ أَوْ بِالرُّخَامِ أَوْ بِالْبَلَاطِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الثَّالِثُ الَّذِي ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ : أَنْ يَبْزُقَ فِي طَرَفِ رِدَائِهِ وَيَحُكَّهَا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : يَبْصُقُ تَحْتَ طَرَفِ الْحَصِيرِ وَيَرُدُّ الْحَصِيرَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الدَّفْنِ لَهَا كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ كَثْرَةِ تَعْظِيمِهِمْ لِلْمَسَاجِدِ وَاحْتِرَامِهَا ، وَأَنَّ مَسَاجِدَهُمْ كَانَتْ يُمْكِنُ الدَّفْنُ فِيهَا غَالِبًا وَقَلَّ مَنْ يَقَعُ مِنْهُ ذَلِكَ لِشِدَّةِ التَّعْظِيمِ ، بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْحَالُ الْيَوْمَ فَتَعَاطِي الْقَلِيلَ مِنْهُ يُؤَدِّي إلَى الْكَثِيرِ ، وَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِوُجُوهٍ :
الْأَوَّلُ : أَنَّ فِيهِ اسْتِقْذَارًا لِلْمَسْجِدِ .
الثَّانِي : أَنَّ الذُّبَابَ يَجْتَمِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيُشَوِّشُ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَيُمْنَعُ ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْخُشَاشَ يَكْثُرُ بِسَبَبِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَذَّى بِهَا .
الرَّابِعُ : أَنَّ هَذَا يُسَمَّى تَغْطِيَةً وَلَا يُسَمَّى دَفْنًا .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى .
السَّادِسُ : أَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْحَصِيرَ إذَا فُعِلَ ذَلِكَ تَحْتَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى آلَ إلَى تَقْطِيعِهِ .
السَّابِعُ : أَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِي الْوَقْفِ فِي غَيْرِ مَا جُعِلَ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا .
الثَّامِنُ : أَنَّ ذَلِكَ يُكْسِبُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَطْيِيبِهِ وَهَذَا ضِدُّهُ .
التَّاسِعُ : أَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الْبُصَاقِ شَيْءٌ مِنْ الدَّمِ وَهُوَ نَجِسٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ مِمَّنْ بِهِ مَرَضٌ .
وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ مَا أَكَلَ إذْ أَنَّهُ إذَا عَالَجَهُ وَأَزَالَهُ فَلَا يَبْتَلِعُهُ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مُخَالَطَتُهُ لِشَيْءٍ مِنْ دَمِ اللِّثَاتِ ، وَكَذَلِكَ السِّوَاكُ لَا يَسْتَاكُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَالَطَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا سَلِمَ مِنْ النَّجَاسَةِ فَفِعْلُهُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ بُصَاقَهُ إلَى فِيهِ ، وَذَلِكَ مُسْتَقْذَرٌ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِأَجْلِ النَّظَافَةِ ، وَهَذَا ضِدُّهُ .
هَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَصِيرٌ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ رُخَامٌ أَوْ بَلَاطٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الدَّفْنُ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيُمْنَعُ الْبُصَاقُ فِيهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا } وَدَفْنُهَا لَا
يُمْكِنُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ خَطِيئَةً .
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَسْجِدَ مِنْ رَعِيَّةِ الْإِمَامِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَفَقَّدَهُ ، فَمَا كَانَ فِيهِ عَلَى مِنْهَاجِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ أَبْقَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَزَالَهُ بِرِفْقٍ وَتَلَطُّفٍ ، إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ حَائِلٌ يَحُولُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ .
أَلَا تَرَى إلَى فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ ، وَالْحَصِيرُ مِمَّا لَا يَتَأَبَّدُ .
وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ الصُّغْرَى لَهُ قَالَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرٌ وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ } الْحَدِيثَ .
هَذَا وَهُوَ لِضَرُورَةِ الِاعْتِكَافِ فَمَا بَالُكَ بِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ .
فَعَلَى هَذَا فَفِعْلُ الْمَقَاصِيرِ وَالدَّرَابْزِينِ مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ ، وَقَدْ تَرَتَّبَ بِسَبَبِ ذَلِكَ جُمْلَةُ مَفَاسِدَ .
أَوَّلُهَا : أَنَّ الْمَوْضِعَ وُقِفَ لِلصَّلَاةِ وَمَا فُعِلَ فِيهِ لِغَيْرِهَا فَهُوَ غَصْبٌ لِمَوَاضِعِ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ .
الثَّانِي : أَنَّ فِيهِ تَقْطِيعَ الصُّفُوفِ وَذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْبَالُ الْخَطِيبِ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ وَلَا رُؤْيَتُهُ بِسَبَبِهَا ، إذْ أَنَّهَا تَحُولُ بَيْنَ الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ .
وَقَدْ وَرَدَ { إذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبِلُوهُ بِوُجُوهِكُمْ وَارْمُقُوهُ بِأَعْيُنِكُمْ } مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْمَقَاصِيرِ وَالدَّرَابْزِينِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ سَبَبًا لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَى إلَى أَمْرٍ مُسْتَهْجَنٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى الْوُصُولِ إلَى أَغْرَاضِهِ الْخَسِيسَةِ بِارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ لِكَوْنِهِ يَتَوَارَى
فِيهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ قَدْ يَنَامُ فِيهَا بَعْضُ الْغُرَبَاءِ لِلضَّرُورَةِ ، فَيَجِدُ اللِّصُّ السَّبِيلَ إلَى أَخْذِ مَتَاعِهِ إذْ أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِسَبَبِهَا ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ كَثِيرًا .
السَّادِسُ : أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ بَعْضُ النَّاسِ السَّبِيلَ إلَى أَنْ يَبُولَ فِي الْمَسْجِدِ بِسَبَبِهَا ، إذْ أَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِهَا فَلَا يُرَدُّ إذْ ذَاكَ سِيَّمَا الصِّبْيَانُ الصِّغَارَ الَّذِينَ لَا يَنْضَبِطُ حَالُهُمْ فِي الْغَالِبِ .
السَّابِعُ : مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ .
الثَّامِنُ : أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ وَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ .
التَّاسِعُ : قَدْ يَجِيءُ أَعْمَى لَا يَهْتَدِي بِتِلْكَ الْأَبْوَابِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي فِي الدَّرَابْزِينِ فَكَانَتْ سَبَبًا لِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ .
وَكَانَ سَبَبُ اتِّخَاذِهَا أَنَّ الْخِلَافَةَ لَمَّا رَجَعَتْ مُلْكًا وَتَخَوَّفَ الْمُلُوكُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْقَتْلِ عَمِلُوا هَذِهِ الْمَقَاصِيرَ لِيَتَحَصَّنُوا بِهَا مِمَّنْ يَثِبُ إلَى قَتْلِهِمْ ، فَلَا يَدْخُلُهَا إلَّا خَاصَّةُ الْمَلِكِ وَحُجَّابُهُ عَلَى بَابِهَا .
وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ : أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ الْمَقْصُورَةَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ حِينَ طَعَنَهُ الْيَمَانِيُّ فَجَعَلَ مَقْصُورَةً مِنْ طِينٍ وَجَعَلَ فِيهَا تَشْبِيكًا .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالْمَقْصُورَةُ مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَهَا الْأُمَرَاءُ لِلْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَاِتِّخَاذُهَا فِي الْجَوَامِعِ مَكْرُوهٌ ، فَإِنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً تُفْتَحُ أَحْيَانَا وَتُمْنَعُ أَحْيَانَا فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ الْخَارِجُ عَنْهَا اللَّاصِقُ بِهَا .
وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً غَيْرَ مَمْنُوعَةٍ فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ اللَّاصِقُ بِجِدَارِ الْقِبْلَةِ فِي دَاخِلِهَا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ .
وَقَوْلُهُ : وَجَعَلَ فِيهَا تَشْبِيكًا يُرِيدُ تَخْرِيمًا
يَرَى مِنْهُ النَّاسُ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ .
ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ تُعْمَلُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ زِيِّ الْمَسْجِدِ ، وَكَثُرَ هَذَا حَتَّى صَارَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ مَدْرَسَةً وَيَقِفَ لَهَا وَقْفًا يَأْخُذُ مِنْ الْجَامِعِ نَاحِيَةً حَيْثُ يَخْتَارُ فِيهِ فَيُدِيرُهَا بِالدَّرَابْزِينِ وَيَجْعَلُهَا لِأَخْذِ الدَّرْسِ فِيهَا ، فَسَرَى الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ الْفُقَهَاءِ يَدْخُلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي تُقْصَدُ لَهَا الْمَسَاجِدُ ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُطْرَدُ فِي وَقْتِ الدَّرْسِ ، وَهَذَا غَصْبٌ وَإِحْدَاثٌ وَتَصَرُّفٌ فِي الْوَقْفِ لَا شَكَّ فِيهِ .
( فَصْلٌ )
( فَصْلٌ ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْكُرْسِيُّ الْكَبِيرُ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ فِي الْجَامِعِ وَيُؤَبِّدُونَهُ وَعَلَيْهِ الْمُصْحَفُ لِكَيْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُمْسَكُ بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ كَبِيرٌ وَهُوَ وَقْفٌ عَلَى الْمُصَلِّينَ لِصَلَاتِهِمْ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَمِنْهُمْ الْمُصَلِّي وَمِنْهُمْ التَّالِي وَمِنْهُمْ الذَّاكِرُ وَمِنْهُمْ الْمُفَكِّرُ ، فَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ إذْ ذَاكَ قَطَعَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ .
وَقَدْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ ، } وَهُوَ نَصٌّ فِي عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِعُونَ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَتَشَوَّشُ مِنْ الْمُشْتَغِلِينَ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَإِنْ شَوَّشَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِوُجُودِ الضَّرَرِ .
وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ } وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا } رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ .
وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَجَّاجُ أَعْنِي الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ مَنْ مَضَى ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ أَرْسَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَصَاحِفَ إلَى الْأَمْصَارِ تُوضَعُ فِي الْجَوَامِعِ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِتَجْمِيعِ النَّاسِ عَلَى مَا أُثْبِتَ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، خَاصَّةً لِيَذْهَبَ التَّنَازُعُ فِي الْقُرْآنِ وَيُرْجَعَ لِهَذَا الْمُصْحَفِ إذَا اُخْتُلِفَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَيُتْرَكَ مَا عَدَاهُ ؛ لِأَنَّهُ إمَامُ الْمَصَاحِفِ وَقَدْ أُمِنَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
فَلَا يُكْتَبُ مُصْحَفٌ وَيُجْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مَا أَحْدَثُوهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الصَّنَادِيقِ الْمُؤَبَّدَةِ الَّتِي يَجْعَلُ فِيهَا بَعْضُ النَّاسِ أَقْدَامَهُمْ وَغَيْرَهَا مِنْ أَثَاثِهِمْ ، وَذَلِكَ غَصْبٌ لِمَوْضِعِ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ .
قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ : وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّابُوتَ الَّذِي جُعِلَ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّدَقَاتِ ، وَرَآهُ مِنْ حَرْثِ الدُّنْيَا انْتَهَى .
وَمِنْ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْوَقْفِ وَالتَّغْيِيرِ لِمَعَالِمِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ حَفْرِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَعْمَلَ فِيهِ مَوْضِعًا كَالْخِزَانَةِ الصَّغِيرَةِ يَعْمَلُ فِيهَا مَا يَخْتَارُ مِنْ خَتْمَةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، فَعَلَى مَا ذُكِرَ فَقِسْ كُلَّ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِمَّا أَحْدَثُوهُ فِي الْمَسْجِدِ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الدَّكَّةُ الَّتِي يَصْعَدُ عَلَيْهَا الْمُؤَذِّنُونَ لِلْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى الْأَذَانِ عَلَيْهَا ، بَلْ هِيَ أَشَدُّ مِنْ الصَّنَادِيقِ ، إذْ يُمْكِنُ نَقْلُ الصَّنَادِيقِ وَلَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا إذْ إنَّ السُّنَّةَ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ ، كَذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، ثُمَّ زَادَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَذَانًا آخَرَ بِالزَّوْرَاءِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ لَمَّا أَنْ كَثُرَ النَّاسُ وَأَبْقَى الْأَذَانَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَنَارِ ، وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ إذْ ذَاكَ .
ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا أَنْ تَوَلَّى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذَ الْأَذَانَ الَّذِي فَعَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالزَّوْرَاءِ ، وَجَعَلَهُ عَلَى الْمَنَارِ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا يُؤَذِّنُ عِنْدَ الزَّوَالِ ، ثُمَّ
نُقِلَ الْأَذَانُ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَنَارِ حِينَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً فَجَعَلَهُمْ يُؤَذِّنُونَ جَمَاعَةً وَيَسْتَرِيحُونَ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : وَسُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ .
فَقَدْ بَانَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ بِدْعَةٌ ، وَأَنَّ أَذَانَهُمْ جَمَاعَةً أَيْضًا بِدْعَةٌ أُخْرَى فَتَمَسَّكَ بَعْضُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ ، وَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَمَا تَقَدَّمَ .
ثُمَّ تَطَاوَلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ بَيْنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا ، فَزَادُوا عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمُؤَذِّنِينَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثَةٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ ، فَهَذِهِ بِدْعَةٌ ثَالِثَةٌ ثُمَّ أَحْدَثُوا الدَّكَّةِ الَّتِي يَصْعَدُونَ عَلَيْهَا وَيُؤَذِّنُونَ ، فَهَذِهِ بِدْعَةٌ رَابِعَةٌ .
وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ .
هَذَا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ .
وَأَمَّا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى ؛ فَلِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَمَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ لَا مَعْنَى لِنِدَائِهِ ، إذْ هُوَ حَاضِرٌ وَمَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ إذَا كَانَ النِّدَاءُ فِي الْمَسْجِدِ ، هَذَا وَجْهٌ .
الثَّانِي : أَنَّ الدَّكَّةَ الَّتِي أَحْدَثُوهَا ضَيِّقَةٌ مِنْ غَيْرِ حَظِيرٍ فَقَدْ تَلْتَوِي رِجْلُ أَحَدِهِمْ أَوْ يَعْثُرُ فَيَقَعُ فَتَنْكَسِرُ ، وَقَدْ جَرَى ذَلِكَ فَيَكُونُ مَسْئُولًا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ وُجُودِ أَلَمِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهَا إذْ الْمُرَادُ إنَّمَا هُوَ إسْمَاعُ الْحَاضِرِينَ ، وَهُمْ لَوْ أَذَّنُوا فِي الْأَرْضِ لَأَسْمَعُوا مَنْ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا هِيَ عَوَائِدُ وَقَعَ الِاسْتِئْنَاسُ بِهَا فَصَارَ الْمُنْكِرُ لَهَا كَأَنَّهُ يَأْتِي بِبِدْعَةٍ عَلَى زَعْمِهِمْ ، فَإِنَّا لِلَّهِ
وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى قَلْبِ الْحَقَائِقِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُوَ الصَّوَابُ وَالْأَفْضَلُ وَلَوْ فُعِلَ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ بِدْعَةٌ لَكَانَ أَخَفَّ أَنْ يُرْجَى لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتُوبَ .
( فَصْلٌ ) ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى أَمْرٍ مَخُوفٍ ، وَهُوَ وُقُوعُ الْخَلَلِ فِي الصَّلَاةِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْ فَعَلُوا الْأَذَانَ فِي جَمَاعَةٍ مَضَوْا عَلَى ذَلِكَ التَّبْلِيغِ فِي الصَّلَاةِ وَالْجَمَاعَةِ إذَا بَلَّغُوا مَشَى بَعْضُهُمْ عَلَى صَوْتِ بَعْضٍ مَعَ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ زَعَقَاتِ الْمُؤَذِّنِينَ ، وَذَلِكَ يُذْهِبُ الْحُضُورَ وَالْخُشُوعَ أَوْ بَعْضَهُ وَيُذْهِبُ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ أَيْضًا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُسْمِعِ الْوَاحِدِ وَالصَّلَاةِ بِهِ وَبُطْلَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : تَصِحُّ ، لَا تَصِحُّ ، الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ فَتَصِحَّ ، أَوْ لَا يَأْذَنَ فَلَا تَصِحَّ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَوْتُ الْإِمَامِ يَعُمُّهُمْ فَلَا تَصِحُّ أَوْ لَا يَعُمُّهُمْ فَتَصِحُّ .
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي تَبْلِيغِ الْوَاحِدِ فَمَا بَالُكَ فِي تَبْلِيغِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ كَمَا سَبَقَ ؟ فَأَوْلَى بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ وَبُطْلَانِهَا بِتَبْلِيغِهِمْ .
وَهَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا أَتَوْا كُلُّهُمْ بِالتَّكْبِيرِ كَامِلًا فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ ، فَلَوْ كَبَّرَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْمِعِينَ التَّكْبِيرَ كَامِلًا جَمِيعَ الصَّلَاةِ جَرَى فِي صَلَاتِهِ وَالصَّلَاةِ بِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْمُسْمِعِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ .
هَذَا مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ مَشَى عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى .
وَأَمَّا عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ كَوْنِهِمْ يَتَوَاكَلُونَ فِي التَّكْبِيرِ وَيُدِيرُونَهُ بَيْنَهُمْ وَيَقْطَعُونَهُ وَيُوصِلُونَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ فَيَقُولُ : اللَّهُ وَيَمُدُّ صَوْتَهُ ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْآخَرُ مِنْ أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ نَفْسِهَا وَاصِلًا صَوْتَهُ بِصَوْتِ صَاحِبِهِ قَبْلَ انْقِطَاعِهِ مُبَالِغًا فِي رَفْعِ صَوْتِهِ عَلَى سَبِيلِ
الْعَمْدِ ، وَفَاعِلُ هَذَا لَمْ يَأْتِ بِالتَّكْبِيرِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ فِي شُغُلٍ فِي الصَّلَاةِ بِزِيَادَةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ وَلَا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ الْخِلَافِ السَّابِقِ .
وَيَقَعُ أَيْضًا بِذَلِكَ التَّهْوِيشُ وَالتَّشْوِيشُ وَالتَّخْلِيطُ سِيَّمَا ، وَهُمْ لَوْ أَتَوْا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَاكُلٍ أَوْ تَوْصِيلٍ وَتَرْدِيدٍ لَأَبْطَلَ صَلَاتَهُمْ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وَضْعَ التَّكْبِيرِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : اللَّهُ فَيَزِيدُونَ عَلَى الْهَمْزَةِ مَدَّةً ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُونَ فِي أَكْبَرُ ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ بَعْدَ الْبَاءِ مِنْ أَكْبَرُ أَلِفًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ صَنِيعُهُمْ .
وَإِنْ أَتَى بَعْضُهُمْ بِالتَّكْبِيرِ كَامِلًا فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا وَهُوَ الْبُطْلَانُ .
وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيَسْرِي الْخَلَلُ إلَى صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِتَبْلِيغِهِمْ ؛ لِأَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ إلَّا بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ .
أَوَّلُهَا وَهُوَ أَعْلَاهَا : أَنْ يَرَى أَفْعَالَ الْإِمَامِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَسَمَاعُ أَقْوَالِهِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَرُؤْيَةُ أَفْعَالِ الْمَأْمُومِينَ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَسَمَاعُ أَقْوَالِهِمْ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلَا إمَامَةَ .
وَفِي هَذَا نُكْتَةٌ أُخْرَى وَهِيَ : أَنَّ الْإِمَامَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَبَّرُوا خَلْفَهُ إذْ ذَاكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الصَّلَاةِ لِيُسْمِعُوا النَّاسَ ذَلِكَ فَيُعْلِمُوا بِتَكْبِيرِهِمْ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ ، فَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ النَّاسِ حِينَئِذٍ سَرَى الْخَلَلُ إلَى صَلَاتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا .
ثُمَّ إنَّ تَبْلِيغَهُمْ فِي الصَّلَاةِ جَمَاعَةً
أَدَّى إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَفِي حُكْمِهِ ؛ وَفِي هَذَا الْفِعْلِ يَصِيرُ الْإِمَامُ فِي حُكْمِ الْمَأْمُومِ ؛ لِأَنَّ الْمُكَبِّرِينَ يُطَوِّلُونَ فِي التَّكْبِيرِ وَيُمَطِّطُونَهُ ، وَالْإِمَامُ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُمْ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ إلَى الرُّكْنِ الَّذِي يَلِيهِ .
وَأَفْضَى تَسْمِيعُهُمْ جَمَاعَاتٍ أَيْضًا إلَى مَفْسَدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْإِمَامَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَيَرْكَعُ فَيُكَبِّرُونَ خَلْفَهُ وَيُطَوِّلُونَ بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ عَلَيْهِ ، فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ تَكْبِيرُهُمْ ، وَيَأْتِي الْمَسْبُوقُ فَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَيَرْكَعُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ بَعْدُ لِكَوْنِهِ يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُكَبِّرِينَ فِي الرُّكُوعِ فَتَفْسُدُ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ، إذْ لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ لَتَدَارَكَ مَا وَقَعَ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ لَمْ تَصِحَّ لَهُ .
( فَصْلٌ ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا الدَّكَّةُ الَّتِي تَحْتَ هَذِهِ الدَّكَّةِ الَّتِي يُؤَذِّنُونَ عَلَيْهَا لِلْجُمُعَةِ ، وَالتَّعْلِيلُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَقَاصِيرِ وَالصَّنَادِيقِ .
وَكَذَلِكَ الدَّكَّةُ الَّتِي يُسْمِعُونَ عَلَيْهَا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالتَّعْلِيلُ فِيهَا كَذَلِكَ .
ثُمَّ الْعَجَبُ كَيْفَ غَابَ عَنْهُمْ أَصْلُ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ إذْ إنَّ الصَّلَاةَ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ ، وَإِذَا كَانَتْ صِلَةً فَمِنْ شَأْنِهَا كَثْرَةُ التَّوَاضُعِ وَتَمْرِيغُ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَالتُّرَابِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَعْلَى ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ عَلَى الْحَصِيرِ الْغَلِيظِ .
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الثَّوْبِ الْكَتَّانِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مَكْرُوهَةٌ مَعَ وُجُودِ الْحَصِيرِ ، وَبِهَذِهِ النِّسْبَةِ تَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَى ثَوْبِ الْقُطْنِ مَكْرُوهَةً إذَا وُجِدَ الْكَتَّانُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الثَّوْبِ الصُّوفِ مَكْرُوهَةٌ إنْ وُجِدَ الْقُطْنُ .
فَالْحَاصِلُ أَنَّ
أَعْلَى الْمَرَاتِبِ مُبَاشَرَةُ الْأَرْضِ بِالسُّجُودِ ثُمَّ يَلِيهَا الْحَصِيرُ الْغَلِيظُ ثُمَّ مَا هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ ثُمَّ الْكَتَّانُ الْغَلِيظُ كَذَلِكَ ، ثُمَّ الْقُطْنُ مِثْلُهُ ثُمَّ الصُّوفُ .
وَالْمَقْصُودُ : أَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ تَوَاضُعٍ وَتَصَاغُرٍ وَذِلَّةٍ وَخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ .
وَفِعْلُ الدَّكَّةِ يُنَافِي ذَلِكَ كُلَّهُ ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ عَلَيْهَا يَرْتَفِعُ بِهَا عَنْ الْأَرْضِ ارْتِفَاعًا كَثِيرًا وَيُصَلِّي عَلَى الْخَشَبِ ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا جُعِلَتْ الدَّكَّةُ لِلْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ وَلِلْخَمْسِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ فَالْجَوَابُ : أَنَّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يَسْمَعُ تَبْلِيغَهُمْ فِي الْغَالِبِ ، وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَوَاءٌ كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الدَّكَّةِ أَوْ بِالْأَرْضِ هُمْ يَسْمَعُونَهُمْ غَالِبًا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ يَكُونُ الْجَامِعُ كَبِيرًا وَفِيهِ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ وَلَا يُسْمِعُهُمْ الْمُؤَذِّنُ الْوَاحِدُ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ صَوْتِ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ، بَلْ صَوْتُ الْوَاحِدِ فِي الْإِسْمَاعِ أَبْلَغُ لِكَوْنِهِ صَوَّتَ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي جَمَاعَةٍ يُبَلِّغُ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى أَصْوَاتِهِمْ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى يُسْمِعُ الْمُؤَذِّنُ الْوَاحِدُ فِي الشَّاهِدِ عَلَى بُعْدٍ وَلَا تُسْمِعُ الْجَمَاعَةُ إلَّا فِيمَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ .
وَفِي جَوَامِعِ الْمَغْرِبِ تَجِدُ فِي الْجَامِعِ الْوَاحِدِ أَرْبَعَةَ مُؤَذِّنِينَ .
وَاحِدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَالثَّانِي حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ صَوْتُ الْأَوَّلِ ، وَالثَّالِثُ حَيْثُ يَنْتَهِي صَوْتُ الثَّانِي ، ثُمَّ الرَّابِعُ كَذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ، وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُبَلِّغِ الْوَاحِدِ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِيهِ ، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ وَصِحَّةُ صَلَاتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَصْلٌ ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا أَعْنِي فِي إمْسَاكِ مَوَاضِعَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَقْطِيعِ الصُّفُوفِ بِهَا اتِّخَاذُ هَذَا الْمِنْبَرِ الْعَالِي ، فَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْمَسْجِدِ جُزْءًا جَيِّدًا ، وَهُوَ وَقْفٌ عَلَى صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ كَفَى بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ فِعْلِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أُحْدِثَ فِي الْمَسَاجِدِ وَفِيهِ تَقْطِيعُ الصُّفُوفِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَقَدُّمَ الصُّفُوفِ إلَى فِنَاءِ الْمِنْبَرِ بِدْعَةٌ .
وَكَانَ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْخَارِجُ بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ انْتَهَى .
وَأَمَّا بِلَادُ الْمَغْرِبِ فَقَدْ سَلِمُوا مِنْ تَقْطِيعِ الصُّفُوفِ لَكِنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُمْ بِدْعَتَانِ : إحْدَاهُمَا : كِبَرُ الْمِنْبَرِ عَلَى مَا هُوَ هُنَا .
وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الْمِنْبَرَ فِي بَيْتٍ إذَا فَرَغَ الْخَطِيبُ مِنْ الْخُطْبَةِ ، وَهَذِهِ بِدْعَةُ الْحَجَّاجِ .
وَمِنْبَرُ السُّنَّةِ غَيْرُ هَذَا كُلِّهِ كَانَ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ لَا غَيْرُ ، وَالثَّلَاثُ دَرَجَاتٍ لَا تَشْغَلُ مَوَاضِعَ الْمُصَلِّينَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : بَلْ تَشْغَلُ وَلَوْ مَوْضِعًا وَاحِدًا .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى بِفِعْلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَكْمَلُ الْحَالَاتِ وَمَا عَدَاهُ فَبِدْعَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ كَثُرَ النَّاسُ وَاتَّسَعَ الْجَامِعُ فَإِذَا صَعِدَ الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ قَلَّ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ الْجَمِيعُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِي الْغَالِبِ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى مِنْبَرٍ عَالٍ هُوَ الَّذِي لَا يُسْمِعُهُمْ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا عَنْهُمْ فَكَأَنَّهُ فِي سَطْحٍ وَحْدَهُ ، فَلَا يَسْمَعُ مَنْ تَحْتَهُ وَهَذَا مُشَاهَدٌ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَطِيبَ يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ
الْعَالِي وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَسْمَعُونَهُ ، وَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ سَمِعُوا قِرَاءَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ وَاقِفًا مَعَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ وَفِي حَالِ الْخُطْبَةِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا عُلُوُّ الْمَنَارِ لِلْأَذَانِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( فَصْلٌ ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا الْبِئْرُ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَأَنْ يُجْعَلَ الْمَسْجِدُ طَرِيقًا بِسَبَبِهَا حَتَّى يَدْخُلَ النِّسَاءُ إلَيْهَا ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِنَّ الْحُيَّضُ وَالْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً وَالصِّغَارُ وَمَنْ يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْ أَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَتَحَفَّظْ ، وَقَدْ امْتَنَعَ بِسَبَبِهَا مَوَاضِعُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُصَلِّينَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ ، وَلَا ضَرُورَةَ دَعَتْ إلَى الْبِئْرِ هُنَاكَ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُلْوَةٍ فَيُنْتَفَعُ بِالشُّرْبِ مِنْهَا ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَانْتَفَعَ النَّاسُ بِالشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ طَرِيقًا .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ النَّفْعُ بِهَا إلَّا لِلطَّهَارَةِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ بِالْآبَارِ حَتَّى فِي بَعْضِ الطُّرُقِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ .
فَأَمَّا الْآبَارُ الَّتِي فِي الْمَسَاجِدِ فَلَا يُنْقَلُ الْمَاءُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ طَرِيقًا كَمَا تَقَدَّمَ .
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبِئْرُ قَدِيمَةً وَجَاءَ مَنْ بَنَى الْمَسْجِدَ هُنَاكَ وَتَرَكَ الْبِئْرَ فِي وَسَطِهِ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالطُّرُقُ إلَى الْبِئْرِ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ الِاعْتِكَافُ .
( فَصْلٌ ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَوْضِعُ الْفَسْقِيَّةِ وَالْحَظِيرِ الَّذِي عَلَيْهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الطَّبَقَةِ .
وَهِيَ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا .
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ الْوُضُوءُ مِنْهَا .
وَقَدْ مُنِعَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ عِنْدَ الْفَسْقِيَّةِ فِي الْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَشْفُ الْعَوْرَةِ هُنَا أَعْظَمُ فِي الْمَنْعِ ؛ لِحُرْمَةِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ سِيَّمَا وَبَعْضُ النَّاسِ يَبُولُ هُنَاكَ وَيَسْتَنْجِي ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ الْوُضُوءُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَوَضَّئُونَ هُنَاكَ فَتَمْتَلِئُ أَقْدَامُهُمْ وَيَخْرُجُونَ فَيُلَوِّثُونَ بِهَا الْمَسْجِدَ بِيَقِينٍ وَذَلِكَ يُمْنَعُ .
وَأَمَّا الطَّبَقَةُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهَا ؛ لِكَوْنِهَا مَحْجُورَةً .
وَفِي مَوْضِعِ الْفَسْقِيَّةِ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى أَكْثَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَقَاصِيرِ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ يَصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ إلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ أَغْرَاضِهِ الْخَسِيسَةِ ، إذْ أَنَّهَا أَكْثَرُ سِتْرًا مِنْ الْمَقَاصِيرِ ؛ لِأَنَّهَا فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ ، وَالْغَالِبُ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ وَمَا قَارَبَهُ فَيَبْقَى مُؤَخِّرُ الْمَسْجِدِ فِي الْغَالِبِ خَالِيًا ، سِيَّمَا إنْ كَانَ لَيْلًا ، وَهُمْ لَا يَقْعُدُونَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ إلَّا قَلِيلًا .
ج777777777777777777777......................💥💥💥💥💥💥..............
ج7.كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
وَأَمَّا مَوْضِعُ الدِّيوَانِ فَلَا يَخْلُو أَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَلَا يَجُوزُ غَلْقُهُ وَلَا تَحْجِيرُهُ وَلَا جُلُوسُ أَهْلِ الدِّيوَانِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ الِاعْتِكَافُ ، إذْ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْمَسْجِدَ كَمَا تَقَدَّمَ .
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الزَّخْرَفَةِ فِي الْمِحْرَابِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ وَهُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ .
وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَمَا عُمِلَ مِنْ التَّزْوِيقِ فِي قِبْلَتِهِ فَقَالَ : كَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ حِينَ فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُمْ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ .
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَسَاجِدِ هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَتِهَا بِالصَّبْغِ مِثْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَنَحْوِهَا فَقَالَ : أَكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّزْوِيقِ وَقَالَ : إنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ إلْصَاقِ الْعُمُدِ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ وَفِي الْأَعْمِدَةِ ، أَوْ مَا يُلْصِقُونَهُ أَوْ يَكْتُبُونَهُ فِي الْجُدْرَانِ وَالْأَعْمِدَةِ .
وَكَذَلِكَ يُغَيِّرُ مَا يُعَلِّقُونَهُ مِنْ خِرَقِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فِي الْمِحْرَابِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى .
وَأَمَّا التَّخْلِيقُ بِالزَّعْفَرَانِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَهُوَ جَائِزٌ إذْ إنَّهُ مِنْ الطِّيبِ لَكِنْ قَدْ قَالَ مَالِكٌ : رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّ الصَّدَقَةَ بِثَمَنِ ذَلِكَ أَفْضَلُ ، وَيَجُوزُ تَخْلِيقُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا مَنْ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ حَذَرًا مِنْ أَنْ تَدْخُلَهُ حَائِضٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، أَوْ امْرَأَةٌ طَاهِرَةٌ تُخَالِطُ النَّاسَ فِي مَوْضِعِ مُصَلَّاهُمْ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ ذَلِكَ .
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّأْزِيرِ فِي جُدَرَانِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الزَّخْرَفَةِ أَيْضًا ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِمَسَامِيرَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ أَوْتَادٍ وَغَيْرِهَا ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْوَقْفِ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِثْلِ أَنْ يَكُونَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ فِيهِ سِبَاخٌ أَوْ شَيْءٌ يُلَوِّثُ ثِيَابَ الْمُصَلِّينَ فَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِأَجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ .
وَمَنْعُ دَقِّ الْمَسَامِيرِ وَمَا تَقَدَّمَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ وَحْدَهُ ، بَلْ هُوَ حُكْمٌ شَائِعٌ فِي كُلِّ وَقْفٍ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إذَا دَخَلْتَ لِأَحَدِهِمْ بَيْتَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ تَجِدُ كُلَّ مَا لَهُ مِنْ كُتُبٍ وَأَثَاثٍ بِالْأَرْضِ خَشْيَةً مِمَّا ذُكِرَ مِنْ تَسْمِيرِ مَسَامِيرَ يَضَعُ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا .
وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ مِمَّا ذُكِرَ مَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي مَوْضِعٍ وُقِفَ بِكِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ الْبَيْتُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ مِنْ الْمَالِكِ ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَمْ يَجُزْ .
( فَصْلٌ ) فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّرَ فِي الْمَسْجِدِ الْمَسَامِيرُ الْكِبَارُ وَالْأَوْتَادُ ، وَيَقْتَطِعُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ مَوَاضِعَ يَمْنَعُونَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَيَسْكُنُونَ فِيهَا دَائِمًا ، وَيَنَامُونَ فِيهَا وَيَقُومُونَ ، وَقَدْ يَجْنُبُ أَحَدُهُمْ لَيْلًا فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ ، وَلَا نَكِيرَ فِي ذَلِكَ وَلَا مَنْ يُغَيِّرُ بَعْضَهُ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَفَاعِلُ مَا ذُكِرَ مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَةٍ مُقِيمٌ عَلَيْهَا ، وَلَوْ تَابَ بِقَلْبِهِ وَلَفْظِهِ حَتَّى يُفَارِقَهَا ، فَكَيْفَ يُزَارُ أَوْ يُتَبَرَّكُ بِهِ مَعَ هَذِهِ الْجُرْحَةِ ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِمَوَاضِعِ
الْمُصَلِّينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَقْصُورَةِ أَغْلَقَهَا عَلَى مَتَاعِهِ وَأَخَذَ الْمِفْتَاحَ مَعَهُ حَتَّى كَأَنَّهَا بَيْتُ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَبِيتِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْغُرَبَاءِ إذَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِ فَذَهَبَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْبَادِيَةِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْحَاضِرَةِ ، وَأَعْنِي بِالْبَادِيَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بِنَاءٌ يَأْوِي إلَيْهِ ، وَأَمَّا بِلَادُ الرِّيفِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِيهَا مَوَاضِعُ غَيْرُ الْمَسْجِدِ فَلَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إلَى الْمَبِيتِ فِي الْمَسْجِدِ .
( فَصْلٌ ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَمْتَلِئُ بِالنَّاسِ حَتَّى يَحْتَاجُوا لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَحْدَثُوا فِيهَا مَا أَحْدَثُوا .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْمَهْجُورَةِ لَا يَجُوزُ سُكْنَاهَا وَلَا إجَارَتُهَا وَلَا احْتِكَارُهَا ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
( فَصْلٌ ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا مِمَّا أَحْدَثُوهُ فِي سُطُوحِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْبُيُوتِ ، وَذَلِكَ غَصْبٌ لِمَوَاضِع الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسْجِدِ وَاحْتِكَارٌ لَهَا وَإِحْدَاثٌ فِي الْوَقْفِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَمْرِ الْمُقِيمِينَ فِي الْمَسْجِدِ وَغَصْبِهِمْ لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَكَنُوهَا ، بَلْ هَذَا أَشَدُّ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْبُيُوتَ الَّتِي فِي السُّطُوحِ مُؤَبَّدَةً لِلسُّكْنَى ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَفِيهِ مَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ يَكُونُ جُنُبًا كَمَا سَبَقَ فِي حَقِّ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْقُضَاةِ لَمَّا أَنْ تَوَلَّى وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بِنْتِ الْأَعَزِّ جَاءَ إلَى سُطُوحِ الْجَامِعِ بِمِصْرَ فِي جَمَاعَةٍ وَهَدَمَ الْبُيُوتَ الْمُحْدَثَةَ عَنْ آخِرِهَا ، وَلَمْ يَسْأَلْ لِمَنْ هَذَا الْبَيْتُ وَلَا لِمَنْ هَذِهِ الثِّيَابُ ، بَلْ أَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَغَيَّرَهُ وَرَمَاهُ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ ، وَمَشَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ طَوِيلَةً ، ثُمَّ أَحْدَثُوهَا أَيْضًا لَمَّا لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَلَا مَنْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ .
وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ سُطُوحِ الْمَسْجِدِ لَا تَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجُمُعَةِ الْجَامِعَ الْمَسْقُوفَ ، وَمِنْ صِفَةِ الْمَسْجِدِ أَنْ يُدْخَلَ بِغَيْرِ إذْنٍ ، وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ فِيهِ سَوَاءً ، وَسُطُوحُ الْمَسْجِدِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ ، وَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيمَا هُوَ كَذَلِكَ كَمَا لَا تَصِحُّ فِي بَيْتِ الْقَنَادِيلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّحْجِيرِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ السُّطُوحَ لَيْسَتْ بِمَحْجُورَةٍ عَلَى أَحَدٍ فَالْحُكْمُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْغَالِبِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا مَحْجُورَةٌ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
( فَصْلٌ ) وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْوُضُوءَ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَمَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي سُطُوحِهِ ؛ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يُشَاهَدُ مِنْ عَوَائِدِهِمْ فِيهِ ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ كَمَا لَا يَتَوَضَّأُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ سَطْحِهِ كَحُرْمَتِهِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْخَطِيبِ إذَا أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ ؟ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي صَحْنَهِ وُضُوءَ طَاهِرٍ .
وَكَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ فِي طَسْتٍ وَمَنْ يَتَوَضَّأُ فِي السُّطُوحِ أَوْ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي فِيهَا فَإِنَّمَا يَتَوَضَّأُ فِيمَا هُوَ دَاخِلُ الْمَسْجِدِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ .
وَقَدْ تَرَتَّبَتْ عَلَى بِنَاءِ الْبُيُوتِ فِي سُطُوحِ الْمَسْجِدِ مَفَاسِدُ جُمْلَةً .
فَمِنْهَا : أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِمَّنْ يَعْتَكِفُ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي فَوْقَ سُطُوحِ الْمَسْجِدِ تَجِدُهُمْ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ آخِرَ شَعْبَانَ يَتَقَدَّمُهُ الْفُرُشُ وَالْغِطَاءُ وَالْوِطَاءُ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي بَيْتِهِ مِمَّا يُمْنَعُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ .
وَقَدْ مَنَعَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِوِسَادَةٍ فِي الْمَسْجِدِ يَتَّكِئُ عَلَيْهَا أَوْ بِفَرْوَةٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : تُشَبِّهُ الْمَسَاجِدَ بِالْبُيُوتِ .
( فَصْلٌ ) وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْمَرَاوِحَ إذْ إنَّ اتِّخَاذَهَا فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةٌ ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ الْيَوْمَ زِيَارَةُ الْمُعْتَكِفِ فِي مُعْتَكَفِهِ وَكَثْرَةُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَاللَّغَطُ فِيهِ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ .
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إذَا اعْتَكَفُوا لَا يَأْتِيهِمْ أَحَدٌ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ اعْتِكَافِهِمْ إذْ إنَّ حَالَ الْمُعْتَكِفِ يَدُورُ بَيْنَ صَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ وَفِكْرٍ وَذِكْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لَهُ كَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَمُدَارَسَةِ الْعِلْمِ إنْ كَانَ يَمْشِي إلَيْهِ .
وَأَمَّا إنْ غَشِيَهُ فِي مَجْلِسِهِ وَهُوَ يَسْمَعُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ .
هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَمَّا النَّوْمُ الْخَفِيفُ فَهُوَ مُسْتَثْنًى ؛ لِضَرُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مَا أَحْدَثُوهُ فِيمَا يَأْتُونَ بِهِ لِفُطُورِهِمْ ، فَتَجِدُ الرَّوَائِحَ الَّتِي لِأَطْعِمَتِهِمْ يَشُمُّهَا الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ حِينَ يُؤْتُونَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ ، وَالنَّاسُ إذْ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ، فَتَبْقَى نُفُوسُهُمْ إذْ ذَاكَ مُشْتَهِيَةً لِذَلِكَ الطَّعَامِ وَأَعْيُنُهُمْ فِيهِ ، سِيَّمَا إذَا دَخَلُوا بِهِ مِنْ بَابِ السُّطُوحِ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ ؛ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فِي سُطُوحِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمُحْتَاجِينَ كَثِيرٌ وَيَتَأَذَّوْنَ بِتِلْكَ الرَّوَائِحِ كَثِيرًا وَيُخَافُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ إمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا ، وَالْمُعْتَكِفُ إنَّمَا دَخَلَ لِاعْتِكَافِهِ لِزِيَادَةِ الْفَضْلِ وَهَذَا ضِدُّهُ فَلْيَتَحَفَّظْ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، ثُمَّ نَرْجِعُ الْآنَ إلَى بَقِيَّةِ مَا أَحْدَثُوهُ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ ، فَمِنْ ذَلِكَ السُّبْحَةُ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَعَمِلُوا لَهَا صُنْدُوقًا تَكُونُ فِيهِ وَجَامِكِيَّةٌ لِقَيِّمِهَا وَحَامِلِهَا وَالذَّاكِرِينَ عَلَيْهَا ، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَلِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حَالِهِمْ فِي الذِّكْرِ كَيْفَ كَانَ .
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ مَنْ اقْتَدَى بِمِنْ أَحْدَثَهَا زَادَ فِيهَا حَدَثًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ جَعَلَ لَهَا شَيْخًا يُعْرَفُ بِشَيْخِ السُّبْحَةِ وَخَادِمًا يُعْرَفُ بِخَادِمِ السُّبْحَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهِيَ بِدْعَةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ فَيَنْبَغِي لِإِمَامِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى إزَالَةِ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ مَعَ أَنَّ هَذَا مُتَعَيِّنٌ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ آكَدُ ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
( فَصْلٌ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ لِقَاصٍّ وَلَا لِسَمَاعِ قِرَاءَةِ الْكُتُبِ الَّتِي تُقْرَأُ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْخٌ يُبَيِّنُ مَا يُشْكِلُ عَلَى السَّامِعِ مِنْهَا وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ .
وَهَذَا فِي حَقِّ إمَامِ الْمَسْجِدِ آكَدُ إذْ إنَّهُ رَاعٍ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ إلَيْهِ النَّاسُ لِسَمَاعِ الْكُتُبِ فِيهِ ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاءُ أَيْضًا لِسَمَاعِهَا فَيَقْعُدُ الرِّجَالُ بِمَكَانٍ وَالنِّسَاءُ بِمُقَابَلَتِهِمْ ، سِيَّمَا وَقَدْ حَدَثَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ يَأْخُذُهُنَّ الْحَالُ عَلَى مَا يَزْعُمْنَ فَتَقُومُ الْمَرْأَةُ وَتَقْعُدُ وَتَصِيحُ بِصَوْتٍ نَدِيٍّ وَتَظْهَرُ مِنْهَا عَوْرَاتٌ ، لَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِهَا لَمُنِعَتْ ، فَكَيْفَ بِهَا فِي الْجَامِعِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ فَنَشَأَ عَنْ هَذَا مَفَاسِدُ جُمْلَةٌ وَتَشْوِيشَاتٌ لِقُلُوبِ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ فَجَاءُوا لِيَرْبَحُوا فَعَادَ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْصِ ، أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِعْلَ ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ ، وَمَوْضِعُ الْمُصَافَحَةِ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ لَا فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ فَحَيْثُ وَضَعَهَا الشَّرْعُ نَضَعُهَا فَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيُزْجَرُ فَاعِلَهُ لِمَا أَتَى مِنْ خِلَاف السُّنَّةِ
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَا يَدْخُلُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ إلَى الْمَسْجِدِ حِينَ إتْيَانِهِمْ بِالْمَيِّتِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَرَاءِ الذَّاكِرِينَ وَالْمُكَبِّرِينَ وَالْمُرِيدِينَ ، إذْ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُشَوِّشُ عَلَى الْمُتَنَفِّلِ وَالتَّالِي وَالذَّاكِرِ الْمُتَفَكِّرِ ، وَالْمَسْجِدُ إنَّمَا بُنِيَ لِهَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ .
وَقَدْ اُسْتُفْتِيَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي يَقْرَؤُهَا بَعْضُ الْجُهَّالِ عَلَى الْجَنَائِزِ بِدِمَشْقَ بِالتَّمْطِيطِ الْفَاحِشِ وَالتَّغَنِّي الزَّائِدِ وَإِدْخَالِ حُرُوفٍ زَائِدَةٍ وَكَلِمَاتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْهُمْ ، هَلْ هُوَ مَذْمُومٌ أَمْ لَا ؟ فَأَجَابَ بِمَا هَذَا لَفْظُهُ : هَذَا مُنْكَرٌ ظَاهِرٌ مَذْمُومٌ فَاحِشٌ ، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفَّقَهُ اللَّهُ زَجْرُهُمْ عَنْهُ وَتَعْزِيرُهُمْ وَاسْتِتَابَتُهُمْ ، وَيَجِبُ إنْكَارُهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ تَمَكَّنَ مِنْ إنْكَارِهِ انْتَهَى .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ مَنْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ تُمْنَعُ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ كَانَتْ سَالِمَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ، وَهَذَا الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد يُقَوِّيهِ عَمَلُ السَّلَفِ الْمُتَّصِلُ ، بَلْ لَوْ انْفَرَدَ الْعَمَلُ لَكَانَ كَافِيًا فِي مَنْعِهِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، ثُمَّ إنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ وَدَفْنَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ إنْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا فَيَنْتَظِرُونَ بِهِ انْقِضَاءَ تِلْكَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَكُونُ ، وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ أَنَّ { مِنْ
إكْرَامِ الْمَيِّتِ تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ } .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِمَّنْ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى السُّنَّةِ إذَا جَاءُوا بِالْمَيِّتِ إلَى الْمَسْجِدِ ، صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَفْنِهِ وَيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُمْ إنْ لَمْ يُدْرِكُوهَا بَعْدَ دَفْنِهِ فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا عَنْ نَفْسِهِ عَلَى مُحَافَظَتِهِ عَلَى السُّنَّةِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْبِدْعَةِ ، فَلَوْ كَانَ الْعُلَمَاءُ مَاشِينَ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ هَذَا السَّيِّدُ لَانْسَدَّتْ هَذِهِ الثُّلْمَةُ الَّتِي وَقَعَتْ ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ شَيْئًا سَكَتَ لَهُ عَلَيْهِ فَتَزَايَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
ثُمَّ إنَّ مَعَ مَا ذُكِرَ تَرَتَّبَتْ مَفَاسِدُ عَلَى كَوْنِ الْمَيِّتِ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِهِمْ يَأْتُونَ بِالْمَيِّتِ إلَى الْمَسْجِدِ فِي زِحَامٍ مِنْ الْوَقْتِ فَيَجِدُونَ الْمَسْجِدَ قَدْ امْتَلَأَ بِالنَّاسِ ، فَيَدْخُلُ الْحَامِلُونَ لَهُ وَهُمْ حُفَاةٌ قَدْ مَشَوْا بِأَقْدَامِهِمْ عَلَى النَّجَاسَاتِ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الطُّرُقَاتِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْسَحُوا أَقْدَامَهُمْ أَوْ يَحُكُّوهَا بِالْأَرْضِ فَيَتَخَطَّوْنَ رِقَابَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْأَقْدَامِ وَيَمْشُونَ بِهَا عَلَى ثِيَابِهِمْ ، وَقَدْ يَتَنَجَّسُ بَعْضُ الْمَسْجِدِ وَثِيَابُ مَنْ مَشَوْا عَلَيْهِ بِذَلِكَ .
وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فِي فَاعِلِ ذَلِكَ أَنَّهُ مُؤْذٍ ، { قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلَّذِي تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ } هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَكُونُ قَدَمُهُ فِي حُجْزَتِهِ ، فَإِذَا تَحَرَّكَ تَحَرَّكَ الْقَدَمُ بِحَرَكَتِهِ وَيَنْحَكُّ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ الْغَالِبُ
وَقَعَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي النَّاسُ عَلَيْهَا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِذَلِكَ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ مَوْضِعَ سَرِيرِ الْمَيِّتِ يَمْسِكُ مَوَاضِعَ لِلْمُصَلِّينَ ذَلِكَ غَصْبٌ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمَوَاضِعَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِهِ كُلِّيَّةً إلَّا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ سِيَّمَا إذَا كَانَتْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ ، فَيَتَأَكَّدُ تَعْيِينُ الْغَصْبِ فِي ذَلِكَ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِ الْمَوْتَى أَنْ يَبْقَى فِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْفَضَلَاتِ ، وَالْمَيِّتُ لَا يَمْسِكُ ذَلِكَ وَقَدْ تَخْرُجُ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّجَاسَةُ فِي الْمَسْجِدِ مَمْنُوعَةٌ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ : رَفْعُ صَوْتِ الْحَامِلِينَ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُمْ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَبَعْدَهَا حِينَ خُرُوجِهِمْ مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فَيَنْتَهِكُونَ بِذَلِكَ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ كَثِيرٌ مُتَعَدِّدٌ ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الدَّقِيقِ وَالْجَلِيلِ .
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْجَنَائِزِ يُؤَذَّنُ بِهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَكَرِهَ أَنْ يُصَاحَ خَلْفَهُ بِاسْتَغْفِرُوا لَهُ يَغْفِرْ اللَّهُ لَكُمْ وَأَفْتَوْا فِي ذَلِكَ بِالْكَرَاهَةِ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْجِنَازَةِ يُؤَذَّنُ بِهَا فِي الْمَسْجِد بِصِيَاحٍ قَالَ : لَا خَيْرَ فِيهِ وَكَرِهَهُ وَقَالَ : لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُدَارَ فِي الْحِلَقِ وَيُؤَذِّنُ النَّاسَ بِهَا وَلَا يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ : أَمَّا النِّدَاءُ بِالْجَنَائِزِ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ ، فَلَا يَنْبَغِي وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ لِكَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ كُرِهَ ذَلِكَ حَتَّى فِي الْعِلْمِ .
وَأَمَّا النِّدَاءُ بِهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَرَآهُ مِنْ النَّعْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .
رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ } ، وَالنَّعْيُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُنَادَى فِي النَّاسِ أَلَا إنَّ فُلَانًا قَدْ مَاتَ فَاشْهَدُوا جِنَازَتَهُ ، وَأَمَّا الْإِيذَانُ بِهَا وَالْإِعْلَامُ مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ .
وَقَدْ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تُوُفِّيَتْ لَيْلًا : أَفَلَا آذَنْتُمُونِي بِهَا } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تُؤَذِّنُوا بِي أَحَدًا إنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا ، وَقَدْ { سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ } وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْ الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ سَدِّ مَخَارِجِهِ وَإِرْسَالِ الْقُطْنِ مَعَهُ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ فِي فِعْلِ هَذَا مُحَرَّمَاتٍ أُخَرَ مِنْهَا هَتْكُ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُرْسِلُونَ مَعَهُ الْقُطْنَ فِي فَمِهِ وَيُدْخِلُونَهُ إلَى حَلْقِهِ وَيُرْسِلُونَهُ مَعَهُ بِعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يَمْلَئُوا حَلْقَهُ بِالْقُطْنِ وَيَنْزِلَ ذَقَنُهُ إلَى أَسْفَلَ وَيَطْلُعَ أَنْفُهُ إلَى فَوْقَ ، وَيَمْلَئُونَ فَمَه وَشَدْقَيْهِ بِالْقُطْنِ فَيَبْقَى مُثْلَةً لِلنَّاظِرِ .
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي أَنْفِهِ فَيُرْسِلُونَ فِيهِ الْقُطْنَ حَتَّى يَتَعَاظَمَ أَنْفُهُ ثُمَّ يَفْعَلُونَ فِعْلًا قَبِيحًا فَيُرْسِلُونَ الْقُطْنَ فِي دُبُرِهِ بِعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَهَذَا فِعْلٌ قَبِيحٌ شَنِيعٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ .
وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَمَرَنَا بِغُسْلِ الْمَيِّتِ إكْرَامًا لِلِقَاءِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْقَبْرِ وَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ مَا ذُكِرَ ، فَإِذَا جَاءُوا بِهِ إلَى الْقَبْرِ أَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْهُ يَخْرُجُ الْقُطْنُ وَهُوَ مُلَوَّثٌ بِالْفَضَلَاتِ فِي
الْغَالِبِ وَيَبْقَى الْفَمُ مَفْتُوحًا لَا يُمْكِنُ غَلْقُهُ ، ثُمَّ إنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ وَالْمَلَائِكَةُ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ ، وَهُمْ يُبْقُونَ ذَلِكَ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ فِي الْغَالِبِ ، فَذَهَبَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أَمَرَنَا الشَّارِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الْإِكْرَامُ بِغُسْلِهِ لِلِقَاءِ الْمَلَائِكَةِ .
ثُمَّ الْعَجَبُ فِي كَوْنِهِمْ يَأْتُونَ بِمَاءِ الْوَرْدِ فَيَسْكُبُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ ، وَهَذِهِ أَيْضًا بِدْعَةٌ أُخْرَى ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ إنَّمَا شُرِعَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْغُسْلِ لَا فِي الْقَبْرِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ طِيبٌ وَنَجَاسَةٌ .
( فَصْلٌ ) وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةٌ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ ، وَجَمِّرُوهَا أَيَّامَ جُمَعِكُمْ وَاجْعَلُوا مَطَاهِرَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ ، } وَقَدْ كَثُرَ رَفْعُ الْأَصْوَاتِ وَالْخُصُومَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى إنَّ الْخَطِيبَ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا يَقُولُ لِكَثْرَةِ غَوْغَائِهِمْ إذْ ذَاكَ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَيْهِمْ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّصْفِيقِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ ، إذْ إنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ قَبِيحٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الرِّجَالِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ، } وَهَذَا كُلُّهُ سَبَبُهُ السُّكُوتُ عَمَّا أُحْدِثَ فِي الدِّينِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثُ نَفَرٍ فَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِلَغْوٍ فَذَلِكَ حَظُّهُ مِنْهَا ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ لَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فَهِيَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا ، وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } }
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ تَفْرِيقِ الرَّبْعَةِ حِينَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْأَذَانِ قَامَ الَّذِي فَرَّقَهَا لِيَجْمَعَ مَا فُرِّقَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ فَيَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ بِسَبَبِ أَخْذِهَا مِنْهُمْ ، وَهَذَا فِيهِ مَحْذُورَاتٌ جُمْلَةٌ مِنْهَا : أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إذْ إنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ فِيهِ تَخَطِّيَ رِقَابَ النَّاسِ حِينَ ارْتِصَاصِهِمْ لِانْتِظَارِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّ فَاعِلَهُ مُؤْذٍ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ كُلَّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ يُعْطِي الْخَتْمَةَ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَقْرَأَ فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ خَجَلٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ أَذِيَّةٌ وَصَلَتْ عَلَى يَدِهِ لِمُسْلِمٍ كَانَ عَنْهَا فِي غِنًى .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ يَنْسَى بَعْضَ الْأَجْزَاءِ فَلَا يَأْخُذُهُ فَيَضِيعُ عَلَى الْوَقْفِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ قَدْ يَأْخُذُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَيَكْتُمُهُ لِتَسَاهُلِهِمْ فِي الْوَقْفِ ، فَقَدْ يَخْفَى وَيَخْتَارُ أَنْ يَخْتَصَّ هُوَ بِمَنْفَعَتِهِ فِي بَيْتِهِ إمَّا لِنَفْسِهِ أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَذْهَبُ عَلَى الْوَقْفِ .
الْوَجْهُ السَّادِسُ : أَنَّهُ قَدْ يَأْتِي عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَنَّهُ يَكُونُ مَشْغُولًا فِي جَمْعِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ ، وَالْخَطِيبُ إذْ ذَاكَ يَخْطُبُ فَيَقَعُ الْكَلَامُ وَالْمُرَاجَعَةُ بِسَبَبِ جَمْعِهَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ أَنْ يَقِفُوا تَحْتَ اللَّوْحِ الْأَخْضَرِ لِلدُّعَاءِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَرْكَانِ الْمَسْجِدِ إذْ إنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ إرْسَالِ الْبُسُطِ وَالسَّجَّادَاتِ وَغَيْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَصْحَابُهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْقُبْحِ وَمُخَالَفَةِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى مَنْ يَقْرَأُ الْأَعْشَارَ وَغَيْرَهَا بِالْجَهْرِ ، وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْفَرَائِضِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ النَّهْيِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ } وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ هَذَا إنْكَارٌ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، بَلْ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ وَالتَّالِينَ وَالْمُتَفَكَّرِينَ وَكُلِّ مَنْ كَانَ فِي عِبَادَةٍ ، وَالْحَاصِلُ : أَنَّ ذَلِكَ يُمْنَعُ فِي الْمَسْجِدِ الْمَطْرُوقِ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ وَمُعَرَّضٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودِ بِهَا .
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ مَهْجُورٍ وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ السَّامِعِينَ أَوْ فِي مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ بَيْتٍ ، فَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِحَسَبِ الْحَالِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ غَيْرُ السَّامِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُمْ فَيُمْنَعُ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَنْ يَدْرُسُ أَوْ يُطَالِعُ أَوْ يُصَلِّي أَوْ يَأْخُذُ رَاحَةً لِنَفْسِهِ ، فَيَقْطَعَ عَلَيْهِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } انْتَهَى هَذَا إذَا سَلِمَ مِنْ الزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ مِثْلَ أَنْ يَمُدَّ الْمَقْصُورَ أَوْ يُقْصِرَ الْمَمْدُودَ أَوْ يُشَدِّدَ مَوْضِعَ التَّخْفِيفِ أَوْ عَكْسَهُ أَوْ يُظْهِرَ مَوْضِعَ الْإِدْغَامِ أَوْ عَكْسَهُ أَوْ يُظْهِرَ مَوْضِعَ الْإِخْفَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَنْ لَا يَصِلَ بِالْعَشْرِ آيَةً أُخْرَى غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلْقُرْآنِ فِي الظَّاهِرِ عَنْ نَظْمِهِ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ قِرَاءَةِ الْأَسْبَاعِ سِيَّمَا الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ وَقِرَاءَةِ الْأَسْبَاعِ فِي الْمَسْجِد مِمَّا يُشَوِّشُونَ بِهَا لِمَا وَرَدَ فِي
الْحَدِيثِ { : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } فَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ فِيهِ تَشْوِيشٌ مُنِعَ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى الْفُقَرَاءَ الذَّاكِرِينَ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوْقَاتِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَسْأَلُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ سَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ فَاحْرِمُوهُ } وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إذَا سَأَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ أَنْ لَا يُعْطَى ، وَإِذَا سَأَلَ عَلَى الْقُرْآنِ فَلَا تُعْطُوهُ انْتَهَى .
وَالْمَسْجِدُ لَمْ يُبْنَ لِلسُّؤَالِ فِيهِ وَإِنَّمَا بُنِيَ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ ، وَالسُّؤَالُ يُشَوِّشُ عَلَى مَنْ يَتَعَبَّدُ فِيهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْإِعْطَاءِ لِمَنْ يَسْأَلُ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَاحْرِمُوهُ ؛ وَلِأَنَّ إعْطَاءَهُ ذَرِيعَةٌ إلَى سُؤَالِهِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ السَّقَّائِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ وَيُنَادُونَ فِيهِ عَلَى مَنْ يُسَبِّلُ لَهُمْ ، فَإِذَا سَبَّلَ لَهُمْ يُنَادُونَ غَفَرَ اللَّهُ لِمَنْ سَبَّلَ وَرَحِمَ مَنْ جَعَلَ الْمَاءَ لِلسَّبِيلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ ، وَيَضْرِبُونَ مَعَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ فِي أَيْدِيهِمْ لَهُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ النَّاقُوسِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ وَمِمَّا يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْ مِثْلِهِ .
وَفِي فِعْلِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ مَفَاسِدُ جُمْلَةٌ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ شَبَهِ النَّاقُوسِ .
وَمِنْهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ .
وَمِنْهَا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ مَا ذُكِرَ وَبَعْضَهُمْ يَمْشِي يَخْتَرِقُ الصُّفُوفَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَنْ احْتَاجَ أَنْ يَشْرَبَ نَادَاهُ فَشَرِبَ وَأَعْطَاهُ الْعِوَضَ عَنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا بَيْعٌ بَيِّنٌ لَيْسَ فِيهِ وَاسِطَةُ تَسْبِيلٍ وَلَا غَيْرِهِ سِيَّمَا وَالْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ تَبِعَهُ .
وَمِنْهَا تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ فِي حَالِ انْتِظَارِهِمْ لِلصَّلَاةِ .
وَمِنْهَا تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مِنْ الْمَاءِ شَيْءٌ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا إلَّا أَنَّهُ يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْيُ بَعْضِهِمْ حُفَاةً وَدُخُولُهُمْ الْمَسْجِدَ بِتِلْكَ الْأَقْدَامِ النَّجِسَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَحْذُورِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَوُقُودِ الْقَنَادِيلِ وَغَيْرِهَا وَمَا فِي ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي .
وَكَذَلِكَ مَا يُفْعَلُ فِي لَيْلَةِ الْخَتْمِ فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ مَبْسُوطًا فِي مَوَاضِعِهِ فَلْيُلْتَمَسْ هُنَاكَ .
وَأَمَّا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى لِجَهْلِ الْجَاهِلِ وَسُكُوتِ الْعَالِمِ ، حَتَّى صَارَ الْأَمْرُ إلَى جَهْلِ الْحُكْمِ فِيهِ وَاسْتَحْكَمَتْ الْعَوَائِدُ حَتَّى أَنَّ أُمَّ
الْقُرَى مَكَّةَ الَّتِي لَهَا مِنْ الشَّرَفِ مَا لَهَا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي مَسْجِدِهَا ، وَالسَّمَاسِرَةُ يُنَادُونَ فِيهِ عَلَى السِّلَعِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَيُسْمَعُ لَهُمْ هُنَاكَ أَصْوَاتٌ عَالِيَةٌ مِنْ كَثْرَةِ اللَّغَطِ ، وَلَا يَتْرُكُونَ شَيْئًا إلَّا يَبِيعُونَهُ فِيهِ مِنْ قُمَاشٍ وَعَقِيقٍ وَدَقِيقٍ وَحِنْطَةٍ وَتِينٍ وَلَوْزٍ وَأُكُرٍ وَعُودِ أَرَاكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَسْتَاكُ مَنْ لَهُ وَرَعٌ بِعُودِ الْأَرَاكِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَبِيعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُعْلِمَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيَسْتَاكَ بِهِ حِينَئِذٍ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ تَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ الْمُذَهَّبَةِ وَوُقُودِهَا وَالتَّزْيِينِ بِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ وَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ السَّرَفُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ إذْ إنَّ الذَّهَبَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي تَحْلِيَةِ النِّسَاءِ وَفِي تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ وَالسَّيْفِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمِنْطَقَةِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ مَشْيِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَلَهُمْ طَرِيقٌ سِوَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْهُ ، وَاِتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَهَا هُوَ ذَا قَدْ شَاعَ وَكَثُرَ .
وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ جَامِعًا إلَّا وَقَدْ اتَّخَذُوهُ طَرِيقًا وَقَلَّ مَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدًا نَهَى عَنْهُ لَاسْتَحْمَقُوهُ ، وَقَدْ يَتَأَذَّى بِسَبَبِ ذَلِكَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ النِّسَاءَ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ الْجَامِعَ وَيَجْلِسْنَ فِيهِ لِانْتِظَارِ بَيْعِ غَزْلِهِنَّ ، وَيَدْخُلُ الْمُنَادِي إلَيْهِنَّ وَمَعَهُ الْغَزْلُ فَيُكَلِّمُهُنَّ فِي الْجَامِعِ وَيُشَاوِرهُنَّ عَلَى ثَمَنِ ذَلِكَ ، فَمَنْ رَضِيَتْ مِنْهُنَّ تَقُولُ : قَدْ بِعْتُ ، وَذَلِكَ بَيْعٌ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ الْمُنَادِيَ صَارَ إذْ ذَاكَ كَالْوَكِيلِ وَيَقَعُ بِذَلِكَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَجْتَمِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَيَجِدُ السَّبِيلَ إلَى مَا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْخَسِيسَةِ ، وَبَعْضُهُنَّ يَكُونُ مَعَهَا الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ ، وَقَدْ يَبُولُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ رُئِيَ ذَلِكَ عِيَانًا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ النِّسَاءَ اللَّاتِي يَأْتِينَ لِلْمُحَاكَمَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَيَدْخُلْنَ إلَيْهِ لِانْتِظَارِ مَا يُرِيدُونَهُ وَيَدْخُلُ إلَيْهِنَّ الْوُكَلَاءُ وَالرِّجَالُ وَالْأَزْوَاجُ وَتَكْثُرُ الْخُصُومَاتُ وَتَرْتَفِعُ الْأَصْوَاتُ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ ، وَالْقَاضِي بِمَعْزِلٍ عَنْهُمْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَيَمْنَعُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَفِي الْإِشَارَةِ مَا يُغْنِي عَنْ الْعِبَارَةِ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْحِلَقِ وَالْجُلُوسِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَدِيثِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَمَا جَرَى لِفُلَانٍ وَمَا جَرَى عَلَى فُلَانٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ أَكْلَ النَّارِ الْحَطَبَ فَيَنْهَاهُمْ وَيُفَرِّقُ جَمْعَهُمْ .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ الْمَسَاجِدَ يَقْعُدُونَ فِيهَا حِلَقًا حِلَقًا ، ذِكْرُهُمْ الدُّنْيَا وَحُبُّهُمْ الدُّنْيَا ، لَا تُجَالِسُوهُمْ فَلَيْسَ لِلَّهِ بِهِمْ مِنْ حَاجَةٍ } .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا أَتَى الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ فَأَكْثَرَ مِنْ الْكَلَامِ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ : اُسْكُتْ يَا وَلِيَّ اللَّهِ ، فَإِنْ زَادَ تَقُولُ : اُسْكُتْ يَا بَغِيضَ اللَّهِ ، فَإِنْ زَادَ تَقُولُ : اُسْكُتْ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ } وَإِنَّمَا يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالتَّفَكُّرِ أَوْ تَدْرِيسِ الْعِلْمِ بِشَرْطِ عَدَمِ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَعَدَمِ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ .
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ جَمَاعَةً وَيَجُوزُ جَهْرًا بِشَرْطِ عَدَمِ التَّشْوِيشِ عَلَى غَيْرِهِ .
وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حَتَّى فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، فَقَدْ كَثُرَ فِيهَا الْحَدِيثُ وَالْقِيلُ وَالْقَالُ وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ فَتَجِدُ رَفْعَ الْأَصْوَاتِ عِنْدَ قَبْرِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَدِيثَ الْكَثِيرَ بِحَيْثُ الْمُنْتَهَى حِينَ أَوْقَاتِ الزِّيَارَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَكَذَلِكَ فِي قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ فِي الْحَجِّ تَجِدُ لَهُمْ غَوْغَاءَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ قَطُّ مَا هُمْ فِي عِبَادَةٍ .
وَكَذَلِكَ تَجِدُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ عَوَائِدِهِمْ فِيهِ مِنْ الْوُقُوفِ
يَوْمَ عَرَفَةَ وَالنُّفُورِ عِنْدَ الْغُرُوبِ ، وَذَلِكَ بِدْعَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ لَمْ يَحُجَّ إلَيْهِ أَحَدٌ قَطُّ وَلَا فَرَضَهُ اللَّهُ فِيهِ وَمَا كَانَ الْحَجُّ مِنْ عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَّا لِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَعَرَفَةَ وَمِنًى وَالْمَنَاسِكِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَّا الصَّلَاةُ إلَى الصَّخْرَةِ ، فَهِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي كَانَتْ ثُمَّ حُوِّلَتْ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ .
فَالْوُقُوفُ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَيْسَ فِيهِ اقْتِدَاءٌ بِالْمَاضِينَ وَلَا بِالْمُتَأَخِّرِينَ لِمَا ذُكِرَ .
عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَجَّ إلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِيهِ الْيَوْمَ ، كَمَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إلَى الصَّخْرَةِ بَعْدَ نَسْخِهَا .
وَقَدْ شَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ بِجَوَازِ الْوُقُوفِ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُثَابٌ لَا أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَافْهَمْهُ .
وَمِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ مَا يَفْعَلُونَهُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَأَوَّلَ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ فَيُسْمَعُ لَهُمْ صِيَاحٌ وَهَرَجٌ وَبِدَعٌ كَثِيرَةٌ حِينَ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ ، وَأَوَّلُ مَا حَدَثَتْ هَذِهِ الْبِدَعُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمِنْهُ شَاعَتْ فِي الْأَقَالِيمِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْحَوَادِثِ وَالْبِدَعِ لَهُ ، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ أَوْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَانْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ أَوْ بَعْضُهَا ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْهَى مَنْ يَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ لِتَفْلِيَةِ ثِيَابِهِ سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْبَرْدِ يَقْعُدُونَ فِي الشَّمْسِ وَيُفَلُّونَ ثِيَابَهُمْ وَهَذَا لَا يَحِلُّ إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّ جِلْدَةَ الْبُرْغُوثِ الَّذِي خَالَطَ الْإِنْسَانَ نَجِسَةٌ وَجِلْدَةَ الْقَمْلَةِ نَجِسَةٌ مُطْلَقًا ، وَهُمْ يُلْقُونَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ قَتْلِهِ ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْمَعُهُ وَيُلْقِيهِ خَارِجَ الْمَسْجِد فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ يُمْنَعُ وَإِنْ لَمْ يُلْقِهَا فِيهِ ، إذْ أَنَّهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حِينِ قَتْلِهَا إلَى حِينِ إلْقَائِهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ .
وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ : وَكَرِهَ مَالِكٌ قَتْلَ الْقَمْلَةِ وَرَمْيَهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا يَطْرَحُهَا مِنْ ثَوْبِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَقْتُلُهَا بَيْنَ النَّعْلَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُصَلِّي إذَا أَخَذَ قَمْلَةً وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهَا فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ } وَإِذَا رَمَاهَا فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ بِالْحَيَاةِ فَإِمَّا أَنْ تَمُوتَ جُوعًا أَوْ تَضْعُفَ وَكِلَاهُمَا عَذَابٌ لَهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْقِتْلَةِ .
وَشَأْنُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَنْقُلَهَا لِمَكَانٍ آخَرَ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ يَرْبِطَهَا فِي طَرَفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ .
وَأَمَّا الْبُرْغُوثُ إذَا أَخَذَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتُلَهُ ؛ لِأَنَّ الْبُرْغُوثَ لَا يَقْعُدُ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ بَلْ يَنْتَقِلُ فِي الْغَالِبِ وَرُبَّمَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ التُّرَابِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ خُلِقَ وَيَعِيشُ فِيهِ بِخِلَافِ الْقَمْلَةِ ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ دَمِ الْإِنْسَانِ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ سَيِّدِي حَسَنٍ الزُّبَيْدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ
خَرَجَ يَوْمًا مَعَ أَصْحَابِهِ إلَى بُسْتَانِهِ ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَذْهَبُوا إلَى الْبُسْتَانِ فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ رُجُوعِهِ فَقَالَ : كَانَ عَلَيَّ قَمِيصٌ نَسِيتُهُ فِي الْبَيْتِ وَفِيهِ دَوَابُّ فَخِفْتُ أَنْ يَمُوتُوا جُوعًا فَرَجَعْتُ إمَّا أَنْ أَقْتُلَهُمْ وَإِمَّا أَنْ أَلْبَسَهُ .
وَهَذَا الْأَمْرُ قَدْ كَثُرَ وَفَشَا سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَتَرَى الْغُرَبَاءَ يَأْتُونَ إلَيْهِ بِدُلُوقٍ تَغْلِي قَمْلًا فَيُجَرِّدُونَهَا عَنْهُمْ وَيُلْقُونَهَا فِي الْمَسْجِدِ ، فَتَحُسُّ بِحَرَارَةِ الشَّمْسِ فَتَخْرُجُ مِنْ الثَّوْبِ وَتَمُوتُ بِحَرِّ الشَّمْسِ ، ثُمَّ يَنْفُضُ أَحَدُهُمْ دَلْقَهُ وَيَلْبَسُهُ وَتَبْقَى الدَّوَابُّ كُلُّهَا مَيِّتَةً فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا كَانَ إمَامُ الْمَسْجِدِ يَنْهَى عَنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ تَنَبَّهَ النَّاسُ إلَيْهِ وَتَرَكُوهُ وَغَيَّرُوهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْأَكْلِ فِي الْمَسْجِدِ سِيَّمَا إنْ كَانَ مِنْ الْمَطْبُوخِ بِالْبَصَلِ أَوْ الثُّومِ أَوْ الْكُرَّاثِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ نِيئًا فَهُوَ مَوْضِعُ النَّهْيِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَالْأَكْلُ فِي الْمَسْجِدِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُسَامَحُ فِيهِ إلَّا الشَّيْءَ الْخَفِيفَ كَالسَّوِيقِ وَنَحْوِهِ .
وَمِنْ الطُّرْطُوشِيِّ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْأَكْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : أَمَّا الشَّيْءُ الْخَفِيفُ مِثْلَ السَّوِيقِ وَيَسِيرِ الطَّعَامِ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا ، وَلَوْ خَرَجَ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَلَا يُعْجِبُنِي وَلَا فِي رِحَابِهِ .
وَقَالَ فِي الَّذِي يَأْكُلُ اللَّحْمَ فِي الْمَسْجِدِ : أَلَيْسَ يَخْرُجُ لِغَسْلِ يَدِهِ ؟ قَالُوا : بَلَى قَالَ : فَلْيَخْرُجْ لِيَأْكُلْ انْتَهَى ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْ هَذَا وَهُوَ الْكَلَامُ بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِأَلْسِنَةِ الْعَجَمِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ : وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا قِيلَ فِي أَلْسِنَةِ الْأَعَاجِمِ إنَّهَا خَبٌّ قَالَ : وَلَا يُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ مِنْ الْخَبِّ قَالَ : وَهُوَ لِمَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَشَدُّ انْتَهَى .
وَهَذَا الْأَمْرُ الْيَوْمَ قَدْ كَثُرَ وَشَاعَ حَتَّى إنَّ الْقَوَمَةَ لَيُخْرِجُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ صِحَافًا كَثِيرَةً وَأَوْرَاقًا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ مَا يُؤْكَلُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَجْتَمِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبَابُ وَالْخُشَاشُ وَيَكْثُرُ الْقِطَاطُ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ إطْعَامَهُمْ الطَّعَامَ مِنْ بَابِ الْحَسَنَاتِ فَتَكْثُرُ الْقِطَاطُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا أَكَلَ أَحَدٌ فِي الْمَسْجِدِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْقِطَاطُ فِي الْمَسْجِدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَبُلْنَ فِيهِ وَبَوْلُهُنَّ نَجِسٌ ، وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ عِيَانًا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى صَلَاةِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَبُطْلَانِ صَلَاتِهِمْ بِذَلِكَ ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ
عِنْدَهُ هِرٌّ مُؤْذٍ أَرْسَلَهُ إلَى الْجَامِعِ ، فَكَانَ النَّاسُ يُوَقِّرُونَ بُيُوتَ رَبِّهِمْ يَحْتَرِمُونَهَا وَيُنَزِّهُونَهَا عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهَا ، وَكَانَتْ الْمَسَاجِدُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : { الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ } ، فَانْعَكَسَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ صَارَ الْمَسْجِدُ مَأْوًى لِلْقِطَاطِ الْمُؤْذِيَةِ ، وَالْأَكْلُ سَبَبُ ذَلِكَ سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، فَإِنَّهُ يَكْثُرُ وُرُودُ الْغُرَبَاءِ إلَيْهِ فَتَجِدُهُمْ يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ وَيَرْمُونَ الْعِظَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَأْكُلُونَ الْبِطِّيخَ وَيَرْمُونَ قُشُورَهُ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَضَلَاتِ الْمَأْكُولِ وَقَلَّ مَنْ تَجِدُهُ يُلْقِي ذَلِكَ فِي خَارِجِ الْمَسْجِد ، بَلْ يَدْخُلُونَ فِيهِ بِالْحَمِيرِ بِسَبَبِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الْبُنْيَانِ وَالْعِمَارَةِ فَتَبُولُ الْحَمِيرُ فِيهِ وَتَرُوثُ كَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ طَرِيقٌ مِنْ الطُّرُقِ الْمَسْلُوكَةِ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِتَنْظِيفِ الطُّرُقِ ، فَكَيْفَ الْحَالُ فِي الْمَسَاجِدِ ؟ فَكَيْفَ الْحَالُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي فِيهِ مِنْ الْفَضْلِ مَا فِيهِ ؟ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
فَإِذَا كَانَ إمَامُ الْمَسْجِدِ يَنْهَى عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهَا انْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ ، فَإِنَّ الْخَيْرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ النَّاسِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ وَاحِدٌ سَمِعَ آخَرُ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ } وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَبَبٌ لِهِدَايَةِ بَعْضِ النَّاسِ .
وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَحْتَجُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ : إنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَعَنْ عَوَائِدِهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ، وَجَوَابُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ ؛ { لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا } إلَخْ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَأْتِي النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَأْتِي النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْخَيْرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُعْدَمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إذْ إنَّ الْخَيْرَ فِيهَا كَامِنٌ فَمَنْ نُبِّهَ مِنْهُمْ تَنَبَّهَ وَرَجَعَ وَانْقَادَ وَاسْتَغْفَرَ ، وَكُنْتَ أَنْتَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْجَمِيعِ بِمَنِّهِ .
وَيَنْهَى عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ سِيَّمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَكَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ سِيَّمَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَتَجِدُ الْمَسْجِدَ قَدْ ارْتَصَّ بِالنَّاسِ فِي الْغَالِبِ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { : إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ } .
وَالنَّائِمُ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ خُرُوجِ الرِّيحِ مِنْهُ فَتَتَأَذَّى الْمَلَائِكَةُ بِهِ .
وَقَدْ نُهِينَا عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِرَائِحَةِ الثُّومِ أَوْ الْبَصَلِ ؛ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ ، } فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الثُّومِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى الرِّيحُ الْخَارِجُ مِنْ الْمَخْرَجِ ، وَقَدْ يَحْتَلِمُ النَّائِمُ فَيَبْقَى جُنُبًا فِي الْمَسْجِدِ .
وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ لَأَنْ تُسْرَقَ عِمَامَتُهُ أَوْ رِدَاؤُهُ ، وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَشْيَاءُ عَدِيدَةٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا ، وَالْحَاصِلُ مِنْهَا أَنَّ كُلَّ مَا كَرِهَهُ الشَّرْعُ تَجِدُ فِيهِ مَخَاوِفَ فَيَتَعَيَّنُ تَرْكُهُ ، فَإِذَا عَلِمَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ نَهْيِ الْإِمَامِ ارْتَدَعُوا عَنْهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَيَنْهَى عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ خِيَاطَةِ قُلُوعِ الْمَرَاكِبِ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّا قَدْ نُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ عِبَادَةٍ ، فَكَيْفَ بِالصَّنْعَةِ تُعْمَلُ فِيهِ ؟ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ نَسْخَ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَنَسْخَ الْقُرْآنِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّسَبُّبِ فِيهِ ، فَمَا بَالُكَ بِغَيْرِهِمَا فَيَمْنَعُ فَاعِلَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَعُودَ إلَى مِثْلِهِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْهَى السَّقَّاءَ الَّذِي يَدْخُلُ بِالْجَمَلِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ بَوْلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَجِسٌ وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ فَيُمْنَعُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا وَيَنْهَى عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْمَشْيِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْغَنَمِ لِأَنَّهَا قَدْ تَبُولُ فِيهِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ عَلَى دُخُولِ السَّقَّاءِ بِالْجَمَلِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولِ الشَّوَّاءِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَفَاسِدَ .
مِنْهَا أَنْ يَجْعَلَ الْمَسْجِدَ طَرِيقًا وَقَدْ قُدِّمَ مَا فِيهِ .
الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يَدْخُلُ بِالذَّفَرِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ يُنَزَّهُ عَنْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا .
الثَّالِثَةُ : أَنَّ رَائِحَتَهُ قَوِيَّةٌ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمُتَوَجِّهِينَ مَنْ تَتَشَوَّقُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ فَيَتَشَوَّشُ فِي عِبَادَتِهِ .
الرَّابِعَةُ : أَنَّ حَامِلَهُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعِ الذَّبْحِ وَهُوَ مَحَلُّ النَّجَاسَاتِ وَحَامِلُهَا حَافٍ هُنَاكَ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ .
الْخَامِسَةُ : أَنَّ الْحَامِلِينَ لَهُ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِكَلَامٍ لَا يَنْبَغِي فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ .
السَّادِسَةُ مَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ وَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى الْحُكْمِ بِأَنَّ الشِّوَاءَ طَاهِرٌ وَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَنَجِّسًا فَلَا يَدْخُلُ بِالنَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ اتِّفَاقًا .
وَيَنْهَى عَنْ دُخُولِ الرُّهْبَانِ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ يَفْرِشُونَهُ بِالْحُصُرِ الْمَضْفُورَةِ الَّتِي يُضَفِّرُونَهَا فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْعُ دُخُولِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى دُخُولِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَغْنَى بِالْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ إذْ إنَّ غَيْرَهُمْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ فِي فَرْشِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَيَنْهَى النَّاسَ عَنْ إتْيَانِهِمْ إلَى الْمَسْجِدِ بِأَوْلَادِهِمْ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ أَوْ يُنْهَوْنَ عَنْهُ إذْ إنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ حِينَ صَلَاتِهِمْ .
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ فِي صَلَاتِهِمْ وَيَبْكِي الصَّبِيُّ فَيُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ فَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيَزْجُرُ فَاعِلَهُ .
وَهَذَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَعَ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَ أُمِّهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْغَالِبَ فِي مَوْضِعِ النِّسَاءِ أَنْ يَكُونَ بِالْبُعْدِ بِحَيْثُ لَا يُشَوِّشُ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَوْلَادِ إذَا كَانُوا مَعَ أُمَّهَاتِهِمْ قَلَّ أَنْ يَبْكُوا بِخِلَافِ الْآبَاءِ وَهَذَا إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ .
فَإِنْ قِيلَ قَدْ كَانَ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ إلَى الْمَسْجِدِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَلِّينَ مَعَهُ جَمَاعَةً .
وَقَدْ وَرَدَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخَفِّفُ صَلَاتَهُ إذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ } .
فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحَدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ } الثَّانِي أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُوَازِيهَا شَيْءٌ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ فُقِدَ فَإِذَا لَمْ تَخْرُجْ الْأُمُّ لِلصَّلَاةِ فَالْإِتْيَانُ بِالْأَوْلَادِ لِلْمَسْجِدِ دُونَ أُمَّهَاتِهِمْ يُمْنَعُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ جَهْرًا فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ فَهَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَنْهَى عَنْهُ وَيَزْجُرَ فَاعِلَهُ .
وَيَنْهَى النَّاسَ عَنْ كَتْبِهِمْ الْحَفَائِظَ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَذَلِكَ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّفْظِ الْأَعْجَمِيِّ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ سُئِلَ عَنْهُ وَمَا يَدْرِيك لَعَلَّهُ كُفْرٌ .
الثَّانِي : أَنَّ فِيهِ اللَّغْوَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِالْكُتُبِ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِبِدْعَةٍ وَيَتْرُكُ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ الْإِصْغَاءِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ .
الْخَامِسُ : مَا أَحْدَثُوهُ عَنْ بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا فِي الْمَسْجِدِ فَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيَزْجُرُ فَاعِلَهُ .
وَبَعْضُ النَّاسِ يَكْتُبُهَا بَعْدَ صَلَاةِ عَصْرِ الْجُمُعَةِ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ أَيْضًا لَكِنَّهَا أَخَفُّ مِنْ الْبِدْعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا إذْ إنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ خُطْبَةٌ يَشْتَغِلُ عَنْهَا وَلَوْ كَتَبَهَا وَأَسْقَطَ مِنْهَا اللَّفْظَ الْأَعْجَمِيَّ وَلَمْ يَتَّخِذْ لِكِتَابَتِهَا وَقْتًا مَعْلُومًا لَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَيَنْهَى النِّسَاءَ عَمَّا أَحْدَثْنَهُ وَسُكِتَ لَهُنَّ عَنْهُ مِنْ دُخُولِهِنَّ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي مُؤَخِّرِ الْجَامِعِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُنَّ مَقْصُورَةٌ مَعْلُومَةٌ لَكِنَّهَا كَالْعَدَمِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ إذْ إنَّهَا لَا تَسْتُرهُنَّ وَالْغَالِبُ عَلَيْهِنَّ خُرُوجُهُنَّ عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ التَّحَلِّي وَاللِّبَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مَوْضِعَهُنَّ فِي الزِّيَارَةِ قَدْ اسْتَغْنَيْنَ بِهِ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْقُرْبِ مِنْ الرِّجَالِ فَهُوَ أَلْيَقُ بِهِنَّ مَا لَمْ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْخَمِيسِ وَالْجَنَائِزِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَانَ الْأَلْيَقُ بِهِنَّ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ وَلَا يُمَكَّنَّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ قَالُوا إنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا وَحْدَهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ وَصَلَاتَهَا فِي مَخْدَعٍ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا فَكَيْفَمَا زَادَ سَتْرُهَا وَانْحِجَابُهَا كَانَ أَفْضَلَ لِصَلَاتِهَا .
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُمْكِنُهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا مَعَ جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَاوِرُهَا وَهِيَ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فَذَلِكَ أَفْضَلُ لَهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَلِذَلِكَ كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ بِصَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمَسْجِدِ
وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ دُخُولِ بَعْضِهِمْ إلَى الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهْرًا يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ حِينَ دُخُولِهِ وَحِينَ خُرُوجِهِ وَيُجِيبُهُ بَعْضُ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ مِمَّنْ فِي الْمَسْجِدِ وَيُسْمَعُ لَهُمْ ضَجِيجٌ قَوِيٌّ يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْ تِلْكَ الزَّعَقَاتِ فِيهِ وَلَوْ فُعِلَ ذَلِكَ فِي السُّوقِ أَوْ الطَّرِيقِ لَكَانَ جَائِزًا أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهِ بِحَسَبِ الْحَالِ وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَيُمْنَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْهَى عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ إدْخَالِ الْمِرْآةِ فِي الْمَسْجِدِ لِقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الشَّيْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ فِعْلِهِمْ وَهَذَا يُمْنَعُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَاجْعَلُوا مَطَاهِرَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ } وَإِذَا كَانَ الطُّهُورُ فِي الْمَسْجِدِ مَمْنُوعًا فَكَيْفَ يُدْخَلُ بِالْفَضَلَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُعْمَلُ فِيهِ الصَّنْعَةُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ نَسْخِ الْخَتْمَةِ أَوْ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّسَبُّبِ فَكَيْفَ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَالشَّعْرُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ فَهُوَ عَفَشٌ يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهُ .
هَذَا إذَا كَانَ الشَّعْرُ مَقْصُوصًا .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَقُصُّ شَارِبَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ فِي ثَوْبِهِ وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَسَوَّكَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السِّوَاكِ يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ .
قَالَ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ وَلْيَخْرُجْ لِفِعْلِ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الطُّرْطُوشِيُّ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ الشَّعْرُ بِأَصْلِهِ مِثْلَ نَتْفِ الشَّيْبِ فَإِنَّ الْحَيَاةَ تَحُلُّ أَصْلَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ الشَّعْرَةِ نَجِسًا وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ وُقُوعِ الْقَمْلِ فِي الْمَسْجِدِ إمَّا حَيًّا وَإِمَّا مَيِّتًا وَكِلَاهُمَا يُمْنَعُ فِيهِ وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي تَرِدُ إلَيْهِ الْخَلْقُ كَثِيرًا .
وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْمَشْيَخَةِ وَالنُّسُكِ وَقَدْ سَبَّلَ نَفْسَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَسَنَةِ عَلَى زَعْمِهِ فَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى بَابِ الْمِيضَأَةِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَيُّ غَرِيبٍ جَاءَ قَصَّ لَهُ أَظَافِرَهُ أَوْ شَارِبَهُ وَأَزَالَ شَعْرَهُ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ وَيُلْقِي كُلَّ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَقَدْ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ يَجْمَعُهُ
وَيُخْرِجُهُ مِنْهُ فَكَيْفَ بِإِلْقَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ هَذَا الْحَدَثِ زَرَعَ دَالِيَةَ عِنَبٍ فِي الْمَسْجِدِ فَأَطْعَمَتْ وَأَثْمَرَتْ وَبَقِيَ إذَا وَرَدَ أَحَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَخَذَ مِنْ عِنَبِهَا أَوْ حِصْرِمِهَا وَأَهْدَاهُ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَرَكَةِ وَحَصَّلَ بِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا أَحْدَثُوهُ كَثِيرًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَاِتَّخَذُوا فِيهِ دَوَالِيَ عِنَبٍ وَخَزَائِنَ لِلسُّكْنَى وَهُوَ مَسْجِدٌ وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمَهْجُورَةَ لَا يَجُوزُ سُكْنَاهَا وَلَا أَنْ يُحْدَثَ فِيهَا حَدَثٌ غَيْرُ مَا بُنِيَتْ لَهُ .
وَيَنْهَى الْبَيَّاعِينَ لِلْقُضَامَةِ وَغَيْرِهَا فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ وَعَلَى أَبْوَابِهِ وَفِي الزِّيَادَةِ إذْ إنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُصَلِّيًا يُمْسِكُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعَيْنِ فَيَكُونُ غَاصِبًا لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ حِينَ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُ الْمُصَلِّي مِنْهُمْ يَتَعَيَّنُ أَدَبُهُ وَزَجْرُهُ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَرِيقَهُمْ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ وَتَارِكُ الصَّلَاة قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مُرْتَدٌّ أَوْ مُرْتَكِبٌ كَبِيرَةً سِيَّمَا إنْ كَانَتْ صَلَاةَ جُمُعَةٍ فَذَلِكَ أَعْظَمُ .
وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِمَّنْ يَبِيعُ الْحَلَاوَةَ أَوْ اللَّحْمَ أَوْ الْمَشْمُومَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُضَيِّقُ بِهِ طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ دُكَّانٍ لَهَا مَسْطَبَةٌ خَارِجَةٌ فِي شَارِعِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يُمْنَعَ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَهْدِمَ الْمَسَاطِبَ الْمُلَاصِقَةَ لِجِدَارِ الْمَسَاجِدِ إذْ إنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ لِلْمُصَلِّينَ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .
( فَصْلٌ ) وَيَنْهَى الزَّبَّالِينَ أَنْ يَعْمَلُوا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ سِيَّمَا وَقْتُ إتْيَانِ النَّاسِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ أَمَرَ بِالتَّنْظِيفِ لَهَا بِالْغُسْلِ وَلُبْسِ النَّظِيفِ مِنْ الثِّيَابِ وَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ مَا أَمَرَهُ بِهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَخَرَجَ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ لَقِيَ الزَّبَّالِينَ فِي طَرِيقِهِ فَيُفْسِدُونَ عَلَيْهِ هَيْئَتَهُ لَهَا وَهَذَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } فَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيَزْجُرُ فَاعِلَهُ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ .
وَقَدْ وَرَدَ { كُلُّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ }
وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ وُقُوفِ الدَّوَابِّ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُمْ يُضَيِّقُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَرِيقَهُمْ إلَيْهِ وَيَرُوثُونَ بِهَا وَيَبُولُونَ عَلَى أَبْوَابِهِ وَيَمْشِي النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ بِأَقْدَامِهِمْ وَيَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ فَيُنَجِّسُونَ بِهَا مَا أَصَابَتْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهَذَا مُحَرَّمٌ وَفِي وُقُوفِهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ أَذِيَّةٌ كَثِيرَةٌ سِيَّمَا لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْأَعْمَى وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ الَّذِينَ هُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْجُمُعَةِ بَلْ رُبَّمَا أُذُوا بِالرَّفْسِ وَالْكَدْمِ الْأَصِحَّاءَ فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الشُّيُوخِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاءِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ لِوُقُوفِ الدَّوَابِّ سِيَّمَا لِأَجْلِ الْغِلْمَان الْمُمْسِكِينَ لِتِلْكَ الدَّوَابِّ .
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُعَدَّةٌ لِجَعْلِ الدَّوَابِّ فِيهَا كَالْفَنَادِقِ وَالْإِصْطَبْلَاتِ وَغَيْرِهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَوَاضِعُ لَكَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِهَا إلَى الْمَسْجِدِ يُرْسِلُهَا إلَى مَوْضِعِهَا الَّتِي كَانَتْ فِيهِ وَيُخْبِرُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحْتَاجُهَا فِيهِ فَتَنْحَسِمُ مَادَّةُ الضَّرَرِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْهَى الْبَيَّاعِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي سَمَاعِ الْخَطِيبِ وَهَذَا مُحَرَّمٌ إذْ إنَّهُ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حُرِّمَ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ وَبَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَكُونُ الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَهُمْ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ وَلَا يَسْتَحْيُونَ .
وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ صَلَاتِهِمْ الْجُمُعَةَ فِي الدَّكَاكِينِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ عِنْدَهُ فِي مَوْضِعٍ مَحْجُورٍ .
وَإِنَّمَا تَصِحُّ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ إنْ تَعَذَّرَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَبَعْضُهُمْ يَأْتِي إلَى الْجُمُعَةِ فَيَقْعُدُ فِي الدُّكَّانِ يَنْتَظِرُ إقَامَةَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْمَسْجِدُ بَعْدُ لَمْ يَمْتَلِئْ بِالنَّاسِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .
وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْإِتْيَانِ لِلْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ وَلَا تَغْيِيرِ هَيْئَةٍ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ كَانُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُؤَكِّدَ الْأَمْرَ لِصَاحِبِهِ يَقُولُ لَهُ وَلَا تَكُنْ مِمَّنْ يَتْرُكُ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ .
وَمِنْ كِتَابِ الْقُوتِ وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَسَابُّونَ فَيَقُولُونَ لَأَنْتَ شَرٌّ مِمَّنْ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ إنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَوْ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ تَرَكَ الْوَتْرَ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ سُنَّةً وَلِلِاخْتِلَافِ فِيهِ أَيْضًا هَلْ هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَوْ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَمَا يُوجِبُ فِسْقَ تَارِكِهِ فَجَدِيرٌ أَنْ يُحَافَظَ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُتْرَكُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَبَعْضُ النَّاسِ قَدْ أَهْمَلُوا ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ أَعْنِي عِنْدَ أَكْثَرِ الْعَامَّةِ ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ حِكَايَةٌ تُحْكَى حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ بِالْغُسْلِ لَهَا .
وَكَذَلِكَ يَنْهَاهُمْ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ لُبْسِ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ لَهَا وَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِهَا الْمُؤَكَّدَةِ أَيْضًا .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَلْيَتَطَيَّبْ بِأَطْيَبِ طِيبِهِ مِمَّا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ فَذَلِكَ طِيبُ الرِّجَالِ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ انْتَهَى .
وَقَدْ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ عَكْسُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ حَتَّى إنَّكَ لَتَجِدُ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فِي الدَّرْسِ أَوْ فِي دُكَّانِهِ أَوْ حِينَ اجْتِمَاعِهِ بِأَحَدِ الْقُضَاةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ ثِيَابٍ وَرَائِحَةِ طِيبٍ وَغَيْرِهِمَا وَتَجِدُهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَى هَيْئَةٍ دُونَهَا وَسَبَبُ هَذَا تَعْظِيمُ الدُّنْيَا فِي الْقُلُوبِ وَالتَّهَاوُنُ بِشَعَائِر الدِّينِ وَالْغَفْلَةُ بِسَبَبِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ .
وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ لُبْسِ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ هُوَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ ذَلِكَ عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَكَانُوا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَثْمَانُ أَثْوَابِهِمْ الْقُمُصُ كَانَتْ مِنْ الْخَمْسَةِ إلَى الْعَشَرَةِ فَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَثْمَانِ وَكَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَخِيَارُ التَّابِعِينَ قِيمَةُ ثِيَابِهِمْ مَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ الثِّيَابِ مَا يُجَاوِزُ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إلَى الْمِائَةِ وَيَعُدُّهُ سَرَفًا فِيمَا جَاوَزَهَا انْتَهَى .
فَعَلَى هَذَا فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ بَعْدَهُمْ اللَّهُمَّ إلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِنْ دَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إلَى بَابِ الْجَائِزِ أَوْ الْمَنْدُوبِ أَوْ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ الْحَالِ .
فَإِذَا نَبَّهَ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا وَحَضَّ عَلَى فِعْلِهِ وَقَبَّحَ تَرْكَهُ تَنَبَّهَ النَّاسُ لِمَا ارْتَكَبُوهُ فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا أَوْ بَعْضُهُمْ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرْكَعُ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصْعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا جَلَسَ عَلَيْهِ قَطَعُوا تَنَفُّلَهُمْ .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرْكَعُ وَيَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَلَمْ يُحْدِثُوا رُكُوعًا بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ وَلَا غَيْرِهِ فَلَا الْمُتَنَفِّلُ يَعِيبُ عَلَى الْجَالِسِ وَلَا الْجَالِسُ يَعِيبُ عَلَى الْمُتَنَفِّلِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا هُمْ الْيَوْمَ يَفْعَلُونَهُ فَإِنَّهُمْ يَجْلِسُونَ حَتَّى إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَامُوا لِلرُّكُوعِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذَا وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ قَالَهَا ثَلَاثًا وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ } .
فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّلَفَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَفْقَهُ بِالْحَالِ وَأَعْرَفُ بِالْمَقَالِ فَمَا يَسَعُنَا إلَّا اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ اتِّبَاعَ السَّلَفِ أَوْلَى ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الرُّكُوعُ إنَّمَا هُوَ لِلْجُمُعَةِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي هَذَا مَا كَانَ السَّلَفُ يَفْعَلُونَهُ مِنْ رُكُوعِهِمْ الْمُتَقَدِّمُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَوْ مِنْ الزَّوَالِ فَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي جَمَاعَةٍ إلَى أَنَّهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَإِذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي وَقْتِهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا تَأَكَّدَ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَعَلَى مَا قَرَّرْتُمُوهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ رَكَعَ وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَرْكَعُ وَهَذَا جَائِزٌ
فَكَيْفَ تَمْنَعُونَهُ .
فَالْجَوَابُ إنَّا لَا نَمْنَعُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ لِمَنْ أَرَادَهُ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ عَنْ اتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً بَعْدَ الْأَذَانِ لَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَذَانَ الْمَفْعُولَ الْيَوْمُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَإِنَّمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَالْأَذَانُ الَّذِي فُعِلَ فِي السُّوقِ وَالرُّكُوعُ لِلْجُمُعَةِ لَا يَكُونُ فِي السُّوقِ وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَسْمَعُهُ حَتَّى يَرْكَعَ عِنْدَهُ .
ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ هِشَامًا لَمَّا أَنْ نَقَلَهُ كَانُوا يَرْكَعُونَ بَعْدَهُ عَلَى أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ فِعْلَ هِشَامٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ .
فَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ مَثَلًا إنَّ النَّاسَ لَا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ رِجَالٌ يَأْمُرُونَ وَيَنْهَوْنَ حَتَّى تُزَالَ بِهِمْ الْحُرْمَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ هُمْ رِجَالُهُ وَجُنْدُهُ وَحِزْبُهُ { أَلَا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } فَإِنْ قَالَ مَثَلًا إنَّ النَّاسَ لَا يَرْجِعُونَ بِذَلِكَ .
فَالْجَوَابُ إنَّهُمْ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَصِّلَ كُلَّ ذَلِكَ لِلْمُحْتَسِبِ فَيَمْنَعُ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ بِالْيَدِ الْقَوِيَّةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْإِمَامِ وَأَمَّا قَبْلَ إيصَالِ ذَلِكَ فَإِنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ لِأَجْلِ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسْجِدَ وَمَا حَوْلَهُ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ رَعِيَّةِ الْإِمَامِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَعِيَّتِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا ذُكِرَ كُلِّهِ
بِشَرْطٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمُؤَذِّنِينَ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَذَانُ أَفْضَلَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ } فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْمُؤَذِّنِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ كُلُّ مَا ذُكِرَ فَهُوَ مِنْ رَعِيَّتِهِمَا مَعًا فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَقْوَى وَأَفْضَلَهُمْ وَأَوْرَعَهُمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ إنْ اجْتَمَعَتْ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهَا فَأَكْثَرُهَا فَيَتَّخِذُ مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ مُؤَذِّنًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شُرُوطُ الْمُؤَذِّنِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهَا لَكِنْ بَقِيَتْ الْأَوْصَافُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهَا فِيهِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ وَيُكْرَهُ لَهُ التَّطْرِيبُ فِي الْأَذَانِ وَكَذَلِكَ التَّحْزِينُ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لَهُ إمَالَةُ حُرُوفِهِ وَإِفْرَاطُ الْمَدِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ .
فَصْلٌ فِي مَوْضِعِ الْأَذَانِ وَمِنْ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى بَابِهِ .
وَكَانَ الْمَنَارُ عِنْدَ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِنَاءً يَبْنُونَهُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ كَهَيْئَتِهِ الْيَوْمِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَحْدَثُوا فِيهِ أَنَّهُمْ عَمِلُوهُ مُرَبَّعًا عَلَى أَرْكَانٍ أَرْبَعَةٍ وَكَانَ فِي عَهْدِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُدَوَّرًا وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبُيُوتِ خِلَافًا لِمَا أَحْدَثُوهُ الْيَوْمَ مِنْ تَعْلِيَةِ الْمَنَارِ .
وَذَلِكَ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : مُخَالَفَةُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَكْشِفُ عَلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ صَوْتَهُ يَبْعُدُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَنِدَاؤُهُ إنَّمَا هُوَ لَهُمْ وَقَدْ بَنَى بَعْضُ الْمُلُوكِ فِي الْمَغْرِبِ مَنَارًا زَادَ فِي عُلُوِّهِ فَبَقِيَ الْمُؤَذِّنُ إذَا أَذَّنَ لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ مِمَّنْ تَحْتَهُ صَوْتَهُ .
وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَنَارُ تَقَدَّمَ وُجُودُهُ بِنَاءَ الدَّارِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الدُّورُ مَبْنِيَّةً ثُمَّ جَاءَ بَعْضُ النَّاسِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ الْمَنَارَ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ عَلَيْهِمْ .
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَنَارِ وَالدُّورِ سِكَكٌ وَبُعْدٌ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا طَلَعَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ وَرَأَى النَّاسَ عَلَى أَسْطِحَةِ بُيُوتِهِمْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْهُمْ فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِذَا كَانَ الْمَنَارُ أَعْلَى مِنْ الْبُيُوتِ قَلِيلًا أَسْمَعَ النَّاسَ إذْ إنَّهُ يَعُمُّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُرْتَفِعًا كَثِيرًا وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْأَذَانِ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ، فَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ جَمَاعَةً فَيُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي أَوْقَاتُهَا مُمْتَدَّةٌ فَيُؤَذِّنُونَ فِي الظُّهْرِ مِنْ الْعَشَرَةِ إلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي الْعَصْرِ
مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ وَفِي الْعِشَاءِ كَذَلِكَ وَالصُّبْحِ يُؤَذِّنُونَ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ سُدُسِ اللَّيْلِ الْآخِرِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي كُلِّ ذَلِكَ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَالْمَغْرِبِ لَا يُؤَذِّنُ لَهَا إلَّا وَاحِدٌ لَيْسَ إلَّا .
فَصْلٌ فِي الْأَذَانِ جَمَاعَةً فَإِنْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ فَزَادُوا عَلَى عَدَدِ مَا ذُكِرَ وَكَانُوا يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ الثَّوَابَ وَخَافُوا أَنْ يَفُوتَهُمْ الْوَقْتُ وَلَمْ يَسَعْهُمْ الْجَمِيعُ إنْ أَذَّنُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَمَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ كَانَ أَوْلَى ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِيهِ فَإِنَّهُمْ يُؤَذِّنُونَ الْجَمِيعَ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَمِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الرَّوْضَةِ لَهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِذَا تَرَتَّبَ لِلْأَذَانِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَرَاسَلُوا بَلْ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِيهِ ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الِابْتِدَاءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا أَذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِهِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَقَفُوا مَعًا وَأَذَّنُوا وَهَذَا إنْ لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلَافُ الْأَصْوَاتِ إلَى تَشْوِيشٍ ، فَإِنْ أَدَّى إلَيْهِ لَمْ يُؤَذِّنْ إلَّا وَاحِدٌ ، فَإِنْ تَنَازَعُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ انْتَهَى .
وَأَذَانُهُمْ جَمَاعَةً عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُخَالِفَةِ لِسُنَّةِ الْمَاضِينَ وَالِاتِّبَاعُ فِي الْأَذَانِ وَغَيْرِهِ مُتَعَيِّنٌ وَفِي الْأَذَانِ آكَدُ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ أَعْلَامِ الدِّينِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ قَوْمًا أَمْهَلَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ ؛ وَلِأَنَّ فِي الْأَذَانِ جَمَاعَةً جُمْلَةُ مَفَاسِدَ .
مِنْهَا : مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ .
الثَّانِي : أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي الْأَذَانِ خَفِيَ أَمْرُهُ فَلَا يُسْمَعُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْجَمَاعَةِ إذَا
أَذَّنُوا عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ لَا يَفْهَمُ السَّامِعُ مَا يَقُولُونَ وَالْمُرَادُ بِالْأَذَانِ إنَّمَا هُوَ نِدَاءُ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ فَذَهَبَتْ فَائِدَةُ مَعْنَى قَوْلِهِ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ بَعْضَهُمْ يَمْشِي عَلَى صَوْتِ بَعْضٍ وَالْمُرَادُ بِالْأَذَانِ أَنْ يَرْفَعَ الْإِنْسَانُ بِهِ صَوْتَهُ مَهْمَا أَمْكَنَهُ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ فِي الْجَمَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ .
الْخَامِسُ : أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالْأَذَانِ كُلِّهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي أَثْنَائِهِ فَيَجِدُ غَيْرَهُ قَدْ سَبَقَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ فَيَتْرُكُ مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُوَافِقُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ قَدْ مَضَتْ عَادَةُ الْمُؤَذِّنِ عَلَى السُّنَّةِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَمِلَ الْحُسْنَ مِنْ تَنَحْنُحٍ أَوْ كَلَامٍ مَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُشْعِرُ بِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُؤَذِّنَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَشْرَعُ فِي الْأَذَانِ هَذَا وَهُوَ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فَكَيْفَ بِالْجَمَاعَةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا خِيفَةَ أَنْ يُؤَذِّنَ وَمَنْ حَوْلَهُ عَلَى غَفْلَةٍ فَقَدْ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ لِبَعْضِهِمْ رَجْفَةٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ فَمَا بَالُكَ بِجَمَاعَةٍ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عَلَى بَغْتَةٍ .
وَقَدْ تَكُونُ حَامِلٌ فَتَأْخُذُهَا الرَّجْفَةُ بِذَلِكَ فَتُسْقِطَ وَتَرْتَجِفُ بِذَلِكَ الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ ثَابِتٌ وَتَشْوِيشُهُمْ كَثِيرٌ قَلَّ أَنْ يَنْحَصِرَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ جَمَاعَةً هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَعَلَ الْمُؤَذِّنِينَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ كَانُوا يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ عَلَى الْمَنَارِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَمِيعًا إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَخَذَ الْأَذَانَ الَّذِي زَادَهُ
عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَنْ كَثُرَ النَّاسُ وَكَانَ ذَلِكَ مُؤَذِّنًا وَاحِدًا فَجَعَلَهُ عَلَى الْمَنَارِ فَهَذَا الَّذِي أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ كَانُوا فِيمَنْ قَبْلَهُ يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ شَيْئًا ثُمَّ أَحْدَثُوا فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى الثَّلَاثَةِ جَمْعًا كَثِيرًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ .
وَكَذَلِكَ زَادُوا عَلَى الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَنَارِ فَجَعَلُوهُمْ جَمَاعَةً وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ فَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ لَا بِالِابْتِدَاعِ وَإِنْ كَانَ لِأَخْذِ الْجَامِكِيَّةِ فَالْجَامِكِيَّةُ لَا تُصْرَفُ فِي بِدْعَةٍ كَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ فَمَفَاسِدُهُ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْغَالِبِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ .
فَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْأَذَانِ بِالْأَلْحَانِ وَلْيَحْذَرْ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالْأَلْحَانِ وَيَنْهَى غَيْرَهُ عَمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ مِمَّا يُشْبِهُ الْغِنَاءَ وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي جَمَاعَةٍ يَطْرَبُونَ تَطْرِيبًا يُشْبِهُ الْغِنَاءَ حَتَّى لَا يُعْلَمُ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ إلَّا أَصْوَاتٌ تَرْتَفِعُ وَتَنْخَفِضُ وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَهْجَنَةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ أَحْدَثَهَا بَعْضُ الْأُمَرَاءِ بِمَدْرَسَةٍ بَنَاهَا ثُمَّ سَرَى ذَلِكَ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا وَهَذَا الْأَذَانُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الشَّامِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهِيَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ إذْ إنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ النِّدَاءُ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْهِيمِ أَلْفَاظِهِ لِلسَّامِعِ وَهَذَا الْأَذَانُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ لِمَا دَخَلَ أَلْفَاظَهُ مِنْ شِبْهِ الْهُنُوكِ وَالتَّغَنِّي .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ } وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنٌ يُطْرِبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ ، فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ } أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ التَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ وَهُوَ مِنْ الْبَغْيِ فِيهِ وَالِاعْتِدَاءِ .
قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ لِابْنِ عُمَرَ إنِّي لَأُحِبّكَ فِي اللَّهِ فَقَالَ لَهُ لَكِنِّي أَبْغَضُكَ فِي اللَّهِ فَقَالَ وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ لِأَنَّكَ تَبْغِي فِي أَذَانِكَ وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أُجْرَةً .
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ وَلَمْ يَحْلُ لِي الْمَقَامُ بِهَا قَدْ ابْتَدَعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَفِي الْأَذَانِ يَعْنِي الْإِجَارَةَ وَالتَّلْحِينَ
انْتَهَى .
وَالْعَجَبُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ حَيْثُ يَرُدُّونَ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالرُّجُوع إلَيْهِمْ ثُمَّ إنَّهُمْ يُسْتَدَلُّونَ عَلَى جَوَاز هَذَا الْأَذَانِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ مِمَّا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا حَدَثَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُقْتَدَى بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ } وَأَشَارَ إلَى الْمَشْرِقِ وَمَا حَدَثَ بِالشَّامِ إلَّا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ .
ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى الْبِدْعَةِ إذَا حَدَثَتْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا بَلْ يَضُمُّ إلَيْهَا بِدَعًا أَوْ مُحَرَّمَاتٍ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَا أَنْ أَحْدَثُوا هَذَا الْأَذَانَ تَعَدَّتْ بِدْعَتُهُ إلَى مُحَرَّمٍ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ الْمَأْمُومِينَ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ بِتِلْكَ الْأَلْحَانِ وَذَلِكَ كَلَامٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ لَا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِذَلِكَ وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ سَرَى ذَلِكَ إلَى فَسَادِ مَنْ ائْتَمَّ بِتَسْمِيعِهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِدَاءُ إلَّا بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ فَإِنْ عُدِمَتْ فَلَا ائْتِمَامَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَهِيَ أَنْ يَرَى أَفْعَالَ الْإِمَامِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَسَمَاعُ أَقْوَالِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَرُؤْيَةُ أَفْعَالِ الْمَأْمُومِينَ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَسَمَاعُ أَقْوَالِهِمْ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا فِي صَلَاةٍ لِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّسْمِيعِ جَمَاعَةً بِالْأَلْفَاظِ الْمَفْهُومَةِ فَإِنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِتَسْمِيعِهِمْ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي صَلَاتِهِمْ هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ
فَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْأَذَانِ ثَلَاثَةَ مَوَاضِعَ الْمَنَارُ وَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَعَلَى بَابِهِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَمْنَعُ مِنْ الْأَذَانِ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي جَوْفِهِ .
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَلَا تَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ لِلنَّاسِ لِيَأْتُوا إلَى الْمَسْجِدِ وَمَنْ كَانَ فِيهِ فَلَا فَائِدَةَ لِنِدَائِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ غَالِبًا .
وَإِذَا كَانَ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ وَمَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ يُمْنَعُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْأَذَانَ فِي الْمَسْجِدِ فِيهِ تَشْوِيشٌ عَلَى مَنْ هُوَ فِيهِ يَتَنَفَّلُ أَوْ يَذْكُرُ أَوْ يَفْعَلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي بُنِيَ الْمَسْجِدُ لِأَجْلِهَا وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَيُمْنَعُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } ثُمَّ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ كَيْفَ جَرَّتْ أَيْضًا إلَى بِدَعٍ أُخُرَ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْ أَحْدَثُوا الْأَذَانَ فِي الْمَسْجِدِ اقْتَدَى الْعَوَامُّ بِهِمْ فَصَارَ كُلُّ مَنْ خَطَرَ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ قَامَ وَأَذَّنَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْغَالِبُ عَلَى بَعْضِ الْعَوَامّ أَنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَ النُّطْقَ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ فَيَزِيدُونَ فِيهِ وَيَنْقُصُونَ وَيَكْثُرُ التَّخْلِيطُ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ لَيُؤَذِّنُونَ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ تَغْيِيرِ الْأَذَانِ وَبَيْنَ التَّشْوِيشِ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَشَيْءٌ يَجْمَعُ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُجَنَّبَ بَيْتُ اللَّهِ مِنْهُ
فَصْلٌ فِي الطَّوَافِ بِالْمُؤَذِّنِ فِي أَرْكَانِ الْمَسْجِدِ إذَا مَاتَ وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الطَّوَافِ بِأَحَدِهِمْ فِي أَرْكَانِ الْمَسْجِدِ إذَا مَاتَ وَكَذَلِكَ يَنْهَاهُمْ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ بِتِلْكَ الْأَصْوَاتِ الْمُزْعِجَةِ حِينَ يَطُوفُونَ بِهِ فِيهِ .
وَذَلِكَ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُدْخَلُ بِالْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَمَا بَالُكَ بِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا سُنَّةٍ بَلْ لِلْعَبَثِ وَالْبِدْعَةِ وَإِقَامَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَطُوفُونَ بِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَمَّا أَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى إبْقَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ ، الثَّالِثُ : أَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ دَفْنِهِ وَمِنْ إكْرَامِ الْمَيِّتِ الْإِسْرَاعُ بِهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ مِنْ الْمُتَّبِعِينَ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا أَتَوْا بِالْمَيِّتِ إلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَالَ لِأَهْلِهِ : اذْهَبُوا إلَى دَفْنِهِ وَلَا جُمُعَةَ عَلَيْكُمْ إنْ لَمْ تُدْرِكُوهَا بَعْدَ ذَلِكَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْفَضَلَاتِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي يَطُوفُونَ بِهِ فِيهِ فَيَذْهَبُ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أُمِرْنَا بِغَسْلِهِ .
الْخَامِسُ : أَنَّ فِيهِ تَشْوِيشًا عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا نَوْعٌ مِمَّا أَحْدَثَ بَعْضُ الشُّرَفَاءِ فِي الْحِجَازِ وَهُوَ أَنَّهُمْ إذَا مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا فَيَدْخُلُونَ بِهِ الْمَسْجِدَ فَيَطُوفُونَ بِهِ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ سَبْعًا وَذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ وَالْأُمُورِ الْحَادِثَةِ .
وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ أَجْلِ الطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ وَحُرْمَةِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِهِ وَبُعْدِ الْمَسَافَةِ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
فَصْلٌ فِي أَذَانِ الشَّابِّ عَلَى الْمَنَارِ وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ أَذَانِ الشَّابِّ عَلَى الْمَنَارِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوْصَافِ الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَتْقَاهُمْ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الشَّابِّ .
وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ الَّذِي يَصْعَدُ عَلَى الْمَنَارِ أَنْ يَكُونَ مُتَزَوِّجًا لِأَنَّهُ أَغَضُّ لِطَرْفِهِ وَالْغَالِبُ فِي الشَّابِّ عَدَمُ ذَلِكَ وَالْمَنَارُ لَا يَصْعَدُهُ إلَّا مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ بِمَدِينَةِ فَاسَ وَكَانَ يَصْحَبُ إمَامَ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ الَّذِي هُنَاكَ وَكَانَ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ وَلَدٌ حَسَنُ الصَّوْتِ فَطَلَبَ مِنْ الْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِوَلَدِهِ فِي الصُّعُودِ عَلَى الْمَنَارِ لِيُؤَذِّنَّ فِيهِ فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ وَلِمَ تَمْنَعُهُ قَالَ إنَّ الْمَنَارَ لَا يَصْعَدُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا إلَّا مَنْ شَابَ ذِرَاعَاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الطَّعْنِ فِي السِّنِّ فَرَغَّبَهُ فِي ذَلِكَ فَامْتَنَعَ مِنْهُ ، وَقَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تُحْدِثَ الْفِتْنَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ تَرَاهُ امْرَأَةٌ فَتَشْغَفُ بِهِ وَكَذَلِكَ هُوَ أَيْضًا قَدْ يَرَى مَا لَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَنْهُ فَتَقَعُ الْفِتَنُ أَقَلُّ مَا فِيهِ شَغْلُ الْقُلُوبِ بِشَيْءٍ كَانُوا عَنْهُ فِي غِنًى .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ كَيْفَ كَانَ تَحَرُّزُهُمْ فِي هَذَا الْعَهْدِ الْقَرِيبِ وَكَيْفَ هُوَ الْحَالُ الْيَوْمَ .
هَذَا وَهُمْ يُؤَذِّنُونَ الْأَذَانَ الشَّرْعِيَّ مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ وَلَا تَمْيِيلٍ وَلَا تَصَنُّعٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَحْدَثُوهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ إذَا كَانَ عَلَى الْمَنَارِ .
وَأَمَّا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ عَلَى سَطْحِهِ إنْ أَمِنَ أَنْ يَكْشِفَ عَلَى أَحَدٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَمَّا أَحْدَثُوهُ بِاللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ السُّنَّةِ وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّسْبِيحِ بِاللَّيْلِ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنًا سِرًّا وَعَلَنًا لَكِنْ لَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَرَكَهَا الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ فِيهَا شَيْئًا مَعْلُومًا .
وَقَدْ رَتَّبَ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لِلصُّبْحِ أَذَانًا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَذَانًا عِنْدَ طُلُوعِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي هَذَا الزَّمَانِ يُؤَذِّنُونَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَكِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِخْفَاءِ لِتَرْكِهِمْ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهِ حَتَّى لَا يُسْمَعَ .
وَهَذَا ضِدُّ مَا شُرِعَ الْأَذَانُ لَهُ لِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِالْوَقْتِ .
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } وَقَدْ وَرَدَ أَذَانُ بِلَالٍ كَانَ يُنَوِّمُ الْيَقْظَانَ وَيُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ أَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ فَإِذَا سَمِعَ أَذَانَ بِلَالٍ نَامَ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ رَاحَةٌ وَنَشَاطٌ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ وَإِنْ كَانَ نَائِمًا فَإِذَا سَمِعَ أَذَانَ بِلَالٍ قَامَ وَتَطَهَّرَ وَأَدْرَكَ وِرْدَهُ مِنْ اللَّيْلِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ مَتَى يَكُونُ فَقِيلَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ وَقِيلَ مِنْ أَوَّلِ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَقِيلَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ كُلُّهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مَحَلًّا لِلْأَذَانِ فِيهِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالُوا إنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يُرَتَّبُونَ فِي أَذَانِهِمْ حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرِ الْوَقْتِ الَّذِي هُمْ فِيهِ حَتَّى يَتَهَيَّئُوا لِلْعِبَادَةِ فَيُرَتَّبُ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى حَسَبِ مَا يَسَعُ الْوَقْتُ مِنْ عَدَدِهِمْ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ لِكَيْ يَكُونَ وَقْتُ أَذَانِ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مَعْلُومًا لَا
يَتَقَدَّمُهُ وَلَا يَتَأَخَّرُهُ فَيَكُونُ النَّاسُ يَعْرِفُونَ بِالْعَادَةِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَهَكَذَا إلَى الْمُؤَذِّنِ الْآخِرِ الَّذِي يُؤَذِّنُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ الرَّئِيسُ صَاحِبُ الْوَقْتِ فَيَنْضَبِطُ الْوَقْتُ بِذَلِكَ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَيَعْرِفُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ كَمْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِمَّا يَسَعُ الْغُسْلَ أَوْ الْوُضُوءَ أَوْ الْوِرْدَ أَوْ الِاسْتِبْرَاءَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَيَتِمَّ النِّظَامُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ هُوَ أَضْبَطُ حَالًا وَأَكْثَرُ ثَوَابًا لِأَجْلِ الِاتِّبَاعِ بِخِلَافِ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّسْبِيحِ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَنْدُبُ الْأَطْلَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ تَحْزِينٌ يَقْرُبُ مِنْ النَّوْحِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْرِفُ النَّاسُ فِي الْغَالِبِ أَيَّ وَقْتٍ هُمْ فِيهِ مِنْ اللَّيْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ سِيَّمَا وَهُمْ قَدْ أَحْدَثُوا زِيَادَةً عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ إذَا قَرُبَ طُلُوعُ الْفَجْرِ سَكَتُوا سَكْتَةً طَوِيلَةً ثُمَّ يُؤَذِّنُونَ فَمَنْ أَفَاقَ فِي حَالِ سُكُوتِهِمْ فَقَدْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ بَعْدُ فَيَقَعُ بِذَلِكَ الْغَرَرُ لِبَعْضِ النَّاسِ .
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلصُّبْحِ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيُخْفُونَ ذَلِكَ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْهُ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِمَا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّسْبِيحِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
السُّنَّةُ تَخْفَى وَغَيْرُ مَا شُرِعَ يَظْهَرُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّمَا يُخْفُونَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ لِلصُّبْحِ خِيفَةَ أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ عَلَيْهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَيَكُونُ صَلَاتُهُمْ بَاطِلَةً لِإِيقَاعِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ لَوْ امْتَثَلُوا السُّنَّةَ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنْ تَرْتِيبِ الْمُؤَذِّنِينَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْأَوَّلَ مَعْرُوفٌ وَقْتُهُ وَكَذَلِكَ الثَّانِي إلَى الْمُؤَذِّنِ الَّذِي يُؤَذِّنُ عَلَى الْفَجْرِ كَمَا تَقَدَّمَ لَمَا انْبَهَمَ الْوَقْتُ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ سَمِعَهُمْ وَكَانُوا
مُتَّبِعِينَ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْهَاهُمْ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَكْبَرِ الْعِبَادَاتِ وَأَجَلِّهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْلَكَ بِهَا مَسْلَكَهَا فَلَا تُوضَعُ إلَّا فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي جُعِلَتْ لَهَا .
أَلَا تَرَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَقْرَأَهُ فِي الرُّكُوعِ وَلَا فِي السُّجُودِ وَلَا فِي الْجُلُوسِ أَعْنِي الْجُلُوسَ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلتِّلَاوَةِ فَالصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُوهَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ لَمْ تَكُنْ تُفْعَلُ فِيهَا فِي عَهْدِ مَنْ مَضَى وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّهَا قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ جِدًّا أَقْرَبَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِيمَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ مِنْ التَّغَنِّي بِالْأَذَانِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَهِيَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ كُلِّ لَيْلَةٍ وَبَعْدَ أَذَانِ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِيَرْقَى الْمِنْبَرَ وَعِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ يُسَلِّمُونَ عِنْدَ كُلِّ دَرَجَةٍ يَصْعَدُهَا وَالْكُلُّ فِي الْإِحْدَاثِ قَرِيبٌ مِنْ قَرِيبٍ أَعْنِي فِي زَمَانِنَا هَذَا وَأَصْلُ إحْدَاثِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ .
وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ { الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى الْمَشْرِقِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ كَيْفَ كَانَ خَوْفُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْحَدَثِ فِي الدِّينِ وَمَا جَرَى لَهُمْ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ وَمَا جَرَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا أَنْ رَأَى الطَّيْرَ الَّذِي هُنَاكَ وَقَعَ عَلَى الْقَذَرِ ثُمَّ ارْتَفَعَ عَنْهُ وَوَقَعَ عَلَى ثَوْبِهِ فَعَلِمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ
عَلَى أَنَّهُ إذَا خَرَجَ يَغْسِلُهُ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ إلَى غَسْلِهِ قَالَ ، وَاَللَّهِ مَا أَكُونُ بِأَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ بِدْعَةً فِي الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ الْعِبَادَاتِ وَأَجَلِّهَا وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنًا سِرًّا وَعَلَنًا لَكِنْ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَضَعَ الْعِبَادَاتِ إلَّا فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي وَضَعَهَا الشَّارِعُ فِيهَا وَمَضَى عَلَيْهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ إلَيْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ .
وَمِنْ كِتَابِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ رَزِينٍ قَالَ وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ عَطَسَ رَجُلٌ إلَى جَنْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ الْحَمْدُ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ إذَا عَطَسْنَا وَإِنَّمَا عَلَّمَنَا نَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى .
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ جَوَابٌ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الصَّلَاةَ وَالتَّسْلِيمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْرُوعٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ .
قَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ مَنْ اتَّصَفَ بِالْإِنْصَافِ وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي الْغَالِبِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَقَلُّ مِنْ الْإِنْصَافِ فَإِذَا كَانَ الْحَالُ فِي زَمَانِ مَالِكٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فَمَا بَالُكَ بِهِ الْيَوْمُ فِي هَذَا الزَّمَانِ .
وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الْأَكَابِرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَمَّا أَنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ
كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَخَتَمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ } فَقَالَ هَذَا الْعَالِمُ أَنَا أَعْمَلُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةً فَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ زَمَانًا فَرَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَحُشِرَ النَّاسُ إلَى الْمَحْشَرِ وَالنَّاسُ فِي أَمْرٍ مَهُولٍ وَإِذَا بِمُنَادٍ يُنَادِي أَيْنَ الذَّاكِرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ فَقَامَ نَاسٌ مِنْ نَاسٍ قَالَ فَقُمْت مَعَهُمْ فَجِئْنَا إلَى مَوْضِعٍ فِيهِ مَلَائِكَةٌ يُعْطُونَ النَّاسَ ثَوَابَ ذَلِكَ وَكُنْتُ أُزَاحِمُ مَعَهُمْ وَيُعْطُونَهُمْ وَلَا يُعْطُونِي شَيْئًا فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ الْجَمِيعُ فَجِئْتُ وَطَلَبْتُ مِنْهُمْ الثَّوَابَ فَقَالُوا لِي مَا لَكَ عِنْدَنَا شَيْءٌ فَقُلْتُ لَهُمْ وَلِمَ أَعْطَيْتُمْ أُولَئِكَ فَقَالُوا لِي هَؤُلَاءِ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ فَقُلْتُ لَهُمْ وَمَا كَانُوا يَذْكُرُونَ فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ إلَخْ فَقُلْتُ أَنَا وَاَللَّهِ كُنْتُ أَعْمَلُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِائَةً فَقَالُوا مَا هَكَذَا أَمَرَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَمَرَ بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ مَا لَكَ عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ فَانْتَبَهْتُ مَرْعُوبًا فَتُبْتُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا أَزِيدَ عَلَى مَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَأَكِّدَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ لَكِنَّ اتِّخَاذَهَا عَادَةً مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى الْمَنَارِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَشْرُوعًا وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَتَحَرَّى ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمَعَ مَا ذُكِرَ
مِنْ التَّعْلِيلِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ .
مِنْهَا ارْتِكَابُ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ { لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ } فَإِذَا نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ وَتِلَاوَتُهُ مِنْ أَكْبَرِ الْعِبَادَاتِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا يَدْخُلُ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِمَّنْ يَتَعَبَّدُ إذَا جَهَرَ بِهِ فَمَا بَالُكَ بِمَا يَفْعَلُونَهُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا وَمَا يَفْعَلُونَهُ فِيهِ مِمَّا يُشْبِهُ الْغِنَاءَ فِي وَقْتٍ وَالنَّوْحَ فِي وَقْتٍ وَنَدْبَ الْأَطْلَالِ فِي وَقْتٍ وَيَنْشُدُونَ فِيهِ الْقَصَائِدَ وَفِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْمُتَهَجِّدِينَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا وَقَدْ وَصَلَ لَهُ مِنْ التَّشْوِيشِ مَا لَا خَفَاءَ فِيهِ فَيَتَفَرَّقُ أَمْرُهُمْ وَتَتَشَوَّشُ خَوَاطِرُهُمْ .
وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَيُمْنَعُ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ إلَيْهِ .
فَأَيْنَ هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَانَ إذْ ذَاكَ خَلِيفَةً وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فَلَمَّا أَنْ سَمِعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ لِخَادِمِهِ اذْهَبْ إلَى هَذَا الْمُصَلَّى فَقُلْ لَهُ إمَّا أَنْ تَخْفِضَ صَوْتَكَ وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَجَاءَ الْخَادِمُ فَوَجَدَ الْمُصَلِّيَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرَجَعَ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا فَلَمَّا أَنْ سَلَّمَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ لِخَادِمِهِ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ تَنْهَى هَذَا الْمُصَلَّى عَمَّا هُوَ يَفْعَلُ فَقَالَ لَهُ هُوَ الْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ اذْهَبْ إلَيْهِ وَقُلْ لَهُ مَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ فَذَهَبَ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : إنَّ سَعِيدًا يَقُولُ لَكَ إمَّا أَنْ تَخْفِضَ صَوْتَكَ وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَخَفَّفَ فِي
صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَنْ سَلَّمَ مِنْهَا أَخَذَ نَعْلَيْهِ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ .
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا مِنْ تَوَاضُعِهِ فِي خِلَافَتِهِ هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ بَعْضَ الْعَوَامّ يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ لِأَجْلِ سَمَاعِ التَّسْبِيحِ بِتِلْكَ الْأَلْحَانِ وَالنَّغَمَاتِ فَيَقَعُ مِنْهُمْ أَشْيَاءُ مِنْ الزَّعَقَاتِ وَمَا يُشْبِهُهَا مِمَّا يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا الثَّالِثُ مَا أَحْدَثُوهُ فِيهِ مِنْ صُعُودِ الشُّبَّانِ إذْ ذَاكَ عَلَى الْمَنَارِ وَلَهُمْ أَصْوَاتٌ حَسَنَةٌ وَنَغَمَاتٌ تُشْبِهُ الْغِنَاءَ فَيَرْفَعُونَ عَقِيرَتَهُمْ بِذَلِكَ فَكُلُّ مَنْ لَهُ غَرَضٌ خَسِيسٌ يَصْدُرُ مِنْهُ فِي وَقْتِ سَمَاعِهِ مَا لَا يَنْبَغِي كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى تَعَلُّقِ قَلْبِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ بِالشَّابِّ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْفِتَنِ أَشْيَاءُ لَا تَنْحَصِرُ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الَّذِي يُؤَذِّنُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّرْتِيبِ اجْتَمَعَ الْمُؤَذِّنُونَ بِجَمْعِهِمْ وَنَادَوْا عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَيُكَرِّرُونَ ذَلِكَ مِرَارًا عَدِيدَةً مَعَ دَوَرَانِهِمْ عَلَى الْمَنَارِ وَمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ لَا ضَرُورَةَ وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ الَّذِي يُؤَذِّنُ عَلَى الْفَجْرِ يَكُونُ وَقْتُهُ مَعْلُومًا عِنْدَ السَّامِعِينَ فَمَنْ سَمِعَهُ مِنْهُمْ عَلِمَ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ عَلَى خِلَافِ مَا أَحْكَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ فَمَفَاسِدُهُ عَدِيدَةٌ لَا تَنْحَصِرُ
فَصْلٌ فِي التَّسْحِيرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ التَّسْحِيرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ سِيَّمَا وَهُمْ يَقُومُونَ إلَى التَّسْحِيرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِأَنَّ السُّحُورَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْوَى بِهِ الْإِنْسَانُ عَلَى صَوْمِ النَّهَارِ ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا إذَا فُعِلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِقَلِيلٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ { تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ : كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً } فَإِذَا تَسَحَّرَ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوعُ إلَّا بَعْدَ الظُّهْرِ ، وَإِذَا جَاعَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَمَسَافَةُ الْفِطْرِ قَرِيبَةٌ فَتَسْهُلُ لِذَلِكَ الْعِبَادَةُ وَلِذَلِكَ سَمَّوْا السَّحُورَ الْغَدَاءَ الْمُبَارَكَ لِأَنَّ وَقْتَ السُّحُورِ قَرِيبٌ مِنْ وَقْتِ الْغَدَاءِ ، وَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ أَجْرُ الصِّيَامِ مَعَ نَشَاطِ بَدَنِهِ وَتَوْفِيرِ عُمْرِهِ لِقِيَامِ لَيْلِهِ لِأَنَّهُ إذَا تَسَحَّرَ فِي اللَّيْلِ حَصَلَ لَهُ الْكَسَلُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ بِسَبَبِ الْبُخَارِ الَّذِي يَصْعَدُ إلَى دِمَاغِهِ فَيُدَخِّنُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبُهُ النَّوْمُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَسَحَّرَ قَرِيبًا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْهُ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرْضِ فِي أَوْرَادِهِ وَاشْتَغَلَ بِهَا ثُمَّ تَصَرَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مُهِمَّاتِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ التَّهَجُّدُ فِي لَيْلِهِ وَخِفَّةُ الصَّوْمِ عَلَيْهِ فِي نَهَارِهِ وَيَنْضَبِطُ حَالُهُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّمَا يَتَسَحَّرُونَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ خِيفَةَ أَنْ يَبْقَى النَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ الْوَقْتَ الَّذِي يَجُوزُ لَهُمْ الْأَكْلُ فِيهِ .
فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّ
الْمُؤَذِّنِينَ إذَا كَانُوا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ عَلِمَ النَّاسُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي أَيِّ جُزْئِهِمْ مِنْ اللَّيْلِ وَهَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ أَمْ لَا ؟ كَمَا كَانُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِفُونَ جَوَازَ الْأَكْلِ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَمَنْعَهُ بِأَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّسْحِيرِ ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْمُتَهَجِّدِينَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ إنَّمَا يَنْضَبِطُ بِهِ حَالُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَمَا حَوْلَهُ أَمَّا مَنْ بَعُدَ عَنْهُ فَلَا يَسْمَعُونَ الْمُؤَذِّنِينَ وَلَا يَعْلَمُونَ فِي أَيِّ جُزْئِهِمْ مِنْ اللَّيْلِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَسَاجِدَ قَدْ كَثُرَتْ فَمَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَّا وَبِجَانِبِهِ مَسْجِدٌ أَوْ مَسَاجِدُ فَيُعْمَلُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ أَذَانَانِ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِصَوْتِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَيَكْفِيهِمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالثَّانِي يَدُلَّ عَلَى مَنْعِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا تَابِعِينَ فِي أَذَانِهِمْ لِلْجَامِعِ أَوْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَوْقَاتِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَالْمَسْجِدُ الْجَامِعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مُؤَذِّنُونَ جُمْلَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ فِي التَّسْحِيرِ اعْلَمْ أَنَّ التَّسْحِيرَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ عَوَائِدُ أَهْلِ الْأَقَالِيمِ فَلَوْ كَانَ مِنْ الشَّرْعِ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ عَوَائِدُهُمْ .
أَلَا تَرَى أَنَّ التَّسْحِيرَ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِالْجَامِعِ يَقُولُ الْمُؤَذِّنُونَ تَسَحَّرُوا كُلُوا وَاشْرَبُوا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ ؟ وَيَقْرَءُونَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَيُكَرِّرُونَ ذَلِكَ مِرَارًا عَدِيدَةً ثُمَّ يَسْقُونَ عَلَى زَعْمِهِمْ وَيَقْرَءُونَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } مِنْ قَوْله تَعَالَى { إنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ } إلَى قَوْلِهِ { إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا } وَالْقُرْآنُ الْعَزِيزُ يَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّهَ عَنْ مَوْضِعِ بِدْعَةٍ أَوْ عَلَى مَوْضِعِ بِدْعَةٍ ، ثُمَّ يَقُولُونَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ إنْشَادِ الْقَصَائِدِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُسَحِّرُونَ أَيْضًا بِالطَّبْلَةِ يَطُوفُ بِهَا أَصْحَابُ الْأَرْبَاعِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْبُيُوتِ وَيَضْرِبُونَ عَلَيْهَا هَذَا الَّذِي مَضَتْ عَلَيْهِ عَادَتُهُمْ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ .
وَأَمَّا أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَأَهْلُ الْيَمَنِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ فَيُسَحِّرُونَ بِدَقِّ الْأَبْوَابِ عَلَى أَصْحَابِ الْبُيُوتِ وَيُنَادُونَ عَلَيْهِمْ قُومُوا كُلُوا ، وَهَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الْبِدَعِ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَإِنَّهُمْ يُسَحِّرُونَ بِدَقِّ الطَّارِ وَضَرْبِ الشَّبَّابَةِ وَالْغِنَاءِ وَالْهُنُوكِ وَالرَّقْصِ وَاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَهَذَا شَنِيعٌ جِدًّا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالتِّلَاوَةِ وَالْقِيَامِ قَابَلُوهُ بِضِدِّ الْإِكْرَامِ
وَالِاحْتِرَامِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَأَمَّا بَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ قَرِيبًا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الشَّامِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ وَقْتُ السُّحُورِ عِنْدَهُمْ يَضْرِبُونَ بِالنَّفِيرِ عَلَى الْمَنَارِ وَيُكَرِّرُونَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ بَعْدَهُ يَضْرِبُونَ بِالْأَبْوَاقِ سَبْعًا أَوْ خَمْسًا فَإِذَا قَطَعُوا حُرِّمَ الْأَكْلُ إذْ ذَاكَ عِنْدَهُمْ .
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْهُمْ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَضْرِبُونَ بِالنَّفِيرِ وَالْأَبْوَاقِ فِي الْأَفْرَاحِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَهُمْ وَيَمْشُونَ بِذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ فَإِذَا مَرُّوا عَلَى بَابِ مَسْجِدٍ سَكَتُوا وَأَسْكَتُوا وَيُخَاطِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِقَوْلِهِمْ احْتَرِمُوا بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُفُّونَ حَتَّى يُجَاوِزُونَهُ فَيَرْجِعُونَ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ، ثُمَّ إذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي هُوَ شَهْرُ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ يَأْخُذُونَ فِيهِ النَّفِيرَ وَالْأَبْوَاقَ وَيَصْعَدُونَ بِهَا عَلَى الْمَنَارِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَيُقَابِلُونَهُ بِضِدِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ فِعْلَ التَّسْحِيرِ بِدْعَةٌ بِلَا شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ ، إذْ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَأْثُورَةً لَكَانَتْ عَلَى شَكْلٍ مَعْلُومٍ لَا يَخْتَلِفُ حَالُهَا فِي بَلْدَةٍ دُونَ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ قَدَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا التَّغْيِيرُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ خُصُوصًا كُلٌّ مِنْهُمْ يُغَيِّرُ مَا فِي إقْلِيمِهِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ بِشَرْطِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَفِي بَلَدِهِ .
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَفِي مَسْجِدِهِ .
{ تَنْبِيهٌ } وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَغْتَرَّ أَوْ يَمِيلَ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ بِسَبَبِ مَا مَضَتْ لَهُ مِنْ الْعَوَائِدِ وَتَرَبَّى عَلَيْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ سُمٌّ وَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْ آفَاتِهَا .
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْمَغَارِبَةِ وَكَانَ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي يُسَحِّرُونَ فِيهِ بِالنَّفِيرِ وَالْأَبْوَاقِ لَمَّا
أَنْ سَمِعَ الْمُسَحِّرِينَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ يَقُولُونَ تَسَحَّرُوا كُلُوا وَاشْرَبُوا قَالَ مَا هَذِهِ الْبِدْعَةُ وَأَنْكَرَهَا لِاسْتِئْنَاسِهِ بِمَا تَرَبَّى عَلَيْهِ ، وَمَا تَرَبَّى عَلَيْهِ هُوَ أَكْثَرُ شَنَاعَةً وَقُبْحًا وَأَقْرَبُ إلَى الْمَنْعِ مِمَّا أَنْكَرَهُ هُنَا ، فَالْعَوَائِدُ قَلَّ أَنْ يَظْهَرَ الْحَقُّ مَعَهَا إلَّا بِتَأْبِيدٍ وَتَوْفِيقٍ مِنْ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَلِأَجَلِ الْعَوَائِدِ وَمَا أَلِفَتْ النُّفُوسُ مِنْهَا أَنْكَرَتْ قُرَيْشٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْبَيَانِ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَعِنَادِهِمْ بِقَوْلِهِمْ { إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } { سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } { سِحْرٌ يُؤْثَرُ } .
{ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ } { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا } .
{ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ } .
{ إنْ هِيَ إلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي كَفَرُوا بِهَا بِسَبَبِ مَا تَرَبَّوْا عَلَيْهِ وَنَشَئُوا فِيهِ .
فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ هَذَا السُّمِّ فَإِنَّهُ قَاتِلٌ وَمِلْ مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَكُنْ مُتَيَقِّظًا لِخَلَاصِ مُهْجَتِكَ بِالِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ وَاقْبَلْ نَصِيحَةَ أَخٍ مُشْفِقٍ ، فَإِنَّ الِاتِّبَاعَ أَفْضَلُ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْمَرْءُ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَاَللَّهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاكَ لِمَا يَرْضَاهُ بِمَنِّهِ فَإِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِ .
سُؤَالٌ وَارِدٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ التَّسْحِيرَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُسْتَحَبَّاتِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْبِدَعَ قَدْ قَسَّمَهَا الْعُلَمَاءُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : بِدْعَةٌ وَاجِبَةٌ وَهِيَ مِثْلُ كَتْبِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ فِي صُدُورِهِمْ وَكَشَكْلِ الْمُصْحَفِ وَنَقْطِهِ .
الْبِدْعَةُ الثَّانِيَةُ : بِدْعَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ قَالُوا : مِثْلُ بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَتَنْظِيفِ الطُّرُقِ لِسُلُوكِهَا وَتَهْيِئِ الْجُسُورِ وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
الْبِدْعَةُ الثَّالِثَةُ : وَهِيَ الْمُبَاحَةُ كَالْمُنْخُلِ وَالْأُشْنَانِ وَمَا شَاكَلَهُمَا .
الْبِدْعَةُ الرَّابِعَةُ : وَهِيَ الْمَكْرُوهَةُ مِثْلُ الْأَكْلُ عَلَى الْخُوَانِ وَمَا أَشْبَهَ .
الْبِدْعَةُ الْخَامِسَةُ : وَهِيَ الْمُحَرَّمَةُ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تَنْحَصِرَ .
مِنْهَا مَا أَحْدَثَهُ النِّسَاءُ اللَّاتِي وَصَفَهُنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ { نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا } وَمِمَّا يَقْرَبُ مِنْهُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ طَرِيقًا وَمِنْهَا اتِّخَاذُهَا لِلدُّيُونِ وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَسْأَلَةُ التَّسْحِيرِ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى فِعْلِهَا إذْ إنَّ صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ شَرَعَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ لِلصُّبْحِ دَالًّا عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالثَّانِي دَالًا عَلَى تَحْرِيمِهِمَا فَلَمْ يَبْقَ أَنْ يَكُونَ مَا يُعْمَلُ زِيَادَةً عَلَيْهِمَا إلَّا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ إذَا أَذَّنُوا مَرَّتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ انْضَبَطَتْ الْأَوْقَاتُ وَعُلِمَتْ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْهَى النَّاسُ عَمَّا اعْتَادُوهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْفَوَانِيسِ الَّتِي جَعَلُوهَا عَلَمًا عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مَا دَامَتْ مُعَلَّقَةً مَوْقُودَةً وَعَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ إذَا أَنْزَلُوهَا ، وَذَلِكَ
يُمْنَعُ فِعْلُهُ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعَلِّمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ فَذَكَرُوا أَنْ يُوقِدُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا كَالنَّصَارَى .
وَفِي رِوَايَةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : اتَّخِذُوا قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَذَانِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلُوا وَاحِدًا مِنْهَا إذْ إنَّهَا مِنْ خِصَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالنَّارُ يَعْبُدُهَا الْمَجُوسُ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا بِالصَّوْمِ إذْ إنَّهُ قَدْ تَنْطِفِي فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا يَرَاهَا مَوْقُودَةً أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فَيَتْرُكُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَغَيْرَهُمَا وَقَدْ يَكُونُ مُضْطَرًّا إلَى ذَلِكَ فَيَتَضَرَّرُ فِي صَوْمِهِ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ يَنْسَاهَا مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِهَا مَوْقُودَةً أَوْ يَنَامُ عَنْهَا فَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهَا كَذَلِكَ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَيَتَعَاطَى شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيُفْسِدُ بِهِ صَوْمَهُ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ تَشْتَبِكُ وَلَا يَقْدِرُ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِهَا عَلَى خَلَاصِهَا فَحُكْمُهُ كَالْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى هِيَ أَكْبَرُ مِمَّا قَبْلَهَا وَهِيَ مُخَاطَرَةُ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِهَا بِنَفْسِهِ إذَا اشْتَبَكَتْ وَكَانَتْ مَوْقُودَةً وَحَاوَلَ خَلَاصَهَا فَإِنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ فَيَمُوتُ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
فَصْلٌ فِي التَّذْكَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّذْكَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ بَعْدَهُ مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ بَلْ هُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي أَحْدَثَ التَّغَنِّيَ بِالْأَذَانِ فِي الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بَنَاهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَبِدْعَةُ هَذَا أَصْلُهَا يَتَعَيَّنُ تَرْكُهَا .
سُؤَالٌ وَارِدٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : النَّاسُ مُضْطَرُّونَ إلَى التَّذْكَارِ لِكَيْ يَقُومُوا مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَيَخْرُجُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ فَيَأْتُوا إلَى الْمَسْجِدِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ مَنْ يَأْتِي إلَى الْجُمُعَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْأَذَانُ الْأَوَّلُ الَّذِي فَعَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْفِيهِ سَمَاعُهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَهُوَ لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ الَّذِي لِلتَّذْكَارِ فَيَأْخُذُ لِنَفْسِهِ بِالِاحْتِيَاطِ ، أَلَّا تَرَى أَنَّ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ بِحَسَبِ قُرْبِ مَوَاضِعِهِمْ وَبُعْدِهَا ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَى بَعْضِهِمْ الْإِتْيَانُ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ الزَّوَالِ بِحَسَبِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى مَا أَحْدَثُوهُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الْمَفَاسِدُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا أَعْنِي مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الْجُمُعَةَ ، وَهُمْ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِمْ مِنْهُمْ الْمُصَلِّي وَمِنْهُمْ الذَّاكِرُ وَالتَّالِي وَالْمُتَفَكِّرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَهَذِهِ الْبِدْعَةُ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي الْأَقَالِيمِ لَكِنَّ كُلَّ أَهْلِ إقْلِيمٍ قَدْ اخْتَصُّوا بِعَوَائِدَ كَمَا مَضَى ذَلِكَ فِي التَّسْحِيرِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّذْكَارَ فِي الدِّيَارِ
الْمِصْرِيَّةِ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَفِي الْمَغْرِبِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجْتَمِعُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ فَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عَلَى الْمَنَارِ فَيَقُولُونَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَيَدُورُونَ عَلَيْهِ مِرَارًا وَهُوَ بِدْعَةٌ أَيْضًا .
وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لِوُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى .
الثَّانِي : أَنَّ الْعَامَّةَ تَسْمَعُهُمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَهَا ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ الْعُلَمَاءَ فَتَنْدَرِسُ هَذِهِ السُّنَّةُ بَيْنَهُمْ وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُمْ يُنَادُونَ الْغُسْلَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَذَلِكَ يُمْنَعُ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ وَهُوَ الْغَالِبُ ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ لِجَهْلِهِ وَهُوَ لَا يَسْأَلُ وَيَسْمَعُ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيَتْرُكَ الصَّلَاةَ لِأَجْلِ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : مَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
{ فَصْلٌ } قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْفَجْرِ يَكُونُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَكَذَلِكَ يَكُونُونَ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ فَيُعْلَمُ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ وَهَكَذَا إلَى الْآخِرِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَى آخِرِ أَذَانِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ عَلَى عِلْمٍ مِنْ الْوَقْتِ فَيَتَأَهَّبُونَ لِلصَّلَاةِ بِإِيقَاعِ الطَّهَارَةِ وَالْجُلُوسِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ أَوْ الْجُلُوسِ فِي دَكَاكِينِهِمْ حَتَّى يَسْمَعُوا الْمُؤَذِّنَ الْآخِرَ فَيَتْرُكُوا إذْ ذَاكَ بَيْعَهُمْ وَشِرَاءَهُمْ وَيَهْرَعُونَ لِصَلَاتِهِمْ حَتَّى يَقْضُوهَا .
لَكِنْ زَادَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ هُنَا بِدْعَةً وَهِيَ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ الْآخِرُ الَّذِي يُصَلُّونَ عَلَى آخِرِ أَذَانِهِ يَجْتَمِعُ جَمَاعَةُ الْمُؤَذِّنِينَ فَيُنَادُونَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ رَحِمَكُمْ اللَّهُ وَيَدُورُونَ عَلَى الْمَنَارِ مِرَارًا ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الْعَصْرِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْفَجْرِ اجْتَمَعُوا بِجَمْعِهِمْ وَنَادَوْا أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَيَدُورُونَ عَلَى الْمَنَارِ مِرَارًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ وَلَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، ثُمَّ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ يَتَرَتَّبُونَ جَمَاعَةً فِي الْعَصْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَوَقْتُهَا ضَيِّقٌ لَا يَسَعُ الْمُؤَذِّنِينَ جَمَاعَةً وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَيُؤَذِّنُ لَهَا وَاحِدٌ لَيْسَ إلَّا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ إذَا تَزَاحَمُوا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ وَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمْ الْآخَرَ أَذَّنُوا جَمَاعَةَ كُلٌّ مِنْهُمْ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَمْشِي عَلَى صَوْتِ رَفِيقِهِ وَيَتَرَتَّبُ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْعِشَاءِ كَمَا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ .
فَصْلٌ فِي حِكْمَةِ تَرْتِيبِ الْأَذَانِ اُنْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي الْأَذَانِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ كَيْفَ عَمَّتْ مَنْفَعَتُهُ لِلْأُمَّةِ إذْ إنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَالَ { إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ } وَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ مَنْ حَكَاهُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ فَلَوْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا لَيْسَ إلَّا لَفَاتَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأُمَّةِ إذْ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمُكَلَّفُ قَاعِدًا لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ أَوْ فِي سُوقِهِ مَشْغُولًا لَا يَسْمَعُهُ أَوْ فِي أَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ أَوْ نَوْمِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ جَمَاعَةً يُؤَذِّنُونَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ لَفَاتَتْهُمْ حِكَايَتُهُ ، فَإِذَا أَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيبِ السَّابِقِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَمَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ حِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ أَدْرَكَ الثَّانِي ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَتَنَبَّهُ النَّائِمُ مِنْ نَوْمِهِ فَيَحْكِيهِ وَيَعْلَمُ فِي أَيِّ وَقْتٍ هُوَ مِنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فَتَعُمُّ الْمَنْفَعَةُ لِلْأُمَّةِ .
وَقَدْ وَرَدَ { أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ لَا يُرَدُّ فِيهَا الدُّعَاءُ عِنْدَ اصْطِفَافِ النَّاسِ إلَى الْجِهَادِ وَعِنْدَ اصْطِفَافِهِمْ إلَى الصَّلَاةِ وَعِنْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ وَعِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ } فَإِذَا حَكَى الْمُكَلَّفُ الْمُؤَذِّنَ وَدَعَا بِمَا يَخْتَارُهُ اُسْتُجِيبَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَعْدِ الْجَمِيلِ ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ الْعَجِيبَةِ الْمُبَارَكَةِ مَا نُقِلَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَقَالَ : إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ } ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بَلْ قَالَ الْوَاصِفُ لِصَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
إنَّهُ { كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ إنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ إنَّهُ لَا يَصُومُ ، وَمَا أَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ } .
وَذَلِكَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَوْسِعَةٌ عَلَى الْأُمَّةِ وَأَخْذٌ مِنْهُ بِالْأَفْضَلِ وَالْأَعْلَى .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَامَ يَوْمًا وَأَفْطَرَ يَوْمًا لَفَاتَتْ تِلْكَ الْفَضِيلَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأُمَّةِ مِثْلِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ ، وَعَلَى مَا فَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُدْرِكُ كُلٌّ مِنْهُمْ الْفَضِيلَةَ بِكَمَالِهَا وَذَلِكَ نِصْفُ الدَّهْرِ .
وَمِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا أَخْبَرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ صَلَاةِ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ الْمُكَرَّمَةِ بَلْ قَالَ الْوَاصِفُ لِقِيَامِهِ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لَا تُرِيدُ أَنْ تَرَاهُ فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ قَائِمًا إلَّا رَأَيْتَهُ نَائِمًا وَلَا تُرِيدُ أَنْ تَرَاهُ فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ نَائِمًا إلَّا رَأَيْتَهُ قَائِمًا ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِرِفْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأُمَّتِهِ حَتَّى لَا تَفُوتُهُمْ فَضِيلَةُ اتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَمَنْ نَامَ مِنْهُمْ فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ أَدْرَكَ الْجُزْءَ الْآخَرَ فَسُبْحَانَ مَنْ أَهَّلَهُ لِلرِّفْقِ بِأُمَّتِهِ وَرَفْعِ الْمَشَاقِّ عَنْهُمْ وَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ ، كَيْفَ لَا وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي صِفَتِهِ مَعَهُمْ : بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أُمَّتِهِ بِحُرْمَتِهِ عِنْدَكَ لَا رَبَّ سِوَاكَ .
{ فَصْلٌ } وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ وُقُوفِهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَقَوْلِهِمْ الصَّلَاةَ رَحِمكُمْ اللَّهُ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَعْهُودَةِ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ قَدْ شَرَعَ لِلْمُكَلَّفِ حُضُورَ الصَّلَاةِ بِسَمَاعِهِ الْأَذَانَ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ .
هَذَا وَجْهٌ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَقِيَ الْأَذَانُ الشَّرْعِيُّ كَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ النَّاسَ إذَا عَهِدُوا ذَلِكَ يَتَّكِلُونَ عَلَى وُقُوفِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَعَلَى قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْغَالِبُ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا الْأَذَانَ الشَّرْعِيَّ لَمْ يَهْرَعُوا إلَى الْمَسْجِدِ لِاتِّكَالِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْحَدِيثِ فِي الدِّينِ .
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَارًّا فِي طَرِيقٍ بِالْبَصْرَةِ فَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ فَدَخَلَ إلَى الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ الْفَرْضَ فَرَكَعَ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي أَثْنَاءِ الرُّكُوعِ ، وَإِذَا بِالْمُؤَذِّنِ قَدْ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ رَحِمَكُمْ اللَّهُ ، فَفَرَغَ مِنْ رُكُوعِهِ وَأَخَذَ نَعْلَيْهِ وَخَرَجَ وَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ فِيهِ بِدْعَةٌ .
{ فَصْلٌ } وَكَذَلِكَ يَنْهَاهُمْ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ قِرَاءَةِ { إنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى } وقَوْله تَعَالَى { قُلْ اُدْعُوا اللَّهَ أَوْ اُدْعُوا الرَّحْمَنَ } عِنْدَ إرَادَتِهِمْ الْأَذَانَ لِلْفَجْرِ وَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كُلُّهَا بَرَكَةً وَخَيْرًا لَكِنْ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَضَعَ الْعِبَادَاتِ إلَّا حَيْثُ وَضَعَهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
فَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ النِّدَاءِ عَلَى الْغَائِبِ بِمَا لَا يَنْبَغِي وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ النِّدَاءِ عَلَى الْغَائِبِ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي فِيهَا التَّزْكِيَةُ وَالتَّعْظِيمُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تُزَكُّوا عَلَى اللَّهِ أَحَدًا } وَالْمَيْتُ مُضْطَرٌّ إلَى الدُّعَاءِ وَالتَّزْكِيَةُ ضِدُّ مَا هُوَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ إذْ إنَّهَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِعَذَابِهِ أَوْ تَوْبِيخِهِ فَيُقَالُ لَهُ أَهَكَذَا كُنْت وَقَدْ وَقَعَ هَذَا مِنْهُمْ كَثِيرًا فِي مَنَامَاتٍ رُئِيَتْ لَهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ الصَّلَاةُ عَلَى الرَّجُلِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الصَّالِحِ الْعَابِدِ الْوَرِعِ الزَّاهِدِ النَّاسِكِ الْحَاجِّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الزَّائِرِ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلَانِ الدِّينِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَعْهُودَةِ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّنَا لَا نُنْكِرُ مَذْهَبَهُ بَلْ نُنْكِرُ مَا أَنْكَرَهُ الشَّارِعُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مِنْ التَّزْكِيَةِ الْمَذْكُورَةِ .
فَلَوْ قَالَ الْمُؤَذِّنُ مَثَلًا الصَّلَاةَ عَلَى الْعَبْدِ الْفَقِيرِ إلَى اللَّهِ النَّازِلِ بِفِنَائِهِ الْمُضْطَرِّ إلَى رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ فُلَانٍ بِاسْمِهِ الشَّرْعِيِّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْكَرُ وَلَا يُكْرَهُ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ يُخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَعْيًا لِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تُؤَذِّنُوا بِي أَحَدًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا وَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ .
فَصْلٌ فِي النَّهْي عَنْ مَشْيِ الْمُؤَذِّنِينَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ مَشْيِهِمْ أَمَامَ الْجَنَائِزِ وَرَفْعِهِمْ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ أَمَامَ الْجَنَائِزِ بِدْعَةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَهَا وَالٍ مِنْ الْوُلَاةِ قَرِيبُ الْعَهْدِ جِدًّا أَحْدَثَهَا عَلَى جِنَازَةٍ كَانَتْ لَهُ ، ثُمَّ سَرَى ذَلِكَ إلَى أَنْ فَعَلَهُ بَعْضُ مَنْ لَهُ الرِّيَاسَةُ فِي الدَّوْلَةِ ثُمَّ انْتَشَرَ ذَلِكَ وَشَاعَ حَتَّى صَارَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مَا قَامَ بِحَقِّ مَيِّتِهِ ، وَيَا لَيْتَهُ لَوْ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْحَدِّ لَكِنْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّهُمْ فِي طَاعَةٍ وَخَيْرٍ وَبَرَكَةٍ ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى ضِدِّ مَا يَظُنُّونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَكُونُ مُتَّصِفًا بِالدِّيَانَةِ وَالْأَمَانَةِ وَمَنْ اتَّصَفَ بِالْبِدْعَةِ فَقَدْ تَعَذَّرَ وَصْفُهُ بِذَلِكَ .
فَصْلٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَوْ الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى نَهْيِ النَّاسِ عَمَّا أَحْدَثُوهُ حِينَ عَقْدِ الْأَنْكِحَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ إتْيَانِهِمْ بِالْمَبَاخِرِ الْمُفَضَّضَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي بَيْتٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الْبَخُورِ وَالطِّيبِ مَنْدُوبًا إلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّ الصَّدَقَةَ بِثَمَنِ ذَلِكَ أَفْضَلُ ، وَلَكِنْ يُمْنَعُ لِأَجْلِ ظَرْفِهِ لِأَنَّهُ مُفَضَّضٌ .
وَأَمَّا فَرْشُ الْبُسُطِ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَلَوْ كَانَتْ فِي الْبُيُوتِ لَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقْصَدَ بِفَرْشِهَا الْمُبَاهَاةُ وَمَا شَاكَلَهَا وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَابِ الْجَهَالَةِ ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْفَاعِلُ لِهَذَا مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَتَلَبَّسُوا بِالْعِلْمِ وَلَا يَسْأَلُوا عَمَّا وَقَعَ لَهُمْ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْعِلْمَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْغَفْلَةِ عَنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَمَّا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ فِي دِينِهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّشَبُّهِ بِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالرُّعُونَةِ ، ثُمَّ يَنْضَمُّ إلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَسْجِدِ مَا يُنَزَّهْ عَنْهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَةَ وَالتَّعْظِيمَ لَوْ كَانَتْ فِي الشَّخْصِ أَوْ الْكَذِبِ إنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ .
وَكَذَلِكَ مَا يَقَعُ مِنْهُمْ مِنْ التَّمَلُّقِ وَالْأَيْمَانِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْأَيْمَانَ إذَا كَثُرَتْ فَإِنَّ الْحِنْثَ فِيهَا وَاقِعٌ فَيَحْذَرُ مِنْ أَنْ يُسَامِحَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
فَصْلٌ فِي تَهَيُّئِ الْإِمَامِ لِلْجُمُعَةِ وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ خُصُوصًا الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ نَظِيفًا فِي نَفْسِهِ لِوُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قُدْوَةٌ لِلْمُقْتَدِينَ فَقَدْ يَرَاهُ أَحَدٌ حِينَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِالْوُضُوءِ وَحْدَهُ أَوْ يَسْمَعُ عَنْهُ ذَلِكَ فَيَقْتَدِي بِهِ فِي تَرْكِ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْإِمَامَ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَكُونَ أَكْمَلَهُمْ حَالًا وَمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ غُسْلٍ فَهُوَ أَنْقُصُ حَالًا مِمَّنْ اغْتَسَلَ .
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَجَنَّبَهَا فِي نَفْسِهِ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ أَحْسَنَ لِبَاسِ النَّاسِ الْبَيَاضُ .
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { خَيْرُ لِبَاسِكُمْ الْبَيَاضُ } فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُبَادِرَ إلَيْهِ قَبْلَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ قُدْوَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمِنْ أَفْضَلِ مَا يُلْبَسُ الْبَيَاضُ ، وَلُبْسُ السَّوَادِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ وَلَا مِنْ الْفَضَائِلِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى لَابِسِهِ انْتَهَى .
فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ جَدِيدًا فَلْيَمْتَثِلْ السُّنَّةَ حِينَ لُبْسِهِ بِأَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ يَقُولُ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ لُبْسِهِ الثَّوْبَ الْجَدِيدَ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ { اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَ هَذَا الثَّوْبِ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ } ثُمَّ يَقُولُ { اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لِي عَوْنًا عَلَى طَاعَتِك } وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى الثَّوْبَ الْجَدِيدَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ تُبْلَى وَيُخْلِفُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهِ { تُبْلَى وَيُخْلِفُ اللَّهُ } .
وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ إمَّا قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً } زَادَ التِّرْمِذِيُّ { أَوْ رِدَاءً ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ أَسْأَلُك خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ } قَالَ أَبُو بَصْرَةَ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ تُبْلَى وَيُخْلِفُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَمِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ
وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ } وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَدِيدٍ فَالتَّسْمِيَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا عِنْدَ لُبْسِهِ وَعِنْدَ خَلْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَالِبُ لِبَاسِهِ الْبَيَاضَ سِيَّمَا لِلْخُطْبَةِ وَإِنْ كَانَ لُبْسُ السَّوَادِ جَائِزًا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَهُ وَخَطَبَ فِيهِ لَكِنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى لُبْسِهِ لِلْإِمَامِ لِلْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهِ بِدْعَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْبِسَ الْبَيَاضَ وَلَوْ كَانَ يَوْمًا مَا حَتَّى يَخْرُجَ بِذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ مَا لَمْ يُؤَدِّ لُبْسُ الْبَيَاضِ إلَى تَوَقُّعِ فِتْنَةٍ أَوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ .
وَكَذَلِكَ الرَّئِيسُ يَتَجَنَّبُ مَا يَتَجَنَّبُهُ الْإِمَامُ .
وَكَذَلِكَ يَتَحَفَّظُ مِنْ غَرْزِ الْإِبَرِ فِيمَا يَتَطَيْلَسُ بِهِ أَوْ يَتَعَمَّمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ اللِّبَاسِ .
وَكَذَلِكَ لَا يَلْبِسُ الْخُفَّيْنِ وَإِنْ كَانَ لُبْسُهُمَا جَائِزًا سَفَرًا وَحَضَرًا لَكِنَّ لُبْسَهُمَا لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ أَيْضًا .
وَكَذَلِكَ يُتَحَفَّظُ مِنْ جَعْلِ الْأَعْلَامِ السُّودِ عَلَى الْمِنْبَرِ حَالَ الْخُطْبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ أَيْضًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَوَقَّعَ الْفِتْنَةَ بِزَوَالِهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي خُرُوجِ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ الْخُطَبَاءِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَالسَّلَامُ مَشْرُوعٌ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَكَيْفَ يَتْرُكُهَا الْإِمَامُ وَهُوَ قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِ فَيُخَالِفُ السُّنَّةَ فِي أَوَّلِ دُخُولِهِ لِبَيْتِ رَبِّهِ وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِهِ وَلَا بِمَنْصِبِهِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي نَفْسِهِ حِينَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ فَيَفْعَلُ الْآدَابَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا لِأَنَّهُ قُدْوَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مَرَّةً لَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِ .
{ فَصْلٌ } وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ الْمُؤَذِّنُونَ إذْ ذَاكَ وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَرِّرُ مِنْ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى يَصِلُ إلَى الْمِنْبَرِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ .
فَصْلٌ فِي صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ السَّيْفَ أَوْ الْعَصَا أَوْ غَيْرَهُمَا بِيَدِهِ الْيُمْنَى إذْ إنَّهَا السُّنَّةُ ، وَلِأَنَّ تَنَاوُلَ الطَّهَارَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْيَمِينِ وَالْمُسْتَقْذِرَات بِالشِّمَالِ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ قَالَ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْيَسَارِ لِكَوْنِهِ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فِي مُنَاوَلَتِهِ إذَا أَرَادَ أَحَدٌ اغْتِيَالَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْغِيلَةَ وَهَذَا مَأْمُونٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْغَالِبِ إذْ إنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْإِمَارَةِ فِي الْغَالِبِ حَتَّى يَغْتَالَهُ أَحَدٌ .
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ صُعُودِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُقَدِّمَ الْيَمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيَحْذَرَ أَنْ يَضْرِبَ بِمَا فِي يَدِهِ عَلَى دَرَجِ الْمِنْبَرِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمِنْبَرَ وَقْفٌ وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ مِمَّا يَضُرُّ بِهِ وَيَخْلُقُهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِجَوَازِهِ لَكِنَّهُ مَحْجُوجٌ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الِاتِّبَاعِ .
وَكَذَلِكَ يَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَنْ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عِنْدَ كُلِّ ضَرْبَةٍ يَضْرِبُهَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ أَيْضًا وَلَا يُطَوِّلُ عَلَى النَّاسِ فِي رُقِيِّهِ الْمِنْبَرِ إلَّا لِضَرُورَةِ مِنْ كِبَرِ سِنٍّ أَوْ ضَعْفِ بَدَنٍ ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْطُبُ عَلَيْهِ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّاسِ وَجَلَسَ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَكِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ إذْ ذَاكَ وَبَعْضُهُمْ يُسَلِّمُ وَيَزِيدُ فِيهِ بِدْعَةً وَهُوَ أَنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ إلَى النَّاسِ وَلَا يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ لِيَدْعُوَ إذْ ذَاكَ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ عَدُّوا ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ .
فَصْلٌ فِي فَرْشِ السَّجَّادَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَفْرِشَ السَّجَّادَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ إذْ إنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِدْعَةً وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ صَلَاةٍ .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ مَا يُفْرَشُ عَلَى دَرَجِ الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّرَفُّهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى فَهُوَ بِدْعَةٌ أَيْضًا .
وَيَنْهَى الرَّئِيسَ عَمَّا أَحْدَثَهُ مِنْ نِدَائِهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْخَطِيبِ الْخُطْبَةَ بِقَوْلِهِ لِلنَّاسِ أَيُّهَا النَّاسُ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ } أَنْصِتُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ انْتَهَى .
وَالْعَجَبُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْذَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيَسْتَحْسِنُونَ هَذَا الْفِعْلَ وَيَحْتَجُّونَ عَلَى صِحَّتِهِ بِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ وَعَادَتِهِمْ الْمُسْتَمِرَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ يَنْهَاهُمْ أَيْضًا عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ صُعُودِ الرَّئِيسِ عَلَى الْمِنْبَرِ مَعَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ يَجْلِسُ دُونَهُ وَذَلِكَ يُمْنَعُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الرَّئِيسَ بِهَذَا الْفِعْلِ يُخَالِفُ السُّنَّةَ فِي اسْتِقْبَالِهِ لِلْخَطِيبِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَرَمَقِهِ بِعَيْنَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْتَدْبِرٌ لَهُ إذْ ذَلِكَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ مَضَى جَلَسَ مَعَ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ .
وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِنَصِّ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ يَأْمُرُهُمْ بِالْإِنْصَاتِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ أَنْصِتُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ ثُمَّ يَفْعَلُ ضِدَّ ذَلِكَ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَلَامِ فَيَتَكَلَّمُ وَيَسْتَدْعِي الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ آمِينَ اللَّهُمَّ آمِينَ غَفَرَ اللَّهُ لِمَنْ يَقُولُ آمِينَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ يَقُولُ إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْخَطِيبَ إذَا ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ السَّامِعُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ هُوَ أَنْ يُسْمِعَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ عَلَى مَا يُعْهَدُ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ فِي جَهْرِهِمْ فِي مَوَاضِعِ الْجَهْرِ لَا عَلَى مَا يُعْهَدُ مِنْ زَعَقَاتِ الْمُؤَذِّنِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ ،
وَحَالُ الْخُطْبَةِ حَالُ خُشُوعٍ وَحُضُورٍ إذْ إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ أَعْنِي الْإِنْصَاتَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ .
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْخَطِيبَ إذَا ذَكَرَ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ أَوْ ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ السَّامِعَ يَسْأَلُ وَيَسْتَعِيذُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِذَلِكَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ .
زَادَ أَشْهَبُ أَنَّ الْإِنْصَاتَ أَفْضَلُ لَهُ فَإِنْ فَعَلَ فَسِرًّا فِي نَفْسِهِ وَلَوْ عَطَسَ فَيَحْمَدُ اللَّهَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ وَمَنْ سَمِعَهُ فَلَا يُشَمِّتْهُ ، فَإِنْ جَهِلَ فَشَمَّتَهُ فَلَا يَرُدَّ عَلَيْهِ ، وَالْإِنْصَاتُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ عَلَى مَنْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا وَعَلَى مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَهُ مِمَّنْ يَنْتَظِرُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْإِنْصَاتَ يَجِبُ عَلَى أَرْبَعِينَ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَالْإِنْصَاتُ مَنْدُوبٌ فِي حَقِّهِمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْفَاضِلِ يَقْبَحُ سِيَّمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ بَدَلٌ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَفِعْلُ السَّلَفِ أَوْلَى مَا يُبَادَرُ إلَيْهِ كَانَ الْفِعْلُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا وَقَدْ كَانُوا جَمِيعًا مُنْصِتِينَ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى فِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ سَمِعَ رَجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ فَحَصَبَهُمَا أَنْ اُصْمُتَا قَالَ لِأَنَّ حَصْبَهُمَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَهُمَا اُسْكُتَا فَإِذَا كَانَ عَمَلُ السَّلَفِ عَلَى هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فَالْمُبَادَرَةُ إلَى اتِّبَاعِهِمْ أَفْضَلُ وَأَعْلَى كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُمْ عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَ التَّقْعِيرَ فِي خُطْبَتِهِ
وَالتَّصَنُّعَ فِيهَا .
وَكَذَلِكَ يَجْتَنِبُ تَطْوِيلَ الْخُطْبَةِ وَتَقْصِيرَ الصَّلَاةِ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { أَنْتُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ وَيُقَصِّرُونَ الْخُطْبَةَ يَبْدَءُونَ فِيهِ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ وَيُقَصِّرُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ يَبْدَءُونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ } فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِمَا وَرَدَ أَنَّ طُولَ الصَّلَاةِ وَقِصَرَ الْخُطْبَةِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ فَلْيُتَحَفَّظْ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْأُصُولِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ .
وَأَمَّا تَرَضِّي الْخَطِيبِ فِي خُطْبَتِهِ عَنْ الْخُلَفَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ وَبَاقِي الصَّحَابَةِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَعِتْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ لَا مِنْ بَابِ الْبِدْعَةِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَكِنْ فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَمْرٍ كَانَ وَقَعَ قَبْلَهُ وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ بَنِي أُمَيَّةَ كَانُوا يَسُبُّونَ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ عَلَى الْمَنَابِرِ فِي خُطْبَتِهِمْ ، فَلَمَّا أَنْ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبْدَلَ مَكَانَ ذَلِكَ التَّرَضِّي عَنْهُمْ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَقِّهِ هُوَ إمَامُ هُدًى وَأَنَا أَقْتَدِي بِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى حَالِ خُشُوعٍ وَتَضَرُّعٍ لِأَنَّهُ يَعِظُ النَّاسَ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَوْعِظَةِ حُصُولُ الْخُشُوعِ وَالرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ وَالْخَوْفِ مِمَّا أَوْعَدَ بِهِ وَقُوَّةِ الرَّجَاءِ فِيمَا وَعَدَ بِهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَإِذَا كَانَ الْخَطِيبُ مُسْتَعْمِلًا فِي نَفْسِهِ مَا ذَكَرَ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى قَبُولِ مَا يُلْقِيهِ إلَى السَّامِعِينَ لِاتِّصَافِهِ بِمَا اتَّصَفَ بِهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْمُؤَذِّنِ إذَا أَذَّنَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ لِيُبَادِرَ لَفِعْلِ مَا نَادَى إلَيْهِ أَوَّلًا فَيَكُونَ أَدْعَى إلَى صَدْعِ الْقُلُوبِ لِأَنَّ الْعِلْمَ إذَا خَرَجَ مِنْ عَامِلٍ تَشَبَّثَ بِالْقُلُوبِ وَإِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ انْسَابَ عَنْ الْقُلُوبِ عَلَى مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَتَجَنَّبُ فِي خُطْبَتِهِ التَّصَنُّعَ لِأَنَّ التَّصَنُّعَ إذَا وَقَعَ فَهُوَ الدَّاءُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ فِي الْغَالِبِ إذْ إنَّهُ يُشْبِهُ النِّفَاقَ بَلْ هُوَ النِّفَاقُ بِعَيْنِهِ إذْ إنَّ مَعْنَى النِّفَاقِ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
فَصْلٌ فِي إسْلَامِ الْكَافِرِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ وَهِيَ أَنَّ الْكَافِرَ يَأْتِي إلَى الْخَطِيبِ فَيُسْلِمُ عَلَى يَدَيْهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يَعُودُ وَيَأْتِي ثَانِيًا وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَيَقْطَعُ الْخَطِيبُ الْخُطْبَةَ بِسَبَبِهِ وَتَقَعُ ضَجَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا وَهُوَ وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ تَرْتِيبَ الْخُطْبَةِ لِأَجْلِ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلُ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي أَنَّهُ يُجَدِّدُ الْإِسْلَامَ إذْ ذَاكَ لِيَشْتَهِرَ إسْلَامُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْرِفُوهُ بِذَلِكَ حَتَّى لَا يَعُودَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إسْلَامِهِ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ إسْلَامِهِ جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ وَعَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ مِنْهُمْ فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ الْآنَ أَسْلَمَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْخَطِيبِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَيَأْمُرَ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَغْتَسِلَ إنْ كَانَ جُنُبًا وَلَوْ لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ جَنَابَةٌ فِي حَالِ كُفْرِهِ فَيَغْتَسِلُ لِلْإِسْلَامِ فَإِنْ تَرَكَ الْغُسْلَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ فَالْوُضُوءُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِيُصَلِّيَ بِهِ الْجُمُعَةَ .
{ فَصْلٌ } فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَدُعَائِهِ فِيهَا فَلْيَخْتِمْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ أَوْ بِقَوْلِهِ { اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ } أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ فَلْيُقِمْ الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ فَإِذَا دَخَلَ الْمِحْرَابَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَا هُنَاكَ مِنْ الْحَصِيرِ وَيَتْرُكَ السَّجَّادَةَ إذْ إنَّ اتِّخَاذَهَا لِلصَّلَاةِ بِدْعَةٌ إلَّا لِضَرُورَةِ التَّحَفُّظِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذْ إنَّ الْمِحْرَابَ لَهُ هَيْبَةٌ وَلَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ فِي الْغَالِبِ سِيَّمَا الصِّبْيَانُ الصِّغَارُ وَمَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَقْرَبُونَ مَوْضِعَهُ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَالْإِمَامُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَسْجُدَ عَلَى حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ السُّنَّةُ وَلَمَّا أَدَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى الْحُصُرِ الْمَفْرُوشَةِ هُنَاكَ فُعِلَتْ .
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُبَاشِرُ الْأَرْضَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ لَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ كَانَ حَالُ أَكْثَرِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَدْعُو ضَرُورَةٌ إلَى ذَلِكَ فَأَرْبَابُ الضَّرُورَاتِ لَهُمْ أَحْكَامٌ أُخَرُ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ .
فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا فِي الْمِحْرَابِ فَالسُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْ الْمَأْمُومِينَ .
وَقَدْ كَانَ الْأَمَامُ مِنْ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقْرُبُ أَنْ تَمَسَّ ثِيَابُهُ ثِيَابَ الْمَأْمُومِينَ .
وَقَدْ قَالُوا إنَّ مِنْ فِقْهِ الْإِمَامِ قُرْبُهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَذَلِكَ لِفَوَائِدَ ذَكَرُوهَا .
مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ مَا يُوجِبُ خُرُوجَهُ مِنْهَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى كَلَامٍ وَلَا إلَى كَثِيرِ عَمَلٍ فِي
الِاسْتِخْلَافِ بَلْ يَمُدُّ يَدُهُ إلَى مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ فَيُقَدِّمُهُ .
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَسْهُو فِي صَلَاتِهِ فَيُسَبِّحُونَ لَهُ فَلَا يَسْمَعُهُمْ فَإِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ فِي الْغَالِبِ وَتَدَارَكُوا مُلَاقَاةَ ذَلِكَ بِمَسِّهِمْ لَهُ وَتَنْبِيهِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ فَيَتَدَارَكُ إصْلَاحَ مَا أَخَلَّ بِهِ .
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا فَإِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ أَدْرَكُوهَا فَنَبَّهُوهُ عَلَيْهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِحْرَابٌ وَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ لَكِنَّهَا بِدْعَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ إذَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ لَا يَعْرِفُونَ الْقِبْلَةَ إلَّا بِالْمِحْرَابِ فَصَارَتْ مُتَعَيِّنَةً .
لَكِنْ يَكُونُ الْمِحْرَابُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَهُمْ قَدْ زَادُوا فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً ، وَالْغَالِبُ مِنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ دَاخِلَ الْمِحْرَابِ حَتَّى يَصِيرُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلَى بُعْدٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ .
ثُمَّ إنَّهُ يُخْرِجُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ مِنْ الْفَضِيلَةِ الْكَامِلَةِ لِأَنَّ بَاقِيَ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْهُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَالُوا فِيمَنْ اُضْطُرَّ إلَى النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يَنَامُ فِي مِحْرَابِهِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ بَاقِي الْمَسْجِدِ بَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ لَمْ يَضِقْ بِالنَّاسِ فَلَا يَدْخُلُ الْإِمَامُ إلَى الْمِحْرَابِ ، فَإِنْ ضَاقَ بِهِمْ فَلْيَدْخُلْ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ يُمْسِكْ بِوُقُوفِهِ خَارِجًا عَنْهُ مَوْضِعَ صَفٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ قَدْ يَسَعُ خَلْقًا كَثِيرًا .
وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْأُخْرَى الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يَعْتَنُونَ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَقُولُ اسْتَوُوا يَرْحَمْكُمْ اللَّهُ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ شِمَالِهِ وَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ الرَّئِيسُ أَوْ أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ كَبِّرْ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّا وَعَنْك هَذَا فِعْلُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّفِّ خَلَلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَلَوْ كَانَ ثَمَّ خَلَلٌ لَمْ يَسُدَّهُ أَحَدٌ بِقَوْلِهِ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ كَانَ الْأَئِمَّةُ مِنْ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُوَكِّلُونَ الرِّجَالَ بِتَسْوِيَتِهَا .
مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ لَا يُكَبِّرُونَ حَتَّى يَأْتِي مَنْ وَكَّلُوهُمْ بِذَلِكَ فَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّهَا قَدْ اسْتَوَتْ فَيُكَبِّرُونَ إذْ ذَاكَ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } وَقَدْ نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَتْ تَنْقَطِعُ مِنْ جِهَةِ الْمَنَاكِبِ أَوَّلًا لِشِدَّةِ تَرَاصِّهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ وَهَذِهِ السَّجَّادَاتُ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ضَرُورَةً لِأَنَّهَا تُبْسَطُ عَلَى مَوْضِعٍ فِي الْمَسْجِدِ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ صَاحِبُهَا فِي قِيَامِهِ وَسُجُودِهِ اللَّهُمَّ إلًّا أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ مَنْ بِجَانِبِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ مَعَهُ عَلَيْهَا فَيَخْرُجُ عَنْ بَابِ الْكَرَاهَةِ لَكِنْ يَدْخُلُ عَلَى صَاحِبِهَا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَنْ يُصَلِّي إلَى جَانِبِهِ مُتَوَرِّعًا أَوْ فِي كَسْبِ صَاحِبِهَا عِلَّةُ شُبْهَةٍ أَوْ حَرَامٌ ، وَقَدْ يَكُونُ كَسْبُهُ حَلَالًا لَكِنْ يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ تَخْرِيجُهُ مِنْ دُخُولِ الْمِنَّةِ عَلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يُفْعَلُ لِأَنَّهُ يَأْتِي إلَى فِعْلٍ مَنْدُوبٍ وَهُوَ التَّرَاصُّ فِي الصَّفِّ فَيَقَعُ فِي مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ
فَصْلٌ فِي دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا اسْتَوَتْ الصُّفُوفُ فَلْيَنْوِ إذْ ذَاكَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ بِقَلْبِهِ وَلَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ وَلَا يَجْهَرْ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّ الْجَهْرَ بِهَا مِنْ الْبِدَعِ .
وَاخْتُلِفَ فِي النُّطْقِ بِاللِّسَانِ هَلْ هُوَ بِدْعَةٌ أَوْ كَمَالٌ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كَمَالٌ لِأَنَّهُ أَتَى بِالنِّيَّةِ فِي مَحَلِّهَا وَهُوَ الْقَلْبُ وَنَطَقَ بِهَا اللِّسَانُ وَذَلِكَ زِيَادَةُ كَمَالٍ هَذَا مَا لَمْ يَجْهَرْ بِهَا .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ النُّطْقَ بِاللِّسَانِ مَكْرُوهٌ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ يَرَى أَنَّ النُّطْقَ بِهَا بِدْعَةٌ إذْ لَمْ يَأْتِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَا يُخْشَى أَنَّهُ إذَا نَطَقَ بِهَا بِلِسَانِهِ قَدْ يَسْهُو عَنْهَا بِقَلْبِهِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ أَتَى بِالنِّيَّةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا .
أَلَا تَرَى أَنَّ مَحَّلَ الْقِرَاءَةِ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ ، فَلَوْ قَرَأَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا لِسَانُهُ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَنْوِهَا بِقَلْبِهِ .
وَمِنْ صِفَةِ النِّيَّةِ عَلَى الْكَمَالِ أَنْ يَنْوِيَ بِصَلَاتِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا وَذَلِكَ يَحْتَوِي عَلَى خَمْسِ نِيَّاتٍ وَهِيَ نِيَّةُ الْأَدَاءِ وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَنِيَّةُ الْفَرْضِ وَتَعْيِينُ الصَّلَاةِ وَإِحْضَارُ الْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الْأَيَّامِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَنْوِيَ الِائْتِمَامَ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ مَأْمُومٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطُلَتْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ إلَّا فِي كُلِّ صَلَاةٍ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ وَهِيَ خَمْسٌ ، وَذَلِكَ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالثَّانِيَةُ
الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَالثَّالِثَةُ الْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ وَالرَّابِعَةُ صَلَاةُ الْخَوْفِ وَالْخَامِسَةُ الْمَأْمُومُ الْمُسْتَخْلَفُ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ لَكِنْ إنْ نَوَاهَا كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا وَأَكْثَرَ ثَوَابًا مِمَّنْ لَمْ يَنْوِهَا .
ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ الْقِرَاءَةَ فَيَقْرَأُ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهَا فَقِيلَ إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ .
وَقِيلَ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى .
وَقِيلَ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ .
وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِيهَا إلَّا سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا يَقْرَأُ الْمَسْبُوقُ بِرَكْعَةٍ فِي الْجُمُعَةِ فَقَالَ يَقْرَأُ مِثْلَ مَا قَرَأَ إمَامُهُ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ ، فَقِيلَ لَهُ أَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ قَالَ لَا أَدْرِي مَا هِيَ سُنَّةٌ وَلَكِنَّ مَنْ أَدْرَكْنَا كَانَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ انْتَهَى ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِ { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } وَفِي الثَّانِيَةِ بِ { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } لَكِنَّ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْهَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ ، وَبَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَقْرَأُ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِآخِرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ } إلَى آخِرِهَا وَفِي الثَّانِيَةِ بِآخِرِ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ } إلَى آخِرِهَا .
وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَإِطَالَةِ الْخُطْبَةِ وَمَا كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقْرَءُونَ إلَّا سُورَةً كَامِلَةً بَعْدَ أُمِّ
الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَجَازَ الِاقْتِصَارَ عَلَى قِرَاءَةِ بَعْضَ السُّورَةِ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْجَوَازِ وَالْمَنْدُوبِ ، وَالْأَفْضَلُ وَالِاتِّبَاعُ قِرَاءَةُ سُورَةٍ كَامِلَةٍ
{ فَصْلٌ } وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ لَا يُجْهَرُ بِهَا فَهُوَ عَامٌّ فِي الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْفَذِّ فَالْجَهْرُ بِهَا بِدْعَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ إذْ إنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْخُلَفَاءَ وَلَا الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ جَهَرُوا بِهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَهْرُ بِهَا بِدْعَةٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى الْمَأْمُومِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ قِرَاءَتِهِمْ بِالْجَهْرِ بِإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ حِينَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ إيَّاهَا فَيُحَذِّرُ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْجَهْرِ خَلْفَهُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافَ السُّنَّةِ وَفِيهِ التَّشْوِيشُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يَقْرَبُ مِنْهُ .
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ } وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ وَهَذِهِ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ جَهْرِيَّةً وَقَرَأَ الْمَأْمُومُ أُمَّ الْقُرْآنِ خَلْفَهُ فَلَا يَجْهَرْ بِهَا .
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّ فِي الْجَهْرِ بِهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَتْرُكُ سُنَّةَ الْإِسْرَارِ فِي الصَّلَاةِ .
وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ يَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسْمِعُهُمْ الْآيَةَ أَحْيَانَا إذْ إنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْإِمَامِ مَعَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِكَيْ يُعْلِمَ النَّاسَ الْحُكْمَ فِي صَلَاةِ السِّرِّ أَنَّهُ يُقْرَأُ فِيهَا بِسُورَةٍ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى لَا يَجِدَ أَحَدٌ السَّبِيلَ إلَى أَنْ يَقُولَ كَانَ يُسَبِّحُ أَوْ يَدْعُو أَوْ يُفَكِّرُ فَكَانَ جَهْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْآيَةِ أَحْيَانَا لِهَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَيَنْبَغِيَ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَجْهَرَ بِالتَّسْبِيحِ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ وَلَا يَجْهَرَ بِالدُّعَاءِ فِي مَوْضِعِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ عَقِبَهَا وَمَا يَفْعَلُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيَحْمِلُ الْمَأْمُومِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ ، وَالْجَهْرُ بِذَلِكَ بِدْعَةٌ إذْ إنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً فَسَلَّمَ مِنْهَا وَبَسَطَ يَدَيْهِ وَدَعَا وَأَمَّنَ الْمَأْمُومُونَ عَلَى دُعَائِهِ .
وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَكَذَلِكَ بَاقِي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَشَيْءٌ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَكَذَلِكَ لَا يَمْسَحْ صَدْرَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا مِمَّا شُرِعَ فِيهِ الْقُنُوتُ أَوْ الدُّعَاءُ لِمَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ إذْ إنَّهُ بِدْعَةٌ .
وَكَذَلِكَ يَنْهَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ إذْ إنَّهُ بِدْعَةٌ .
وَكَذَلِكَ لَا يَجْهَرْ بِالدُّعَاءِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ السَّلَامِ وَيَنْهَى غَيْرَهُ عَنْ فِعْلِهِ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ .
وَالْأَصْلُ الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ الْخُشُوعُ وَالْحُضُورُ فِيهَا فَيُمَثِّلُ نَفْسَهُ أَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ يُخَاطِبُهُ وَيُنَاجِيهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْقِرَاءَةِ فَهُوَ يَسْمَعُ كَلَامَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا مِنْ دُعَاءٍ أَوْ ذِكْرٍ فَهُوَ يُنَاجِي مَوْلَاهُ بِدُعَائِهِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَوْلَى الْعَلِيمُ يَسْمَعُهُ إذْ إنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ أَعْنِي بِالْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ فَتَخْشَعُ جَوَارِحُهُ كُلُّهَا انْقِيَادًا مِنْهَا لِمَا حَصَلَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخُشُوعِ ، وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ خُشُوعِ جَوَارِحِهِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْجَوَارِحِ
الْبَاطِنَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْخُطْبَةِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَوْلَى .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ تُرْفَعُ عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ الْإِمَامُ إذْ إنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَهُمْ وَبِحُصُولِ هَذِهِ الصِّفَةِ تَزْكُو صَلَاتُهُ وَيَعُودُ مِنْ بَرَكَاتِهَا عَلَى الْحَاضِرِينَ مَعَهُ فَيَعْمَلُ عَلَى تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَزِيَّةِ جَهْدَهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَنْ يَلِيَ الْإِمَامَ مِنْ النَّاسِ أَفْضَلُهُمْ عِلْمًا وَعَمَلًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى } وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ مَا يُوجِبُ الِاسْتِخْلَافَ لَوَجَدَ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِذَلِكَ بِقُرْبِهِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ يَتَكَلَّفُهَا وَهَذِهِ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ عَلَى مَا كُنْت أَعْهَدُ أَنَّهُ لَا يَسْتُرُ الْإِمَامَ إلَّا مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّقَدُّمِ لِلْإِمَامَةِ فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ وَهَذِهِ خَصْلَةٌ دَائِرَةٌ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ فِي الْغَالِبِ فَتَجِدُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ يَسْتُرُ الْإِمَامَ وَتَجِدُ أَهْلَ الْفَضْلِ فِي الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنْهُ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ { لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى } وَلِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَسْبِقُ إلَى الْمَسْجِدِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِيُحَصِّلَ هَذِهِ السُّنَّةَ وَيَخْمِدَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِهِ .
وَمَا زَالَ الْفُضَلَاءُ وَالْأَكَابِرُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ هُمْ الَّذِينَ يُبَادِرُونَ إلَى الْمَسَاجِدِ فِي أَوَائِلِ الْأَوْقَاتِ أَوْ قَبْلِهَا .
حَتَّى إنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَاءَ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَوَجَدَ رَجُلَيْنِ قَدْ سَبَقَاهُ فَجَعَلَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ أَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ أَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، فَلَوْ جَاءَ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْفُضَلَاءِ إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدُوا غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ فِي مَنْزِلِهِمْ قَدْ سَبَقَهُمْ لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَعْهَدُونَ الصَّلَاةَ فِيهَا أَعْنِي مَنْ كَانَ يَسْتُرُ الْإِمَامَ أَوْ يَقْرَبُ مِنْهُ كَانَ مَنْ سَبَقَ لِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ أَحَقَّ بِهَا مِنْهُ
وَأَوْلَى ، وَلَا يُقَامُ مِنْهَا اتِّفَاقًا وَإِقَامَتُهُ ظُلْمٌ لَهُ وَبِدْعَةٌ .
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُؤْثِرَ السَّابِقُ بِهَذِهِ الْقُرْبَةِ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ فَذَلِكَ لَهُ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى } وَلِلْعَمَلِ الْمَاضِي الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ .
وَالثَّانِي مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَغْفُورٍ لَهُ غُفِرَ لَهُ ، فَإِذَا قَدَّمَهُ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَانَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَةُ بَعْضِ السَّلَفِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي إلَى الْمَسْجِدِ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَإِذَا امْتَلَأَ بِالنَّاسِ تَأَخَّرَ إلَى الثَّانِي وَآثَرَ بِمَكَانِهِ غَيْرَهُ وَهَكَذَا إلَى أَنْ يُصَلِّيَ فِي آخِرِ صَفٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ فَسُئِلَ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ فَقَالَ أُبَكِّرُ لِأَحُوزَ فَضِيلَةَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَتَأَخَّرُ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ قَدْ صَلَّيْت خَلْفَ مَغْفُورٍ لَهُ فَيُغْفَرُ لِي ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِيثَارِ بِالْقُرَبِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ تَرَكَ قُرْبَةً لَا بَدَلَ عَنْهَا .
أَمَّا مَنْ تَرَكَهَا لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا وَأَوْلَى فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ قُرْبَةٍ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَرْكَ التَّبْكِيرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ الْبِدَعِ الْحَادِثَةِ وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّبْكِيرَ مِنْ غَدْوَةِ النَّهَارِ إلَيْهَا أَفْضَلُ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مَعْنَاهُ التَّهْجِيرُ وَدَلِيلُهُ عَمَلُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِهِ مِنْ أَنَّ التَّبْكِيرَ إلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّهْجِيرِ بِأَنْ قَالَ أَوَّلُ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ تَرْكُ التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ ، وَقَدْ كَانُوا يَأْتُونَهَا بِالْمَشَاعِلِ لَيْلًا ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ .
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّبْكِيرَ إلَيْهَا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ قَالَ وَلَمْ يَكُونُوا يُبَكِّرُونَ هَذَا التَّبْكِيرَ وَأَخَافُ عَلَى فَاعِلِهِ أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي صِحَّةِ نَقْلِ مَالِكٍ عَنْ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَرَى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ فَلَوْ كَانَ التَّبْكِيرُ أَفْضَلَ لَمَا تَأَخَّرَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاشْتَغَلَ بِالسُّوقِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي أَتَى فِيهِ إلَى الْجُمُعَةِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُغَيِّرُ هَيْئَتَهُ فِي جُلُوسِهِ فِي الصَّلَاةِ لِيُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَتَى بِالسُّنَّةِ لِمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ } فَيَحْصُلُ لِفَاعِلِ ذَلِكَ امْتِثَالُ السُّنَّةِ وَاسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَخَرَجَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ اسْتِغْفَارَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ ، هَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي رَحْلِهِ فِي السَّفَرِ فَلَا بَأْسَ بِجُلُوسِهِ فِيهِ ، وَتَغْيِيرُهُ الْهَيْئَةَ أَوْلَى كَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَبَعْضُ الْأَئِمَّةِ يَقْعُدُ فِي مُصَلَّاهُ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي صَلَاتِهِ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ وَلَا مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ لِأَنَّهُ قَدْ يُخْلَطُ عَلَى الدَّاخِلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ تَعَالِيلَ أُخَرَ مَوْجُودَةً فِي كُتُبِهِمْ .
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَأْمُومِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ هَيْئَةَ صَلَاتِهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا شَرَعَ فِيهِ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عَقِبَ صَلَاتِهِ ثُمَّ يَتَنَفَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي حَقِّهِ أَنْ لَا يَتَنَفَّلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ بَلْ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَيُصَلِّي فِيهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ وَيُصَلِّيهَا فِي مَوْضِعِهِ .
وَالتَّنَفُّلُ فِي الْمَسَاجِدِ بِتَوَابِعِ الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِتَأَكُّدِهَا فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْفَرَائِضِ دُونَهَا .
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا عَدَا الرُّكُوعَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ .
أَمَّا الْمَغْرِبُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْكَعُ بَعْدَهَا فِي بَيْتِهِ .
وَحِكْمَةُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ الْجَمِيلَةِ فِي رَحْمَتِهِ بِأُمَّتِهِ إذْ إنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَائِمًا وَرَكَعَ عَقِبَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَنْتَظِرُهُ أَكْثَرُهُمْ حَتَّى يَنْصَرِفُوا بِانْصِرَافِهِ فَقَدْ يَكُونُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ الْأَوْلَادُ وَالْعَائِلَةُ فَيَنْتَظِرُونَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَشَقَّةً فَأَزَالَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْهُمْ بِرُكُوعِهِ فِي بَيْتِهِ انْتَهَى ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ خَشْيَةً مِنْ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَإِذَا أَمِنَ مِنْهَا جَازَ .
وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَلَا يَتَنَفَّلْ عَقِبَهَا إمَامٌ وَلَا غَيْرُهُ إلَّا فِي بَيْتِهِ ، بِذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَقَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ } .
وَقَدْ وَرَدَ { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى رَجُلًا قَامَ يَتَنَفَّلُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَجَبَذَهُ وَأَقْعَدَهُ وَقَالَ لَهُ : اجْلِسْ تُشْبِهُ الْجُمُعَةَ بِمَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا } .
فَالتَّنَفُّلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةٌ لِمَا ذُكِرَ حَتَّى يَنْصَرِفَ إلَى بَيْتِهِ فَيُصَلِّيَ
فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا أَوْ مِمَّنْ لَا بَيْتَ لَهُ أَوْ مِمَّنْ يُرِيدُ انْتِظَارَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَخْرُجُ مِنْ بَابٍ وَيَدْخَلُ مِنْ آخَرِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ أَوْ حَدِيثُهُ يَعْنِي مِمَّا يَسُوغُ الْكَلَامُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالسُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ عَقِبَ الصَّلَاةِ .
وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ أَوَّلًا وَلِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ .
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ إذَا كَانَ إمَامًا فِي الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ .
هَكَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَلِّينَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَلْيَحْذَرُوا جَمِيعًا مِنْ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَبَسْطِ الْأَيْدِي عِنْدَهُ أَعْنِي عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ إنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ تَعْلِيمَ الْمَأْمُومِينَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ مَشْرُوعٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَيَجْهَرُ بِذَلِكَ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ تَعَلَّمُوا أَمْسَكَ .
وَبَعْضُ الْأَئِمَّةِ إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ أَقْبَلَ عَلَى الدُّعَاءِ يَجْهَرُ بِهِ قَبْلَ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَيَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ كَأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَهُ الْجَهْرُ فِيهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةِ التَّعْلِيمِ ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَفْضَلِ الَّذِي هُوَ الذِّكْرُ الْمَأْثُورُ ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ بِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ الذِّكْرِ الْمَأْثُورِ عَقِبَ الصَّلَاةِ فَلْيُحَذِّرْ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ الْقِرَاءَةِ جَمَاعَةً وَالذِّكْرِ جَمَاعَةً .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْهَى النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَتِهَا كَامِلَةً فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ خُصُوصًا فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَا عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ فَيَقْرَأُهَا سِرًّا فِي نَفْسِهِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ جَهَرَا فِي غَيْرِهِ أَوْ فِيهِ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَهْجُورًا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَتَشَوَّشُ بِقِرَاءَتِهِ وَالسِّرُّ أَفْضَلُ ، وَأَمَّا اجْتِمَاعُهُمْ لِذَلِكَ فَبِدْعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ جَائِزَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَلَا عَلَى الْإِمَامِ فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَيُكْرَهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد رَحِمَهُ اللَّهُ وَلِلْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجِدِ .
وَمَا وَرَدَ مِنْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ } فَلَمْ يَصْحَبْهُ الْعَمَلُ ، وَالْعَمَلُ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَقْوَى لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَغَيْرَهُ ، وَالْعَمَلُ لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ عَلَى جَادَّةِ الِاتِّبَاعِ ، وَالِاتِّبَاعُ أَوْلَى مَا يُبَادَرُ إلَيْهِ لِعَدَمِ الِاحْتِمَالِ فِيهِ ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا فَقَدْ ارْتَكَبَ ثَلَاثَ مَكْرُوهَاتٍ : أَحَدُهَا : الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ .
الثَّانِي : التَّقَدُّمُ عَلَى الْإِمَامِ .
الثَّالِثَ : التَّقَدُّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَلَا يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَكْرُوهٍ فَكَيْفَ إذَا تَعَدَّدَ .
وَحَدُّ الْمَكْرُوهِ مَا تَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ
{ تَنْبِيهٌ } وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا بُنِيَ أَوْ يُبْنَى إلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ مِنْ مِيضَأَةٍ أَوْ سَرَابٍ فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ يَصِلُ مِنْهُ نَدَاوَةٌ إلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ جُدْرَانِهِ فَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُبْطِلُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّ دُخُولَ النَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ مُحَرَّمٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا حَصِيرٌ لِأَنَّ الْأَرْضِ هِيَ الْمَسْجِدُ لَا الْحَصِيرُ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَصِيرَ إذَا بُسِطَ عَلَى تِلْكَ الْأَرْضِ تَنَجَّسَ بِهَا ، وَكَذَلِكَ الْجُدْرَانُ لِأَنَّ الْمُصَلِّينَ يَسْتَنِدُونَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ إلَيْهَا فَتُنَجِّسُ ثِيَابَهُمْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَعْضُ النَّاسِ يَفْعَلُ ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِتَحْصِيلِ الْحَسَنَةِ بِتَيْسِيرِ مَوْضِعِ الطَّهَارَةِ سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ مَنْ بَيْتُهُ بَعِيدٌ مِنْهُ ، فَيُقَرِّبُ عَلَى الْجَمِيعِ أَمْرَ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فَيَقَعُ فِي مُحَرَّمَاتٍ جُمْلَةً لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ الَّتِي تُوَصِّلُ إلَى السَّيِّئَةِ مَا هِيَ بِحَسَنَةٍ بَلْ هِيَ السَّيِّئَةُ نَفْسُهَا ، وَالْغَالِبُ عَلَى الشَّيْطَانِ أَنْ يَدُسَّ هَذَا الْمَعْنَى لِبَعْضِ مَنْ فِيهِ خَيْرٌ وَصَلَاحٌ حَتَّى يُوقِعَهُ فِي السَّيِّئَةِ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ فِي حَسَنَةٍ ، وَهَذَا مِنْ بَعْضِ مَكَائِدِ إبْلِيسَ اللَّعِينِ
فَصْلٌ فِي خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالسُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَنْ تَكُونَ فِي الْمُصَلَّى لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } ثُمَّ مَعَ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ الْعَظِيمَةِ خَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمُصَلَّى وَتَرَكَهُ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى تَأَكُّدِ أَمْرِ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فَهِيَ السُّنَّةُ وَصَلَاتُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِدْعَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهَا وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ ، وَلِأَنَّهُ { عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يَخْرُجْنَ إلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَأَمَرَ الْحُيَّضَ وَرَبَّاتِ الْخُدُورِ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمَا فَقَالَتْ إحْدَاهُنَّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تُعِيرُهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا لِتَشْهَدَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ } ، فَلَمَّا أَنْ شَرَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُنَّ الْخُرُوجَ شَرَعَ الصَّلَاةَ فِي الْبَرَاحِ لِإِظْهَارِ شَعِيرَةِ الْإِسْلَامِ ، وَلِيَحْصُلَ لَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا قَدْ أَمَرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { بَاعِدُوا بَيْنَ أَنْفَاسِ النِّسَاءِ وَأَنْفَاسِ الرِّجَالِ } فَلَمَّا أَمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَكَانَ النِّسَاءُ بَعِيدًا مِنْ الرِّجَالِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ جَاءَ إلَى النِّسَاءِ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ ، فَلَوْ كُنَّ قَرِيبًا لَسَمِعْنَ الْخُطْبَةَ وَلَمَا احْتَجْنَ إلَى تَذْكِيرِهِ لَهُنَّ بَعْدَ الْخُطْبَةِ هَذَا وَجْهٌ .
وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَسْجِدَ وَلَوْ
كَبُرَ فَهُمْ مَحْصُورُونَ فِي الْخُرُوجِ مِنْ أَبْوَابِهِ الْمَعْلُومَةِ ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهَا وَالْخُرُوجِ مِنْهَا فَتُتَوَقَّعُ الْفِتَنُ فِي مَوْضِعِ الْعِبَادَاتِ ، وَالْبَرَاحُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِاتِّسَاعِ الْبَرِّيَّةِ فَلَا يَصِلُ فِيهَا أَحَدٌ لِأَحَدٍ فِي الْغَالِبِ ، وَهَذَا بِعَكْسِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَهُوَ أَنَّ الْمَسْجِدَ عِنْدَهُمْ كَبِيرٌ وَلَهُ أَبْوَابٌ شَتَّى فَيَخْرُجُونَ مِنْهُ إلَى الْبَرَاحِ لِكَوْنِهِ أَوْسَعَ وَهُوَ السُّنَّةُ فَبَنَوْا فِي ذَلِكَ الْبَرَاحِ مَوْضِعًا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ عَلَى قَدْرِ صَحْنِ الْجَامِعِ أَوْ أَصْغَرَ وَجَعَلُوا لَهُ بَابَيْنِ لَيْسَ إلَّا بَابًا لِلْجِهَةِ الْقِبْلِيَّةِ وَالْآخَرَ فِي مُقَابَلَتِهِ فَيَجْتَمِعُ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ فِي أَحَدِ الْبَابَيْنِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ، وَتَقِفُ الْخَيْلُ وَالدَّوَابُّ عَلَيْهِمَا فَإِذَا انْصَرَفُوا خَرَجُوا مِنْهُمَا كَذَلِكَ مُزْدَحِمِينَ .
وَالْغَالِبُ أَنَّ النِّسَاءَ إذَا خَرَجْنَ لِغَيْرِ الْعِيدِ يَلْبَسْنَ الْحَسَنَ مِنْ الثِّيَابِ وَيَسْتَعْمِلْنَ الطِّيبَ وَيَتَحَلَّيْنَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ زِينَتِهِنَّ فَكَيْفَ بِهِنَّ فِي الْعِيدَيْنِ ، وَالرِّجَالُ أَيْضًا يَتَجَمَّلُونَ بِمَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ فَتَقَعُ الْفِتَنُ وَتَتَلَوَّثُ الْقُلُوبُ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا لِقُرْبَةٍ فَآلَ الْأَمْرُ إلَى ضِدِّهَا ، وَفِي هَذَا الْبِنَاءِ أُمُورٌ أُخَرُ مِنْهَا أَنَّ الْبَابَيْنِ الْمَفْتُوحَيْنِ لَا بَابَ عَلَيْهِمَا فَيَبْقَى ذَلِكَ الْمَكَانُ مَأْوًى لِمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَاللُّصُوصِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يَفْعَلُ الْقَبَائِحَ الْمُتَوَقَّعَةَ فِيهَا .
وَقَدْ قِيلَ مِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُوقِعُهَا مَعَهُ وَلَا يَجِدُ مَوْضِعًا فَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْعِصْمَةِ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَوْضِعَ مُتَيَسِّرًا كَانَ ذَلِكَ تَيْسِيرًا لِلْمَعْصِيَةِ لِمَنْ أَرَادَهَا ، وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ عِبَادَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّهَ عَنْ هَذَا فَيُتْرَكُ مَكْشُوفًا لَا بِنَاءَ
فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَةَ مَا فِيهِ مِنْ الْبُنْيَانِ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِيمَا حَوَاهُ الْبُنْيَانُ وَيُصَلِّي خَارِجًا عَنْهُ فِي الْبَرَاحِ فَهُوَ الْأَوْلَى ، وَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ الْيَوْمَ لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ بَعْدَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِنْصَاتِ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ مَكَائِدِ إبْلِيسَ يَأْتِي إلَى مَوَاضِعِ الْقُرَبِ فَيَدُسُّ فِيهَا دَسَائِسَ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
فَصْلٌ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى وَالسُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ أَنْ يُكَبِّرَ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْمُصَلَّى إنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبَ طُلُوعِهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَتَى إلَى الْمُصَلَّى لِأَجْلِ بُعْدِ مَنْزِلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَكْبِيرٌ حَتَّى يَدْخُلَ الْوَقْتُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمَشْهُورِ .
وَقِيلَ يُشْرَعُ لَهُ التَّكْبِيرُ مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَبَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إذَا خَرَجَ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ .
وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ فَيُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَعْقِرَ حَلْقَهُ مِنْ الْبِدَعِ إذْ إنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مَا ذُكِرَ ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ أَعْنِي فِي التَّكْبِيرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إمَامًا أَوْ مُؤَذِّنًا أَوْ غَيْرَهُمَا فَإِنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِمْ أَجْمَعِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ إلَّا النِّسَاءَ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُسْمِعُ نَفْسَهَا لَيْسَ إلَّا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ ، فَكَأَنَّ التَّكْبِيرَ إنَّمَا شُرِعَ فِي حَقِّ الْمُؤَذِّنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَتَجِدُ الْمُؤَذِّنِينَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَسْتَمِعُونَ لَهُمْ وَلَا يُكَبِّرُونَ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَأَنَّ التَّكْبِيرَ مَا شُرِعَ إلَّا لَهُمْ ، وَهَذِهِ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ ثُمَّ إنَّهُمْ يَمْشُونَ عَلَى صَوْتِ وَاحِدٍ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ إنَّمَا هُوَ أَنْ يُكَبِّرَ كُلُّ إنْسَانٍ لِنَفْسِهِ وَلَا يَمْشِي عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ .
وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ أَيْضًا وَقُودُهُمْ الْقَنَادِيلَ فِي طَرِيقِ الْإِمَامِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَأْتُونَ إلَى بَابِ دَارِ الْإِمَامِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْعِيدِ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ شَرَعُوا فِي التَّكْبِيرِ عَلَى مَا
وَصَفْنَا مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ الْخَارِجِ عَنْ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فَيَمْشُونَ مَعَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَصِلُوا إلَى قُرْبِ الْمِحْرَابِ فَيَتَشَوَّشُ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَحِينَئِذٍ يَقْطَعُونَ التَّكْبِيرَ وَيَأْخُذُونَ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ خَرَجُوا مَعَ إمَامِهِمْ بِالتَّكْبِيرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالنَّاسُ سُكُوتٌ لَا يُكَبِّرُونَ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ التَّكْبِيرُ سُنَّةً فَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ زَعَقَاتِ الْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الْبِدَعِ .
وَكَذَلِكَ تَكْبِيرُهُمْ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ .
وَكَذَلِكَ سُكُوتُ النَّاسِ لِأَجْلِ اسْتِمَاعِهِمْ وَتَرْكِهِمْ التَّكْبِيرَ لِأَنْفُسِهِمْ فَهَذِهِ ثَلَاثُ بِدَعٍ مُعَارِضَةٌ لِسُنَّةِ التَّكْبِيرِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ أَنَّهُ يُكَبِّرُ كُلُّ مَنْ خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ الرِّجَالِ إمَامًا كَانَ أَوْ مُؤَذِّنًا أَوْ غَيْرَهُمَا يُسْمِعُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ وَفَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى يَعْقِرَ حَلْقَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَحْسَنَ اللِّبَاسِ وَأَفْضَلَهُ الْبَيَاضُ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ حَتَّى فِي مَلْبَسِهِ وَزِيِّهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاسِ فِي الْجُمُعَةِ بِشَرْطِهِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْدُمَ الصَّلَاةَ فَيُوقِعُهَا فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَبَعْضُ الْأَئِمَّةِ يَفْعَلُونَ هَذَا وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ حَتَّى تَغِيبَ ، فَيُوقِعُ بَعْضُهُمْ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُزُوغِ الشَّمْسِ وَهُوَ مَوْضِعُ النَّهْيِ فَيَخْرُجُ إلَى فِعْلِ بِرٍّ فَيَقَعُ فِي ضِدِّهِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَبَعْضُ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ضِدَّ هَذَا فَيُؤَخِّرُونَ صَلَاةَ الْعِيدِ حَتَّى تَسْخَنُ الشَّمْسُ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ فِي الْخَارِجِ إلَى الْمُصَلَّى أَنْ يُعَجِّلَ الْأَوْبَةَ إلَى أَهْلِهِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى فَيُضَحِّي لَهُمْ إنْ كَانَ مُمْنٍ يُضَحِّي حَتَّى يُفْطِرُوا عَلَى أُضْحِيَّتِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ فَيَأْكُلُونَ مَعَهُ وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَفْطَرُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى عَلَى تَمَرَاتٍ أَوْ الْمَاءِ كَمَا وَرَدَتْ السُّنَّةُ ، وَالْغَالِبُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الْعِيَالُ وَالْأَوْلَادُ فَيَبْقَوْنَ مُتَشَوِّفِينَ مُنْتَظِرِينَ لَهُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْأَفْضَلُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَهُوَ الْوَسَطُ فَالْمُخْتَارُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخِّرَهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ .
فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الصَّحْرَاءِ وَخَطَبَ فَلْيَكُنْ بِالْأَرْضِ لَا عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ .
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْقُوتِ لَهُ رَوَيْنَا أَنَّ مَرْوَانَ لَمَّا أَحْدَثَ الْمِنْبَرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ عِنْدَ الْمُصَلَّى قَامَ إلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ يَا مَرْوَانُ : مَا هَذِهِ الْبِدْعَةُ ؟ فَقَالَ : إنَّهَا لَيْسَتْ بِبِدْعَةٍ هِيَ خَيْرٌ مِمَّا تَعْلَمُ إنَّ النَّاسَ قَدْ كَثُرُوا فَأَرَدْتُ أَنْ يَبْلُغَهُمْ الصَّوْتُ .
فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَاَللَّهِ لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ أَبَدًا وَاَللَّهِ لَا صَلَّيْتُ وَرَاءَكَ الْيَوْمَ فَانْصَرَفَ وَلَمْ يُصَلِّ مَعَهُ صَلَاةَ الْعِيدِ انْتَهَى .
فَإِنْ فَعَلَ وَخَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ دُونَ غَيْرِهِ .
وَقَدْ أَحْدَثُوا فِي مِنْبَرِ الْعِيدِ الْيَوْمَ بِدْعَةً أَكْثَرَ مِنْ جُلُوسِ الرَّئِيسِ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا أَنَّ الْخَطِيبَ إذَا خَطَبَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ امْتَلَأَ الْمِنْبَرُ كُلُّهُ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ وَغَيْرِهِمْ يَرْتَصُّونَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِيمَا فَوْقَ الْمِنْبَرِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا خَطَبَ أَنْ يُوجِزَ فِي خُطْبَتِهِ وَلَا يُطِيلُهَا فَإِنَّ التَّطْوِيلَ هَاهُنَا أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنْهُ فِي الْجُمُعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ انْتِظَارِ الْأَهْلِ لَهُمْ فِي الْعِيدَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي التَّحَفُّظِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الْمُصَلَّى وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يُصَلِّي فِي الْمُصَلَّى التَّحَفُّظُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مِمَّا تَطَؤُهُ الْخَيْلُ وَالدَّوَابُّ فَلَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ سِيَّمَا وَإِيقَاعُ الصَّلَاةِ يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الشَّمْسُ عَلَى الْأَرْضِ فَتُنَشِّفَ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا تَنَجَّسَ مَا أُصِيبَ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ ، وَإِنْ فَرَشَ عَلَيْهَا شَيْئًا يُصَلِّي عَلَيْهِ تَنَجَّسَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَغْسِلَهُ .
وَقَدْ تَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَى مَوْضِعِ قُبُورٍ .
وَقَدْ كَرِهَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا دُونَ حَائِلٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَقْبَرَةُ جَدِيدَةً لَمْ تُنْبَشْ بَعْدُ وَقِيلَ هِيَ مَكْرُوهَةٌ مُطْلَقًا فِي الْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ إلَّا عَلَى حَائِلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ يَوْمَ الْعِيدِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ وَغَفَرَ لَنَا وَلَك عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : جَائِزٌ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ .
مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ .
مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَدُعَاءُ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ مُسْتَحَبٌّ .
الرَّابِعُ : لَا يَبْتَدِئُ بِهِ فَإِنْ قَالَ لَهُ أَحَدٌ رَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ .
وَإِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا الدُّعَاءِ الْحَسَنِ مَعَ تَقَدُّمِ حُدُوثِهِ فَمَا بَالُكَ بِقَوْلِ الْقَائِلِ عِيدٌ مُبَارَكٌ مُجَرَّدًا عَنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ مَعَ أَنَّهُ مُتَأَخِّرُ الْحُدُوثِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَكْرَهُوهُ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ يَوْمٌ مُبَارَكٌ وَلَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ وَصَبَّحَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَمَسَّاكَ بِالْخَيْرِ .
وَقَدْ كَرِهَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ .
وَأَمَّا الْمُعَانَقَةُ فَقَدْ كَرِهَهَا مَالِكٌ وَأَجَازَهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَعْنِي عِنْدَ اللِّقَاءِ مِنْ غَيْبَةٍ كَانَتْ .
وَأَمَّا فِي الْعِيدِ لِمَنْ هُوَ حَاضِرٌ مَعَكَ فَلَا .
وَأَمَّا الْمُصَافَحَةُ فَإِنَّهَا وُضِعَتْ فِي الشَّرْعِ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ .
وَأَمَّا فِي الْعِيدَيْنِ عَلَى مَا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ يَتَصَافَحُونَ فَلَا أَعْرِفُهُ .
لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ : رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّهُ أَدْرَكَ بِمَدِينَةِ فَاسَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ بِهَا مُتَوَافِرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ صَافَحَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِنْ كَانَ يُسَاعِدُهُ النَّقْلُ عَنْ السَّلَفِ فَيَا حَبَّذَا وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ فَتَرْكُهُ أَوْلَى
فَصْلٌ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ قَدْ تَقَدَّمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ النِّسَاءَ بِالْخُرُوجِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْمُصَلَّى حَتَّى الْحُيَّضَ وَرَبَّاتِ الْخُدُورِ } وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ التَّسَتُّرِ وَتَرْكِ الزِّينَةِ وَالصِّيَانَةِ وَالتَّعَفُّفِ وَأَنَّ مُرُوطَهُنَّ تَنْجَرُّ خَلْفَهُنَّ مِنْ شِبْرٍ إلَى ذِرَاعٍ وَبُعْدِهِنَّ مِنْ الرِّجَالِ ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعْهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ مَنْعُهُنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ مِنْ الْفِتَنِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَخْفَى ، وَمَا يُتَوَقَّعُ مِنْ ضِدِّ الْعِبَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا .
فَصْلٌ فِي انْصِرَافِ النَّاسِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْخُرُوجِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ سُرْعَةُ الْأَوْبَةِ إلَى الْأَهْلِ فَلَا يَشْتَغِلُ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَهُ أَنْ يَزُورَ إخْوَانَهُ مِنْ الْأَحْيَاءِ لَكِنْ إنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ فَلْيَبْدَأْ بِهِمْ وَيُزِيلُ تَشَوُّفَهُمْ إلَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَمْضِي لِمَا يَخْتَارُهُ مِنْ زِيَارَةِ مَنْ ذُكِرَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ فَلْيَمْضِ إلَى إخْوَانِهِ وَمَعَارِفِهِ الْمُتَّقِينَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِلتَّبَرُّكِ بِرُؤْيَتِهِمْ وَالْتِمَاسِ الدُّعَاءِ مِنْهُمْ لَكِنْ يَتَحَرَّى وَقْتَ زِيَارَتِهِمْ إذْ إنَّ الْغَالِبَ مِنْ إخْوَانِهِ أَنَّهُمْ يُضَحُّونَ ، وَالسُّنَّةُ فِيهَا أَنْ يَتَوَلَّى الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ مُعَدٌّ لِلذَّبْحِ غَالِبًا فَلْيَمْشِ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ إلَيْهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ لِعَدَمِ الْمَانِعِ .
فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ صُلِّيَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ ضَرُورَةِ الْمَطَرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ فَالسُّنَّةُ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُصَلَّى لَكِنْ فِي الْمَسْجِدِ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْبَرِّيَّةِ تَنْزِيهًا لِلْمَسْجِدِ مِنْ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٍ عَنْ الرِّجَالِ بِخِلَافِ مَا هُنَّ الْيَوْمَ يَفْعَلْنَهُ لِأَنَّهُنَّ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ فِي الْغَالِبِ فَتَجِدُ الْمَسْجِدَ غَالِبُهُ مَمْلُوءٌ يَوْمَ الْعِيدِ بِالنِّسَاءِ وَغَالِبُ خُرُوجِهِنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَلَوْ مُنِعْنَ الْخُرُوجَ لَكَانَ أَحْسَنَ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ فِي هَذَا الزَّمَانِ .
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الْوُعَّاظِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْكَلَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ فَفِي حَقِّ النِّسَاءِ مِنْ بَابِ أَوْلَى إذْ إنَّ مَفَاسِدَهُنَّ تَزِيدُ عَلَى مَفَاسِدِ الرِّجَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ الْوُعَّاظِ مِنْ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا
فَصْلٌ فِي التَّكْبِيرِ إثْرَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ وَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ أَهْلَ الْآفَاقِ يُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَيَّامِ إقَامَةِ الْحَجِّ بِمِنًى فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كَبَّرَ تَكْبِيرًا يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ بِتَكْبِيرِهِ كُلُّ وَاحِدٍ يُكَبِّرُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَمْشِي عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ عَلَى مَا وُصِفَ مِنْ أَنَّهُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه فَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ .
وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ زَعَقَاتِهِمْ فِي الْمَآذِنِ وَيُطِيلُونَ فِيهِ وَالنَّاسُ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِمْ وَلَا يُكَبِّرُونَ فِي الْغَالِبِ وَإِنْ كَبَّرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَهُوَ يَمْشِي عَلَى أَصْوَاتِهِمْ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ إذْ إنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ .
وَفِيهِ إخْرَاقُ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ فِيهِ وَالتَّشْوِيشِ عَلَى مَنْ بِهِ مِنْ الْمُصَلِّينَ وَالتَّالِينَ وَالذَّاكِرِينَ .
فَصْلٌ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي الْمَسْجِدِ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمَّا أَنْ اجْتَمَعُوا جَلَسَ فِي الرَّابِعَةِ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ عَرَفْت الَّذِي رَأَيْت مِنْ صَنِيعِكُمْ وَمَا مَنَعَنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ } فَلَمَّا أَنْ مَضَى لِسَبِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمِنَ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْضِ عَلَى الْأُمَّةِ .
فَلَمَّا أَنْ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْخِلَافَةَ وَتَفَرَّغَ لِلنَّظَرِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَقُومُونَ فِي لَيَالِي رَمَضَانِ أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ جَمَعْتُهُمْ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَحْسَنَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَهُمْ يُصَلُّونَ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَقَالَ : نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَصْلِ فِعْلِهَا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ بِدْعَةً .
وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : جَمْعُهُمْ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ قِيَامَهُمْ أَوَّلَ اللَّيْلِ دُونَ آخِرِهِ وَأَمَّا الْفِعْلُ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ سُنَّةٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ .
وَمَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِهِمْ لَا عَلَيْهِمْ إذْ إنَّهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ مِنْ قِيَامِ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا انْصَرَفُوا مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ اسْتَعْجَلُوا الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ الْفَجْرِ وَكَانُوا
يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فَقَدْ حَازُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْفَضِيلَتَيْنِ مَعًا قِيَامَ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ فَعَلَى مِنْوَالِهِمْ فَانْسِجْ إنْ كُنْت مُتَّبِعًا .
إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعٌ وَهُمْ سَادَتُنَا وَقُدْوَتُنَا إلَى رَبِّنَا فَيَنْبَغِي لَنَا الِاتِّبَاعُ لَهُمْ وَالِاقْتِفَاءُ لِآثَارِهِمْ الْمُبَارَكَةِ لَعَلَّ بَرَكَةَ ذَلِكَ تَعُودُ عَلَى الْمُتَّبِعِ لَهُمْ ، لَكِنْ هَذَا قَدْ تَعَذَّرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي الْغَالِبِ أَعْنِي قِيَامَ اللَّيْلِ كُلِّهِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا يَخْتَلِطُ بِهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْيَوْمَ أَنْ لَا يُخْلِيَ نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةِ أَلْبَتَّةَ بَلْ يَفْعَلُهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ النَّاسِ عَلَى مَا هُمْ يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ مِنْ التَّخْفِيفِ فِيهَا فَإِذَا فَرَغُوا وَرَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْتَنِمَ بَرَكَةَ اتِّبَاعِهِمْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ إلَى آخِرِهِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ بِمَنْ تَيَسَّرَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ وَحْدَهُ فَتَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ الْكَامِلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَيَكُونُ وَتْرُهُ آخِرَ تَنَفُّلِهِ اقْتِدَاءً بِهِمْ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِسَلَامٍ ، أَمَّا أَنَا فَإِذَا أَوْتَرُوا خَرَجْت وَتَرَكْتُهُمْ فَلِلْإِنْسَانِ بِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أُسْوَةُ فِي تَرْكِ الْوِتْرِ مَعَهُمْ حَتَّى يُوتِرَ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ تَنَفُّلِهِ آخِرَ اللَّيْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى النَّوْمِ إذَا آتَى إلَى بَيْتِهِ ، وَيَخَافُ أَنْ يَسْتَغْرِقَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا يُغَرُّ وَيَتْرُكْ الْوِتْرَ بَعْدَ نَوْمِهِ وَلْيُوقِعْهُ قَبْلَهُ ، فَإِنْ أَدْرَكَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ شَيْئًا قَامَهُ وَلَمْ يُعِدْ وِتْرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْوِتْرُ فِي وَقْتِهِ وَلَا حَرَجَ
عَلَيْهِ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ مَعَ النَّاسِ صَلَاةَ الْقِيَامِ وَيُوتِرُ مَعَهُمْ فَإِذَا رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ صَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ وَلَا يُعِيدُ الْوِتْرَ ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّ شَيْخَهُ سَيِّدِي الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ الزَّيَّاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ يَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ يُعَجِّلُ فِطْرَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي بِحِزْبَيْنِ وَنِصْفٍ أَوْ أَكْثَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي مَعَ النَّاسِ الْقِيَامَ وَيُوتِرُ مَعَهُمْ ثُمَّ إذَا رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ صَلَّى لِنَفْسِهِ بِحِزْبَيْنِ وَنِصْفٍ أَوْ أَكْثَرَ فَيَجْتَمِعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ثُمُنُ الْخَتْمَةِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ ثُمَّ يَنَامُ مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ يَقُومُ لِتَهَجُّدِهِ فَيُصَلِّي مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْلِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ قَرَّرْتُمْ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ سُنَّةٌ فَمَا وَجْهُ تَرْكِ أَبِي بَكْرٍ لَهَا .
فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُشْتَغِلًا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهَمُّ فِي الدِّينِ وَهُوَ قِتَالُ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَبَعْثُ الْجُيُوشِ إلَى الشَّامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَغَيْرِهِ ، وَتَرَاكُمِ الْفِتَنِ عِنْدَ انْتِقَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ شُغْلِهِ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ وَتَدْوِينِهِ مَعَ قِصَرِ مُدَّتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يَتَفَرَّغْ لِمَا تَفَرَّغَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَانَ مَا ذُكِرَ وَاتَّضَحَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْإِمَامِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَالدِّيَانَةِ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ الْيَوْمَ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ لَا لِحُسْنِ دِينِهِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْقَوْمِ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ لِحُسْنِ صَوْتِهِ إنَّمَا يُقَدِّمُوهُ لِيُغَنِّيَ لَهُمْ وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ التَّطْرِيبِ فِي الْقِرَاءَةِ وَوَضْعِهَا عَلَى الطَّرَائِقِ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا الَّتِي تُشْبِهُ الْهُنُوكَ وَأَمَّا لَوْ قَدَّمُوهُ لِدِينِهِ وَحُسْنِ صَوْتِهِ وَقِرَاءَتِهِ عَلَى الْمَنْهَجِ الْمَشْرُوعِ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ إلَّا مَنْ تَطَوَّعَ بِهَا دُونَ مَنْ يَأْخُذُ عَلَيْهَا عِوَضًا ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بِهِ فَقِيلَ تُبَاحُ وَقِيلَ تُكْرَهُ وَهِيَ فِي الْفَرِيضَةِ أَشَدُّ كَرَاهَةً .
وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ بَاطِلَةٌ .
وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ وَمِنْ جُمْلَةِ فَضِيلَتِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ لَا لِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ عَلَى صَلَاتِهِ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عِوَضٌ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَيْهِ وَأَنْ يُصَلِّيَ هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِغَيْرِهِ وَيَتْرُكَ النَّظَرَ لِلْعِوَضِ ، فَإِنْ جَاءَهُ شَيْءٌ وَكَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ قَبِلَهُ لِضَرُورَتِهِ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَأَخَذَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ .
وَقَدْ كَانَ بِجَامِعِ مِصْرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مِنْ الْأَئِمَّةِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِيهِ وَكَانَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مِنْ الْمَغَارِبَةِ يَجِيءُ الْمَسْجِدَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ صَلَاتِهِ فَيُصَلِّي فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ لِنَفْسِهِ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى عَلِمَ
بِهِ النَّاسُ فَرَجَعَ أَكْثَرُهُمْ وَتَرَكُوا الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ وَصَلُّوا خَلْفَ هَذَا لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِ فَتَشَوَّشَ الْإِمَامُ مِنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ وَكَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ الْآخَرِ فَاجْتَمَعَ بِهِ وَسَأَلَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ عَلَى صَلَاتِهِ أُجْرَةً فَقَالَ لَهُ وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ وَلَكِنِّي أَتَصَدَّقُ بِهَا فَقَالَ لَهُ الْآنَ أُصَلِّي خَلْفَك فَرَجَعَ فَصَلَّى خَلْفَهُ .
فَإِذَا أَخَذَ الْعِوَضَ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي يَتَبَيَّنُ بِهِ ذَلِكَ وَيَتَّضِحُ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ عَنْهُ الْعِوَضُ ، فَإِنْ تَبَرَّمَ وَتَضَجَّرَ أَوْ تَرَكَ الْإِمَامَةَ فَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُلَازَمَةِ وَالسُّكُوتِ وَالرِّضَا فَلَا يَضُرُّهُ مَا أَخَذَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي حَالِ الْعَالِمِ فِي أَخْذِهِ الْجَامِكِيَّةَ عَلَى التَّدْرِيسِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ
فَصْلٌ فِي الذِّكْرِ بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الذِّكْرِ بَعْدَ كُلِّ تَسْلِيمَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَمِنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِذَلِكَ وَالْمَشْيِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ وَكَذَلِكَ يَنْهَى عَنْ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ : الصَّلَاةَ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ أَيْضًا وَالْحَدَثُ فِي الدِّينِ مَمْنُوعٌ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ ثُمَّ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ فِعْلُ ذَلِكَ فَيَسَعُنَا مَا وَسِعَهُمْ
فَصْلٌ فِيمَا يُفْعَلُ فِي لَيْلَةِ الْخَتْمِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْخَتْمِ مِنْ أَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ كُلِّهَا فِي الْغَالِبِ بِحِزْبَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْخَتْمِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِيهَا عَلَى الْقِيَامِ الْمَعْهُودِ لِفَضِيلَتِهَا فَيُصَلِّي بَعْضُهُمْ فِيهَا بِنِصْفِ حِزْبٍ لَيْسَ إلَّا وَهُوَ مِنْ سُورَةِ وَالضُّحَى إلَى آخِرِ الْخَتْمَةِ وَكَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَقُومُونَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا فَجَاءَ هَؤُلَاءِ فَفَعَلُوا الضِّدَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ
فَصْلٌ فِي صِفَةِ قِيَامِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي قِيَامِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إذْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ طَوَى فِرَاشَهُ وَشَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَأَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ } .
وَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدْ تُرِكَتْ فِي الْغَالِبِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ يَقُومُونَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَإِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ تَرَكُوهُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَخْتِمُونَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ لِلْقِيَامِ بَعْدَ خَتْمِهِمْ .
وَهَذِهِ بِدْعَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهَا وَهِيَ مُصَادِمَةٌ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَإِنْ قَامَ بَعْضُهُمْ فَبِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَحْيَا بَعْضُهُمْ هَذَا الْعَشْرَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَهِيَ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ لَوْ سَلِمَتْ مِمَّا طَرَأَ عَلَيْهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ فَمِنْهَا أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَأْخُذُونَ عَلَيْهَا عِوَضًا مَعْلُومًا الثَّانِي : أَنَّ الْمَسْجِدَ يَبْقَى فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ مَفْتُوحَ الْأَبْوَابِ يَدْخُلُ إلَيْهِ مِنْهَا مَنْ يَقُومُ وَمَنْ لَا يَقُومُ وَظَلَامُ اللَّيْلِ يَسْتُرُهُمْ فَلَوْ كَانَ مَنْ وَقَفَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَقَفَ عَلَى زَيْتٍ يَعُمُّ الْمَسْجِدَ كُلَّهُ بِضَوْئِهِ وَعَلَى رِجَالٍ يَطُوفُونَ بِالْمَسْجِدِ طُولَ لَيْلِهِمْ فَمَنْ رَأَوْهُ فِيهِ فِي غَيْرِ عِبَادَةٍ أَخْرَجُوهُ لَكَانَ ذَلِكَ حَسَنًا .
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ هَذَا فَمَفَاسِدُهُ كَثِيرَةٌ وَفِي التَّلْوِيحِ مَا يُغْنِي عَنْ التَّصْرِيحِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ
فَصْلٌ فِي الْخُطْبَةِ عَقِبَ الْخَتْمِ وَالْخُطَبُ الشَّرْعِيَّةُ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا خُطْبَةٌ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ وَإِذَا لَمْ تُذْكَرْ فَهِيَ بِدْعَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ أَوْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ مَنْسُوبًا إلَى عَالِمٍ أَوْ مَعْرُوفٍ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ أَوْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَى الْمَشْيَخَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَفِعْلُ ذَلِكَ فِيهِ أَشَدُّ كَرَاهَةً لِاقْتِدَاءِ كَثِيرٍ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا فِي حَقِّ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا لَكِنْ يَتَأَكَّدُ الْمَنْعُ فِي حَقِّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثُوهُ بَعْدَ الْخَتْمِ مِنْ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَالزَّعَقَاتِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يُعْرِضُونَ عَنْ التَّضَرُّعِ وَالْخُفْيَةِ بِالْعِيَاطِ وَالزَّعَقَاتِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ .
وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ الدُّعَاءِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فَقَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ تِلَاوَتِي إيَّاهُ سَبْعِينَ مَرَّةً .
وَسُئِلَ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَمْقُتَنِي عَلَى تِلَاوَتِي وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمْ مِنْ قَارِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ يَقُولُ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وَهُوَ ظَالِمٌ انْتَهَى .
وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الظُّلْمَ إنَّمَا هُوَ فِي الدِّمَاءِ أَوْ الْأَعْرَاضِ أَوْ الْأَمْوَالِ بَلْ هُوَ عَامٌّ إذْ قَدْ يَكُونُ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ فَيَدْخُلُ إذْ ذَاكَ تَحْتَ الْوَعِيدِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ خُشُوعٍ وَتَضَرُّعٍ وَابْتِهَالٍ وَرُجُوعٍ إلَى الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالتَّوْبَةِ مِمَّا قَارَفَهُ مِنْ الذُّنُوبِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفَلَاتِ وَتَقْصِيرِ حَالِ الْبَشَرِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْذُلَ الْعَبْدُ جَهْدَهُ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَمَرْتَبَتِهِ .
وَمِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَوْلُهُ { اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك } وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي } وَمِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءُ الَّذِي عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ لَهُ قُلْ اللَّهُمَّ تَمِّمْ عَلَيَّ النِّعْمَةَ حَتَّى تُهَنِّئَنِي الْمَعِيشَةُ وَحَسِّنْ لِي الْعَاقِبَةَ حَتَّى لَا تَضُرَّنِي ذُنُوبِي وَخَلِّصْنِي مِنْ شَبَائِكِ الدُّنْيَا وَكُلِّ هَوْلٍ فِي الْقِيَامَةِ حَتَّى
تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْت بِالنَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إلَيْك غَيْرَ مَفْتُونٍ } .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ مَرَّ بَعْضُ السَّلَفِ بِقَاصٍّ يَدْعُو بِسَجْعٍ فَقَالَ لَهُ أَعْلَى اللَّهِ تُبَالِغُ أَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْت حَبِيبًا الْعَجَمِيَّ يَدْعُو وَمَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا جَيِّدِينَ اللَّهُمَّ لَا تَفْضَحْنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلْخَيْرِ وَالنَّاسُ يَدْعُونَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ يُعْرَفُ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ اُدْعُ اللَّهَ بِلِسَانِ الذِّلَّةِ وَالِافْتِقَارِ لَا بِلِسَانِ الْفَصَاحَةِ وَالِانْطِلَاقِ .
وَقِيلَ إنَّ الْعُلَمَاءَ وَالْأَبْدَالَ لَا يَزِيدُ أَحَدُهُمْ فِي الدُّعَاءِ عَلَى سَبْعِ كَلِمَاتٍ فَمَا دُونَهَا .
وَيَشْهَدُ لَهُ آخِرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُخْبِرْ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَدْعِيَةِ عِبَادِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى .
هَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ فِي الْجَمَاعَاتِ أَوْ مَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ مَوْضِعِ الْعِبَادَاتِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ يُؤْثِرُونَ تَطْوِيلَ دُعَائِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْضِيَ فِيهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ } وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْجَهْرُ وَالتَّطْوِيلُ بِالدُّعَاءِ عَادَةً .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنْ يَمْضِيَ فِيمَا فُتِحَ لَهُ فِيهِ فِي أَيِّ وُجْهَةٍ كَانَتْ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ تَضَرُّعٍ أَوْ ابْتِهَالٍ أَوْ خُشُوعٍ حَتَّى إنَّهُمْ قَدْ قَالُوا لَوْ أَخَذَهُ الْخُشُوعُ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ فَلْيَمْضِ فِي
ذَلِكَ وَلَوْ خَتَمَ الْخَتْمَةَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ الْخُشُوعَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يُكَرِّرُهَا مَا دَامَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى الصَّبَاحِ وَلَا يَقْطَعُهَا إلَّا لِفَرْضٍ تَعَيَّنَ .
وَكَذَلِكَ إذَا فُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ أَنْ لَا يَقْطَعَهُ أَيْضًا فَمَنْ لَهُ عَقْلٌ فَلْيَرْجِعْ إلَى عَمَلِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَيَتْرُكْ الْحَدَثَ فِي الدِّينِ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ قَالَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفِهْرِيُّ الْمَشْهُورُ بِالطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنْ قِيلَ هَلْ يَأْثَمُ فَاعِلُ ذَلِكَ .
فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ السَّلَامَةِ مِنْ اللَّغَطِ وَلَمْ يَكُنْ إلَّا الرِّجَالُ أَوْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مُنْفَرِدِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ يَسْمَعُونَ الدُّعَاءَ فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الَّتِي كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْرِي فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَمُصَادَمَةِ أَجْسَادِهِمْ وَمُزَاحَمَةِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ مِنْ أَهْلِ الرَّيْبِ وَمُعَانَقَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَمَا حُكِيَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ رَجُلًا يَطَأُ امْرَأَةً وَهُمْ وُقُوفٌ فِي زِحَامِ النَّاسِ وَحَكَتْ لَنَا امْرَأَةٌ أَنَّ رَجُلًا وَاقَعَهَا فَمَا حَالَ بَيْنَهُمَا إلَّا الثِّيَابُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْفِسْقِ وَاللَّغَطِ فَهَذَا فُسُوقٌ فَيَفْسُقُ الَّذِي كَانَ سَبَبًا فِي اجْتِمَاعِهِمْ .
فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ قَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ .
قُلْنَا فَهَذَا هُوَ الْحُجَّةُ عَلَيْكُمْ بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ وَيَجْمَعُ أَهْلَهُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ تَلْفِيقِ الْخَطْبِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَتَخْتَلِطُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْغَوْغَاءُ وَتَكْثُرُ الزَّعَقَاتُ وَالصِّيَاحُ وَيَخْتَلِطُ الْأَمْرُ وَيَذْهَبُ بَهَاءُ الْإِسْلَامِ وَوَقَارُ الْإِيمَانِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَا
رُوِيَ أَنَّهُ دَعَا وَإِنَّمَا جَمَعَ أَهْلَهُ فَحَسْبُ .
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ يَا حَبَّذَا صُفْرَةُ مَاءِ ذِرَاعَيْهَا لِمَاءٍ كَانَ قَدْ تَوَضَّأَتْ بِهِ امْرَأَةٌ فَبَقِيَ فِيهِ مِنْ أَثَرِ الزَّعْفَرَانِ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي مَجْلِسِ الْمَرْأَةِ عَقِبَ قِيَامِهَا وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِأَصْلِ الذَّرَائِعِ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِهَذَا الْفَرْعِ وَمَنْ أَبَى أَصْلَ الذَّرَائِعِ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَلْزَمُهُ إنْكَارُهُ لِمَا يَجْرِي فِيهِ مِنْ اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ انْتَهَى
فَصْلٌ فِي الْقِيَامِ عِنْدَ الْخَتْمِ بِسَجَدَاتِ الْقُرْآنِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْبِدَعِ عِنْدَ الْخَتْمِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُومُونَ بِسَجَدَاتِ الْقُرْآنِ كُلِّهَا فَيَسْجُدُونَهَا مُتَوَالِيَةً فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ رَكَعَاتٍ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ غَيْرَهُ إذْ إنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ بَعْدَ السَّلَفِ وَبَعْضُهُمْ يُبَدِّلُ مَكَانَ السَّجَدَاتِ قِرَاءَةَ التَّهْلِيلِ عَلَى التَّوَالِي فَكُلُّ آيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ قَرَأَهَا إلَى آخِرِ الْخَتْمَةِ وَذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ أَيْضًا
فَصْلٌ فِي قِيَامِ السَّنَةِ كُلِّهَا قَالَ الْبَاجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ إنَّ هَذَا الْقِيَامَ الَّذِي يَقُومُ النَّاسُ بِهِ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ هُوَ مَشْرُوعٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا يُوقِعُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْقَارِئِ وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ فِي رَمَضَانَ لِكَيْ يَحْصُلَ لِعَامَّةِ النَّاسِ فَضِيلَةُ الْقِيَامِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ وَسَمَاعِ كَلَامِ رَبِّهِمْ فِي أَفْضَلِ الشُّهُورِ انْتَهَى وَلِكَوْنِهِ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَلِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُدَارِسُ الْقُرْآنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فَلِأَجَلْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَمَا شَابَهَهَا نَاسَبَ مُحَافَظَةَ جَمِيعِ النَّاسِ عَلَى قِيَامِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَامُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا مَشْرُوعًا لِمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ فَمَنْ حَفِظَهُ قَامَ بِهِ فِي بَيْتِهِ جَهْرًا وَلَا يَقُومُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ أَعْنِي فِي جَمَاعَةٍ كَمَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرُ الْحَافِظِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا تَيَسَّرَ مَعَهَا مِنْ السُّوَرِ فِي بَيْتِهِ أَيْضًا هَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ فِي الْأُمَّةِ خِلَافًا لِمَا فَعَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْقِيَامَ الْمَعْهُودَ فِي رَمَضَانَ دَائِمًا فِي زَاوِيَتِهِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ثُمَّ نُقِلَتْ عَنْهُ وَاشْتُهِرَتْ فَصَارَتْ تُعْمَلُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الْمَشْهُورَةِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَشْهُورٍ وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَاعَدُوا عَلَى أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ فِي مَوْضِعٍ مَشْهُورٍ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْهُ ، فَإِنْ فَعَلُوا فَهِيَ بِدْعَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهَا وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ يَعْنِي فِي جَمْعِهِمْ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي رَمَضَانَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَذِكْرُهُ رَضِيَ اللَّهُ
تَعَالَى عَنْهُ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ
فَصْلٌ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ بَعْدَ الْخَتْمِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ يُسْتَحَبُّ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ وَعِنْدَ الْخَتْمِ مِثْلُهُ .
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْأَمْرُ فِي رَمَضَانَ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ بِالْقَصَصِ فِي الدُّعَاءِ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَدْ نَهَى مَالِكٌ أَنْ يَقُصَّ أَحَدٌ بِالدُّعَاءِ فِي رَمَضَانَ وَحَكَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ الْقِرَاءَةُ مِنْ غَيْرِ قَصَصٍ وَلَا دُعَاءٍ .
وَمِنْ الْمُسْتَخْرَجَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَخْتِمُهُ ثُمَّ يَدْعُو قَالَ مَا سَمِعْت أَنَّهُ يَدْعُو عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ وَمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ .
وَمِنْ مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْقَوْمُ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ مَنْ يُقْرِئُهُمْ أَوْ يَفْتَحُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَقْرَأُ قَالَ وَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا يَدْعُو رَافِعًا يَدَيْهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا تُقَلِّصُوا تَقْلِيصَ الْيَهُودِ قَالَ مَالِكٌ التَّقْلِيصُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا يَعْمَلُ النَّاسُ بِهِ مِنْ الدُّعَاءِ حِينَ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ وَحِينَ يَخْرُجُونَ وَوُقُوفِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا .
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّمَا عَنَى بِهَذَا الْوُقُوفَ لِلدُّعَاءِ فَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ مَاشِيًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ آثَارٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَدْعُو خَلْفَ الصَّلَاةِ قَائِمًا قَالَ لَيْسَ بِصَوَابٍ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ .
وَذَكَرَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِهِ عَقِبَ ذِكْرِهِ جُمَلًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ قَالَ إنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ خِيفَةَ أَنْ يُلْحَقَ بِمَا يَجِبُ فِعْلُهُ حَتَّى يُتَّخَذَ أَمْرًا مَاضِيًا وَمَا لَنَا نُقَدِّرُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ وَجَدْنَا مَا كُنَّا نَحْذَرُ فَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا شَرَعَ قِيَامَ رَمَضَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ بِدْعَةٌ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْمَعْ فِي رَمَضَانَ إلَّا لَيْلَتَيْنِ انْتَهَى .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَاعْلَمْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ الْمَذْكُورَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْجَهْرِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ فِي جَمَاعَةٍ
وَأَمَّا الدُّعَاءُ فِي السِّرِّ فَهُوَ جَائِزٌ أَوْ مَنْدُوبٌ بِحَسْبِ الْحَالِ وَعَلَى هَذَا دَرَجَ السَّلَفِ وَالْخَلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا خُتِمَ عِنْدَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا يُعْهَدُ مِنْهُ خَلْفَ الْمَكْتُوبَةِ شَيْئًا وَكُنَّا لَا نَعْرِفُ دُعَاءَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَّا حِينَ يَرْمُقُ السَّمَاءَ بِعَيْنَيْهِ وَهَذَا ضِدُّ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَقِبَ الْخَتْمِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقَصَائِدِ وَالْكَلَامِ الْمُسَجَّعِ حَتَّى كَأَنَّهُ يُشْبِهُ الْغِنَاءَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّطْرِيبِ وَالْهُنُوكِ وَخُلُوِّهِ مِنْ الْخُشُوعِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِابْتِهَالِ لِلْمَوْلَى الْكَرِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ } وَلَمْ يَقُلْ أَمَّنْ يُجِيبُ الْقَوَّالَ .
وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ أَشْيَاءَ جُمْلَةً يَعْرِفُهَا مَنْ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى فِعْلِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ فَإِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَضَى عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ الْمَاضُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ بَعْدَ الْخَتْمِ وَمَا انْضَافَ إلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي .
فَمِنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعُ الْمُؤَذِّنِينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي مَوْضِعِ الْخَتْمِ فَيُكَبِّرُونَ جَمَاعَةً فِي حَالِ كَوْنِهِمْ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى الْمُسْمِعِ الْوَاحِدِ فَضْلًا عَنْ جَمَاعَةٍ بَلْ بَعْضُهُمْ يُسْمِعُونَ وَلَيْسُوا فِي صَلَاةٍ وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ وَالْمُخَالَفَةِ لِسُنَّةِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَيُؤَذِّنُونَ أَيْضًا كَذَلِكَ .
ثُمَّ إنَّهُمْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ إذَا خَرَجَ الْقَارِئُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ أَتَوْهُ بِبَغْلَةٍ أَوْ فَرَسٍ لِيَرْكَبَهَا ثُمَّ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي صِفَةِ ذَهَابِهِ إلَى بَيْتِهِ .
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا هُمْ يَفْعَلُونَهُ أَمَامَ جَنَائِزِهِمْ وَأَمَامَهُمْ الْمُدِيرُ عَلَى عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ وَالْمُؤَذِّنُونَ يُكَبِّرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا : تَنْزِيهُ الْقُرْآنِ وَتَعْظِيمُهُ مِنْ أَنْ يَقْرَأَهُ وَهُوَ مَاشٍ فِي الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ لِمَا قَدْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ حَقَّ التَّدَبُّرِ .
وَالثَّالِثُ لِمَا يُخْشَى أَنْ يَدْخُلَهُ ذَلِكَ فِيمَا يُفْسِدُ نِيَّتَهُ انْتَهَى .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ بِالْفُقَرَاءِ الذَّاكِرِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ بِالْأَغَانِي وَهُوَ أَشَدُّهَا وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مَمْنُوعَةً .
وَبَعْضُهُمْ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ ضَرْبَ الطَّبْلِ وَالْأَبْوَاقِ وَالدُّفِّ وَبَعْضُهُمْ الطَّارُّ وَالشَّبَّابَةُ فِي بَيْتِهِ .
وَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ وَيَحْضُرُ إذْ ذَاكَ مِنْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَا هُوَ ضِدُّ الْمَطْلُوبِ فِيهَا مِنْ الِاعْتِكَافِ عَلَى الْخَيْرِ وَتَرْكِ الشَّرِّ وَتَرْكِ الْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَاكَلَهُ .
ثُمَّ إنَّهُمْ يَعْمَلُونَ أَنْوَاعًا مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْحَلَاوَاتِ فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَضَرَّ الْبِدَعَ وَمَا أَكْثَرَ شُؤْمَهَا .
حَتَّى لَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْمَشَايِخِ عَمِلَ لِوَلَدِهِ خَتْمًا بِبَعْضِ مَا ذُكِرَ فَلَمَّا جَاءَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ سَأَلْته عَنْ وَلَدِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى الْقِيَامَ فَقَالَ لِي أَنَا مَنَعْته مِنْ الْقِيَامِ فَقُلْت لَهُ وَلِمَ قَالَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ وَالْإِخْوَانَ وَالْمَعَارِفَ يُطَالِبُونَنِي بِالْخَتْمِ فَأَحْتَاجُ إلَى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ .
فَانْظُرْ إلَى شُؤْمِ الْبِدَعِ كَيْفَ جَرَّتْ إلَى تَرْكِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى حِفْظِ الْخَتْمَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ يُصَلِّي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ بَقِيَتْ الْخَتْمَةُ مَحْفُوظَةً عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْسَهَا فِي الْغَالِبِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ } وَالْغَالِبُ فِي الصِّبْيَانِ أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ فِي اللَّيْلِ فَإِذَا لَمْ يُصَلُّوا بِهِ فِي اللَّيْلِ وَلَمْ يَقُومُوا بِهِ فِي رَمَضَانَ وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِهِمْ الِاشْتِغَالُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَالْأَسْبَابِ الَّتِي تُعَوِّقُهُمْ عَنْ مُعَاهَدَةِ الْخَتْمَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنِسْيَانِهَا لِأَكْثَرِهِمْ
فَصْلٌ فِي وُقُودِ الْقَنَادِيلِ لَيْلَةَ الْخَتْمِ وَيَنْبَغِي فِي لَيَالِي رَمَضَانَ كُلِّهَا أَنْ يُزَادَ فِيهَا الْوُقُودُ قَلِيلًا زَائِدًا عَلَى الْعَادَةِ لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَكَثْرَتِهِمْ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيَرَوْنَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ يَسَعُهُمْ أَمْ لَا وَالْمَوَاضِعَ الَّتِي يَضَعُونَ فِيهَا أَقْدَامَهُمْ وَالْمَوَاضِعَ الَّتِي يَمْشُونَ فِيهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهِمْ .
وَلَا يُزَادُ فِي لَيْلَةِ الْخَتْمِ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فُعِلَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى بِخِلَافِ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ زِيَادَةِ وُقُودِ الْقَنَادِيلِ الْكَثِيرَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ لِمَا فِيهَا مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَالسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ وُقُودِ الشَّمْعِ وَمَا يُرْكَزُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ فَاسْتِعْمَالُهُ مُحَرَّمٌ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِمَا فَهُوَ إضَاعَةُ مَالٍ وَسَرَفٌ وَخُيَلَاءُ .
وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُونَ فِعْلًا مُحَرَّمًا وَهُوَ أَنَّهُمْ يُعَلِّقُونَ خَتْمَةً عِنْدَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْتِمُونَ فِيهِ وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِيهَا فَبَعْضُهُمْ يَتَّخِذُهَا مِنْ الشُّقَقِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ .
وَبَعْضُهُمْ مِنْ غَيْرِهَا لَكِنَّهَا تَكُونُ مُلَوَّنَةً أَيْضًا وَيُعَلِّقُونَ فِيهَا الْقَنَادِيلَ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَسَرَفٌ وَخُيَلَاءُ وَإِضَاعَةُ مَالٍ وَاسْتِعْمَالٌ لِمَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْقَنَادِيلِ مُلَوَّنًا .
وَبَعْضُهُمْ يَضُمُّ إلَى ذَلِكَ الْقَنَادِيلَ الْمُذَهَّبَةَ أَوْ الْمُلَوَّنَةَ أَوْ هُمَا مَعًا وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَابِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَالْبِدْعَةِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَمَحَبَّةِ الظُّهُورِ وَالْقِيلِ وَالْقَالِ .
فَكَيْفَمَا زَادَتْ فَضِيلَةُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ قَابَلُوهَا بِضِدِّهَا .
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ بِمَنِّهِ .
وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُونَ فِعْلًا مُحَرَّمًا وَهُوَ أَنَّهُمْ يَسْتَعِيرُونَ الْقَنَادِيلَ مِنْ مَسْجِدٍ آخَرَ وَهُوَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ قَنَادِيلَ هَذَا الْمَسْجِدِ وَقْفٌ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْهُ وَلَا اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَرَحٌ فِي طُولِ السَّنَةِ اسْتَعَارَ الْقَنَادِيلَ مِنْ مَسْجِدٍ وَاسْتَعْمَلَهَا فِي بَيْتِهِ لِلسَّمَاعِ وَالرَّقْصِ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَفْضَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْوُقُودِ إلَى اجْتِمَاعِ أَهْلِ الرِّيَبِ وَالشَّكِّ وَالْفُسُوقِ وَمَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ حَتَّى جَرَّ ذَلِكَ إلَى اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَعَ اخْتِلَاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَانْضَافَ إلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْوُقُودِ اجْتِمَاعُ اللُّصُوصِ وَتَشْوِيشُهُمْ عَلَى بَعْضِ الْحَاضِرِينَ وَانْضَافَ إلَيْهِ أَيْضًا كَثْرَةُ اللَّغَطِ فِي الْمَسْجِدِ وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ فِيهِ وَالْقِيلُ وَالْقَالُ إذْ إنَّهُ يَكُونُ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ وَيَخُوضُونَ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْ بَعْضِهَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَكَيْفَ بِهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْعَظِيمِ فَكَيْفَ بِهَا فِي لَيْلَةِ الْخَتْمِ مِنْهُ فَلْيُتَحَفَّظْ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَمَا شَاكَلَهُ جَهْدَهُ .
وَهَذَا إذَا كَانَ الزَّيْتُ مِنْ مَالِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ فَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي مَنْعِهِ .
وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْطُهُ .
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ } وَلِأَنَّهُ مِنْ بَابِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَهَذِهِ عَادَةٌ قَدْ اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِ الْوَقْفِ سِيَّمَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ سِيَّمَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ فِيهِ أَفْعَالًا لَا تَلِيقُ بِسَبَبِ سُكُوتِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى انْقِلَابِ
الْحَقَائِقِ .
إذْ إنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ سَرَفٌ وَبِدْعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ لَرُجِيَتْ لَهُمْ التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ وَلَكِنْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا عِنْدَهُمْ فَلَا يَتُوبُ أَحَدٌ مِنْ إظْهَارِ الشَّعَائِرِ وَفِعْلِهَا فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْمَخُوفِ فَلْيُغَيِّرْ ذَلِكَ مَهْمَا اسْتَطَاعَ جَهْدَهُ ، فَإِنْ عَدِمَ الِاسْتِطَاعَةَ فَلَا يُصَلِّي فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ؛ لِأَنَّ بِصَلَاتِهِ فِيهِ يَكْثُرُ سَوَادُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَيَكُونُ حُجَّةً إنْ كَانَ قُدْوَةً لِلْقَوْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ قَدْ كَانَ سَيِّدِي فُلَانٌ يَحْضُرُهُ وَلَا يُغَيِّرُهُ فَلَوْ كَانَ بِدْعَةً لَمَا حَضَرَهُ وَلَا رَضِيَ بِهِ .
وَهَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُعْضِلَةٌ إذْ إنَّ إثْمَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ أَوْ اسْتَحْسَنَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَا أَوْ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِهِ بِشُرُوطِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أُحْدِثَ فِي الدِّينِ فَلْيَجْتَنِبْ هَذَا جَهْدَهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ يَقُولُ إنَّهُ مُضْطَرٌّ لِلصَّلَاةِ فِيهِ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ إذْ إنَّ الْفَضِيلَةَ مَوْجُودَةٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إنْ كَانَ سَالِمًا مِمَّا ذُكِرَ وَيَتَأَكَّدُ التَّرْكُ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ قُدْوَةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا حَضَرْت أَمْرًا لَيْسَ بِطَاعَةٍ لِلَّهِ وَلَا تَقْدِرُ أَنْ تَنْهَى عَنْهُ فَتَنَحَّ عَنْهُمْ وَاتْرُكْهُمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إذَا شَهِدَهُ أَوْ عَلِمَهُ } نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِهِ
فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَسْجِدًا سَالِمًا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلْيُصَلِّ فِي بَيْتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ لَهُ وَأَقْرَبُ إلَى رِضَاءِ رَبِّهِ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ إذْ إنَّ ==================ج8888888888===
ج8. كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ أَقْرَبَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْيَوْمَ بُغْضُ الْبِدَعِ وَمَحَبَّةُ السُّنَنِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا وَمَحَبَّةُ أَهْلِهَا وَمُوَالَاتُهَا إذْ إنَّ الْفَنَّ قَدْ انْدَرَسَ إلَّا عِنْدَ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ فِي نَفْسِهِ وَيَنْهَى غَيْرَهُ عَمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ إحْضَارِهِمْ الْكِيزَانَ وَغَيْرَهَا مِنْ أَوَانِي الْمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ الْخَتْمِ فَإِذَا خَتَمَ الْقَارِئُ شَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَيَرْجِعُونَ بِهِ إلَى بُيُوتِهِمْ فَيُسْقُونَهُ لِأَهْلَيْهِمْ وَمَنْ شَاءُوا عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ وَهَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ لَا يَخْتَصُّ بِلَيْلَةِ الْخَتْمِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فَعَلُوا ذَلِكَ فِيهَا مِثْلُ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي لَيَالِي الْأَعْيَادِ وَالتَّهَالِيلِ وَالْمَآتِمِ وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَأَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَآخِرِ أَرْبِعَاءَ مِنْ السَّنَةِ الَّتِي اتَّخَذُوهَا لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ فَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ فَاتَتْهُ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُمْ مِنْ صِفَةِ خُرُوجِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ رِجَالًا وَنِسَاءً وَشُبَّانًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، فَإِنْ تَوَقَّعَ شَيْئًا مِمَّا يُخَالِفُ السُّنَّةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَصَلَاتُهُ فَذًّا فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ إذْ ذَاكَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْيِيرِ مَا هُنَالِكَ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ فِي تَوَاعُدِهِمْ لِلْخَتْمِ فَيَقُولُونَ فُلَانٌ يَخْتِمُ فِي لَيْلَةِ كَذَا وَفُلَانٌ يَخْتِمُ فِي لَيْلَةِ كَذَا وَيَعْرِضُ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالنَّوْبَةِ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ وَلَائِمُ تُعْمَلُ وَشَعَائِرُ تُظْهَرُ فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ غَالِبًا مِنْ انْتِصَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَيَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهُ إذْ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى أَعْنِي فِي مُوَاعَدَتِهِمْ فِي الْخَتْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ إنْسَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَخْتِمَ لِنَفْسِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ السَّنَةِ فَيَجْمَعُ أَهْلَهُ لِتَعُمَّهُمْ الرَّحْمَةُ ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِفِعْلِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى .
وَالثَّانِي : خِيفَةً مِمَّا قَدْ وَقَعَ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ فِي طُولِ السَّنَةِ لَكَانَ ذَلِكَ بِدْعَةً أَيْضًا إذْ إنَّ السُّنَّةَ الْمَاضِيَةَ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ إخْفَاؤُهُ مَهْمَا أَمْكَنَ فَهَذَا ذِكْرُ بَعْضِ مَا أَحْدَثُوهُ فَقِسْ عَلَيْهِ كُلَّ مَا رَابَك مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ تُصِبْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ آدَابِ الْمُؤَدِّبِ اعْلَمْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْآدَابِ فِي حَقِّ مَنْ تَقَدَّمَ إنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ فَرْعٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ إذْ إنَّ أَصْلَ كُلِّ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ إنَّمَا هُوَ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذْ هُوَ مَعْدِنُ الْجَمِيعِ وَهُوَ يَنْبُوعُ كُلِّ عِلْمٍ نَافِعٍ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَامِلُهُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ فِي التَّعْظِيمِ لِشَعَائِرِهِ وَالْمَشْيِ عَلَى سُنَنِ مَنْ تَقَدَّمَهُ فِي تَعْظِيمِهِ ذَلِكَ وَإِكْرَامِهِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُضْطَرٌّ مُحْتَاجٌ إلَى تَحْسِينِ النِّيَّةِ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ عَمِلَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ شَيْئًا يُرِيدُ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ } انْتَهَى وَمَعْلُومٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَصْلَ الْخَيْرِ إنَّمَا هُوَ الْقُرْآنُ فَهُوَ أَعْلَى أَعْمَالِ الْآخِرَةِ فَيَحْفَظُ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ لِسَبَبِ الِاسْتِجْلَابِ لِلرِّزْقِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَادَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا فَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ إذْ إنَّ اسْتِجْلَابَ الرِّزْقِ لَا يَسُوقُهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَإِنْ هُوَ جَلَسَ لَهُ فَهُوَ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ إذْ إنَّ الرِّزْقَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ بِذَلِكَ وَقَدْ حَرَمَ نَفْسَهُ خَيْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَزِيلًا .
وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ التَّرْكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالِانْتِقَالِ عَمَّا هُوَ فِيهِ بَلْ يَسْتَصْحِبُ الْحَالَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَكِنْ بِبَذْلِ النِّيَّةِ يَسْتَقِيمُ الْحَالُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَنْوِيَ بِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ الِامْتِثَالَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرْشَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ } وَالْمُرَادُ
بِالْخَيْرِ هُنَا خَيْرُ الْآخِرَةِ أَيْ أَنَّ عُمَّالَ الْآخِرَةِ كُلَّهُمْ هَذَا هُوَ مَقْدِمُهُمْ إذْ إنَّ مِنْهُ انْفَتَحَ سُلُوكُ طَرِيقِ الْآخِرَةِ وَهُوَ الطَّرِيقُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْخَطِّ وَالِاسْتِخْرَاجِ وَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ وَالْفَهْمِ لِلْمَسَائِلِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِفْتَاحُهُ الْمُؤَدِّبُ فَهُوَ أَوَّلُ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ التَّوْفِيقِ دَخَلَهُ الْمُكَلَّفُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَتْ مَزِيَّتُهُ وَكَيْفَ لَا وَهُوَ حَامِلٌ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ .
وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ شِئْت أَنْ أُوَقِّرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ أُمِّ الْقُرْآنِ لَفَعَلْت وَهَذَا مِنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ تَلَفُّظُهُ بِالسَّبْعِينَ كِنَايَةً مِنْهُ عَمَّا لَا نِهَايَةَ لَهُ إذْ إنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تُطْلِقُ السَّبْعِينَ عَلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاَللَّهِ لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ مَا لَمْ أُنْهَ ، فَنَزَلَتْ { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ ، وَإِلَّا فَالْأَمْرُ يَجِلُّ عَنْ أَنْ يَأْخُذَهُ حَصْرٌ أَوْ حَدٌّ .
وَانْظُرْ بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ إلَى قَوْله تَعَالَى { وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } فَإِنَّك إذَا نَظَرْت إلَى هَذَا وَجَدْته مُشَاهَدًا مَرْئِيًّا بِالْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ إذْ إنَّ الْبِحَارَ كُلَّهَا عَلَى عِظَمِهَا وَكَثْرَتِهَا وَمَدَدِهَا الدَّائِمِ مُفْتَقِرَةٌ إلَى مَنْ يَمُدُّهَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ نُقْطَةٍ مِنْهَا
مُحْتَاجَةٌ لِكَتْبِ مَا يَجْرِي عَلَيْهَا مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ حِينِ بُرُوزِهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ وَمِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ بَرَزَتْ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَصْلُهَا وَعَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ تُسْلَكُ وَمَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا مِنْ الْأَعْرَاضِ وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ تَسْتَقِرُّ فَهِيَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا لِمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فَبَقِيَتْ الْعَوَالِمُ كُلُّهَا دُونَ شَيْءٍ تَكْتُبُ بِهِ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهَذَا تَنْبِيهٌ لِمَنْ لَهُ يَقَظَةٌ فَيَنْظُرُ وَيَعْتَبِرُ .
وَقَدْ يَجْتَمِعُ لِلْمُؤَدِّبِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ الْغَالِبُ لِمَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ إخْبَارًا عَنْ { رَبِّ الْعِزَّةِ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ يَقُولُ يَا دُنْيَا اُخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي وَأَتْعِبِي مَنْ خَدَمَك } فَإِذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ بِجُلُوسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَأَنْ يُعَلِّمَ آيَةً لِجَاهِلٍ بِهَا وَلِكَيْ يَصِحَّ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ بِتَعْلِيمِهِ أُمَّ الْقُرْآنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَفْعِهِ الْعَامِّ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَهُوَ قَدْ بَدَأَ بِحَظِّهِ مِنْ آخِرَتِهِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ بَدَأَ بِحَظِّهِ مِنْ دُنْيَاهُ فَإِنَّهُ حَظُّهُ مِنْ آخِرَتِهِ وَلَمْ يَنَلْ مِنْ دُنْيَاهُ إلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ بَدَأَ بِحَظِّهِ مِنْ آخِرَتِهِ نَالَ حَظَّهُ مِنْ آخِرَتِهِ وَلَمْ يَفُتْهُ مِنْ دُنْيَاهُ مَا قُسِمَ لَهُ } أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الدُّنْيَا تَجِيءُ رَاغِمَةً لِطُلَّابِ الْآخِرَةِ فَكَمْ مِنْ زَاهِدٍ فِيهَا وَمُتَوَرِّعٍ وَفَقِيرٍ وَمُتَوَجِّهٍ صَادِقٍ فِي تَنَزُّهِهِ وَتَوَجُّهِهِ وَعَالِمٍ صَادِقٍ فِي عِلْمِهِ وَطَالِبِ عِلْمٍ صَادِقٍ فِي تَعَلُّمِهِ وَعَارِفٍ وَمُبْتَدٍ وَمُنْتَهٍ أَتَتْهُمْ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ مَعَ فَرَاغِهِمْ لِمَا هُمْ بِصَدَدِهِ كُلُّ ذَلِكَ أَصْلُهُ مَا جَلَسَ هَذَا إلَيْهِ فَالْكُلُّ فَرْعٌ عَنْهُ وَرَاجِعٌ إلَيْهِ .
فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَظِّمَ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ هَذَا الْمَجْلِسِ الشَّرِيفِ وَأَنْ لَا يَشِينَهُ بِشَيْنِ الْمُخَالَفَةِ وَالِاعْتِقَادِ الرَّدِيءِ وَالدَّسَائِسِ وَالنَّزَغَاتِ الَّتِي تَطْرَأُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ كَثِيرَةٌ .
وَدَوَاءُ ذَلِكَ إنْ وَقَعَ صِدْقُ الِافْتِقَارِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّةُ الثِّقَةِ بِمَضْمُونِهِ وَالنُّزُولُ بِسَاحَتِهِ وَالِاتِّصَافُ بِصِفَاتِ الْمُحْتَاجِينَ الْمُضْطَرِّينَ الَّذِينَ لَا أَرَبَ لَهُمْ وَلَا اخْتِيَارَ إلَّا مَوْلَاهُمْ فَهُوَ مَقْصُودُهُمْ وَمَطْلُوبُهُمْ الَّذِي عَلَيْهِ يُعَوِّلُونَ وَإِلَيْهِ يَلْجَئُونَ وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ إذْ إنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَرُدُّ قَاصِدَهُ
وَلَا يُخَيِّبُ مَنْ سَأَلَهُ وَهُوَ أَكْرَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ لَا يُعْطِيَ حَتَّى يُسْأَلَ فَكَيْفَ بِمَنْ نَزَلَ بِسَاحَتِهِ وَتَضَرَّعَ إلَيْهِ وَأَلْقَى كَتِفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا فَعَلَ مَا ذُكِرَ عَادَتْ بَرَكَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سِرًّا وَعَلَنًا إمَّا حِسًّا وَإِمَّا مَعْنًى أَوْ كِلَاهُمَا .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ حَدِيثًا قَالَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { خَيْرُ النَّاسِ وَخَيْرُ مَنْ يَمْشِي عَلَى جَدِيدِ الْأَرْضِ الْمُعَلِّمُونَ كُلَّمَا خَلِقَ الدِّينُ جَدَّدُوهُ أَعْطُوهُمْ وَلَا تَسْتَأْجِرُوهُمْ فَتُحْرِجُوهُمْ فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ إذَا قَالَ لِلصَّبِيِّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ الصَّبِيُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَاءَةً لِلْمُعَلِّمِ وَبَرَاءَةً لِلصَّبِيِّ وَبَرَاءَةً لِأَبَوَيْهِ مِنْ النَّارِ } انْتَهَى .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْوِي فِي جُلُوسِهِ لِلتَّعْلِيمِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَقِّ الْعَالِمِ وَآدَابِهِ وَهَدْيِهِ وَهَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا بِذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُهُ فَرْعٌ عَنْهُ .
وَإِنَّمَا وَقَعَ تَأْخِيرُ ذِكْرِهِ إلَى هُنَا ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا مَضَى أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ الْعَالِمَ نَفْعُهُ عَامٌّ لِأَجْلِ مَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وَإِقَامَةِ مَنَارِ الْإِسْلَامِ وَفَتَاوِيه الَّتِي يُعْبَدُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَلَا يُعْصَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعَالِمِ أَنَّ نِيَّتَهُ تَكُونُ لِإِظْهَارِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَلَا يَنْظُرُ إلَى الْمَعْلُومِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ، فَإِنْ جَاءَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ أَنَّهُ فُتُوحٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ وَكَذَلِكَ مَا هُنَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ .
فَيَرْكَبُ الطَّرِيقَةَ الْوُسْطَى لَا شَرْقِيَّةً وَلَا غَرْبِيَّةً وَيَكُونُ
الصِّبْيَانُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُشَرِّفُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَابْنُ الْفَقِيرِ وَابْنُ صَاحِبِ الدُّنْيَا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْطَاهُ وَمَنْ مَنَعَهُ إذْ بِهَذَا يَتَبَيَّنُ صِدْقُ حَالِهِ فِيمَا هُوَ بِصَدَدِهِ ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مَنْ أَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِمَّنْ لَمْ يُعْطِهِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ فِي نِيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَالِمِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمَعْلُومُ فَتَسَخَّطَ وَتَضَجَّرَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ نِيَّتِهِ فَكَذَلِكَ مَا هُنَا بَلْ يَكُونُ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ أَرْجَى عِنْدَهُ مِمَّنْ يُعْطِيه ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ تَمَحَّصَ تَعْلِيمُهُ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَنْ أَعْطَاهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَشُوبًا بِدَسِيسَةٍ لَا تُعْلَمُ السَّلَامَةُ فِيهِ مَعَهَا وَالسَّلَامَةُ أَوْلَى مَا يَغْتَنِمُ الْمَرْءُ فَيَغْتَنِمُهَا الْعَاقِلُ .
فَإِذَا جَلَسَ لِمَا ذُكِرَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبُوحَ بِنِيَّتِهِ لِأَحَدٍ وَلَا يَذْكُرُهَا لَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُطْلِعُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّيَّةَ لَا يُجْهَرُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنْ جُهِرَ بِهَا فَقَوْلَانِ هَلْ تُكْرَهُ أَمْ لَا وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ مَعَ كَثْرَةِ مَعْرِفَتِهِمْ لَا يُبَالُونَ أَيْنَ يَضَعُونَهُ فَكَيْفَ بِقَارِئِ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ بِمَنْ انْقَطَعَ لِتَعْلِيمِهِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ عَلَى عَكْسِ حَالِ مَنْ تَقَدَّمَ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي الْغَالِبِ أَنَّ الْمُعَلِّمَ يُعَلِّمُ كِتَابَ اللَّهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَلَّ مَنْ يُعْطِيه شَيْئًا فَيَجِيءُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُهُ إذَا وَجَدَ الْفَقِيرُ فِي هَذَا الزَّمَانِ قُوتَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَاجُ لِأَحَدٍ فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَرَامَاتِ وَكَانَ يُعَلِّلُ ذَلِكَ
وَيَقُولُ إنَّ النَّاسَ قَدْ انْقَسَمُوا فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى قِسْمَيْنِ فِي الْغَالِبِ فَمِنْهُمْ مُعْتَقِدٌ وَمِنْهُمْ مُسِيءُ الظَّنِّ فَالْمُسِيءُ الظَّنِّ إنْ لَمْ يَضُرَّك لَا يَنْفَعُك وَالْمُحْسِنُ الظَّنِّ قَدْ خَرَجَ بِحُسْنِ ظَنِّهِ عَنْ الْحَدِّ فَيُعَدُّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ فَمَا يَصِلُك مِنْهُ نَفْعٌ أَصْلًا فَإِذَا وَجَدَ الْفَقِيرُ الْقُوتَ فِي زَمَانِ مَنْ هَذَا حَالُهُمْ كَانَ ذَلِكَ كَرَامَةً فِي حَقِّهِ إذْ إنَّ الْكَرَامَةَ إنَّمَا هِيَ خَرْقُ الْعَادَةِ وَمَا جَرَى لِهَذَا فَهُوَ خَرْقُ عَادَةٍ وَالْمُؤَدِّبُ مِثْلُهُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَإِذَا شَعَرُوا مِنْهُ أَنَّهُ يُعَلِّمُ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَهُ شَيْئًا لِعَدَمِ مُطَالَبَتِهِ إيَّاهُمْ هَذَا حَالُهُمْ فِي أُمُورِ آخِرَتِهِمْ بِخِلَافِ أَسْبَابِ دُنْيَاهُمْ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحْوَالِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا أَنْ دَخَلَ وَلَدُهُ الْمَكْتَبَ وَقَرَأَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَاءَ إلَى وَالِدِهِ بِلَوْحِ الْإِصْرَافَةِ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ يُعْطِيهَا لِلْفَقِيهِ فَلَمَّا أَنْ حَصَلَتْ عِنْدَ الْفَقِيهِ اجْتَمَعَ بِالشَّيْخِ وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي وَأَيُّ شَيْءٍ عَمِلْته حَتَّى تُقَابِلَنِي بِهَذَا الْعَطَاءِ فَقَالَ لَهُ وَاَللَّهِ لَا قَرَأَ عَلَيْك ابْنِي شَيْئًا بَعْدَ الْيَوْمِ فَقَالَ لَهُ وَلِمَ ذَلِكَ فَقَالَ ؛ لِأَنَّك اسْتَعْظَمْت مَا حَقَّرَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الدُّنْيَا وَاسْتَصْغَرْت مَا عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْقُرْآنُ وَالْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ الْيَوْمَ هَذَا الْحَالُ وَهُوَ اسْتِعْظَامُ الدُّنْيَا فِي قُلُوبِهِمْ وَاسْتِصْغَارُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَا يُظْهِرُ الْمُؤَدِّبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُ جَلَسَ يُقْرِئُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَلْ يُظْهِرُ أَنَّهُ جَلَسَ لِلْمَعْلُومِ وَنِيَّتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَسْبَابِ أَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ يَتَسَبَّبُ بِسَبَبٍ حَرَامٍ عَلَى أَنْوَاعِهِ مِنْ مَكْسٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا يَأْخُذُ مِمَّا أَتَى بِهِ الصَّبِيُّ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ شَيْئًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَأْتِيه مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْجِهَاتِ الْمُحَذَّرِ مِنْهَا مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِشَيْءٍ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ وَجْهٍ مَسْتُورٍ بِالْعِلْمِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي إقْرَائِهِ لِلْوَلَدِ الَّذِي يَكُونُ مُتَّصِفًا وَلِيُّهُ بِمَا ذُكِرَ أَنْ لَا يُوَالِيَ وَالِدَ الصَّبِيِّ بِإِقْبَالٍ عَلَيْهِ وَلَا بِسَلَامٍ وَلَا بِكَلَامٍ وَلَا جَوَابٍ إذْ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ بِشُرُوطِهِ فَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يَرْجِعْ لَمْ يَبْقَ فِي حَقِّهِ مِنْ التَّغْيِيرِ إلَّا الْهِجْرَانُ لَهُ وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَدْ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ هِجْرَانِهِ وَذَلِكَ حَرَامٌ .
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ لَهُ تَحَرُّزٌ عِنْدَهُ وَلَدٌ لَهُ وَالِدٌ وَكِيلٌ عَلَى بَعْضِ الْجِهَاتِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا إذَا جَاءَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ سَلَامًا وَإِذَا كَلَّمَهُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ جَوَابًا وَكَانَ لَا يَأْخُذُ مِنْ الصَّبِيِّ شَيْئًا إلَّا مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ هُوَ سَالِمٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ جِهَةُ الْحَلَالِ فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا وَيَحْذَرُ مِنْ هَذَا جَهْدَهُ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ إذْ إنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ مِنْ أَرْبَابِهِ بِالظُّلْمِ وَالْمُصَادَرَةِ وَالْقَهْرِ وَهُوَ يَأْخُذُهُ عَلَى ظَاهِرِ أَنَّهُ حَلَالٌ فِي زَعْمِهِ وَهَذَا أَعْظَمُ فِي التَّحْرِيمِ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ حَرَامًا وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي نِيَّتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَى وَالْأَرْجَحِ .
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقْرِئَ النَّاسَ الْقُرْآنَ بِعِوَضٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّهُ أَحَلُّ شَيْءٍ يَكُونُ .
وَمِنْ كِتَابِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ إجَارَةِ الْمُعَلِّمِينَ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ فَيُعْطَى قِيلَ لَهُ إنَّهُ يُعَلِّمُ مُشَاهَرَةً وَيَطْلُبُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا زَالَ الْمُعَلِّمُونَ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ انْتَهَى .
لَكِنْ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوْلَى لِمَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ } أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَمِنْ أَكْبَرِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا خُلُوُّ الْقَلْبِ عَنْهَا وَتَرْكُ النَّظَرِ إلَيْهَا وَتَرْكُ السَّبَبِ } هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَالُ حَامِلِ الْقُرْآنِ إذْ إنَّهُ أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَالُهُ أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْسُهُ تَتَشَوَّفُ إلَى الْمَعْلُومِ فَالِاقْتِدَاءُ بِالْكِرَامِ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ نِعْمَةٌ شَامِلَةٌ وَالْمَرْجُوُّ مِنْ الَّذِي أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَنْ يُتَمِّمَ نِعْمَتَهُ بِالِاتِّبَاعِ فِي الْبَاطِنِ وَمَنْ نَزَلَ سَاحَةَ الْكِرَامِ فَهُوَ مَحْمُولٌ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْكَرِيمَ أَنْ يَحْمِلَنَا بِفَضْلِهِ وَيَحْمِلَ عَنَّا بِمَنِّهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ
فَصْلٌ فِي صِفَةِ تَوْفِيَتِهِ بِمَا نَوَاهُ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا نَوَى مَا ذُكِرَ فَلْيَجْتَهِدْ فِي التَّعْلِيمِ أَكْثَرَ مِنْ تَعْلِيمِ مَنْ يَأْخُذُ الْعِوَضَ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُقْرِئُ بِغَيْرِ عِوَضٍ تَمَحَّصَ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ أَرْجَى فِي صِحَّةِ إخْلَاصِهِ وَبَعْضُ النَّاسِ يَفْعَلُ ضِدَّ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِأَخْذِ عِوَضٍ بِفِعْلِ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِرَاحَةِ وَالْتَوَانِي إنْ تَفَرَّغَ لِذَلِكَ فَعَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ مُحْتَجًّا بِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ لِعَدَمِ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ وَمَا يَشْعُرُ أَنَّهُ قَدْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي أَمْرٍ خَطِرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } وقَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ حِرْصُهُ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي نَوَاهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوفِيَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ الْعِوَضَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَآخَرَ يُصَلِّي بِعِوَضٍ فَيَكُونُ الَّذِي يُصَلِّي بِلَا عِوَضٍ أَحْرَصَ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ وَالْمُبَادَرَةِ مِنْ الَّذِي يُصَلِّي بِالْعِوَضِ بَلْ يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى حِرْصًا مِنْهُ عَلَى التَّوْفِيَةِ بِمَا الْتَزَمَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَوْ قَالَ نَوَيْت بِتَعْلِيمِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إنْ قَدَرْت عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَهُ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِ الْبِرِّ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْمُسْلِمُ فَلْيُحَافِظْ عَلَى ذَلِكَ جَهْدَهُ وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي التَّجَاوُزِ عَنْ التَّقْصِيرِ بِمَنِّهِ وَقَدْ يُضْطَرُّ بَعْضُ الْمُؤَدِّبِينَ إلَى أَخْذِ الْعِوَضِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَهُوَ أَحَلُّ مَا يَأْكُلُهُ الْمَرْءُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ } وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَإِذَا أَخَذَ الْعِوَضَ فَلْيَحْتَرِزْ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ جِهَةِ الصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ وَلِيُّهُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَأَكْلُهُ لِذَلِكَ سُحْتٌ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ
فَصْلٌ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ الْمُؤَدِّبُ الصَّبِيَّ مِنْ الْآدَابِ وَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ الصِّبْيَانِ يَأْتِي إلَى الْكُتَّابِ بِغِذَائِهِ وَلَا بِفِضَّةٍ مَعَهُ وَلَا فُلُوسٍ لِيَشْتَرِيَ شَيْئًا فِي الْمَكْتَبِ ؛ لِأَنَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ تَتْلَفُ أَحْوَالُهُمْ وَيَنْكَسِرُ خَاطِرُ الصَّغِيرِ الْفَقِيرِ مِنْهُمْ وَالضَّعِيفِ لِمَا يَرَى مِنْ جِدَةِ غَيْرِهِ فَيَدْخُلُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ ضَارَّ بِمُسْلِمٍ أَضَرَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ } انْتَهَى ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْفَقِيرِ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ مُنْكَسِرًا خَاطِرُهُ مُتَشَوِّشًا فِي نَفْسِهِ غَيْرَ رَاضٍ بِنَفَقَةِ وَالِدَيْهِ عَلَيْهِ لِمَا يَرَى مِنْ نَفَقَةِ مَنْ لَهُ اتِّسَاعٌ فِي الدُّنْيَا وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ جُمْلَةٌ قَلَّ أَنْ تَنْحَصِرَ وَفِيمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ كِفَايَةٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَدَعَ أَحَدًا مِنْ الْبَيَّاعِينَ يَقِفُ عَلَى الْمَكْتَبِ لِيَبِيعَ لِلصِّبْيَانِ إذْ فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ إنْ اُشْتُرِيَ مِنْهُ .
وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ لَا يُكْثِرَ الْكَلَامَ مَعَ مَنْ مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ إخْوَانِهِ إذْ مَا هُوَ فِيهِ آكِدٌ عَلَيْهِ مِنْ الْحَدِيثِ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِأَكْبَرِ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضٌ أَوْ أَمْرٌ هُوَ أَهَمُّ فِي الْوَقْتِ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَنَعَمْ .
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُؤَدِّبِينَ تَجِدُهُمْ بِضِدِّ هَذَا الْحَالِ يَتَحَدَّثُونَ كَثِيرًا مَعَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَالصِّبْيَانُ يُبْطِلُونَ مَا هُمْ فِيهِ وَيَلْهُونَ عَنْهُ وَيَلْعَبُونَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذَا أَنْ يَقَعَ مِنْهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْكُتَّابِ بِالسُّوقِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى شَوَارِعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي الدَّكَاكِينِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ بِمَسْلُوكٍ لِلنَّاسِ فَإِنَّ الصِّبْيَانَ يُسْرِعُ إلَيْهِمْ الْقِيلُ وَالْقَالُ فَإِذَا كَانَ بِالسُّوقِ أَوْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ فِي الدَّكَاكِينِ ذَهَبَ عَنْهُمْ ذَلِكَ وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى عَظِيمَةٌ وَهِيَ إظْهَارُ الشَّعَائِرِ ؛ لِأَنَّهُ أَجَلُّهَا كَذَلِكَ يَحْذَرُ أَنْ يَتَّخِذَ الْكُتَّابَ فِي الْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ } انْتَهَى .
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَكْتَبُ فِي مَوْضِعٍ يَخْفَى عَنْ أَعْيُنِ الْمَارِّينَ فِي الطَّرِيقِ إذْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا لَا يَخْفَى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّبْيَانَ يَكُونُونَ عِنْدَهُ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فَابْنُ الْفَقِيرِ وَابْنُ الْغَنِيِّ سَوَاءٌ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَتْرُكُ دَكَّةً تَدْخُلُ لَهُ الْكُتَّابَ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَرْفِيعًا لِابْنِ الْغَنِيِّ عَلَى غَيْرِهِ وَانْكِسَارًا لِخَاطِرِ الْفَقِيرِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ جَبْرٍ لَا مَوْضِعُ كَسْرٍ إذْ اللَّائِقُ بِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ مِنْ الْعَدْلِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْخَيْرِ فَتَكُونُ بِدَايَةُ أَمْرِ الصِّبْيَانِ عَلَى الْمَنْهَجِ الْأَقْوَمِ وَالطَّرِيقِ الْأَرْشَدِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِيهِ الصِّبْيَانُ فِيهِ لِضَرُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ مَعْلُومًا إمَّا أَنْ يَكُونَ وَقْفًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكًا أَبَاحَهُ صَاحِبُهُ وَيُؤْمَنُ عَلَى الصِّبْيَانِ فِيهِ ، فَإِنْ عُدِمَا مَعًا أَوْ عُدِمَ الْأَمْنُ فَكُلُّ وَاحِدٍ يَمْضِي إلَى بَيْتِهِ لِيُزِيلَ ضَرُورَتَهُ ثُمَّ يَعُودَ وَإِذَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ الصِّبْيَانِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ فَلَا يَتْرُكُ غَيْرَهُ يَخْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا خَرَجُوا جَمِيعًا يُخْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ اللَّعِبِ بِسَبَبِ الِاجْتِمَاعِ وَقَدْ يُبْطِئُونَ فِي الرُّجُوعِ إلَى الْمَكْتَبِ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى حَالِهِمْ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا احْتَاجَ الصَّبِيُّ إلَى غِذَائِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ يَمْضِي إلَى بَيْتِهِ لِغِذَائِهِ ثُمَّ يَعُودُ ؛ لِأَنَّهُ سِتْرٌ عَلَى الْفَقِيرِ وَفِيهِ أَيْضًا تَعْلِيمُ الْأَدَبِ لِلصِّبْيَانِ فِي حَالِ صِغَرِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا بَيْنَ الْإِخْوَانِ وَالْمَعَارِفِ دُونَ الْأَجَانِبِ فَإِذَا نَشَأَ الصَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مُتَأَدِّبًا بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ فَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا يَتَعَاطَاهُ بَعْضُ عَامَّةِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الْأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ وَفِي الْأَسْوَاقِ وَبِحَضْرَةِ مَنْ يَعْرِفُهُ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ وَلَا مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ وَقَدْ قِيلَ لَا يَأْكُلُ عَلَى الطَّرِيقِ إلَّا كَرِيمٌ أَوْ لَئِيمٌ .
وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ الْأَكْلِ وَالْعَيْنَانِ تَنْظُرَانِ .
فَإِذَا مَضَوْا إلَى ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ السَّطْوَةَ عَلَيْهِمْ إذَا غَابُوا أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى اجْتِمَاعِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَوُقُوعِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْهُمْ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى تَعْلِيمَ الْجَمِيعِ بِنَفْسِهِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فَلْيَأْمُرْ بَعْضَهُمْ أَنْ يُقْرِئَ بَعْضًا وَذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يُخَلِّي نَظَرَهُ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَفَلَ قَدْ تَقَعُ مِنْهُمْ مَفَاسِدُ جُمْلَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِي بَالٍ ؛ لِأَنَّ عُقُولَهُمْ لَمْ تَتِمَّ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ إذَا غَفَلْت عَنْهُ وَقْتًا مَا فَسَدَ أَمْرُهُ وَتَلِفَ حَالُهُ فِي الْغَالِبِ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا وَكَّلَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أَنْ لَا يَجْعَلَ صِبْيَانًا مَعْلُومِينَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَلْ يُبَدِّلُ الصِّبْيَانَ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى الْعُرَفَاءِ مَرَّةً يُعْطِي صِبْيَانَ هَذَا لِهَذَا وَصِبْيَانَ هَذَا لِهَذَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِوَاحِدٍ صِبْيَانٌ مَعْلُومُونَ فَقَدْ تَنْشَأُ بَيْنَهُمْ مَفَاسِدُ بِسَبَبِ الْوُدِّ لَا يَشْعُرُ بِهَا فَإِذَا فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَلِمَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَيَفْعَلُ هُوَ فِي نَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَأْخُذُ صِبْيَانَهُمْ تَارَةً وَيَدْفَعُ لَهُمْ آخَرِينَ ، فَإِنْ كَانَ الصِّبْيَانُ كُلُّهُمْ صِغَارًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِنَفْسِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَلْيَأْخُذْ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمَأْمُونِينَ شَرْعًا بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الْإِقْرَاءِ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّ السَّلَفَ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ إنَّمَا كَانُوا يُقْرِئُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي سَبْعِ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ يُؤْمَرُ الْوَلِيُّ أَنْ يُكَلِّفَ الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ وَالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهِ فَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي ذَلِكَ السِّنِّ فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى مَنْ يَأْتِي بِهِ إلَى الْمَكْتَبِ إنْ أَمِنَ عَلَيْهِ غَالِبًا ، فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهِ فَلْيُرْسِلْ مَعَهُ وَلِيُّهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ فِي ذَهَابِهِ إلَى بَيْتِهِ لِضَرُورَتِهِ وَغِذَائِهِ وَمَنْ يَأْتِي بِهِ إلَى الْمَكْتَبِ فَهُوَ أَسْلَمُ عَاقِبَةً مِنْ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ مِنْ الْمَكْتَبِ وَالْغَالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ أَوْلَادَهُمْ الْمَكْتَبَ فِي حَالِ الصِّغَرِ بِحَيْثُ إنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يُرَبِّيهِمْ وَيَسُوقُهُمْ إلَى الْمَكْتَبِ وَيَرُدُّهُمْ إلَى بُيُوتِهِمْ بَلْ بَعْضُهُمْ يَكُونُ سِنُّهُ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْسِكَ ضَرُورَةَ نَفْسِهِ بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَكْتَبِ وَيُلَوِّثُ بِهِ ثِيَابَهُ وَمَكَانَهُ فَلْيَحْذَرْ مِنْ أَنْ يُقْرِئَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إقْرَائِهِ لَهُمْ إلَّا وُجُودُ التَّعَبِ غَالِبًا وَتَلْوِيثُ مَوْضِعِ الْقُرْآنِ وَتَنْزِيهُهُ عَنْ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ أَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ انْتِفَاعِ الصِّبْيَانِ بِالْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ السِّنِّ غَالِبًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُرْسِلُونَ أَوْلَادَهُمْ إلَى الْمَكْتَبِ فِي حَالِ صِغَرِهِمْ لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِهِمْ لَا لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ وَحَامِلُ الْقُرْآنِ يَجِلُّ مَنْصِبُهُ الرَّفِيعُ عَنْ تَرْبِيَةِ مَنْ هَذَا حَالُهُمْ وَفِي إقْرَائِهِ لِغَيْرِهِمْ سَعَةٌ وَفَائِدَةٌ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَهُمْ آدَابَ الدِّينِ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ الْقُرْآنَ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا كُلَّ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ قِرَاءَةٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِهِمَا إذْ ذَاكَ فَيُعَلِّمُهُمْ السُّنَّةَ فِي حِكَايَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَ الْأَذَانِ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ الشَّرِيفِ ثُمَّ يُعَلِّمُهُمْ حُكْمَ الِاسْتِبْرَاءِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ وَالرُّكُوعُ بَعْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَتَوَابِعُهَا وَيَأْخُذُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَلِيلًا قَلِيلًا وَلَوْ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَتْرُكَهُمْ يَشْتَغِلُونَ بَعْدَ الْأَذَانِ بِغَيْرِ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ بَلْ يَتْرُكُونَ كُلَّ مَا هُمْ فِيهِ وَيَشْتَغِلُونَ بِذَلِكَ حَتَّى يُصَلُّوا فِي جَمَاعَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِمْ يَمْضُونَ إلَى مَوْضِعِ وَقْفٍ أَوْ مَوْضِعِ مِلْكٍ أُبِيحَ لَهُمْ أَوْ إلَى بُيُوتِهِمْ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَيُصَلُّونَ جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ مُؤَدِّبُهُمْ ، فَإِنْ خَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ اللَّعِبِ أَوْ الْعَبَثِ فَيُصَلُّونَ فِي الْمَكْتَبِ جَمِيعًا وَيُقَدِّمُونَ أَكْبَرَهُمْ فِيهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ جَمَاعَةً .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَوِّدَهُمْ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُسَامِحُهُمْ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَلَا يُعَوِّدَهُمْ الصَّلَاةَ أَفْذَاذًا ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا أَعْنِي شُهُودَ الْجَمَاعَةِ هَلْ هِيَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ .
فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ وَتَوَابِعِهَا رَجَعُوا لِمَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْوَظَائِفِ فِي الْمَكْتَبِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَقْتُ كَتْبِهِمْ الْأَلْوَاحَ مَعْلُومًا وَوَقْتُ تَصْوِيبِهَا مَعْلُومًا وَوَقْتُ عَرْضِهَا مَعْلُومًا وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْأَحْزَابِ حَتَّى يَنْضَبِطَ الْحَالُ وَلَا يَخْتَلَّ النِّظَامُ وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْهُمْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ قَابَلَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فَرُبَّ صَبِيٍّ يَكْفِيه عُبُوسَةُ وَجْهِهِ عَلَيْهِ وَآخَرَ لَا يَرْتَدِعُ إلَّا بِالْكَلَامِ الْغَلِيظِ وَالتَّهْدِيدِ وَآخَرَ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِالضَّرْبِ وَالْإِهَانَةِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ .
وَقَدْ جَاءَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يُضْرَبُ عَلَيْهَا إلَّا لِعَشْرٍ فَمَا سِوَاهَا أَحْرَى فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُمْ بِالرِّفْقِ مَهْمَا أَمْكَنَهُ إذْ إنَّهُ لَا يَجِبُ ضَرْبُهُمْ فِي هَذَا السِّنِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ فِي سِنِّ مَنْ يُضْرَبُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَاضْطُرَّ إلَى ضَرْبِهِ ضَرَبَهُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ شَيْئًا بِذَلِكَ مَضَتْ عَادَةُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ فِيمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ سَعَةٌ .
لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْآلَةُ الَّتِي يَضْرِبُ بِهَا دُونَ الْآلَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تُقَامُ بِهَا الْحُدُودُ وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ { رَجُلًا اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ فَوْقَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ دُونَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلَانَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُلِدَ } .
وَلَا يَكُونُ الْأَدَبُ بِأَكْثَرَ مِنْ الْعَشَرَةِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَطْرَأُ عَلَى الصَّبِيِّ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ .
وَلْيَحْذَرْ الْحَذَرَ الْكُلِّيَّ مِنْ فِعْلِ بَعْضِ الْمُؤَدِّبِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّهُمْ
يَتَعَاطَوْنَ آلَةً اتَّخَذُوهَا لِضَرْبِ الصِّبْيَانِ مِثْلَ عَصَا اللَّوْزِ الْيَابِسِ وَالْجَرِيدِ الْمُشَرَّحِ وَالْأَسْوَاطِ النُّوبِيَّةِ وَالْفَلَقَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا أَحْدَثُوهُ وَهُوَ كَثِيرٌ وَلَا يَلِيقُ هَذَا بِمَنْ يُنْسَبُ إلَى حَمْلِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ إذْ إنَّ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّمَا أُدْرِجَتْ النُّبُوَّةُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إلَيْهِ }
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ الْخَطَّ وَالِاسْتِخْرَاجَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ حِفْظَ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُمْ بِذَلِكَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى الْحِفْظِ وَالْفَهْمِ فَهُوَ أَكْبَرُ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى مُطَالَعَةِ الْكُتُبِ وَفَهْمِ مَسَائِلِهَا .
وَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لِمَسْحِ الْأَلْوَاحِ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ مُصَانٌ نَظِيفٌ لَا يُمْشَى فِيهِ بِالْأَقْدَامِ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَأْخُذُ الْمَاءَ الَّذِي يَجْتَمِعُ مِنْ الْمَسْحِ فَيَحْفِرُ لَهُ فِي مَكَان طَاهِرٍ مُصَانٍ عَنْ أَنْ يَطَأَهُ قَدَمٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ أَوْ يُلْقَى فِي الْبَحْرِ أَوْ الْبِئْرِ أَوْ يُجْعَلُ فِي إنَاءٍ طَاهِرٍ لِكَيْ يَسْتَشْفِيَ بِهِ مَنْ يَخْتَارُ ذَلِكَ الْمَاءَ وَكَذَلِكَ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ الْخِرَقَ بَعْدَ الْمَسْحِ يُجْعَلُ فِي مَوْضِعٍ بِحَيْثُ لَا يُمْتَهَنُ وَيُشْتَرَطُ فِي الْخِرَقِ الَّتِي يُمْسَحُ بِهَا الْأَلْوَاحُ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً وَأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الَّذِي تُبَلُّ مِنْهُ حِينَ يُمْسَحُ بِهِ طَاهِرًا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكُونَ حُلْوًا فَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرَبُهُ لِلِاسْتِشْفَاءِ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ أُجَاجًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ تَنَغَّصَ بِشُرْبِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْآنِيَةِ إذَا غُسِلَتْ فِيهَا الْأَيْدِي بَعْدَ الْأَكْلِ أَنَّهُ لَا يُبْصَقُ فِيهَا وَلَا يُغْسَلُ فِيهَا بِأُشْنَانٍ وَلَا غَيْرِهِ خِيفَةَ أَنْ يَشْرَبَهُ مَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَفِي الْمَاءِ الَّذِي تُمْسَحُ بِهِ الْأَلْوَاحُ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى .
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ الصِّبْيَانَ مِمَّا اعْتَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَمْسَحُونَ الْأَلْوَاحَ أَوْ بَعْضَهَا بِبُصَاقِهِمْ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْبُصَاقَ مُسْتَقْذَرٌ وَفِيهِ امْتِهَانٌ وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ تَرْفِيعٍ وَتَعْظِيمٍ وَتَبْجِيلٍ فَيُجَلُّ عَنْ ذَلِكَ وَيُنَزَّهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُسَامِحَ الصِّبْيَانَ فِي دَقِّ الْمَسَامِيرِ فِي الْمَكْتَبِ إنْ كَانَ وَقْفًا ، وَإِنْ كَانَ مِلْكًا فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ إذْ إنَّهُمْ مَأْمُورُونَ أَنْ يَأْكُلُوا فِي بُيُوتِهِمْ لَا فِي الْمَكْتَبِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ بَيْتُهُ بَعِيدًا بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الذَّهَابُ وَالرُّجُوعُ فَيُكَلِّفُهُ الْمُؤَدِّبُ أَنْ يَمْضِيَ إلَى بَيْتِ أَحَدِ أَقَارِبِهِ مِنْ وَالِدَيْهِ أَوْ مَعَارِفِهِمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَجْعَلْ وَقْتَ غِذَائِهِ حِينَ يَنْصَرِفُ الصِّبْيَانُ إلَى غِذَائِهِمْ وَقَبْلَ أَنْ يَرْجِعُوا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤَدِّبَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَيُعَلِّمُهُمْ أَحْكَامَ رَبِّهِمْ عَلَيْهِمْ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ الْقُرْآنَ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُعَوِّدَهُمْ الْقِرَاءَةَ فِي جَمَاعَةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا تَعَوَّدُوا ذَلِكَ فِي صِغَرِهِمْ يُخَافُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ فِي كِبَرِهِمْ وَأَيْضًا فَإِنَّ حِفْظَهُمْ لَا يَتَأَتَّى بِذَلِكَ إذْ إنَّ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْهُمْ لَا يَعْلَمُ إذَا كَانُوا عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ فِي الْغَالِبِ وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَوْلَى بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ تَرْكُهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَقْضِيَ أَحَدًا مِنْ الصِّبْيَانِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ أَبَاهُ فِي ذَلِكَ وَيَأْذَنَ لَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ وَلَا يَسْتَقْضِي الْيَتِيمَ مِنْهُمْ فِي حَاجَةٍ بِكُلِّ حَالٍ .
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُرْسِلَ إلَى بَيْتِهِ أَحَدًا مِنْ الصِّبْيَانِ الْبَالِغِينَ أَوْ الْمُرَاهِقِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى وُقُوعِ مَا لَا يَنْبَغِي أَوْ إلَى سُوءِ الظَّنِّ بِأَهْلِهِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَلْوَةَ الْأَجْنَبِيِّ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ ، فَإِنْ سَلِمُوا مِنْهُ فَلَا يَخْلُو مِنْ الْوَقِيعَةِ فِي أَعْرَاضِهِمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ غَالِبًا وَمَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِقْضَاءِ حَوَائِجِهِ لِبَعْضِ الصِّبْيَانِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْجَوَازِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَقْضِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ فِي حَاجَةٍ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَلَى تَعْلِيمِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ .
لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَجَاءَهُ شَيْءٌ أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ الْفُتُوحِ فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ غَيْرَ مُتَشَوِّفَةٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ } وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمَكَانِ الَّذِي يَقْضِي الصِّبْيَانُ فِيهِ ضَرُورَةَ الْبَشَرِيَّةِ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَتْرُكَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا مِثْلُ مَا يَفْعَلُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ أَنَّهُمْ يَقْضُونَ حَاجَتَهُمْ فِي جُدْرَانِ بُيُوتِ النَّاسِ وَطُرُقَاتِهِمْ فَيُنَجِّسُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَمَنْ جَلَسَ إلَى تِلْكَ الْجُدْرَانِ تَلَوَّثَ ثَوْبُهُ بِالنَّجَاسَةِ وَكَذَلِكَ الْمَاشِي قَدْ يُصِيبُهُ مِنْهَا أَذًى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ } فَهَذَا مِنْ آكِدِهَا فَتَلْحَقُ الصِّبْيَانَ اللَّعْنَةُ .
وَهَذَا
كُلُّهُ فِي ذِمَّةِ مَنْ سَكَتَ لَهُمْ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ وَنَهْيٌ فَيَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ مُتَزَوِّجًا ؛ لِأَنَّهُ ، وَإِنْ كَانَ صَالِحًا فِي نَفْسِهِ فَالْغَالِبُ إسْرَاعُ سُوءِ الظَّنِّ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِمَنْ كَانَ غَيْرَ مُتَأَهِّلٍ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصِّبْيَانِ وَالْبَنَاتِ فِي الظَّاهِرِ إلَّا عِنْدَ مَنْ يَتَّقِي اللَّهَ تَعَالَى فَيَسَرِي إلَيْهِ الْقِيلُ وَالْقَالُ فَإِذَا كَانَ مُتَأَهِّلًا انْسَدَّ بَابُ الْكَلَامِ وَالْوَقِيعَةِ فِيهِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَضْحَكَ مَعَ الصِّبْيَانِ وَلَا يُبَاسِطُهُمْ لِئَلَّا يُفْضِيَ ذَلِكَ إلَى الْوُقُوعِ فِي عِرْضِهِ وَعِرْضِهِمْ وَإِلَى زَوَالِ حُرْمَتِهِ عِنْدَهُمْ إذْ إنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤَدِّبِ أَنْ تَكُونَ حُرْمَتُهُ قَائِمَةً عَلَى الصِّبْيَانِ بِذَلِكَ مَضَتْ عَادَةُ النَّاسِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ فَلْيَهْتَدِ بِهَدْيِهِمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّبْيَانَ يَمْضُونَ إلَى بُيُوتِهِمْ لِقَضَاءِ ضَرُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَلِغِذَائِهِمْ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ عَوَامِّ الْمُؤَدِّبِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّ الصِّبْيَانَ الَّذِينَ عِنْدَهُ إذَا أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغِذَائِهِ أَوْ بَعْضُهُمْ فَيَتَسَلَّمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَبَعْضُهُمْ يَخْلِطُ جَمِيعَ ذَلِكَ ثُمَّ يُعْطِي مِنْهُ مَنْ يَخْطُرُ لَهُ فَتَجِدُ بَعْضَ الصِّبْيَانِ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ غِذَائِهِ فَيَحْرِمُهُ وَيُوَفِّرُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ يَخْتَارُ وَهَذَا حَرَامٌ سُحْتٌ وَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ وَيَتَعَيَّنُ إقَامَتُهُ مِنْ الْمَكْتَبِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ بِشَرْطِ أَنْ تُعْلَمَ حَقِيقَةُ أَمْرِهِ فِي ذَلِكَ .
وَفِيهِ مِنْ الْمَحْذُورَاتِ عِدَّةٌ .
مِنْهَا أَنَّهُ يَأْخُذُ غِذَاءَ هَذَا فَيُعْطِيه لِغَيْرِهِ فَيُدْخِلُ الْخَلَلَ فِي غِذَاءِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَالِدُ بَعْضِهِمْ صَالِحًا مُتَوَرِّعًا فِي كَسْبِهِ وَآخَرُ مَكَّاسًا ظَالِمًا وَقَدْ يَكُونُ غِذَاءُ بَعْضِهِمْ أَحْسَنَ مِنْ غِذَاءِ الْآخَرِ فِي الْمَطْعَمِ وَالصَّبِيُّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَوَلِيُّهُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ سِيَّمَا إنْ كَانَ لِيَتِيمٍ فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْذَنَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ .
وَبَعْضُ الْمُؤَدِّبِينَ يَفْعَلُ فِعْلًا قَبِيحًا شَنِيعًا مُحَرَّمًا وَهُوَ أَنَّهُ يَأْكُلُ مَعَ الصِّبْيَانِ مِنْ أَغْذِيَتِهِمْ وَيُطْعِمُ مَنْ يَخْتَارُهُ وَمَنْ يَجْتَمِعُ بِهِ وَيُرْسِلُ مِنْهَا إلَى بَيْتِهِ مَا يَخْتَارُ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْخُلْسَةِ .
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الصِّبْيَانَ بَقِيَ لَهُمْ غِذَاؤُهُمْ وَلَمْ يَمَسَّهُ غَيْرُهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ مَا
شَاءُوا وَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ وَتَرَكُوهَا فِي الْمَكْتَبِ رَغْبَةً عَنْهَا لَجَازَ لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَنْتَفِعَ بِهَا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْلِمَ أَوْلِيَاءَ الصِّبْيَانِ بِذَلِكَ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً أَوْ وَاحِدًا إنْ انْفَرَدَ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ لِيَتِيمٍ كَمَا تَقَدَّمَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا مِنْ غِذَائِهِ وَتَرَكَهُ كُلَّهُ فِي الْمَكْتَبِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى أَخْذِهِ إلَّا بِإِعْلَامِ وَالِدِ الصَّبِيِّ وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهَا فَضَلَاتٌ عَنْ شِبَعِهِمْ .
وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُهُ الصِّبْيَانُ مِنْ الْمَاءِ لِلشُّرْبِ فَجَائِزٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ فَيَشْتَرِي بِهِ مَاعُونَ الْمَاءِ وَالْمَاءَ وَلَا يُمَكِّنُ الصِّبْيَانَ مِنْ الذَّهَابِ إلَى بُيُوتِهِمْ لِلشُّرْبِ وَإِنْ كَانَ بَيْتُ بَعْضِهِمْ قَرِيبًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي الْغَالِبِ .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِي ذَلِكَ آبَاؤُهُمْ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ يَتِيمٌ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا لِثَمَنِ الْمَاءِ وَلَا غَيْرِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَيَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشُّرْبِ وَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فِي حَقِّ مُؤَدِّبِهِمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سُكْنَى دُورِ الْقَرَافَةِ تُمْنَعُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَتَّخِذُ فِيهَا مَكْتَبًا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى تَفْصِيلِهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ مَعْلُومٌ لِمَنْ وُفِّقَ لَهُ
فَصْلٌ فِي انْصِرَافِ الصِّبْيَانِ مِنْ الْمَكْتَبِ وَانْصِرَافُ الصِّبْيَانِ وَاسْتِرَاحَتُهُمْ يَوْمَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَلِكَ انْصِرَافُهُمْ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَكَذَلِكَ بَعْدَهُ بَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ } فَإِذَا اسْتَرَاحُوا يَوْمَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ نَشَطُوا لِبَاقِيهَا .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَدَعَ أَحَدًا عِنْدَهُ مِنْ الصِّبْيَانِ مِمَّنْ فِيهِ رَائِحَةٌ مَا مِنْ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ إذْ إنَّ ذَلِكَ سَبِيلٌ لِلْوَقِيعَةِ فِي حَقِّ بَعْضِ مَنْ فِي الْمَكْتَبِ عِنْدَهُ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى أَنْ يَشْتَهِرَ مَكْتَبُهُ بِمَا لَا يَنْبَغِي فَقَدْ يُنْسَبُ إلَى الْمُؤَدِّبِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ .
وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا إلَى عَدَمِ مَجِيءِ الصِّبْيَانِ إلَيْهِ أَوْ قِلَّتِهِمْ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ تَمْزِيقُ الْعِرْضِ وَقِلَّةُ الرِّزْقِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ عَوَامِّ الْمُؤَدِّبِينَ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَلَّ عِنْدَهُ الصِّبْيَانُ أَوْ فَتَحَ مَكْتَبًا وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَكْتُبُ أَوْرَاقًا وَيُعَلِّقُهَا عَلَى بَابِ الْمَكْتَبِ لِيَكْثُرَ مَجِيءُ الصِّبْيَانِ إلَيْهِ وَهَذَا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا سُفَهَاءُ النَّاسِ وَفِيهِ اسْتِشْرَافُ النَّفْسِ لِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَمَنْصِبُ الْمُؤَدِّبِ يَجِلُّ عَنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصِّبْيَانِ شَيْئًا مِمَّنْ يَأْتِي بِهِ إلَيْهِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي يَعْمَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ فِي مَوَاسِمِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّ قَبُولَهُ لِذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْظِيمِ لِمَوَاسِمِهِمْ وَفِي التَّعْظِيمِ لِمَوَاسِمِهِمْ تَعْظِيمٌ لَهُمْ وَتَعْظِيمُهُمْ فِيهِ مَا فِيهِ .
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ دِينَهُمْ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ غَيْرَهُ هُوَ الْبَاطِلُ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَفِيهِ عَدَمُ الْإِنْكَارِ وَالتَّغْيِيرِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَتَاهُ بِهِ بَلْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ وَيَزْجُرُ فَاعِلَهُ وَيُبَيِّنُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ وَبَعْضُ الْمُؤَدِّبِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَفْعَلُ مَا هُوَ أَشْنَعُ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ يَطْلُبُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ .
وَبَعْضُ الْمُؤَدِّبِينَ يَطْلُبُ مِنْ بَعْضِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ عِنْدَهُ فُلُوسًا يَأْتُونَ بِهَا إلَيْهِ حَتَّى يَصْرِفَهُمْ فِي مَوَاسِمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا أَشْنَعُ مِمَّا قَبْلَهُ وَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَطْلُبُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا فِي أَعْيَادِهِمْ وَمَوَاسِمِهِمْ وَهَذَا أَقْبَحُ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ فِعْلِ بَعْضِ الْمُؤَدِّبِينَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصْرِفَ الصِّبْيَانَ لِغِذَائِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَتْرُكَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ وَقْتًا يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ فِي بُيُوتِهِمْ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ فِعْلَ ذَلِكَ فِي الْمَكْتَبِ ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ إذَا خَرَجُوا عَمَّا بُنِيَ الْمَكْتَبُ لَهُ عَادَ ذَلِكَ بِالضَّرَرِ غَالِبًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ وَمَا بُنِيَ الْمَكْتَبُ إلَّا لِأَجْلِ الدَّرْسِ وَالْحِفْظِ وَالْعَرْضِ وَالْكِتَابَةِ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ فِي بُيُوتِهِمْ وَلَا يَتْرُكُهُمْ يَنَامُونَ فِيهِ وَقْتًا مَا فِي الْحَرِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَنْعُ مِمَّا هُوَ أَخَفُّ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُمْ يَمْضُونَ إلَى بُيُوتِهِمْ وَيَأْكُلُونَ فِيهَا وَلَا يَأْكُلُونَ فِي الْمَكْتَبِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا اشْتَكَى أَحَدٌ مِنْ الصِّبْيَانِ وَهُوَ فِي الْمَكْتَبِ بِوَجَعِ عَيْنَيْهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ وَعَلِمَ صِدْقَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى بَيْتِهِ وَلَا يَتْرُكُهُ يَقْعُدُ فِي الْمَكْتَبِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِبَطَالَةِ غَيْرِهِ فِي الْغَالِبِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ أَنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ صِبْيَانِ مَكْتَبِهِ يَحْمِلُهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَالْمَنْعُ فِي الْأُنْثَى أَشَدُّ وَلَا يَسْتَأْذِنُ فِي مِثْلِ هَذَا الْآبَاءَ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِقْضَائِهِمْ حَوَائِجَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَأْذِنُ الْآبَاءَ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَغِيبَ عَنْ الْمَكْتَبِ أَصْلًا مَا دَامَ الصِّبْيَانُ فِيهِ إذْ إنَّهُمْ لَا عَقْلَ لَهُمْ يَمْنَعُهُمْ عَمَّا يَخْطُرُ لَهُمْ فِعْلُهُ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ رَاعٍ يَرْعَاهُمْ بِنَظَرِهِ وَيَسُوسُهُمْ بِعَقْلِهِ وَيُؤَدِّبُهُمْ بِكَلَامِهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّاعِيَ إذَا غَفَلَ عَنْ الْمَاشِيَةِ قَلِيلًا اخْتَلَّ نِظَامُهَا وَتَغَيَّرَ حَالُهَا فِي الْغَالِبِ وَرُبَّمَا تَلِفَ بَعْضُهَا وَمَا ذَاكَ إلَّا لِعَدَمِ الْعَقْلِ عِنْدَهَا .
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّبْيَانَ مَعَ الْمَجَانِينِ حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ
وَمَجَانِينَكُمْ } الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغِيبَ الْغَيْبَةَ الْيَسِيرَةَ لِضَرُورَتِهِ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَقُومُ بِهَا عَنْهُ مِثْلُ خُبْزِهِ إذَا اخْتَمَرَ لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ عَلَيْهِمْ أَكْبَرَهُمْ سِنًّا وَأَعْقَلَهُمْ بِشَرْطِ أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ لَا يَضْرِبَ أَحَدًا مِنْهُمْ فِي غَيْبَتِهِ وَلَا يَنْهَرَهُ إلَّا أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَتَبَ اسْمَهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُؤَدِّبُ فَيُعْلِمَهُ بِهِ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُؤَدِّبِينَ مِنْ كَتْبِهِمْ أَوْرَاقَ الْمُسْتَأْذِنَاتِ لِلْأَفْرَاحِ فَيَكْتُبُ فِيهَا بِنَحْوِ قَوْلِهِ إلَى الْحِجَابِ الْمَنِيعِ وَالسِّتْرِ الرَّفِيعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّزْكِيَةِ وَمَا شَاكَلَهَا وَالشِّعْرِ الَّذِي يُنَزَّهُ غَيْرُ الْمُؤَدِّبِ عَنْ الْكَلَامِ بِهِ فَكَيْفَ بِالْمُؤَدِّبِ .
وَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْحُرُوزَ لِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلِكِبَارِهِمْ .
وَكَذَلِكَ الصَّحِيفَةُ فِيهَا آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالرَّقْيُ بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ .
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَكْتُبَ شَيْئًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَوْ قِيلَ إنَّ فِيهِ مِنْ الْمَنَافِعِ مَا لَا يُحْصَى فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّهُ كُفْرٌ .
وَيَنْبَغِي لِآبَاءِ الصِّبْيَانِ أَنْ يَتَخَيَّرُوا لِأَوْلَادِهِمْ أَفْضَلَ مَا يُمْكِنُهُمْ فِي وَقْتِهِمْ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَدِّبِينَ ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعًا بَعِيدًا فَيَخْتَارُونَ لَهُمْ أَوَّلًا أَهْلَ الدِّينِ وَالتَّقْوَى ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ أَحْسَنُ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِالْفِقْهِ فَهُوَ أَوْلَى ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ بِكِبَرِ السِّنِّ فَهُوَ أَجَلُّ ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ بِوَرَعٍ وَزُهْدٍ فَهُوَ أَوْجَبُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ إذْ إنَّهُ كَيْفَمَا زَادَتْ الْخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ فِي الْمُؤَدِّبِ زَادَ الصَّبِيُّ بِهِ تَجَمُّلًا وَرِفْعَةً وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ النَّظَرُ فِيمَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْمُؤَدِّبِينَ وَبَعْضُ مَشَايِخِ الْقُرْآنِ مِنْ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى .
وَفِيهِ مَفَاسِدُ جُمْلَةٌ .
مِنْهَا وَطْءُ الْأَعْقَابِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .
وَقَدْ ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ فِيهِ ذِلَّةٌ لِلتَّابِعِ وَفِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ انْتَهَى .
وَمِنْهَا أَنَّ السُّوقَ مَوْضِعُ اللَّغَطِ وَالْكَلَامِ وَالْقُرْآنُ يُنَزَّهُ عَنْ أَنْ يُقْرَأَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْقُرْآنَ إذَا تُلِيَ تَعَيَّنَ الْإِنْصَاتُ أَوْ يُنْدَبُ إلَيْهِ فَيَقَعُ مَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ الطُّرُقِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي وَالْمُسْلِمُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ .
وَمِنْهَا أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا يَسْلَمُ الْقَارِئُ غَالِبًا مِنْ أَنْ يَقْرَأَ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي تُنَزَّهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْهَا .
وَمِنْهَا إذَا قَرَأَ الْقَارِئُ يَنْبَغِي لِقَارِئِهِ وَلِسَامِعِهِ أَنْ يَتَدَبَّرَهُ وَيَتَفَكَّرَ فِيهِ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ غَالِبًا وَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ خَارِجَ الْبَلَدِ إذَا لَمْ تُعَايَنْ النَّجَاسَةُ وَفِي الِانْتِقَالِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ مَعَ عَدَمِ مُعَايَنَةِ النَّجَاسَةِ أَيْضًا وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا إذْ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْعَوَامّ مِنْ الْمُؤَدِّبِينَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ يُؤَذِّنُونَ عَلَى بَابِ الْمَكْتَبِ أَوْ فَوْقَ سَطْحِهِ أَوْ فِيهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمَمْنُوعَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا شُرِعَ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَهْرَعُ النَّاسُ إلَيْهَا لِأَدَاءِ فَرْضِهِمْ وَهِيَ الْمَسَاجِدُ وَالْمَكْتَبُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَتَّى يَأْتِيَ النَّاسُ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ وَمِثْلُهُ مَنْ يُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } ؛ لِأَنَّهُ يُنَادِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَمَعْنَى ذَلِكَ هَلُمُّوا إلَى الصَّلَاةِ هَلُمُّوا إلَى الْفَلَاحِ ثُمَّ مَعَ هَذَا النِّدَاءِ يَغْلِقُ الْبَابَ دُونَهُمْ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ مَفَاسِدَ .
مِنْهَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَعُهُ مَنْ يَسْمَعُهُ فَيَأْتِي إلَى مَوْضِعِ الْأَذَانِ فَلَا يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى دُخُولِ الْمَكَانِ الَّذِي سَمِعَ فِيهِ الْأَذَانَ .
وَمِنْهَا أَنَّهُ كَلَّفَهُمْ الْمَشْيَ بِإِذْنِهِ إلَى أَنْ أَتَوْا سِيَّمَا الْغَرِيبُ الَّذِي هُوَ عَابِرُ سَبِيلٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا بِخِلَافِ لَوْ أُذِّنَ خَارِجَ الْبَلَدِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّهُ فِي بَرِّيَّةٍ فَمَنْ أَتَى إلَيْهِ صَلَّى مَعَهُ .
وَهَذَا الْقِسْمُ الْأَخِيرُ مِنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ اعْتَنَى بِهِ { يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } انْتَهَى .
وَالْأَوَّلُ مِنْ بَابِ الْبِدْعَةِ
وَالْوُقُوعِ فِي النَّهْيِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا
وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَشْتِمَ مَنْ اسْتَحَقَّ الْأَدَبَ مِنْ الصِّبْيَانِ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْمُؤَدِّبِينَ هَذَا وَهُوَ حَرَامٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ لِلْمُؤَدِّبِ غَيْظٌ مَا عَلَى الصَّبِيِّ شَتَمَهُ وَتَعَدَّى بِذَلِكَ إلَى وَالِدَيْهِ وَرُبَّمَا حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَذْفٌ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ سِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي خُلُقِهِ حِدَّةٌ أَوْ فِيهِ غِلْظَةٌ وَفَظَاظَةٌ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إذَا أَدْرَكَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ لَا يُؤَدِّبَ الصَّبِيَّ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ بَلْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَسْكُنَ غَيْظُهُ وَيَذْهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُهُ مِنْ الْحَنَقِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يُؤَدِّبُهُ الْأَدَبَ الشَّرْعِيَّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَدَّبَهُ فِي حَالِ غَيْظِهِ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَدَّى الْأَدَبَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْضِي الْقَاضِي حِينَ يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ } وَعَدَاهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلَى كُلِّ مَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ كَحَقْنَةٍ بِبَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَاضِي وَالْمُؤَدِّبِ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بَيْنَ الْكِبَارِ وَهَذَا يَحْكُمُ بَيْنَ الصِّغَارِ وَحَامِلُ الْقُرْآنِ يُنَزَّهُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ فَيُقِيمُ الْأَدَبَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَنَاوَلَ عِرْضَهُ وَلَا شَتَمَ أَبَوَيْهِ بَلْ يُؤَدِّبُهُ كَمَا يُؤَدِّبُهُ وَالِدَاهُ وَهُمَا يَرْحَمَانِهِ وَيُشْفِقَانِ عَلَيْهِ وَيَذُبَّانِ عَنْهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْآبَاءِ أَنْ يَنْظُرُوا لِأَوْلَادِهِمْ مِنْ الْمُؤَدِّبِينَ مَنْ هُوَ أَوْرَعُ وَأَزْهَدُ وَأَتْقَى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهُ رَضَاعٌ ثَانٍ لِلصَّبِيِّ بَعْدَ رَضَاعِ الْأُمِّ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ بِأَوْلَادِهِمْ مِنْ أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ الْمَكْتَبِ الَّذِي يَقْرَءُونَ فِيهِ كِتَابَ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَيَتَعَلَّمُونَ فِيهِ شَرِيعَةَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيَذْهَبُونَ بِهِمْ إلَى كُتَّابِ النَّصَارَى لِتَعْلِيمِ الْحِسَابِ وَهَذَا رَضَاعٌ ثَالِثٌ بَعْدَ رَضَاعِ الْمُؤَدِّبِ .
وَقَدْ قِيلَ الرَّضَاعُ يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ فَهَذَا أَمْرٌ شَنِيعٌ قَبِيحٌ مِنْ الْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ قُوَّةُ الْإِيمَانِ بَعْدُ وَلَمْ يَقْرَأْ الْعِلْمَ وَلَمْ يَعْرِفْ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ .
وَقَدْ تَسْبِقُ إلَيْهِ الدَّسَائِسُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ الَّذِي يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْحِسَابَ أَوْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا ثُمَّ إنَّ النَّصْرَانِيَّ مَعَ ذَلِكَ يُؤَدِّبُهُ عَلَى مَا يَخْطُرُ لَهُ وَيَمُرُّ بِبَالِهِ مِنْ كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ تَعْلِيمِهِ الْحِسَابَ وَهَذَا لَا يَرْضَى بِهِ عَاقِلٌ وَلَا مَنْ فِيهِ مُرُوءَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّبِيُّ فِي هَذَا السِّنِّ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا يُلْقَى إلَيْهِ مِثْلُ الشَّمْعِ أَيَّ شَيْءٍ عَمِلْت عَلَيْهِ طُبِعَ فِيهِ فَيُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ وَهُوَ الْغَالِبُ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ فَيَرْجِعُ مَكَانُ الصِّدْقِ كَذِبًا وَبُهْتَانًا وَمَوْضِعُ النَّصِيحَةِ غِشًّا وَخَدِيعَةً وَمَوْضِعُ الْأُلْفَةِ بِالْمُسْلِمِينَ انْقِطَاعًا وَوَحْشَةً وَمَكَانُ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ خُبْثًا وَمُدَاهَنَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَكْرِهِمْ وَخِصَالِهِمْ الرَّدِيئَةِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَنَ إلَى قَوْلِ النَّصْرَانِيِّ أَوْ إلَى شَيْءٍ مَا مِنْ اعْتِقَادِهِ أَوْ اسْتِحْسَانِ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا تُمَكِّنْ زَائِغَ الْقَلْبِ مِنْ أُذُنَيْك لَا تَدْرِي مَا يَعْلَقُكَ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَقَدْ سَمِعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ شَيْئًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْقَدَرِ فَعَلِقَ قَلْبُهُ بِهِ فَكَانَ يَأْتِي إخْوَانَهُ الَّذِينَ اسْتَصْحَبَهُمْ فَإِذَا نَهَوْهُ قَالَ كَيْفَ بِمَا عَلِقَ قَلْبِي لَوْ عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ رَاضٍ أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي مِنْ فَوْقِ هَذِهِ الْمَنَارَةِ لَفَعَلْت .
وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يُعْذَرُ مَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى بِدْعَةٍ ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ اجْتَهَدُوا فِي التَّأْوِيلِ فَلَمْ يُعْذَرُوا إذْ خَرَجُوا بِتَأْوِيلِهِمْ عَنْ الصَّحَابَةِ فَسَمَّاهُمْ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَارِقِينَ مِنْ الدِّينِ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ .
وَمِنْ كِتَابِ سِيَرِ السَّلَفِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ الْأَصْبَهَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( يَا مُوسَى لَا تُخَاصِمْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ فَيُلْقُوا فِي قَلْبِك شَيْئًا فَيُرْدِيَك فَيَسْخَطَ اللَّهُ عَلَيْك ) وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ فَقَدْ أَكْثَرَ الشُّغْلَ .
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إيَّاكُمْ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ فَإِنَّهَا تُشْغِلُ الْقَلْبَ وَتُورِثُ النِّفَاقَ انْتَهَى .
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَحَفَّظُونَ عَلَى الرَّضَاعِ الثَّالِثِ أَكْثَرَ مِنْ الرَّضَّاعَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَهُمَا رَضَاعُ الْأُمِّ وَرَضَاعُ الْمُؤَدِّبِ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ قَدْ رَجَعَ لَهُ عَقْلٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالْأُمُورِ وَقَابِلِيَّةٌ لِقَبُولِ مَا سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ رَضَاعِ الْمُؤَدِّبِ رَضَاعُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ الْمُتَّبِعِينَ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَيِّنِينَ لَهَا الْكَاشِفِينَ عَنْ غَامِضِهَا وَالْمُخْرِجِينَ لِخَبَايَاهَا
فَإِذَا ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ هَذَا الرَّضَاعَ الثَّالِثَ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ لَهُ غَيْرُ مَا سَبَقَ إلَيْهِ سَارَعَ بِسَبَبِ عِلْمِهِ وَمَا انْطَبَعَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا تَحَصَّلَ عَنْهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَحَبَّتِهِمَا وَإِيثَارِهِمَا إلَى إنْكَارِهِ وَعَدَمِ قَبُولِهِ لِذَلِكَ .
وَقَدْ جَاءَ بَعْضُ النَّاسِ بِوَلَدِهِ إلَى بَعْضِ السَّلَفِ رَحِمَهُ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُقْرِئَهُ فَقَالَ لَهُ أَقَرَأَ قَبْلَ هَذَا عِلْمًا غَيْرَ مَا نَحْنُ فِيهِ يَعْنِي مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ الْعَرَبِيَّةُ قَالَ لَهُ اذْهَبْ بِوَلَدِك فَإِنَّهُ لَا يَجِيءُ مِنْهُ شَيْءٌ قَالَ وَلِمَ قَالَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ تَغَزُّلَاتُ الْعَرَبِ وَأَشْعَارُهَا وَجُبِلَ عَلَى ذَلِكَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ صَلَاحُهُ فَلَمْ يُقْرِئْهُ وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ فِي الدِّينِ لِأَجْلِ فَهْمِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَفَهْمِ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ مَا وَقَعَ لَوْمُ هَذَا السَّيِّدِ لَهُ إلَّا لِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ تَغَزُّلَاتِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا فَلَوْ سَبَقَ لَهُ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا يُسَنُّ وَمَا يُنْدَبُ إلَيْهِ لَمَا عَذَلَهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا تَحَفُّظَهُمْ عَلَى سَبْقِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ وُجُودِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فِي الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهَا .
وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي حَقِّ الْمُؤَدِّبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ أَحْسَنُ أَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ عَالِمًا بِالْعَوَامِلِ وَهُوَ لِمَ رُفِعَ هَذَا وَنُصِبَ هَذَا وَخُفِضَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عُلُومَ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ .
أَحَدُهَا عِلْمُ الْعَوَامِلِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالثَّانِي عِلْمُ اللُّغَةِ وَالثَّالِثُ عِلْمُ الْأَدَبِ وَالرَّابِعُ عِلْمُ الْبَدِيعِ فَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُؤَدِّبُ وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ أَمْرٍ فِي الْغَالِبِ .
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى
تَمَامِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي فِي دُخُولِ الصَّبِيِّ لِكِتَابِ النَّصَارَى .
فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي ظَاهِرِهِ مِنْ الذِّلَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَا فَعَلَ هَذَا بِوَلَدِهِ وَفِيهِ تَعْظِيمُ النَّصَارَى .
فَإِنَّهُمْ إذَا رَأَوْا أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ يَأْتُونَ إلَيْهِمْ لِيَتَعَلَّمُوا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مِنْهُمْ رَأَوْا أَنَّ لَهُمْ رِفْعَةً وَسُوْدُدًا وَفَضِيلَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا كُلُّهُ مَمْنُوعٌ شَرْعًا وَعَقْلًا فَيَا لَلَّهُ وَيَا لَلْعَجَبُ كَيْفَ يُتْرَكُ التَّعْلِيمُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَيُؤْتَى إلَى نَصْرَانِيٍّ عَدُوٍّ لِلدِّينِ وَعَدُوٍّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُظْهِرٍ لِذَلِكَ مُعَانِدٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَهَذَا مِنْ الْخَسْفِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يُرْتَابُ فِيهِ وَلَا يُشَكُّ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إنَّ النَّصَارَى فِي عِلْمِ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ أَحْذَقُ وَأَعْرَفُ بِالتَّعْلِيمِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الصَّبِيُّ عَلِمَ كُلَّ مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ حَتَّى فَاقَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَى النَّصْرَانِيِّ لِزِيَادَةٍ عِنْدَهُ فِيهِ لَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ فِيهِ شَيْءٌ مَا مِنْ الْمَيْلِ إلَى ذَلِكَ فَكَيْفَ وَالصَّبِيُّ بَعْدُ لَمْ يَلُمَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحِسَابِ وَلَا غَيْرِهِ وَلَوْ عَرَفَهُ لَكَانَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْ النَّصْرَانِيِّ وَأَمْثَالِهِ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى التَّعْلِيمِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ .
وَقَدْ أَقَامَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ قَدْ أَغْنَى اللَّهُ عَنْكُمْ بِالْمُسْلِمِينَ .
وَقَدْ نَهَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَتَّخِذَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَاتِبًا .
وَقَالَ جَوَابًا لِمَنْ أَثْنَى عَلَى نَصْرَانِيٍّ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ فِي الْحِسَابِ مَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَالسَّلَامُ .
وَقَالَ أَيْضًا لَا تُكْرِمُوهُمْ وَقَدْ
أَهَانَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تَأْمَنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تَسْتَعْمِلُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ إلَّا الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ كَمَا قَالَ .
فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى اشْتِرَاطِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْخَشْيَةَ فِيمَنْ تَوَلَّى مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَمَا بَالُك فِي حَقِّ أَعْدَاءِ الدِّينِ وَإِنَّمَا هِيَ حُجَجٌ شَيْطَانِيَّةٌ وَنَفْسَانِيَّةٌ وَرُكُوبٌ لِلْهَوَى وَرُكُونٌ لِلْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ وَتَرْكٌ لِلنَّظَرِ إلَى أَمْرِ الشَّرِيعَةِ وَمَا يُنْدَبُ إلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَأْبَاهَا الْإِسْلَامُ وَمَنْ فِيهِ عُذُوبَةُ طَبْعٍ وَانْقِيَادٌ لِلشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ .
وَهِيَ أَنَّ الْمُعَلِّمَ النَّصْرَانِيَّ يَجْلِسُ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وَأَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُ وَيُقَبِّلُونَ يَدَهُ أَوْ رُكْبَتَهُ حِينَ إتْيَانِهِمْ إلَيْهِ وَانْصِرَافِهِمْ وَيُقِيمُ السَّطْوَةَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ .
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْوَلَدَ يَتَرَبَّى عَلَى تَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنْ النَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ نَجَاسَةٌ فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ إلَّا دَمُ الْحَيْضِ لَيْسَ إلَّا وَأَبْوَالُهُمْ وَفَضَلَاتُهُمْ كُلُّهَا طَاهِرَةٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ يُسْقَوْنَ الْأَدْوِيَةَ بِالنَّجَاسَاتِ وَيَكْتُبُونَ مِنْهَا فَتُنَجَّسُ أَجْسَادُهُمْ وَأَثْوَابُهُمْ مِنْ ذَلِكَ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُعَلِّمَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِحَضْرَتِهِمْ وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَامِلَهَا وَحَاضِرَهَا فِي جُمْلَةِ مَنْ لَعَنَ بِسَبَبِهَا وَالْوَلَدُ الْمُسْلِمُ هُوَ حَاضِرُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَيَكُونُ حَامِلَهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ بَالِغًا أَوْ مُرَاهِقًا فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ اللَّعْنَةِ ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا صَغِيرًا فَاللَّعْنَةُ عَائِدَةٌ عَلَى وَالِدَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ أَوْ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ الْوَلَدُ مِنْ شُؤْمِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا غَيْرَ مُكَلَّفٍ وَرُبَّمَا أَمَرَهُمْ الْمُعَلِّمُ بِحَمْلِ الْخَمْرِ إلَيْهِ أَوْ إلَى بَيْتِهِ ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَسْتَقْضِيَهُمْ فِي حَوَائِجِهِ وَضَرُورَاتِهِ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ بِحَضْرَتِهِ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الِانْصِرَافِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ هُمَا مَعًا وَقَدْ يُمَوِّهُ عَلَيْهِمْ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا أَوْ يَفُوتَهُ بَعْضُهَا .
وَمِنْهَا أَنَّ الْوَلَدَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ يَعِيبُونَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ .
وَمِنْهَا أَنَّهُمْ إذَا كَانَ صَوْمُهُمْ يَمْنَعُونَ الْمَاءَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَبْقَى أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ بِالْعَطَشِ غَالِبًا .
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ وَهُوَ الْغَالِبُ أَنْ يَقَعَ فِي اعْتِقَادِهِمْ الْبَاطِلِ أَوْ فِي بَحْثِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فِي أَلْوَاحِهِمْ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مَكْتُوبٌ بِالْعَرَبِيَّةِ وَيَتَكَلَّمُونَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ بِحَضْرَتِهِ فَقَدْ يَسْبِقُ إلَى الْوَلَدِ وَيَتَعَلَّقُ بِذِهْنِهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَلَّ أَنْ يَتَأَتَّى خَلَاصُهُ مِنْهُ غَالِبًا .
وَسَبَبُ وُقُوعِ هَذِهِ النَّازِلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ { حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ } فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمَخُوفِ وَهُوَ أَنَّهُ مَا كَانَ سَبَبُ إتْيَانِ الْوَلَدِ إلَى النَّصْرَانِيِّ لِتَعْلِيمِ الْحِسَابِ إلَّا حُبُّ الدُّنْيَا غَالِبًا لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ عُوقِبُوا عَلَى ذَلِكَ بِنَقِيضِهِ فَوَقَعُوا فِي الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ وَالْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ الظَّلَمَةِ مِنْ الْكَتَبَةِ وَغَيْرِهِمْ .
وَإِذَا تَرَبَّى الْوَلَدُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : أَوَّلُهُمَا وَهُوَ أَشَدُّهُمَا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي اعْتِقَادِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَقِلَّ اهْتِبَالُهُ بِأَمْرِ
دِينِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ وَقَعَ مِنْهُ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَكْتَرِثُ بِهِ وَلَا يَنْدَمُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا يَغِيرُ عَلَى غَيْرِهِ وَهَذِهِ خَصْلَةٌ تُنَافِي أَخْلَاقَ الْمُسْلِمِينَ وَهَدْيَهُمْ وَآدَابَهُمْ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ لَهُ : وَاعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ الْقُلُوبِ أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ وَأَرْجَى الْقُلُوبِ لِلْخَيْرِ مَا لَمْ يَسْبِقْ الشَّرُّ إلَيْهِ وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونَ وَرَغَّبَ فِي أَجْرِهِ الرَّاغِبُونَ إيصَالُ الْخَيْرِ إلَى قُلُوبِ أَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَرْسُخَ فِيهَا وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى مَعَالِمِ الدِّيَانَةِ وَحُدُودِ الشَّرِيعَةِ لِيُرَاضُوا عَلَيْهَا وَمَا عَلَيْهِمْ أَنْ تَعْتَقِدَهُ مِنْ الدِّينِ قُلُوبُهُمْ وَتَعْمَلَ بِهِ جَوَارِحُهُمْ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ لِكِتَابِ اللَّهِ يُطْفِئُ غَضَبَ اللَّهِ وَأَنَّ تَعْلِيمَ الشَّيْءِ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ انْتَهَى .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ الَّذِي يَدْخُلُ كُتَّابَ النَّصَارَى أَنْ يَنْتَقِشَ فِي قَلْبِهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ أَوْ بَعْضُهُ وَلَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَمِنْ أَقْبَحِ مَا فِيهِ وَأَهْجَنِهِ وَأَوْحَشِهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَرَبَّى عَلَى تَعْظِيمِ النَّصَارَى وَالْقِيَامِ لَهُمْ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُهُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَمِ الِاسْتِيحَاشِ مِنْ عَوَائِدِهِمْ وَسَمَاعِ اعْتِقَادِ أَدْيَانِهِمْ الْبَاطِلَةِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ الصَّبِيُّ مِنْ مَكْتَبِهِمْ لَبَقِيَ عَلَى عَادَتِهِمْ .
فِي التَّعْظِيمِ لَهُمْ وَعَدَمِ الِاسْتِيحَاشِ مِنْهُمْ وَمِنْ أَدْيَانِهِمْ الْبَاطِلَةِ وَأَنَّهُ إذَا رَأَى مُعَلِّمَهُ الَّذِي عَلَّمَهُ الْحِسَابَ أَوْ الطِّبَّ قَامَ إلَيْهِ وَعَظَّمَهُ كَتَعْظِيمِ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ بَعْضٍ أَوْ أَكْثَرَ غَالِبًا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ مَعَ كُلِّ مَنْ صَحِبَهُ فِي مَكْتَبِ مُعَلِّمِهِ
النَّصْرَانِيِّ مِنْ جَمَاعَةِ أَهْلِ دِينِهِ فَيَأْلَفُ هَذِهِ الْعَادَةَ الذَّمِيمَةَ الْمَسْخُوطَةَ شَرْعًا وَلَا يَرْضَى بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ مَنْ لَهُ عَقْلٌ أَوْ غَيْرَةٌ إسْلَامِيَّةٌ أَوْ الْتِفَاتٌ إلَى الشَّرْعِ الشَّرِيفِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } وقَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } وقَوْله تَعَالَى { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } .
وقَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَفِيمَا ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا عَدَاهُ
فَصْلٌ فِي تَزْوِيقِ الْأَلْوَاحِ وَأَمَّا تَزْوِيقُ الْأَلْوَاحِ فِي الْإِصْرَافَاتِ وَالْأَعْيَادِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ الْجَائِزِ وَفِيهِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَإِدْخَالُ السُّرُورِ فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا قَدْ عُلِمَ وَفِيهِ التَّنْشِيطُ لِلصِّبْيَانِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ .
لَكِنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ فِي الْإِصْرَافَاتِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَمِنْهَا تَزْيِينُ الْمَكْتَبِ فِي الْأَعْيَادِ وَالْإِصْرَافَاتِ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ أَرْضًا وَحِيطَانًا وَسُقُفًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شَنَاعَةُ ذَلِكَ وَقُبْحُهُ فِي زِينَةِ الْأَسْوَاقِ لِلْمَحْمَلِ أَوْ غَيْرِهِ سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صُوَرٌ مِمَّا لَهَا رُوحٌ فَيَكُونُ فِي ارْتِكَابِ ذَلِكَ نَقِيضُ مَا جَلَسَ الْمُؤَدِّبُ إلَيْهِ فَإِذَا كَانَ السُّوقُ يُمْنَعُ فِيهِ ذَلِكَ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَوْضِعٌ يُتْلَى فِيهِ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَنْعُهُ فِيهِ أَوْجَبُ .
ثُمَّ بَقِيَتْ أَفْعَالٌ يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ فِي الْإِصْرَافَاتِ وَهِيَ قَبِيحَةٌ مُسْتَهْجَنَةٌ .
فَمِنْهَا أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَوْحَ الْإِصَْرافَةِ مُكَفَّتًا بِالْفِضَّةِ فِي خِرْقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ وَاسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِلنِّسَاءِ حَيْثُ أُجِيزَ لَهُنَّ ذَلِكَ .
وَأَمَّا تَكْفِيتُ اللَّوْحِ بِالْفِضَّةِ فَلَا يَجُوزُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ .
وَالثَّانِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ } وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ الصَّبِيَّ الَّذِي لَهُ الْإِصْرَافَةُ فَيُزَيِّنُونَهُ كَمَا يُزَيِّنُونَ النِّسَاءَ فَيُحَفِّفُونَهُ وَيُخَطِّطُونَهُ وَيُلْبِسُونَهُ الْحَرِيرَ وَيُحَلُّونَهُ بِالْقَلَائِدِ مِنْ الذَّهَبِ وَغَيْرِهِ مَعَ قَلَائِدِ الْعَنْبَرِ كَأَنَّهُ عَرُوسٌ تُجْلَى وَيُرْكِبُونَهُ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بَغْلَةٍ مُزَيَّنَةٍ بِاللِّبَاسِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِهِمَا فَيَجْعَلُونَ
عَلَيْهَا كُنْبُوشًا مِنْ الْحَرِيرِ الْمُزَرْكَشِ بِالذَّهَبِ وَيُلْبِسُونَ وَجْهَهَا وَجْهًا مِنْ ذَهَبٍ .
ثُمَّ يُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ أَشْيَاءَ رَذِيلَةً مِنْهَا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَمَامَهُ أَطْبَاقًا فِيهَا ثِيَابٌ مِنْ حَرِيرٍ وَعَمَائِمَ مُعَمَّمَةٍ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ هُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ .
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ صِبْيَانُ الْمَكْتَبِ وَيُنْشِدُونَ فِي طَرِيقِهِ إلَى أَنْ يُوصِلُوهُ إلَى بَيْتِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ الْقُرَّاءَ يَقْرَءُونَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَزِيدُونَ فِيهِ وَيُنْقِصُونَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ يُضِيفُونَ إلَيْهِ الْمُكَبِّرِينَ وَالْمُؤَذِّنِينَ عَلَى عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ فِي جَنَائِزِهِمْ .
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَلْقَاهُمْ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ أَوْ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ أَوْ الْمَجْمُوعِ وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ مَنْ يُغَيِّرُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَوِّضُ عَمَّا ذُكِرَ بِمَا هُوَ أَشْنَعُ وَأَقْبَحُ وَهُوَ أَنْ يُضْرَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالطَّبْلِ وَالْبُوقِ .
وَبَعْضُهُمْ يُمْشُونَ الْفِيلَ وَالزَّرَافَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ رَمْيِ النُّقَطِ ، وَبَعْضُهُمْ يُمَشِّي بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُغَنِّيَةَ وَطَائِفَتَهَا مَكْشُوفَةً عَلَى مَا يُعْهَدُ مِنْ حَالِهَا مَعَ ضَرْبِ الطَّارِّ وَالشَّبَّابَةِ وَالْغِنَاءِ ، وَتَرْفَعُ عَقِيرَتَهَا عَلَى مَا يُعْهَدُ مِنْ فِتْنَتِهَا فَكَانَ الْأَمْرُ أَوَّلًا لِلْفَرَحِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَكَانُوا فِي قُرْبَةٍ فَعَكَسُوهُ بِمَا هُوَ ضِدُّهُ ، أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ .
وَلَوْ كُلِّفَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِبَعْضِ مَا صَرَفَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ مِمَّا صَنَعَهُ فِي الْإِصْرَافَةِ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ طَاعَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى سِرًّا لَيْسَ فِيهِ لَهْوٌ وَلَا لَعِبٌ وَلَا رِيَاءٌ وَلَا سُمْعَةٌ ، وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك ثُمَّ يُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ
فِعْلًا قَبِيحًا وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤَدِّبِينَ يَدْخُلُونَ مَعَ صَاحِبِ الْإِصْرَافَةِ الْبَيْتَ وَيَجْلِسُونَ مَعَ النِّسَاءِ وَهُنَّ مُتَبَرِّجَاتٌ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ وَيُعْطِي اللَّوْحَ لِأُمِّ صَاحِبِ الْإِصْرَافَةِ أَوْ لِأُخْتِهِ أَوْ لِخَالَتِهِ أَوْ لِعَمَّتِهِ أَوْ لِجَارَتِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقَارِبِ الْوَلَدِ وَمَعَارِفِهِ حَتَّى تُنَقِّطَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ الْفِضَّةِ بِمَا أَمْكَنَهَا وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُنَّ فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يَظْهَرْنَ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُنَّ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَالضَّرُورَةُ هُنَا مَعْدُومَةٌ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ .
وَيَنْبَغِي لِوَالِدِ الصَّبِيِّ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ التَّعَبِ بِهِ وَقَرُبَ مِنْ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ نَقَلَهُ وَالِدُهُ إلَى كُتَّابٍ آخَرَ حَتَّى يُفَوِّتَ الْأَوَّلَ مَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ الْإِصْرَافَةِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّبِيِّ إذَا دَخَلَ سُورَةَ الْأَعْرَافِ عِنْدَ مُؤَدِّبٍ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ فَإِصْرَافَةُ الْبَقَرَةِ قَدْ اسْتَحَقَّهَا الْمُؤَدِّبُ الْأَوَّلُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَا إذَا دَخَلَ سُورَةَ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَلْ يَسْتَحِقُّهَا الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي ؟ قَوْلَانِ ، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِإِصْرَافَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَيْسَ إلَّا ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ إصْرَافَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَرُبَ إلَيْهَا الصَّبِيُّ ، فَإِنَّ الْمُؤَدِّبَ الْأَوَّلَ يَسْتَحِقُّهَا .
وَمِنْ كِتَابِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ تَعْلِيمِ أَوْلَادِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْكِتَابَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ ذَلِكَ يَصِيرُونَ إلَى أَنْ يَقْرَءُوا الْقُرْآنَ .
قَالَ : وَسَأَلْته عَنْ تَعْلِيمِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ النَّصْرَانِيِّ كِتَابَ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ كِتَابَ الْأَعْجَمِيَّةِ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ لَا أُحِبُّ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ .
قَالَ : وَلَا يَتَعَلَّمُ الْمُسْلِمُ عِنْدَ النَّصْرَانِيِّ وَلَا النَّصْرَانِيُّ عِنْدَ الْمُسْلِمِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : أَمَّا تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِ أَبْنَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَوْ تَعْلِيمُهُمْ عِنْدَهُمْ فَالْكَرَاهَةُ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّ ذَلِكَ سَخْطَةٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ مُسْقِطَةٌ لِإِمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ .
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْحَذَاقَةِ يَعْنِي الْإِصْرَافَةَ أَنَّهُ يُقْضَى بِهَا وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِحْضَارِ فَقَالَ : إنَّهُ لَا يُقْضَى بِالْإِحْضَارِ فِي الْأَعْيَادِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا فِعْلُهُ فِي أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكْرُوهًا فِي أَعْيَادِ النَّصَارَى مِثْلِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ فَعَلَهُ وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ قَبِلَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَعْظِيمِ الشِّرْكِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَصْلٌ فِي ذِكْرِ آدَابِ الْمُجَاهِدِ ، وَكَيْفِيَّةِ نِيَّتِهِ ، وَهَدْيِهِ قَدْ تَقَدَّمَ - رَحِمَنَا اللَّهُ ، وَإِيَّاكَ - آدَابُ الْعَالِمِ ، وَهَدْيُهُ ، وَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ فَالْمُجَاهِدُ ، وَغَيْرُهُ تَبَعٌ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا شَيْئًا قَلِيلًا اخْتَصَّ بِهِ الْعَالِمُ ، وَشَيْئًا قَلِيلًا اخْتَصَّ بِهِ الْمُجَاهِدُ يَقَعُ ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
، وَلْتَعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ : جِهَادٌ أَصْغَرُ ، وَجِهَادٌ أَكْبَرُ ، فَالْجِهَادُ الْأَكْبَرُ هُوَ جِهَادُ النُّفُوسِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { هَبَطْتُمْ مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ } ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذِكْرِ آدَابِ الْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ ، وَالْكَلَامُ هُنَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ ، وَهُوَ : جِهَادُ أَهْلِ الْكُفْرِ ، وَالْعِنَادِ ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ ، وَأَعْظَمِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ طَلَبُ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَعْرِفُ الْمُجَاهِدُ فَضِيلَةَ الْجِهَادِ ، وَكَيْفَ يُجَاهِدُ ، وَبِمَاذَا يَصِحُّ لَهُ الْجِهَادُ ، وَبِمَاذَا يَفْسُدُ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَكَانَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ ؛ لِمَا جَاءَ فِي تَفْضِيلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَالْحَدِيثُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ النَّاسِ فَرُبَّ شَخْصٍ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِطَلَبِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْجِهَادِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ الْقُوَّةِ ، وَالشَّجَاعَةِ ، وَالْإِقْدَامِ فَالْجِهَادُ فِي حَقِّ هَذَا يَتَأَكَّدُ أَمْرُهُ ، وَآخَرُ يَكُونُ فِيهِ ذَكَاءٌ ، وَفَهْمٌ ، وَحِفْظٌ ، وَتَحْصِيلٌ لِلْمَسَائِلِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الضَّرْبِ ، وَالطَّعْنِ فَطَلَبُ الْعِلْمِ لِمِثْلِ هَذَا يَتَعَيَّنُ ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِحَسَبِ حَالِ الْوَقْتِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْجِهَادُ فِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ .
لَكِنْ
يَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي الْجِهَادِ حَتَّى يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ عَمَّا يَلْزَمُهُ فِي جِهَادِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ .
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ } قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ : مَا وَجَبَ عَلَيْك عَمَلُهُ ، وَجَبَ عَلَيْك الْعِلْمُ بِهِ انْتَهَى .
فَيَعْرِفُ أَوَّلًا الْأَحْكَامَ اللَّازِمَةَ لَهُ ، وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِيهِ فَيَبْدَأُ بِمَا ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِنْ الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : شَرْطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ سَبْعَةٌ ، وَهِيَ : أَنْ يَكُونَ : مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا حُرًّا مُسْتَطِيعًا بِصِحَّةِ الْبَدَنِ ، وَالْمَالِ ، وَفَرَائِضُهُ سِتَّةٌ : النِّيَّةُ ، وَطَاعَةُ الْإِمَامِ ، وَتَرْكُ الْغُلُولِ ، وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ ، وَالثَّبَاتُ عِنْدَ الزَّحْفِ ، وَأَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ
فَصْلٌ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَالْغَنِيمَةُ يَسْتَحِقُّهَا مَنْ اتَّصَفَ بِعَشَرَةِ شُرُوطٍ السَّبْعَةُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا ، وَأَنْ يَكُونَ خَرَجَ لِلْجِهَادِ لَا لِلتِّجَارَةِ ، وَلَا لِلْإِجَارَةِ ، وَأَنْ تَكُونَ الْغَنِيمَةُ حَصَلَتْ بِالْقِتَالِ أَوْ مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ ، وَالرِّكَابِ
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْأَسَارَى .
وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسَارَى بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ : الْقَتْلُ ، وَالِاسْتِرْقَاقُ ، وَالْمَنُّ ، وَالْفِدَاءُ ، وَالْجِزْيَةُ
فَصْلٌ فِي الْأَوْصَافِ الْمُوجِبَةِ لِلْجِزْيَةِ الْجِزْيَةُ وَاجِبَةٌ بِعَشَرَةِ أَوْصَافٍ : الْكُفْرُ ، وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا حُرًّا غَيْرَ مُعْتَقٍ لِمُسْلِمٍ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهَا ، وَلَا يَكُونَ قُرَشِيًّا ، وَلَا مُرْتَدًّا
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّينَ دَارُ الْمُرْتَدِّينَ تُفَارِقُ دَارَ الْحَرْبِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ لَا يُهَادَنُونَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِبَلَدِهِمْ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ لَا يُصَالَحُونَ عَلَى مَالٍ يُقَرُّونَ بِهِ عَلَى رِدَّتِهِمْ .
الثَّالِثُ : لَا تُسْتَرَقُّ رِجَالُهُمْ ، وَلَا تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ .
الرَّابِعُ : لَا يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ أَمْوَالَهُمْ ، وَهِيَ أَيْضًا تُفَارِقُ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ ، وَمُدْبِرِينَ كَالْمُشْرِكِينَ .
الثَّانِي : إبَاحَةُ دِمَائِهِمْ أَسْرَى ، وَمُمْتَنِعِينَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ أَمْوَالَهُمْ تَصِيرُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ .
الرَّابِعُ : بُطْلَانُ مُنَاكَحَتِهِمْ
فَصْلٌ فِي قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ ، وَهِيَ الَّتِي تُفَارِقُ الْإِمَامَ ، وَرَأْيَ الْجَمَاعَةِ ، وَتَنْفَرِدُ بِمَذْهَبٍ مُبْتَدَعٍ ، وَتَنْعَزِلُ بِدَارٍ ، وَيُفَارِقُ قِتَالُهُمْ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَجْهًا : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ بِنِيَّةِ رَدْعِهِمْ ، وَلَا يُتَعَمَّدُ بِهِ قَتْلُهُمْ .
الثَّانِي : يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ ، وَيُكَفُّ عَنْهُمْ مُدْبِرِينَ .
الثَّالِثُ : لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ .
الرَّابِعُ : لَا تُقْتَلُ أَسْرَاهُمْ .
الْخَامِسُ : لَا تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ .
السَّادِسُ : لَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ .
السَّابِعُ : لَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ .
الثَّامِنُ : لَا يُهَادَنُونَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِبَلَدِهِمْ .
التَّاسِعُ : لَا يُصَالَحُونَ عَلَى مَالٍ يُقَرُّونَ بِهِ عَلَى بِدْعَتِهِمْ .
الْعَاشِرُ : لَا يُسْتَعَانُ عَلَى قِتَالِهِمْ بِمُشْرِكٍ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : لَا يُنْصَبُ عَلَيْهِمْ الرَّعَّادَاتُ .
الثَّانِي عَشَرَ : لَا تُحَرَّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتُهُمْ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : لَا تُقْطَعُ أَشْجَارُهُمْ .
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ كَقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ فِي عَامَّةِ أَحْوَالِهِمْ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ يُخَالِفُونَهُمْ فِيهَا : أَحَدُهَا : : أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ .
الثَّانِي : يَجُوزُ أَنْ يُتَعَمَّدَ فِي الْحَرْبِ قَتْلُهُمْ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَجُوزُ حَبْسُ أَسْرَاهُمْ لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِمْ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فِي الْحَرْبِ ، وَغَيْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ بَعْدَ انْجِلَاءِ الْحَرْبِ .
الْخَامِسُ : أَنَّ مَا أَخَذُوهُ مِنْ خَرَاجٍ ، وَصَدَقَاتٍ فَهُوَ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا فَعَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ غُرْمُهُ فَإِذَا تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مَعْرِفَةُ مَا ذُكِرَ فَلْيَكُنْ عَالِمًا بِأَحْكَامِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْحَالَتَيْنِ مِنْ قِتَالٍ ، وَغَيْرِهِ ، وَكَيْفِيَّةِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَلْزَمُهُ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَمَسَائِلُهُ .
، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا ، وَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ أَحْكَامَ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ ، وَفِي أَيِّ وَقْت يَقْصُرُ ، وَفِي أَيِّ وَقْت يُتِمُّ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ مُتَيَسَّرٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ لِمَنْ جَاءَ إلَيْهِمْ مُسْتَفْتِيًا ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ عِمَادُ الدِّينِ ، وَبِهَا قِوَامُهُ فَإِذَا كَانَ الْمُجَاهِدُ يُخِلُّ بِهَا أَوْ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا كَانَ تَرْكُهُ لِلْجِهَادِ أَوْلَى بِهِ بَلْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ .
فَإِذَا تَعَيَّنَ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَانَ عَاصِيًا ، وَإِنْ كَانَ مُجَاهِدًا .
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى ؛ لِأَنَّا نَرَى ، وَنُبَاشِرُ مَنْ يَخْرُجُ إلَى الْجِهَادِ ، وَغَالِبُ أَحْوَالِهِمْ عَدَمُ الْفِقْهِ ، وَعَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِكُلِّ مَا ذُكِرَ أَوْ بِأَكْثَرِهِ ، وَقَلَّ مَنْ تَجِدُهُ مِنْهُمْ يَجْتَمِعُ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَيَسْأَلُ عَمَّا
يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فِيمَا ذُكِرَ سِيَّمَا صَلَاةُ الْخَوْفِ الَّتِي مَا بَقِيَتْ تُعْرَفُ عَنْهُمْ فِي الْغَالِبِ ، وَلَا تُذْكَرُ إلَّا فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ كَأَنَّهَا حِكَايَةٌ تُحْكَى سِيَّمَا صَلَاةُ الْمُسَايَفَةِ فَإِنَّهَا كَادَتْ لَا تُعْرَفُ أَيْضًا لِعَدَمِ فَاعِلِهَا ، وَقِلَّةِ السُّؤَالِ عَنْهَا فَيَخْرُجُ الْمُجَاهِدُ ، وَهُوَ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّهُ فِي طَاعَةٍ ، وَهُوَ يَقَعُ فِي مُخَالَفَاتٍ جُمْلَةً لِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِمَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا إلَى وُقُوعِ الرُّعْبِ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْعَدُوِّ ، وَانْهِزَامِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا يُسْتَعَدُّ لَهُ بِإِقَامَةِ هَذَا الدِّينِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - نَصْرُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ هُوَ اتِّبَاعُ أَمْرِهِ ، وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ سَبَبًا لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ، وَأَمْنِهِ مِمَّا يَخَافُ سِيَّمَا ، وَالْمُجَاهِدُ إنَّمَا يُجَاهِدُ لِأَجْلِ الدِّينِ ، وَالصَّلَاةُ هِيَ عِمَادُهُ ، وَبِهَا قِوَامُهُ ، وَقَدْ ، وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَهُ كِتَابٌ مِنْ بَعْضِ جُيُوشِهِ بِالشَّامِ ، وَهُمْ يُخْبِرُونَهُ فِيهِ بِأَنَّهُمْ قَدْ افْتَتَحُوا الْبَلْدَةَ الَّتِي نَزَلُوا بِهَا ، وَكَانَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ ، وَبَيْنَ أَهْلِهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الزَّوَالِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ : أَتَبْكِي ، وَالنَّصْرُ لَنَا ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا الْكُفْرُ يَقِفُ أَمَامَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَدْوَةٍ إلَى الزَّوَالِ إلَّا مِنْ أَمْرٍ أَحْدَثْتُمُوهُ أَنْتُمْ أَوْ أَنَا فَانْظُرْ إلَى مَا قَرَّرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا نَظَرَ فِي النَّصْرِ ، وَعَدَمِهِ إلَّا بِصَلَاحِ الْحَالِ ، وَفَسَادِهِ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ فَأَيْنَ هَذَا الْحَالُ الَّذِي ذَكَرَ مِنْ حَالِ أَكْثَرِ النَّاسِ الْيَوْمَ ، وَفِي كَوْنِهِمْ يُخْرِجُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ،
وَيَقْضُونَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَعْنِي جَوَازَ إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ ، وَالْعُذْرُ الشَّرْعِيُّ إنَّمَا هُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ أَوْ اسْتِتَارُهُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسَايِفَ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُضَارِبُ ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ يُصَلِّي ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ لِأَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ ، وَيُكَبِّرُ ، وَيَقْرَأُ ، وَكَذَلِكَ الْغَرِيقُ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي حَالِ غَرَقِهِ ، وَالْمَصْلُوبُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ صَلَاتُهُمْ إنَّمَا هِيَ بِالْإِيمَاءِ ، وَاللِّسَانِ ، وَاغْتُفِرَ فِي حَقِّهِمْ ، وَمَنْ شَابَهَهُمْ تَرْكُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ جُمْلَةً فِي حَالِ صَلَاتِهِمْ إذْ ذَاكَ خِيفَةً عَلَى الْوَقْتِ أَنْ يَخْرُجَ فَلَوْ تَرَكَ أَحَدُهُمْ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ عَاصِيًا ، وَإِنْ قَضَاهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا .
؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخْرَجَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا مُتَعَمِّدًا هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا ؟ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ آثِمٌ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ التَّأْخِيرِ ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مُرْتَدٌّ ، وَحُكْمُهُ مَعْرُوفٌ .
وَمَا ذُكِرَ فِي حَقِّ الْمُجَاهِدِ مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا هُوَ مَوْجُودٌ بِعَيْنِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْحُجَّاجِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ أَحْوَالِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ يُحَصِّلُونَ الزَّادَ ، وَالرَّاحِلَةَ ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ضَرُورَاتِهِمْ بِخِلَافِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ فَقَلَّ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ مَسَائِلِ التَّيَمُّمِ ، وَقَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَإِتْمَامِهَا ، وَأَحْكَامِ الْحَجِّ ، وَمَنَاسِكِهِ ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ فَالْغَالِبُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَعْتَنُونَ فِي الْمَنَاسِكِ بِأَدْعِيَةٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى قَانُونٍ مَعْرُوفٍ فَيُعَوِّلُونَ عَلَيْهَا ، وَيَتْرُكُونَ ذِكْرَ الْأَحْكَامِ فِي الْغَالِبِ .
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعْيِينَ الدُّعَاءِ لِبَعْضِ الْأَرْكَانِ ، وَقَالَ هَذِهِ بِدْعَةٌ إنَّمَا يَذْكُرُ اللَّهَ ، وَيَدْعُو بِمَا يَمُرُّ بِبَالِهِ أَوْ كَمَا قَالَ .
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ أَمْرِ الْجِهَادِ فَمِنْ أَهَمِّ مَا يُقَدَّمُ فِيهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَيْهِ ، وَعِنْدَهُ حُسْنُ النِّيَّةِ ، وَاهْتِمَامُهُ بِهَا ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَيْهَا .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانُهَا أَتَمَّ بَيَانٍ حِينَ جَاءَهُ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا ، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ ، وَمَا رَفَعَ إلَيْهِ رَأْسَهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ { مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } فَقَدْ اتَّضَحَ ، وَبَانَ مَا يَنْوِي الْمُجَاهِدُ حِينَ خُرُوجِهِ ، وَتَلَبُّسِهِ بِالْقِتَالِ .
وَأَمَّا مَا يَقَعُ لَهُ بَعْدَ تَصْحِيحِ نِيَّتِهِ فَغَيْرُ مَا نَوَاهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ قَالَ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا ، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَأَجَابَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَوَى أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا لَا يَضُرُّهُ مَا اعْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِ غَضَبًا أَوْ حَمِيَّةً أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ ، وَنَزَغَاتِهِ ، وَهَوَاجِسِ النُّفُوسِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ رَفَعَ ذَلِكَ عَنَّا ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِتَرْكِ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهِ بِبَرَكَةِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى { ، وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } الْآيَةَ ضَجَّ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَأَتَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا الصَّلَاةَ ، وَالصَّوْمَ ، وَالزَّكَاةَ ، وَالْحَجَّ فَقَبِلْنَاهُ ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي نُفُوسِنَا فَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ كَمَا
قَالُوا فَعَلَّمَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَدَبَ مَعَ الرُّبُوبِيَّةِ قَالَ : أَتَقُولُونَ مِثْلَ مَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ سَمِعْنَا ، وَعَصَيْنَا ، ، وَلَكِنْ قُولُوا : سَمِعْنَا ، وَأَطَعْنَا فَقَالُوا : سَمِعْنَا ، وَأَطَعْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } إلَى آخِرِ السُّورَةِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِصْرَ عَنْهُمْ ، وَعَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْوَسَاوِسِ ، وَالْهَوَاجِس .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي نَحْنُ بِسَبِيلِهِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَنْ { جَاءَهُ أَصْحَابُهُ يَشْكُونَ لَهُ مِمَّا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالُوا : إنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَجَدْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ لِهَذَا } فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ يَعْنِي فِي دَفْعِهِ ، وَتَعَاظُمُ الْأَمْرِ عِنْدَهُمْ لَا فِي نَفْسِ وُقُوعِهِ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ لِهَذَا ، وَذَلِكَ أَنَّ إبْلِيسَ اللَّعِينَ لَمْ يَقْنَعْ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى جَعَلَهُمْ يَنْشُرُونَ خَشَبًا ، وَيَنْحِتُونَ حِجَارَةً ، وَيَجْعَلُونَهَا صُوَرًا يَسْجُدُونَ لَهَا ، وَيَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُمْ قَدْ صَنَعُوهَا بِأَيْدِيهِمْ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ ، وَانْتَشَرَ أَيِسَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ أَنْ يَرُدَّهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ حِيلَةٌ إلَّا الْوَسْوَاسُ ، وَالْهَوَاجِسُ الْمُشَوِّشَةُ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ لِهَذَا .
فَحَمِدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ عَلَى كَوْنِ اللَّعِينِ عَجَزَتْ قُدْرَتُهُ عَنْ جَمِيعِ الْحِيَلِ إذْ أَنَّ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْحِيَلِ إلَّا الْوَسْوَاسُ ، وَالْهَوَاجِسُ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ مَنْ وَقَعَ
لَهُ ، وَلَوْ وَقَفَ الْمُكَلَّفُ مَعَ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْهَوَاجِسِ قَلَّ أَنْ يَتَأَتَّى لَهُ أَدَاءُ عِبَادَةٍ بِسَبَبِ تَسْلِيطِهِ .
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُقَاتِلُ أَوَّلًا بِنِيَّةِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَنْ يَحْتَسِبَ نَفْسَهُ ، وَمَالَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ الصَّدَفِيُّ الْمَشْهُورُ بِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { عَبَّانَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ لَيْلًا } ، وَالتَّعْبِيَةُ هِيَ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ ، وَتَقْدِمَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَيْنَ يَدَيْ الْقِتَالِ مِنْ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لِيُرْجَى بِهِ الظَّفَرُ ، وَالنَّصْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { ، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ }
ثُمَّ الْإِدَارَةُ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَالْخَدِيعَةُ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ الظَّفَرِ .
أَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحَرْبُ خُدْعَةٌ } ، وَرُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوًا وَرَّى عَنْهُ بِغَيْرِهِ } .
وَمِنْ الْخُدَعِ فِي الْحَرْبِ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْأَحْزَابِ .
رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَا يَكْتُمُ الْحَدِيثَ ، وَكَانَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَامَ الْأَحْزَابِ ، وَكَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَوْمًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ مَالُوا عَلَيْك فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ فَأَتَى الرَّجُلُ أَبَا سُفْيَانَ فَقَالَ هَلْ عَلِمْت مُحَمَّدًا يَقُولُ مَا لَيْسَ هُوَ ، قَالَ : لَا ، قَالَ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ لَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ قَالَ سَنَنْظُرُ فَأَرْسَلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ نُحِبُّ أَنْ تُعْطُونَا رَهَائِنَ ، وَوَافَقَ ذَلِكَ أَنْ كَانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِلْقَدَرِ الْمَقْدُورِ فَقَالُوا : نَحْنُ فِي السَّبْتِ فَإِنْ انْقَضَى فَعَلْنَا فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ نَحْنُ فِي مَكْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا ، وَجُنُودًا لَمْ يَرَوْهَا { ، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ } .
وَكَانَتْ هَذِهِ مِنْ الْخُدَعِ الَّتِي خَدَعَهُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْهُ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ سَمِعْته يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى الْأَحْزَابِ { اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ ، وَزَلْزِلْهُمْ } فَهَذَا الدُّعَاءُ يَنْبَغِي أَنْ يُدْعَى بِهِ
عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمِنْهُ عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إنْ يَأْتِكُمْ الْعَدُوُّ فَقُولُوا حم لَا يُنْصَرُونَ } ، وَمِنْهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَخَلَ مَكَّةَ ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ } .
وَمِنْهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ ، وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ } ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ أَيْ اُطْلُبُونِي أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ مَعَهُمْ .
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى { أَنَا مَعَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي } فَإِذَا كَانَ اللَّهُ مَعَهُمْ فَهُمْ مَنْصُورُونَ ، وَيُرِيدُ بِالضُّعَفَاءِ ، - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ظُهُورٌ فِي الدُّنْيَا ، وَهُمْ طَالِبُونَ لَهَا ، وَهُمْ زَاهِدُونَ فِي دُنْيَاهُمْ رَاغِبُونَ فِي آخِرَتِهِمْ طَائِعُونَ لِلَّهِ تَعَالَى نَاصِرُونَ لِدِينِهِ فَهُمْ مَنْصُورُونَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، وَقَالَ { ، وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } أَيْ بِالنَّصْرِ ، وَالْمَعُونَةِ أَيْ مَعَ الصَّابِرِينَ عَنْ الْمُشْتَهَيَاتِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَالصَّابِرِينَ عَلَى الطَّاعَاتِ ، وَجِهَادِ الْكُفَّارِ فَاَللَّهُ نَاصِرُهُمْ ، وَمُعِينُهُمْ .
رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حِينَ بَعَثَهُ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ : احْرِصْ عَلَى الْمَوْتِ تُوهَبْ لَك الْحَيَاةُ .
وَوَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ قَوْمًا إلَى الْغَزْوِ فَقَالَ : أَلْزِمُوا قُلُوبَكُمْ الصَّبْرَ فَإِنَّهُ سَيْفُ الظَّفَرِ ، وَاذْكُرُوا كَثْرَةَ الضَّغَائِنِ فَإِنَّهُمَا تَحُضُّ عَلَى الْإِقْدَامِ ، وَالْزَمُوا الطَّاعَةَ فَإِنَّهَا حِصْنُ الْمُحَارِبِ .
وَمِنْ الْحِكْمَةِ : قُوَّةُ النَّفْسِ فِي الْحَرْبِ عَلَامَةُ الظَّفَرِ .
وَمِنْهَا : تَقَحُّمُ الْحَرْبِ يُنْجِحُ الْقَلْبَ ، وَمِنْهَا : الْهَزِيمَةُ تَحِلُّ الْعَزِيمَةَ .
وَمِنْهَا : الْحِيَلُ أَبْلَغُ مِنْ الْعَمَلِ ، وَمِنْهَا : الرَّأْيُ السَّدِيدُ أَجْدَى مِنْ الْأَيْدِ الشَّدِيدِ .
وَمِنْهَا : شِدَّةُ الصَّبْرِ فَاتِحَةُ النَّصْرِ
، وَيَنْبَغِي الْمَشُورَةُ فِي الْقِتَالِ ، وَفِي كُلِّ أَمْرٍ يَعْرِضُ .
، وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي مَشُورَةُ مَنْ لَهُ عَقْلٌ ، وَدِينٌ ، وَتَجَارِبُ .
مِنْ كَلَامِ الْحِكْمَةِ تَوَقَّ مَشُورَةَ الْجَاهِلِ .
وَمِنْهَا : لَا تُشَاوِرُ مَنْ تَمِيلُ بِهِ رَغْبَتُهُ أَوْ رَهْبَتُهُ .
أَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ بِالْإِسْنَادِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ } ، وَمِنْهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا تُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ } ، وَمِنْهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ } قَالَ الْبُخَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، - وَرَحِمَهُ - هَذِهِ الطَّائِفَةُ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ ، وَالْجَمَاعَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ .
ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى ذِكْرِ بَعْضِ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ .
فَمِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ، وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ الصَّفْقَتَيْنِ جَمِيعًا .
بَيَانُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنْفُسًا هُوَ خَلَقَهَا ، وَأَمْوَالًا هُوَ رَزَقَهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ أَقُولُ أَيْضًا هُوَ خَالِقُ فِعْلِ الْمُجَاهِدِ فِي قُدْرَتِهِ ، وَعَزْمِهِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ ، وَرَغْبَتِهِ فَكُلُّ ذَلِكَ فَضْلُهُ ، وَنِعْمَتُهُ ، وَمِنَّتُهُ قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ ، وَتَعَالَى يُسْدِي عَلَى أَيْدِينَا الْخَيْرَ ، وَيَمْنَحُ عَنْ أَيَادِيهِ الْجَزَاءَ ، وَرُوِيَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ { الْأَنْصَارَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرِطْ لِرَبِّك ، وَلِنَفْسِك مَا شِئْت قَالَ : أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ قَالُوا : فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا ؟ قَالَ : لَكُمْ الْجَنَّةُ قَالُوا : رَبِحَ الْبَيْعُ قَالُوا لَا نَقِيلُ ، وَلَا نَسْتَقِيلُ } .
وَمَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ ، وَهُوَ يَقْرَأُ { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ، وَأَمْوَالَهُمْ } الْآيَةَ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ كَلَامُ مَنْ ؟ قَالَ : كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ : بَيْعٌ ، وَاَللَّهِ صَرِيحٌ لَا نَقِيلُهُ ، وَلَا نَسْتَقِيلُهُ
فَخَرَجَ إلَى الْغَزْوِ فَاسْتُشْهِدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى { ، وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا } قَالَ هَذَا وَعْدٌ مُؤَكَّدٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدَهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ ، وَعْدٌ ثَابِتٌ ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَالْإِنْجِيلِ كَمَا أَثْبَتَهُ فِي الْقُرْآنِ .
وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَاهِيك مِنْ صَفْقَةٍ الْبَائِعُ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَالثَّمَنُ جَنَّةُ الْمَأْوَى ، وَالْوَاسِطَةُ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي ذَلِكَ قِيلَ أَكْرِمْ بِهَا صَفْقَةً فَالرَّبُّ عَاقِدُهَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ مُضَرِ أَثْمَانُهَا جَنَّةٌ نَاهِيك مِنْ نُزُلٍ دَارٌ بِهَا نِعَمٌ تَخْفَى عَنْ الْبَشَرِ أَنْوَاعُ مَطْعَمِهَا مِنْ كُلِّ شَهْوَتِنَا شَرَابُهَا عَسَلٌ صَافٍ مِنْ الْكَدَرِ مِنْ كُلِّ مَا لَذَّةٍ طَابَتْ مَوَارِدُهَا ، وَحُورُهَا دُرَرٌ تَزْهُو عَلَى الْقَمَرِ أَنَّى لَهَا ثَمَنٌ دُنْيَا بِهَا مِحَنٌ لَمْ يَصْفُ مَشْرَبُهَا يَوْمًا لِمُعْتَبِرِ ثُمَّ قَالَ { ، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ } ؛ لِأَنَّ إخْلَافَ الْوَعْدِ إنَّمَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ لِأَحَدِ أُمُورٍ أَوْ مَجْمُوعِهَا ، وَذَلِكَ : لِبُخْلٍ أَوْ شُحٍّ خَوْفَ الْفَقْرِ أَوْ مَحَبَّةَ الِازْدِيَادِ مِنْ الشَّهَوَاتِ أَوْ لِعَجْزٍ أَوْ لِنِسْيَانٍ ، وَذُهُولٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآفَاتِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ .
فَهَذِهِ الْآيَةُ إذَا فُهِمَتْ مَعَانِيهَا ، وَحَضَرْتَ بِخُلُوِّ الْقَلْبِ ، وَشُرُوطِ الِاسْتِمَاعِ لَتَالِيهَا لَا تَطْلَبُ فِي التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ زِيَادَةً عَلَيْهَا ، وَلَا انْضِمَامَ شَيْءٍ مِنْ الْمُؤَكَّدَاتِ إلَيْهَا ، وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ إلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ عَنْ صَلَاةٍ ، وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ } ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { ،
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } فَهَذَا وَعْدٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ إذْ أَنَّ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِهِ أَوْ الْمَوْتَ مُقْتَرِنٌ بِهِمَا الْمَغْفِرَةُ ، وَالرَّحْمَةُ ، وَخَبَرُهُ تَعَالَى ، وَوَعْدُهُ حَقٌّ ، وَتَأْكِيدُهُ بِالْقَسَمِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ ، وَتَحْقِيقٌ لِفَضْلِهِ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ .
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يَخْرُجُ إلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي ، وَإِيمَانًا بِي ، وَتَصْدِيقًا بِرَسُولِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إنْ مَاتَ أَوْ أَرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْت خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ } قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي ، وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرَسُولِي فِي هَذَا حَضٌّ عَلَى النِّيَّةِ ، وَتَخْلِيصِهَا مِنْ الشَّوَائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، وَهِيَ الشَّهَادَتَانِ ، وَعُلُوُّ الْمُسْتَمْسِكِ بِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ إذَا عَلَا بِالضَّرُورَةِ تَكُونُ الشَّهَادَتَانِ ، وَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ السُّفْلَى فَيَقْصِدُ بِالْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ هَذَا مُخْلِصًا ،
وَيَبِيعُ نَفْسَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْجَنَّةِ الَّتِي وَعَدَهَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ مَجْمُوعَ الْأَمْرَيْنِ ابْتِغَاءَ الْجَنَّةِ ، وَعُلُوَّ الْكَلِمَتَيْنِ فَإِذَا صَحَّ قَصْدُهُ نَالَ مِنْ اللَّهِ مَا وَعَدَهُ .
وَقَوْلُهُ فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ قِيلَ مَعْنَاهُ مَضْمُونٌ .
وَقَوْلُهُ أَوْ أَرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ أَجْرٍ ، وَغَنِيمَةٍ .
، وَالْكَلْمُ الْجُرْحُ ، وَبِإِسْنَادِهِ إلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ } فِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى النِّيَّةِ .
وَمِنْهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا } ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ { خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ .
} الْغَدْوَةُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ السَّيْرُ إلَى الزَّوَالِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَالرَّوْحَةُ السَّيْرُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ مَرَّةً وَاحِدَةً .
فَالْمَعْنَى أَنَّ ثَوَابَ هَذِهِ الْغَدْوَةِ ، وَالرَّوْحَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَفَضْلَهَا ، وَنَعِيمَهَا عَلَى قِلَّتِهَا ، وَيَسَارَتِهَا ، وَخِفَّتِهَا خَيْرٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا كُلِّهَا عَلَى كَثْرَتِهَا فَإِنَّ نِعَمَ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ ، وَنِعَمَ الْآخِرَةِ دَائِمَةٌ بَاقِيَةٌ أَوْ الْمَعْنَى أَنَّ الدُّنْيَا لَوْ نَالَهَا مَلِكٌ بِأَسْرِهَا ، وَأَنْفَقَهَا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ ، وَأَجْرِهَا لَكَانَ جَزَاءُ هَذِهِ الْغَدْوَةِ ، وَالرَّوْحَةِ أَكْثَرَ ، وَفَضْلُهَا أَعْظَمَ ، وَأَكْبَرَ .
وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِم مُتَّصِلًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( يَا أَبَا سَعِيدٍ { مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا
وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ ، وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ ، وَالْأَرْضِ قَالَ ، وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } الدَّرَجَاتُ : الْمَنَازِلُ فِي الْجَنَّةِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ ، وَالسُّنَّةُ قَالَ تَعَالَى { لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ } ، وَمِنْهُ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ كُنْت عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ ، وَقَالَ آخَرُ مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَقَالَ آخَرُ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالَ : لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلَكِنْ إذَا صَلَّيْت الْجُمُعَةَ دَخَلْت لِأَسْتَفْتِيَهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ ، وَجَلَّ { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ، وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ } الْآيَةَ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ ، وَنَفْسِهِ قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللَّهَ ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ } ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ ، وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غَنِيمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إلَّا فِي خَيْرٍ } ) فَظَهَرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْجِهَادِ ، وَشَرَفُهُ ، وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الِاكْتِسَابَ مِنْهُ خَيْرُ كَسْبٍ إذَا خُمِّسَ الْمَغْنَمُ ، وَلَمْ يَسْتَأْثِرْ عَلَى الْغَازِينَ بِشَيْءٍ إلَّا مَا الضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ ، وَالشَّرَابِ ، وَشِبْهِهِمَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي السُّنَنِ الْمَأْثُورَةِ ، وَالْكِتَابِ الْعَزِيزِ .
، وَالْهَيْعَةُ الصَّوْتُ الْمُفْزِعُ .
وَالطَّيَرَانُ هُوَ إغَاثَةُ الْمُسْتَغِيثِ بِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي الْفِعْلِ الْمُسْرِعِ ، وَالشَّعَفُ رُءُوسُ الْجِبَالِ .
وَفِيهِ حَضٌّ عَلَى الِانْزِوَاءِ عَنْ النَّاسِ ، وَالِاعْتِزَالِ ؛ لِمَا فِي الْمُخَالَطَةِ مِنْ آفَاتِ الْقِيلِ ، وَالْقَالِ ، وَهَذَا الِانْزِوَاءُ ، وَالِاعْتِزَالُ إنَّمَا يُحْمَدُ إذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ فَرْضُ الْجِهَادِ ، وَالْقِتَالِ أَوْ فَرْضٌ مِنْ الْفُرُوضِ عَلَى حَسَبِ الْأَحْوَالِ .
مِنْهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت أَبِي ، وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَأَنْت سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هَذَا قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ ، وَأَلْقَاهُ ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْنِي أَنَّ الْجِهَادَ ، وَحُضُورَ الْمَعَارِكِ سَبَبٌ
لِدُخُولِهَا ، وَمُقَرِّبٌ إلَيْهَا ، وَيَظْهَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَكَانَ الْمَعْرَكَةِ ، وَجِلَادَ الْكُفَّارِ مِنْهُ تُنْقَلُ رُوحُ الشَّهِيدِ حِينَ الشَّهَادَةِ ، وَتُدْخَلُ الْجَنَّةَ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ ، وَصَحِيحِ الْأَخْبَارِ .
وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ قَالَ أَنَسٌ عَمِّي الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا قَالَ فَشَقَّ عَلَيْهِ قَالَ : أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُيِّبْت عَنْهُ ، وَلَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ قَالَ فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا قَالَ فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحُدًا قَالَ ، وَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ يَا أَبَا عَمْرٍو أَيْنَ ؟ قَالَ ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ قَالَ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ قَالَ فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ ، وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ ، وَطَعْنَةٍ ، وَرَمْيَةٍ قَالَ : وَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ فَمَا عَرَفْت أَخِي إلَّا بِبَنَانِهِ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } قَالَ فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ ، وَفِي أَصْحَابِهِ .
قَوْلُهُ ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ كَلِمَةُ تَلَهُّفٍ ، وَحُنَيْنٍ ، وَشَوْقٍ إلَى الْجَنَّةِ ، وَتَمَنٍّ لَا جَرَمَ لَمَّا صَدَقَ أُعْطِيَ سُؤْلَهُ ، وَبَلَغَ مِمَّا تَمَنَّى مَأْمُولَهُ ، وَأَوْجَدَهُ اللَّهُ رِيحَ الْجَنَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، وَذَلِكَ تَشْرِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَتَكْرِمَةٌ لِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ .
وَمِنْ مُسْنَدِ النَّسَائِيّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { أَنَا
زَعِيمٌ ، وَالزَّعِيمُ الْحَمِيلُ لِمَنْ آمَنَ ، وَأَسْلَمَ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ ، وَبِبَيْتٍ فِي ، وَسَطِ الْجَنَّةِ ، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَدَعْ لَهُ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا ، وَلَا مِنْ الشَّرِّ مَهْرَبًا يَمُوتُ حَيْثُ يَمُوتُ } .
وَمِنْ مُسْنَدِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ قَالَ : إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
، وَمِنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَتْ لَهُ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ } ، وَمِنْهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا ، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا } ، وَمِنْهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : لَحِقَنِي عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، وَأَنَا مَاشٍ إلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنَّ خُطَاك هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَمِعْت أَبَا عَبْسٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمَا حَرَامٌ عَلَى النَّارِ } انْتَهَى كَلَامُ الصَّدَفِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ أَبُو عَبْسٍ هَذَا اسْمُهُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ هُوَ رَجُلٌ شَامِيٌّ رَوَى عَنْهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ غَيْرَ وَاحِدٍ .
ثُمَّ قَالَ الصَّدَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ }
فَصْلٌ فِي الرَّمْيِ ، وَفَضِيلَتِهِ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ ، وَالرَّامِيَ بِهِ ، وَمُنْبِلَهُ } ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ { كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ } ، وَمِنْ مُسْنَدِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عَدْلُ مُحَرَّرٍ } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ : فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ ، قَالُوا : كَيْفَ نَرْمِي ، وَأَنْتَ مَعَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْمُوا ، وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ } .
وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُونَ ، وَيَكْفِيكُمْ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ } ، وَمِنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ أَنَّ نُعَيْمًا اللَّخْمِيَّ قَالَ لَهُ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ ، وَأَنْتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْك فَقَالَ : عُقْبَةُ لَوْلَا كَلَامٌ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أُعَانِهِ فَقِيلَ لِابْنِ شِمَاسَةَ ، وَمَا ذَاكَ قَالَ : إنَّهُ قَالَ : { مَنْ عُلِّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى } ، وَقَوْلُهُ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ مِنَّا أَيْ لَيْسَ مُتَّبِعًا لَنَا ، وَلَا مُهْتَدِيًا بِهَدْيِنَا تَارِكُ الرَّمْيِ .
، وَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ حِمْصَ عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ ، وَالرِّمَايَةَ ، وَالْفُرُوسِيَّةَ ، وَالِاحْتِفَاءَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ ، وَقَالَ : احْتَفُوا ، وَتَجَرَّدُوا ، وَاخْشَوْشِنُوا ، وَتَمَعْدَدُوا ، وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ ، وَانْزُوَا عَلَى الْخَيْلِ نَزْوًا ، وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ إيَّاكُمْ وَلِبَاسَ الْعَجَمِ الْبَسُوا الْأُزُرَ وَالْأَرْدِيَةَ ، وَأَلْقُوا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَاسْتَقْبِلُوا حَرَّ الشَّمْسِ بِوُجُوهِكُمْ فَإِنَّهَا شَامَاتُ الْعَرَبِ ، وَاطْرَحُوا الْخِفَافَ ، وَالْبَسُوا النِّعَالَ
فَصْلٌ فِي الرِّبَاطِ ، وَفَضْلِهِ ، وَذِكْرِ الْخَيْلِ ، وَفَضْلِهَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ : { رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا ، وَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا ، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إلَّا الَّذِي يَمُوتُ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ } .
أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ : فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا ، وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا ، وَتَعَفُّفًا ، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا ، وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا ، وَرِيَاءً ، وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ } ، وَمِنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، وَمِنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُئِيَ يَمْسَحُ ، وَجْهَ فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إنِّي عُوتِبْت
اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ } ، وَرَوَى الْعُتْبِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة هَلْ الرُّجُوعُ لِثَغْرِهِمْ ، وَالْكَوْنُ فِيهِ لِلْحَرَسِ ، وَسَدُّهُ أَفْضَلُ أَمْ الْمَقَامُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ ، وَأَزْكَى التَّحِيَّاتِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ أَفْضَلُ ؟ فَرَجَّحَ لَهُمْ الرُّجُوعَ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة ، وَالْكَوْنَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْحَرْسُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ ؛ لِأَنَّ الْحَرْسَ فِيهِ حِفْظُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْغَزْوُ فِيهِ إرَاقَةُ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَحِفْظُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى .
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { عَيْنَانِ لَا تَمَسَّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَمِنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِغَيْرِ أَثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ اللَّهَ ، وَفِيهِ ثُلْمَةٌ } ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْت عُثْمَانَ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : إنِّي كَتَمْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَاهِيَةَ نُفُورِكُمْ عَنِّي ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ } قَالَ : أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَمِنْهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ عَزَّ ، وَجَلَّ مِنْ قَطْرَتَيْنِ ، وَأَثَرَيْنِ قَطْرَةُ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
تَعَالَى ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى } قَالَ : ابْنُ حَبِيبٍ الرِّبَاطُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْجِهَادِ .
وَقِيلَ مَنْ رَابَطَ فَوَاقَ نَاقَةٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَوَاقَ نَاقَةٍ قَدْرُ مَا تُحْلَبُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ قَدْرُ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَحَرْسُ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ أَصُومُهَا ، وَأَقُومُ لَيْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَعِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَنْبَغِي لِكُلِّ قَوْمٍ أَنْ يُرَابِطُوا فِي نَاحِيَتِهِمْ ، وَأَنْ يُمْسِكُوا سَوَاحِلَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَكَانًا مَخُوفًا يُخَافُ فِيهِ عَلَى الْعَامَّةِ يُرِيدُ فَلْيَذْهَبْ إلَيْهِ .
وَمِنْ الْحَرْسِ فِي الثُّغُورِ حَفْرُ الْخَنَادِقِ ، وَالِاحْتِسَابُ فِي حَفْرِهَا مُسْتَنِّينَ فِي ذَلِكَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَطْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْحَجَرِ الَّذِي أَعْيَتْ الصَّحَابَةَ الْحِيلَةُ فِي كَسْرِهِ .
أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : { لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَ لَنَا حَجَرٌ لَا يَأْخُذُهُ الْمِعْوَلُ فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَلْقَى ثَوْبَهُ ، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ، وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَتْ ثُلُثَ الصَّخْرَةِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الشَّامِ ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ إلَى قَصْرِهَا الْأَحْمَرِ الْآنَ مِنْ مَكَانِي هَذَا قَالَ : ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى ، وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ فَارِسٍ ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ خَضْرَاءَ الْمَدَائِنِ ، وَإِلَى الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ ، وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرَ فَقَالَ : اللَّهُ
أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ بَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي السَّاعَةَ }
فَصْلٌ فِي فَضْلِ الشَّهَادَةِ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ { ، وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } قَالَ : أَمَّا إنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : { أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ } ، وَمِنْهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ( مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا ، وَإِنَّ لَهُ بِهَا مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرَ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ ؛ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ .
وَمِنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ ، وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا } .
وَمِنْ الْمُوَطَّأِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْغَزْوُ غَزْوَانِ : فَغَزْوٌ تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ ، وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ ، وَيُطَاعُ فِيهِ ذُو الْأَمْرِ ، وَيُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ فَذَلِكَ الْغَزْوُ خَيْرٌ كُلُّهُ ، وَغَزْوٌ لَا تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ ، وَلَا يُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ ، وَلَا يُطَاعُ فِيهِ ذُو الْأَمْرِ ، وَلَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ فَذَلِكَ الْغَزْوُ يَرْجِعُ صَاحِبُهُ كَفَافًا .
وَمِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ ، وَرَسُولِهِ ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، وَآتَى الزَّكَاةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ قَالَ : إنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ بَيْنَ كُلِّ
دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ ، وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ تَعَالَى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ ، وَسَطُ الْجَنَّةِ ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ } .
وَمِنْ صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ : يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ فِي أَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا ، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ ، وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ } قَالَ : أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَمِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِعْبٍ فِيهِ عَيْنٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ فَأَعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا فَقَالَ : لَوْ اعْتَزَلْت عَنْ النَّاسِ فَأَقَمْت فِي هَذَا الشِّعْبِ ، وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّ مَقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ، وَيُدْخِلَكُمْ الْجَنَّةَ اُغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ } ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ شَهِيدٌ ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ، وَعَبْدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ } ، وَمِنْهُ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ ( { الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذَاكَ الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ أَعْيُنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى وَقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ قَالَ : فَمَا أَدْرِي أَقَلَنْسُوَةُ عُمَرَ أَرَادَ أَمْ قَلَنْسُوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَكَأَنَّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْكِ طَلْحٍ مِنْ الْجُبْنِ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا ، وَآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَقِيَ الْعَدُوَّ صَدَقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ } ، وَفَضِيلَةُ الْجِهَادِ قَدْ جَاءَ فِيهَا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا .
وَلَكِنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ عَلَى الْمَرْءِ وَحْدَهُ إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ جَمَاعَةٍ ، وَإِمَامٍ تَنْعَقِدُ كَلِمَتُهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا يُخَالِفُونَهُ .
، وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - ذَلِكَ ، وَشَرَطُوا لَهُ شُرُوطًا ، وَبَيَّنُوا حَالَ الْإِمَامِ ، وَحَالَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَكُونُ مَعَهُ ، وَصِفَةَ هَدْيِهِمْ ، وَطَرِيقَتَهُمْ ، وَآدَابَهُمْ ، وَمَا يَتَجَنَّبُونَ فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ ، وَهَذَا النَّوْعُ كَثِيرٌ قَلَّ أَنْ يُحْصَرَ أَعْنِي مَا أُحْدِثَ فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ شَرْقًا ، وَغَرْبًا فَمَنْ أَرَادَ الْجِهَادَ فَلْيَتَوَقَّفْ حَتَّى يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ ، وَالنُّهَى عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَمَا يُنْدَبُ لَهُ ، وَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَوْ يُكْرَهُ ، وَمَا يَتَجَنَّبُ فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَقَالِيمِ ، وَالْأَئِمَّةِ ، وَالْجَمَاعَةِ ، وَالْعَصْرِ فَلَا يُمْكِنُ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهَا لِكَثْرَتِهَا ، وَاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، وَالْأَزْمَانِ فَبِالسُّؤَالِ يَتَبَيَّنُ لَهُ مَا يَصْلُحُ بِهِ فَإِنْ رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَلَلٍ يَرْتَكِبُهُ بِسَبَبِ جِهَادِهِ فَالتَّرْكُ لَهُ أَوْلَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلَا سُؤَالَ إذْ ذَاكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ فِيهِ إذْنَ الْإِمَامِ ، وَلَا حُضُورَ الْجَمَاعَةِ ، وَلَا إذْنَ الْوَالِدِ ، وَلَا إذْنَ الْوَالِدَةِ ، وَلَا إذْنَ السَّيِّدِ إذْ أَنَّ النَّفِيرَ وَاجِبٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ بِوَجْهٍ مَا
ثُمَّ الْأَصْلُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي جِهَادِهِ ، وَيَعْتَقِدُ النَّصْرَ مِنْ جِهَتِهِ هُوَ التَّعَلُّقُ بِجَنَابِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالرُّجُوعُ إلَيْهِمْ ، وَالصُّدُورُ عَنْ رَأْيِهِمْ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا حُكِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَمَّا أَنْ خَرَجَ لِبَعْضِ غَزَوَاتِهِ قَالَ : اُنْظُرُوا إلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَذَهَبُوا إلَيْهِ ثُمَّ رَجَعُوا فَقَالُوا ، وَجَدْنَاهُ فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فَقَالَ : اذْهَبُوا فَقَدْ نَصَرَنَا : سَبَّابَتُهُ فِي الْقِبْلَةِ عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا أَلْفِ فَارِسٍ فَمَضَوْا ؛ لِمَا كَانُوا بِسَبِيلِهِ فَنُصِرُوا ، وَغَنِمُوا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ } ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَنَّى الْمَرْءُ لِقَاءَ الْعَدُوِّ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ } خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ فَشَأْنُ الْمُكَلَّفِ امْتِثَالُ الْأَدَبِ بِتَرْكِ الدَّعَاوَى ، وَغَيْرِهَا حَتَّى إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ اسْتَعَانَ بِرَبِّهِ تَعَالَى ، وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ مُبْتَغِيًا بِذَلِكَ مَرْضَاتَهُ ، وَمَا وَعَدَ عَلَيْهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ لِفَاعِلِهِ .
وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ دَقِيقُهَا ، وَجَلِيلُهَا فَلْيَكُنْ الْمَرْءُ مُتَيَقِّظًا لَهَا فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ، وَالْجِهَادُ مَظِنَّةُ الْمَوْتِ غَالِبًا .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَعْنَاهُ أَنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ تُنْقَلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَى الْجَنَّةِ ، وَالتَّعَلُّقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْأَصْلُ لِهَذَا الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا شَاءَ فَعَلَ
فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الْقَادِرُ عَلَى النَّصْرِ بِسَبَبٍ ، وَبِغَيْرِ سَبَبٍ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى { ، وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } فَنَفَى الرَّمْيَ عَنْ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ ، وَمَا رَمَيْت ثُمَّ أَثْبَتَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ إذْ رَمَيْت فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَمَعَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ ، وَالشَّرِيعَةِ .
أَمَّا الشَّرِيعَةُ فَلِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ ، وَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِهِمْ ، وَقَالَ : شَاهَتْ الْوُجُوهُ .
وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلِوُصُولِ ذَلِكَ التُّرَابِ لِعَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدُوِّ حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَهُ لِمِلْئِهَا بِالتُّرَابِ ، وَهَذَا شَيْءٌ يَعْجَزُ الْبَشَرُ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ أَفْعَالُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ امْتِثَالِ الْحِكْمَةِ ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قُدْرَتَهُ عِيَانًا لِلْخَلْقِ عَلَى يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الْكَرِيمَةِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَفْعَلْ ، وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ دُونَ مَاءٍ بَلْ امْتَثَلَ الْحِكْمَةَ بِوَضْعِ يَدِهِ الْكَرِيمَةِ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْقُوا ، وَيَشْرَبُوا ، وَيَمْلَئُوا ، وَالْمَاءُ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِجَمْعِ مَا بَقِيَ مَعَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْأَزْوَادِ حِينَ فَنِيَتْ فَجُمِعَتْ ، وَبَارَكَ فِيهَا فَأَكَلَ الْجَمِيعُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا ، وَمِنْ ذَلِكَ فِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قِصَّةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدَّاجِنِ الَّذِي ذَبَحَهُ ، وَالْعَجِينِ الَّذِي خَبَزَهُ ، وَكَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَصَقَ فِيهِمَا ، وَبَارَكَ ثُمَّ أَذِنَ
لِعَشَرَةٍ فِي الْأَكْلِ ثُمَّ عَشَرَةٍ مِنْ بَعْدِهِمْ مِمَّنْ كَانَ يَعْمَلُ فِي الْخَنْدَقِ حَتَّى أَكَلَ الْجَمِيعُ ، وَشَبِعُوا ، وَكَانُوا أَلْفًا ، وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ كَمَا هِيَ ، وَالْعَجِينُ يُخْبَزُ كَمَا هُوَ .
وَمِنْ ذَلِكَ خُرُوجُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى الْجِهَادِ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْتَدُّ لِذَلِكَ بِجَمْعِ أَصْحَابِهِ ، وَبِاِتِّخَاذِ الْخَيْلِ ، وَالسِّلَاحِ ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ آلَاتِ الْجِهَادِ ، وَالسَّفَرِ ثُمَّ إذَا رَجَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَخَلَّى مِنْ ذَلِكَ ، وَرَدَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِمَوْلَاهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ { آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ ، وَحْدَهُ } فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ ، وَإِيَّاكَ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ ، وَحْدَهُ } فَنَفَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ ، وَفِعْلَهُ خَلْقٌ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى الَّذِي خَلَقَ ، وَدَبَّرَ ، وَأَعَانَ ، وَأَجْرَى الْأُمُورَ عَلَى يَدِ مَنْ شَاءَ ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ فَكُلٌّ مِنْهُ ، وَكُلٌّ إلَيْهِ رَاجِعٌ .
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ ، وَجَلَّ أَنْ يُبِيدَ أَهْلَ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ لَفَعَلَ ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ قَالَ سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } فَيُثِيبُ سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى الصَّابِرِينَ ، وَيُجْزِلُ الثَّوَابَ لِلشَّاكِرِينَ ، وَقَالَ تَعَالَى { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } فَعَلَى الْمُكَلَّفِ الِامْتِثَالُ فِي الْحَالَيْنِ أَعْنِي فِي امْتِثَالِ الْحِكْمَةِ ، وَالرُّجُوعِ إلَى الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى ، وَالسُّكُونِ إلَيْهِ ، وَالنُّزُولِ بِسَاحَةِ كَرَمِهِ { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ ، وَيَكْشِفُ السُّوءَ ، وَيَجْعَلُكُمْ
خُلَفَاءَ الْأَرْضِ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ كَثِيرٌ فَتَجِدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَمْتَثِلُ الْحِكْمَةَ أَوَّلًا تَأَدُّبًا مَعَ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَتَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ ثُمَّ يُظْهِرُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ قُدْرَتَهُ الْغَامِضَةَ الْمُخَبَّأَةَ الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَمَا جَرَى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ جَارٍ لِأُمَّتِهِ بِبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَثِيرًا مَا قَدْ ، وَقَعَ مِثْلُ هَذَا كَتَكْثِيرِ الْقَلِيلِ ، وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ ، وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ ، وَمَا أَشْبَهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ يَقْطَعُ الْعُذْرَ ، وَيُوجِبُ الْقَطْعَ بِوُجُودِهِ .
قَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كُلُّ كَرَامَةٍ ظَهَرَتْ لِوَلِيٍّ فَهِيَ مُعْجِزَةٌ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذْ أَنَّهُ مَا حَصَلَتْ لَهُ تِلْكَ الْكَرَامَةُ إلَّا بِبَرَكَةِ اتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَقِيَتْ هَذِهِ الْبَرَكَاتُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا تَنْقَطِعُ ، وَكَيْفَ لَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } ، وَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَائِمَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ } ، وَهَذَا عَامٌّ فِيمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ، وَفِي غَيْرِهِ
، وَيَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ بِنِيَّةِ إرَاقَةِ دِمَاءِ الْكُفَّارِ لَيْسَ إلَّا بَلْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ نِيَّةِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ، وَإِظْهَارِهَا ، وَإِخْمَادِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ ، وَإِبْطَالِهَا .
وَيَنْبَغِي لِلْمُجَاهِدِينَ إذَا كَانُوا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ فِي سَرِيَّةٍ ، وَأَدْرَبُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ أَنَّهُمْ إذَا صَلُّوا الْخَمْسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ بِذَلِكَ ، وَلِيَقْتَدُوا فِيهِ بِالسَّلَفِ الْمَاضِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - ، وَفِعْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِدْعَةٌ .
، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، وَالنَّاصِرُ ، وَالْهَادِي لَا رَبَّ سِوَاهُ ، وَلَا مَرْجُوًّا إلَّا إيَّاهُ .
فَصْلٌ فِي آدَابِ الْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ التَّارِكِ لِلْأَسْبَابِ ، وَكَيْفِيَّةِ نِيَّتِهِ ، وَهَدْيِهِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِهَادَ يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ جِهَادٌ أَصْغَرُ ، وَجِهَادٌ أَكْبَرُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ النَّاسِ إلَّا أَنَّ الْفَقِيرَ أَحْوَجُ النَّاسِ إلَيْهِ إذْ أَنَّهُ خَلَّفَ الدُّنْيَا ، وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى آخِرَتِهِ لِشُغْلِهِ بِرَبِّهِ ، وَإِقْبَالِهِ عَلَى إصْلَاحِ نَفْسِهِ وَتَنْظِيفِهَا مِنْ الْغَيْرِ فَكُلُّ قَلْبٍ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ فِي حَيِّزِ الْمَتْرُوكِ الْمَطْرُوحِ ، وَكُلُّ قَلْبٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى وَقَعَ لَهُ الْفَتْحُ ، وَالتَّجَلِّي ، وَالْمُخَاطَبَةُ فِي سِرِّهِ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ .
وَهَذَا مَقَامٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا أَهْلُهُ الْمُخْتَصُّونَ بِهِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ الْمُرِيدُ إلَى مُجَاهَدَةٍ عَظِيمَةٍ لِكَيْ يَصْفُوَ قَلْبُهُ ، وَيَتَجَهَّزَ لِتَحْصِيلِ الْفَوَائِدِ الرَّبَّانِيَّةِ لَعَلَّهُ أَنْ يَظْفَرَ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فِي جُمْلَةِ السَّابِقِينَ ، وَقَاعِدَةُ الْفَقِيرِ أَبَدًا لَا يَزَالُ فِي جِهَادٍ .
فَأَوَّلُ جِهَادِهِ جِهَادُ الشَّيْطَانِ ثُمَّ جِهَادُ نَفْسِهِ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - : إنَّ الْجِهَادَ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ جِهَادٌ بِالْقَلْبِ ، وَجِهَادٌ بِاللِّسَانِ .
وَجِهَادٌ بِالْيَدِ ، وَجِهَادٌ بِالسَّيْفِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْجِهَادِ بِالسَّيْفِ ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ هُنَا عَلَى بَاقِي أَقْسَامِ الْجِهَادِ .
فَالْجِهَادُ بِالْقَلْبِ جِهَادُ الشَّيْطَانِ ، وَجِهَادُ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } ، وَجِهَادُ اللِّسَانِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهِ مِنْ جِهَادِ
الْمُنَافِقِينَ ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ ، وَالْمُنَافِقِينَ ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ، وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } فَجَاهَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ ، وَجَاهَدَ الْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَهَاهُ أَنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ فَيُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ جِهَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ بِالْقَوْلِ خَاصَّةً ، وَجِهَادُ الْيَدِ زَجْرُ ذَوِي الْأَمْرِ أَهْلَ الْمَنَاكِرِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَالْبَاطِلِ ، وَالْمَعَاصِي ، وَالْمُحَرَّمَاتِ ، وَعَنْ تَعْطِيلِ الْفَرَائِضِ الْوَاجِبَاتِ بِالْأَدَبِ ، وَالضَّرْبُ عَلَى مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ ، وَمِنْ ذَلِكَ إقَامَتُهُمْ الْحُدُودَ عَلَى الْقَذَفَةِ الزُّنَاةِ ، وَشَرَبَةِ الْخَمْرِ ثُمَّ أَوَّلُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي مُجَاهَدَتِهِ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ مَحَبَّتَهَا ، وَالْعَمَلَ عَلَى تَحْصِيلِهَا مَعَ وُجُودِ شَغَفِ الْقَلْبِ بِهَا يُعْمِي عَنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَيَطْمِسُ الْقَلْبَ ، وَيُكْثِرُ فِيهِ الْوَسَاوِسَ ، وَالنَّزَغَاتِ ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ ، وَجَدَ السَّبِيلَ إلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا شَغَفَ قَلْبُهُ بِمَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ .
وَقَدْ مَرَّ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِرَجُلٍ نَائِمٍ فِي السَّحَرِ فَوَكَزَهُ ، وَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ قُمْ فَقَدْ سَبَقَكَ الْعَابِدُونَ فَقَالَ : يَا رُوحَ اللَّهِ دَعْنِي فَقَدْ عَبَدْتُهُ بِأَحَبِّ الْعِبَادَاتِ إلَيْهِ قَالَ لَهُ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَمَا ذَاكَ قَالَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا قَالَ لَهُ عِيسَى نَمْ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ فِي خِدْرِهَا انْتَهَى ثُمَّ إنَّ الزُّهْدَ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ إلَّا بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْحَرَكَاتِ ، وَالسَّكَنَاتِ ، وَضَابِطُهُ : أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ ، وَنَفَسٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَنْظُرُ فِيهِ فَمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلْيُمْضِهِ ، وَمَا كَانَ
لِغَيْرِهِ فَلْيَدَعْهُ .
وَقَدْ قَالُوا : الزُّهْدُ فِي فُضُولِ الْكَلَامِ أَفْضَلُ مِنْ الزُّهْدِ فِي غَيْرِهِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَوَابًا لِأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمَّا أَثْنَوْا عَلَى رَجُلٍ قَدْ مَاتَ فَقَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَمَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ كَمَا قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَقَلُّ فَائِدَةٍ فِي السُّكُوتِ تَسْبِيحُ الْأَعْضَاءِ انْتَهَى .
فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ أَقَلُّ فَوَائِدِهِ فَمَا بَالُك بِمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا السَّلَامَةُ مِنْ عَثَرَاتِ اللِّسَانِ لَكَانَ غَنِيمَةً عَظِيمَةً .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْأَعْضَاءَ تُصْبِحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تُنَاشِدُ اللِّسَانَ أَنْ يُسْلِمَهَا مِنْ آفَاتِهِ لِأَنَّهُ إذَا عَطِبَ لَمْ يَعْطَبْ ، وَحْدَهُ بَلْ يَعْطَبُ كُلُّ الْأَعْضَاءِ بِسَبَبِهِ .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مُمْسِكًا لِسَانَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا هَذَا قَالَ : هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ فَإِذَا كَانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلْيُشَمِّرْ الْفَقِيرُ إلَى سُلُوكِ هَذِهِ الْمَفَازَةِ لِيَقْطَعَهَا فَإِنَّهَا عَقَبَةٌ كَئُودٌ لَا يُجَاوِزُهَا إلَّا الْمُشَمِّرُونَ - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مَنْ بَرَكَاتِهِمْ - .
ثُمَّ إنَّ الزُّهْدَ فِي الرِّيَاسَةِ أَعْظَمُ مِنْ الزُّهْدِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ ، وَالْمَالَ يُنْفَقَانِ فِي الرِّيَاسَةِ ، وَالرِّيَاسَةُ لَا تُنْفَقُ فِيهِمَا فَالزُّهْدُ فِيهَا مُتَعَيَّنٌ .
ثُمَّ لَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الرِّيَاسَةَ إنَّمَا هِيَ فِي رُتَبِ الدُّنْيَا لَيْسَ إلَّا بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي رُتَبِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَ نَفْسِهِ
شَيْءٌ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ لَا شَيْءَ ، وَمِنْ كَانَ عِنْدَ نَفْسِهِ لَا شَيْءَ فَهُوَ عِنْدَ رَبِّهِ شَيْءٌ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ - نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ - : مَنْ رَأَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الْكَلْبِ فَالْكَلْبُ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَمَا قَالَهُ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَلْبَ مَقْطُوعٌ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ لَهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِإِحْدَى الدَّارَيْنِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْآدَمِيُّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - فَالْكَلْبُ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الْكَلْبِ .
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، - وَأَعَادَ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ - أَنَّهُ كَانَ جَائِعًا ، وَوَجَدَ فَضْلَةَ طَعَامٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ ، وَإِذَا بِكَلْبٍ قَدْ جَاءَ فَأَكَلَ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى ثُمَّ نَبَحَ الْكَلْبُ عَلَى إبْرَاهِيمَ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ : لَا تَنْبَحْ عَلَيَّ ، وَلَا أَنْبَحُ عَلَيْك كُلْ مِنْ جِهَتِك ، وَأَنَا آكُلُ مِنْ جِهَتِي إنْ دَخَلْت أَنَا الْجَنَّةَ فَأَنَا خَيْرٌ مِنْك ، وَإِنْ دَخَلْت النَّارَ فَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي تَصْرِيحًا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنْ كَانَتْ نَفْسُكَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فَسِرُّك فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ الثَّانِيَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ الثَّالِثَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ الْخَامِسَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ السَّادِسَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ فَسِرُّك فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَإِنْ نَزَلَتْ عَنْ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إلَى ظَهْرِ
الثَّوْرِ الَّذِي عَلَيْهِ قَرَارُ الْأَرْضِينَ فَسِرُّك نَاظِرٌ إلَى الْعَرْشِ انْتَهَى فَقَرَّرَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ بِسَبَبِ التَّوَاضُعِ ، وَعَلَى قَدْرِ نُزُولِ النَّفْسِ يَسْمُو أَمْرُهُ ، وَيَعْلُو قَدْرُهُ فَمَنْ أَرَادَ الْفَوْزَ فَلْيَعْمَلْ عَلَى إشَارَتِهِ يَحْظَ بِالسَّلَامَةِ .
وَأَعْنِي بِالزُّهْدِ فِي مَرَاتِبِ الْآخِرَةِ أَنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ لَا لِعِوَضٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } ، وَصَاحِبُ هَذَا الْحَالِ يَرَى نَفْسَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِشَيْءٍ لِاسْتِحْقَارِهِ نَفْسَهُ ، وَتَرْكِ النَّظَرِ إلَيْهَا ، وَصَغَارَتِهَا عِنْدَهُ لِعَظِيمِ مَا هِيَ فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ .
قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رَجُلٌ عَابِدٌ مُجْتَهِدٌ ، وَكَانُوا يُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَعْنِي مَنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ مِنْ الْعُبَّادِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ قُلْ لِفُلَانٍ يَعْبُدُنِي مَا شَاءَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَصْبَحَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَخْبَرَ بَنِي إسْرَائِيلَ بِذَلِكَ فَتَعَجَّبُوا ، وَقَالُوا لَيْسَ فِينَا أَحَدٌ مِثْلَهُ فِي الْعِبَادَةِ ، وَالْخَيْرِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ ، وَإِذَا بِالرَّجُلِ قَدْ أَتَى فَسَلَّمَ ، وَجَلَسَ فَأَخْبَرَهُ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَا قَدْ وَقَعَ فَقَالَ : أَهْلًا بِقَضَاءِ رَبِّي ، وَمَضَى لِسَبِيلِهِ فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ تَطَهَّرَ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي كُنْت أَعْبُدُك ، وَلَسْت عِنْدَ نَفْسِي أَهْلًا لِشَيْءٍ ، وَالْآنَ قَدْ مَنَنْت عَلَيَّ ، وَجَعَلْتنِي أَهْلًا لِنَارِك فَوَعِزَّتِك لَا زَالَ هَذَا مَقَامِي بَيْنَ يَدَيْك شُكْرًا لَك عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ حَتَّى أَلْقَاك فَلَمَّا أَصْبَحَ مِنْ الْغَدِ جَاءَ إلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ قُلْ لِفُلَانٍ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِازْدِرَائِهِ بِنَفْسِهِ .
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ رَحِمَهُ
اللَّهُ ، - وَنَفَعَ بِهِ - عَذَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَجْلِسْ إلَيْهِمْ ، وَيُحَدِّثْهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْهُ الْعِلْمَ ؛ لِأَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَفَاضِلِ الْعُلَمَاءِ ، وَالْمُحَدِّثِينَ فَقَالَ : شَغَلَنِي أَرْبَعٌ لَوْ فَرَغْتُ مِنْهَا لَجَلَسْتُ إلَيْكُمْ وَحَدَّثْتُكُمْ فَقَالُوا لَهُ ، وَمَا هِيَ فَقَالَ : افْتَكَرْت فِي نُزُولِ الْمَلَكِ لِتَصْوِيرِي فِي الرَّحِمِ ، وَنِدَائِهِ يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا أَعْرِفُ كَيْف خَرَجَ جَوَابِي .
الثَّانِيَةُ أَنِّي افْتَكَرْت فِي نُزُولِ مَلَكِ الْمَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِي ، وَنِدَائِهِ يَا رَبِّ أَقْبِضُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَمْ عَلَى الْكُفْرِ فَمَا أَعْرِفُ كَيْف خَرَجَ جَوَابِي .
الثَّالِثَةُ أَنِّي افْتَكَرْت فِي قَوْله تَعَالَى { ، وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ } فَمَا أَعْرِفُ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَمْتَازُ .
الرَّابِعَةُ أَنِّي افْتَكَرْت فِي الْمُنَادِي الَّذِي يُنَادِي حِينَ حُصُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ فِيهَا ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ فِيهَا فَمَا أَعْرِفُ فِي أَيِّ الدَّارَيْنِ أَكُونُ انْتَهَى .
فَمَنْ كَانَ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ كَيْفَ يَقَرُّ لَهُ قَرَارٌ أَوْ يَأْوِي إلَى عِمْرَان ، وَإِنَّمَا هِيَ غَفَلَاتٌ ، وَالْمُرِيدُ مُبَرَّأٌ مِنْ الْغَفَلَاتِ مُتَيَقِّظٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الْقَاطِعَاتِ نَاظِرٌ لِلنَّاسِ نَظَرَ عُمُومٍ يَرَاهُمْ هَلْكَى فَيَرْحَمُهُمْ ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ قَدْ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِهِ خَوْفًا مِنْهُ أَنْ يَلْحَقَهُ مَا لَحِقَهُمْ إذْ أَنَّ الدُّنْيَا لَوْلَا الْحَمْقَى مَا عَمَرَتْ ، وَطُولُ الْأَمَلِ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ أَكْبَرِ الْحُمْقِ ، وَالْمُرِيدُ نَاظِرٌ إلَى زَمَانِهِ ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مَاضٍ ، وَمُسْتَقْبَلٍ ، وَحَالٍّ ، فَإِنْ نَظَرَ إلَى الْمَاضِي فَهُوَ كَنَدْبِ الْأَطْلَالِ ، بِطَالَةٌ لَا تُغْنِي ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهَا ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ فَالْقَدَرُ لَيْسَ بِيَدِهِ ، وَالْحَيَاةُ لَيْسَتْ بِحُكْمِهِ فَلَمْ
يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ فِي الْحَالِّ ، وَالنَّظَرُ فِي الْحَالِّ هُوَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : الْفَقِيرُ ابْنُ وَقْتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ مُتَوَقَّعٌ مَعَ الْحَرَكَاتِ ، وَالسَّكَنَاتِ ، وَالْأَنْفَاسِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ نَفَسٌ فَقَدْ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ ، وَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ فَقَدْ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ الْكُلَفُ ، وَالنَّظَرُ فِي الْمَلْبَسِ ، وَالْقُوتِ ، وَالْمَسْكَنِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورَاتِ الْبَشَرِيَّةِ إذْ أَنَّ نَفَسًا ، وَاحِدًا لَا ثَمَنَ لَهُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَمْرُهُ فِي الْإِقَامَةِ فِي الدُّنْيَا إذْ أَنَّ مَنْ صَارَ حَالُهُ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ أَنَّ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ فِكْرَتُهُ ، وَهُمُومُهُ ، وَحَسَرَاتُهُ فِي كَيْفِيَّةِ مَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَفِي قَبْرِهِ ، وَوَحْشَتِهِ ، وَجَوَابِهِ حِينَ السُّؤَالِ فِيهِ ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَهْوَالِ الْعِظَامِ فَأَيُّ رَاحَةٍ تَبْقَى لِمَنْ هَذَا حَالُهُ ، وَفِكْرَتُهُ .
حُكِيَ أَنَّ إنْسَانًا جَاءَ لِبَعْضِ إخْوَانِهِ يَزُورُهُ فَوَجَدَهُ وَحْدَهُ ، وَهُوَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا ، وَشِمَالًا ، وَخَلْفًا ، وَأَمَامًا قَالَ لَهُ الزَّائِرُ : لِمَنْ تَلْتَفِتُ فَقَالَ : أَنْظُرْ لِمَلَكِ الْمَوْتِ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ يَأْتِينِي .
وَقَدْ جَاءَ بَعْضُهُمْ إلَى شَيْخٍ لَهُ لِيَزُورَهُ ، وَكَانَ قَدْ لَقِيَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَعَزَمَ عَلَيْهِ فَقَالَ : إنِّي صَائِمٌ فَأَعْطَاهُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ أَوْ لَوْزَاتٍ عَلَى أَنْ يُفْطِرَ عَلَيْهَا فَرَبَطَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ كِسَائِهِ فَلَمَّا دَقَّ الْبَابَ خَرَجَ لَهُ شَيْخُهُ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الشَّيْخُ : مَا هَذَا الَّذِي فِي طَرَفِ كِسَائِك فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ ، وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّك تَعِيشُ إلَى الْغُرُوبِ ، وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُك بَعْدَهَا أَبَدًا ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ سَيِّدِي أَبُو مَدْيَنَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَنَفَعَ بِهِ - : عُمْرُك نَفَسٌ وَاحِدٌ فَاحْرِصْ أَنْ يَكُونَ لَك لَا عَلَيْك انْتَهَى .
وَهَا هُوَ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ
فَمَنْ كَانَ حَالُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ فَلَا رَاحَةَ لَهُ دُونَ لِقَاءِ رَبِّهِ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ عَلَى مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ حَيْثُ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا رَاحَةَ لِلْمُؤْمِنِ دُونَ لِقَاءِ رَبِّهِ } ، وَمَعْنَى ذَلِكَ ، - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ طَالَمَا هُوَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ لَا يَزَالُ فِي مُكَابَدَاتٍ ، وَأَهْوَالٍ ، وَأَخْطَارٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا فَيَلْقَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَرَى مَالَهُ عِنْدَهُ مِنْ الْكَرَامَاتِ فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُ الرَّاحَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا .
، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ الْمُحَقِّقُ يُمْنُ بْنُ مَرْزُوقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَفَعَ بِهِ - فِي حَالِ الْفَقِيرِ ، وَزُهْدِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ : اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِي الزُّهْدِ عَلَى طَبَقَاتٍ فَمِنْهُمْ آخِذٌ ، وَهُوَ تَارِكٌ ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ ، وَهُوَ آخِذٌ ، وَإِنَّمَا يَحْمَدُ ، وَيَصِحُّ هَذَا الْأَمْرُ لِمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا ، وَزَهِدَ فِيهَا بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مُصَلِّيًا نَائِمًا ، وَآخَرُ نَائِمًا مُصَلِّيًا ، وَمُفْطِرًا صَائِمًا ، وَصَائِمًا مُفْطِرًا ، وَكَاسِيًا عَارِيًّا ، وَعَارِيًّا كَاسِيًا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى تَصَرُّفِ إرَادَةِ الْقَلْبِ ، وَتَصْحِيحِ النِّيَّةِ ، وَفَسَادِ إرَادَةِ الْقَلْبِ ، وَفَسَادِ النِّيَّةِ ، وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْكَسْبِ الْخَبِيثِ ، وَالْقَوْلِ الْخَبِيثِ ، وَفِي هَذَا كَلَامٌ كَثِيرٌ إلَّا أَنَّ مَنْ صَدَقَ أَبْصَرَ ، وَتَحَقَّقَ ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ بِاَللَّهِ وَبِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، وَنَهَاهُ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَلَأَتْ قَلْبَهُ عَظَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَاشْتَغَلَ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ فُضُولِ الدُّنْيَا مِنْ الْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، وَاللِّبَاسِ ، وَالْبُنْيَانِ ، وَالْمَرْكَبِ ، وَالْأَزْوَاجِ ، وَالْأَوْلَادِ ، وَالْخَدَمِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ الزَّوْجَةُ ،
وَالْوَلَدُ ، وَأَشْيَاءُ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ عَلَى الرَّغْبَةِ ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ فَهْمِ وَعْدِ الْقُرْآنِ ، وَوَعِيدِهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا وَصَلُوا إلَى مَا وَصَلُوا إلَيْهِ لَمْ يَغْتَرُّوا بِدَارِ الْغُرُورِ ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ رَغْبَةٌ إلَّا خَوْفَ فَوَاتِ مَا شَوَّقَ إلَيْهِ وَعْدُ الْقُرْآنِ وَوَعِيدُهُ مِنْ الْخُلُودِ فِي دَارِ النَّعِيمِ أَوْ دَارِ الْهَوَانِ { إنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ } إنَّمَا دَعَا إلَى دَارِ السَّلَامِ - مَنْ خَلَقَهَا ، وَزَيَّنَهَا ، وَجَلَّاهَا : فَخُضْ أَيُّهَا الْمُرِيدُ الْغَمَرَاتِ شَوْقًا إلَى نَعِيمِهَا ، وَأَجِبْ الدَّاعِيَ الصَّادِقَ الْوَفِيَّ إلَى مَا وَعَدَ ، وَدَعَاك إلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ حَذَّرَك نَفْسَك ، وَهَوَاك ، وَأَنْذَرَك حُلُولَ دَارِ سَخَطِهِ ، وَالتَّخَلُّصُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَالْوُصُولُ إلَى نَعِيمِ دَارِ الْخُلُودِ رَفْضُ الْمَحْبُوبِ مِنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى فَارْفُضْهُ ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ ضَجِيعَك ، وَالزُّهْدَ قَرِينَك ، وَالْجِدَّ سِلَاحَك ، وَالصِّدْقَ مَرْكَبَك ، وَالْإِخْلَاصَ زَادَك ، وَالْخَوْفَ مِنْ اللَّهِ عَلَى مُقَدِّمَتِكَ ، وَالشَّوْقَ إلَى الْجَنَّةِ صَاحِبَ لِوَائِك ، وَالْمَعْرِفَةَ عَلَى مَيْمَنَتِك ، وَالْيَقِينَ عَلَى مَيْسَرَتِك ، وَالثِّقَةَ عَلَى سَاقَتِك ، وَالصَّبْرَ أَمِيرَ جُنْدِكَ ، وَالرِّضَا ، وَزِيرَك ، وَالْعِلْمَ مُشِيرَك ، وَالتَّوَكُّلَ دِرْعَك ، وَالشُّكْرَ خَلِيلَك ثُمَّ انْفِرْ إلَى عَدُوِّك ، وَصَافِقْهُ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْت لَك ، وَطِبْ نَفْسًا عَنْ دَارِ الْهُمُومِ ، وَالْأَحْزَانِ إلَى دَارِ الْبَقَاءِ ، وَالسُّرُورِ مَعَ الْخَيِّرَاتِ الْحِسَانِ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
ثُمَّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ فَلْيَنْظُرْ الْعَبْدُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ مَنْ نَظَرَ إلَى نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بِأَمَلٍ رَجَاءَ مَنْفَعَتِهِ كَانَ عُزُوبًا لِقَلْبِهِ عَنْ اللَّهِ ، وَكَانَ مَنْقُوصًا عَنْ مَنْزِلَةِ الْوَاثِقِينَ الْمُؤَيَّدِينَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ ، وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : يَا دَاوُد إنِّي قَدْ آلَيْتَ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُثِيبَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي إلَّا عَبْدًا قَدْ عَلِمْت مِنْ طَلْبَتِهِ ، وَإِرَادَتِهِ ، وَإِلْقَاءِ كَنَفِهِ بَيْنَ يَدَيَّ أَنَّهُ لَا غِنَى لَهُ عَنِّي ، وَأَنَّهُ لَا يَطْمَئِنُّ إلَى نَفْسِهِ بِنَظَرِهَا ، وَفِعَالِهَا إلَّا ، وَكَّلْته إلَيْهَا أَضِفْ الْأَشْيَاءَ إلَيَّ فَإِنِّي أَنَا مَنَنْت بِهَا عَلَيْك } .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَ إنَّمَا تَفَاوَتُوا ، وَتَبَايَنُوا فَبِاخْتِيَارِهِمْ نَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى اخْتِيَارِ أَنْفُسِهِمْ زَادَهُمْ ذَلِكَ سُرْعَةً ، وَقُرْبًا مِنْ مَعُونَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ، وَصُنْعِهِ ، وَتَسْهِيلِهِ عَلَيْهِمْ ، وَبِالسَّهْوِ عَنْهُ ، وَاخْتِيَارِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَلَى نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى زَادَهُمْ ذَلِكَ بُطْئًا ، وَبُعْدًا مِنْ مَعُونَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ ، وَصُنْعِهِ ، وَتَسْهِيلِهِ عَلَيْهِمْ فَكُنْ فِي نَظَرِك إلَى رَبِّك نَاظِرًا بِأَنْ لَا تُؤَمِّلْ غَيْرَ صُنْعِهِ ، وَلَا تَرْجُو غَيْرَ مَعُونَتِهِ ، وَاثِقًا بِاخْتِيَارِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ ، وَأَسْرَعُ فِي مَعُونَتِهِ لَك فَإِنَّ الَّذِينَ قَلَّدُوا أُمُورَهُمْ رَبَّهُمْ ، وَوَثِقُوا بِهِ ، وَلَجَأُوا إلَيْهِ قَدْ أَمَاتُوا مِنْ قُلُوبِهِمْ تَدْبِيرَ أَنْفُسِهِمْ ، وَجَعَلُوا الْأُمُورَ عِنْدَهُمْ أَسْبَابًا مَعَ قِيَامِهِمْ بِهَا ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فَأُولَئِكَ ذَهَبُوا بِصَفْوِ الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ لِسُكُونِ قُلُوبِهِمْ إلَيْهِ فَوَجَدُوا بِذَلِكَ الرَّوْحَ ، وَالرَّاحَةَ فَهُمْ حُمَاةُ الدِّينِ ، وَالْعُلَمَاءُ بِاَللَّهِ قَدْ فَاقُوا عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ بِاطْمِئْنَانِهِمْ بِهِ ، وَسُكُونِهِمْ إلَيْهِ فَأَوْجَبَ لَهُمْ صُنْعَهُ ، وَأَقَامَ قُلُوبَهُمْ عَلَى مِنْهَاجِهِ فَمَا تَقَلَّبُوا فِيهِ
مِنْ الْأَمْرِ فَعَلَى الرِّضَا ، وَالطُّمَأْنِينَةِ ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْخَلْقِ فِي مُؤْنَةٍ ، وَتَعَبٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ حَيْثُ اخْتَارُوهَا ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهَا فَأَوْرَثَتْهُمْ الْهَمَّ ، وَالْغُمُومَ ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ فَهُمْ الَّذِينَ قَلَّدُوهُ أُمُورَهُمْ ، وَخَرَجُوا عَنْ طِبَاعِ الْعِبَادِ ؛ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ مِنْ خَطَأِ مَنْ اخْتَارَ نَفْسَهُ فَجَعَلُوا اخْتِيَارَهُمْ الرِّضَا بِمَا صَيَّرَهُمْ إلَيْهِ مَوْلَاهُمْ مِنْ أُمُورِهِمْ فَزَالَتْ الْغُمُومُ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَأَوْجَبَ لَهُمْ الصُّنْعَ ، وَالتَّوْفِيقَ فِي أَحْوَالِهِمْ ، وَأَوْرَثَهُمْ الْغِنَى ، وَالْعِزَّ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَسَدَّ عَنْهُمْ أَبْوَابَ الْحَاجَاتِ إلَى الْمَخْلُوقِينَ ، وَأَتَتْهُمْ لَطَائِفُ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ ، وَقَامَ لَهُمْ بِمَا يَكْتَفُونَ بِهِ ، وَنَزَّهَ أَنْفُسَهُمْ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ إكْرَامًا لَهُمْ عَنْ فُضُولِ الدُّنْيَا ، وَطَهَارَةً لِقُلُوبِهِمْ عَنْ التَّشَاغُلِ بِمَا أَغْنَاهُمْ عَنْهُ فَحَصَّنَهُمْ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ ، وَأَمْشَاهُمْ فِي طُرُقَاتِ الدُّنْيَا طَيِّبِينَ مُوَالِينَ لَهُ فَهُمْ فِي السَّمَوَاتِ أَشْهَرُ مِنْهُمْ فِي الْأَرْضِ ، وَلِأَصْوَاتِهِمْ هُنَاكَ دَوِيٌّ ، وَنُورٌ يُعْرَفُونَ بِهِ ، وَيَحْيَوْنَ عَلَيْهِ قَدْ رَفَعَ أَبْصَارَ قُلُوبِهِمْ إلَيْهِ فَهِيَ نَاظِرَةٌ إلَيْهِ بِتِلْكَ الْقُلُوبِ غَيْرُ مَحْجُوبَةٍ عَنْهُ بِلَا إدْرَاكٍ مِنْهُمْ لِصِفَةٍ ، وَلَا صُورَةٍ ، وَلَا حَدٍّ ، وَلَا إحَاطَةٍ مِنْهُمْ بِهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَكِنْ كَيْفَ شَاءَ لَهُمْ ذَلِكَ فَأَحَبَّهُمْ ، وَحَبَّبَهُمْ إلَى مَلَائِكَتِهِ ، وَسَائِرِ خَلْقِهِ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ ، وَتَعَالَى { يَا دَاوُد تَفَضَّلْ عَلَى عِبَادِي أَكْتُبْك مِنْ أَوْلِيَائِي ، وَأَحِبَّائِي ، وَأُبَاهِي بِك حَمَلَةَ عَرْشِي ، وَأَرْفَعُ الْحُجُبَ بَيْنِي ، وَبَيْنَك فَتَنْظُرُ إلَيَّ بِبَصَرِ قَلْبِك لَا أَحْجُبُك عَنْ ذَلِكَ مَا كُنْت مُسْتَمْسِكًا بِطَاعَتِي } ، وَذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ : { قُلْ لِأَهْلِ مَحَبَّتِي يَشْتَغِلُوا بِي فَإِذَا
عَلِمْت أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى قُلُوبِهِمْ الِاشْتِغَالُ بِي ، وَالِانْقِطَاعُ إلَيَّ كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَرْفَعَ الْحُجُبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِأَبْصَارِ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ يَتَنَعَّمُونَ بِذِكْرِي قَدْ أَغْنَاهُمْ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَعِيمٍ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ } فَهَؤُلَاءِ قَدْ مَلَأَ اللَّهُ أَسْمَاعَهُمْ ، وَأَبْصَارَهُمْ ، وَجَوَارِحَهُمْ مِنْ حُبِّهِ فَأَدَّبُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ ، وَالدُّخُولِ فِي مَحَبَّتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ تَأْدِيبَ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِي مَطْعَمِهِ ، وَمَشْرَبِهِ ، وَمَلْبَسِهِ يَزِيدُ فِي صَلَاحِ قَلْبِهِ ، وَتَنْقَادُ جَوَارِحُهُ لِقَلْبِهِ ، وَيَقْوَى عَزْمُهُ ، وَيَقْهَرُ هَوَاهُ فَيَقُومُ عِنْدَ ذَلِكَ مَقَامَ أَهْلِ الْقُوَّةِ إلَى أَنْ يَرْفَعَهُ اللَّهُ إلَى مَنْزِلَةٍ فَوْقَهَا حَتَّى يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ الْأَخْذُ ، وَالتَّرْكُ فَلَا يَأْسَفُوا عَلَى مَا فَاتَهُمْ ، وَلَا يَفْرَحُوا بِمَا آتَاهُمْ لِلْغِنَى الَّذِي وَقَرَ فِي قُلُوبِهِمْ يَزْدَادُونَ لَهُ مَحَبَّةً ، وَمَوَدَّةً ، وَشُكْرًا لَهُ فِي الْعِلْمِ بِهِ ، وَالْمَعْرِفَةِ بِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ رَقَّتْ قُلُوبُهُمْ ، وَانْقَادَتْ أَهْوَاؤُهُمْ إلَى مَا قَلَّ مِنْ الدُّنْيَا ، وَكَفَى فَهِيَ لَا تَطَّلِعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ نَاظِرِينَ إلَى رَبِّهِمْ فِي أُمُورِهِمْ كُلِّهَا لَا إلَى الْأَسْبَابِ نَظَرُهُمْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فِي إقَامَةِ الْأَسْبَابِ الْخَالِصَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَإِنْ لَبِسُوا خَشِنًا أَوْ لَيِّنًا أَوْ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا أَوْ أَكَلُوا طَيِّبًا أَوْ كَرِيهًا أَوْ حُلْوًا أَوْ مُرًّا أَوْ حَامِضًا أَوْ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ عَنْ الْحَالِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا مِنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ ، وَتَعْظِيمِهِ .
وَذَلِكَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ عَامِرَةٌ مِنْ ذِكْرِ الْخَالِقِ ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ سِوَاهُ فِي قُلُوبِهِمْ ثُبُوتٌ إلَّا بِالْخَاطِرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْسَخَ أَوْ يَثْبُتَ فَلَمْ يَقُمْ النَّاسُ مَقَامًا أَشْرَفَ مِنْ أَنْ يُعَلِّقُوا قُلُوبَهُمْ بِرَبِّهِمْ ، وَلَا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ مُحَافَظَةً عَلَى
جَمْعِ هُمُومِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ ، وَجَمْعِ مَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ إنْ قَامُوا عُرِفُوا بَيْنَ يَدَيْ مَنْ هُمْ قِيَامٌ لَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ رَكَعُوا أَوْ سَجَدُوا أَوْ تَلُوا الْقُرْآنَ أَوْ دَعَوْا رَبَّهُمْ لَا تَعْزُبُ قُلُوبُهُمْ عَنْ ذَلِكَ .
فِيهِ زَكَتْ أَعْمَالُهُمْ ، وَصُوِّبَتْ عُقُولُهُمْ فَهُوَ يَتَعَاهَدُهُمْ بِلُطْفِهِ ، وَيَسُوسُهُمْ بِتَوْفِيقِهِ فَقَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ خَطَؤُهُمْ ، وَكَثُرَ صَوَابُهُمْ فَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي مَحَبَّةِ طَاعَةِ اللَّهِ فَلَا يَكُنْ لَهُ ثِقَةٌ إلَّا اللَّهَ ، وَلَا غِنًى إلَّا بِهِ ، وَلَا أَمَلٌ غَيْرَهُ يَرْجُوهُ ، وَيَتَّخِذُهُ ، وَكِيلًا فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا رَاضِيًا بِقَضَائِهِ فِيمَا نَقَلَهُ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِ رَاضِيًا بِاخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ مُتَّهِمًا رَأْيَهُ ، وَلِمَا تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ مُسَلِّمًا رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ غَيْرَ مُتَجَبِّرٍ ، وَلَا مُتَمَلِّكٍ فِيمَا أَحْدَثَ اللَّهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ صِحَّةٍ أَوْ رَخَاءٍ أَوْ شِدَّةٍ مِمَّا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ ، وَلْيَكُنْ قَلْبُهُ بِذَلِكَ رَاضِيًا لِمَوْضِعِ الثِّقَةِ بِرَبِّهِ ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ .
فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ وَرِثَ قَلْبُهُ الْمَحَبَّةَ لَهُ ، وَالشَّوْقَ إلَيْهِ ، وَصَارَ إلَى مَنْزِلَةِ الرِّضَا بِمَا كَفَاهُ ، وَحَمَاهُ مِنْ الدُّنْيَا ، وَإِنْ قَلَّ ، وَأَخْرَجَ مِنْ قَلْبِهِ مَطَامِعَ الْمَخْلُوقِينَ فَاسْتَغْنَى بِاَللَّهِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ ثُمَّ أَلْهَمَهُ مَوْلَاهُ عِلْمًا مِنْ عِلْمِهِ فَعَرَّفَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفْهُ ، وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْ فَعَنْ اللَّهِ أَخَذَ عِلْمَهُ ، وَبِأَمْرِ اللَّهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - تَأَدَّبَ فَطَهُرَتْ أَخْلَاقُهُ لَمَّا آثَرَ أَمْرَ اللَّهِ ، وَلَجَأَ إلَيْهِ فَتَمَّتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ الْمَحْبُوبُونَ فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ الْمَعْرُوفُونَ فِيهَا خَفِيٌّ أَمْرُهُمْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَظَهَرَ أَمْرُهُمْ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ لِكَلَامِهِمْ هُنَاكَ دَوِيٌّ ، وَلِبُكَائِهِمْ حُنَيْنٌ تَقَعْقَعُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ مِنْ سُرْعَةِ فَتْحِهَا
إجَابَةً لِدُعَائِهِمْ فَأَعْظِمْ بِهِمْ مَا عِنْدَ اللَّهِ جَاهًا ، وَمَنْزِلَةً ، وَأَعْظِمْ بِهِمْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ ، وَحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ فَهُمْ مَسْرُورُونَ بِرَبِّهِمْ قَرِيرَةٌ أَعْيُنُهُمْ طَرِبَةٌ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِهِ مُشْتَاقَةٌ سَاكِنَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ إلَيْهِ تَقَدَّمُوا النَّاسَ ، وَانْقَطَعَ النَّاسُ عَنْهُمْ ، وَأَشْرَفُوا عَلَى النَّاسِ ، وَاشْتَغَلَ النَّاسُ عَنْهُمْ فَعَجِبُوا مِنْ النَّاسِ ، وَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهُمْ انْقَطَعُوا إلَى اللَّهِ بِهُمُومِهِمْ ، وَأَهْوَائِهِمْ ، وَعَلِقُوا بِهِ ، وَلَجَئُوا إلَى اللَّهِ لَجْأَ الْمُسْتَغِيثِينَ بِهِ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ قَدْ تَخَلَّصَتْ إلَيْهِ عُقُولُهُمْ بِالْمَوَدَّةِ فَأَنْزَلُوا نِسْيَانَهُ مَعْصِيَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ فَقَبِلَهُمْ ، وَاجْتَبَاهُمْ ، وَنَعَّمَهُمْ ، وَخَصَّهُمْ ، وَكَفَاهُمْ ، وَآوَاهُمْ ، وَعَلَّمَهُمْ ، وَعَرَّفَهُمْ ، وَأَسْمَعَهُمْ ، وَبَصَّرَهُمْ ، وَحَجَبَهُمْ عَنْ الْآفَاتِ ، وَحَجَبَ الْآفَاتِ عَنْهُمْ ، وَأَقَامَهُمْ مَقَامَ الطَّهَارَةِ ، وَأَنْزَلَهُمْ مَنَازِلَ السَّلَامَةِ ، وَأَقَامَ قُلُوبَهُمْ بِذِكْرِهِ فَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ بَدَلًا ، وَلَا عَنْهُ حِوَلًا صِيَانَةً لَدَيْهِ ، وَطَرَبًا ، وَاشْتِيَاقًا إلَيْهِ قَدْ أَذَاقَهُمْ مِنْ حَلَاوَةِ ذِكْرِهِ ، وَأَلْعَقَهُمْ مِنْ لَذَاذَةِ مُنَاجَاتِهِ ، وَسَقَاهُمْ بِكَأْسِهِ فَهُمْ وَالِهُونَ بِهِ لَيْسَ لَهُمْ مَسْكَنٌ غَيْرَهُ تَضْطَرِبُ قُلُوبُهُمْ عِنْدَ فَقْدِهِ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى مَوْضِعِ حَنِينِهَا يَحْتَمِلُونَ الْأَشْيَاءَ لَهُ ، وَلَا يَحْتَمِلُونَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ ، وَلَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْهُ هَدَايَا مُجَدَّدَةٌ فَتَارَةً يَغْلِبُ عَلَى قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمُ رَبِّهِمْ ، وَجَلَالُهُ ، وَتَارَةً يَغْلِبُ عَلَى قُلُوبِهِمْ قُدْرَتُهُ ، وَسُلْطَانُهُ ، وَتَارَةً يَغْلِبُ عَلَى قُلُوبِهِمْ آلَاؤُهُ ، وَنَعْمَاؤُهُ ، وَتَارَةً يَغْلِبُ عَلَى قُلُوبِهِمْ تَقْصِيرُهُمْ عَنْ وَاجِبِ حَقِّهِ ، وَتَارَةً يَغْلِبُ عَلَى قُلُوبِهِمْ رَأْفَتُهُ ، وَرَحْمَتُهُ ، وَتَارَةً يَصِيرُونَ إلَى حَنِينِهِ ، وَلَهُمْ فِي كُلِّ تَارَةٍ دَمْعَةٌ ، وَلَذَّةٌ ، وَفِي كُلِّ دَمْعَةٍ
وَلَذَّةٍ فِكْرَةٌ ، وَعِبْرَةٌ ، وَقُلُوبُهُمْ فِي فِكْرَةٍ ، وَعِبْرَةٍ مُهْتَاجَةٌ طَرِبَةٌ هَائِمَةٌ لِذِكْرِ اللَّهِ مُسْتَقِلَّةٌ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ فَهُمْ يُسْقَوْنَ مِنْ كُلِّ تَارَةٍ مَشْرَبًا سَائِغًا يُذِيقُهُمْ لَذَّتَهُ ، وَلَهُمْ فِي كُلِّ مَقَامٍ عِلْمُ زِيَادَةٍ يُعَرِّفُهُمْ مَا يَحْدُثُ لَهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الزِّيَادَةِ فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ آمَالُ الْخَلْقِ عَنْهُمْ ، وَأَفْضَوْا إلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِجَمِيعِ رَغَبَاتِهِمْ ، وَانْزَاحَتْ الْأَشْيَاءُ الشَّاغِلَةُ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَصُمَّتْ عَنْهَا أَسْمَاعُهُمْ ، وَانْصَرَفَتْ أَبْصَارُ قُلُوبِهِمْ إلَيْهِ فَلَهَتْ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ حَتَّى إذَا جَنَّهُمْ اللَّيْلُ ، وَزَجَرَهُمْ الْقُرْآنُ بِعَجَائِبِهِ مِنْ وَعْدِهِ ، وَوَعِيدِهِ ، وَأَخْبَارِهِ ، وَأَمْثَالِهِ شَرِبُوا مِنْ كُلِّ نَوْعٍ كَأْسًا مِنْ الزَّجْرِ ، وَالتَّحْذِيرِ ، وَالْأَخْبَارِ ، وَالْأَمْثَالِ ، وَالْوَعْدِ ، وَالْوَعِيدِ ، وَوَجَدُوا حَلَاوَةَ مَا شَرِبُوا حَتَّى إذَا صَفَا يَقِينُهُمْ ارْتَفَعُوا إلَى عَظَمَةِ سَيِّدِهِمْ ، وَجَلَالِ مَوْلَاهُمْ خَضَعَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمْ لِلَّهِ ، وَخَشَعَتْ كُلُّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ لِسُكُونِهَا إلَيْهِ غَيْرَ مُنْتَشِرَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُومُهُمْ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ لَذَاذَةٌ لِاسْتِمَاعِهِ فَقَدْ كَشَفَ لَهُمْ الْقُرْآنُ عَنْ أُمُورِهِ ، وَكَشَفَ لَهُمْ عَنْ عَجَائِبِهِ ، وَدَلَّهُمْ عَلَى بَاطِنِ عِلْمِهِ فَيَفْهَمُونَهُ فَيَسْمُونَ بِهِ إلَى جَلَالِ سَيِّدِهِمْ وَوَقَارِهِ حَتَّى إذَا اتَّقَدَتْ الْأَنْوَارُ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَتَمَكَّنَ الْيَقِينُ مِنْ أَجْوَافِهِمْ ، وَحَنَّتْ الْقُلُوبُ لِحَنِينِهَا ، وَضَاقَتْ عَنْ احْتِمَالِ مَا هَجَمَ عَلَيْهَا هَاجَ مِنْهُمْ مَا لَا يَمْلِكُونَ إمْسَاكَهُ فَلَمَّا بَلَغَ الْأَمْرُ مِنْهُمْ مَدَاهُ ، وَانْتَهَى كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُمْ مُنْتَهَاهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ جَلَّ جَلَالُهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ ، وَالسُّكُونِ فَلَوْلَا حُسْنُ سِيَاسَتِهِ لَهُمْ ، وَنَظَرُهُ ، وَلُطْفُهُ بِهِمْ مَا رَجَعَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهُمْ ، وَلَا أَثْبَتُوا مَعَارِفَهُمْ ، وَلَا سَكَنُوا مَنَازِلَهُمْ لِلَّذِي هَجَمَ عَلَى
أَبْصَارِ قُلُوبِهِمْ مِنْ عَظَمَةِ سَيِّدِهِمْ فَهُمْ يَزْدَادُونَ لَهُ ذِكْرًا ، وَمَوَدَّةً ، وَمَحَبَّةً فِي كُلِّ مَا امْتَحَنَهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ فَقَدْ أَعْرَضُوا عَنْ كُلِّ نَعِيمٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ ، وَاشْتَغَلُوا عَنْ النَّعِيمِ بِذِكْرِ مَوْلَاهُمْ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَّةٌ مِنْهُ ، وَتَفَضُّلٌ عَلَيْهِمْ فَهُمْ أَدِلَّاءٌ لِعِبَادِهِ ، وَأَعْلَامٌ فِي بِلَادِهِ ، وَحُجَّةٌ لَهُ عَلَى خَلْقِهِ ، وَخَلَفُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَوَدَائِعُ عِلْمِهِ فَبِهِمْ يَنْزِلُ الْغَيْثُ ، وَبِهِمْ يُصْرَفُ الْعَذَابُ ، وَبِهِمْ يُنْصَرُ عَلَى الْعَدُوِّ فَهُمْ بَرَكَةٌ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا يُحِبُّونَ اللَّهَ ، وَيُحِبُّونَ ذِكْرَهُ أَقَامُوا مَشِيئَتَهُمْ فِيمَا وَافَقَ مَحَبَّةَ رَبِّهِمْ يَغْضَبُونَ لِغَضَبِهِ ، وَيُحِبُّونَ لِمَحَبَّتِهِ فَهُوَ يَسُوسُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ ، وَيُوَفِّقُهُمْ بِتَوْفِيقِهِ يَأْتِيهِمْ الْعَوْنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ حَالٍ يَرْحَمُونَ الْخَلْقَ بِرَحْمَةِ رَبِّهِمْ ، وَيُؤَمِّلُونَ فَضْلَهُ قَدْ أَزَالَ عَنْ قُلُوبِهِمْ الْمَطَامِعَ ، وَأَسْكَنَهَا الْغِنَى فَاكْتَفَوْا بِمَا جَزَاهُمْ ، وَبَلَغُوا بِمَا بَلَّغَهُمْ فَهُمْ الْقَانِتُونَ الرَّاهِبُونَ السَّائِحُونَ الرَّاغِبُونَ الْمُحِبُّونَ لِلَّهِ الَّذِينَ فَكَّرُوا فِي قُدْرَتِهِ ، وَعَمِلُوا فِي مَحَبَّتِهِ حَتَّى وَرِثُوا الرَّهْبَةَ ثُمَّ وَرِثُوا الرَّغْبَةَ ثُمَّ وَرِثُوا الشَّوْقَ ثُمَّ رَفَعَهُمْ إلَى مَنْزِلَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا رَغْبَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُ رَبِّهِمْ هِمَّةٌ غَلَبَتْ الْمَحَبَّةُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَى عُقُولِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ فَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَعْمَالَهُمْ ، وَصَيَّرُوا فِيهِ جَمِيعَ رَغَبَاتِهِمْ ثُمَّ رَفَعَهُمْ إلَى مَزِيدِ فَوَائِدِهِ فَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ حَقًّا مِنْهُمْ الْمُرْسَلُونَ ، وَالنَّبِيُّونَ ، وَالصِّدِّيقُونَ ، وَالشُّهَدَاءُ ، وَالصَّالِحُونَ فَاقُوا أَهْلَ السَّمَاءِ ، وَأَهْلَ الْأَرْضِ لِشِدَّةِ حُبِّهِمْ لِرَبِّهِمْ فَمَا أَصَابُوا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يُصِيبُوهُ عَلَى جِهَةِ مَا يُصِيبُهُ أَهْلُ الدُّنْيَا مِنْ التَّلَذُّذِ ، وَالطَّرَبِ إلَيْهِ ،
وَالِاشْتِغَالِ بِهِ ، وَالتَّفَكُّهِ إنَّمَا يُصِيبُونَهُ عَلَى مَوْضِعِ التَّقْوِيَةِ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ ، وَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ أَكَلُوا مِنْ الدُّنْيَا أَكْلَةً وَاحِدَةً تَكُونُ آخِرَ زَادِهِمْ مِنْهَا لَاكْتَفَوْا بِمَا قَلَّ فَلَمَّا أَعْطَوْا اللَّهَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ ضَيَّقَ أَمْعَاءَهُمْ ، وَأَسْقَطَ عَنْهُمْ شَهَوَاتِهِمْ ، وَاكْتَفَوْا بِالْيَسِيرِ مِنْ الْمَطْعَمِ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَفَّتْ عَلَيْهِمْ مُؤْنَةُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُنَافِسُوا فِيهَا أَحَدًا فَتِلْكَ حَالَاتُهُمْ فِي الْمَطْعَمِ ، وَالْمَلْبَسِ مَا تَهَيَّأَ أَكَلُوهُ ، وَلَبِسُوهُ لَيْسَ لَهُمْ تَخْيِيرٌ ، وَلَا تَلَذُّذٌ فِي أَخْذٍ ، وَلَا تَرْكٍ خَوْفَ الشَّهَوَاتِ ، وَالِاشْتِغَالُ عَمَّا هُمْ فِيهِ فَأَسْكَنَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ ، وَحُبِّهِ مَا أَذَابَ كُلَّ مَوَدَّةٍ لِأَهْلٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ فَإِنْ عَرَضَ مِنْ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ عَارِضٌ فَخَاطِرٌ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتٍ فِيهَا وَرِثُوا نُورَ الْهُدَى فَأَبْصَرُوا مَوَاضِعَ حِيَلِ إبْلِيسَ ، وَمَكْرِهِ فَكَسَرُوا عَلَيْهِ كَيْدَهُ ، وَلَبَّسُوا عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَدَلُّوا النَّاسَ عَلَى مَوَاضِعِ مَكْرِهِ فَهُمْ نُصَحَاءُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ ، وَأُمَنَاؤُهُ فِي بِلَادِهِ ثُمَّ أَسْكَنَ مَحَبَّتَهُمْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ فِي عِلِّيِّينَ فَأَحَبَّهُمْ ، وَحَبَّبَهُمْ إلَى مَلَائِكَتِهِ .
فَأَحْيُوا قُلُوبَكُمْ أَيُّهَا الْمُرِيدُونَ بِالذِّكْرِ ، وَأَمِيتُوهَا بِالْخَشْيَةِ ، وَنَوِّرُوهَا بِحُبِّ لِقَاءِ اللَّهِ ، وَفَرِّحُوهَا بِالشَّوْقِ إلَيْهِ ، وَاقْمَعُوهَا بِالْمُنَاصَحَةِ .
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِالْمَحَبَّةِ تَرْتَفِعُونَ ، وَبِالْمَعْرِفَةِ تَرْهَبُونَ ، وَبِالشَّوْقِ تَرْغَبُونَ ، وَبِحُسْنِ النِّيَّةِ تَقْهَرُونَ الْهَوَى ، وَبِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ تَصْفُو لَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ، وَتُؤْثِرُونَ رَبَّكُمْ وَحْدَهُ حَتَّى يُؤْثِرَكُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاءِ فِي عِلِّيِّينَ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُرِيدًا لِلرَّاحَةِ فَلْيَعْمَلْ فِي مَنَازِلِ أَهْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِعَزْمٍ ، وَإِرَادَةِ قُوَّةٍ وَهِيَ الدَّرَجَاتُ السَّبْعُ الَّتِي تَتَنَقَّلَ فِيهَا بَنُو آدَمَ
حَتَّى يَصِيرُوا إلَى الْمَعْرِفَةِ ، وَالْعِلْمِ ، وَهِيَ الدَّرَجَاتُ الَّتِي أَرْسَلَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَيْهَا الرُّسُلَ ثُمَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ الْوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ ، وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالْإِلْهَامِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالْعَوَائِدِ ، وَإِنَّمَا وَرِثَ ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ الَّذِينَ خَصَّهُمْ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ وَرِثَ ذَلِكَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ الصِّدِّيقُونَ فَاقْتَدُوا بِهِمْ وَجِدُّوا فِي آثَارِهِمْ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْكِمْ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ السَّبْعِ إلَّا رَسُولٌ أَوْ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ بَدَلٌ مِنْ الْأَبْدَالِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ أَوْتَادَ الْأَرْضِ فَسَقَى بِهِمْ الْغَيْثَ ، وَأَنْزَلَ عَلَى الْعِبَادِ بِدُعَائِهِمْ الرَّحْمَةَ ، وَصَرَفَ عَنْهُمْ بِهِمْ السُّوءَ فَمَنْ كَانَ مُرِيدًا لِلْعَمَلِ فِي هَذِهِ الدَّرَجَاتِ ، وَالِاقْتِدَاءِ بِالْمُرْسَلِينَ ، وَالنَّبِيِّينَ ، وَالصِّدِّيقِينَ فِي سَيْرِهِمْ فَلْيَرْفُضْ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ مِنْهَا عَلَاقَةٌ تَشْغَلُهُ عَنْ رَبِّهِ فَإِنَّهُ مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا شَغَلَهُ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَلْيَبْدَأْ بِرَفْضِ الدُّنْيَا ، وَطَرْحِهَا مِنْ قَلْبِهِ حَتَّى لَا تَعْدِلَ عِنْدَهُ قَدْرَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ فَإِنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ، وَأَصْغَرَ
قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ ، وَيَتَنَاوَلُ مِنْ الدَّرَجَاتِ السَّبْعِ دَرَجَةَ الْمَعْرِفَةِ ، وَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ رَبَّهُ كَمَا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ حَيْثُ تَعَرَّفَ إلَيْهِ رَبُّهُ فَقَدْ تَعَرَّفَ إلَى خَلْقِهِ بِخَلْقِهِ إيَّاهُمْ ، وَتَدْبِيرِهِ فِيهِمْ ، وَبِصِفَتِهِ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ أَنَابَ إلَيْهِ ، وَطَلَبَ رِضَاهُ ، وَأَنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ كَذَّبَ بِهِ ، وَكَذَبَ عَلَيْهِ ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ ، وَعَصَاهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ أَمْرَ الْمَعْرِفَةِ لَمْ يُدْرِكْ مَا سِوَاهَا مِنْ الْعِلْمِ ، وَالْعَمَلِ ، وَلَا مِنْ الدَّرَجَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَلَا تَكُنْ الْمَعْرِفَةُ حَتَّى تَثْبُتَ فِي الْقَلْبِ بِالْيَقِينِ الرَّاسِخِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَتْ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنْ قَصَّرَ فِي الْمَعْرِفَةِ كَانَ فِي الْعَمَلِ أَشَدَّ تَقْصِيرًا ، وَضَعْفًا لِنِيَّتِهِ ، وَلَمْ يَجِدْ السَّبِيلَ إلَى بُلُوغِ تِلْكَ الدَّرَجَاتِ .
، وَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُ قَائِمٌ عَلَى قَلْبِهِ بِمَا كَسَبَ ، وَأَنَّهُ مَعَهُ يَرَاهُ ، وَيَنْظُرُهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ رِضَاهُ ، وَلِقَائِهِ ، وَلَا أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَبَقَائِهِ ، وَإِنْ أَحَبَّ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُحِبَّهُ إلَّا لِلْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ، وَلْيَنْظُرْ الْمُرِيدُ لِلْمَعْرِفَةِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ ، وَيَتَدَبَّرْهَا حَتَّى يَعْرِفَهُ بِهَا ، وَيَدْخُلَ ذَلِكَ قَلْبَهُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ قَلْبَهُ بِذَلِكَ الْعِلْمَ ، وَهِيَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ .
فَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ إلَّا مَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَنَهَاهُ عَنْهُ ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ يُنَشِّطُهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ .
ثُمَّ يُوَرِّثُ قَلْبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَشْيَةَ ، وَهِيَ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ دَرَجَةُ التَّقْوَى لِلَّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ ، وَجَلَّ { إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ، وَهِيَ مُرَاقَبَتُهُ فِي
السِّرِّ ، وَالْعَلَانِيَةِ فَإِذَا دَخَلَ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ اسْتَقَلَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُهُ لِلَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَأْلُو جَهْدًا ، وَلَا اجْتِهَادًا ، وَلَا يَمَلُّ فَإِذَا وَصَلَ الْعَبْدُ إلَى ذَلِكَ ، وَدَأَبَ عَلَى عَمَلِهِ فِيمَا يُرْضِي رَبَّهُ نَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُوَرِّثُ قَلْبَهُ الْحُبَّ لَهُ ، وَهِيَ الدَّرَجَةُ الرَّابِعَةُ فَإِذَا صَارَ إلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ آثَرَ حُبَّ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ حُبِّ خَلْقِهِ ، وَأَحَبَّ اللَّهَ ، وَحَبَّبَهُ إلَى مَلَائِكَتِهِ الَّذِينَ حَوْلَ عَرْشِهِ ، وَإِلَى مَلَائِكَةِ السَّمَوَاتِ كُلِّهَا ، وَأَهْلِ الْأَرْضِ ، وَمَنْ فِيهَا ، وَبَسَطَ حُبَّهُ عَلَى الْمَاءِ فَلَا يَشْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ إلَّا أَحَبَّهُ ، وَلَا يَزْدَادُ فِي عَمَلِهِ إلَّا جِدًّا ، وَاجْتِهَادًا فَوُرِّثَ قَلْبُهُ بَعْدَ هَذَا الشَّوْقَ إلَيْهِ ، وَالْحُبَّ لِلِقَائِهِ ، وَهِيَ الدَّرَجَةُ الْخَامِسَةُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَاشِقِ قَدْ غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ الذِّكْرُ لِلَّهِ ، وَشُغِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعَمَلِ مَا خَلَا الْفَرَائِضَ ، وَاجْتِنَابَ الْمَحَارِمِ ، وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْحَالِ أَقْوَى مِنْ كُلِّ عَامِلٍ فِي الدُّنْيَا ، وَأَرْفَعَ مَنْزِلَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَفَرَّغْ قَلْبُهُ مِنْ ذِكْرِ رَبِّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَا نَائِمًا ، وَلَا قَائِمًا ، وَلَا آكِلًا ، وَلَا شَارِبًا ، وَاَللَّهُ لَا يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ فَلَوْ تَرَكَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ، وَلَمَا انْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوتَ تَشَوُّقًا إلَى اللَّهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا رَآهُ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مَنَّ عَلَيْهِ بِالطُّمَأْنِينَةِ ، وَهِيَ الدَّرَجَةُ السَّادِسَةُ فَيَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ حَتَّى يَكُونَ كَأَنَّهُ مُعَايِنٌ لَهُ ، وَكَأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَكُونُ هُوَ مُسْتَوْدِعُهُ ، وَأَنِيسُهُ ، وَسَائِسُهُ ، وَدَلِيلُهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُوَرَّثُ قَلْبُهُ الْغِنَى ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ مُعْظَمُ دُعَائِهِ لِلْخَلْقِ بِالصَّلَاحِ ، وَصَرْفِ السُّوءِ عَنْهُمْ
حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تَسْقُطُ لَهُ دَعْوَةٌ ، وَهِيَ الدَّرَجَةُ السَّابِعَةُ .
فَإِذَا صَارَ إلَى تِلْكَ الْحَالِ لَمْ يَتَفَوَّهْ بِشَيْءٍ مِنْ حَوَائِجِهِ إذَا خَطَرَتْ بِبَالِهِ تَصِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمَا أَرَادَ مِنْهَا يَأْتِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْعُوَ بِشَيْءٍ خَطَرَ عَلَى بَالِهِ لُطْفًا مِنْ اللَّهِ ، وَتَعَاهُدًا مِنْهُ حَتَّى يَعْجَبَ مِنْ لُطْفِهِ ، وَنَظَرِهِ ، وَصُنْعِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَدْلًا ، وَفِعْلُهُ رِضًا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنْ وَالَاهُ نِعَمَهُ ، وَأَغْنَاهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
فَصْلٌ فِي الرِّيَاءِ وَاعْلَمْ - وَفَّقَنَا اللَّهُ - ، وَإِيَّاكَ أَنَّ آكَدَ مَا عَلَى الْمُرِيدِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ التَّحَفُّظُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَالتَّحَرُّزُ مِنْ الْآفَاتِ الَّتِي تَعْتَوِرُهُ فِيمَا هُوَ بِصَدَدِهِ إذْ أَنَّ الْعَوَائِقَ كَثِيرَةٌ ظَاهِرًا ، وَبَاطِنًا فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَنْعِ الْوُصُولِ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ أَوَّلًا بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي التَّحَرُّزِ مِمَّا ذُكِرَ لِيَسْلَمَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ : فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يَتَّقِيَ الرِّيَاءَ ، وَالْعُجْبَ ، وَالشُّهْرَةَ ، وَالْكِبْرَ ؛ لِأَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ أَدْنَى الْأَشْيَاءِ مِنْهُ يُحْبِطُ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا ، وَقَدْ يَخْفَى فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ كَمَا وَرَدَ لَكِنْ يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ .
وَتَظْهَرُ آفَاتُهُ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ أَنْ قَالَ : أَصْلُ الْعَبْدِ لَمْ يَزَلْ مُذْ نَشَأَ مُرَائِيًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ، وَذَلِكَ لِمَيْلِهِ إلَى الدُّنْيَا ، وَإِيثَارِهِ لَهَا عَلَى الْآخِرَةِ ، وَإِهْمَالِهِ نَفْسَهُ ، وَإِرْسَالِهِ نِيَّتَهُ فَلَمَّا أَهْمَلَ نَفْسَهُ ، وَقَلَّتْ مُحَاسَبَتَهُ لَهَا لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ الرِّيَاءِ فَعَمِلَ لِلدُّنْيَا عَلَى غَيْرِ أَصْلِ نِيَّةٍ ثَابِتَةٍ قَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ إهْمَالِ النَّفْسِ ، وَتَضْيِيعِ الْأَعْمَالِ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ ، وَتَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } فَنَهَاهُمْ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ إضَاعَةِ الْأَعْمَالِ فَلَا يَكُونُ عَمَلٌ مِنْ الْأَعْمَالِ إلَّا عَنْ إرَادَةٍ ، وَلَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ إلَّا عَنْ نِيَّةٍ ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ إضَاعَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَيُّ عَمَلٍ أَكْبَرُ مِنْ الْإِرَادَةِ ، وَالنِّيَّةِ ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ ، وَالْحَرَكَةُ ، وَالسُّكُونُ جَمِيعُهَا عَمَلٌ ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ تَضْيِيعِ الْعَمَلِ فَلَمَّا تَرَكَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ إخْلَاصِ
الْعَمَلِ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الرِّيَاءِ ، وَغَيْرِهِ ، وَأَمْرَجَ نَفْسَهُ فَعَمِلَ عَلَى مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ ، وَجَمِيعُ مَا يَتَقَلَّبُ فِيهِ رِيَاءٌ مَحْضٌ ظَاهِرٌ لَا يَعْرِفُهُ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَعْرِفُهُ مِنْهُ مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ فَهُمْ يَرَوْنَ فِعْلَهُمْ فِعْلَ أَهْلِ الرِّيَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُمْسِكُ عَنْ صَاحِبِهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِهِ ، وَلَوْ أَنَّهُ أَبْدَى إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ عُيُوبِهِ لَنَفَرَ مِنْهُ ، وَذَبَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَبْطَلَ مَا نَسَبَهُ إلَيْهِ فَصَارَ عَدُوًّا مُشَاحِنًا ، وَأَقَلُّ مَا يَقُولُ لِلْعَارِفِ بِعُيُوبِهِ : حَسَدْتنِي فَلَمَّا عَلِمَ الْحَكِيمُ أَهْلَ زَمَانِهِ ، وَأَنَّ زَمَانَهُ زَمَانُ غَلَبَةِ الْهَوَى ، وَإِعْجَابُ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ اعْتَزَلَ بِنَفْسِهِ ، وَنَفَرَ عَنْ الْعَامَّةِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ زَمَانٌ قَدْ صَارَ الْمَعْرُوفُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِهِ مُنْكَرًا ، وَأَنَّ الشَّرَّ قَدْ أَحَاطَ بِالْخَيْرِ ، وَاعْتَزَلَ أَهْلَ زَمَانِهِ بِصِدْقِ الْإِرَادَةِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الصِّدْقُ ، وَمَا فِيهِ ، وَأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصْفُو إلَّا بِالصِّدْقِ اتَّقِي الْكَذِبَ ، وَفُنُونَهُ كُلَّهَا ، وَتَشَوَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ نَفْسُهُ إلَى الْكَذِبِ ، وَالرِّيَاءِ لِحَلَاوَةِ فُنُونِهِ عِنْدَهَا فَأَخَذَهَا بِالْجِدِّ ، وَالِاجْتِهَادِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ مِنْهُ رَجَعَتْ مُنْقَادَةً فَلَمَّا صَارَتْ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَرَأَى الْعَبْدُ ذَلِكَ مِنْهَا ازْدَادَ إلَى الصِّدْقِ تَشَوُّقًا ، وَازْدَادَ لِلْكَذِبِ مَقْتًا .
وَإِنَّمَا كَانَ يَنْفِرُ الصِّدْقُ ، وَفُنُونُهُ مِنْ قَلْبِهِ لِغَلَبَةِ الْكَذِبِ ، وَفُنُونِهِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الرِّيَاءُ ، وَالْعُجْبُ ، وَحُبُّ الرِّيَاسَةِ ، وَاِتِّخَاذُ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَالْمَحْمَدَةُ ، وَالْعِزَّةُ ، وَالتَّعْظِيمُ ، وَالتَّخْيِيرُ فِي الْأَعْمَالِ الْكَاذِبَةِ فَمَنْ عَمِلَ بِالصِّدْقِ ، وَاتَّقَى الْكَذِبَ بَرِئَ مِنْ الرِّيَاءِ ، وَالْعُجْبِ ، وَدَوَاعِي الشَّرِّ كُلِّهِ فَإِذَا خَلَا مِنْ ذَلِكَ ثَبَتَ الصِّدْقُ ، وَفُنُونُهُ فِي قَلْبِهِ .
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : إنَّ
الشَّيْطَانَ يَأْتِي ابْنَ آدَمَ مِنْ قِبَلِ الْمَعَاصِي فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ أَتَاهُ مِنْ وَجْهِ النَّصِيحَةِ لِيَسْتَدْرِجَهُ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يُلْقِيَهُ فِي بِدْعَةٍ فَإِنْ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَتَاهُ مِنْ جِهَةِ الْحَرَجِ ، وَالشِّدَّةِ لِيُحَرِّمَ حَلَالًا أَوْ يُحِلَّ حَرَامًا فَإِنْ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الْوُضُوءِ فَيُشَكِّكُهُ فِي وُضُوئِهِ ، وَصَلَاتِهِ ، وَصِيَامِهِ حَتَّى يَعْتَقِدَ بِهَوَاهُ أَمْرًا يَضِلُّ بِهِ عَنْ السَّبِيلِ ، وَيَدْعُ الْعِلْمَ فَإِذَا قَدَرَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ خَلَّى بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ الْعِبَادَةِ ، وَالزُّهْدِ ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَكُلِّ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَيُخَفِّفُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَرُبَّمَا كَايَدَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَرَدَةِ فَيَقُولُ لَهُ إبْلِيسُ : دَعْهُ لَا تَصُدَّهُ عَمَّا يُرِيدُ فَإِنَّمَا بِأَمْرِي يَعْمَلُ فَإِذَا نَظَرَ إلَيْهِ النَّاسُ فِي عِبَادَتِهِ ، وَزُهْدِهِ ، وَصَبْرِهِ ، وَرِضَاهُ بِالذُّلِّ قَالَتْ الْعَامَّةُ ، وَمَنْ لَا عِلْمَ لَهُ : هَذَا عَالِمٌ مُصِيبٌ صَابِرٌ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى ضَلَالَتِهِ ، وَيَمُدُّ لَهُ إبْلِيسُ الصَّوْتَ فَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ فَيَكُونُ فِتْنَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ .
وَعَلَامَتُهُ الْإِعْجَابُ بِرَأْيِهِ ، وَالْإِزْرَاءُ عَلَى مَنْ لَا يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ ، وَيَكُونُ نَظَرُهُ لِلنَّاسِ بِالِاحْتِقَارِ لَهُمْ ، وَيَتَغَضَّبُ عَلَيْهِمْ فِي التَّقْصِيرِ بِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْعِلْمِ : احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَابِدِ الْجَاهِلِ ، وَالْعَالِمِ الْفَاسِقِ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ .
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ بِالرِّفْقِ قَالَ لَهُ الْعَدُوُّ : إنَّ الْعَمَلَ بِالْخَيْرِ لَا يَنْفَعُك حَتَّى تَدَعَ الشَّرَّ كُلَّهُ ، وَتَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا ، وَتَعْتَزِلَ عَنْ النَّاسِ فَاعْرِفْ نَفْسَك ، وَأَصْلِحْ عُيُوبَك ، وَاَلَّذِي عِنْدَك أَكْثَرُ ، وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُصْلَحَ هَكَذَا سَرِيعًا ، وَيُعَظِّمُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ حَتَّى يَكَادَ يَقْنَطُ ، وَيَنْقَطِعُ عَنْ الْعَمَلِ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدَيْهِ دُنْيَا عَرَضَ لَهُ بِحُسْنِ
الظَّنِّ ، وَالرَّجَاءِ ، وَالتَّسْوِيفِ ، وَطُولِ الْأَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ إلَى هَذَا الْبَابِ قَطَعَهُ عَنْ الْبِرِّ ، وَشَغَلَهُ بِالدُّنْيَا ، وَشَهَوَاتِهَا ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : التَّوْبَةُ ، قَالَ : صَدَقْت لَعَمْرِي لَقَدْ فَرَّطْت ، وَأَخَاف أَنْ يُدْرِكَك الْمَوْتُ فَعَلَيْك بِالْجِدِّ ، وَالِاجْتِهَادِ ، وَلَا تُرِيدُ أَنْ تُقَصِّرَ فَيُلْزِمُهُ أَشَدَّ الْعِبَادَةِ فَيَثْبُتُ أَوْ يَنْقَطِعُ أَوْ يَذْهَبُ عَقْلُهُ فَإِنْ اشْتَهَرَ بِذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ أَلْقَى إلَيْهِ طُولَ الْأَمَلِ ، وَخَوَّفَهُ قِلَّةَ الصَّبْرِ ، وَيَقُولُ لَهُ : لَك بِالنَّاسِ أُسْوَةٌ فَيُبَغِّضُ إلَيْهِ الْعِبَادَةَ ، وَيُثَقِّلُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ : إنَّ النَّاسَ قَدْ عَرَفُوك بِالْعَمَلِ فَلَا تُبْدِ لَهُمْ التَّقْصِيرَ ، وَدَعْ نَفْسَك فِي السِّرِّ ، وَيَعْرِضُ لَهُ بِغِذَائِهِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّهَوَاتِ الَّتِي كَانَ يُصِيبُهَا فَيَمِيلُ إلَيْهَا ، وَيَرْجِعُ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى ، وَصَارَ عَمَلُهُ عَلَانِيَةً رِيَاءً لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَحْلِيَ الْكَلَامَ فِي الزُّهْدِ ، وَمَا يُزَيِّنُهُ عِنْدَ النَّاسِ ، وَيُحَبِّبَ إلَيْهِ مُجَالَسَةَ النَّاسِ فَتَصِيرُ عِبَادَتُهُ ، وَزُهْدُهُ كُلُّهُ بِالْكَلَامِ .
فَالْعَالِمُ عَرَفَ ضَعْفَ نَفْسِهِ ، وَعَرَفَ زَمَانَهُ ، وَقِلَّةَ الْأَعْوَانِ فِيهِ عَلَى الْخَيْرِ ، وَكَثْرَةَ الْأَعْدَاءِ فَأَخَذَ الْأَمْرَ بِالرِّفْقِ ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ ، وَطَلَبَ صَفَاءَ الْأَعْمَالِ ، وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا ، وَإِنْ قَلَّتْ الْأَعْمَالُ ، وَطَلَبَ مُخَالَفَةَ الْهَوَى ، وَنَقَلَ الطِّبَاعَ بِالرِّفْقِ ، وَمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ ، وَأَخْرَجَ النَّاسَ مِنْ قَلْبِهِ ، وَقَصَدَ جِهَادَ نَفْسِهِ ، وَمُحَارَبَةَ الشَّيْطَانِ ، وَالْمُعَانَدَةَ لِلْهَوَى بِالْخِلَافِ ؛ لِمَا يُلْقُونَ إلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ مَكِيدَةٍ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ سِلَاحًا يَدْفَعُ بِهِ تِلْكَ الْمَكِيدَاتِ وَيَنْبَغِي لِلْعَابِدِ أَنْ يَعْرِفَ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ مِنْ أَيْنَ تَأْتِيهِ ، وَمَا تَهْوَاهُ النَّفْسُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَصِلُ
إلَى الْعَبْدِ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ قِبَلِ مُوَافَقَةِ الْهَوَى فَإِذَا بَدَأَ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ ، وَمُحَارَبَتِهَا ، وَبِهَوَاهُ فَأَمَاتَهُ هَانَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ .
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَإِنْ أَنْتَ وَغِلْت فِيهِ بِالرِّفْقِ أَمْكَنَك ، وَشَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ ، وَقَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ يَقْطَعُك فَإِنَّك لَمْ تَرَ شَيْئًا أَشَدَّ تَوَلِّيًا مِنْ الْقَارِئِ إذَا تَوَلَّى ، وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ } ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ الزِّيَادَةَ ، وَيَكْرَهُونَ النُّقْصَانَ .
وَيَنْبَغِي لِلْعَابِدِ أَنْ يَكُونَ حَذِرًا مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ خَالَفَ الْحَقَّ ، وَمَنْ خَالَفَ الْحَقَّ هَلَكَ .
فَائْتِ الْعُلَمَاءَ ، وَالْزَمْ أَدَبَهُمْ فَإِنْ رَأَيْتهمْ يُقَصِّرُونَ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُونَ فَلَا تَزْهَدْ فِيهِمْ ، وَاقْتَدِ بِذِي الْبَصِيرَةِ مِنْهُمْ ، وَالْبَصَرِ ، وَمَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّهُ قَالَ : عُقُولُ الرِّجَالِ عَلَى قَدْرِ أَزْمِنَتِهِمْ فَإِذَا نَقَصَ الْعَقْلُ نَقَصَ الْبِرُّ كُلُّهُ فَاعْرِفْ نَفْسَك فِي زَمَانِك وَاعْلَمْ أَنَّ الزُّهْدَ ، وَالْعِبَادَةَ ، وَالْعِلْمَ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ قَلِيلٌ ، وَإِذَا كَانَ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِالْعُلَمَاءِ لَا يَصْبِرُ عَلَى نُزُولِ الْمِحَنِ فَكَيْفَ يَصْبِرُ الْجَاهِلُ عَلَى نُزُولِهَا ، وَإِذَا كَانَ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِالزُّهَّادِ لَا يَصْبِرُ فَكَيْفَ يَصْبِرُ الرَّاغِبُ فِي الدُّنْيَا ، وَالْعَالِمُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ شِدَّةِ الصَّبْرِ خَرَجَ ، وَالْجَاهِلُ مِنْ شِدَّةِ الصَّبْرِ حَرَجَ ، وَأَمَّا الْعَالِمُ الصَّادِقُ الَّذِي اسْتَوْجَبَ اسْمَ الْعِلْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ يَكْرَهُ مِنْ عِلْمِهِ بِاَللَّهِ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ بِجَوَارِحِهِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي قَلْبِهِ فَيَمْقُتُهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَرَهُ اللَّهُ يُؤْثِرُ
دُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ فَصَبَرَ عَلَى الدُّنْيَا ، وَصَبَرَ عَلَى الذَّمِّ ، وَالتَّقْصِيرِ ، وَالتَّقَلُّلِ ، وَكَرِهَ الْمَدْحَ ، وَالتَّوَسُّعَ مِنْ الدُّنْيَا ، وَالْجَاهِلُ الَّذِي يَعْمَلُ بِجَهْلٍ جَزَعَ مِنْ الذَّمِّ ، وَفَرِحَ بِالْمَدْحِ ، وَالتَّوَسُّعِ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى صَبَرَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ الْجَزَعِ فَاحْذَرْ أَنْ تَصْبِرَ صَبْرَ الْجَاهِلِ ، وَلِذَلِكَ ثَقُلَ الْعَمَلُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ ، وَخَفَّ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ ، وَنَوْمُ الْعَالِمِ أَفْضَلُ مِنْ اجْتِهَادِ الْجَاهِلِ ، وَضَحِكُ الْعَالِمِ بِاَللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ بُكَاءِ الْجَاهِلِ فَاحْذَرْ إبْلِيسَ عَلَى أَفْعَالِك ، وَاحْذَرْ نَفْسَك ، وَهَوَاك ، وَاحْذَرْ أَهْلَ زَمَانِك ، وَلَا تَأْمَنْ أَحَدًا مِنْهُمْ عَلَى دِينِك .
وَاعْلَمْ أَنَّ إبْلِيسَ قَدْ نَصَبَ لَك حَبَائِلَهُ ، وَأَقْعَدَ لَك الرَّصَدَةَ عَلَى كُلِّ مَنْهَلٍ ، وَقَدْ سُلِّطَ أَنْ يَجْرِيَ مِنْك مَجْرَى الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ ، وَيَرَاك هُوَ ، وَأَعْوَانُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَاهُمْ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَأْتِيك مِنْ قِبَلِ الرِّيَاءِ ، وَالْعُجْبِ ، وَالْكِبْرِ ، وَالشَّكِّ ، وَالْإِيَاسِ ، وَالْأَمْنِ مِنْ الْمَكْرِ ، وَالِاسْتِدْرَاجِ ، وَتَرْكِ الْإِشْفَاقِ فَإِنْ تَابَعْته فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَأَنْتَ عَلَى سَبِيلِ هَلَكَةٍ فَحِينَئِذٍ يُخَلِّي بَيْنَك ، وَبَيْنَ مَا شِئْت مِنْ الْعَمَلِ فَإِنْ خَالَفْته أَتَاك مِنْ قِبَلِ الدُّنْيَا لِيَسْتَوْلِيَ الْهَوَى عَلَى قَلْبِك فَيَتَمَكَّنُ هُوَ مِنْ الَّذِي يُرِيدُ مِنْك فَإِنْ خَالَفْته أَتَاك مِنْ قِبَلِ الْمَعَاصِي فَإِنْ خَالَفْته أَتَاك مِنْ قِبَلِ النَّصِيحَةِ .
وَهَذِهِ الْخِصَالُ الَّتِي ، وَصَفْت لَك كُلُّهَا أَشَدُّ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَصَاحِبُهَا لَا يَكَادُ يَثُوبُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَرُبَّمَا انْتَبَهَ الْعَبْدُ فَتَابَ مِنْهَا فَإِنْ ظَفَرَ مِنْ الْعَبْدِ بِالْعُجْبِ قَالَ لَهُ : إنَّ النَّاسَ يَقْتَدُونَ بِك فَاعْمَلْ ، وَأَعْلِنْ عَمَلَك فَيَتَأَسَّى النَّاسُ بِك ، وَيَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِك ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِك ؛ لِأَنَّهُ مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ
فَإِذَا ظَهَرَ عَمَلُهُ فَرِحَ بِهِ فَصَارَ مُعْجَبًا ، وَحَمِدَ نَفْسَهُ فَنَسِيَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ فَإِذَا نَظَرَ إلَى عَمَلِهِ حَبَّبَ إلَيْهِ حَمْدَهُمْ ، وَاِتِّخَاذَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ مُرَائِيًا مُفَاخِرًا ، فَاتَّهِمْ فَرَحَ الْقَلْبِ بِالْعَمَلِ فَإِنَّ الْفَرَحَ إلَى الْقَلْبِ الْفَرِحِ أَقْرَبُ ، وَأَسْرَعُ مِنْهُ إلَى الْقَلْبِ الْحَزِينِ ، وَأَقْلِلْ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَأْتِيك مَا تَكْرَهُ إلَّا مِمَّنْ تَعْرِفُ فَإِنْ كَانَ لَا يَأْتِيك مَا تَكْرَهُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِمْ فَكُلَّمَا قَلُّوا كَانَ خَيْرًا .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ فِي السِّرِّ فَلَا يَزَالُ بِهِ إبْلِيسُ يَقُولُ أَظْهِرْهُ لِيَقْتَدِيَ بِك النَّاسُ فِيهِ ، وَتُنَشِّطَهُمْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّك فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَ فَإِذَا أَظْهَرَهُ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْعَلَانِيَةِ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَفْتَخِرَ بِهِ فَإِذَا افْتَخَرَ بِهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الرِّيَاءِ فَعَلَيْك بِعَمَلِ السِّرِّ ، وَكِتْمَانِهِ ، وَخُمُولِ النَّفْسِ وَإِسْقَاطِ الْمَنْزِلَةِ ، وَاكْتُمْ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَكْتُمُ السَّيِّئَاتِ ، وَخَفْ مِنْ فَضِيحَةِ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَخَافُ مِنْ فَضِيحَةِ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّ الْمُفْتَضِحَ بِالسَّيِّئَاتِ لَيْسَ يَفْتَضِحُ عِنْدَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ إنَّمَا يَفْتَضِحُ عِنْدَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ ، وَالْمُفْتَضِحُ بِالْحَسَنَاتِ إذَا دَخَلَهَا الرِّيَاءُ افْتَضَحَ عِنْدَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ فَاحْذَرْ ، وَاسْتَحِ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَرَاك تَعْمَلُ لِغَيْرِهِ ، وَتَطْلُبُ الثَّوَابَ مِنْهُ ، وَأَخْلِصْ الْعَمَلَ لِلَّهِ ، وَاصْدُقْ فِيهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ تَخْلِيصَ الْعَمَلِ فِي الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَلِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ ، وَالِاتِّقَاءُ مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَ الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَلِ فِي الْعَمَلِ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا مِنْ مُرَاءٍ ، وَلَا مِنْ مُسْمِعٍ ، وَلَا مِنْ دَاعٍ إلَّا بِثُبُوتٍ مِنْ قَلْبِهِ ، وَاحْذَرْ الرِّيَاءَ كُلَّهُ فَإِنَّ أَوَّلَهُ ، وَآخِرَهُ بَاطِلٌ ، وَكُنْ فِي الْعَمَلِ مُتَأَنِّيًا ، وَقَّافًا فَإِذَا هَمَمْت
بِعَمَلٍ فَقِفْ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ خَالِصًا فَاحْمَدْ اللَّهَ ، وَامْضِ فِيهِ ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَى إخْلَاصِهِ ، وَأَكْلِفْ مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُ ، وَتُحِبُّ أَنْ تَزْدَادَ مِنْهُ ، وَدُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا ، وَإِنْ قَلَّ فَاعْمَلْ بِمَا يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّهُ حَقٌّ وَاضِحٌ فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْك فَقِفْ ، وَلَا تَقْتَحِمْ ، وَنَاظِرِ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَهُمْ الَّذِينَ قَصَدُوا إلَى اللَّهِ ، وَهُمْ الدُّعَاةُ إلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ الْأَدِلَّاءُ عَلَى اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ ، وَقَّافٌ عِنْدَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ كَحَاطِبِ اللَّيْلِ فَنَاظِرِ الْعُلَمَاءَ فِيمَا الْتَبَسَ عَلَيْك فَمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَخُذْ بِهِ ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَخُذْ أَنْتَ فِيهِ بِالثِّقَةِ ، وَالِاحْتِيَاطِ فَإِنَّ الْإِثْمَ حَوَّازُ الْقُلُوبِ .
، وَاعْلَمْ أَنَّ إبْلِيسَ رُبَّمَا قَالَ لِلْعَبْدِ : قَدْ سَبَقَك النَّاسُ إلَى اللَّهِ مَتَى تَلْحَقُ بِهِمْ ؟ فَلْيَقُلْ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ : قَدْ عَرَفْتُك أَنَا فِي الطَّلَبِ إنْ رَفَقْت لَحِقْت ، وَإِنْ لَمْ أُرْفِقْ لَمْ أَلْحَقْ إنْ صَبَرْت عَلَى الْقَلِيلِ نِلْت الْكَثِيرَ ، وَإِنْ عَجَزْت عَنْ الْقَلِيلِ فَأَنَا عَنْ الْكَثِيرِ أَعْجَزُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ ، وَجَلَّ { ، وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } فَالزِّينَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَالنُّورُ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا فَرَأَى الشَّيْطَانُ مَعَهُ نُورًا كَانَتْ هِمَّةُ الْخَبِيثِ أَنْ يُطْفِئَ ذَلِكَ النُّورَ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الْعَبْدِ عَمَلَ السِّرِّ أَخْرَجَهُ إلَى عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ بِحِيلَتِهِ ، وَمَكِيدَتِهِ فَإِنْ عَمِلَ فِي الْعَلَانِيَةِ بِصِدْقٍ ، وَإِخْلَاصٍ فَرَأَى فِي عَمَلِهِ الْعَلَانِيَةِ نُورًا ، وَصَبْرًا أَمَرَهُ بِمُخَالَفَةِ النَّاسِ لِيُؤْذَى فَلَا يَحْتَمِلُ فَإِنْ خَالَطَهُمْ فَأُوذِيَ ، وَاحْتَمَلَ الْأَذَى أَمَرَهُ بِالْعُزْلَةِ ، وَالرَّاحَةِ مِنْ النَّاسِ لِيُعْجَبَ بِمَا يَعْمَلُ ، وَيَضْجَرَ مِنْ الْعَمَلِ فَإِنْ اعْتَزَلَ ، وَصَبَرَ ، وَأَخْلَصَ قَالَ لَهُ : الرِّفْقُ خَيْرٌ لَك فَيَصُدُّهُ عَنْ الْعِبَادَةِ ، وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ مِنْ الْأَشْيَاءِ غَفْلَتَهُ فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْهُ ، وَلْيَسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْإِخْلَاصِ خَائِفٌ ، وَجِلٌ حَزِينٌ مُتَوَاضِعٌ مُنْتَظِرٌ لِلْفَرَجِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَوَدُّ أَنَّهُ نَجَا كَفَافًا لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ ، وَالْجَاهِلُ فَرِحٌ فَخُورٌ مُتَكَبِّرٌ مُدْلٍ بِعَمَلِهِ ، وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ : إنِّي لَأَعْرِفُ مِائَةَ بَابٍ مِنْ الْخَيْرِ ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنْهَا شَيْءٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ الصَّادِقَ الْمُخْلِصَ الْعَارِفَ الْخَائِفَ الْمُشْتَاقَ الرَّاضِيَ الْمُسَلِّمَ الْمُوَفَّقَ الْوَاثِقَ الْمُتَوَكِّلَ الْمُحِبَّ لِرَبِّهِ يُحِبُّ أَنْ لَا يُرَى شَخْصُهُ ، وَلَا يُحْكَى قَوْلُهُ ، وَيَوَدُّ أَنَّهُ أَفْلَتَ كَفَافًا فَمَعْرِفَتُهُ
بِنَفْسِهِ بَلَغَتْ بِهِ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ ، وَتَمَسُّكُهُ بِهَذِهِ الْعَزَائِمِ أَوْصَلَهُ إلَى مَحْضِ الْإِيمَانِ .
وَالْجَاهِلُ الْمِسْكِينُ يُحِبُّ أَنْ يُعْرَفَ بِالْخَيْرِ ، وَيَنْتَشِرَ عَنْهُ ، وَيُنْشَرَ ذِكْرُهُ ، وَلَا يُحِبُّ أَنْ يُزْرَى عَلَيْهِ فِي قَوْلٍ ، وَلَا فِعْلٍ بَلْ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَيُوَطَّأُ عَقِبُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُزْرِ لَهُمْ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا شِدَّةُ حُبِّهِ لِذَلِكَ لِحَلَاوَةِ الثَّنَاءِ ، وَالْحُبِّ لِإِقَامَةِ الْمَنْزِلَةِ ، وَالْفِتْنَةُ فِي هَذَا عَظِيمَةٌ ، وَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ شَدِيدَةٌ ، وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ الْهَوَى يَتَلَاعَبُ بِهِ الشَّيْطَانُ كُلَّ التَّلَاعُبِ تَنْقَضِي أَيَّامُهُ ، وَيَفْنَى عُمْرُهُ عَلَى هَذَا الْحَالِ أَسِيرًا لِلشَّيْطَانِ ، وَعَبْدًا لِلْهَوَى .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ إذَا نَظَرَ إلَى الْعَبْدِ مُرِيدًا صَادِقًا مُخْلِصًا مُدَاوِمًا عَارِفًا بِنَفْسِهِ عَارِفًا بِهَوَاهُ مُعَانِدًا لَهُمَا حَذِرًا مُسْتَعِدًّا عَارِفًا بِفَقْرِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ لَهُ : إنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِالْأَعْوَانِ عَلَيْهِ ، وَالشَّيْطَانُ عَلَى الْوَاحِدِ أَقْوَى ، وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ فَجَالِسْ إخْوَانَكَ ، وَذَاكِرْهُمْ ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَنُوبُك فِي عَمَلِك مِنْ نَفْسِكَ ، وَهَوَاكَ ، وَمِنْ عَدُوِّكَ فَإِنَّهُمْ يَدُلُّونَكَ ، وَيُعِينُونَك يُرِيدُ بِذَلِكَ ذَهَابَ حُزْنِ الْخَلَوَاتِ ، وَإِطْفَاءَ نُورِ الْعُزْلَةِ ، وَقَطْعَ سَبِيلِ النَّجَاةِ ، وَفَتْحَ طَرِيقِ الْفُضُولِ ، وَالشُّغْلِ بِغَيْرِ اللَّهِ ، وَإِخْرَاجَهُ مِنْ عَمَلِ السِّرِّ إلَى عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ إطْفَاءَ مَا قَدْ أَحْدَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ مِنْ نُورِ فِكْرِ الْخَلَوَاتِ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ قَالَ لَك : أَجَلْ إنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ تَعْلِيمُك النَّاسِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِك فَلَوْ أَخْبَرْت النَّاسَ بِذَلِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَك لِيَعْلَمُوا مِنْ آفَاتِ الْأَعْمَالِ مَا تَعْلَمُ فَتُؤْجَرُ فِيهِمْ فَإِنْ قُلْت أَيْضًا هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ قَالَ لَك :
لَوْلَا عِلْمُك لَمْ تَعْلَمْ بِهَذِهِ الْآفَاتِ لِتُعْجَبَ بِنَفْسِك ، وَتَنْسَى النِّعْمَةَ عَلَيْك فِي الْعَمَلِ فَتُخْمِدَ النَّفْسَ فَلَا يُجَاوِزُ عَمَلُك رَأْسَك فَاحْذَرْ هَذَا الْبَابَ فَإِنَّ فِيهِ شَهَوَاتٍ خَفِيَّةً ، وَمِنْ الشَّهَوَاتِ الْخَفِيَّةِ أَنْ يُخْفِي الْعَبْدُ عَمَلَهُ ، وَيُحِبَّ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ بِهِ ، وَيُحِبَّ أَنْ يُرَى أَثَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَالْعَمَلُ خَفِيَ فِي السِّرِّ إلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُرَى أَثَرُ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَلَيْهِ إمَّا مِنْ عَلَامَةِ عَطَشٍ إنْ كَانَ صَائِمًا أَوْ عَلَامَةِ سَهَرٍ فِي الْوَجْهِ إنْ كَانَ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ إنْ قَالَ أَنَا أَعْمَلُ لِلَّهِ لَا لِلنَّاسِ قَالَ لَهُ : صَدَقْتَ أَخْلِصْ عَمَلَك لِلَّهِ فَإِنَّ الْمُخْلِصَ يُحَبِّبُهُ اللَّهُ إلَى النَّاسِ ، وَيُعَرِّفُهُمْ فَضْلَهُ فَإِنْ قَالَ الْعَبْدُ : وَمَا حَاجَتِي إلَى النَّاسِ قَالَ : فَأَنْتَ الْآنَ الْمُخْلِصُ الَّذِي قَدْ أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنْ قَلْبِك ، وَعَرَفْت مَكِيدَةَ إبْلِيسَ ، وَقَدْ نَجَوْت ، وَأَنْتَ مَعْصُومٌ فَإِنْ عَقَلَ الْعَبْدُ ، وَقَالَ لَهُ : وَمَنْ أَنَا ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ مَنٌّ مِنْ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ، وَلَهَا شُكْرٌ ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا ، وَإِنَّمَا الثَّوَابُ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْجَزَاءِ لِمَنْ أَخْلَصَ ، وَلَمْ يُعْجَبْ بِعَمَلِهِ ، وَلَمْ يَنْسِبْ إلَى نَفْسِهِ نِعْمَةً هِيَ مِنْ اللَّهِ قَدْ وَجَبَ لَهُ بِهَا عَلَيْهِ الشُّكْرُ فَإِنَّهُ يَقُولُ لِلْعَبْدِ عِنْدَ ذَلِكَ : الْآنَ نَجَوْت حِينَ اعْتَرَفْت لِلَّهِ بِذَلِكَ ، وَقُمْت بِشُكْرِ النِّعْمَةِ ، وَتَوَاضَعْت لِرَبِّك ، وَبَرَّأْت نَفْسَك مِنْ الْعَمَلِ ، وَنَسَبْته إلَى الَّذِي هُوَ مِنْهُ فَإِنْ قَبِلْت ذَلِكَ مِنْهُ هَلَكْت ، وَلَكِنْ قُلْ أَنَا أَرْجُو ، وَأَخَافُ ، وَلَيْسَ إلَيَّ مِنْ النَّجَاةِ شَيْءٌ ، وَلَسْت أَدْرِي بِمَا يُخْتَمُ لِي عَمَلِي .
وَإِيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ ، وَالتَّزَيُّنَ بِتَرْكِ التَّزَيُّنِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا تَزَيَّنَ الرَّجُلُ بِالرِّقَاعِ ، وَالْخِرَقِ ، وَالشُّعْثِ ، وَتَرَكَ الدُّنْيَا ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ التَّزَيُّنَ
فَإِنْ فَعَلْت ذَلِكَ نَزَلْت بِمَحَلَّةِ خُشُوعِ النِّفَاقِ ، وَإِنْ عَرَفْت نَفْسَك بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ تُسَارِعْ إلَى التَّحَوُّلِ عَنْهُ خِفْت أَنْ يَلْحَقَك الْخِذْلَانُ ، وَالْمَقْتُ فَاتَّقِ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِك ، وَاعْمَلْ لَهُ كَأَنَّك تَرَاهُ .
فَإِنْ قَالَ لَك الْخَبِيثُ : الْآنَ نَجَوْت حِينَ عَرَفْت نَفْسَك ، وَأَنْزَلْتهَا هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ ، وَحَذِرْت هَوَاك ، وَعَدُوَّك فَقُلْ : الْآنَ هَلَكْتُ حِينَ أَمِنْت الْعِقَابَ فَإِنْ قَالَ لَك : الْآنَ نَجَوْت حِينَ خِفْت أَنْ تَكُونَ قَدْ أَمِنْت الْعِقَابَ فَقُلْ : الْآنَ هَلَكْت لَوْ كُنْت صَادِقًا لَصَدَّقَ قَوْلِي فِعْلِي ، وَلَزِدْتُ خَوْفًا ، وَحَيَاءً مِنْ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ، وَلَوْ كُنْت كَذَلِكَ الْحَالُ بَيْنِي ، وَبَيْنَك ، وَجَعَلَنِي فِي حِرْزِهِ ، وَحِصْنِهِ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ قَالَ : فِيهِمْ { إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } ، وَلَمْ تَكُنْ أَنْتَ تَدْخُلُ عَلَيَّ فِي عَمَلِي فَإِنْ قَالَ لَك : جَاهِدْ نَفْسَك فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْعَمَلِ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ شَغَلَهُمْ أَمْرُ غَيْرِهِمْ ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ، وَأَنْتَ بَيْنَهُمْ غَرِيبٌ ، وَأَنْتَ كَالشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ بَيْنَ الشَّجَرِ الْيَابِسِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ } ، وَأَنْتَ الْمَعْرُوفُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ ، وَالْمَجْهُولُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ فَإِنْ قَبِلْتَ ذَلِكَ هَلَكْتَ ، وَإِنْ قُلْتَ هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ قَالَ لَك : صَدَقْت هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَقَدْ كَثُرَتْ عَلَيْك مَكَائِدُهُ ، وَمُجَاهَدَةُ نَفْسِك ، وَهَوَاك فَكَمْ تُعَذِّبُ نَفْسَك إنْ كُنْت شَقِيًّا لَمْ تَسْعَدْ أَبَدًا ، وَإِنْ كُنْت سَعِيدًا لَمْ تَشْقَ أَبَدًا ، وَلَا يَضُرُّك تَرْكُ الْعَمَلِ إنْ كُنْت سَعِيدًا ، وَلَا يَنْفَعُك الْعَمَلُ الْكَثِيرُ إنْ كُنْت شَقِيًّا فَإِنْ قَبِلْت الْقُنُوطَ الَّذِي أَلْقَاهُ إلَيْك هَلَكْت ، وَإِنْ تَرَكْت الْعَمَلَ ، وَنِلْت مِنْ الشَّهَوَاتِ عَلَى الْغُرُورِ ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِزَعْمِك ، وَالِاتِّكَالِ عَلَى الرَّجَاءِ الْكَاذِبِ ، وَالطَّمَعِ الْكَاذِبِ ،
وَالْأَمَانِيِّ الْكَاذِبَةِ ، وَرَجَوْت الْجَنَّةَ بِالْغُرُورِ ، وَطَلَبْتهَا طَلَبَ الْمُتَعَبِّدِينَ بِالرَّاحَةِ عَطِبْتَ ، وَإِنْ امْتَنَعْت قَالَ لَك : أَحْسِنْ ظَنَّك بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ : { أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي } ، وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْيُسْرَ ، وَالدِّينُ وَاسِعٌ ، وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَاعْرِفْ نَفْسَك عِنْدَ ذَلِكَ ، وَاعْتَصِمْ بِاَللَّهِ { ، وَكَفَى بِاَللَّهِ حَسِيبًا } ، وَاعْلَمْ أَنَّك كُنْت فِي بَلَدٍ ، وَأَنْتَ فِيهِ سَالِمٌ ، وَأَمْرُك فِيهِ مُسْتَقِيمٌ ، وَالنُّورُ مَعَك فِي فِعْلِك ، وَقَوْلِك قَالَ لَك : عَلَيْك بِالثُّغُورِ ، وَعَلَيْك بِمَكَّةَ ، وَعَلَيْك بِكَذَا فَإِنْ قَبِلْت ذَلِكَ رَأَيْت فَتْرَةً فِي عَاجِلِ عَمَلِك ، وَقَسَاوَةً فِي قَلْبِك ، وَوَقَعْت فِي الْمَشُورَةِ يُرِيدُ بِذَلِكَ النُّقْصَانَ بِسَبَبِ السَّفَرِ ، وَالشُّغْلَ بِهِ عَنْ الدَّأَبِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَالنَّشَاطِ الَّذِي كَانَ مَعَك فَإِنْ صِرْتَ إلَى بَلَدٍ أَنْتَ فِيهِ مَسْرُورٌ ، وَقَلْبُك رَيِّحٌ قَالَ لَك : مَوْضِعُك كَانَ أَصْلَحَ لِقَلْبِك ، وَأَجْمَعَ لِهِمَّتِك فَارْجِعْ إلَى مَوْضِعِك فَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا مَعَ مَعْرِفَةِ النَّفْسِ ، وَالْفَقْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ لِلدَّأَبِ ثَوَابًا ، وَلِلصَّبْرِ ثَوَابًا { إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ يَنْجُو بِالْأَعْمَالِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَهْلِكُ بِهَا ، وَكُلُّ عَبْدٍ مُيَسَّرٌ ؛ لِمَا خُلِقَ لَهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ يَهْلِكُ بِالتَّفْرِيطِ ، وَالتَّضْيِيعِ أَكْثَرُ ، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ رَاغِبًا رَاهِبًا لَا يَأْمَنُ ، وَلَا يَيْأَسُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَأْتِيك مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لَا يَغْفُلُ ، وَلَا يَأْلُوك خَبَالًا إنْ كُنْت مُقِلًّا ، عِنْدَك مِنْ الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسِيرٌ تُرِيدُ أَنْ تَقُوتَهُ نَفْسَك ، أَمَرَك بِالصَّدَقَةِ ، وَرَغَّبَك فِيهَا لِتُخْرِجَ مَا فِي يَدَيْك ، وَتَحْتَاجَ رَجَاءَ أَنْ يَظْفَرَ بِك فِي حَالِ الْغَفْلَةِ ، وَإِنْ كُنْت غَنِيًّا أَمَرَك بِالْإِمْسَاكِ ، وَرَغَّبَك فِيهِ ، وَخَوَّفَك الْفَقْرَ ، وَالْحَاجَةَ ، وَقَالَ لَك :
ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ، وَلَعَلَّك تَكْبَرُ ، وَتَضْعُفُ ، وَيَطُولُ عُمْرُك يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ تَصِيرَ إلَى حَالِ الْبُخْلِ فَيَظْفَرَ بِك ، وَإِنْ كُنْت تَصُومُ ، وَقَدْ عُرِفْت بِالصَّوْمِ ، وَأَحْبَبْت أَنْ تُرِيحَ نَفْسَك قَالَ لَك : قَدْ عُرِفْت بِالصَّوْمِ لَا تُفْطِرْ فَيَضَعُ النَّاسُ أَمْرَك عَلَى أَنَّك قَدْ كَبِرْتَ ، وَتَغَيَّرْتَ ، وَفَتَرْتَ ، وَعَجَزْتَ فَإِنْ قُلْتَ مَالِي ، وَلِلنَّاسِ قَالَ لَك : صَدَقْت أَفْطِرْ فَإِنَّ الْمُحْسِنَ مُعَانٌ سَيَضَعُونَ أَمْرَك عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ فَإِنْ قَبِلْتَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَأَفْطَرْتَ عَلَى أَنَّ النَّاسَ سَيَضَعُونَ أَمْرَك عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ ، وَالْمَنْزِلَةُ لَا تَسْقُطُ عِنْدَهُمْ بِإِفْطَارِك فَقَدْ عَطِبْتَ ، وَإِنْ أَنْتَ نَفَيْت ذَلِكَ ، نَصَبَ لَك بَابًا آخَرَ فَقَالَ لَك : عَلَيْك بِالتَّوَاضُعِ لِيُشْهِرَك عِنْدَ النَّاسِ ، وَكُلَّمَا ازْدَدْت تَوَاضُعًا عَلَى قَبُولِهِ مِنْهُ لِلشَّهْوَةِ ، وَالشُّهْرَةِ ازْدَادَ كَلَبًا عَلَيْك فَاتَّقِ مَا وَصَفْتَ لَك ، وَالْجَأْ إلَى اللَّهِ فِي أُمُورِك كُلِّهَا ، وَاتْرُكْ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا لِعَمَلِ الْآخِرَةِ رَغْبَةً مِنْك فِي الْآخِرَةِ ، وَحُبًّا لَهَا ، وَإِيثَارًا لَهَا عَلَى الدُّنْيَا فَبِحُبِّك إيَّاهَا تَصِلُ إلَيْهَا ، وَبِقَدْرِ حُبِّك لَهَا تَعْمَلُ لَهَا ، وَأَقِلَّ الدُّنْيَا ، وَأَبْغِضْهَا فَبِقَدْرِ بُغْضِك لَهَا تَزْهَدُ فِيهَا ، وَانْظُرْ إنْ كُنْتَ ذَا عِلْمٍ فَخِفْ أَنْ تُوقَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَك : بُعْدًا ، وَسُحْقًا بَعْدَ الْعِلْمِ ، وَالتَّبَصُّرِ مِلْتَ إلَى الدُّنْيَا ، وَتَرَكْتَ الْعِلْمَ ، وَالْعَمَلَ ، وَاخْتَرْتَ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيمِ أَيُّهَا الْمَغْرُورُ فَلْيَعْبُدْ اللَّهَ الْعَالِمُ بِطَاعَةِ الْعِلْمِ ، وَلْيَتْرُكْ طَاعَةَ الْجَهْلِ ، وَلْيَتْرُكْ الِاغْتِرَارَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَبَرَّأُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ أَطَاعَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَنْجُو مِنِّي بِحِيلَةٍ فَفِي حِبَالِي وَقَعَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ ، وَتَعَالَى { إنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ
، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ } ، وَقَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إلَى اللَّهِ ، وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } فَافْهَمْ ، وَاحْذَرْ ، وَافْطَنْ ، وَانْظُرْ ، وَحَارِبْ ، وَاسْتَعِدَّ ، وَكَابِدْ ، وَجَاهِدْ ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ تَعَالَى .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُرِيدُ بِهَا ثَوَابَ اللَّهِ ، وَحْدَهُ فَ { ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ ، وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَلَا يُلَقَّاهَا إلَّا الصَّابِرُونَ } ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا ثَوَابَ اللَّهِ ، وَحَمْدَ غَيْرِهِ هَلَكَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالْعَبْدِ أَنْ يُخْلِصَ عَمَلَهُ كُلَّهُ لِلَّهِ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَثِيرٌ غَيْرَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي إخْلَاصِ الْعَمَلِ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ الْعَمَلَ كُلَّهُ يُرِيدُ بِهِ اللَّهَ لَا يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ فَإِنْ اطَّلَعَ أَحَدٌ عَلَى عَمَلِهِ كَرِهَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ، وَلَمْ يُسَرَّ بِذَلِكَ فَلَمْ يُحِبَّ أَنْ يَحْمَدَهُ أَحَدٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ ، وَلَمْ يَتَّخِذْ بِهِ مَنْزِلَةً عِنْدَهُمْ فَهَذَا أَصْلُ إخْلَاصِ الْعَمَلِ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
وَأَمَّا الرِّيَاءُ فَهُوَ أَنْ تُحِبَّ أَنْ يَحْمَدَك النَّاسُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَمَلِك أَوْ تَقُومَ لَك بِهِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَهُمْ ، وَمَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلِيلِ ، وَمَنْ لَمْ يُرِدْ الْعَمَلَ لَمْ يَكْتَفِ بِالْكَثِيرِ .
، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِي الْعَمَلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ : صِنْفٌ أَهْمَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْعَمَلِ مِنْ الْبِرِّ فَعَمِلُوا لِيُعْرَفُوا بِالْخَيْرِ فَهُمْ الْهَالِكُونَ ، وَصِنْفٌ أَهْلُ رَهْبَةٍ مِنْ اللَّهِ ، وَرَغْبَةٍ فِيمَا عِنْدَهُ يُكَابِدُونَ الْأَعْمَالَ بِالصِّدْقِ ، وَالْإِخْلَاصِ ، وَيَتَّقُونَ فَسَادَ الْأَعْمَالِ ، وَلَا يُحِبُّونَ الْمَحْمَدَةَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، وَلَا الْمَنْزِلَةَ عِنْدَهُمْ ، وَلَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا مِنْ الْعَمَلِ لِلنَّاسِ ، وَلَا يَتْرُكُونَ مِنْ أَجْلِهِمْ شَيْئًا ، وَأَحْيَانَا تَعْرِضُ لَهُمْ الْعَوَارِضُ ، وَأَحْيَانَا يَسْلَمُونَ مِنْهَا ، وَصِنْفٌ قَوِيَ إخْلَاصُهُمْ ، وَاسْتَقَامَتْ سَرِيرَتُهُمْ ، وَعَلَانِيَتُهُمْ أَخْلَصُوا الْعَمَلَ لِلَّهِ ، وَتَرَكُوا الدُّنْيَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهَا ، وَنَظَرُوا إلَيْهَا بِالْعَيْنِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ بِهَا إلَيْهَا فَرَأَوْا عُيُوبَهَا فَمَقَتُوهَا ، وَصَدَقُوا اللَّهَ فِي مَقْتِهِمْ لَهَا ، وَتَرَكُوهَا زُهْدًا فِيهَا ، وَصَدَقُوا اللَّهَ فِي ذَلِكَ فَمَاتَ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَذَابَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِي قُلُوبِهِمْ قَرَارٌ لِقُوَّةِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ فِي قُلُوبِهِمْ فَلَمَّا اسْتَوْلَتْ الْعَظَمَةُ عَلَى قُلُوبِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِدُنْيَا ، وَلَا لِأَهْلِهَا فِي قُلُوبِهِمْ مُسْتَقَرٌّ ، وَلَا قَرَارٌ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْمَنِّ ، وَالْفَضْلِ الْعَظِيمِ .
، وَمِنْ الرِّيَاءِ أَنَّ الْعَبْدَ يُرَائِي أَهْلَ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا فِي لِبَاسِهِ ، وَمَرْكُوبِهِ ، وَمَسْكَنِهِ ، وَفُرُشِهِ ، وَطَعَامِهِ ، وَشَرَابِهِ ، وَخَدَمِهِ حَتَّى الدُّهْنَ ، وَالْكُحْلَ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ يُرِيدُ بِهَا صِيَانَةَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ رِيَاءٌ ، وَلَيْسَ كَالرِّيَاءِ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَائِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يُخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّارِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ { ، وَلَكِنَّك فَعَلْت لِيُقَالَ : فُلَانٌ كَذَا كَذَا فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ } .
وَهَذَا الَّذِي رَاءَى بِالتَّكَاثُرِ ، وَالتَّفَاخُرِ ، وَطَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُكَاثِرًا مُفَاخِرًا مُرَائِيًا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ أَهْوَنُ مِنْ الْبَابِ الْآخَرِ ، وَكِلَاهُمَا شَدِيدٌ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُفَاخِرَ إنَّمَا يُرِيدُ إقَامَةَ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ النَّاسِ فَلَوْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا كُلُّهَا لَاحْتَاجَ إلَيْهَا ؛ لِمَا مَعَهُ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَذَلِكَ أَنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَعَنْ طَلَبِ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا خَائِفٌ وَجِلٌ مِنْ أَنْ تَنْزِلَ بِهِ نَازِلَةٌ تُغَيِّرُ فَيَتَغَيَّرُ مَنْ كَانَ لَهُ مُطِيعًا فَمَا أَشَدَّ مَضَرَّةَ هَذَا الْبَابِ .
، وَعَلَامَةُ الْمُرِيدِ النَّظَرُ إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الرِّزْقِ ، وَإِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ ، وَيَتَوَاضَعُ ، وَلَا يُنَافِسُ أَهْلَ الْكِبْرِ ، وَالْفَخْرِ ، وَالرِّيَاءِ ، وَالتَّكَاثُرِ ، وَلَا يَأْخُذُ مَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَتْرُكُ مَا تَرَكَ لِنَفْسِهِ ، وَمَا أَخَذَهُ فَإِنَّمَا نِيَّتُهُ فِيهِ الْقُوَّةُ عَلَى دِينِهِ ، وَإِقَامَةُ فَرَائِضِهِ ، وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَيَدَعُ جَمِيعَ مَا كَانَ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْعُجْبُ فَأَصْلُهُ حَمْدُ النَّفْسِ ، وَنِسْيَانُ النِّعْمَةِ ، وَهُوَ نَظَرُ الْعَبْدِ إلَى نَفْسِهِ ، وَأَفْعَالِهِ ، وَيَنْسَى أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنَّةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَيُحْسِنُ حَالَ نَفْسِهِ عِنْدَهُ ، وَيَقِلُّ شُكْرَهُ ، وَيَنْسِبُ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا هُوَ مِنْ غَيْرِهَا ، وَهِيَ مَطْبُوعَةٌ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنْ غَفَلَ هَلَكَ ، وَاسْتُدْرِجَ ، وَكَانَ مُعْجَبًا بِعِبَادَتِهِ مُزْرِيًا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُ قَدْ عَمِيَ عَنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ مُسْتَكْثِرًا لِعَمَلِهِ مَسْرُورًا بِهِ رَاضِيًا عَنْ نَفْسِهِ فَرِحًا بِهَا يَسْعَى فِي هَوَاهَا غَضَبُهُ لَهَا ، وَرِضَاهُ لَهَا ، وَلَا يَخْلُو الْمُعْجَبُ بِعَمَلِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَائِيًا ؛ لِأَنَّهُمَا قَرِينَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ ، وَلَا يَكُونُ الْمُعْجَبُ مَحْزُونًا ، وَلَا خَائِفًا أَبَدًا ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ يَنْفِي الْخَوْفَ .
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ النَّاظِرَ إلَى اللَّهِ فِيمَا يَعْمَلُ قَدْ نَفَى الْعُجْبَ عَنْهُ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْعَمَلَ إنَّمَا هُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ قَائِمٌ بِالشُّكْرِ لَهُ مُسْتَعِينٌ بِاَللَّهِ عَزَّ ، وَجَلَّ عَلَى حَالٍ مُتَّهِمٌ لِنَفْسِهِ قَدْ نَفَى الْأَعْمَالَ كُلَّهَا عَنْهَا فَلَيْسَ لَهَا عِنْدَهُ فِيهَا حَظٌّ ، وَلَا نَصِيبٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ صِنْفَانِ : صِنْفٌ عُلَمَاءُ أَقْوِيَاءُ فَهُمْ الَّذِينَ نَظَرُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَعْمَلُونَ فَحَمِدُوا اللَّهَ عَلَى مَا وَهَبَ لَهُمْ مِنْ قَلِيلِهِ ، وَكَثِيرِهِ ، وَصِنْفٌ نَظَرُوا إلَى السَّبَبِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ اللَّهُ فَاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ السَّبَبِ
، وَالصِّنْفُ الْأَوَّلُ أَقْوَى مِنْ هَؤُلَاءِ أُولَئِكَ لَا يَعْرِضُ لَهُمْ الْعُجْبُ لِعِلْمِهِمْ بِهِ ، وَهَؤُلَاءِ رُبَّمَا أُعْجِبُوا بِالسَّبَبِ ، وَرُبَّمَا انْتَفَى عَنْهُمْ فَهُمْ مُكَابِدُونَ لَهُ فَإِنْ قَامُوا بِشُكْرِ ذَلِكَ فَحَالَتُهُمْ حَسَنَةٌ ، وَهُمْ دُونَ أُولَئِكَ ، وَإِنْ رَكَنُوا إلَى مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعُجْبِ فَقَدْ هَلَكُوا إلَّا أَنْ يُنَبِّهَ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَيَتُوبَ عَلَيْهِ ، وَالْعُجْبُ كَثِيرٌ ، وَهُوَ آفَةُ الْمُتَعَبِّدِينَ مِنْ الْأَوَّلِينَ ، وَالْآخِرِينَ ، وَهُوَ مِنْ الْكِبْرِ ، وَالْكِبْرُ آفَةُ إبْلِيسَ الَّتِي أَهْلَكَهُ اللَّهُ بِهَا .
، وَأَمَّا الشُّهْرَةُ ، وَإِشَارَةُ النَّاسِ إلَى الْعَبْدِ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّ إلَّا مَنْ أَرَادَهَا ، وَالْمَرْءُ مُلَبَّسٌ زِيَّ عَمَلِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ .
فَكَمْ مِنْ مُسْتَتِرٍ بِعَمَلِهِ قَدْ شَهَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَكَمْ مِنْ مُتَزَيِّنٍ بِعَمَلِهِ يُرِيدُ بِهِ الِاسْمَ ، وَاِتِّخَاذَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ النَّاسِ قَدْ شَانَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا يُصْلِحُ ذَلِكَ ، وَيُفْسِدُهُ الضَّمِيرُ فَإِنْ أَحَبَّ الشُّهْرَةَ جَمَعَ الشُّهْرَةَ ، وَالرِّيَاءَ ، وَالْعُجْبَ جَمِيعًا ، وَإِنْ أَرَادَ اللَّهَ وَحْدَهُ ، وَكَانَ مُخْلِصًا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ عُرِفَ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ ، وَرُبَّمَا لَحِقَهُ حُبُّ مَعْرِفَتِهِمْ إيَّاهُ بِالْعَمَلِ فَيَخْرُجُ بِهِ إلَى الْبَابِ الَّذِي يُحْبِطُ الْأَعْمَالَ .
وَمِنْ ذَلِكَ حُبُّ مَعْرِفَتِهِمْ إيَّاهُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَالْغَضَبِ لِلَّهِ ، وَفِي اللَّهِ فَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ ، وَنَفَى مَا يُحِبُّهُ ، وَكَانَتْ نَصِيحَتُهُ لِلَّهِ ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَنَجَاةِ نَفْسِهِ نَجَا ، وَإِنْ اعْتَقَدَ شَيْئًا مِنْ اتِّخَاذِ الْمَنْزِلَةِ أَوْ حُبِّ الثَّنَاءِ أَوْ طَلَبِ رِيَاسَةٍ أَوْ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ فَقَدْ شَرِبَ السُّمَّ الَّذِي لَا يُبْقِي ، وَلَا يَذَرُ ، وَلَا عَاصِمَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ .
وَالرِّيَاءُ ، وَالْعُجْبُ ، وَالْكِبْرُ ، وَالشُّهْرَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ فَتَوَسَّلْ يَا أَخِي إلَى اللَّهِ فِي إصْلَاحِ قَلْبِك فَإِنْ سَلِمَ قَلْبُك ، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْ إرَادَتِك أَنَّهَا لَهُ خَالِصَةٌ خَلَّصَك اللَّهُ مِنْ كُلِّ آفَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْك ، وَاَللَّهُ يُقَسِّمُ الثَّنَاءَ كَمَا يُقَسِّمُ الرِّزْقَ ، وَمَنْ خَافَ اللَّهَ خَوَّفَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَمَنْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ أَخَافَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَحَبَّهُ كُلُّ شَيْءٍ ، وَاَللَّهُ مُسَبِّبُ الْعِبَادَةِ ، وَإِنَّمَا تَصْحِيحُ الْعَمَلِ بِالْحَوَادِثِ عَلَى قَدْرِ صِحَّةِ الْقَلْبِ ، وَمَعَ صِحَّةِ الْقَلْبِ دَلَالَةُ الْعَقْلِ ، وَسِيَاسَةُ الْعِلْمِ ، وَسَابِقَةُ الْخَوْفِ فَإِذَا أَرَدْت عَمَلًا فَابْتَغِ
بِذَلِكَ ثَوَابَ اللَّهِ ، وَأَكْثِرْ مَا تُؤَمِّلْ مِنْ اللَّهِ النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ ، وَالْوُصُولَ إلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ يُهَوِّنْ عَلَيْك الْعَمَلَ ، وَيُخَلِّصْهُ اللَّهُ مِنْ الْآفَاتِ ، وَيُقَوِّيك عَلَيْهِ فَإِذَا عَمِلْت فَاشْكُرْ ، وَانْظُرْ هَلْ يَنْقُصُ مِنْ بَدَنِك شَيْءٌ فِي لَيْلِك ، وَنَهَارِك لِتَعْقِدَ النِّيَّةَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَانْظُرْ إذَا أَصْبَحْتَ كَيْفَ مَضَتْ عَلَيْك لَيْلَتُك بِتَعَبِهَا ، وَنَصَبِهَا ، وَبَقِيَ لَك ثَوَابُهَا ، وَسُرُورُهَا يَكُنْ ذَلِكَ قُوَّةً لَك عَلَى مَا تَسْتَقْبِلُ فَالْحَسَنَةُ لَهَا نُورٌ فِي الْقَلْبِ ، وَسُرُورٌ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ ذَلِكَ السُّرُورِ ، وَضِيَاءَ ذَلِكَ النُّورِ ، وَلَمْ يَدَعْ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ الْمُطِيعِينَ حَتَّى جَعَلَ لَهُمْ بِالطَّاعَةِ اللَّذَّةَ ، وَالنَّشَاطَ ، وَقُرَّةَ الْعَيْنِ ، وَحَلَاوَةَ الْقُرْبِ إلَيْهِ ، وَلَمْ يَدَعْهُمْ حَتَّى حَبَّبَهُمْ إلَى النَّاسِ ، وَحَتَّى نَظَرُوا إلَيْهِمْ بِالْهَيْبَةِ لَهُمْ ، وَالْإِجْلَالِ مَعَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ التَّوَاضُعِ ، وَالْخَوْفِ لِلَّهِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ النَّاسُ ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ بِهِمْ كَانُوا أَرْفَعَ خَلْقِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا ، وَمَنْ كَانَ بِالطَّاعَةِ عَامِلًا كَانَ مِنْ أَعَزِّ النَّاسِ عِنْدَ النَّاسِ ، وَأَغْنَاهُمْ بِاَللَّهِ ، وَمَنْ هَابَ اللَّهَ فِي السَّرِيرَةِ هَابَهُ النَّاسُ فِي الْعَلَانِيَةِ ، وَبِقَدْرِ مَا يَسْتَحْيِ الْعَبْدُ مِنْ اللَّهِ فِي الْخَلْوَةِ يَسْتَحِي النَّاسُ مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ ، وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ تَكُونَ مَحَبَّتُهُ فِي الْعَمَلِ بِالْحَسَنَاتِ سَتْرُهَا ، وَنِسْيَانُهَا فَإِنَّهُ سَيَحْفَظُهَا لَهُ مَنْ لَا يَنْسَاهَا وَيُحْصِي لَهُ مَثَاقِيلَ الذَّرِّ مِنْ عَمَلِهِ ، وَإِنْ ظَهَرَتْ الْحَسَنَاتُ فَلْيَعْرِفْ نَفْسَهُ ، وَلَا يَغُرَّنَّهُ ثَنَاءُ مَنْ جَهِلَهُ فَفَكِّرْ أَيُّهَا الْعَامِلُ فِي الْعَوَاقِبِ فَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ يُحِبَّك النَّاسُ أَوْ يَفْطِنُوا بِحَسَنَاتِك إذَا عَمِلْتهَا لِيُكْرِمُوك ، وَيُجِلُّوك فَقَدْ تَعَرَّضْت لِمَقْتِ اللَّهِ عَزَّ ، وَجَلَّ لَك .
وَيْحَك إنَّك إنْ أَسْقَطَكَ اللَّهُ سَقَطْت
فَلَا تَغْتَرَّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَإِنْ سَلِمَتْ لَك آخِرَتُك سَلِمَتْ لَك دُنْيَاك ، وَإِنَّ خُسْرَانَ الْآخِرَةِ خُسْرَانُ الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا ، وَمَنْ رَبِحَ الْآخِرَةَ رَبِحَهُمَا جَمِيعًا .
وَاعْلَمْ أَنَّك إنْ غَضِبْت عَلَى النَّاسِ فِي شَيْءٍ هُوَ لِنَفْسِك فَأَبْدَيْته لَهُمْ أَوْ لَمْ تُبْدِهِ لَهُمْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِك فَقَدْ تَعَرَّضْت لِغَضَبِهِ إذَا أَظْهَرْت أَنَّك إنَّمَا غَضِبْت لِنَفْسِك .
، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِك خَافِيَةٌ ، وَلَيْسَ الْفَرْقُ بَيْنَ غَضَبِك عَلَيْهِمْ ، وَبَيْنَ سُرُورِكَ بِهِمْ ، وَفَرَحِكَ بِثَنَائِهِمْ عَلَيْك بِحَسَنَاتِك ، وَأَنْتَ تُرِيدُ ثَوَابَهَا مِنْ رَبِّك لَقَدْ اُبْتُلِيَتْ أَيُّهَا الْعَبْدُ بِحَسَنَاتِك ، وَعَظُمَ فِيهَا بَلَاؤُك ، وَلَعَلَّهَا أَضَرُّ عَلَيْك مِنْ بَعْضِ سَيِّئَاتِك فَإِنْ بَلَغَ بِك الْبَلَاءُ أَنْ تَفْرَحَ إذَا مَدَحُوكَ بِغَيْرِ عَمَلِك أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِك فَقَبِلَهُ قَلْبُك أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَك ثُمَّ تَصِيرُ إلَى حَالِ حُبِّ مَجِيءِ الْإِخْوَانِ إلَيْك فِي أَوْقَاتِ الْأَعْمَالِ فَتَفْرَحُ ، وَإِنْ أَتَوْك فِي وَقْتِ فَرَاغِك غَمَّك ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ سَائِلُك عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَتُظْهِرُ مِنْك الْحُزْنَ ، وَتُوهِمُ النَّاسَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِالْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْك تَصَنُّعٌ تُحِبُّ أَنْ يَحْمَدُوك عَلَى ذَلِكَ فَأَنْتَ إذَنْ قَدْ هَلَكْت مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَخَفْ اللَّهَ فِي سَرَّاءِ نَفْسِك ، وَعَلَانِيَتِهَا ، وَاحْتَقِرْ حَسَنَاتِك جَهْدَك ، وَاسْتَكْثِرْ مِنْهَا مَا اسْتَطَعْت حَتَّى يَعْظُمَ قَدْرُكَ عِنْدَ اللَّهِ ، وَتَعْظُمَ حَسَنَاتُك ، وَاسْتَكْبِرْ صَغِيرَ ذَنْبِك حَتَّى يَصْغُرَ عِنْدَ اللَّهِ ، وَخَفْ مِنْ صَغِيرِ ذُنُوبِك أَنْ يُحْبِطَ اللَّهُ بِهِ عَمَلَك كُلَّهُ ، وَارْجُ بِحَسَنَاتِك أَنْ يَمْحُو اللَّهُ بِهَا عَنْك كُلَّ سَيِّئَةٍ عَمِلْتهَا فَارْجُ حَسَنَاتِك ، وَخَفْ سَيِّئَاتِك { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ }
، وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْرِفَ عَجْزَهُ ، وَضَعْفَهُ فَيَقْطَعُ سَبَبَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَرْجِعُ إلَى الْعِزِّ ، وَالْمَنْعَةِ ، وَيَتَوَجَّهُ إلَى الْمَلِكِ الْقَادِرِ عَلَى مَا يُرِيدُ بِالِاعْتِصَامِ ، وَالتَّوَكُّلِ ، وَالِاسْتِصْغَارِ ، وَالِانْتِصَارِ بِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ فَيَجِدُ عِنْدَ ذَلِكَ الْعِزَّ ، وَالرَّوْحَ ، وَالْفَرَجَ وَالْمَنْعَةَ ، وَيُفَوِّضُ أَمْرَهُ إلَى الْمَلِكِ الْجَبَّارِ فَمَا اخْتَارَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ رَضِيَ بِهِ ، وَسَلَّمَ فَإِنْ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ غَمٌّ أَوْ رَوْعٌ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ بَلْوَى مِنْ اللَّهِ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ بِالِانْكِسَارِ ، وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ ؛ لِمَا فَرَّطَ مِنْهُ ، وَيَطْلُبُ الرَّوْحَ ، وَالْفَرَجَ بِالتَّقْوَى ، وَهُوَ اسْتِمَاعُ الْعَبْدِ إلَى قَوْلِ رَبِّهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَعَلَهُ ، وَمَا نَهَاهُ عَنْهُ تَرَكَهُ حَتَّى تَكُونَ كُلُّهَا مَجْمُوعَةً لَهُ فِي رَوْضَةٍ وَاحِدَةٍ .
فَانْظُرْ يَا أَخِي ، وَلَا تَدَعْ مَا فِيهِ الْمَخْرَجُ إلَّا خَرَجْت مِنْهُ ، وَمَا كَانَ مِمَّا فَرَطَ مِنْك مِمَّا لَا حِيلَةَ فِيهِ إلَّا النَّدَمُ ، وَالِاسْتِغْفَارُ فَانْدَمْ عَلَيْهِ نَدَمًا صَحِيحًا بِالْقَلَقِ مِنْك ، وَالِاضْطِرَابِ فِي حَضْرَةِ اللَّهِ ، وَالِاجْتِهَادِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَيَّامِ ، وَهُجُومِ الْمَوْتِ عَلَيْك ، وَأَكْثِرْ مَعَ النَّدَمِ الصَّحِيحِ ذِكْرَ مَا نَدِمْتَ عَلَيْهِ ، وَلَا تَفْتُرْ عَمَّا أَمْكَنَك مِنْ الِاسْتِغْفَارِ ثُمَّ عَلَيْك بَعْدُ بِالتَّخَلُّصِ مِنْ الْعَائِقِ الَّذِي يَشْتَغِلُ عَنْ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ حَتَّى تَكُونَ مُؤْثِرًا لِلَّهِ عَلَى مَا سِوَاهُ ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ إلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ دَلَالَاتِ الْعُقُولِ ، وَالْعُلُومِ تَأْسِيسَ التَّقْوَى فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَارَ الْعَبْدُ حَيَّ الْقَلْبِ قَابِلًا لِلْمَوْعِظَةِ مُعَظِّمًا ؛ لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مُصَغِّرًا ؛ لِمَا صَغَّرَ اللَّهُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَحْيَا قَلْبَهُ بِالْعِلْمِ ، وَالْعَمَلِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحْيَا قَلْبَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَلْفَ مَرَّةٍ ، وَيَكُونُ بَيْنَ الْحَيَاةِ ،
وَالْحَيَاةِ مَوْتَةٌ لَخِفْتُ عَلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ حَيَاتُهُ دَائِمَةً تَمُوتُ بِهِ خَوَاطِرُ نَفْسٍ لَيْسَ لَهَا قَرَارٌ ، وَالْخَاطِرُ إذَا صُرِمَ أَصْلُهُ ، وَقُطِعَ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحُزْنُ ، وَالْبُكَاءُ فَلَا يَكُونُ مَسْرُورًا بِالْعَارِضِ ، وَلَا مَشْغُولًا بِالنِّعْمَةِ عَنْ الْمُنْعِمِ فَهَذَا سَبِيلُ النَّجَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْعَبْدِ رَوْعٌ ، وَغَمٌّ عِنْدَ الْخَاطِرِ فَهُوَ مَيِّتٌ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلَى التَّقْوَى ، وَالْإِخْلَاصِ ، وَالصِّدْقِ ، وَالتَّخَلُّصِ مِمَّا يَكْرَهُ الرَّبُّ ، وَالْحَيَاءُ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْعِلْمِ الْمَفْهُومِ فَإِذَا عَلِمَ ، وَفَهِمَ الْعِلْمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ قَبِلَ الْمَوْعِظَةَ لِنُصْحِهِ بِتَعْظِيمِهِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ ، الْقَلْبُ الْحَيُّ تَكْفِيهِ غَمْزَةٌ فَيَنْتَبِهُ ، وَالْقَلْبُ الْمَيِّتُ لَوْ قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ لَمْ يَنْتَبِهْ ، وَلَمْ يَحْيَى ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ، وَجَلَّ يَقُولُ { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } ، وَذَلِكَ لِمَنْ قَبِلَ ، وَأَجَابَ الدَّاعِيَ ، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمَوْعِظَةَ ، وَلَمْ يُجِبْ الدَّاعِيَ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ عَزَّ ، وَجَلَّ { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ، وَمَا يَشْعُرُونَ } ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ فَقَدْ حَيِيَ بِعِلْمِهِ أَنَّهُ مَيِّتٌ ، وَلَا يَنْفَعُهُ الْعِلْمُ إلَّا بِالْقَبُولِ ، وَإِيثَارِ الرَّبِّ عَلَى هَوَاهُ فَمَنْ كَانَ مُقِرًّا بِأَنَّهُ عَاصٍ ، وَلَيْسَ يَتَحَوَّلُ ، وَلَيْسَ مَعَهُ الرَّوْعُ ، وَالْغَمُّ الشَّدِيدُ ، وَهُوَ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي لَيْسَ يَرْضَاهَا ، وَلَا يُبَادِرُ بِالتَّوْبَةِ ، وَالتَّطْهِيرِ فَهُوَ مَيِّتٌ ، وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَحْيَا بِالتَّوْبَةِ ، وَيَرْجِعُ إلَى الرَّغْبَةِ ، وَالرَّهْبَةِ ، وَالطَّاعَةِ .
وَمَنْ أَرَادَهُ اللَّهُ وَفَّقَهُ ، وَنَبَّهَهُ مِنْ الزَّلَّةِ ، وَأَيْقَظَهُ مِنْ الْغَفْلَةِ ، وَإِنَّمَا هَذِهِ كُلُّهَا مَوَارِيثُ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى ، وَطُولُ الْأَمَلِ .
وَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ يَبْتَغِي
لِنَفْسِهِ طَاعَةَ رَبِّهِ أَنْ يَرْجُوَ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِ مِنْ الْبِرِّ ، وَيَتَّهِمَ مَا خَفَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الصِّدْقِ يُثْقِلُ خَفِيفَ الْعَمَلِ ، وَالْكَذِبُ مِنْ النِّيَّةِ فِي الْعَمَلِ يُخَفِّفُ ثَقِيلَ الْعَمَلِ ، وَقَلِيلُ الصِّدْقِ أَوْزَنُ ، وَأَرْجَحُ مِنْ كَثِيرِ الْكَذِبِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ إرَادَتَك الْعَمَلَ عَمَلٌ فَانْظُرْ فِي إرَادَتِك حَتَّى يَصِحَّ لَك عَمَلُك ، وَيَرَاك اللَّهُ لِنِيَّتِك طَالِبًا ، وَلَهَا مُصَحِّحًا كَمَا يَرَاك فِي عَمَلِك مُخْلِصًا فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ .
وَاعْلَمْ أَنَّك إنْ ظَفِرْت بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ مَعَ قَلِيلِ الْعَمَلِ رَبِحْت عَمَلَك ، وَظَفِرْت بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِك ، وَاعْلَمْ أَنَّ عَدُوَّك يَنْظُرُ إلَى ابْتِدَاءِ نِيَّتِك ، وَابْتِدَاءِ عَمَلِك ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْك سَقَمُ نِيَّتِك كَمَا يَخْفَى عَلَيْك سَقَمُ غَيْرِك فَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُك سَقِيمَةً فَقُمْ عَلَى تَصْحِيحِهَا فَإِنَّ الْعَمَلَ تَابِعٌ لِلنِّيَّةِ إنْ صَحَّتْ صَحَّ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَدُوَّ إذَا رَأَى فِي نِيَّتِك سَقَمًا رَغَّبَك فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَلَمْ يُثْقِلْهُ عَلَيْك بَلْ يُخَفِّفْهُ عَلَيْك مَخَافَةَ أَنْ يُقْنِطَك بِالسَّقَمِ ، وَوَدَّ حِينَئِذٍ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَحَبُّوك فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَمَدَحُوك إذَا ظَفِرَ مِنْك بِسَقَمِ النِّيَّةِ ، وَيَزِيدُك قُوَّةً ، وَنَشَاطًا فِي عَمَلِك ، وَيُحَسِّنُهُ عِنْدَك ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ ، وَيُحَبِّبُهُمْ إلَيْك فَكُلَّمَا أَثْنَوْا عَلَيْك اسْتَحْلَيْت عَمَلَك ، وَخَفَّ عَلَيْك ، وَقَدْ سَتَرَ عَنْك دَاءَ الْحَسَنَاتِ ، وَدَاءَ السَّيِّئَاتِ ، وَمِنْ دَاءِ الْحَسَنَاتِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُك مِنْ تَرْكِهَا إلَّا مَخَافَةَ أَنْ تَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ رِبْحَهُ مِنْك إذَا سَقِمَتْ نِيَّتُك أَكْثَرُ مِنْ رِبْحِهِ مِنْك إذَا أَحْبَبْت الدُّنْيَا ، وَاتَّسَعْتَ مِنْهَا ، وَمِنْ دَاءِ السَّيِّئَاتِ سَقَمُ نِيَّتِك ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا أَفْسَدَ الْحَسَنَاتِ أَوَّلًا بِسَقَمِ النِّيَّةِ ، وَرُبَّمَا أَفْسَدَهَا آخِرًا بِتَعْظِيمِ النَّاسِ لَك فَإِذَا
عَلِمَ أَنَّك لَا تُحِبُّ ذَلِكَ ، وَلَمْ تُجِبْهُ إلَى مَعْصِيَةٍ خَلَّاك ، وَذَاكَ فَاحْذَرْ عَلَى عَمَلِك كُلِّهِ مِنْ حِيلَةِ الْخَبِيثِ ، وَإِذَا رَأَيْت الْعَمَلَ قَدْ خَفَّ فَكُنْ أَشَدَّ مَا تَكُونُ لَهُ حَذَرًا إذَا خَفَّ عَلَى نَفْسِك الْعَمَلُ فَهُوَ أَفْسَدُ مَا يَكُونُ إذَا صَحَّ عِنْدَك .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَعْرَفُ بِك ، وَبِمَا تَهْوَاهُ نَفْسُك مِنْك ، وَلَا تَدَعْ الْعَمَلَ مِنْ أَجْلِ آفَتِهِ ، وَلَكِنْ اعْمَلْ بِنِيَّةٍ ، وَصِحَّةٍ ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ ، وَكُنْ حَذِرًا طَالِبًا لِلْخَلَاصِ كَارِهًا مُعَانِدًا لِفَسَادِ الْعَمَلِ لَا تُرِيدُ الثَّوَابَ إلَّا مِنْ اللَّهِ ، وَحْدَهُ ، وَطَلَبِ الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَلَا تَعْمَلْ لِيُعْطِيَك فِي الدُّنْيَا ثَوَابًا فَإِنَّ الَّذِي قَدَّرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَصِلَ إلَيْك مِنْ رِزْقٍ أَوْ أَجْرٍ أَوْ ثَنَاءٍ فَإِنَّهُ صَائِرٌ إلَيْك فَعَلَيْك بِالصِّدْقِ ، وَاِتَّخِذْهُ ذُخْرًا لِيَوْمٍ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ .
وَانْظُرْ إذَا صَحَّ عَمَلُك عِنْدَك فَكُنْ أَخْوَفَ مَا يَكُونُ مِنْ فَسَادِهِ ، وَلَا تَأْمَنْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ فَتُفْسِدُهُ فَإِنَّ آفَةَ الْعَمَلِ الْأَمْنُ عَلَيْهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْنَ عَلَى الْحَسَنَاتِ أَضَرُّ عَلَيْهَا مِنْ السَّيِّئَاتِ ، وَالْأَمْنَ عَلَى السَّيِّئَاتِ أَضَرُّ عَلَيْك مِنْ السَّيِّئَاتِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ أَمْنَك عَلَى الْحَسَنَةِ أَحَبُّ إلَى إبْلِيسَ مِنْ السَّيِّئَةِ ، وَقُنُوطَك بَعْدَ السَّيِّئَةِ أَحَبُّ إلَى إبْلِيسَ مِنْ السَّيِّئَةِ ، وَاسْتِصْغَارَك لِسَيِّئَةٍ كَبِيرَةٍ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ سَيِّئَةٍ بَعْدَ سَيِّئَةٍ ، وَاسْتِصْغَارَك لِسَيِّئَةٍ أَرَدْتَهَا ثُمَّ تَرَكْتهَا أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ كَبِيرَةٍ عَمِلْتهَا ثُمَّ اسْتَغْفَرْت مِنْهَا لِعِظَمِهَا عِنْدَك فَافْهَمْ مَا أُلْقِيَ إلَيْك مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَاحْذَرْهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ إبْلِيسَ الْخَبِيثَ يُجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ مَدْحَ الصَّادِقِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ صِدْقَهُ ، وَيَزِيدُ الْكَاذِبَ فِي عَمَلِهِ قُوَّةً حَتَّى يُسَوِّي بَيْنَ الصَّادِقِ ، وَالْكَاذِبِ فَاحْذَرْ تَجْدِيدَ الْقُوَّةِ فِي الْعَمَلِ عِنْدَ تَجْدِيدِ الْمَدْحِ ==============ج9999999999======
ج9.كتاب : المدخل للْعَبْدَرِيُّ
المؤلف : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَبْدَرِيُّ
فَإِنَّ لَهُ سَطْوَةً ، وَسُلْطَانًا يَزِيدُ الْكَاذِبَ كَذِبًا ، وَيُفْسِدُ عَلَى الصَّادِقِ صِدْقُهُ فَلَا تُظْهِرْ الْخَوْفَ مِنْ قَلْبِك ، وَلَا تُظْهِرْ قِلَّةَ الْخَوْفِ فَإِنَّ إظْهَارَ قِلَّةِ الْخَوْفِ هُوَ مِنْ قِلَّةِ الْخَوْفِ ، وَهَذَا بَابٌ فِيهِ فَسَادُ الْعَمَلِ كَبِيرٌ ، وَهُوَ رِيَاءٌ فِيهِ لُطْفٌ ، وَلَهُ حَلَاوَةٌ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ ، وَاحُزْنَاه عَلَى الْحُزْنِ ، وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَخَافُ ، وَاحُزْنَاه عَلَى الْأَحْزَانِ فَإِنَّ هَذِهِ أَشْيَاءُ مِنْ دَقَائِقِ مَدَاخِلِ إبْلِيسَ ، وَاَللَّهُ سَائِلُكَ عَنْ بُكَائِكَ ، وَإِظْهَارِكَ الْخَوْفَ ، وَالْحُزْنَ ، وَإِظْهَارِكَ أَنَّك لَسْت بِحَزِينٍ ، وَإِظْهَارِك أَنَّك لَا تَخَافُ ، وَمَا تُظْهِرُ مِنْ الِانْكِسَارِ ، وَالتَّوَاضُعِ ، وَإِظْهَارِك الْهَمَّ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَذَمِّك نَفْسَك ، وَمَاذَا أَرَدْت بِذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلِإِبْلِيسَ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ مَذَاهِبُ تَلْتَبِسُ عَلَى كَثِيرِ مِنْ النَّاسِ ، وَهِيَ تُنْسَبُ إلَى خُشُوعِ النِّفَاقِ فَإِنْ كُنْت صَادِقًا فِيهَا فَاحْذَرْ إبْلِيسَ عِنْدَهَا ، وَفِي وَقْتِهَا حَذَرًا شَدِيدًا ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
وَانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ احْتِمَالُك إذَا قَالَ لَك غَيْرُك : مَا تَقُولُهُ أَنْتَ لِنَفْسِك مِنْ الذَّمِّ ، وَالْوَقِيعَةِ فِيهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَك عِنْدَ ذَلِكَ أَصَادِقٌ أَنْتَ فِي فِعْلِك أَمْ كَاذِبٌ ؟ فَإِذَا كَانَ بَاطِنُك كَظَاهِرِك لَمْ تُبَالِ كَيْفَ كَانَ أَمْرُك ، وَقُمْ عَلَى بَاطِنِك أَشَدَّ مِنْ قِيَامِك عَلَى ظَاهِرِك فَإِنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ اللَّهُ مُطَّلِعٌ فَنَظِّفْهُ ، وَزَيِّنْهُ لِيَنْظُرَ اللَّهُ إلَيْهِ أَشَدَّ مَا تُزَيِّنُ ظَاهِرَك لِنَظَرِ غَيْرِهِ فَافْهَمْ مَا أَقُولُ لَك بِعِنَايَةٍ مِنْك ، وَقَبُولٍ .
وَاعْلَمْ أَنَّ فَرَائِضَ جَوَارِحِك إنَّمَا تَقُومُ بِفَرَائِض قَلْبِك ، وَاعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ ، وَالصِّدْقَ ، وَالْإِخْلَاصَ فَرِيضَةٌ تُقَامُ بِهَا الْفَرَائِضُ ، وَتَنْبَنِي عَلَيْهَا الْأَعْمَالُ ، وَتَرْكُ الذُّنُوبِ فَرِيضَةٌ فَكُلُّ أَمْرٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ فَهُوَ مَرْدُودٌ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِمَعَاصِيهِ { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ
لُحُومُهَا ، وَلَا دِمَاؤُهَا ، وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ الْإِرَادَةَ لَهُ بِالْإِيمَانِ ، وَالْأَعْمَالُ يُرَادُ بِهِمَا وَجْهُهُ فَأَصَابَ الْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ بِنِيَّتِهِ الْفَرِيضَتَيْنِ جَمِيعًا الظَّاهِرَةَ ، وَالْبَاطِنَةَ ، وَاعْلَمْ أَنَّك إنْ عَمِلْت بِمَا ، وَصَفْتُ لَك ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيْك الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا عَلَى أَنْ تُظْهِرَ حَسَنَاتِك أَوْ تُرَائِيَ بِهَا مَا فَعَلْت .
، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرِيدَ فِي تَرْكِ الْمَيْتَةِ يَخَافُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَشْبَعَ مِنْهَا ، وَيَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَنَالَ مِنْهَا ، وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا ، وَيَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَدَّخِرَ مِنْهَا ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فَهُوَ يَخَافُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَعْصِيَهُ فِيمَا أَحَلَّهُ لَهُ ، وَيَخَافُ أَنْ يَشْبَعَ مِمَّا أَبَاحَهُ لَهُ .
فَمَنْ قَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ مِنْ الزُّهْدِ فِيهَا ، وَأَقَامَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا الَّتِي فِي الدُّنْيَا مَقَامَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّمَا يَنَالُ مِنْهَا الْبُلْغَةَ عِنْدَمَا اُضْطُرَّ إلَيْهَا ، وَيَخَافُ مِنْ اللَّهِ إنْ تَرَكَ أَخْذَ تِلْكَ الْبُلْغَةِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ أَنْ يُعَذَّبَ عَلَى تَرْكِهَا كَمَا يَخَافُ أَنْ يُعَذَّبَ عَلَى أَخْذِ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَامَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا إنَّمَا هُوَ بِالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَك اللَّهُ بِهِ ، وَالِانْتِهَاءُ عَمَّا نَهَاك اللَّهُ عَنْهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَقْلِك أَنْ تَأْخُذَ مَيْتَةً فَتُخَزِّنَهَا ، وَلَا إنْ فَاتَتْ حَزِنْت عَلَيْهَا ، وَلَا إنْ وَجَدْتهَا فَرِحْتَ بِهَا ؛ لِأَنَّك مِنْهَا عَلَى مَقْتٍ لَهَا بِمَا تَقَذَّرَ مِنْك لَهَا فَإِذَا خِفْتَ مِنْهَا أَنْ تَنَالَهَا نَفَيْتَ الْمَخَافَةَ الَّتِي حَلَّتْ بِقَلْبِك حَلَاوَتُهَا ، وَهِيَ الدُّنْيَا فَتَجْتَزِئُ مِنْهَا بِمَا أَقَامَ صُلْبَكَ ، وَأَدَّيْت بِهِ فَرْضَك ، وَدَعْ مَا سِوَى ذَلِكَ يُكَابِدُهُ غَيْرُك ، وَاَلَّذِي تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا يَسِيرُهَا ، وَهُوَ مَا تَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَك ، وَتُقِيمُ بِهِ صُلْبَك لِأَدَاءِ فَرَائِضِك ، وَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ
فَهُوَ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمُنْتَهَى طَلَبِ الْآخِرَةِ تَرْكُ الدُّنْيَا ، وَمُنْتَهَى طَلَبِ الدُّنْيَا جَمْعُ مَا أَحْبَبْت مِنْ الدُّنْيَا فَإِذَا رَأَيْت نَفْسَك تَأْنَسُ بِقُرْبِ الدِّينَارِ ، وَالدِّرْهَمِ ، وَتَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِمَا فَاعْلَمْ أَنَّك مُحِبٌّ لِلدُّنْيَا ، وَمَنْ كَانَ مُحِبًّا لِلدُّنْيَا فَهُوَ قَالٍ لِلْآخِرَةِ .
انْتَهَى
فَصْلٌ فِي الصِّدْقِ ، وَالْعَقْلِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يُحْتَرَزُ بِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّمَا هُوَ الصِّدْقُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالصِّدْقُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِشَأْنِهِمَا ، وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ فِيهِ غُنْيَةٌ عَنْ غَيْرِهِ ، وَبَيَانٌ تَامٌّ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ وَاعْلَمْ يَا أَخِي عِلْمًا يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الصَّادِقَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ ، وَلَا يَأْلُوهُمْ نُصْحًا فِي ارْتِيَادِهِ لَهُمْ فَإِنَّ أَخَاك مَنْ صَدَقَكَ ، وَنَصَحَك ، وَإِنْ خَالَفَ صِدْقُهُ ، وَنُصْحُهُ هَوَاك ، وَإِنَّ عَدُوَّك مَنْ كَذَبَك ، وَغَشَّك ، وَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ هَوَاكَ ، وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنِّي لَمَّا أَطَلْتُ الْفِكْرَةَ ، وَصَحَّحْتُ فِي ذَلِكَ النَّظَرَ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بَارِئُ النَّسَمِ ، وَوَلِيُّ النِّعَمِ ، وَمَالِكُ الْأُمَمِ لَمْ يَخْلُقْنِي ، وَإِيَّاكَ عَبَثًا ، وَلَا هُوَ تَارِكِي ، وَإِيَّاكَ سُدًى ، وَأَنَّ لِي ، وَلَك مَعَادًا نَقِفُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ لِلْحُكْمِ بَيْنَنَا ، وَلِلْفَصْلِ فِينَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْنِي وَإِيَّاكَ حِينَ خَلَقَنَا لِهَزْلٍ ، وَلَا لِلَعِبٍ ، وَلَا لِفَنَاءٍ دَائِمٍ ، وَإِنَّمَا خَلَقَنَا لِبَقَاءِ الْأَبَدِ ، وَدَوَامِ النِّعَمِ فِي جِوَارِهِ ، وَجِوَارِ مَلَائِكَتِهِ ، وَأَنْبِيَائِهِ ، أَوْ فِي الشَّقَاءِ الدَّائِمِ لِلْأَبَدِ فَالْعَاقِلُ مُتَيَقِّظٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ مُسْتَعِدٌّ لِمَا هُوَ صَائِرٌ إلَيْهِ فَانْتَبَهَ مِنْ رَقْدَتِهِ ، وَأَفَاقَ مِنْ سَكْرَتِهِ فَعَمِلَ ، وَجَدَّ ، وَأَبْصَرَ فَزَجَرَ النَّفْسَ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ الْخَاذِلَةِ الْخَادِعَةِ الزَّائِلَةِ الَّتِي قَدْ ، وَلَّتْ بِخُدْعَتِهَا ، وَفَتَنَتْ بِغُرُورِهَا ، وَشَوَّقَتْ بِحُطَامِهَا فَلَمَّا عَرَفَهَا الْعَاقِلُ الْكَيِّسُ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا زَهِدَ فِيهَا ، وَرَغِبَ فِي دَارِ الْبَقَاءِ ، وَالسُّرُورِ ، وَتَقَرَّبَ إلَى مَالِكِ الدَّارِ بِجَمِيعِ مَا يُحِبُّ مِمَّا يُطِيقُ التَّقَرُّبَ بِهِ إلَيْهِ ، وَرَتَّبَ بِبَابِهِ ، وَأَمَّا الْمُغْتَرُّ
بِالدُّنْيَا الْمُؤْثِرُ لِهَوَاهُ فِيهَا فَهُوَ مُعْتَنِقُهَا .
أَيُّهَا الْمَيِّتُ عَنْ قَرِيبٍ ، وَالْمَبْعُوثُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى دَارِ الْمُقَامَةِ الْمَسْئُولُ عَنْ إقْبَالِهِ ، وَإِدْبَارِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا الْمَوْقُوفُ عَنْ قَلِيلٍ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ الَّذِي لَا يَجُورُ هَلْ أَعْدَدْتَ لِذَلِكَ الْمَوْقِفِ حُجَّةً تُدَافِعُ عَنْك أَوْ أَعْدَدْتَ لِلسُّؤَالِ جَوَابًا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } فَإِيَّاكَ يَا أَخِي ، وَالنُّزُولَ بِمَحَلَّةِ الْمَخْدُوعِينَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ السَّيِّدَ الْكَرِيمَ نِعَمُهُ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى ، وَأَنَّ عَطَايَاهُ كَثِيرَةٌ لَا تُجَازَى ، وَأَنَّ مَوَاهِبَهُ كَثِيرَةٌ لَا تُكَافَأُ ، وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنِّي لَمْ أَرَ نِعْمَةً مُتَقَدِّمَةً مِنْ اللَّهِ عَزَّ ، وَجَلَّ لِخَلْقِهِ أَفْضَلَ مِنْ نِعْمَةِ الْعَقْلِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ دَلَالَةً لِخَلْقِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَالْوُصُولَ بِهَا إلَى مَحْضِ الْإِيمَانِ بِهِ ، وَاَلَّذِي أَطْلَعَهُمْ اللَّهُ بِهِ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمِهِ حَتَّى وَرِثُوا الْبَصَائِرَ ، وَنَفَوْا بِهِ خَاطَرَ الشَّكِّ ، وَكَابَدُوا ، وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ ، وَمَعَارِيضَ فِتْنَتِهِ ، وَاسْتَضَاءُوا بِنُورِ الْعُقُولِ فِي طَرِيقِ حَيْرَتِهِمْ فَتَجَنَّبُوهَا ، وَخَرَجُوا مِنْ ظُلْمِ الشَّكِّ ، وَاعْتَقَدُوا بِهَا مَعْرِفَةَ اللَّهِ ، وَالْإِيمَانَ بِهِ ، وَالْإِخْلَاصَ ، وَالتَّوْحِيدَ ، وَأَفْرَدُوا اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ ، وَالْعَظَمَةِ ، وَالْكِبْرِيَاءِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ اللُّبِّ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى خَلْقِ أَنْفُسِهِمْ ، وَعَلَى خَلْقِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ، وَأَنَّهُمْ مَوْسُومُونَ بِسِمَةِ الْفِطْرَةِ ، وَآثَارِ الصَّنْعَةِ ، وَالنَّقْصِ ، وَالزِّيَادَةِ مَعَ تَغْيِيرِ الْأَحْوَالِ فَأَوَّلُ ابْتِدَاءِ اللَّهِ لَهُمْ أَنْ وَهَبَ لَهُمْ الْعُقُولَ الَّتِي بِهَا وَصَلُوا إلَى الْإِيمَانِ ، وَبِالْإِيمَانِ وَصَلُوا إلَى نُورِ الْيَقِينِ ، وَبِنُورِ الْيَقِينِ وَصَلُوا إلَى خَالِصِ التَّفَكُّرِ ، وَبِخَالِصِ
التَّفَكُّرِ وَصَلُوا إلَى اسْتِقَامَةِ الْقُلُوبِ ، وَبِاسْتِقَامَةِ الْقُلُوبِ وَصَلُوا إلَى الصِّدْقِ فِي الْأَعْمَالِ ، وَإِخْلَاصِهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَوَرَّثَهُمْ ذَلِكَ الْبَصَائِرَ فِي قُلُوبِهِمْ فَوَضَحَتْ الْحِكْمَةُ فِي صُدُورِهِمْ ، وَجَرَتْ يَنَابِيعُهَا عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فَهَجَمُوا بِفَطِنِ قُلُوبِهِمْ عَلَى غَوَامِضِ الْغُيُوبِ ، وَالْإِرَادَةِ ، وَالْإِخْلَاصِ الَّذِي رُكِّبَ فِيهِمْ ، وَأَدْرَكُوا بِصَفَاءِ يَقِينِهِمْ غَائِصَ الْفَهْمِ ، وَأَدْرَكُوا بِغَائِصِ فَهْمِهِمْ الْعِلْمَ الْمَحْجُوبَ فَعَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ ، وَسَلَّمُوا إلَيْهِ الْخَلْقَ ، وَالْأَمْرَ فَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ مَعَادِنَ لِصَفَاءِ الْيَقِينِ ، وَبُيُوتًا لِلْحِكْمَةِ ، وَتَوَابِيتَ لِلْعَظَمَةِ ، وَخَزَائِنَ لِلْقُدْرَةِ ، وَيَنَابِيعَ لِلْحِكْمَةِ فَهُمْ بَيْنَ الْخَلَائِقِ مُقْبِلُونَ ، وَمُدْبِرُونَ ، وَقُلُوبُهُمْ تَجُولُ فِي الْمَلَكُوتِ ، وَتَتَلَذَّذُ فِي حُجُبِ الْغُيُوبِ ، وَتَخْطُرُ فِي طُرُقَاتِ الْجَنَّاتِ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَظِيمُ الَّذِي مَنْ وَالَاهُ نِعَمَهُ أَغْنَاهُ .
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ مَنْ صَدَقَ اللَّهَ أَوْصَلَهُ إلَى الْجَوَلَانِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ بِقَلْبِهِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ بِطَرَفِ مَا قَدْ أَفَادَهُ السَّيِّدُ الْكَرِيمُ فَصَارَ قَلْبُهُ وِعَاءً لِخَيْرٍ لَا يَنْفَدُ ، وَعَجَائِبَ فِكْرٍ لَا تَنْقَضِي ، وَمَعَادِنَ جَوَاهِرَ لَا تَفْنَى ، وَبُحُورِ حِكْمَةٍ لَا تُنْزَحُ أَبَدًا ، وَمَعَ ذَلِكَ مَلَكُوا الْجَوَارِحَ ، وَالْأَبْدَانَ ، وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ فِي ابْنِ آدَمَ مُضْغَةً إنْ صَلُحَتْ صَلُحَ سَائِرُ جَسَدِهِ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ جَسَدِهِ ، وَهِيَ الْقَلْبُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلِسَانُهُ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَارَ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ مِلْكَيَّ الْبَدَنِ ، وَالْجَوَارِحِ ، وَالْقَلْبُ هُوَ الْمُسَلَّطُ عَلَى اسْتِخْدَامِهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَعْدِنُ الْعَقْلِ ، وَالْعِلْمِ ، وَالْعِنَايَةِ فَجَمِيعُ الْخَيْرِ ، وَالشَّرِّ مُسْتَوْدَعُ
الْقَلْبِ ، وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنِّي ، وَجَدْتُ اللِّسَانَ مُتَرْجِمًا عَنْ الْقَلْبِ إرَادَتَهُ ، وَذَخَائِرَ بَصَائِرِهِ ، وَوَجَدْتُ الذِّكْرَ جَلَاءً لِصَدَأِ الْقُلُوبِ ، وَتَيَقُّظًا مِنْ وَسَنِ الْأَفْئِدَةِ ، وَاعْلَمْ أَنِّي ، وَجَدْتُ الشُّكْرَ عَلَى مَنْ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِنُورِ الْعَقْلِ أَكْثَرَ ، وَالْحُجَّةَ عَلَيْهِ آكَدَ فَمِنْ هَاهُنَا أُلْزِمَ الْحُجَّةَ ، وَانْقَطَعَتْ الْمَعَاذِيرُ مَعَ الْأَعْذَارِ ، وَالْإِنْذَارِ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَيْنَا ، وَعَلَى أَهْل الْعُقُولِ مِنْ خَلْقِهِ ، وَمَا أَعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا أُتِيَ إلَّا مِنْ قِبَلِ تَضْيِيعِ الشُّكْرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَحَدٌ إلَّا ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِنِعْمَةِ الْعَقْلِ إلَّا قَلِيلٌ .
فَمِنْهُمْ مِنْ حَثَى لَهُ مِنْ الشُّكْرِ ، وَحَثَى عَلَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُعْطِيَ مِنْ الْعَقْلِ دُونَ ذَلِكَ فَشَكَرَ اللَّهَ عَلَى قَلِيلِ مَا أُعْطِيَ فَزَادَهُ اللَّهُ حَتَّى عَلَا فِي دَرَجَةِ الْعَقْلِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ النِّعْمَةَ فَلَمْ يَأْخُذْهَا بِشُكْرٍ فَنَقَصَ عَنْ دَرَجَةِ الْعَقْلِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ أَعْظَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النِّعْمَةَ فِي الْعَقْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شُكْرُهُ عَلَى قَدْرِ عَظِيمِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَقْلَ ، وَالْهَوَى ضِدَّانِ مُرَكَّبَانِ فِي الْعَبْدِ كَتَرْكِيبِ الْجَوَارِحِ ، وَهُمَا يَعْتَرِكَانِ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَأَيُّهُمَا غَلَبَ اسْتَعْلَى عَلَى صَاحِبِهِ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ فَكَانَتْ أَعْمَالُهُ كُلُّهَا بِالْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ تَبَعًا فَشَكَرَ الْعَبْدُ إذَا كَانَ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ عَقْلِهِ أَنْ يَتْبَعَ دَلَالَةَ عَمَلِهِ ، وَعَقْلِهِ فَيُؤْثِرُ دَلَالَتَهُمَا ، وَمَا يَدْعُوَانِ إلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ عَظِيمٌ عَلَى قَدْرِ مَا نَرَى مِنْ غَلَبَةِ الْهَوَى عَلَيْنَا ، وَاسْتِمْكَانِ الدُّنْيَا مِنْ قُلُوبِ عُلَمَائِنَا ، وَجُهَّالنَا فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنَّا كَذَلِكَ عَزَّ وُجُودُ الصِّدْقِ عَلَى كَثْرَةِ وُجُودِ مَعْرِفَتِهِ ، وَوَصْفِهِ ، وَقَلَّ الْعَمَلُ بِهِ ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ ، وَقَدْ
فَشَا الْكَذِبُ ، وَكَثُرَ الرِّيَاءُ ، وَالتَّزَيُّنُ لِلدُّنْيَا ، وَسُلُوكُ أَوْدِيَةِ الْهَوَى ، وَنُزُولُ أَوْدِيَةِ الْغَفْلَةِ .
وَلَا يُؤْمَنُ السَّبِيلُ أَنْ يَرْكَبَ عَلَى تِلْكَ الْغَفْلَةِ فَتَتْلَفُ النَّفْسُ ، وَأَنَّ الْهَوَى قَدْ قَامَ مَقَامَ الْحَقِّ يُعْمَلُ بِهِ ، وَيُقْضَى بِقَضَائِهِ ، وَيُحْكَمْ بِحُكْمِهِ وَقَامَ سُوءُ الْأَدَبِ ، وَالْمَكْرُ ، وَالْخَدِيعَةُ مَقَامَ الْعُقُولِ ، وَقَامَتْ الْمُدَاهَنَةُ مَقَامَ الْمُدَارَاةِ ، وَقَامَ الْغِشُّ مَقَامَ النُّصْحِ ، وَقَامَ الْكَذِبُ مَقَامَ الصِّدْقِ ، وَقَامَ الرِّيَاءُ مَقَامَ الْإِخْلَاصِ ، وَقَامَ الشَّكُّ مَقَامَ الْيَقِينِ ، وَقَامَتْ التُّهْمَةُ مَقَامَ الثِّقَةِ ، وَقَامَ الْأَمْنُ مَقَامَ الْخَوْفِ ، وَقَامَ الْجَزَعُ مَقَامَ الصَّبْرِ ، وَقَامَ السُّخْطُ مَقَامَ الرِّضَا ، وَقَامَ الْجَهْلُ مَقَامَ الْعِلْمِ ، وَقَامَتْ الْخِيَانَةُ مَقَامَ الْأَمَانَةِ فَصَارَ مِنْ قِلَّةِ الْأَكْيَاسِ لَا تُعْرَفُ الْحَمْقَى ، وَمِنْ قِلَّةِ أَهْلِ الصِّدْقِ لَا يُعْرَفُ أَهْلُ الْكَذِبِ إلَّا عِنْدَ أَهْلِ الْفَهْمِ ، وَالْعَقْلِ ، وَالْبَصِيرَةِ فَاعْتَدَلَ النَّاسُ فِي قُبْحِ السَّرِيرَةِ ، وَقِلَّةِ الِاسْتِقَامَةِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ حِيلَ بَيْنَنَا ، وَبَيْنَ النَّقْصِ الَّذِي نَكْرَهُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا ، وَحِيلَ بَيْنَنَا ، وَبَيْنَ أَنْ نَدْخُلَ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي نُحِبُّهَا لِأَنْفُسِنَا عُقُوبَةً لِقُبْحِ أَسْرَارِنَا فَجَرَيْنَا فِي مَيْدَانِ الْجَهْلِ ، وَغَلَبَ عَلَيْنَا سُكْرُ حُبِّ الدُّنْيَا فَنَحْنُ نَسْتَبِقُ فِي هَذَيْنِ السَّبِيلَيْنِ ، وَنَتَنَافَسُ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُمَا فَصَحَّ عِنْدِي أَنَّ مِنْ الْجَهْلِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالِاغْتِرَارِ بِهِ الْقِيَامَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَالسَّلَامَةُ مِنْهَا أَيْسَرُ ، وَأَقْرَبُ رُشْدًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ فِيهِ مَعَ التَّخَلُّصِ إلَى خُمُولِ الذِّكْرِ أَيْنَمَا كَانَ ، وَطُولِ الصَّمْتِ ، وَقِلَّةِ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّاسِ ، وَالِاعْتِصَامِ بِاَللَّهِ ، وَالْعَضِّ عَلَى الْكِسَرِ الْيَابِسَةِ ، وَمَا دَنُؤَ مِنْ
اللِّبَاسِ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا ، وَالتَّمَسُّكِ بِالْقُرْآنِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ ، وَانْتِظَارِ الْفَرْجِ ، وَاعْلَمْ أَنِّي قَدْ نَظَرْتُ بِبَحْثِ النَّفْسِ ، وَالْعِنَايَةِ بِهَا فَوَجَدْتُ غَفْلَتَنَا عَظِيمَةً ، وَخَطَرَنَا عَظِيمًا ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ الْخَطَرِ أَعْظَمُ مِنْ الْخَطَرِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْظُمُ الْخَطَرُ عِنْدَ أُولِي الْعُقُولِ فَكُلَّمَا عَظُمَ الْخَطَرُ ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ عَظِيمٌ ، وَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْبَصِيرَةِ حَرَّكَك عَظِيمُ الْخَطَرِ فَانْتَقَلْتَ مِنْ عَظِيمِ الْغَفْلَةِ إلَى حَالِ التَّيَقُّظِ ، وَلَا حَوْلَ ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الطَّمَعِ ، وَقُبْحِهِ .
وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْبَغِي لَك يَا أَخِي أَنْ لَا تَأْذَنَ لِقَلْبِك فِي اسْتِصْحَابِ مَا يَعْسُرُ عَلَيْك طَلَبُهُ ، وَتَخَافَ إطْفَاءَ نُورِ الْقَلْبِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَكُنْ فِي تَأْلِيفِ مَا بَيْنَك ، وَبَيْنَ اللَّهِ مَحْمُودَ الْعَاقِبَةِ ، وَاقْطَعْ أَسْبَابَ الطَّمَعِ فَيَسْتَرِيحَ قَلْبُكَ ، وَيَصِيرَ إلَى عِزِّ الْإِيَاسِ ، وَإِمَاتَةِ الطَّمَعِ فَيُسَدُّ عَلَيْك سَبِيلَ الْفَقْرِ ، وَيَسْكُنُ قَلْبُكَ عَنْ الْعَنَاءِ ، وَيَسْقُطُ عَنْك بِذَلِكَ الشُّغْلُ بِالْمَخْلُوقِينَ ، وَاسْتَجْلِبْ حَلَاوَةَ الزَّهَادَةِ بِقَصْرِ الْأَمَلِ ، وَقَطْعِهِ ، وَاطْلُبْ رَاحَةَ الْبَدَنِ بِإِجْمَاعِ الْقَلْبِ عَلَى عَدَمِ الشُّغْلِ بِرُؤْيَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَتَعَرَّضْ لِرِقَّةِ الْقَلْبِ بِدَوَامِ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الذِّكْرِ مِنْ أَهْلِ الْعُقُولِ ، وَالْمَعْرِفَةِ ، وَحُسْنِ الْأَدَبِ التَّارِكِينَ لِفُضُولِ الْكَلَامِ فَإِنَّ بِمُجَالَسَةِ هَؤُلَاءِ يَصْفُو الْقَلْبُ ، وَيَرِقُّ ، وَيَقْدَحُ فِيهِ النُّورُ ، وَتَجْرِي فِيهِ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ ، وَافْتَحْ بَابَ دَوَاعِي الْحُزْنِ إلَى قَلْبِكَ ، وَاسْتَفْتِحْ بَابَهُ بِطُولِ الْفِكْرِ ، وَاسْتَجْلِبْ الْفِكْرَ بِالتَّوَحُّشِ مِنْ النَّاسِ فَإِنَّ أَبْوَابَهَا فِي مَوَاطِنِ الْخَلَوَاتِ ، وَتَحَرَّزْ مِنْ إبْلِيسَ بِالْخَوْفِ الصَّادِقِ ، وَاسْتَعِنْ عَلَى ذَلِكَ بِمُخَالَفَةِ هَوَاك ، وَإِيَّاكَ ، وَالرَّجَاءَ الْكَاذِبَ فَإِنَّ التَّوَسُّعَ فِيهِ يُنْزِلُك بِمَحَلَّةِ الْمُصِرِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمَكْرِ ، وَالِاسْتِدْرَاجِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لِلرَّجَاءِ طُرُقًا تُؤَدِّي إلَى الْأَمْنِ ، وَالْغَفْلَةِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَتَّخِذَهُ مَطِيَّةً لِسَفَرِك ، وَتَخَلَّصْ يَا أَخِي إلَى عَظِيمِ الشُّكْرِ بِاسْتِكْثَارِ قَلِيلِ الرِّزْقِ مَعَ كَثِيرِ الرِّضَا بِذَلِكَ ، وَاسْتَقْلِلْ كَثِيرَ الطَّاعَةِ ، وَاسْتَجْلِبْ النِّعَمَ بِعَظِيمِ الشُّكْرِ ، وَاسْتَدْمِ عَظِيمَ الشُّكْرِ بِخَوْفِ زَوَالِ النِّعَمِ ، وَاطْلُبْ لِنَفْسِك الْعِزَّ بِإِمَاتَةِ الطَّمَعِ ، وَادْفَعْ ذُلَّ الطَّمَعِ بِعِزِّ الْإِيَاسِ ، وَاسْتَجْلِبْ عِزَّ الْإِيَاسِ بِبُعْدِ الْهِمَّةِ ، وَاسْتَعِنْ
عَلَى بُعْدِ الْهِمَّةِ بِقَصْرِ الْأَمَلِ ، وَبَادِرْهُ بِانْتِهَازِ النِّعْمَةِ عِنْدَ إمْكَانِ الْفُرْصَةِ خَوْفَ فَوَاتِ الْإِمْكَانِ ، وَلَا إمْكَانَ كَالْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ مَعَ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ ، وَاحْذَرْ التَّسْوِيفَ فَإِنَّ دُونَهُ مَا يَقْطَعُ بِك عَنْ بُغْيَتِك ، وَإِيَّاكَ يَا أَخِي ، وَالتَّفْرِيطَ عِنْدَ إمْكَانِ الْفُرْصَةِ فَإِنَّهُ مَيْدَانٌ يَجْرِي بِأَهْلِهِ بِالْخُسْرَانِ ، وَإِيَّاكَ ، وَالثِّقَةَ بِغَيْرِ الْمَأْمُونِ فَإِنَّ لِلشَّرِّ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الذِّئَابِ ، وَلَا سَلَامَةَ كَسَلَامَةِ الْقَلْبِ ، وَلَا عَمَلَ كَمُخَالَفَةِ الْهَوَى ، وَلَا مُصِيبَةَ كَمُصِيبَةِ الْعَقْلِ ، وَلَا عَدَمَ كَقِلَّةِ الْيَقِينِ ، وَلَا جِهَادَ كَجِهَادِ النَّفْسِ ، وَلَا غَلَبَةَ كَغَلَبَةِ الْهَوَى ، وَلَا قُوَّةَ كَرَدِّك الْغَضَبَ ، وَلَا مَعْصِيَةَ كَحُبِّ النِّفَاقِ وَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّ النِّفَاقِ ، وَلَا طَاعَةَ كَقِصَرِ الْأَمَلِ ، وَلَا ذُلَّ كَالطَّمَعِ - وَفَّقْنَا اللَّهُ ، وَإِيَّاكَ لِمَا إلَيْهِ دَعَانَا ، وَأَعَانَنَا ، وَإِيَّاكَ عَلَى اجْتِنَابِ مَا عَنْهُ نَهَانَا ، وَلَا حَوْلَ ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
فَصْلٌ فِي التَّزَيُّنِ .
وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْعُقُولُ مَعَادِنُ الدِّينِ ، وَالْعِلْمُ دَلَالَةٌ عَلَى أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ ، وَالْمَعْرِفَةُ دَلَالَةٌ عَلَى آفَاتِ الْأَعْمَالِ ، وَالْبَصَائِرُ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِبَارِ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ أَوْ اخْتِيَارِ مَوَارِدِهَا ، وَتَصْرِيفِ مَصَادِرِهَا ، وَالتَّزَيُّنُ اسْمٌ لِثَلَاثِ مَعَانٍ فَمُتَزَيِّنٌ بِعِلْمٍ ، وَمُتَزَيِّنٌ بِجَهْلٍ ، وَمُتَزَيِّنٌ بِتَرْكِ التَّزَيُّنِ ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا فِتْنَةً ، وَأَحَبُّهَا إلَى إبْلِيسَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسَاسَ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ دِينَهُ مَعْرِفَتُهُ نَفْسَهُ ، وَزَمَانَهُ ، وَأَهْلَ زَمَانِهِ فَإِذَا عَرَفَ عُيُوبَ نَفْسِهِ ، وَأَرَادَ مَأْخَذًا لِيَسْلَمَ بِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلْوَةِ ، وَخُمُولِ نَفْسِهِ فَلَعَلَّهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُدْرِكَ بِذَلِكَ الْحُزْنَ فِي الْقَلْبِ ، وَالْخَوْفَ الَّذِي يُحْتَجَزُ بِهِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، وَالشَّوْقَ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ أَمَلَهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَزَلْ مُتَحَيِّرًا مُتَلَذِّذًا مُتَزَيِّنًا بِالْكَلَامِ يَأْنَسُ بِمَجَالِسِ الْوَحْشَةِ ، وَيَثِقُ بِغَيْرِ الْمَأْمُونِ ، وَيَطْمَئِنُّ لِأَهْلِ الرَّيْبِ ، وَيَحْتَمِلُ أَهْلَ الْمَيْلِ إلَى الدُّنْيَا ، وَيَغْتَرُّ بِأَهْلِ الْحِرْصِ ، وَالرَّغْبَةِ ، وَيَتَأَسَّى بِأَهْلِ الضَّعْفِ ، وَيَسْتَرِيحُ إلَى أَهْلِ الْجَهْلِ مَيْلًا مِنْهُ إلَى هَوَاهُ إلَى أَنْ يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ ، وَحُلُولُ النَّدَمِ .
وَإِذَا وَجَدْتَ الْمُرِيدَ الْمُدَّعِيَ لِلْعَمَلِ ، وَالْمَعْرِفَةِ يَأْنِسُ بِمَنْ يَعْرِفُ ، وَلَا يَهْرُبُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ ، وَيَنْبَسِطُ ، وَيُمَكِّنُ نَفْسَهُ مِنْ الْكَلَامِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مَنْ يَعْرِفُ فَاتَّهِمْ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ صَادِقًا فِي إرَادَتِهِ أَوْ يَكُونَ جَاهِلًا بِطَرِيقِ سَلَامَتِهِ أَوْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ ، وَعِلْمِهِ مُسْتَحْوِذًا عَلَيْهِ هَوَاهُ ، - وَمَا التَّوْفِيقُ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ - وَاعْلَمْ
يَا أَخِي عِلْمًا يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّا لَمْ نَبْنِ أَسَاسَ الدِّينِ عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ فِيهِ مِنْ الْخَطَأِ ، وَلَا عَلَى حُسْنِ السِّيرَةِ مُنَافِي لِلْأَخْلَاقِ ، وَالْآدَابِ ، وَلَكِنَّا ابْتَنَيْنَاهُ عَلَى أَسَاسِ الْهَوَى ، وَعَلَى مَا خَفَّ مَحْمَلُهُ عَلَى قُلُوبِنَا ، وَاسْتَخَفَّتْهُ أَنْفُسُنَا ، وَاسْتَحْلَتْهُ أَلْسِنَتُنَا فَأَمْضَيْنَا فِيهِ أَعْمَالَنَا طَمَعًا فِي الزِّيَادَةِ مِنْ التَّقْوَى بِزَعْمِنَا ، وَدَرْكِنَا حُسْنَ السِّيرَةِ مِنَّا فِي الْأَخْلَاقِ ، وَالْآدَابِ فَنَظَرْنَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِذَا قَدْ رَجَعَتْ عَلَيْنَا أَعْمَالُ إيثَارِ الْهَوَى بِالنَّقْصِ مِنْ الزِّيَادَة فِي الدِّينِ ، وَبِقُبْحِ السِّيرَةِ مِنَّا فِي الْأَخْلَاقِ ، وَالْآدَابِ بِنَظَرِنَا لِأُمُورِ الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ فَوَرَّثَنَا ذَلِكَ الْخَبَّ ، وَالْغِشَّ ، وَالْمُدَاهَنَةَ فَصَيَّرْنَا الْغِشَّ ، وَالْمُدَاهَنَةَ مُدَارَاةً ، وَصَيَّرْنَا الْخَبَّ عُقُولًا ، وَآدَابًا ، وَمُرُوآتٍ يَحْتَمِلُ بَعْضُنَا بَعْضَنَا عَلَى ذَلِكَ فَأَعْقَبَنَا ذَلِكَ تَبَاغُضًا فِي الْقُلُوبِ ، وَتَحَاسُدًا ، وَتَقَاطُعًا ، وَتَدَابُرًا فَتَحَابَبْنَا بِالْأَلْسُنِ مَعَ الرُّؤْيَةِ ، وَتَبَاغَضْنَا بِالْقُلُوبِ مَعَ فَقْدِ الرُّؤْيَةِ نَذُمُّ الدُّنْيَا بِالْأَلْسُنِ ، وَنَمِيلُ إلَيْهَا بِالْقُلُوبِ ، وَنُدَافِعُهَا عَنَّا فِي الظَّاهِرِ بِالْقَوْلِ ، وَنَجُرُّهَا بِالْأَيْدِي ، وَالْأَرْجُلِ فِي الْبَاطِنِ فَأَصْبَحْنَا مَعَ قُبْحِ هَذَا الْوَصْفِ ، وَسَمَاجَتِهِ لَا نَسْتَأْهِلُ بِهِ خُرُوجًا عَنْ النَّقْصِ ، وَلَا دُخُولًا فِي الزِّيَادَةِ فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
وَأَصْحَابُنَا لَا نَجِدُ رَجُلًا صَادِقًا فَنَتَأَسَّى بِهِ ، وَلَا خَائِفًا فَنَلْزَمُهُ لِلُزُومِهِ لَهُ ، وَلَا مَحْزُونًا يَعْقِلُ الْحُزْنَ فَنُبَاكِيهِ فَقَدْ صِرْنَا نَتَلَاهَى بِفُضُولِ الْكَلَامِ ، وَنَأْنَسُ بِمَجَالِسِ الْوَحْشَةِ ، وَنَقْتَدِي بِغَيْرِ الْقُدْوَةِ مُصِرِّينَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ مُقْلِعِينَ ، وَلَا تَائِبِينَ مِنْهُ ، وَلَا هَارِبِينَ مِنْ مَكْرِ الِاسْتِدْرَاجِ - فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ التَّوَلِّي عَنْ اللَّهِ
، وَالسُّقُوطِ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ ، وَالشُّغْلِ بِغَيْرِ اللَّهِ - إنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ لِلطَّاعَةِ ثَوَابًا أَيْ مَا وَعَدَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ التَّفَضُّلِ ، وَالْإِحْسَانِ ، وَعَلَى الْمَعْصِيَةِ عِقَابًا فَالثَّوَابُ لَا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ إلَّا مِنْ بَعْدِ تَصْحِيحِ الْعَمَلِ ، وَتَخْلِيصِهِ مِنْ الْآفَاتِ ، وَتَصْحِيحُ ذَلِكَ ، وَتَخْلِيصُهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْمَعْرِفَةِ ، وَالِاعْتِزَامِ ، وَاحْتِمَالِ مُؤْنَتِهِ ، وَتَصْحِيحُ الْعَمَلِ ، وَالِاعْتِزَامُ ، وَالِاحْتِمَالُ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْعَمَلِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ بَعْدِ ثَبَاتِ الْخَوْفِ فِي الْقَلْبِ ، وَالْخَوْفُ لَا يُوجَدُ إلَّا مِنْ بَعْدِ ثَبَاتِ الْيَقِينِ فِي الْقَلْبِ ، وَثَبَاتُ الْيَقِينِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ بَعْدِ صِحَّةِ تَرْكِيبِ الْعَقْلِ فِي الْعَبْدِ فَإِذَا صَحَّ تَرْكِيبُ الْعَقْلِ فِي الْعَبْدِ ، وَثَبَتَ وَقَعَ الْخَوْفُ مِمَّا قَدْ أَيْقَنَ بِهِ فَجَاءَتْ عَزِيمَةُ الصَّبْرِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَاحْتَمَلَتْ النَّفْسُ حِينَئِذٍ مُؤْنَةَ الْعَمَلِ طَمَعًا فِي ثَوَابِ مَا قَدْ أَيْقَنَتْ بِهِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ ، وَرَهْبَةِ عِقَابِ مَا قَدْ أَيْقَنَتْ بِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فَتَرَكَتْ الْمَعْصِيَةَ ، وَالشَّهْوَةَ هَرَبًا مِنْ عُقُوبَتِهِمَا ، وَاحْتَمَلَتْ الطَّاعَةَ بِالْإِخْلَاصِ رَجَاءَ ثَوَابِهَا فَكُلِّفَ الْأَحْمَقُ الْكَيْسَ ، وَلَمْ يُعْذَرْ عَلَى لُزُومِ الْحُمْقِ ، وَكُلِّفَ الْجَاهِلُ التَّعْلِيمَ ، وَلَمْ يُعْذَرْ عَلَى غَلَبَةِ الْهَوَى ، وَكُلِّفَ الْعَامِلُ الصِّدْقَ ، وَالْإِخْلَاصَ ، وَالتَّيَقُّظَ فِي عَمَلِهِ ، وَلَمْ يُعْذَرْ عَلَى الشَّهَوَاتِ ، وَالْغَفْلَةِ ، وَتَرْكِ الْإِخْلَاصِ فِيهِ .
وَكُلِّفَ الْعَاقِلُ الصِّدْقَ فِي قَوْلِهِ ، وَلَمْ يُعْذَرْ بِالْمَيْلِ إلَى الْكَذِبِ ، وَكُلِّفَ الصَّادِقُ الْمُخْلِصُ الصَّبْرَ عَنْ ابْتِغَاءِ تَعْجِيلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَالتَّكْرِمَةِ ، وَالتَّعْظِيمِ ، وَعِنْدَهَا انْقَطَعَ الْعُمَّالُ خَاصَّةً ، وَحَلَّ بِهِمْ الْجَزَعُ ، وَتَرَكُوا عَزِيمَةَ الصَّبْرِ فِي طَلَبِهِمْ تَعْجِيلَ
ثَوَابِ عَمَلِهِمْ ، وَلَمْ يُؤَخِّرُوا ثَوَابَ الْأَعْمَالِ لِيَوْمٍ يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَخَدَعَتْهُمْ الْأَنْفُسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ عِنْدَ سَتْرِ سَرَائِرِ أَعْمَالِهِمْ حَتَّى أَبْدَوْهَا لِلْمَخْلُوقِينَ بِالْمَعَانِي ، وَالْمَعَارِيضِ ، وَأَظْهَرُوا الْأَعْمَالَ لِيُعْرَفُوا بِفَضِيلَةِ الْعَمَلِ لِيَزْدَادُوا عِنْدَ النَّاسِ فَضِيلَةً ، وَرِفْعَةً فَتَعَجَّلَتْ أَنْفُسُهُمْ ذَخَائِرَ أَعْمَالِهِمْ ، وَحَلَاوَةَ سَرَائِرِهِمْ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ ، وَالتَّكْرِمَةِ ، وَالتَّعْظِيمِ ، وَوَطْءِ الْأَعْقَابِ ، وَالرِّيَاسَةِ ، وَالتَّوْسِعَةِ لَهُمْ فِي الْمَجَالِسِ ، وَأَغْفَلُوا سُؤَالَ اللَّه لَهُمْ فِي عَقَدِهِمْ لِمَنْ عَمِلُوا ، وَمَاذَا طَلَبُوا فَخَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَأَعْمَالَهُمْ ، وَخَسَارَةُ مَا هُنَالِكَ بَاقِيَةٌ ، وَنَدَامَةُ مَا هُنَالِكَ طَوِيلَةٌ لَمَّا وَرَدُوا عَلَى اللَّهِ فَوَجَدُوا عَظِيمَ مَا كَانُوا يُؤَمِّلُونَ مِنْ ثَوَابِ سَرَائِرِ أَعْمَالِهِمْ الَّتِي عَاجَلُوا فِيهَا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَمُنِعُوهَا هُنَالِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا تَعَجَّلُوا ثَوَابَهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، وَخَرَجُوا مِنْ خَيْرِ أَعْمَالِهِمْ صِفْرَ الْيَدَيْنِ - فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ - .
مَا أَقْبَحَ الْفَضِيحَةَ بِالْعَالِمِ الْعَامِلِ الْبَصِيرِ النَّاقِدِ الْعَارِفِ غِبَّ قِلَّةِ الصَّبْرِ ، وَابْتِغَاءَ تَعْجِيلِ الثَّوَابِ ، وَالْمَيْلِ إلَى الدُّنْيَا ، وَإِيثَارِ شَهَوَاتِهَا ، وَلَذَّاتِهَا فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ الْحَازِمِ اللَّبِيبِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْعَارِفِ الْبَصِيرِ النَّاقِدِ أَنْ يَحْذَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَيَتَّخِذَ الصَّبْرَ مَطِيَّةً ، وَلَا يَبْغِيَ تَعْجِيلَ الثَّوَابِ هَاهُنَا ، - وَمَا التَّوْفِيقُ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
فَصْلٌ فِي الْغِيبَةِ ، وَالنَّمِيمَةِ وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ اعْلَمْ أَنَّ مَخْرَجَ الْغِيبَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ ، وَالرِّضَى عَنْهَا ؛ لِأَنَّك إنَّمَا تَنَقَّصْتَ غَيْرَك بِفَضِيلَةٍ ، وَجَدْتهَا عِنْدَك ، وَإِنَّمَا اغْتَبْته بِمَا تَرَى أَنَّك مِنْهُ بَرِيءٌ ، وَلَمْ تَغْتَبْهُ بِشَيْءٍ إلَّا احْتَمَلْتَ فِي نَفْسِك مِنْ الْعَيْبِ أَكْثَرَ ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ مِنْك مِثْلُك فَلَوْ عَقَلْتَ أَنَّ فِيك مِنْ النَّقْصِ أَكْثَرَ لَحَجَزَك ذَلِكَ عَنْ غِيبَتِهِ ، وَلَاسْتَحْيَيْتَ أَنْ تَغْتَابَهُ بِمَا فِيك أَكْثَرُ مِنْهُ ، وَلَوْ عَلِمْتَ أَنَّ جُرْمَك عَظِيمٌ بِغِيبَتِك غَيْرَك ، وَظَنُّكَ أَنَّك مُبَرَّأٌ مِنْ الْعُيُوبِ لَحَجَزَكَ ذَلِكَ ، وَلَشَغَلَك عَنْ ذَلِكَ ، وَكَيْفَ ، وَإِنَّمَا يَلْقَى الْأَمْوَاتُ الْأَمْوَاتَ ، وَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءَ إذًا مَا احْتَمَلُوا ذَلِكَ مِنْك ، وَلَتَنَاهَوْا ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَيِّتَ الْأَمْوَاتِ أَحْمَدُ فِي الْعَاقِبَةِ مِنْ مَيِّتِ الْأَحْيَاءِ ، وَتَفْسِيرُ مَيِّتِ الْأَحْيَاءِ ، أَمْوَاتُ الْقُلُوبِ ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ فِي الدُّنْيَا فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَثُرَتْ أَوْزَارُهُ ، وَعَظُمَتْ بَلِيَّتُهُ فَاحْذَرْ يَا أَخِي الْغِيبَةَ كَحَذَرِك عَظِيمَ الْبَلَاءِ أَنْ يَنْزِلَ بِك فَإِنَّ الْغِيبَةَ إذَا نَزَلَتْ ، وَثَبَتَتْ فِي الْقَلْبِ ، وَأَذِنَ صَاحِبُهَا لِنَفْسِهِ فِي احْتِمَالِهَا لَمْ تَرْضَ بِسُكْنَاهَا حَتَّى تُوَسِّعَ لِأَخَوَاتِهَا ، وَهِيَ النَّمِيمَةُ ، وَالْبَغْيُ ، وَسُوءُ الظَّنِّ ، وَالْبُهْتَانُ ، وَالْكِبْرُ ، وَمَا احْتَمَلَهَا لَبِيبٌ ، وَلَا رَضِيَ بِهَا حَكِيمٌ ، وَلَا اسْتَصْحَبَهَا وَلِيُّ اللَّهِ قَطُّ - فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
فَصْلٌ فِي الِاسْتِدْرَاجِ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ الِاسْتِدْرَاجُ اسْمٌ لِمَعْنَيَيْنِ فَأَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ : اسْتِدْرَاجُ عُقُوبَةٍ لِلسَّيِّئَةِ تَنْبِيهًا عَلَى الْإِنَابَةِ ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي اسْتِدْرَاجٌ لَا إنَابَةَ فِيهِ ، وَلَا رُجُوعَ - فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الِاسْتِدْرَاجِ - ، وَإِنَّمَا يَسْتَدْرِجُ الْعَبْدُ عَلَى قَدْرِ بُغْيَتِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَدْرِجُ بِالْمُلْكِ ، وَالسُّلْطَانِ ، وَطَاعَةِ النَّاسِ لَهُ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَسْتَدْرِجُ بِالدُّنُوِّ مِنْ الْمُلُوكِ ، وَالسَّلَاطِينِ ، وَالْحُظْوَةِ عِنْدَهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَدْرِجُ بِالتَّوْسِعَةِ فِي تِجَارَتِهِ وَبِالتَّوْسِعَةِ فِي الْمَالِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَدْرِجُ بِالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ ، وَالْحَاشِيَةِ ، وَالتَّبَعِ ، وَوَطْءِ الْأَعْقَابِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَدْرِجُ بِعِلْمِهِ بِأَنْ يُكْرَمَ بِسَبَبِهِ ، وَيُحْمَدَ ، وَيُعَظَّمَ ، وَيُسْمَعَ قَوْلُهُ فَهُوَ مُسْتَدْرِجٌ بِنَيْلِ حَظِّهِ مِنْ عِلْمِهِ ، وَمِنْهُمْ الْعَابِدُ يَسْتَدْرِجُ مِنْ طَرِيقِ الْعُجْبِ فِي عَمَلِهِ ، وَالْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَدَنِهِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْبَصِيرَةِ يَسْتَدْرِجُ بِالزِّيَادَةِ فِي بَصِيرَتِهِ فَجَمِيعُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْمُسْتَدْرِجِينَ كُلِّهِمْ لَا يَخْلُو مِنْ الرِّيَاءِ ، وَالْعُجْبِ ، وَكُلُّ مُزَيَّنٍ لَهُ مَا هُوَ فِيهِ لَا يَرَى إلَّا أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ مَقْبُولٌ مِنْهُ إحْسَانُهُ ، وَقَدْ عَمِيَ عَنْ فِتْنَةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الِاسْتِدْرَاجِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَبَّهُ فَيَنْتَبِهُ فَيَرْجِعُ إلَى الْإِنَابَةِ ، وَيَفْزَعُ إلَى الِاسْتِكَانَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُهْمَلُ فَيُهْمِلُ نَفْسَهُ إلَى حُضُورِ أَجَلِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ ، وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، وَرِزْقُ رَبِّك خَيْرٌ وَأَبْقَى } فَهَذِهِ فِتْنَةُ الِاسْتِدْرَاجِ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْمُسْتَدْرِجُ مَفْتُونٌ فَلَا يَعْلَمُ بِفِتْنَتِهِ مُزَيَّنٌ لَهُ عَمَلُهُ مُسْتَحْسِنٌ مَا هُوَ فِيهِ طَالِبٌ
لِلزِّيَادَةِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيمٌ فَاحْذَرْ فِتْنَةَ الِاسْتِدْرَاجِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِدْرَاجَ عُقُوبَةٌ لِلْمُضَيِّعِينَ شُكْرَ النِّعَمِ
، فَصْلٌ فِي الْيَقِينِ وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوقِنِ عَلَامَةً وَاضِحَةً تَعْرِفُهَا مِنْ نَفْسِكَ ، وَمِنْ غَيْرِكَ ، وَهِيَ : أَنَّ الْمُوقِنَ يَعْظُمُ عِنْدَهُ الْخَطَأُ وَالزَّلَلُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَاخَذٍ بِهِ لِغَفْلَتِهِ عَنْهَا ، وَرُكُونِهِ إلَيْهَا بِالشَّهَوَاتِ ، وَهُجُومِ إبْلِيسَ عَلَى قَلْبِهِ ، وَطَمَعِ نَفْسِهِ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا إذَا عَمِلَ مِنْهَا شَيْئًا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ ، وَأَنَّهُ مَسْلُوبٌ بِهَا مَا أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِهِ فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ كَانَ مُوقِنًا ، وَهُوَ يَعْلَمُ إنْ قُلْت : مَا بَالُ أَقْوَامٍ عَارِفِينَ يُذْنِبُونَ قُلْت : لِيُعَرِّفَهُمْ اللَّهُ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِحْسَانَهُ إلَيْهِمْ عِنْدَ إسَاءَتِهِمْ إلَى أَنْفُسِهِمْ فَتُجَدَّدُ عِنْدَهُمْ النِّعَمُ ، وَيَسْتَقْبِلُونَ الشُّكْرَ فَيَصِيرُونَ بِذَلِكَ إلَى أَعْلَى دَرَجَاتِهِمْ انْتَهَى .
فَصْلٌ فِي الْعُجْبِ ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الِاسْتِدْرَاجِ أَعْنِي اسْتِدْرَاجَ الْمُلُوكِ ، وَغَيْرِهِمْ لَكِنْ بَقِيَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةٌ يُحْتَاجُ إلَى ذَكَرِهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ فَالْعَامَّةُ مُعْجَبُونَ بِمَا أُوتُوا مِنْ الْأَهْلِ ، وَالْوَلَدِ ، وَالْأَمْوَالِ ، وَالْأَرْبَاحِ ، وَالْمَسَاكِنِ ، وَالْعُلَمَاءُ مُعْجَبُونَ بِعِلْمِهِمْ ، وَمَا بُسِطَ لَهُمْ فِيهِ مِنْ الذِّكْرِ ، وَالْقُرَّاءُ مُعْجَبُونَ بِمَا نَالُوا مِنْ الثَّنَاءِ وَالتَّزَمُّتِ بِقِرَاءَتِهِمْ ، وَالْعُبَّادُ مُعْجَبُونَ بِمَا نَالُوا مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى إظْهَارِ الزُّهْدِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، فَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ صِنْفٌ إلَّا ، وَهُوَ يُحِبُّ التَّعْظِيمَ ، وَالْمَحْمَدَةَ عِنْدَ مَنْ هُوَ دُونَهُ ، وَعِنْدَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ التَّجَبُّرِ ، وَهَذِهِ فُنُونُهُ فَإِذَا ثَبَتَ التَّجَبُّرُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ ثَبَتَتْ فُنُونُهُ جَمِيعًا ، وَالتَّجَبُّرُ أَصْلٌ مِنْهُ يَتَفَرَّعُ جَمِيعُ الشَّرِّ مِنْ الْغَضَبِ ، وَالطَّمَعِ ، وَالرِّيَاءِ ، وَحُبِّ التَّعْظِيمِ ، وَالرِّيَاسَةِ ، وَالْمَنْزِلَةِ ، وَالسُّمْعَةِ ، وَالتَّزَيُّنِ ، وَالطَّيْشِ ، وَالْعَجَلَةِ ، وَسُوءِ الْخُلُقِ ، وَالْحِرْصِ ، وَالشَّرِّ ، وَالْمَكْرِ ، وَالْخَدِيعَةِ ، وَالْجَرِيرَةِ ، وَالْغِشِّ ، وَالْخِلَابَةِ ، وَالْكَذِبِ ، وَالْغِيبَةِ ، وَالنَّمِيمَةِ ، وَالْحَسَدِ ، وَالْقَسَاوَةِ ، وَالْجَفَاءِ ، وَالشُّحِّ ، وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ مَعَ فُنُونِ جَمِيعِ الشَّرِّ - فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ
فَصْلٌ فِي التَّوَاضُعِ وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا ثَبَتَ التَّوَاضُعُ فِي الْقَلْبِ ثَبَتَ فِيهِ جَمِيعُ الْخَيْرِ مِنْ الرَّأْفَةِ ، وَالرِّقَّةِ ، وَالرَّحْمَةِ ، وَالِاسْتِكَانَةِ ، وَالْقَنُوعِ ، وَالرِّضَى ، وَالتَّوَكُّلِ ، وَحُسْنِ الظَّنِّ ، وَشِدَّةِ الْحَيَاءِ ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَنَفْيِ الطَّمَعِ ، وَجِهَادِ النَّفْسِ ، وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ ، وَالتَّشَاغُلِ عَنْ النَّفْسِ ، وَالْمُبَادَرَةِ فِي الْعَمَلِ بِالْخَيْرِ ، وَالْبِطَاءِ عَنْ الشَّرِّ .
كُلُّ امْرِئٍ عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ يَكُونُ فِعْلُهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ حَذَرُهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كُنْت تَسْأَلُ عَنْ الْعُجْبِ الَّذِي دَخَلَ أَصْحَابَ الْأَعْمَالِ مِنْ الْعُبَّادِ فَسَأُخْبِرُك بِفِتْنَتِهِمْ ، وَشِدَّةِ بَلِيَّتِهِمْ فَتَوَقَّهَا ، وَاحْذَرْهَا ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَعْجَبَ إلَى إبْلِيسَ الْخَبِيثِ مِنْ فِتْنَةِ الْعَابِدِ ؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا مَكْشُوفَةٌ بِطَلَبِهِمْ الدُّنْيَا ، وَالنَّاسُ قَدْ عَرَفُوهُمْ بِطَلَبِهَا ، وَفِتْنَتِهَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَمِلُهَا ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَفْتُونٌ فِيهَا ، وَأَمَّا فِتْنَةُ الْعَابِدِ فَهِيَ أَعْظَمُهَا فِتْنَةً ، وَأَعْظَمُهَا بَلِيَّةً ، وَأَعْظَمُهَا صَرْعًا ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا عِبَادَةَ الدُّنْيَا ، وَجَدُّوا فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ ، وَكَابَدُوا الْمَفَاوِزَ ، وَالْقِفَارَ ، وَجَاهَدُوا صُعُودَ الْعِقَابِ ، وَجَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى تَرْكِ الدُّنْيَا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالنَّفْسِ ، وَمَا تَدْعُو إلَيْهِ ، وَلِمَعْرِفَتِهِمْ بِالدُّنْيَا ، وَمَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ ، وَأَقْبَلُوا عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ ، وَإِيثَارِهَا بِالصِّدْقِ مِنْهُمْ ، وَحُسْنِ الْإِرَادَةِ .
غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ امْتَحَنَ هَذَا الْخَلْقَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ فِي تَمَسُّكِهِمْ بِالدُّنْيَا ، وَفِي تَرْكِهِمْ لَهَا ، وَفِي طَلَبِهِمْ الْآخِرَةَ ، وَإِيثَارِهِمْ لَهَا بِالْجِدِّ ، وَالِاجْتِهَادِ ، وَجَعَلَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ مُؤْنَةً لَا تُدْفَعُ إلَّا بِالصَّبْرِ ، وَوَعَدَ إبْلِيسَ وَعْدًا فَهُوَ مُنْجِزُهُ
لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَنْ أَسْكَنَهُ هُوَ ، وَذُرِّيَّتَهُ صُدُورَ بَنِي آدَمَ يَجْرِي مِنْهُمْ مَجْرَى الدَّمِ ، وَذَلِكَ لِمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ ، وَلِمَنْ عَصَى ، وَلِأَوْلِيَائِهِ ، وَأَعْدَائِهِ فَلَيْسَ لِلْعَابِدِ فِي عِبَادَتِهِ أَنْ يَنْفِيَ الشَّيْطَانَ عَنْ قَرَارِهِ أَوْ يُزْعِجَهُ عَنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي أَسْكَنَهُ اللَّهُ فِيهِ ، وَمَكَّنَهُ مِنْهُ ، وَهَذِهِ مِنْ الْمِحَنِ الَّتِي امْتَحَنَ اللَّهُ بِهَا خَلْقَهُ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ غَيْرَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا تَيَقَّظَ بِقَلْبِهِ خَنَسَ الْخَبِيثَ عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إلَّا مَعَ غَفْلَتِهِ ، وَطَبَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ عَلَى الْغَفْلَةِ ، وَالتَّيَقُّظِ ، وَأَيَّدَ اللَّهُ الْعَابِدَ بِمُكَايَدَتِهِ إبْلِيسَ فَلَيْسَ أَحَدٌ أَحْوَجُ إلَى صِحَّةِ تَرْكِيبِ الْعَقْلِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْعَابِدِ الَّذِي قَدْ قَصَدَ خِلَافَهُ ، وَقَوِيَ عَلَى احْتِمَالِ تَرْكِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَصِلُ بِهَا إبْلِيسُ إلَى ابْنِ آدَمَ مِنْ فُنُونِ الشَّهَوَاتِ فَحَذَفَ ذَلِكَ أَجْمَعَ ، وَخَلَّفَهُ خَلْفَهُ ، ثُمَّ قَرُبَ مِنْ الْعَقَبَةِ الَّتِي إنْ جَاوَزَهَا كَانَ مُنْحَدِرًا إلَى الْجَنَّةِ بِإِذْنِ اللَّه فَتَجَرَّدَ لَهُ إبْلِيسُ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا هَذِهِ الدَّرَجَةُ الَّتِي إنْ سَلِمَ مِنْهَا نَجَا فَلَا يَسْلَمُ فِي مِثْلِ زَمَانِك مَعَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ إلَّا مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا وَصَفْت لَك
فَصْلٌ فِي النِّيَّةِ ، وَالْعِبَادَةِ .
وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُصَحِّحَ نِيَّتَهُ الَّتِي هِيَ قِوَامُ عَمَلِهِ ، وَيَجْمَعَ لِذَلِكَ قَلْبَهُ ، وَذِهْنَهُ ، وَعِنَايَتَهُ ، وَيُقَرِّرَ عَمَلَهُ فِيمَا يَأْتِي ، وَيَتَبَصَّرَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَيَقْصِدَ مَعْرِفَةَ رَبِّهِ ، وَمُكَايَدَةَ عَدُوِّهِ ، وَمُجَاهَدَةَ نَفْسِهِ ، وَإِيَاسَهُ إيَّاهَا مِنْ عَمَلِهَا لِطَلَبِ الثَّوَابِ ؛ لِأَنَّهَا إنْ انْقَطَعَتْ عَنْ عِبَادَتِهَا لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الْعَفْوِ لِعَظِيمِ مَا جَنَتْ مِنْ الْإِسَاءَةِ .
وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ الْعِبَادَةَ ، وَالْإِحْسَانَ بِإِزَاءِ ذَنْبٍ مِنْ ذُنُوبِهَا لَاسْتَأْهَلَتْ بِذَلِكَ الذَّنْبِ الْعِقَابَ إلَّا أَنْ يُغْفَرَ فَكَيْفَ بِجَمِيعِ إسَاءَتِهَا مَعَ قِلَّةِ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ صِمَادِ التَّوْبَةِ ، وَالْمُرَاجَعَةِ ؟ ، ثُمَّ يَحْمِلُهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا اسْتَطَاعَتْ فَإِنْ عَارَضَهُ إبْلِيسُ بِشَيْءٍ أَوْ رَفَعَتْ نَفْسُهُ رَأْسَهَا لِتُذَكِّرَهُ شَيْئًا مِنْ إحْسَانِهَا مَنَعَهَا بِمَا قَدْ عَرَّفَهُ اللَّهُ مِنْ قَدِيمِ إسَاءَتِهَا ، وَيُذَكِّرُهَا عُيُوبَهَا فَتَنْقَمِعُ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ زَاجِرًا لِعَدُوِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَمَا يُرِيدُ مِنْ خَدِيعَتِهِ لِيُوقِعَهُ فِي الْعُجْبِ بِالْبَاطِلِ فَلَوْ كَانَ عُجْبُهُ عُجْبَ حَقِيقَةٍ مِنْ احْتِمَالِ نَفْسِهِ طَاعَةَ رَبِّهَا بِهَشَاشَةٍ مِنْهَا وَسُرُورٍ ، وَزُهْدٍ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ لَكَانَ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالْيَقِينِ مَعَ صِدْقِهَا فِي الطَّاعَاتِ الرُّجُوعَ إلَى الشُّكْرِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ عَلَى الْعَامِلِ فِيمَا يَسَّرَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْ الشُّكْرِ فِي الْعَمَلِ كَانَ جَاهِلًا بِرَبِّهِ جَاهِلًا بِالْعَمَلِ جَاهِلًا بِالنِّعَمِ ، وَمَنْ عَقَلَ الشُّكْرَ ، وَذَكَّرَ نَفْسَهُ إحْسَانَ اللَّهِ رَجَعَ الشَّيْطَانُ - بِعَوْنِ اللَّهِ - صَاغِرًا نَاكِصًا عَلَى عَقِبِهِ فَأَلْزِمْ نَفْسَك النَّدَمَ ، وَارْجِعْ إلَى مَا عَرَّفَك رَبُّك مِنْ مَعْرِفَةِ نَفْسِك ، وَعَدُوِّك ، وَارْغَبْ إلَى اللَّهِ فِي الْعِصْمَةِ مِنْ شَرِّ نَفْسِك ،
وَشَرِّ عَدُوِّك ، وَأَسْأَلْهُ الْكِفَايَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْجَأْ إلَيْهِ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا ، وَجَدَهُ قَرِيبًا مُجِيبًا فَإِذَا صَارَ الْعَبْدُ إلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ أُعْطِيَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ فَلَا يَكُونُ لَهُ هِمَّةٌ ، وَلَا بُغْيَةٌ ، وَلَا مَسْأَلَةٌ إلَّا النَّقْلَةُ مِنْ ضَيِّقِ الدُّنْيَا ، وَغَمِّهَا مَخَافَةَ أَنْ تُعَارِضَهُ فِتْنَةٌ مِنْ فِتَنِهَا تَحُولُ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ مَعْرِفَتِهِ ، وَيَرْتَجِي أَنْ يَصِيرَ إلَى الْآخِرَةِ ، وَرَوَحِهَا لِيَأْمَنَ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ رَوْعَاتِ إبْلِيسَ ، وَجُنُودِهِ ، وَأَنَا أُوصِيك أَنْ تُطِيلَ النَّظَرَ فِي مِرْآةِ الْفِكْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ الْخَلَوَاتِ حَتَّى يُرِيَك شَيْنَ الْمَعْصِيَةِ ، وَقُبْحَهَا فَيَدْعُوك ذَلِكَ النَّظَرُ إلَى تَرْكِهَا .
فَصْلٌ فِي الْعِلْمِ .
وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ اعْلَمْ أَنَّ لِدَوَاعِي الْخَيْرِ عَلَامَاتٍ يُسْتَجْلَبُ بِهَا دَوَاعِي الْحُزْنِ ، وَالتَّفَكُّرِ فَهُوَ بَيْنَ ذَلِكَ مَسْرُورٌ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بُغْيَتَهُ وَأَمَلَهُ ، وَإِذَا أَدْرَكَ أَمَلَهُ ، وَوَجَدَ بُغْيَتَهُ طَابَ عَيْشُهُ كَمَا أَنَّ طَالِبِي الدُّنْيَا إذَا أَدْرَكُوا آمَالَهُمْ مِنْ نَعِيمِهَا ، وَزَهْرَتِهَا أَحَاطَ بِهِمْ السُّرُورُ فَكَذَلِكَ طَالِبُ الْآخِرَةِ ، وَهُوَ بَعْد ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَعَدُوِّهِ ، وَزَوْجَتِهِ ، وَوَلَدِهِ ، وَأَهْلِ زَمَانِهِ خَائِفٌ وَجِلٌ لَا يَأْمَنُ مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا مَعَ اسْتِذْكَارِهِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } .
فَحِينَئِذٍ يَقْوَى قَلْبُهُ ، وَيَسْتَصْغِرُ كَيْدَ مَنْ كَايَدَهُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَصِمٌ بِرَبِّهِ ، وَاثِقٌ بِهِ فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ فَلَا يَغْفُلْ ، وَلْيَبْنِ أَمْرَهُ عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ مِنْ الْخَطَأِ ، وَعَلَى أَسَاسِ الصِّدْقِ فِيمَا بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ رَبِّهِ ، وَلَا يَخَافُ عَلَى قَلِيلِ عَمَلِهِ إذَا خَلَّصَهُ لِلَّهِ مِنْ الْآفَاتِ كُلِّهَا أَنْ لَا يُنَمِّيَهُ اللَّهُ لَهُ ، وَيُكَثِّرَهُ ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كُنْت فِي زَمَانٍ قَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ ، وَالِاخْتِلَافُ فَإِنَّ تَخْلِيصَك قَلِيلُ عَمَلِك مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الشُّبْهَةِ ، وَالِاخْتِلَافِ حَتَّى تَكُونَ عَامِلًا عَلَى حُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - عِنْدَ اللَّهِ - كَثِيرٌ فَكُنْ فِي زَمَانِك أَشَدَّ تَيَقُّظًا لِلتَّخَلُّصِ إلَى مَعْرِفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الْمَاضُونَ مِنْ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا اسْتَحْكَمَتْ فِيكَ لَمْ تَدَعْكَ مَعَ التَّقْصِيرِ فِي الْعَمَلِ بَلْ تَنْقُلُك مِنْ دَرَجَةٍ إلَى دَرَجَةٍ حَتَّى تُبَلِّغَك غَايَاتِ مَا عَمِلْت مِنْ الْخَيْرِ أَوْ يَأْتِيَك الْمَوْتُ ، وَأَنْتَ طَالِبٌ لِغَايَاتِهَا ، وَكَمَا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُنْبِتُ بِغَيْرِ مَاءٍ فَكَذَلِكَ الْعَمَلُ لَا يَصْلُحُ بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ بِاَللَّهِ مَعْرِفَةً ازْدَادَ يَقِينًا
، وَكُلَّمَا ازْدَادَ يَقِينًا ازْدَادَ لِلَّهِ خَوْفًا ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ لِلَّهِ خَوْفًا ازْدَادَ لِرَبِّهِ طَاعَةً ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ لِرَبِّهِ طَاعَةً ازْدَادَ لَهُ حُبًّا ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ لَهُ حُبًّا ازْدَادَ إلَيْهِ شَوْقًا ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ إلَيْهِ شَوْقًا ازْدَادَ لِلْمَوْتِ حُبًّا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَغْمُومًا فِي حَالَةِ مَسْرُورٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَغْمُومَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يَتَأَسَّى بِأَهْلِ السُّرُورِ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا يَجْرِي مَعَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَغْمُومَ جَمَعَ هُمُومَهُ كُلَّهَا فَنَصَبَهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، ثُمَّ جَعَلَهَا هَمًّا وَاحِدًا فَقَصُرَ بِهِ أَجَلُهُ ، وَهَجَمَ بِهِ عَلَى مُعَايَنَةِ أَحْوَالِ آخِرَتِهِ ، وَأَهْوَالِهَا ، وَالْمَغْمُومُ بِالْحَقِيقَةِ نَبَّهَهُ الْغَمُّ عَلَى التَّسْوِيفِ فَعَمِلَ لِلنَّقْلَةِ مِنْ دَارِ الْغُمُومِ إلَى دَارِ السُّرُورِ ، وَسَأَصِفُ لَك حَالَ الْمَغْمُومِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا تَدَبَّرُوا فَعَرَفُوا ، فَلَمَّا عَرَفُوا أَيْقَنُوا ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا خَافُوا ، فَلَمَّا خَافُوا عَلِمُوا ، فَلَمَّا عَلِمُوا صَمَتُوا ، فَلَمَّا صَمَتُوا عَمِلُوا ، فَلَمَّا عَمِلُوا أَشْفَقُوا ، فَلَمَّا أَشْفَقُوا جَاهَدُوا ، فَلَمَّا جَاهَدُوا رَغِبُوا ، فَلَمَّا رَغِبُوا صَبَرُوا ، فَلَمَّا صَبَرُوا أَبْصَرُوا مَسَاوِئَ أَنْفُسِهِمْ ، فَلَمَّا أَبْصَرُوا مَسَاوِئَ أَنْفُسِهِمْ قَصَدُوا مُجَاهَدَتَهَا بِالْقُلُوبِ فَارْتَفَعُوا عَنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ إلَى تَصْحِيحِ الْقُلُوبِ فَنَقَلُوا طِبَاعَهُمْ عَنْ الرَّيْبِ ، وَالدَّنَاءَةِ ، وَجَانَبُوا فِي أَحْوَالِهِمْ كُلِّهَا ، وَمُعَامَلَاتِهِمْ أَحْوَالَ أَهْلِ الْمَكْرِ ، وَالْخَدِيعَةِ ، وَالْخِبِّ ، وَأَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ مَحَجَّةَ الطَّرِيقِ فِي أَفْعَالِهِمْ كُلِّهَا ، وَمَنْطِقِهِمْ كُلِّهِ فَاسْتَخْلَصُوا بَاطِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ لِلْمَخْلُوقِينَ ، وَأَرَاحُوا أَبْدَانَهُمْ مِنْ ظَاهِرِ الْأَعْمَالِ إلَّا مَا لَزِمَهُمْ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ الْمَحْتُومَةِ فَصَارَتْ أَعْمَالُهُمْ سِرًّا بَيْنَ قُلُوبِهِمْ الَّتِي هِيَ أَرْجَحُ
وَزْنًا ، وَأَحْمَدُ ذِكْرًا عِنْدَ اللَّهِ ، وَعَلَّقُوا قُلُوبَهُمْ بِحُبِّ لِقَاءِ اللَّهِ فَصَغُرَتْ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ فَإِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ خَافُوا ، وَحَزِنُوا خَوْفًا مِنْ الِاسْتِدْرَاجِ ، وَالْمَكْرِ ، وَإِنْ أَدْبَرَتْ عَنْهُمْ سُرُّوا ، وَفَرِحُوا ، وَدَافَعُوا الْأَيَّامَ مُدَافَعَةً جَمِيلَةً مُسْتَتِرِينَ عَنْ الْأَهْلِ ، وَالْوَلَدِ ، وَالْإِخْوَانِ ، وَالْجِيرَانِ فَهِمَّتُهُمْ فِي بَاطِنِ أُمُورِهِمْ كَالدِّيبَاجِ حُسْنًا ، وَفِي الظَّاهِرِ مَنَادِيلُ مَبْذُولُونَ لِمَنْ أَرَادَهُمْ مَغْمُومُونَ يُكَاشِرُونَ النَّاسَ بِوُجُوهِهِمْ ، وَقُلُوبُهُمْ بَاكِيَةٌ ، وَصِفَاتُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ الْوَاصِفُ بِهَا فِي الْكُتُبِ ، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ يَكْثُرُ فَهَذِهِ صِفَاتُ الْمَغْمُومِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَسْرُورِينَ بِاَللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ الْفَرِحِينَ بِهِ الْمُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ ، - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
فَصْلٌ فِي عُيُوبِ النَّفْسِ .
وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ إخْوَانِي : إنَّهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ ، وَعُيُوبَهَا فَهُوَ مِنْ اسْتِقَامَةِ دِينِهِ عَلَى اعْوِجَاجٍ ، وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ حُسْنِ سِيرَةِ الْعَارِفِ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ أَنْ لَا يَبْنِيَ دِينَهُ عَلَى قُبْحٍ ، وَلَا فَسَادٍ ، وَأَصْلُ الْعِلْمِ الْغَرِيبِ يُدْرَكُ بِفِطَنِ الْعُقُولِ الْمَرْضِيَّةِ ، وَبِنُورِ الْحِكْمَةِ الثَّاقِبَةِ ، وَبِمُخَالَفَةِ الْأَهْوَاءِ ، وَبِفَوَائِدِ الْمَعْرِفَةِ الشَّافِيَةِ ، وَبِإِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْقَوْلِ ، وَالْعَمَلِ بِالْبَصِيرَةِ ، وَلَا يَبْلُغُ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْعَالِيَةَ إلَّا مَنْ تَقَلَّدَ حُبَّ الْآخِرَةِ مُوقِنًا بِهَا ، وَرَاغِبًا فِيهَا ، وَمُؤْثِرًا لَهَا عَلَى مَا سِوَاهَا ، وَخَلَعَ عَنْ قَلْبِهِ حُبَّ الدُّنْيَا ، وَزَهِدَ فِيهَا بِالْحَقِيقَةِ ، وَاسْتَشْعَرَ التَّوَاضُعَ ، وَهَجَرَ الْهَوَى فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ الْحَازِمِ اللَّبِيبِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْعَارِفِ الْبَصِيرِ أَنْ يَحْذَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَيَتَّخِذَ الصَّبْرَ مَطِيَّةً ، وَلَا يَبْتَغِيَ تَعْجِيلَ الثَّوَابِ ، وَيَتَحَرَّكَ لِعَزِيمَةِ الصَّبْرِ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
فَصْلٌ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ عُيُوبِ النَّفْسِ وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ اعْلَمْ أَنِّي وَجَدْتُ الَّذِي يُعِينُ عَلَى مَعْرِفَةِ عُيُوبِ النَّفْسِ ، وَالْعَمَلِ فِي مُجَاهَدَتِهَا مُخَالَفَةَ الْهَوَى - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ - يَا أَخِي إنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ مِنْ عَدُوِّك خَاطِرُ الشَّرِّ فِي الْقَلْبِ لِلْمَعْصِيَةِ فَادْفَعْهُ عَنْك بِحَاكِمِ الْعِلْمِ مِنْ الْقَلْبِ لِلطَّاعَةِ ، وَإِنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ مِنْ نَفْسِك سُرْعَةُ الْقَبُولِ لِمُوَافَقَةِ الْهَوَى فَادْرَأْهُ عَنْك بِقِلَّةِ الْمُسَاعَدَةِ لِخِلَافِ الْهَوَى ، وَأَنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ مِنْ عَدُوِّك التَّثَبُّطُ عَنْ الْعَمَلِ فَادْفَعْهُ عَنْك بِتَعْجِيلِ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْعَمَلِ ، وَإِنَّهُ لَنْ يُعْدِمَكَ مِنْ نَفْسِك التَّشَبُّثُ بِالْكَسَلِ فَادْفَعْهُ عَنْك بِاغْتِنَامِ الصِّحَّةِ ، وَأَعْلَمْ يَا أَخِي : أَنَّ الْقَلْبَ إذَا تَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ أَقْذَارُ الذُّنُوبِ ، وَأَطْفَاسُ الشَّهَوَاتِ عَمِيَ وَاسْوَدَّ ، وَنَكَسَ ، وَطُفِئَ نُورُهُ فَلَمْ يُبْصِرْ عُيُوبَ نَفْسِهِ ، وَأَبْصَرَ بِعَيْنِهِ عُيُوبَ غَيْرِهِ فَشُغِلَ بِهِ عَنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَوْلَى بِالْمُدَّعِينَ لِلْإِرَادَةِ مِنْ أَنْ يَتَوَسَّلُوا إلَى اللَّهِ عَزَّ ، وَجَلَّ بِطَلَبِهِمْ مِنْهُ صَلَاحَ قُلُوبِهِمْ لِيَسْلَمُوا مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِهِمْ ، وَغَلَبَةِ أَهْوَائِهِمْ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلْبَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْحُزْنُ خَرِبَ كَمَا أَنَّ الْبَيْتَ إذَا لَمْ يُسْكَنْ خَرِبَ
فَصْلٌ فِي الْحُزْنِ ، وَالْخَوْفِ وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ ، وَالْعَمَلَ بِالْعِلْمِ لَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ إلَّا بِاسْتِقَامَةِ قَلْبِهِ ، وَإِلَّا عَادَ الْعِلْمُ عَلَيْهِ فَصَارَ جَهْلًا ، وَعَادَ الْعَمَلُ فَصَارَ ضَرَرًا مَعَ أَنَّ فَسَادَ قُلُوبِنَا هُوَ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَنَا ، وَبَيْنَ سُلُوكِ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ ، وَالِاتِّبَاعِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ ، وَهُمْ الَّذِينَ لَمْ يَتْرُكُوا مِنْ الْفَرَائِضِ شَيْئًا إلَّا أَدَّوْهُ لَمْ يَتْرُكُوا الصَّلَاةَ ، وَالزَّكَاةَ ، وَالْحَجَّ ، وَالْجِهَادَ ، وَالصِّيَامَ ، وَالْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَالطَّهُورَ لِلصَّلَاةِ كُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ لَمْ يُزَدْ فِيهِ ، وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْهُ فَمَا بَالُ الْفَسَادِ وَاقِعٌ عَلَيْنَا ، وَنَحْنُ لَمْ نُنْكِرْ هَذِهِ الْفَرَائِضَ كَمَا لَمْ يُنْكِرُوهَا ، وَإِنَّا لَنَعْمَلُ فِي الظَّاهِرِ بِأَكْثَرِهَا غَيْرَ أَنَّ الْقُلُوبَ مِنَّا مَائِلَةٌ إلَى حُبِّ مَا زَهِدَ الْقَوْمُ فِيهِ ، وَالْأَنْفُسَ مِنَّا قَابِلَةٌ لِحُبِّ هَوَاهَا مُسْتَثْقِلَةٌ لِمَا فِي الْحَقِّ مِنْ الصَّبْرِ وَالْمَكْرُوهِ ، وَسَأُعْطِيك دَوَاءً لِفَسَادِ قَلْبِك يَنْفَعُك اللَّهُ بِهِ إذَا كَانَتْ لَك حَيَاةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْقَوْمَ صَبَرُوا عَلَى مَكْرُوهِ مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَصَبَرُوا فِي الْغَضَبِ ، وَالرِّضَا ، وَالشِّدَّةِ ، وَالرَّخَاءِ ، وَالْعُسْرِ ، وَالْيُسْرِ ، وَالْعَافِيَةِ ، وَالْبَلَاءِ فَكَانَتْ أَهْوَاؤُهُمْ تَابِعَةً لِلْحَقِّ عَلَى مَا أَحَبَّتْ الْأَنْفُسُ ، وَكَرِهَتْ فَكَانَ الْحَقُّ لَهُمْ قَائِدًا ، وَالْهَوَى لِعُقُولِهِمْ تَابِعًا فَاسْتَقَامَتْ مِنْهُمْ السِّيرَةُ بِلُزُومِهِمْ مَحَجَّةَ الْحَقِّ فِي مَوَاطِنِ غَضَبِهِمْ وَرِضَاهُمْ وَطَمَعِهِمْ ، وَتَقْوَاهُمْ ، وَكَانُوا إذَا اُمْتُحِنُوا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ ظَهَرَ مِنْهُمْ قَوْلُ الْحَقِّ فِي مَوَاطِنِ غَضَبِهِمْ ، وَهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَلْزَمُ ، وَأَشَدُّ تَمَسُّكًا مِنْهُمْ فِي مَوَاطِنِ الرِّضَا فَإِنْ عَارَضَهُمْ طَمَعُ دُنْيَا ظَهَرَ مِنْهُمْ
التَّنَزُّهُ ، وَالْوَرَعُ ، وَالتَّقْوَى ، وَالتَّأَنِّي ، وَفُقِدَ مِنْهُمْ الْحِرْصُ ، وَالرَّغْبَةُ خَوْفًا مِنْهُمْ ، وَكَانَ مِنْهُمْ كَالطِّبَاعِ لَمْ يَتَصَنَّعُوا فِيهِ ، وَطِبَاعُنَا الْيَوْمَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَكَانُوا أَخْوَفَ لِلَّهِ ، وَلَهُ أَحْذَرَ مَخَافَةَ أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمْ عَمَلًا فَلَا تَفْرَحَنَّ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ مَعَ قِلَّةِ الْخَوْفِ ، وَاغْتَنِمْ قَلِيلَ الْعَمَلِ مَعَ الْخَوْفِ فَإِنَّ قَلِيلَ حُزْنِ الْآخِرَةِ الدَّائِمِ فِي الْقَلْبِ يَنْفِي كُلَّ سُرُورٍ سُرِرْت بِهِ ، وَأَلِفْتَهُ مِنْ سُرُورِ الدُّنْيَا ، وَقَلِيلُ سُرُورِ الدُّنْيَا فِي الْقَلْبِ يَنْفِي عَنْك جَمِيعَ حُزْنِ الْآخِرَةِ ، وَالْحُزْنُ لَا يَصِلُ إلَى الْقَلْبِ إلَّا مَعَ تَيَقُّظِهِ ، وَتَيَقُّظُهُ حَيَاتُهُ ، وَسُرُورُ الدُّنْيَا لِغَيْرِ الْآخِرَةِ لَا يَصِلُ إلَى الْقَلْبِ إلَّا مَعَ غَفْلَتِهِ ، وَغَفْلَةُ الْقَلْبِ مَوْتُهُ ، وَالْحُزْنُ يُوقِظُهُ ، وَيَسْتَنْبِطُ لَهُ الْيَقَظَةَ مِنْ خَالِصِ عَيْنِ الْيَقِينِ ، وَبِخَطِرَاتِ غَامِضِ الْفَهْمِ تَكُونُ خَطَرَاتُ الْيَقِينِ ، وَعَلَامَةُ ثَبَاتِ الْيَقِينِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ اسْتِدَامَةُ الْحُزْنِ فِيهِ
فَصْلٌ فِي الزُّهْدِ وَالْخَلْوَةِ وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى اعْلَمْ أَنِّي لَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَبْلَغَ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا مِنْ ثَبَاتِ حُزْنِ الْآخِرَةِ فِي الْقَلْبِ ، وَعَلَامَةُ ثَبَاتِ حُزْنِ الْآخِرَةِ فِي الْقَلْبِ أُنْسُ الْعَبْدِ بِالْوِحْدَةِ ، وَمَوْضِعُ هِيَاجِ الْحُزْنِ السُّرُورُ ، وَمَعْدِنُهُ ، وَمِفْتَاحُهُ الْعَقْلُ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مَحْزُونًا مَسْرُورًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَجَمِيعُ الطَّاعَاتِ تُوجَدُ بِالتَّكَلُّفِ ، وَالْحُزْنُ لَا يُوجَدُ بِالتَّكَلُّفِ إلَّا أَنْ يَصِلَ إلَى الْقَلْبِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْحُزْنُ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الطَّاعَةِ قَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ الْأَعْمَالِ لَطِيفَ مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَسْتَدِيمُونَ صَالِحَ الْأَعْمَالِ ، وَيَسْهُلُ عَلَيْهِمْ مَأْخَذُهَا تَوْطِينًا مِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَاسْتِصْحَابَ نِيَّتِهِمْ إلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ فَصَيَّرُوا أَعْمَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا ، وَلَيْلَةً وَاحِدَةً ، وَكُلَّمَا مَضَتْ لَيْلَةٌ اسْتَأْنَفُوا الثَّانِيَةَ ، وَطَلَبُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ حُسْنَ الصُّحْبَةِ لِيَوْمِهِمْ ، وَلَيْلَتِهِمْ ، وَكُلَّمَا مَضَى عَنْهُمْ يَوْمٌ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ مِنْهُمْ أَوْ لَيْلَةٌ رَاقَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ غَنِيمَةً ، وَذَكَرُوا الْيَوْمَ الْمَاضِي فَسُرُّوا بِهِ فَصَبَرُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْيَوْمِ الْمُسْتَقْبَلِ لِخَوْفِ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ ، وَطَرَحُوا شُغْلَ الْقَلْبِ بِذِكْرِ غَدٍ ، وَاسْتَعْمَلُوا أَبْدَانَهُمْ ، وَجَوَارِحَهُمْ فِيهِ ، وَتَفَرَّغُوا لَهُ فَقَصُرَتْ عَنْهُمْ الْآمَالُ ، وَقَرُبَتْ عِنْدَهُمْ الْآجَالُ ، وَتَبَاعَدَتْ عَنْهُمْ أَسْبَابُ وَسَاوِسِ الدُّنْيَا ، وَعَظُمَ شُغْلُ الْآخِرَةِ فِي قُلُوبِهِمْ فَنَظَرُوا إلَيْهَا بِعَيْنٍ صَحِيحَةِ النَّظَرِ نَافِذَةِ الْبَصَرِ ، وَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ فَاسْتَقَامَتْ لَهُمْ السِّيرَةُ حِينَ وَجَدُوا حَلَاوَةَ الطَّاعَةِ وَطَاوَعَتْهُمْ الزِّيَادَةُ فِي التَّقْوَى فَقَرَّتْ بِالْخَوْفِ أَعْيُنُهُمْ ، وَتَنَعَّمُوا بِالْحُزْنِ
فِي عِبَادَتِهِمْ حَتَّى نَحَلَتْ أَجْسَامُهُمْ ، وَبَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ ، وَقَلَّ مَعَ الْمَخْلُوقِينَ كَلَامُهُمْ ، وَتَلَذَّذُوا بِمُنَاجَاةِ خَالِقِهِمْ فَقُلُوبُهُمْ بِمَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ مُتَعَلِّقَةٌ ، وَفِكْرُهُمْ بِأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ مُقْبِلَةٌ مُدْبِرَةٌ ، وَأَبْدَانُهُمْ بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ عَارِيَّةٌ فَعَمُوا عَنْ الدُّنْيَا ، وَصَمُّوا عَنْهَا ، وَعَمَّا فِيهَا ، وَوَضُحَ لَهُمْ أَمْرُ الْآخِرَةِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ إلَيْهَا يَنْظُرُونَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - ثُمَّ نَظَرْت فِي ذَلِكَ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا أَقْرَبَ وَلَا أَجْمَعَ لِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ حَمِيَّةِ الْأَنْفُسِ عَنْ إلْفِهَا ، وَقَطْعِ مُجَاوَرَةِ الْمَخْلُوقِينَ بِمَنْعِ الْقُلُوبِ عَنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي بِهَا تَهِيجُ الْقُلُوبُ مِنْ الْأَشْغَالِ الْقَوَاطِعِ عَنْ التَّفَرُّغِ لِلْحُزْنِ أَوْ الْبَحْثِ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَالتَّرْكِ لِلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، فَوَرَّثَهُ ذَلِكَ حُبَّ الْخَلَوَاتِ فَأَحَبَّهَا ، وَلَزِمَهَا ، وَأَنِسَ بِهَا ، وَاسْتَوْحَشَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، وَذَلِكَ حِينَ جَرَتْ عُذُوبَةُ الْخَلْوَةِ فِي أَعْضَائِهِ كَمَا يَجْرِي الْمَاءُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ فَأَوْرَقَتْ أَغْصَانُهَا ، وَأَثْمَرَتْ عِيدَانُهَا ، وَلَزِمَ خَوْفُ مَا يَجِيءُ بِهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سُوَيْدَاءَ قَلْبِهِ فَهَاجَ لَهُ مِنْ الْخَلْوَةِ فُنُونٌ مِنْ أُصُولِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى أَنَّهُ لَوْ اجْتَهَدَ فِي فَنٍّ مِنْهَا عَلَى أَنْ يَسْتَحْكِمَ لَهُ لَعَظُمَتْ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّلَاحُ فَإِذَا بَلَّغَ اللَّهُ الْعَبْدَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ حُبِّبَتْ إلَيْهِ الْخَلْوَةُ فَأَوَّلُ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْ حُبِّ الْخَلْوَةِ الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ ، وَالصِّدْقُ فِي الْقَوْلِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي حُبِّ الْخَلْوَةِ رَاحَةٌ لِلْقَلْبِ مِنْ غُمُومِ الدُّنْيَا ، وَتَرْكُ مُعَامَلَةِ الْمَخْلُوقِينَ فِي الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ ، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْلِ فَأَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْخَلْوَةِ وُجُوبَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَمُدَاهَنَةِ
الْمَخْلُوقِينَ ، وَيُحَبَّبُ إلَيْهِ بِالْخَلْوَةِ خُمُولُ النَّفْسِ ، وَإِخْمَادُ الذِّكْرِ فِي النَّاسِ ، وَهُوَ طَرِيقُ الصِّدْقِ ، وَمِنْهُ يَكُونُ الْإِخْلَاصُ ، وَيُحَبَّبُ إلَيْهِ بِالْخَلْوَةِ الزُّهْدُ فِي مَعْرِفَةِ النَّاسِ ، وَالْأُنْسُ بِاَللَّهِ ، وَيُوهَبُ لَهُ اسْتِثْقَالُ الْمَخْلُوقِينَ حَتَّى يَفِرَّ مِنْهُمْ فِرَارَهُ مِنْ الْأَسَدِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُفَارِقٍ لِجَمَاعَتِهِمْ ، وَيُعْطَى مِنْ حُبِّ الْخَلْوَةِ طُولَ الصَّمْتِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ ، وَغَلَبَةَ الْهَوَى بِالصَّبْرِ ، وَمِنْ الصَّمْتِ وَالصَّبْرِ غَلَبَةَ الْهَوَى ، وَيُعْطَى مِنْ حُبِّ الْخَلْوَةِ الِاشْتِغَالَ بِأَمْرِ نَفْسِهِ ، وَقِلَّةَ اشْتِغَالِهِ بِذِكْرِ غَيْرِهِ ، وَطَلَبَ السَّلَامَةِ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ كَثْرَةَ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْفِكْرِ ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ ، وَمَخْرَجُهَا مِنْ خَالِصِ الذِّكْرِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ الْأَعْمَالَ الَّتِي تَغِيبُ عَنْ أَعْيُنِ الْعِبَادِ ، وَتَظْهَرُ لِرَبِّ الْعِبَادِ ، وَالْبِلَادِ ، وَقَلِيلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ ، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ الصِّدْقِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ التَّيَقُّظَ مِنْ غَفْلَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، وَمَا يَذْكُرُهُ مِنْهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ تَرْكَ الرِّيَاءِ ، وَالتَّزَيُّنَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ دَوَاعِي الْإِخْلَاصِ ، وَهُوَ مَحْضُ الصِّدْقِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ تَرْكَ الْمِرَاءِ ، وَتَرْكَ الْخُصُومَاتِ ، وَالْجِدَالِ ، وَذَلِكَ يَنْفِي الرِّيَاسَةَ مِنْ الْقَلْبِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ قِلَّةَ الْخُلْفِ فِي الْوَعْدِ ، وَالتَّوَقِّي مِنْ الْكَذِبِ ، وَالْأَيْمَانِ ، وَالْحِنْثِ فِيهَا ، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ الصِّدْقِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ قِلَّةَ الْغَضَبِ ، وَالْقُوَّةَ عَلَى كَظْمِ الْغَيْظِ ، وَتَرْكَ الْحِقْدِ وَالشَّحْنَاءِ ، وَمُعَامَلَةَ الْخَلْقِ بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ رِقَّةَ الْقَلْبِ ، وَالرَّحْمَةَ ، وَهُمَا يَنْفِيَانِ الْغِلْظَةَ ، وَالْقَسَاوَةَ ، وَهُمَا مِنْ دَوَاعِي الْخَوْفِ ، وَبِالْخَوْفِ الثَّابِتِ فِي الْقَلْبِ يَخْشَعُ الْعَبْدُ ، وَيَبْكِي مِنْ
خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ ، وَهِيَ مِنْ غَايَاتِ الْعِبَادَةِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ تَذَكُّرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ ، وَطَلَبَ الشُّكْرِ ، وَالزِّيَادَةِ مِنْ الطَّاعَةِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ وُجُودَ حَلَاوَةِ الْعَمَلِ ، وَالنَّشَاطَ فِي الدُّعَاءِ ، وَيَجْرِي ذَلِكَ مِنْ الْقَلْبِ مَعَ تَضَرُّعٍ ، وَاسْتِكَانَةٍ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ الْقَنَاعَةَ ، وَالتَّوَكُّلَ ، وَالرِّضَا بِالْكَفَافِ لِلْعَفَافِ ، وَالِاسْتِغْنَاءَ عَنْ الْمَخْلُوقِينَ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ عُزُوبَ النَّفْسِ عَنْ الدُّنْيَا ، وَشَهَوَاتِهَا ، وَفِتْنَتِهَا ، وَالشَّوْقَ إلَى لِقَاءِ اللَّهِ ، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ ، وَخَوْفِ التَّقْصِيرِ فِي الْعَمَلِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ حَيَاةَ الْقَلْبِ ، وَضِيَاءَ نُورِهِ ، وَنَفَاذَ بَصَرِهِ فِي عُيُوبِ الدُّنْيَا ، وَمَعْرِفَتِهِ بِالنَّقْصِ ، وَالزِّيَادَةِ فِي دِينِهِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ الْإِنْصَافَ لِلنَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيُعْطَى بِالْخَلْوَةِ خَوْفَ وُرُودِ الْفِتَنِ الَّتِي فِيهَا ذَهَابُ الدِّينِ ، وَالِاشْتِيَاقَ إلَى الْمَوْتِ ، وَالْأُنْسَ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ لِمَا قَدْ وَجَدَ مِنْ حَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ نُورًا ، وَشِفَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ فَإِذَا الْتَبَسَ عَلَيْك هَذَا الطَّرِيقُ ، وَاشْتَبَهَتْ عَلَيْك الْأُمُورُ فَقِفْ نَفْسَك عَلَى الْإِرَادَةِ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ، وَالتَّشْوِيقِ إلَى مَا نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّك تَرْجِعُ بَصِيرًا مِنْ حِيرَتِك ، وَعَالِمًا مِنْ جَهَالَتِك - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ - وَانْظُرْ إلَى كُلِّ مَوْطِنٍ يَضْطَرُّك إلَى الصَّبْرِ فَاهْرَبْ مِنْهُ فَإِنَّك تَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَك قَدَمٌ عَلَى مَحَجَّةِ دِينِ اللَّهِ ، وَفِيك خَوْفَانِ : خَوْفُ الْفَقْرِ ، وَخَوْفُ الْغِنَى ، وَالثَّرْوَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِفْتَاحُ فَقْرِ الْأَبَدِ ، وَخَوْفُك مِنْ السُّقُوطِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ هُوَ الَّذِي يُسْقِطُك مِنْ
عَيْنِ اللَّهِ ، وَيُنْسِيك حَظَّك مِنْهَا فَادْرَأْ ذَلِكَ عَنْك ، وَاطْلُبْ التَّخَلُّصَ ، وَهَيِّئْ لِذَلِكَ خَوْفَيْنِ : خَوْفَ أَنَّ مِثْلَك لَا يَسْتَأْهِلُ أَنْ يَبْلُغَ مَا يُؤَمِّلُ مِنْ الْآخِرَةِ فَإِنْ تَفَضَّلَ عَلَيْك رَبُّك بِبُلُوغِ أَمَلِك فَأَتْبِعْهُ الشُّكْرَ ، وَلْتُحْضِرْهُ خَوْفًا شَدِيدًا ؛ لِأَنَّك لَا تَقُومُ بِالشُّكْرِ لِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْك كَمَا يَنْبَغِي فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ خِفْت عَلَيْك أَنَّ تُسْلَبَ النِّعْمَةَ فَتَرْجِعَ إلَى أَسْوَأِ حَالِكَ فَإِذَا أَلْزَمَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ هَذَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ، وَتَمَسَّك بِهِمَا رَجَوْت أَنْ يُؤَمِّنَهُ اللَّهُ - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ - .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِاَللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : لَسْت آمَنُ عَلَى نَفْسِي الْفِتْنَةَ ، وَأَنْ يُحَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ فَهَؤُلَاءِ يَخَافُونَ هَذَا ، وَهُمْ الصَّفْوَةُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَافُوا مَعَ سَابِقَتِهِمْ ، وَطَاعَتِهِمْ ، وَجِهَادِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ أَقَلُّ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ فَيَحُولُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ فَكَيْفَ بِك يَا مِسْكِينُ ، وَلَا سَابِقَةَ لَك إلَّا فِي الشَّرِّ ، وَلَا حَلَاوَةَ عَرَفْتهَا قَدِيمًا مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا حَلَاوَةَ الْمَعَاصِي ؟ وَأَنْتَ بَارِكٌ فِي دَوْلَةِ الْفِتْنَةِ ، وَزَمَانِ الشَّرِّ تُحِبُّ الْبَقَاءَ طَمَعًا فِي الزِّيَادَةِ ، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ لَا تَنْقِمُ عَلَيْهَا حُبَّهَا فَخَدَعَتْك ، وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ أَنَّك مَخْدُوعٌ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُطِيعَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الطَّاعَةِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَلَا عَارِفٍ بِمُكَايَدَةِ عَدُوِّهِ هَانَتْ عَلَى إبْلِيسَ صَرْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَوْعٌ مِنْ الْعِبَادَةِ إلَّا وَلَهَا ضِدٌّ مِنْ الْفِتْنَةِ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْخَيْرَ ، وَضِدَّهُ مِنْ الشَّرِّ ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْعِبَادَةِ خَاصَّةً ، ثُمَّ اجْتَهَدَ خَلَّاهُ
إبْلِيسُ وَإِيَّاهَا ؛ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِهِ بِعِبَادَتِهِ ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي نَفْسِ عِبَادَتِهِ بِشَيْءٍ ، وَيَقْصِدُ لَهُ جِهَةَ آفَاتِهَا الَّتِي تُبْطِلُ عِبَادَتَهُ مِنْ شَهْوَةِ النُّفُوسِ الَّتِي تُسَارِعُ فِي قَبُولِ ذَلِكَ فَيَتَزَيَّنُ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ عِنْدِهَا ، وَأَنَّهُ سَيُجْزَى ، وَيُثَابُ فَيُصَدِّقُهَا بِمَا تُلْقِي إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَتَزْهُو النَّفْسُ لِرِضَى صَاحِبِهَا عَنْهَا ، وَيُحَقِّقُ إبْلِيسُ ظَنَّهُ بِهِ ، وَبِالْخُدَعِ لَهُ فَإِذَنْ قَدْ صُرِعَ وَخُذِلَ ، وَلَجَأَ إلَى نَفْسِهِ بِمَيْلِهِ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ ، وَيَظْهَرُ لَهُ مِنْ فِتْنَةِ عَدُوِّهِ مَا يَسْتَصْغِرُ بِهِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَتَكُونُ نَفْسُهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا عَدْلَ لَهَا زَكَاءً وَطِيبًا ، وَهِيَ أَخْبَثُ الْأَنْفُسِ وَأَنْتَنُهَا وَأَسْقَطُهَا مِنْ عَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَكُلَّمَا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ مِنْ عَمَلٍ احْتَمَلَ فِيهِ الْأَذَى مَعَ مُسَاعَدَتِهِ إيَّاهَا ، وَشِدَّةِ رِضَاهُ عَنْهَا مِنْ تَحَمُّلِ لُبْسِ الْخَشِنِ ، وَأَكْلِ الطَّعَامِ الْجَشِيمِ ، وَطُولِ السَّهَرِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى ظَاهِرِ الْعِبَادَةِ بِمَا يُفْتَتَنُ بِهِ ، وَيَسْتَمِيلُ بِهِ إبْلِيسُ قُلُوبَ الْجُهَّالِ ، وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : إنِّي لَأَعُدُّ كَلَامِي فِيمَا لَا بُدَّ لِي مِنْهُ مُصِيبَةً وَاقِعَةً أَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهَا ، وَإِنِّي لَأُعِدُّ صَمْتِي عَمَّا لَا يَعْنِينِي غَنِيمَةً وَإِحْدَاثَ نِعْمَةٍ أَلْتَمِسُ الشُّكْرَ عَلَيْهَا إذْ عَلِمْت أَنَّ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ كَلِمَةٍ رَقِيبًا عَتِيدًا ، وَأُنْزِلُ مَا اُضْطُرِرْت إلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ مُصِيبَةً نَازِلَةً ، وَمَا كُفِيتُ مِنْ الْكَلَامِ غَنِيمَةً بَارِدَةً .
وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ مِنْ شَرِّ كَسْبِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا تَنْقِيصُ الْعَبْدِ غَيْرَهُ ، وَالْوَقِيعَةَ فِيهِ ، وَهِيَ الْغِيبَةُ ، وَيُقَالُ : إنَّهَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ ، وَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَتُحْبِطُ الْأَعْمَالَ ، وَيَسْتَوْجِبُ بِهَا صَاحِبُهَا الْمَقْتَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْغِيبَةُ
وَالنَّمِيمَةُ مَخْرَجُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْبَغْيِ ، وَالنَّمَّامُ قَاتِلٌ ، وَالْمُغْتَابُ آكِلُ مَيْتَةٍ ، وَالْمُبَاهِي مُتَكَبِّرٌ ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بَعْضُهَا مِفْتَاحٌ لِبَعْضٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُجَانِبٌ لِأَحْوَالِ الْمُتَّقِينَ .
فَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ أَصْلِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُنُونُ الْخَيْرِ .
وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ سَأَلَ سَائِلٌ حَكِيمًا فَقَالَ : أَخْبِرْنِي بِأَصْلِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْهَا تَتَفَرَّعُ فُنُونُ الْخَيْرِ ، وَتَجْرِي بِهَا الْمَنَافِعُ ، وَتَصِحُّ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .
فَقَالَ لَهُ الْحَكِيمُ : اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُنُونُ الْخَيْرِ ، وَتَجْرِي بِهَا الْمَنَافِعُ ، وَتَصِحُّ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ بَعْدَ الْيَقِينِ بِمَعْرِفَةِ النِّعَمِ ، وَالْقِيَامِ بِأَدَاءِ الشُّكْرِ ، وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَأَنْ يَصِحَّ عِنْدَك أَنَّ جَمِيعَ الْخَيْرِ مَوَاهِبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا عُقُوبَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ مِنْ طَرِيقِ الْخِذْلَانِ ، وَذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ السُّخْطِ فَإِذَا اعْتَرَفْت بِذَلِكَ كَثُرَتْ حَسَنَاتُك ، وَقَلَّتْ سَيِّئَاتُك ؛ لِأَنَّك إذَا عَلِمْت أَنَّ الْإِحْسَانَ نِعَمٌ وَمَوَاهِبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ازْدَدْت فِي الشُّكْرِ ، وَاسْتَقْلَلْت كَثِيرَ شُكْرِك عِنْدَ صَغِيرِ نِعْمَةٍ عَلَيْك ؛ لِأَنَّ الْجَبَّارَ الْعَظِيمَ مَنَّ بِهَا عَلَيْك ، وَسَاقَهَا إلَيْك فَقَلَّ عِنْدَك كَثِيرُ الشُّكْرِ ، وَكَبُرَ عِنْدَك صَغِيرُ النِّعَمِ فَجَرَيْت حِينَئِذٍ فِي مَيْدَانِ الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ ، وَعَلِمْت مَعْرِفَةَ الرِّضَا ، وَطَمِعْت فِي الْعَفْوِ ، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسَاءَةَ الَّتِي اكْتَسَبْتهَا إنَّمَا هِيَ خِذْلَانٌ مِنْ اللَّهِ وَإِنَّهَا مِنْ طَرِيقِ السُّخْطِ فَزِعْت إلَى التَّضَرُّعِ فَنَزَلْتَ بِسَاحَتِهِ ، وَإِلَى الِاسْتِكَانَةِ فَصَحِبْتهَا ، وَإِلَى التَّوَاضُعِ فَاِتَّخَذْته خِدْنًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَجَأْت إلَى التَّوْبَةِ فَاسْتَجَرْت بِهَا ، وَلَبِسْت جِلْبَابَ الْحَيَاءِ مِمَّا سَلَفَ مِنْك ، وَشَهِدَ اللَّهُ عَلَيْك بِهِ ، وَشَاهَدَهُ مِنْك مِنْ الْإِسَاءَةِ مَعَ مَا تَعْرِفُ مِنْ كَثْرَةِ إحْسَانِهِ فَلَمْ تَتَعَرَّضْ بَعْدَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ مِمَّا يَكْرَهُ ، وَعَمَدْت إلَى الْمَعَاصِي فَعَادَيْتهَا مِنْك ، وَمِنْ
غَيْرِك فَتَكْرَهُ أَنْ يَعْصِيَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ بِصَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ فَرَاجَعْت الْإِحْسَانَ مُجْتَهِدًا ، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ عَارِفٌ بِالنِّعْمَةِ عَلَيْك فِي التَّنْبِيهِ وَالرُّجُوعِ ، وَإِنَّ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ عَلَيْك فَالْتَمَسْت لَطِيفَ الشُّكْرِ بَعْدَ إقْلَاعِك عَنْ الْإِسَاءَةِ بِشِدَّةِ الْمُضَادَّةِ لَهَا فَعَظُمَ شُكْرُك عِنْدَ التَّحْوِيلِ إلَى الْإِحْسَانِ بَعْدَ الْإِسَاءَةِ فَإِذْ ذَاكَ قَدْ صِرْت فِي جَمِيعِ أَحْوَالِك شَاكِرًا ذَاكِرًا ، وَلَمْ يُعْجِزْك مَعْرِفَةُ الْإِحْسَانِ فَشَكَرْت حِينَئِذٍ الشَّاكِرَ الْمَشْكُورَ الَّذِي وَعَدَ عَلَى الشُّكْرِ الزِّيَادَةَ ، وَوَعْدُهُ لَا خُلْفَ فِيهِ ، وَعَرَفْت الْإِسَاءَةَ مِنْ أَيْنَ كَانَ مَخْرَجُهَا فَرَاجَعْت الْإِحْسَانَ بِالْعِتَابِ مِنْك لِنَفْسِك ، وَلِمَنْ زَيَّنَ الْإِسَاءَةَ لَك ، وَدَعَاك إلَيْهَا فَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي تَتَفَرَّعُ مِنْهُ فُنُونُ الْخَيْرِ ، وَبِهِ تُغْلَقُ أَبْوَابُ الشَّرِّ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ تَهْوِينِ سُلُوكِ الطَّرِيقِ ، وَالْوُصُولِ إلَيْهِ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ سُئِلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَهُ : أَوْضِحْ لَنَا الْمَنْزِلَةَ الَّتِي يَنَالُ الْعِبَادُ بِهَا الْقُرْبَ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَيَقْوُونَ بِهَا عَلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَيَبْلُغُونَ بِهَا رِضْوَانَهُ ، وَالْأَمْرَ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إلَيْهِ ، وَيُقَصِّرُ بِهِمْ عَنْهُ إيضَاحًا شَافِيًا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بَيِّنًا .
فَقَالَ : سَأُوضِحُ لَك ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَافْهَمْ قَوْلِي بِفَهْمٍ لَا يُخَالِطُهُ سَهْوٌ ، وَتَذَكَّرْ فِيهِ بِتَذَكُّرٍ لَا يُخَالِطُهُ غَفْلَةٌ ، وَاصْبِرْ عَلَيْهِ صَبْرًا لَا يُخَالِطُهُ جَزَعٌ فَإِنَّك إنْ تَفْعَلْ ذَلِكَ يُنْهَج لَك مِنْهَاجُ الطَّرِيقِ ، وَتَسْلَمْ مِنْ تَقْصِيرِ طَرِيقِ الْهَلَكَةِ ، وَالتَّوْفِيقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى .
اعْلَمْ أَنَّ مُبْتَدَأَ الْأُمُورِ ، وَاَلَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ إلَّا بِهِ : الْعَقْلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ زِينَةً لِخَلْقِهِ ، وَنُورًا لَهُمْ فَبِالْعَقْلِ يَعْرِفُ الْعِبَادُ خَالِقَهُمْ ، وَأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ ، وَأَنَّهُ الْمُدَبِّرُ ، وَهُمْ الْمُدَبَّرُونَ ، وَهُوَ الْبَاقِي ، وَهُمْ الْفَانُونَ فَاسْتَدَلُّوا بِعُقُولِهِمْ عَلَى مَا رَأَوْا مِنْ خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ ، وَسَمَائِهِ ، وَشَمْسِهِ ، وَقَمَرِهِ ، وَلَيْلِهِ ، وَنَهَارِهِ ، وَعَلِمُوا أَنَّ لَهُمْ وَلِهَذَا الْخَلْقِ خَالِقًا ، وَأَنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ مُدَبِّرًا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ ، وَلَا يَزَالُ ، وَعَرَفُوا بِهِ الْحَسَنَ مِنْ الْقَبِيحِ ، وَعَلِمُوا أَنَّ الظُّلْمَةَ فِي الْجَهْلِ ، وَالنُّورَ فِي الْعِلْمِ هَذَا مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ الْعَقْلُ .
فَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ يَكْتَفِي الْعِبَادُ بِالْعَقْلِ دُونَ غَيْرِهِ ؟ فَقَالَ : إنَّ الْعَاقِلَ دَلَّهُ عَقْلُهُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ قِوَامَهُ ، وَزِينَتَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ رَبًّا ، وَعَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ لَعِبًا ، وَعَلِمَ أَنَّ لِخَالِقِهِ مَحَبَّةً ، وَكَرَاهِيَةً ، وَأَنَّ لَهُ طَاعَةً ، وَمَعْصِيَةً فَلَمْ يَجِدْ
عَقْلَهُ يَدُلُّهُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْعِلْمِ وَطَلَبِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِعَقْلِهِ إنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ ، وَيَعْلَمْهُ فَوَجَبَ عَلَى الْعَاقِلِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا قِوَامَ لَهُ إلَّا بِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : صِفْ لَنَا مَا هَذَا الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ إلَّا طَلَبُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْصِيرُ بِنَفْسِهِ عَنْهُ ؟ فَقَالَ : طَلَبُ الْعِلْمِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ ، وَأَنْبِيَاؤُهُ عَنْهُ : مِنْ أَمْرِهِ ، وَنَهْيِهِ ، وَوَعْدِهِ ، وَوَعِيدِهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَجَنَّتِهِ ، وَنَارِهِ ، وَبَعْثِهِ ، وَحِسَابِهِ ، وَحَلَالِهِ ، وَحَرَامِهِ ، وَطَاعَتِهِ ، وَمَعْصِيَتِهِ ، وَمَحَبَّتِهِ ، وَكَرَاهَتِهِ .
فَقِيلَ لَهُ : هَلْ يَكْتَفِي الْعَالِمُ بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ ؟ فَقَالَ : لَا يَنْتَفِعُ الْعَالِمُ بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْإِيمَانِ بِهِ ، وَأَنْ يُقِرَّ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ ، وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْلِكُ لَهُ نَفْعًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَهُ ، وَلَا ضُرًّا لَمْ يَكْتُبْهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ : فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ يُكْتَفَى بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ ، وَالْعَمَلِ بِهَا ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَرُكُوبِهَا ، فَمَنْ آمَنَ ، وَلَمْ يَعْمَلْ كَانَ مُتَهَاوِنًا ، وَتَصْدِيقُ الْإِيمَانِ الْعَمَلُ بِهِ .
فَقِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ الْعِلْمُ ، وَكَيْفَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْمَلَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنْ خَالَفَ هَوَاك ، وَأَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَإِنْ أَسْخَطَك ، وَأَنْ تَجْتَنِبَ سَخَطَ اللَّهِ ، وَإِنْ سَرَّك ، وَأَنْ تَدَعَ كَرَاهِيَتَهُ ، وَإِنْ أَعْجَبَتْك ، وَأَنْ تُؤْثِرَ مَا هُوَ لَهُ ، وَإِنْ سَاءَك ، وَأَنْ تَرْغَبَ فِيمَا رَغَّبَك ، وَتَزْهَدَ فِيمَا زَهَّدَك ، وَأَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ إمَامَك وَدَلِيلَك .
فَقَالَ لَهُ
السَّائِلُ : قَدْ دَلَلْتنِي عَلَى الْعَمَلِ فَعَرَفْت ، وَعَرَفْت فَآمَنْت فَلَمْ يَكُنْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ مُؤْنَةٍ ، وَلَا عَظِيمُ مَشَقَّةٍ بَلْ خِفَّةٌ ، وَرَاحَةٌ مَعَ مَا اسْتَزَدْت بِهِ هِدَايَةً ، وَبَصِيرَةً ، وَمَعْرِفَةً ، فَلَمَّا صِرْت إلَى الْعَمَلِ بِهِ لِزَمَنِي فِي ذَلِكَ مُؤْنَةٌ شَدِيدَةٌ ، وَثُقْلٌ كَبِيرٌ حَتَّى حَالَ بَيْنِي ، وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ لَذِيذِ عِيشَتِي ، وَنَعِيمِ دُنْيَايَ ، وَحَمَلَنِي عَلَى الْمَكْرُوهِ ، وَصَرَفَنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السُّرُورِ فَصِفْ لِي أَمْرًا أَقْوَى بِهِ عَلَى الْعَمَلِ فِيمَا آمَنْت بِهِ فَقَدْ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ مُؤْنَتُهُ ، وَثَقُلَ عَلَيَّ احْتِمَالُهُ .
فَقَالَ : الْأُمُورُ الَّتِي تَقْوَى بِهَا عَلَى الْعَمَلِ وَالْأَدَبِ : الصَّبْرُ الَّذِي هُوَ تَمَامُهُ وَقِوَامُهُ فَإِنَّك إنْ صَبَرْت انْتَفَعْت بِعِلْمِك ، وَبَلَغْت مِنْهُ رِضْوَانَ اللَّهِ ، وَقَوِيت فِيهِ عَلَى الْعَمَلِ ، وَلَيْسَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الْخَيْرِ إلَّا ، وَلِلصَّبْرِ فِيهِ عَمَلٌ ، وَبِهِ تَمَامُهُ فَبِالصَّبْرِ قَوِيَ الْعِبَادُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، وَالْحَلَالِ ، وَالْحَرَامِ ، وَبِالصَّبْرِ قَوُوا عَلَى اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ ، وَبِالصَّبْرِ بَلَغُوا الْغَايَةَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابِهِ ، فَإِذَا صَبَرْت عَلَى الْعَمَلِ انْتَفَعْت بِالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ ، وَإِنَّك إنْ لَمْ تَصْبِرْ لَمْ تَعْمَلْ ، وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ لَمْ تَنْتَفِعْ بِالْإِيمَانِ بِمَا عَلِمْت ، وَمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْعَمَلُ ، وَمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْعَمَلِ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ الْعَقْلُ فَرَأْسُ أَمْرِ الْعِبَادِ الْعَقْلُ ، وَدَلِيلُهُمْ الْعِلْمُ ، وَنُورُهُمْ الْإِيمَانُ ، وَسَائِقُهُمْ الْعَمَلُ ، وَمُقَرِّبُهُمْ الصَّبْرُ فَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الصَّبْرِ ضَعُفَ ، وَمَنْ ضَعُفَ لَمْ يَعْمَلْ ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ لَمْ يَتِمَّ لَهُ أَمْرُهُ وَنُورُهُ ، وَبَقِيَ فِي ظُلْمَةٍ ، وَمَنْ ذَهَبَ عَنْهُ النُّورُ عَمِيَ ، وَحَادَ عَنْ الطَّرِيقِ ، وَمَنْ لَمْ يُبْصِرْ فَلْيَتَّبِعْ الدَّلِيلَ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ، وَمَنْ اتَّبَعَ الْعِلْمَ الَّذِي هُوَ النَّجَاةُ مِنْ
الْهَوْلِ الْعَظِيمِ ، وَعَمِلَ لَهُ ، وَصَبَرَ عَلَيْهِ صَارَ إلَى غَايَةِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ ، فَقَالَ لَهُ : قَدْ بَصَّرْتَنِي مِنْ فَضْلِ الصَّبْرِ قُوَّتَهُ ، وَعَلَّمْتَنِي مَا رَغَّبَنِي فِيهِ ، وَقَوَّانِي عَلَى الْعَمَلِ بِهِ مَعَ ثِقَلِهِ عَلَيَّ فَصِفْ لِي أَمْرًا أَزْدَادُ بِالصَّبْرِ تَبَصُّرًا ، وَفِيهِ رَغْبَةً ، وَعَلَيْهِ حِرْصًا فَقَالَ : صَبْرُك عَلَى الطَّاعَةِ ، وَطَلَبُك لَهَا ، وَهَرَبُك مِنْ الْمَعْصِيَةِ ، وَبَلِيَّتِهَا هُوَ الَّذِي يُرَغِّبُك فِي الطَّاعَةِ وَيُبَيِّنُ لَك فَضْلَهَا قَالَ : قَدْ شَرَحْت لِي أَمْرَ الصَّبْرِ ، وَفَضْلَهُ فَزِدْنِي بِهِ تَبَصُّرًا فَقَالَ لَهُ : هَذَا الدَّلِيلُ ، وَالْإِمَامُ كِتَابُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ لَك فَضْلَ الصَّبْرِ ، وَيُرَغِّبُك فِي لُزُومِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ ، وَتَعَالَى وَصَفَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ ، وَذَكَرَ ثَوَابَهُمْ فَلَمْ يَذْكُرْ ثَوَابًا يَعْدِلُ ثَوَابَ الصَّبْرِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُوَفَّوْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابِ فَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى فَضْلِ الصَّبْرِ مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ ثَوَابِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ لَهُ : صَاحِبُهُ قَدْ دَلَّنِي الْعِلْمُ وَكِتَابُ رَبِّي عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ فَضْلِ الصَّبْرِ وَثَوَابِهِ ؛ فَزَادَنِي بِفَضْلِهِ تَبَصُّرًا ، وَازْدَدْت عَلَيْهِ حِرْصًا ، وَفِيهِ رَغْبَةً ، وَبِهِ تَمَسُّكًا ، وَعَلَيْهِ اعْتِمَادًا مَعَ شِدَّةٍ مِنْهُ عَلَيَّ ، وَثِقَلٍ ، وَصَبْرٍ عَلَى خِلَافِ مَا أَشْتَهِي ، وَحَمْلِ نَفْسِي عَلَى مَا أَكْرَهُ لِطَلَبِي فِيهِ الْأَجْرَ ، وَالْفَضْلَ ، وَابْتِغَاءَ الْعَمَلِ وَالْأَدَبِ .
فَصِفْ لِي أَمْرًا يَخِفُّ بِهِ عَلَيَّ مُؤْنَةُ الصَّبْرِ ، وَيَسْهُلُ عَلَيَّ لُزُومُهُ ، وَيَخِفُّ عَلَيَّ احْتِمَالُهُ ، وَتَذِلُّ صُعُوبَتُهُ فَقَالَ لَهُ : أَرَاك لِلْخَيْرِ مُرِيدًا ، وَلِلْفَضْلِ طَالِبًا ، وَعَلَيْهِ حَرِيصًا ، وَتُحِبُّ أَنْ تَكُونَ قَدْ قَوِيت عَلَى مَا دَلَّكَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِنَفَاذٍ مِنْ الصَّبْرِ ، وَقُوَّةٍ مِنْ الْعَمَلِ ، وَذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا ، وَفِيهِ تَفَهُّمًا ازْدَادَ لِلْخَيْرِ طَلَبًا ، وَعَلَيْهِ
حِرْصًا فَخَفَّ عَلَيْهِ الثَّقِيلُ ، وَقَرُبَ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ ، وَلَهَا فِي الدُّنْيَا عَمَّا يُرِيدُ .
وَإِنَّمَا الثِّقَلُ وَالْعُسْرُ تِمْثَالُ الدُّنْيَا فِي قَلْبِ الْعَبْدِ ، وَهِيَ مَرْصَدُ إبْلِيسَ ، وَسِلَاحُهُ فَإِذَا قَطَعَ عَنْهُ ذَلِكَ اسْتَنَارَ الْقَلْبُ ، وَخَرَجَتْ الظُّلْمَةُ مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ بِهِ احْتِمَالُ قُوَّةٍ ، وَلَا لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ ، وَوَصَلَ مِنْ الْأَمْرِ إلَى مَا يُرِيدُ فَقَالَ لَهُ : زِدْنِي مَا يُسَهِّلُ بِهِ عَلَيَّ ثِقَلَ احْتِمَالِ الصَّبْرِ ، وَيُخَفِّفُهُ عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ : الْأَمْرُ الَّذِي يُسَهِّلُ عَلَيْك ثِقَلَ احْتِمَالِ الصَّبْرِ ، وَيُخَفِّفُهُ عَلَيْك الرِّضَا عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ ، وَتَعَالَى بِكُلِّ مَا صَنَعَ بِك ، وَاخْتَارَهُ لَك ، وَسَاقَهُ إلَيْك فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : فَأَوْضِحْ لِي كَيْفَ يَهُونُ عَلَيَّ مُؤْنَةُ الصَّبْرِ بِرِضَائِي عَنْ اللَّهِ ، وَيُخَفَّفُ عَلَيَّ احْتِمَالُهُ ؟ فَقَالَ : أَلَسْت تَعْلَمُ أَنَّك إنَّمَا انْتَسَبْت إلَى الرِّضَا ، وَسَمَّيْته صَبْرًا ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي نَزَلَ بِك مَكْرُوهٌ عَلَيْك وَإِنَّ هَوَاك ، وَنَفْسَك يُنَازِعَانِك إلَى غَيْرِهِ فَاحْتَجْتَ إلَى الصَّبْرِ فَتَدَبَّرْت ، وَاعْتَبَرْتَ فَصِرْت مِنْ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعِ رِضَاهُ .
ثُمَّ يَتَجَاوَزُ بِك الْأَمْرُ حَتَّى تَصِيرَ إلَى مَوْضِعِ السُّرُورِ حَتَّى تَرَى لَوْ صُرِفَ ذَلِكَ الْأَمْرُ عَنْك لَصِرْت مِنْهُ إلَى تَقْوِيَةِ نَفْسِك ، وَعَلِمْت أَنَّ مَا صُرِفَ عَنْك عُقُوبَةٌ لِبَعْضِ مَا أَحْدَثْت مِنْ ذُنُوبِك أَوْ قَصَّرْت فِيهِ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْك فَصِرْت مِنْهُ إلَى الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ ، وَمَنَازِلِ أَهْلِ الرِّضَا ، وَإِنَّمَا يُوصَلُ إلَى ذَلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ ، وَبِمَعْرِفَتِهِ يَنْظُرُ إلَيْك فَتَعْلَمُ أَنَّك لَا نَظَرَ لَك مِنْ نَفْسِك فَتَرْضَى بِمَا رَضِيَ بِهِ ، وَتَرْغَبُ فِيمَا رَغِبَهُ ، وَتَزْهَدُ فِيمَا زَهِدَهُ ، وَالزُّهْدُ مِنْ الرِّضَا قَالَ : قَدْ عَلِمْت فَضْلَ الرِّضَا ، وَوَضَحَ لِي أَمْرُهُ ، فَصِفْ لِي كَيْفَ يُهَوَّنُ عَلَيَّ أَمْرَ الصَّبْرِ فِي الزُّهْدِ ؟ وَكَيْفَ مَأْخَذُهُ فَقَدْ أَرَانِي مَعَ مَا
أَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الزُّهْدِ مُقِيمًا عَلَى الصَّبْرِ ، وَأَزْدَادُ أَيْضًا مَعَ زُهْدِي فِي الدُّنْيَا أُمُورًا أَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الصَّبْرِ مُخَالَفَةً لِهَوَائِي ، وَرَفْضًا لِشَهَوَاتِي ، وَمَا تُنَازِعنِي نَفْسِي مِنْ لَذَّاتِي فَقَدْ أَرَانِي ازْدَدْت ثِقَلًا ، وَضَجَرًا قَالَ : أَرَاك لَا تَقْبَلُ مِنْ الْأُمُورِ إلَّا أَصْلَحَهَا ، وَلَا تَرْضَى لِنَفْسِك إلَّا بِوَاضِحِهَا ، وَلَا تَخْتَارُ مِنْهَا إلَّا أَرْشَدَهَا ، وَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي أَرْجُو لَك بِهَا الْقُوَّةَ ، وَالنَّجَاحَ لِحَاجَتِك ، وَالظَّفَرَ بِطَلَبَتِك ، وَبُلُوغِك أَقْصَى الْغَايَةِ مِنْ إرَادَتِك فَافْهَمْ قَوْلِي ، وَتَدَبَّرْ نُصْحِي فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ وَاضِحَةٌ ، وَالْأَمْرَ فِيهِ بَيِّنٌ أَلَسْت تَعْلَمُ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ بَاقِيَةً فِي قَلْبِك ، وَأَنَّ حُبَّهَا غَالِبٌ عَلَيْك ، وَأَنَّ سُرُورَهَا فَرَحٌ لَك وَأَنَّ مَكْرُوهَهَا شَدِيدٌ عَلَيْك فَحَمَلْت نَفْسَك عَلَى قَطْعِ ذَلِكَ مَعَ حُبِّك لَهَا ، وَإِيثَارِكَ لَهَا ، وَنُزُلِهَا مِنْك مَعَ طَلَبِك الْفَضْلَ مِنْ احْتِمَالِ الصَّبْرِ ، وَحَمَلْت نَفْسَك عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاك ، وَصَبَرْت عَلَيْهَا لِشِدَّةٍ مِنْهُ عَلَيْك ؛ لِأَنَّ مَكْرُوهَهَا عِنْدَك مَكْرُوهٌ ، وَلِأَنَّ سُرُورَهَا عِنْدَك سُرُورٌ فَثَقُلَ عَلَيْك الصَّوْمُ لِقَطْعِك الشَّهْوَةَ عَنْ نَفْسِك مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَثَقُلَتْ عَلَيْك الصَّلَاةُ .
وَالِاشْتِغَالُ بِهَا لِمَا تُسِرُّهُ إلَيْك نَفْسُك مِنْ اللَّهْوِ ، وَالْحَدِيثِ فِي الْبَاطِلِ ، وَثَقُلَتْ عَلَيْك الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ لِمَا تُحِبُّ أَنْ تَصْرِفَهُ فِيهِ مِنْ لَذَّاتِك ، وَثَقُلَ عَلَيْك التَّوَاضُعُ لِمَا تَرَى مِنْ تَصْغِيرِ شَأْنِك ، وَدَنَاءَةِ مَنْزِلَتِك عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا ، وَثَقُلَ عَلَيْك الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ لِئَلَّا يُعَادِيَك النَّاسُ أَوْ يَنْقَطِعَ رَجَاؤُك مِنْهُمْ أَوْ يُسْمِعُونَك مَا تَكْرَهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْك التَّنْغِيصُ فِي سُرُورِك ، وَثَقُلَ عَلَيْك الْقُنُوعُ وَالرِّضَا لِعَظِيمِ مَوْقِعِ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِك ، وَحُبِّك الْإِكْثَارَ مِنْهَا ، وَحِرْصُك عَلَيْهَا ،
وَكَرَاهِيَتُك لِلْمَوْتِ وَنَعِيمِ مَا بَعْدَهُ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَطُولُ وَصْفُهَا ، وَكُلُّ ذَلِكَ إنَّمَا صَارَ شِدَّتُهُ عَلَيْك لِحُبِّ الدُّنْيَا ، وَإِنَّمَا ثَقُلَ عَلَيْك الصَّبْرُ وَمَلِلْته ، وَضَيَّقَ الشَّيْطَانُ عَلَيْك الْمَذَاهِبَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لِأَنَّ سِلَاحَهُ الَّذِي بِهِ يَقْوَى ، وَكَيْدَهُ الَّذِي يَصِلُ بِهِ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا الرَّغْبَةُ فِيهَا وَطَلَبُهَا ، فَإِذَا أَنْتَ زَهِدْت فِي الدُّنْيَا ، وَرَفَضْتهَا ، وَرَغِبْت فِي الْآخِرَةِ ، وَطَلَبْتهَا سَهُلَ عَلَيْك الْأَمْرُ فَآثَرْت الْآخِرَةَ ، وَطَلَبْتهَا ، وَرَغِبْت فِيهَا ، وَأَدْبَرَتْ عَنْك الدُّنْيَا وَثِقَلُهَا ، وَتَوَلَّتْ عَنْك هَارِبَةً بِبَلَائِهَا ، وَأَتَتْك بِمَنَافِعِهَا ، وَصَرَفَتْ عَنْك شُرُورَهَا بِرَغْمٍ مِنْهَا ، وَانْقَطَعَ رَجَاءُ الشَّيْطَانِ ، وَصَغُرَ كَيْدُهُ وَوَلَّى ، وَقَلَّ سِلَاحُهُ فَلَا قُوَّةَ لَهُ بِك ، وَنَجَوْت بِعِصْمَةِ اللَّهِ ، وَتَوْفِيقِهِ مِنْ الضِّيقِ ، وَالتَّعْسِيرِ ، وَالْهَلَكَةِ ، وَصِرْت إلَى النِّعْمَةِ ، وَالسُّرُورِ ، وَالرَّاحَةِ ، وَخَرَجَ حُبُّ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِك فَلَزِمْت الصِّيَامَ ، وَخَفَّ عَلَيْك ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ نَفْسُك تَنْشَرِحُ إلَى الْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الشَّهَوَاتِ ، وَلَزِمْت الصَّلَاةَ ، وَاشْتَغَلْت بِهَا ؛ لِأَنَّ نَفْسَك لَمْ تَكُنْ تُنَازِعُك إلَى اللَّهْوِ أَوْ الْخَلْوَةِ إلَى حَدِيثٍ فِي بَاطِلٍ ، وَخَفَّتْ عَلَيْك الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ ؛ لِأَنَّك أَعْدَدْت مَا قَدَّمْته أَمَامَك ، وَلَا تُرِيدُ مِنْهُ شَيْئًا يَبْقَى خَلْفَك .
وَخَفَّ عَلَيْك التَّوَاضُعُ لِأَنَّ الْإِيَاسَ قَدْ خَرَجَ مِنْ قَلْبِك ، وَهَانَ عَلَيْك الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَوَوْا عِنْدَك فَلَمْ تَرْجُ أَحَدًا غَيْرَ رَبِّك ، وَلَمْ تَخَفْ شَيْئًا غَيْرَهُ ، وَخَفَّ عَلَيْك الْقُنُوعُ ؛ لِأَنَّك رَضِيت مِنْ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ ، وَلَمْ تُنَازِعْك نَفْسُكَ إلَى غَيْرِ الْبَلَاغِ وَالْكِفَايَةِ ، وَخَفَّ عَلَيْك الْجِهَادُ ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَخْرَجْتهَا مِنْ قَلْبِك ، وَكَرِهْت الْبَقَاءَ فِيهَا ، وَأَحْبَبْت الْمَوْتَ
لِمَا تَرْجُو مِنْ النَّعِيمِ وَالسُّرُورِ وَالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي أَمَامَك ، فَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَاحَةٌ لِلْقَلْبِ ، وَالْبَدَنِ ، وَهُوَ جِمَاعُ الْخَيْرِ ، وَتَمَامُهُ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ إلَّا وَلَهُ ضِدٌّ مِنْ غَيْرِهِ فَمَا قَصُرَ بِك عَنْهُ فَارْفُضْهُ ، وَازْهَدْ فِيهِ يَسْلَمُ لَك عَمَلُك ، وَيَخِفُّ عَلَيْك .
ثِقَلُهُ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : أَوْضَحْت فَبَيَّنْت ، وَأَرْشَدْت فَهَدَيْت ، وَكَشَفْت فَأَرَيْت .
فَصِفْ لِي كَيْفَ الزُّهْدُ ؟ وَمَا حَدُّهُ ؟ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِي الْعَمَلُ بِهِ ؟ فَقَدْ اسْتَبَانَ لِي فَضْلُهُ ، وَوَضَحَ لِي رُشْدُهُ .
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : إنَّ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا وَاجِبٌ عَلَيْك ، وَهُوَ الْوَرَعُ لَا يَجُوزُ لَك التَّقْصِيرُ فِيهِ ، وَلَا الرَّغْبَةُ عَنْهُ ، وَهُوَ اجْتِنَابُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك ، وَنَهَاك عَنْهُ فَهَذَا الْأَمْرُ لَازِمٌ لَك لَا عُذْرَ لَك فِي التَّقْصِيرِ عَنْ الزُّهْدِ ، وَالْقُرْبِ إلَى رَبِّك طَلَبًا لِلْفَضْلِ ، وَنَفْيًا لِكُلِّ أَمْرٍ قَصُرَ بِك عَنْهُ مِنْ الْمُسَارَعَةِ فِي طَاعَتِهِ ، وَالْمُسَابِقَةِ إلَى رِضْوَانِهِ ، فَهَذَا مَا يَنْبَغِي لَك الْعَمَلُ بِهِ ، وَإِدَارَةُ صَلَاحِ نَفْسِك عَلَيْهِ فَقَالَ : أَمَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ ، وَنَهَانِي عَنْهُ فَقَدْ دَلَّنِي عَلَيْهِ الْعِلْمُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَا يَنْبَغِي لِي الْمَقَامُ عَلَيْهِ ، وَلَا الْعَمَلُ بِهِ فَزَهِدْت فِيهِ ، وَرَفَضْته فَصِفْ لِي الزُّهْدَ الَّذِي أَرْجُو أَنْ أَنَالَ بِهِ كَرَامَةَ سَيِّدِي ، وَأَنْ أَبْلُغَ مِنْ ذَلِكَ مَحَبَّتَهُ ، وَأَنْ أَدْفَعَ بِهِ عَنِّي كَيْدَ الشَّيْطَانِ وَمَكْرَهُ .
فَقَالَ لَهُ : ذَلِكَ الزُّهْدُ فِي فُضُولِ الدُّنْيَا ، وَالرِّضَا مِنْهَا بِيَسِيرِهَا ، وَالْأَخْذُ مِنْهَا بِقَدْرِ الْبَلَاغِ إلَى غَيْرِهَا ، وَرَفْضُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ فُضُولِهَا وَأُمُورِهَا ، بِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنْ قَلْبِك فَلَا تَخَفْ أَحَدًا فِي اللَّهِ ، وَلَا تَرُدَّ حَمْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ، وَيَسْتَوِي النَّاسُ عِنْدَك فَلَا تَرْجُ أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ ، وَلَا تَطْلُبْ إلَّا فَضْلَهُ ، وَتَنْصَحُ فِي اللَّهِ فِي السِّرِّ ،
وَالْعَلَانِيَةِ ، وَلَا تَخَفْ لَوْمَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ، وَلَا عَذْلَهُ ، وَتُحِبُّ فِي اللَّهِ ، وَتَبْغُضُ فِي اللَّهِ ، وَلَا تُشْغِلُ قَلْبَك بِشَيْءٍ غَيْرَهُ ، وَتَلْزَمُ التَّوَاضُعَ ، وَالتَّذَلُّلَ لِرَبِّك ، وَتُخْمِلُ ذِكْرَكَ ، وَتُغَيِّبُ اسْمَكَ ، وَلَا تُرِدْ بِذَلِكَ تَعْظِيمَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ غَيْرَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَتُحِبُّ الْمَوْتَ ، وَتَكُونُ مُمْتَثِلًا لَهُ بَيْنَ عَيْنَيْك لِرَجَاءِ مَا بَعْدَهُ .
وَتَزْهَدُ فِي الْحَيَاةِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ ، وَالْبَلِيَّةِ فَهَذَا أَصْلُ الزُّهْدِ فَإِذَا أَنْتَ وَصَلْت إلَى ذَلِكَ نِلْت شَرَفَ الْآخِرَةِ ، وَنَجَوْت بِعَوْنِ اللَّهِ مِنْ بَلِيَّةِ عَاجِلَتِك فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : لَقَدْ ذَكَرْت لِي مِنْ أَمْرِ الزُّهْدِ شَيْئًا ضَاقَ بِهِ ذَرْعِي ، وَاشْتَدَّ لَهُ غَمِّي ، وَاعْتَصَرَ لَهُ قَلْبِي ، وَاسْتَصْعَبَ بِهِ عَلَيَّ أَمْرِي ، وَتَفَرَّقَ لَهُ رَأْيِي ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيَّ الْمُؤْنَةُ فِيهِ ، وَقَدْ كَانَ الصَّبْرُ وَالِاحْتِمَالُ لَهُ أَيْسَرَ عَلَيَّ مُؤْنَةً مِنْهُ ، وَأَخَفَّ عَلَيَّ حِمْلًا مِنْ الزُّهْدِ ، وَخَشِيت أَنْ لَا أَقْوَى عَلَى احْتِمَالِهِ ، وَلَا تُطِيقُ نَفْسِي الْعَمَلَ بِكَمَالِهِ ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِتَمَامِهِ ، وَأَنْ تَمَلَّهُ نَفْسِي وَتَرْفُضَهُ ، وَتَرْجِعَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ هَلَاكُهَا ، وَعَطَبُهَا ، وَقَدْ عَرَفْت فَضْلَ الزُّهْدِ ، وَعَظِيمَ قَدْرِهِ ، فَصِفْ إلَيَّ أَمْرًا أَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الزُّهْدِ ، وَيُخَفِّفُهُ عَلَيَّ ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : قَدْ فَهِمْت قَوْلَك ، وَلَقَدْ صَعُبَ عَلَيْك الذَّلُولُ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْك الْيَسِيرُ ، وَثَقُلَ عَلَيْك الْخَفِيفُ ، وَعُمِّيَتْ عَلَيْك الْمَدَاخِلُ ، وَمَا أَلُومُك حَيْثُ اشْتَدَّ عَلَيْك مِنْ أَمْرِك مَا ذَكَرْت حِينَ لَمْ تَعْلَمْ الْأَمْرَ الَّذِي لَهُ فِي الدُّنْيَا زَهِدْت ، وَاَلَّذِي بِهِ عَلَيْهِ قَوِيت .
وَلَوْ عَلِمْته لَهَانَ عَلَيْك مِنْ أَمْرِك الشَّدِيدُ ، وَخَفَّ عَلَيْك الثَّقِيلُ ، وَسَهُلَتْ عَلَيْك مَوَارِدُهُ ، وَسَهُلَتْ عَلَيْك فِيهِ الْمَذَاهِبُ ، وَخَفَّتْ عَلَيْك فِيهِ الْمُؤْنَةُ فَافْهَمْ قَوْلِي بِعَقْلٍ ،
وَتَدَبَّرْهُ بِحِكَمٍ ، وَخُذْ فِيهِ بِقُوَّةٍ وَجِدٍّ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا ، وَدَعَاهُمْ إلَى الزُّهْدِ فِيهَا وَرَفْضِهَا خِصَالٌ شَتَّى بَعْضُهَا أَرْفَعُ وَأَعْلَى دَرَجَةً مِنْ بَعْضٍ ، وَكُلُّهَا دَاعِيَةٌ إلَى الزُّهْدِ فِيهَا ، فَأَوَّلُ دَرَجَاتِ الزُّهْدِ : أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ الْعِبَادَ فِي الدُّنْيَا ، وَجَعَلَ مَا فِيهَا زِينَةً لَهَا ، وَزَهَّدَهُمْ فِيهَا ، وَخَلَقَ الْآخِرَةَ ، وَنَعِيمَهَا ، وَنَدَبَهُمْ إلَيْهَا ، وَرَغَّبَهُمْ فِيهَا ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ عَنْ الدُّنْيَا مُرْتَحِلُونَ ، وَأَنَّهُمْ إلَى الْآخِرَةِ صَائِرُونَ فَرَغَّبَ الْعِبَادَ فِي الْبَاقِي ، وَزَهَّدَهُمْ فِي الْفَانِي فَآثِرْ الْآخِرَةَ ، وَاطْلُبْهَا ، وَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا ، وَارْفُضْهَا لِكَيْ لَا يُنْتَقَصَ مِنْ حَظِّك فِي الْآخِرَةِ بِمَا نِلْت مِنْ نَعِيمِ دُنْيَاك : وَأَمَّا الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْعِبَادَ فِي الدُّنْيَا فَأَوْجَبَ الْمَوْتَ عَلَيْهِمْ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ مَيِّتُونَ ، وَضَرَبَ لَهُمْ فِيهَا أَجَلًا فَلَمْ يَعْلَمُوا فِي أَيِّ الْأَوْقَاتِ ، وَالسَّاعَاتِ تَأْتِيهِمْ مَنِيَّتُهُمْ فَتَحُولُ بَيْنَهُمْ ، وَبَيْنَ دُنْيَاهُمْ ، وَنَعِيمِ عَيْشِهِمْ ، وَمُفَارَقَةِ أَحْبَابِهِمْ ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْمَوْتُ فِي قُلُوبِهِمْ أَسْهَرُوا فِي اللَّيْلِ أَعْيُنَهُمْ ، وَاشْتَغَلُوا بِهُمُومِهِمْ عَنْ أَهْلِيهِمْ ، وَأَوْلَادِهِمْ ، وَدَامَ حُزْنُهُمْ ، وَبُكَاؤُهُمْ ، وَزَهِدُوا فِي الدُّنْيَا ، وَأَهْلِهَا وَنَعِيمِهَا ، فَصَارَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الضِّيفَانِ ، وَكَانَ الْمُقَوِّي لَهُمْ عَلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ذِكْرُ الْمَوْتِ وَقَصْرُ الْأَمَلِ فَهَذِهِ الْخَصْلَةُ شَرِيفَةٌ مِنْ خِصَالِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، وَأَمَّا الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الزُّهْدِ : فَتَصْدِيقُ الْعَبْدِ رَبَّهُ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ ، وَمَا خَوَّفَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِ النَّارِ وَعَذَابِهَا ، وَمَا حَذَّرَهُ مِنْهُ مِنْ الدُّنْيَا ، وَالِاغْتِرَارِ بِهَا فَزَهِدَ فِيهَا ،
وَأَحَبَّ بِالْمَوْتِ مُفَارَقَتَهَا ، وَالتَّبَاعُدَ عَنْهَا ، وَالْخُرُوجَ مِنْهَا إلَى دَارِهِ وَقَرَارِهِ تَبَصُّرًا مِنْهُ بِالدُّنْيَا ، وَحَالِهَا فَهَذِهِ الْخَصْلَةُ مِنْ خِصَالِ الزُّهْدِ أَشْرَفُ مِمَّا قَبْلَهَا ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : مَا تَرَكْت لِي إلَى الدُّنْيَا ، وَالرُّكُونِ إلَيْهَا سَبِيلًا ، وَلَقَدْ اسْتَبَانَ لِي مِنْ قَوْلِك الْبِرُّ وَالْحَقُّ ، وَوَضَحَ لِي مِنْ وَصْفِك الصِّدْقُ ، وَقَوِيت - بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ - عَلَى الزُّهْدِ فِيهَا ، وَرَفْضِهَا ؛ فَصِفْ لِي بِصِفَتِك الشَّافِيَةِ ، وَنَعْتِك النَّافِعِ دَوَاءً لِدَاءِ قَلْبِي تُخْبِرنِي فِيهِ عَنْ الْأَمْرِ الَّذِي يَدُلُّنِي عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ ، وَيُقَوِّينِي عَلَيْهَا .
فَقَالَ : الْأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّك عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ ، وَيُقَوِّيك عَلَيْهَا ، وَيُنَوِّرُهَا فِي قَلْبِك هُوَ الْيَقِينُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ ، وَالتَّصْدِيقُ بِرَبِّك الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ لَبْسٌ فَإِنَّهُ مَنْ صَدَقَ رَبَّهُ أَيْقَنَ ، وَمَنْ أَيْقَنَ أَبْصَرَ ، وَمَنْ أَبْصَرَ زَهِدَ ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْيَقِينِ ، وَأَفْضَلُ الْيَقِينِ التَّوَكُّلُ ، قَالَ : فَصِفْ لِي الْيَقِينَ لِأَعْرِفَهُ .
فَقَالَ : أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، وَأَنَّهُ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي قُدْرَتِهِ ، وَسُلْطَانِهِ ، وَخَلْقِهِ ، وَأَنَّ وَعَدَهُ حَقٌّ ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ ، وَكَذَا وَعِيدَهُ ، وَكُتُبَهُ ، وَرَسُولَهُ حَتَّى تُقِرَّ بِذَلِكَ فِي قَلْبِك ، وَتَتَّبِعَ كِتَابَ رَبِّك فَهَذَا الْيَقِينُ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ ، قَالَ : صِفْ لِي التَّوَكُّلَ لِأَعْرِفَهُ ، فَقَالَ : التَّوَكُّلُ هُوَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ ، وَتَصْدِيقُ الْيَقِينِ دَلَالَتَهُ ، فَمَنْ أَيْقَنَ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ ، وَالْمُقْتَدِرُ عَلَيْهَا ، وَالْمَالِكُ لَهَا ، وَالْمُنْفَرِدُ بِهَا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ ، وَقَطَعَ رَجَاءَهُ عَمَّنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ ، وَلَمْ يَأْنَسْ إلَّا بِهِ فَانْقَطِعْ إلَى اللَّهِ ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ حَالَاتك
فَهَذِهِ صِفَةُ الْعَمَلِ وَالتَّوَكُّلِ وَمَأْخَذِهِ ، قَالَ : مَا الَّذِي يَدُلُّنِي عَلَى الْفِكْرَةِ ، وَيُقَوِّينِي عَلَيْهَا فَإِنِّي كُلَّمَا أَرَدْت الْفِكْرَةَ لَمْ أَصِلْ إلَيْهَا ، وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا فَقَالَ : أَجَلْ لَا تَصِلُ إلَى مَا تُرِيدُ مِنْ الْفِكْرَةِ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا فَسَبِيلُ الْوُصُولِ إلَى الْفِكْرَةِ : الصِّيَامُ ، وَتَرْكُ الْإِكْثَارِ مِنْ الطَّعَامِ ، وَالشَّرَابِ ، وَاعْتِزَالُ الشَّهَوَاتِ ، وَلُزُومُ الصَّمْتِ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَالْخَيْرُ فِي الْخَلْوَةِ ، وَالِاعْتِزَالُ ، وَرَفْضُ الِاشْتِغَالِ بِالْفُضُولِ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ، وَلَا حَوْلَ ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
فَصْلٌ فِي السَّمَاعِ ، وَكَيْفِيَّتِهِ ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ ، وَمَا يَجُوزُ فَانْظُرْ - رَحِمنَا اللَّهُ ، وَإِيَّاكَ - إلَى مَا قَرَّرَ هَذَا السَّيِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ ، وَالْأَخْذِ أَوَّلًا بِالصِّيَامِ ، وَتَرْكِ الْإِكْثَارِ مِنْ الطَّعَامِ ، وَالشَّرَابِ ، وَاعْتِزَالِ الشَّهَوَاتِ ، وَلُزُومِ الصَّمْتِ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَالْخَيْرِ فِي الْخَلْوَةِ ، وَالِاعْتِزَالِ ، وَرَفْضِ الِاشْتِغَالِ بِالْفُضُولِ فَلَمْ يَكْتَفِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْخَلْوَةِ لَيْسَ إلَّا حَتَّى ذَكَرَ الِاعْتِزَالَ مَعَ الْخَلْوَةِ فَلَوْ كَانَتْ خَلْوَةً دُونَ اعْتِزَالٍ لَقَلَّ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ الِاعْتِزَالَ ، فَأَيْنَ هَذَا الْحَالُ مِنْ حَالِنَا الْيَوْمَ ؟ إذْ إنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْخِرْقَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ إنَّمَا شَأْنُهُ كَثْرَةُ الِاجْتِمَاعِ ، وَحُضُورُ السَّمَاعِ ، وَالرَّقْصِ فِيهِ حَتَّى كَأَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ فِي السُّلُوكِ - نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ - فَمَنْ أَرَادَ الْخَيْرَ فَلْيَعْتَزِلْ عَمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَإِلَّا فَالْفَتْحُ عَلَيْهِ بَعِيدٌ أَعْنِي الْفَتْحَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي يَقْرُبُ بِهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ ، وَجَلَّ دُونَ ادِّعَاءٍ ، وَإِلَّا فَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ الْأَحْوَالَ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ رَقْصِهِمْ ، وَتَأْخُذُهُمْ الْأَحْوَالُ إذْ ذَاكَ ، وَيُخْبِرُونَ بِأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْغَيْبِ .
وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لَكَانَ مُصَادَفَةً ، ثُمَّ إنَّهُمْ يُوَلُّونَ ، وَيَعْزِلُونَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ ، وَيُخْبِرُونَ بِمَنَازِلِ أَصْحَابِهِمْ فَيَقُولُونَ مَثَلًا : فُلَانٌ أَحَدُ السَّبْعَةِ ، وَفُلَانٌ أَحَدُ الْعَشَرَةِ ، وَفُلَانٌ أَحَدُ السَّبْعِينَ ، وَفُلَانٌ أَحَدُ الثَّلَاثمِائَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا أَحْوَالٌ نَفْسَانِيَّةٌ أَوْ شَيْطَانِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ مَعَ ارْتِكَابِ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَهَذَا السَّمَاعُ عَلَى مَا يَعْلَمُونَهُ مُحَرَّمٌ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو
عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْله تَعَالَى { : إذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } .
هَؤُلَاءِ قَامُوا فَذَكَرُوا اللَّهَ عَلَى هِدَايَتِهِ شُكْرًا لِمَا أَوْلَاهُمْ مِنْ نِعْمَتِهِ ثُمَّ هَامُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ مُنْقَطِعِينَ إلَى رَبِّهِمْ ، وَخَائِفِينَ مِنْ قَوْمِهِمْ ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الرُّسُلِ ، وَالْأَنْبِيَاءِ ، وَالْفُضَلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ أَيْنَ هَذَا مِنْ ضَرْبِ الْأَرْضِ بِالْأَقْدَامِ ، ؟ وَالرَّقْصِ بِالْأَكْمَامِ خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَصْوَاتِ الْحِسَانِ مِنْ الْمُرْدِ وَالنِّسْوَانِ ، هَيْهَاتَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهِ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، ثُمَّ إنَّ هَذَا حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُنْقَطِعَ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا فِي وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ ، وَأَنَّ الْمَكْرُوهَ عِنْدَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ كَالْمُحَرَّمِ لَا سَبِيلَ إلَى ذِكْرِهِ فَضْلًا عَنْ فِعْلِهِ .
، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فِي ضَرْبِ الطَّارِ عَلَى حِدَتِهِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا ؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الشَّبَّابَةِ عَلَى حِدَتِهَا ، وَقَاعِدَةُ أَهْلِ الطَّرِيقِ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ فَكَيْفَ يُقْدِمُونَ عَلَى شَيْءٍ قَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى مَنْعِهِ ؟ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّهِمْ ، ثُمَّ مَعَ ارْتِكَابِ بَعْضِهِمْ مَا ذُكِرَ يَدَّعُونَ الْأَحْوَالَ الرَّفِيعَةَ ، وَيُشِيرُونَ إلَى مَقَامَاتٍ ، وَمُنَازَلَاتٍ تُسْتَعْظَمُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالِاقْتِدَاءِ وَالِاتِّبَاعِ ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ لِأَهْلِ التَّخْلِيطِ ، وَارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي ؟ ذَلِكَ مُحَالٌ ، ، وَمِنْ أَشَدِّ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ مَا أَحْدَثُوهُ فِي السُّجُودِ لِلشَّيْخِ حِينَ قِيَامِ الْفَقِيرِ لِلرَّقْصِ ، وَبَعْدَهُ ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ : رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ { : لَمَّا قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ ، فَرَأَيْت أَنَّكَ أَوْلَى بِذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي لَوْ أَمَرْت أَحَدًا يَسْجُدُ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ، لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا ، وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ } هَذَا لَفْظُ النَّسَائِيّ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ مُعَاذٍ { وَنَهَى عَنْ السُّجُودِ لِلْبَشَرِ ، وَأَمَرَنَا بِالْمُصَافَحَةِ } قُلْت : وَهَذَا السُّجُودُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَدْ اتَّخَذَهُ جُهَّالُ الْمُتَصَوِّفَةِ عَادَةً فِي سَمَاعِهِمْ ، وَعِنْدَ دُخُولِهِمْ عَلَى مَشَايِخِهِمْ ، وَاسْتِغْفَارِهِمْ فَتَرَى الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا أَخَذَهُ الْحَالُ بِزَعْمِهِ يَسْجُدُ لِلْأَقْدَامِ
سَوَاءً كَانَ لِلْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهَا جَهَالَةً مِنْهُ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ، وَخَابَ عَمَلُهُمْ ( فَصْلٌ ) فَانْظُرْ - رَحِمَنَا اللَّهُ - وَإِيَّاكَ إلَى قِصَّةِ مُعَاذٍ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَقَوْلِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّك أَوْلَى بِذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهَا مِنْ الْفَوَائِدِ النَّفِيسَةِ : التَّحَرُّزُ عَنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَالْبُعْدُ مِنْهُمْ إذْ أَنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ غَالِبًا إلَى مَا يَكْثُرُ تَرْدَادُهُ عَلَيْهَا ، وَمِنْ هَاهُنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كَثُرَ التَّخْلِيطُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِمُجَاوَرَتِهِمْ ، وَمُخَالَطَتِهِمْ لِقِبْطِ النَّصَارَى مَعَ قِلَّةِ الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ فِي الْغَالِبِ فَأَنِسَتْ نُفُوسُهُمْ بِعَوَائِدِ مَنْ خَالَطُوهُ فَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الْفَسَادُ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ ، وَضَعُوا تِلْكَ الْعَوَائِدَ الَّتِي أَنِسَتْ بِهَا نُفُوسُهُمْ مَوْضِعَ السُّنَنِ حَتَّى أَنَّك إذَا قُلْت لِبَعْضِهِمْ : الْيَوْمَ السُّنَّةُ كَذَا يَكُونُ جَوَابُهُ لَك عَلَى الْفَوْرِ عَادَةُ النَّاسِ كَذَا ، وَطَرِيقَةُ الْمَشَايِخِ كَذَا ، فَإِنْ طَالَبْتَهُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ : نَشَأْت عَلَى هَذَا ، وَكَانَ وَالِدِي ، وَجَدِّي ، وَشَيْخِي ، وَكُلُّ مَنْ أَعْرِفَهُ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ ، وَلَا يُمْكِنُ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَرْتَكِبُوا الْبَاطِلَ أَوْ يُخَالِفُوا السُّنَّةَ فَيُشَنِّعُ عَلَى مَنْ يَأْمُرُهُ بِالسُّنَّةِ ، وَيَقُولُ لَهُ : مَا أَنْتَ أَعْرَفُ بِالسُّنَّةِ مِمَّنْ أَدْرَكْتُهُمْ مِنْ هَذَا الْجَمِّ الْغَفِيرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إنْكَارُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَخْذِهِ بِعَمَلِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ هَذَا الْمِسْكِينُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْقَرْنِ السَّابِعِ مَعَ مُخَالَطَتِهِمْ لِغَيْرِ جِنْسِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْقِبْطِ ، وَالْأَعَاجِمِ ، وَغَيْرِهِمَا ؟ ، - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ - مَعَ أَنَّ السَّمَاعَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالشِّعْرِ لَيْسَ إلَّا ،
فَإِذَا فَعَلَ أَحَدٌ ذَلِكَ قَالُوا أَهْمَلَ السَّمَاعَ ، وَهُوَ الْيَوْمَ عَلَى مَا يُعْهَدُ ، وَيُعْلَمُ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْإِمَامُ الشَّيْخُ رَزِينٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا أُتِيَ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا لِوَضْعِهِمْ الْأَسْمَاءَ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّيَاتٍ وَهَا هُوَ ذَا بَيِّنٌ .
أَلَا تَرَى السَّمَاعَ كَانَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ الْيَوْمَ عَلَى مَا نُعَايِنُهُ ، وَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بِمَا ارْتَكَبُوهُ حَتَّى وَقَعُوا فِي حَقِّ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَنَسَبُوا إلَيْهِمْ اللَّعِبَ ، وَاللَّهْوَ فِي كَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ السَّمَاعَ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ هُوَ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَفْعَلُونَهُ ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ هَذَا ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ ، وَيَرْجِعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِلَّا فَهُوَ هَالِكٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ السُّهْرَوَرْدِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى السَّمَاعِ قَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ : وَلَا شَكَّ أَنَّك إذَا خَيَّلْت بَيْنَ عَيْنَيْك جُلُوسَ هَؤُلَاءِ لِلسَّمَاعِ ، وَمَا يَفْعَلُونَهُ فِيهِ فَإِنَّ نَفْسَك تُنَزِّهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَعَنْ حُضُورِهِ انْتَهَى .
وَلَقَدْ أَنْصَفَ فِيمَا وَصَفَ ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي حَقِّ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَقَدْ قِيلَ عَنْ الْجُنَيْدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّهُ قَالَ : إنَّ السَّمَاعَ لَا يَرْجِعُ مُبَاحًا إلَّا بِعَشَرَةِ شُرُوطٍ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ إلَّا ذُو مَحْرَمٍ أَعْنِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ، وَإِمْكَانٍ ، وَإِخْوَانٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَأَنْ يَكُونَ الْقَوَّالُ هُوَ الَّذِي يَمُدُّهُمْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ
الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ شَنَآنُ ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُ أَحَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُ شَابٌّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ .
وَحَيْثُ كَانَ مُبَاحًا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فَإِنْ اتَّفَقَ اجْتِمَاعُهَا كَانَ السَّمَاعُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَهُوَ إنْشَادُ الشِّعْرِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْخُلُونَ إلَى خَلَوَاتِهِمْ فَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ عَنْ تَمَامِ الْمُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا خَرَجَ فَحَضَرَ السَّمَاعَ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى خَلْوَتِهِ نَشِطًا ؛ لِأَنَّ الْقَوَّالَ كَانَ يَمُدُّهُمْ فِي بَوَاطِنِهِمْ ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يُنْشِدُ لَهُمْ مِنْ دُرَرِ الشِّعْرِ مَا يُنَاسِبُ حَالَهُمْ وَتَقْوَى بِهِ قُلُوبُهُمْ عَلَى السَّيْرِ إلَى الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ ، وَالنُّهُوضِ إلَيْهَا ، وَتَرْكِ التَّرَاخِي ، وَالتَّسْوِيفِ الشَّاغِلِ عَنْهَا ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ تَمَامِ الْمُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا إلَى الْخَلْوَةِ خَرَجَ إلَى مَجْلِسِ عَالِمٍ فَحَضَرَهُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَلْوَتِهِ قَوِيًّا ؛ لِأَنَّ حُضُورَ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ يُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَيِّتَةَ كَمَا يُحْيِي الْمَطَرُ الْوَابِلُ النَّبَاتَ بَلْ النَّظَرُ إلَيْهِمْ تَقْتَاتُ بِهِ النُّفُوسُ الْأَبِيَّةُ ، وَيَنْشَرِحُ صَدْرُهَا ، وَيَحْدُثُ لَهَا عِنْدَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ انْزِعَاجٌ ، وَقُوَّةٌ بَاعِثَةٌ عَلَى مَا تُؤَمِّلُهُ مِنْ الْخَيْرِ كَيْفَ لَا ، وَهُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ، وَخُلَفَاؤُهُ فِي خَلْقِهِ .
وَقَدْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَحْمَةً ، وَكَهْفًا لِمَنْ يَأْوِي إلَيْهِمْ ، وَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهِمْ ، نَصَبَهُمْ هُدَاةً لِلْمُتَحَيِّرِينَ ، وَنُورًا لِلسَّالِكِينَ - اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمَنَا بَرَكَتَهُمْ ، وَلَا تُخَالِفْ بِنَا عَنْ سُنَّتِهِمْ فَأَنْتَ
وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ - فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ حَالِهِمْ ، وَعُلِمَ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا السَّمَاعِ الْمَوْجُودِ بَيْنَ النَّاسِ مُخَالِفٌ لِجَمَاعَتِهِمْ إذْ إنَّهُ احْتَوَى عَلَى أَشْيَاءَ مُحَرَّمَاتٍ أَوْ مَكْرُوهَاتٍ أَوْ هُمَا مَعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْحِكَايَةُ عَنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ إذْ إنَّهُمْ جَمَعُوا فِيهِ بَيْنَ الدُّفِّ ، وَالشَّبَّابَةِ ، وَالتَّصْفِيقِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ التَّصْفِيقَ إنَّمَا هُوَ لِلنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا مُنِعَتْ الْآلَاتُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا ، وَبَعْضُهُمْ يَنْسِبُ جَوَازَ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي الرَّقْصِ عَلَى الطَّارِ وَالشَّبَّابَةِ ؟ فَقَالَ : هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الدِّينِ .
فَقَالُوا : أَمَا جَوَّزَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَنْشَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : حَاشَا الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ النَّبِيهْ أَنْ يَرْتَقِي غَيْرَ مَعَانِي نَبِيهْ أَوْ يَتْرُكَ السُّنَّةَ فِي نُسْكِهِ أَوْ يَبْتَدِعَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَوْ يَبْتَدِعَ طَارًا وَشَبَّابَةً لِنَاسِكٍ فِي دِينِهِ يَقْتَدِيهْ الضَّرْبُ بِالطَّارَاتِ فِي لَيْلَةٍ وَالرَّقْصُ وَالتَّصْفِيقُ فِعْلُ السَّفِيهْ هَذَا ابْتِدَاعٌ وَضَلَالٌ فِي الْوَرَى وَلَيْسَ فِي التَّنْزِيلِ مَا يَقْتَضِيهْ وَلَا حَدِيثٍ عَنْ نَبِيِّ الْهُدَى وَلَا صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيهْ بَلْ جَاهِلٌ يَلْعَبُ فِي دِينِهِ قَدْ ضَيَّعَ الْعُمْرَ بِلَهْوٍ وَتِيهْ وَرَاحَ فِي اللَّهْوِ عَلَى رِسْلِهِ وَلَيْسَ يَخْشَى الْمَوْتَ إذْ يَعْتَرِيهْ إنَّ وَلِيَّ اللَّهِ لَا يَرْتَضِي إلَّا بِمَا اللَّهُ لَهُ يَرْتَضِيهْ وَلَيْسَ يَرْضَى اللَّهُ لَهْوَ الْوَرَى بَلْ يَمْقُتُ اللَّهُ بِهِ فَاعِلِيهْ بَلْ بِصِيَامٍ وَقِيَامٍ فِي الدُّجَى وَآخِرِ اللَّيْلِ لِمُسْتَغْفِرِيهِ إيَّاكَ تَغْتَرُّ بِأَفْعَالِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ وَلَا يَبْتَغِيهْ قَدْ
أَكَلُوا الدُّنْيَا بِدِينٍ لَهُمْ وَلَبَّسُوا الْأَمْرَ عَلَى جَاهِلِيهْ جَهْلٌ وَطَيْشٌ فِعْلُهُمْ كُلُّهُ ، وَكُلُّ مَنْ دَانَ بِهِ تَزْدَرِيهْ شِبْهُ نِسَاءٍ جَمَعُوا مَأْتَمًا فَقُمْنَ فِي النَّدْبِ عَلَى مَيِّتِيهْ وَالضَّرْبُ فِي الصَّدْرِ كَمَا قَدْ تَرَى لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ النَّسَا مِنْ شَبِيهْ أَنْكِرْ عَلَيْهِمْ إنْ تَكُنْ قَادِرًا فَهُمْ رِجَالُ إبْلِيسَ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا تَخَفْ فِي اللَّهِ مِنْ لَائِمٍ وَفَّقَك اللَّهُ لِمَا يَرْتَضِيهْ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ إلَّا مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَبِطَرِيقَتِهِ ، مِنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فَمَنْ ذَكَرَ عَنْهُ غَيْرَ مَا يُنَاسِبُهُ كُذِّبَ فِيمَا ادَّعَاهُ ، وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُزَنِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أَنْ بَاشَرَ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ جَوَازَ السَّمَاعِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
( فَصْلٌ ) : وَأَشَدُّ مِنْ فِعْلِهِمْ السَّمَاعَ كَوْنُ بَعْضِهِمْ يَتَعَاطَوْنَهُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْقِيرُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِلْمَسَاجِدِ كَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانُوا يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ فِيهِ ذِكْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ إنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ نَشَدَ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ : لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك } ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ { مَنْ سَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ فَاحْرِمُوهُ } ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ ، وَنَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ } ، وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يَفْعَلُونَ السَّمَاعَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَيَرْقُصُونَ فِيهَا ، وَعَلَى حُصُرِ الْوَقْفِ الَّتِي فِيهَا ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي الرُّبُطِ ، وَالْمَدَارِسِ ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عَمِلَ فَتْوَى ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ إحْدَى وَسِتِّينَ ، وَسِتِّمِائَةٍ ، وَمَشَى بِهَا عَلَى الْأَرْبَعِ مَذَاهِبَ ، وَلَفْظُهَا : مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ ، وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ - وَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى مَرْضَاتِهِ - فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَرَدُوا إلَى بَلَدٍ فَقَصَدُوا إلَى الْمَسْجِدِ ، وَشَرَعُوا يُصَفِّقُونَ ، وَيُغَنُّونَ ، وَيَرْقُصُونَ تَارَةً بِالْكَفِّ ، وَتَارَةً بِالدُّفُوفِ ، وَالشَّبَّابَةِ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ شَرْعًا ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ تَعَالَى .
فَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ : السَّمَاعُ لَهْوٌ مَكْرُوهٌ يُشْبِهُ الْبَاطِلَ مَنْ قَالَ بِهِ : تُرَدُّ شَهَادَتُهُ - وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ - وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ : يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ زَجْرُهُمْ وَرَدْعُهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنْ الْمَسَاجِدِ حَتَّى يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ : فَاعِلُ ذَلِكَ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، وَلَا يُقْبَلُ حُكْمُهُ ، وَإِنْ كَانَ حَاكِمًا ، وَإِنْ عُقِدَ النِّكَاحُ عَلَى يَدِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ : الْحُصُرُ الَّتِي يُرْقَصُ عَلَيْهَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى تُغْسَلَ ، وَالْأَرْضُ الَّتِي يُرْقَصُ عَلَيْهَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى يُحْفَرَ تُرَابُهَا وَيُرْمَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى قِصَّةِ السَّامِرِيِّ فِي سُورَةِ طَهَ سُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا يَقُولُ سَيِّدُنَا الْفَقِيهُ فِي مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ حَرَسَ اللَّهُ مُدَّتَهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ يُكْثِرُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَذِكْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ إنَّهُمْ يُوقِعُونَ أَشْعَارًا مَعَ الطَّقْطَقَةِ بِالْقَضِيبِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَدِيمِ ، وَيَقُومُ بَعْضُهُمْ يَرْقُصُ ، وَيَتَوَاجَدُ حَتَّى يَخِرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، وَيُحْضِرُونَ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ هَلْ الْحُضُورُ مَعَهُمْ جَائِزٌ أَمْ لَا ؟ أَفْتُونَا يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ .
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ يَا شَيْخُ كُفَّ عَنْ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالزَّلَلْ ، وَاعْمَلْ لِنَفْسِك صَالِحًا مَا دَامَ يَنْفَعُكَ الْعَمَلْ أَمَّا الشَّبَابُ فَقَدْ مَضَى ، وَمَشِيبُ رَأْسِك قَدْ نَزَلْ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ مَذْهَبُ هَؤُلَاءِ بَطَالَةٌ ، وَجَهَالَةٌ ، وَضَلَالَةٌ ، وَمَا الْإِسْلَامُ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا الرَّقْصُ ، وَالتَّوَاجُدُ فَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ أَصْحَابُ السَّامِرِيِّ لَمَّا اتَّخَذَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ قَامُوا يَرْقُصُونَ حَوَالَيْهِ ، وَيَتَوَاجَدُونَ
فَهُوَ دِينُ الْكُفَّارِ ، وَعُبَّادِ الْعِجْلِ ، وَأَمَّا الْقَضِيبُ فَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الزَّنَادِقَةُ لِيُشْغِلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا كَانَ يَجْلِسُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ مِنْ الْوَقَارِ فَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الْحُضُورِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُمْ ، وَلَا يُعِينَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ .
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِكِتَابِ النَّهْيِ عَنْ الْأَغَانِي : وَقَدْ كَانَ النَّاسُ فِيمَا مَضَى يَسْتَتِرُ أَحَدُهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ إذَا وَاقَعَهَا ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَيَتُوبُ إلَيْهِ مِنْهَا ، ثُمَّ كَثُرَ الْجَهْلُ ، وَقَلَّ الْعِلْمُ ، وَتَنَاقَصَ الْأَمْرُ حَتَّى صَارَ أَحَدُهُمْ يَأْتِي الْمَعْصِيَةَ جِهَارًا ثُمَّ ازْدَادَ الْأَمْرُ إدْبَارًا حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ إخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ ، وَفَّقَنَا اللَّهُ ، وَإِيَّاهُمْ اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ ، وَاسْتَهْوَى عُقُولَهُمْ فِي حُبِّ الْأَغَانِي ، وَاللَّهْوِ ، وَسَمَاعِ الطَّقْطَقَةِ ، وَاعْتَقَدَتْهُ مِنْ الدِّينِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَجَاهَرَتْ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَشَاقَّتْ بِهِ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَخَالَفَتْ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَهَاءَ وَحَمَلَةَ الدِّينِ { : وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا رَخَّصَ فِيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ الْغِنَاءِ فَقَالَ : إنَّمَا يَفْعَلُهُ عِنْدَنَا الْفُسَّاقُ ، وَنَهَى عَنْ الْغِنَاءِ ، وَاسْتِمَاعِهِ ، وَأَمَّا أَبُو
حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَكْرَهُ الْغِنَاءَ ، وَيَجْعَلُهُ مِنْ الذُّنُوبِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ سُفْيَانَ وَحَمَّادٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَا نَعْلَمُ أَيْضًا بَيْنَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ خِلَافًا فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ ، وَالْمَنْعِ مِنْهُ ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ : إنَّ الْغِنَاءَ لَهُمْ مَكْرُوهٌ ، وَيُشْبِهُ الْبَاطِلَ ، وَالْمُحَالَ ، أَمَّا سَمَاعُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْرَمٍ لَهُ فَإِنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مَكْشُوفَةً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَصَاحِبُ الْجَارِيَةِ إذَا جَمَعَ النَّاسَ لِسَمَاعِهَا فَهُوَ سَفِيهٌ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ، وَغَلَّظَ الْقَوْلَ فِيهِ قَالَ : هُوَ دِيَاثَةٌ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ دَيُّوثًا ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَكْرَهُ الطَّقْطَقَةَ بِالْقَضِيبِ ، وَيَقُولُ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ لِيُشْغِلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الْقُرْآنِ ، وَأَمَّا الْعُودُ ، وَالطُّنْبُورُ ، وَسَائِرُ الْمَلَاهِي فَحَرَامٌ ، وَمُسْتَمِعُهُ فَاسِقٌ ، وَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ مَاتَ مِيتَةَ الْجَاهِلِيَّةِ } ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ مُخَالِفَةٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْغِنَاءَ دِينًا ، وَطَاعَةً ، وَرَأَتْ إعْلَانَهُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَالْجَوَامِعِ ، وَقَدْ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِالِاحْتِيَاطِ لِدِينِهِمْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَإِنَّهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِالدِّينِ ، وَمُدَّعُونَ الْوَرَعَ وَالزُّهْدَ حَتَّى تُوَافِقَ بَوَاطِنُهُمْ ظَوَاهِرَهُمْ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } الْآيَةَ قَالَ : الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ : هُوَ الْغِنَاءُ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَهْوُ الْحَدِيثِ الْغِنَاءُ ، وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ ، وقَوْله تَعَالَى { : وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ
مِنْهُمْ بِصَوْتِك } قَالَ مُجَاهِدٌ : بِالْغِنَاءِ ، وَالْمَزَامِيرِ { ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجْلِكَ } قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ : كُلُّ رَاكِبٍ وَمَاشٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ خَيْلِ إبْلِيسَ وَرَجْلِهِ { ، وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } قَالَ قَوْمٌ : كُلُّ مَالٍ أُصِيبَ مِنْ حَرَامٍ ، وَأُنْفِقَ فِي حَرَامٍ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مُشَارَكَتُهُ لَنَا فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ مَا يُزَيِّنُهُ لَنَا مِنْ الْأَيْمَانِ ، ثُمَّ يُزَيِّنُ لَنَا الْحِنْثَ فِيهَا فَنَطَأُ الْفُرُوجَ بَعْدَ الْحِنْثِ ، وَنَكْتَسِبُ الْأَمْوَالَ بِالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ ، وَقَالَ تَعَالَى { : أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ، وَتَضْحَكُونَ ، وَلَا تَبْكُونَ ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ .
} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : سَامِدُونَ هُوَ الْغِنَاءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ الْغِنَاءُ لِقَوْلِ أَهْلِ الْيَمَنِ سَمَدَ فُلَانٌ إذَا غَنَّى ، وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِهِ الزَّاهِي بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمُغَنِّيَاتِ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ ، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ } زَادَ التِّرْمِذِيُّ : وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ ، وَأَكْلُ أَثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ { : وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } زَادَ غَيْرُهُ { وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا رَفَعَ رَجُلٌ عَقِيرَتَهُ أَيْ صَوْتَهُ بِالْغِنَاءِ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ شَيْطَانَيْنِ يَرْتَدِفَانِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ لَا يَزَالَانِ يَضْرِبَانِ بِأَرْجُلِهِمَا عَلَى صَدْرِهِ ، وَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى صَدْرِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْكُتُ } ، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : كَانَ إبْلِيسُ أَوَّلَ مَنْ نَاحَ ، وَأَوَّلَ مَنْ غَنَّى } ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
{ يُمْسَخُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي آخِرَ الزَّمَانِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : مُسْلِمُونَ هُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَيُصَلُّونَ ، وَيَصُومُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : فَمَا بَالُهُمْ ؟ قَالَ اتَّخَذُوا الْمَعَازِفَ ، وَالْقَيْنَاتِ ، وَالدُّفُوفَ ، وَشَرِبُوا هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ فَبَاتُوا عَلَى شَرَابِهِمْ فَأَصْبَحُوا ، وَقَدْ مُسِخُوا } ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ : إذَا كَانَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا ، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا ، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ ، وَعَقَّ أُمَّهُ ، وَجَفَا أَبَاهُ ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ ، وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ ، وَاُتُّخِذَتْ الْقَيْنَاتُ ، وَالْمَعَازِفُ ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا أَوْ مَسْخًا } ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَوْ الْقِيَامَةِ إضَاعَةُ الصَّلَوَاتِ ، وَاتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ ، وَتَكُونُ أُمَرَاءُ خَوَنَةٌ ، وَوُزَرَاءُ فَسَقَةٌ فَقَالَ سَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي ، وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذَا كَائِنٌ قَالَ : نَعَمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَهَا يُكَذَّبُ الصَّادِقُ ، وَيُصَدَّقُ الْكَاذِبُ ، وَيُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ ، وَيُخَوَّنُ الْمُؤْتَمَنُ يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ الْكَذِبُ ظَرْفًا ، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ، إنَّ أَذَلَّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْمُؤْتَمَنُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِالْمَخَافَةِ يَذُوبُ قَلْبُهُ فِي جَوْفِهِ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ هَمًّا ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ ، عِنْدَهَا يَا سَلْمَانُ يَكُونُ الْمَطَرُ قَيْظًا ، وَالْوَلَدُ
غَيْظًا ، وَالْفَيْءُ مَغْرَمًا ، وَالْمَالُ دُوَلًا ، يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ يَكْتَفِي الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ ، وَتَرْكَبُ ذَوَاتُ الْفُرُوجِ السُّرُوجَ فَعَلَيْهِمْ مِنْ أُمَّتِي لَعْنَةُ اللَّهِ ، يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ يَجْفُو الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ، وَيَبَرُّ صَدِيقَهُ ، وَيَحْتَقِرُ السَّيِّئَةَ قَالَ : أَوَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ تُزَخْرَفُ الْمَسَاجِدُ كَمَا تُزَخْرَفُ الْكَنَائِسُ ، وَالْبِيَعُ ، وَتُطَوَّلُ الْمَنَابِرُ ، وَتَكْثُرُ الصُّفُوفُ ، وَالْقُلُوبُ مُتَبَاغِضَةٌ ، وَالْأَلْسُنُ مُخْتَلِفَةٌ دِينُ أَحَدِهِمْ لَعْقَةٌ عَلَى لِسَانِهِ إنْ أُعْطِيَ شَكَرَ ، وَإِنْ مُنِعَ كَفَرَ قَالَ : أَوَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَهَا يُغَارُ عَلَى الْغُلَامِ كَمَا يُغَارُ عَلَى الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ ، وَيُخْطَبُ كَمَا تُخْطَبُ النِّسَاءُ قَالَ : أَوَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ تَحَلَّى ذُكُورُ أُمَّتِي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، عِنْدَ ذَلِكَ يَأْتِي مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قَوْمٌ يَلُونَ أُمَّتِي ، فَوَيْلٌ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ قَوِيِّهِمْ ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ تُحَلَّى الْمَصَاحِفُ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَيَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ بِأَصْوَاتِهِمْ ، وَيُنْبَذُ كِتَابُ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ يَا سَلْمَانُ عِنْدَ ذَلِكَ يَكْثُرُ الرِّبَا ، وَيَظْهَرُ الزِّنَا ، وَيَتَهَاوَنُ النَّاسُ بِالدِّمَاءِ ، وَلَا يُقَامُ يَوْمَئِذٍ بِنَصْرِ اللَّهِ يَا سَلْمَانُ تَكْثُرُ الْقَيْنَاتُ ، وَتُشَارِكُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي التِّجَارَةِ ، عِنْدَ ذَلِكَ يُرْفَعُ الْحَجُّ فَلَا حَجَّ ، تَحُجُّ أُمَرَاءُ النَّاسِ تَنَزُّهًا وَلَهْوًا ، وَأَوَاسِطُهُمْ لِلتِّجَارَةِ ، وَقُرَّاؤُهُمْ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ، وَفُقَرَاؤُهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ } ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَسْبُ الْمُغَنِّي ،
وَالْمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ ، وَكَسْبُ الزَّانِيَةِ سُحْتٌ ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَ الْجَنَّةَ لَحْمًا نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ } قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ رَأَيْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَجَابِرَ بْنَ عُمَيْرٍ يَرْتَمِيَانِ ، فَمَلَّ أَحَدُهُمَا فَجَلَسَ فَقَالَ الْآخَرُ أَجْلَسْت سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ لَهْوٌ ، وَسَهْوٌ إلَّا أَرْبَعُ خِصَالٍ : مَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ ، وَمُلَاعَبَتُهُ زَوْجَتَهُ ، وَتَعْلِيمُهُ السِّبَاحَةَ } قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ قَالَ يَا رَبِّ : لَعَنَتْنِي فَمَا عِلْمِي ؟ قَالَ : السِّحْرُ قَالَ : فَمَا قِرَاءَتِي ؟ قَالَ : الشِّعْرُ قَالَ : فَمَا كِتَابَتِي ؟ قَالَ : الْوَشْمُ قَالَ : فَمَا طَعَامِي قَالَ : كُلُّ مَيْتَةٍ ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : فَمَا شَرَابِي ؟ قَالَ : كُلُّ مُسْكِرٍ قَالَ : فَأَيْنَ مَسْكَنِي ؟ قَالَ الْأَسْوَاقُ قَالَ : فَمَا صَوْتِي ؟ قَالَ الْمَزَامِيرُ قَالَ : فَمَا مَصَائِدِي ؟ قَالَ : النِّسَاءُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ ضَرْبِ الدُّفِّ ، وَلَعِبِ الطَّبْلِ ، وَصَوْتِ الْمِزْمَارِ } ، وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ جُوعٍ ، وَالنَّوْمُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ ، وَالضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ ، وَالرَّنَّةُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ، وَالْمِزْمَارُ .
} .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا شَرِبَ الْعَبْدُ الْمَاءَ عَلَى شِبْهِ الْمُسْكِرِ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ حَرَامًا ، وَلَعَنَ اللَّهُ بَيْتًا فِيهِ دُفٌّ أَوْ طُنْبُورٌ أَوْ عُودٌ ، وَأَخْشَى عَلَيْهِمْ الْعُقُوبَةَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ } ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : { لَسْتُ مِنْ دَدٍ ، وَلَا دَدٌ مِنِّي } قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الدَّدُ اللَّعِبُ وَاللَّهْوُ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ الْعَيْنِ الدَّدُ النَّقْرُ بِالْأَنَامِلِ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَرَّأَ مِمَّا يُنْقَرُ فِي الْأَرْضِ بِالْأَنَامِلِ فَمَا بَالُك بِطَقْطَقَةِ الْقَضِيبِ قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ الدُّفُّ مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ سَأَلَ إنْسَانٌ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْغِنَاءِ قَالَ أَنْهَاك عَنْهُ ، وَأَكْرَهُهُ لَك قَالَ : أَحَرَامٌ هُوَ ؟ قَالَ اُنْظُرْ يَا ابْنَ أَخِي إذَا مَيَّزَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، مِنْ أَيِّهِمَا يَحْصُلُ الْغِنَاءُ ؟ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُغَنِّيَ ، وَالْمُغَنَّى لَهُ ، وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : حُبُّ السَّمَاعِ يُورِثُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الْغِنَاءُ مَفْسَدَةٌ لِلْقَلْبِ مَسْخَطَةٌ لِلرَّبِّ ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى مُؤَدِّبِ وَلَدِهِ : لِيَكُنْ أَوَّلُ مَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أَدَبِك بُغْضَ الْمَلَاهِي الَّتِي بَدْؤُهَا مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَعَاقِبَتُهَا سُخْطُ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ الثِّقَاتِ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ أَنَّ صَوْتَ الْمَعَازِفِ ، وَاسْتِمَاعَ الْأَغَانِي وَاللَّهْوَ بِهَا ، يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يَنْبُتُ الْعُشْبُ عَلَى الْمَاءِ ، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ : يَا بَنِي أُمَيَّةَ إيَّاكُمْ وَالْغِنَاءَ فَإِنَّهُ يَزِيدُ الشَّهْوَةَ ، وَيَهْدِمُ الْمُرُوءَةَ ، وَإِنَّهُ لَيَنُوبُ عَنْ الْخَمْرِ ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمُسْكِرُ ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَجَنِّبُوهُ النِّسَاءَ فَإِنَّ الْغِنَاءَ دَاعِيَةُ الزِّنَا ، وَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ : إيَّاكَ وَالْغِنَاءَ ، وَقَالَ الْمُحَاسِبِيُّ فِي رِسَالَةِ الْإِرْشَادِ الْغِنَاءُ حَرَامٌ كَالْمَيْتَةِ ، وَقَالَ
أَبُو حُصَيْنٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : اُخْتُصِمَ إلَى شُرَيْحٍ فِي رَجُلٍ كَسَرَ طُنْبُورًا فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ ( فَصْلٌ ) وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ فَهُوَ جَاسُوسُ الْقَلْبِ ، وَسَارِقُ الْمُرُوءَةِ وَالْعُقُولِ ، يَتَغَلْغَلُ فِي مَكَامِنِ الْقُلُوبِ ، وَيَطَّلِعُ عَلَى سَرَائِرِ الْأَفْئِدَةِ ، وَيَدِبُّ إلَى بَيْتِ التَّخْيِيلِ فَيُثِيرُ كُلَّ مَا غُرِسَ فِيهَا مِنْ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ وَالسَّخَاطَةِ وَالرُّعُونَةِ ، بَيْنَمَا تَرَى الرَّجُلَ وَعَلَيْهِ سَمْتُ الْوَقَارِ ، وَبَهَاءُ الْعَقْلِ ، وَبَهْجَةُ الْإِيمَانِ ، وَوَقَارُ الْعِلْمِ كَلَامُهُ حِكْمَةٌ ، وَسُكُوتُهُ عِبْرَةٌ فَإِذَا سَمِعَ اللَّهْوَ نَقَصَ عَقْلُهُ ، وَحَيَاؤُهُ ، وَذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ وَبَهَاؤُهُ فَيَسْتَحْسِنُ مَا كَانَ قَبْلَ السَّمَاعِ يَسْتَقْبِحُهُ ، وَيُبْدِي مِنْ أَسْرَارِهِ مَا كَانَ يَكْتُمُهُ ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ بِهَاءِ السُّكُوتِ إلَى كَثْرَةِ الْكَلَامِ ، وَالْكَذِبِ ، وَالِازْدِهَاءِ ، وَالْفَرْقَعَةِ بِالْأَصَابِعِ ، وَيُمِيلُ رَأْسَهُ ، وَيَهُزُّ مَنْكِبَيْهِ ، وَيَدُقُّ الْأَرْضَ بِرِجْلَيْهِ ، وَهَكَذَا تَفْعَلُ الْخَمْرَةُ إذَا مَالَتْ بِشَارِبِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيَّةً دَخَلَتْ الْحَاضِرَةَ فَسُقِيَتْ نَبِيذًا ، فَلَمَّا خَامَرَهَا ، وَصَحَّتْ قَالَتْ : أَوَ يَشْرَبُ هَذَا نِسَاؤُكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَتْ : لَئِنْ صَدَقْتُمْ فَمَا يَعْرِفُ أَحَدُكُمْ مَنْ أَبُوهُ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ اللَّهْوِ ، وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ أَسْكِنُوهُمْ رِيَاضَ الْمِسْكِ ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي ، وَثَنَائِي ، وَأَعْلِمُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَقَالَ بَعْضُ الزُّهَّادِ : الْغِنَاءُ يُورِثُ الْعِنَادَ فِي قَوْمٍ ، وَيُورِثُ التَّكْذِيبَ فِي قَوْمٍ ، وَيُورِثُ الْفَسَادَ فِي قَوْمٍ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى إبَاحَةِ الْغِنَاءِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ ، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جِوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَفَاءَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنْ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا ، وَهَذَا عِيدُنَا } ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ تَعْرِفَ أَوَّلًا : حَقِيقَةَ الْغِنَاءِ ، وَذَلِكَ أَنَّ لِلَفْظِ الْغِنَاءِ مَعْنَيَيْنِ : لُغَوِيٌّ ، وَعُرْفِيٌّ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى اللُّغَوِيِّ فَقَوْلُهَا تُغَنِّيَانِ أَيْ تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَهُمَا بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ ، وَنَحْنُ لَا نَذُمُّ إنْشَادَ الشِّعْرِ ، وَلَا نُحَرِّمُهُ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الشِّعْرُ غِنَاءً مَذْمُومًا إذَا لُحِّنَ ، وَصُنِعَ صَنْعَةً تُورِثُ الطَّرَبَ ، وَتُزْعِجُ الْقَلْبَ ، وَهِيَ الشَّهْوَةُ الطَّبِيعِيَّةُ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْغِنَاءِ لَحَّنَ ، وَأَلَذَّ ، وَأَطْرَبَ ، فَالْمَمْنُوعُ ، وَالْمَكْرُوهُ إنَّمَا هُوَ اللَّذِيذُ الْمُطْرِبُ ، وَلَمْ يُعْقَلْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَوْتَهُمَا كَانَ لَذِيذًا مُطْرِبًا ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ الْمَسْأَلَةِ فَافْهَمْهُ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ فِي آخِرِهِ ، وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ فَنَفَتْ الْغِنَاءَ عَنْهُمَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ مَا نُقِلَ عَنْهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا إلَّا ذَمُّ الْغِنَاءِ وَالْمَعَازِفِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ أَخِيهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ يَذُمُّ الْغِنَاءَ ، وَقَدْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْهَا ، وَتَأَدَّبَ بِهَا فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ قَدْ أُنْشِدَ الشِّعْرُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ؟ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُنْكِرُ إنْشَادَ الشِّعْرِ ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ إذَا لُحِّنَ ، وَصُنِعَ صَنْعَةً تُورِثُ الطَّرَبَ ، وَتُزْعِجُ الْقَلْبَ ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ قَدْ
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا ، وَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ جَهْلًا ، وَإِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكَمًا ، وَإِنَّ مِنْ الْقَوْلِ عِيَالًا } فَالْجَوَابُ أَنَّ صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحَانَ ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : قَوْلُهُ إنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، وَهُوَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَذَهَبَ بِالْحَقِّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ، وَإِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكَمًا فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ ، وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ، وَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ جَهْلًا فَيَتَكَلَّفُ الْعَالِمُ عِلْمَ مَا لَا يَعْلَمُ فَيَجْهَلُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَإِنَّ مِنْ الْقَوْلِ عِيَالًا فَعَرْضُك حَدِيثَك عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ ، وَلَا يُرِيدُهُ .
( فَصْلٌ ) وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : نَحْنُ لَا نَسْمَعُ الْغِنَاءَ بِالطَّبْعِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ ، وَإِنَّمَا نَسْمَعُ بِحَقٍّ فَنَسْمَعُ بِاَللَّهِ ، وَفِي اللَّهِ ، وَلَا نَتَّصِفُ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ مَمْزُوجَةٌ بِحُظُوظِ الْبَشَرِيَّةِ قُلْنَا : إنْ زَعَمْتَ أَنَّك فَارَقْتَ طَبْعَ الْبَشَرِيَّةِ ، وَصِرْت مَطْبُوعًا عَلَى الْعَقْلِ وَالْبَصِيرَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَلَائِكَةِ فَقَدْ كَذَبْت عَلَى طَبْعِك ، وَكَذَبْت عَلَى اللَّهِ فِي تَرْكِيبِك وَمَا وَصَفَك بِهِ مِنْ حُبِّ الشَّهَوَاتِ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ فَارَقَ إلْفَهُ وَادَّعَى الْعِصْمَةَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنَّهُ مُفْتَرٍ كَذَّابٌ ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ مُجَاهِدًا لِنَفْسِك ، وَلَا مُخَالِفًا لِهَوَاك ، وَلَا يَكُونَ لَك ثَوَابٌ عَلَى تَرْكِ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ وَأَصْحَابُك تُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ ، وَالنَّهَارَ لَا تَفْتُرُونَ ، وَتَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ تُبِيحَ سَمَاعَ الْعُودِ وَالطُّنْبُورِ وَسَائِرِ الْمَلَاهِي بِهَذَا الطَّبْعِ الَّذِي لَا يُشَارِكُك فِيهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ ( فَصْلٌ ) فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّالِحِينَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ قُلْنَا ؟ مَا بَلَغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ سَمِعَهُ ، وَلَا فَعَلَهُ ، وَهَذِهِ مُصَنَّفَاتُ أَئِمَّةِ الدِّينِ ، وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ مُصَنَّفِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد ، وَكِتَابِ النَّسَائِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إلَى غَيْرِهَا خَالِيَةً مِنْ دَعْوَاكُمْ ، وَهَذِهِ تَصَانِيفُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ الْفَتْوَى قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي شَرْقِ الْبِلَادِ وَغَرْبِهَا فَقَدْ صَنَّفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ تَصَانِيفَ لَا تُحْصَى ، وَكَذَلِكَ مُصَنَّفَاتُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكُلُّهَا
مَشْحُونَةٌ بِالذَّبِّ عَنْ الْغِنَاءِ ، وَتَفْسِيقِ أَهْلِهِ فَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَلَا يَلْزَمُنَا الِاقْتِدَاءُ بِقَوْلِهِ ، وَنَتْرُكُ الِاقْتِدَاءَ بِالْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ ، وَمِنْ هَاهُنَا زَلَّ مَنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ .
نَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِالصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِالْمُتَأَخِّرِينَ سِيَّمَا وَكُلُّ مَنْ يَرَى هَذَا الرَّأْيَ الْفَاسِدَ عَارٍ مِنْ الْفِقْهِ عَاطِلٌ مِنْ الْعِلْمِ لَا يَعْرِفُ مَأْخَذَ الْأَحْكَامِ ، وَلَا يَفْصِلُ الْحَلَالَ مِنْ الْحَرَامِ ، وَلَا يَدْرُسُ الْعِلْمَ ، وَلَا يَصْحَبُ أَهْلَهُ ، وَلَا يَقْرَأُ مُصَنَّفَاتِهِ ، وَدَوَاوِينَهُ ، وَقَدْ قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ } ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا اسْتَرْذَلَ اللَّهُ عَبْدًا إلَّا حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ } فَمَنْ هَجَرَ أَهْلَ الْفِقْهِ ، وَالْحِكْمَةِ ، وَانْقَضَى عُمْرُهُ فِي مُخَالَطَةِ أَهْلِ اللَّهْوِ وَالْبَطَالَةِ كَيْفَ يُؤْمَنُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا ؟ ، { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } فَيَا مَنْ رَضِيَ لِدِينِهِ ، وَدُنْيَاهُ ، وَتَوَثَّقَ لِآخِرَتِهِ وَمَثْوَاهُ بِاخْتِيَارِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَفَتْوَاهُ إنْ كُنْت عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَبِاخْتِيَارِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إنْ كُنْت تَرَى رَأْيَهُمْ كَيْفَ هَجَرْت اخْتِيَارَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَجَعَلْت إمَامَك فِيهَا شَهَوَاتِك وَبُلُوغَ أَوْطَارِك وَلَذَّاتِك { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } ( فَصْلٌ ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ قَالَ : رَأَيْت فِي الْمَنَامِ أَنَّ الْحَقَّ أَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ : يَا أَحْمَدُ حَمَلْتَ وَصْفِي عَلَى لَيْلَى وَسُعْدَى لَوْلَا أَنِّي نَظَرْتُ إلَيْك فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ أَرَدْتنِي خَالِصًا لَعَذَّبْتُك قَالَ فَأَقَامَنِي مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ الْخَوْفِ فَأَرْعَدْت ، وَفَزِعْت مَا شَاءَ اللَّهُ ،
ثُمَّ أَقَامَنِي مِنْ وَرَاءِ حِجَابِ الرِّضَا فَقُلْت يَا سَيِّدِي لَمْ أَجِدْ مَنْ يَحْمِلُنِي غَيْرَك فَطَرَحْت نَفْسِي عَلَيْك فَقَالَ : صَدَقْت مِنْ أَيْنَ تَجِدُ مَنْ يَحْمِلُك غَيْرِي ؟ وَأَمَرَ بِي إلَى الْجَنَّةِ ، وَقَالَ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : رَأَيْت إبْلِيسَ فِي النَّوْمِ فَقُلْت لَهُ : هَلْ تَظْفَرُ مِنْ أَصْحَابِنَا بِشَيْءٍ أَوْ تَنَالُ مِنْهُمْ نَصِيبًا ؟ فَقَالَ إنَّهُ لَيَعْسُرُ عَلَيَّ شَأْنُهُمْ ، وَيَعْظُمُ عَلَيَّ أَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ شَيْئًا إلَّا فِي وَقْتَيْنِ وَقْتِ السَّمَاعِ ، وَعِنْدَ النَّظَرِ فَإِنِّي أَنَالُ مِنْهُمْ فِتْنَةً ، وَأَدْخُلُ عَلَيْهِمْ بِهِ ، وَسُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيُّ عَنْ السَّمَاعِ ، وَكَانَ مِنْ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ فَقَالَ : لَيْتَنَا تَخَلَّصْنَا مِنْهُ رَأْسًا بِرَأْسٍ ، وَقَالَ الْجُنَيْدُ : إذَا رَأَيْتَ الْمُرِيدَ يُحِبُّ السَّمَاعَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِيهِ بَقِيَّةً مِنْ الْبِطَالَةِ ، وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ الْأَوْلَاسِيُّ ، وَكَانَ مِنْ الصُّوفِيَّةِ : رَأَيْت إبْلِيسَ فِي الْمَنَامِ ، وَكَانَ عَلَى بَعْضِ سُطُوحِ أُولَاسَ ، وَعَنْ يَمِينه جَمَاعَةٌ ، وَعَنْ يَسَارِهِ جَمَاعَةٌ ، وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ نَظِيفَةٌ فَقَالَ لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ : قُومُوا ، وَغَنُّوا فَقَامُوا ، وَغَنَّوْا فَاسْتَفْزَعَنِي طِيبُهُ حَتَّى هَمَمْت أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ السَّطْحِ ، ثُمَّ قَالَ : اُرْقُصُوا فَرَقَصُوا بِأَطْيَبِ مَا يَكُونُ ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا الْحَارِثِ مَا أُصِيبُ شَيْئًا أَدْخُلُ بِهِ عَلَيْكُمْ إلَّا هَذَا ، وَقَالَ الْجَرِيرِيُّ رَأَيْت الْجُنَيْدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النَّوْمِ فَقُلْت كَيْفَ حَالُك يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ : طَاحَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ ، وَبَادَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ ، وَمَا نَفَعَنَا إلَّا تَسْبِيحَاتٌ كُنَّا نَقُولُهَا بِالْغَدَوَاتِ ، فَأَيْنَ هَذَا يَرْحَمُك اللَّهِ مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْعُلَمَاءَ فَقَالَ { إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } .
(
فَصْلٌ ) وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَظِيمٌ مِنْ شُيُوخهمْ عَلَى إبَاحَةِ الْغِنَاءِ فَقَالَ : إنَّ الطِّفْلَ يَسْكُنُ إلَى الصَّوْتِ الطَّيِّبِ ، وَالْجَمَلَ يُقَاسِي تَعَبَ السَّيْرِ ، وَمَشَقَّةَ الْحُمُولِ إذَا سَمِعَ الْحِدَاءَ ، قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِ الْعَجَمِ مَاتَ ، وَخَلَفَ ابْنًا صَغِيرًا فَأَرَادُوا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَقَالُوا : كَيْفَ نَصِلُ إلَى عَقْلِهِ ، وَذَكَائِهِ ؟ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِقَوَّالٍ فَإِنْ أَحْسَنَ الْإِصْغَاءَ عَلِمُوا كِيَاسَتَهُ ، فَلَمَّا أَسْمَعُوهُ الْقَوَّالَ ضَحِكَ الرَّضِيعُ فَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَبَايَعُوهُ ، فَالْجَوَابُ اُنْظُرُوا يَا ذَوِي الْأَلْبَابِ كَيْفَ قَادَهُمْ رُكُوبُ الْهَوَى ، وَعِشْقُ الْبَاطِلِ ، وَقِلَّةُ الْحِيلَةِ إلَى هَذِهِ السَّخَافَةِ وَحَسْبُك مِنْ مَذْهَبٍ إمَامُهُمْ فِيهِ - الْأَنْعَامُ ، وَالصِّبْيَانُ فِي الْمَهْدِ ، وَهَكَذَا يَفْضَحُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ اتَّبَعَ الْبَاطِلَ ، وَحَسْبُك مِنْ عُقُولٍ لَا تَقْتَدِي بِأَحْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ ، وَتَقْتَدِي بِالْإِبِلِ فَلَئِنْ كَانَ كُلُّ مَا طَرِبَتْ بِهِ الْبَهَائِمُ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا فَإِنَّا نَرَى الْبَهِيمَةَ تَدُورُ عَلَى أَمِّهَا ، وَأُخْتِهَا ، وَتَرْكَبُ بِنْتَهَا فَيَلْزَمُ الِاقْتِدَاءُ بِالْبَهِيمَةِ فِي مِثْلِ هَذَا
( فَصْلٌ ) فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ : فَالْجَوَابُ أَنَّ مَالِكًا قَالَ : وَلَا تُعْجِبُنِي الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ ، وَلَا أُحِبُّهُ فِي رَمَضَانَ ، وَلَا غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْغِنَاءَ ، وَيُضْحَكُ بِالْقُرْآنِ ، فَيُقَالُ : فُلَانٌ أَقْرَأُ مِنْ فُلَانٍ قَالَ : وَبَلَغَنِي أَنَّ الْجَوَارِيَ يُعَلَّمْنَ ذَلِكَ كَمَا يُعَلَّمْنَ الْغِنَاءَ أَيْنَ هَذَا مِنْ الْقِرَاءَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا ؟ ، قَالَ : وَلَا يُعْجِبُنِي النَّبْرُ ، وَالْهَمْزُ يَقُولُ لَا يُرَجَّعُ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا يُقْطَعُ بِالْأَلْحَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِزِيَادَةِ هَمَزَاتٍ فِي الْقُرْآنِ ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْقُرْآنِ لَا تَجُوزُ ، وَقِيلَ لِمَالِكٍ : هَلْ يَقْرَأُ الرَّجُلُ فِي الطُّرُقَاتِ ؟ قَالَ : لَا إلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ ، وَأَمَّا الَّذِي يُدِيمُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ قِيلَ لَهُ فَالرَّجُلُ يَخْرُجُ إلَى السُّوقِ أَيَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ مَاشِيًا ؟ فَقَالَ : أَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي السُّوقِ ، وَسُئِلَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ قَالَ : لَيْسَ مَوْضِعَ قِرَاءَةٍ ، وَإِنْ قَرَأَ الْإِنْسَانُ الْآيَةَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قِيلَ لَهُ فَالرَّجُلُ يَخْرُجُ إلَى قَرْيَتِهِ فَيَقْرَأُ مَاشِيًا قَالَ : نَعَمْ قَالَ : سَحْنُونَ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الرَّاكِبُ ، وَالْمُضْطَجِعُ ، وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ قَالَ : مَا أَجْوَدُ ذَلِكَ لِمَنْ أَطَاقَهُ قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ تَكُنْ الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الْحَجَّاجُ قَالَ : وَأَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمُصْحَفِ فِي الْمَسْجِدِ .
فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءِ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ } فَالْمَعْنَى مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَاسْتِمَاعِهِ لِنَبِيِّ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْغِنَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ فِي آخِرِ
الْخَبَرِ فَقَالَ : يُجْهَرُ بِهِ قَالَ : مُجَاهِدٌ فِي قَوْله تَعَالَى { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا ، وَحُقَّتْ } أَيْ سَمِعَتْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : لَا يَجُوزُ تَلْحِينُ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ التَّحْبِيرُ وَالتَّحْزِينُ .
قَالَ : عِيسَى الْغِفَارِيُّ { : ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ فَقَالَ : بَيْعُ الْحُكْمِ ، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ ، وَالِاسْتِخْفَافُ بِالذِّمَمِ ، وَكَثْرَةُ الشُّرَطِ ، وَأَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ ، وَلَا بِأَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ غِنَاءً } فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ التَّحْزِينُ قَالَ شُعْبَةُ : نَهَانِي أَيُّوبُ أَنْ أَتَحَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَخَافَةَ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَمَّا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ { رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْنَا لَحَكَيْتُ تِلْكَ الْقِرَاءَةِ } ، وَقَدْ رَجَعَ ، وَإِنْ سَأَلُوا عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ } قَالَ : سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ يَعْنِي بِالْقُرْآنِ .
وَهَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فَقَالَ : مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَرَى أَحَدًا ( مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَغْنَى مِنْهُ ، وَلَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا ، وَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا أَوْ صَغَّرَ عَظِيمًا } ، وَقَالَ : ابْنُ مَسْعُودٍ : نِعْمَ كَنْزُ الصُّعْلُوكِ آلُ عِمْرَانَ يَقُومُ بِهَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّغَنِّيَ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ دُونَ الصَّوْتِ قَوْلُ الْأَعْشَى : وَكُنْت امْرَأً زَمِنًا
بِالْعِرَاقِ عَفِيفَ الْمَنَامِ طَوِيلَ التَّغَنِّي قَالَ : أَبُو عُبَيْدٍ يُرِيدُ الِاسْتِغْنَاءَ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : تَغَنَّيْت تَغَنِّيًا ، وَتَغَانَيْت تَغَانِيًا بِمَعْنَى اسْتَغْنَيْت قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ يُعَاتِبُ أَخَاهُ : كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ ، وَنَحْنُ إذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيًا ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : مَرَرْت عَلَى عَجُوزٍ مِنْ الْعَرَبِ قَدْ اعْتَقَلَتْ شَاةً فِي بَيْتِهَا فَقُلْت لَهَا : مَا تُرِيدِينَ بِهَذِهِ الشَّاةِ قَالَتْ : نَتَغَنَّى بِهَا يَا هَذَا ، تُرِيدُ نَسْتَغْنِي ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ : مَنْ تَلَذَّذَ بِأَلْحَانِ الْقُرْآنِ حُرِمَ فَهْمَ الْقُرْآنِ ، وَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَنْتُمْ أَقْرَأُ أَلْسِنَةً ، وَنَحْنُ أَقْرَأُ قُلُوبًا ، وَقَالَ : ابْنُ مَسْعُودٍ نَحْنُ قَوْمٌ ثَقُلَتْ عَلَيْنَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَخَفَّ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِهِ ، وَسَيَجِيءُ قَوْمٌ يَخِفُّ عَلَيْهِمْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِهِ ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : لَيَقْرَأَنَّ رِجَالٌ الْقُرْآنَ هُمْ أَحْسَنُ أَصْوَاتًا مِنْ الْمَعَازِفِ ، وَمِنْ حُدَاةِ الْإِبِلِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَدْ أَمْعَنَ ، وَأَجَادَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْجَلِيلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَبَيَّنَهُ أَتَمَّ بَيَانٍ ، وَأَحْسَنَهُ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ لَهُ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ هُنَاكَ إذْ إنَّ هَذَا الْكِتَابِ يَضِيقُ عَمَّا أَتَى بِهِ ، وَمَا ذَكَرَ إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّق لِلصَّوَابِ
( فَصْلٌ ) ، ثُمَّ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَمِمَّا اُشْتُهِرَتْ بِهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ اتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ ، وَالتَّنَافُسُ فِي أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ : فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ } قَالَ : أَبُو جُحَيْفَةَ أَكَلْت ثَرِيدًا بِلَحْمٍ سَمِينٍ فَتَجَشَّيْت عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { اُكْفُفْ عَنَّا جُشَاءَك فَإِنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا } ، وَرُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { جَاءَتْ بِكِسْرَةِ خُبْزٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْكِسْرَةُ ؟ قَالَتْ : قُرْصٌ خَبَزْتُهُ ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُك بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ فَقَالَ : أَمَا إنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيك مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } ، وَقَالَ : يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ لَوْ أَنَّ الْجُوعَ يُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ لَمَا كَانَ يَنْبَغِي لِطُلَّابِ الْآخِرَةِ أَنْ يَشْتَرُوا غَيْرَهُ .
وَقَالَ : الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا شَبِعْت مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا إلَّا شُبْعَةً فَطَرَحْتهَا ؛ لِأَنَّ الشِّبَعَ يُثْقِلُ الْبَدَنَ ، وَيُقْسِي الْقَلْبَ ، وَيُزِيلُ الْفَطِنَةَ ، وَيَجْلِبُ النَّوْمَ ، وَيُضْعِفُ صَاحِبَهُ عَنْ الْعِبَادَةِ ، وَقَالَ : سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا خَلْقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الدُّنْيَا جَعَلَ فِي الشِّبَعِ الْقَسْوَةَ وَالْجَهْلَ ، وَجَعَلَ فِي الْجُوعِ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ ، وَقَالَ : بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ رَحِمَهُ اللَّهُ - - الْجُوعُ يُصَفِّي الْفُؤَادَ ، وَيُمِيتُ الْهَوَى ، وَيُوَرِّثُ الْعِلْمَ الدَّقِيقَ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْجُوعُ لِلْمُرِيدِينَ رِيَاضَةٌ ، وَلِلتَّائِبِينَ تَجْرِبَةٌ ، وَلِلزُّهَّادِ سِيَاسَةٌ ، وَلِلْعَارِفِينَ مَكْرُمَةٌ ، وَسُئِلَ
الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ صِفَةِ الصُّوفِيَّةِ فَقَالَ : طَعَامُهُمْ طَعَامُ الْمَرْضَى ، وَنَوْمُهُمْ نَوْمُ الْغَرْقَى ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ زَاهِدٍ قَدْ أَفْسَدَتْ مَعِدَتَهُ أَلْوَانُ الْأَغْنِيَاءِ ، وَقَالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إنِّي جَائِعٌ فَقَالَ : كَذَبْت قَالَ : وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْت ؟ قَالَ : لِأَنَّ الْجُوعَ فِي خَزَائِنِهِ الْوَثِيقَةِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا مَنْ يُفْشِي سِرَّهُ ، وَلَا يُعْطَاهُ مَنْ لَا يَشْكُرُهُ ، وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَرَاءِ اشْتَكَى إلَى شَيْخِهِ الْجُوعَ ، ثُمَّ ذَهَبَ فَرَأَى دِرْهَمًا مَطْرُوحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ أَمَا كَانَ اللَّهُ عَالِمًا بِجُوعِك حَتَّى قُلْت إنِّي جَائِعٌ ، وَقَالَ : فَتْحٌ الْمَوْصِلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْصَانِي ثَلَاثُونَ شَيْخًا عِنْدَ فِرَاقِي لَهُمْ بِتَرْكِ عِشْرَةِ الْأَحْدَاثِ ، وَقِلَّةِ الْأَكْلِ ، وَيُرْوَى عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَوْنٍ فِي الْحَبْسِ ، وَإِذَا عُمَّالُ بَنِي أُمَيَّةَ مُقَيَّدُونَ فِي الْحَدِيدِ فَحَضَرَ غَدَاؤُهُمْ فَجَعَلَ الْخَدَمُ يَنْقُلُونَ الْأَلْوَانَ فَقَالُوا هَلُمَّ يَا أَبَا يَحْيَى فَقَالَ : مَا أُحِبُّ أَنْ آكُلَ مِثْلَ هَذَا الطَّعَامِ ، وَأَنْ يُوضَعَ فِي رِجْلِي مِثْلُ هَذَا الْحَدِيدِ ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا ؟ فَقَالَا : الْجُوعُ ، فَقَالَ : وَأَنَا ، وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجَنِي إلَّا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا فَأَتَوْا بَيْتًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَإِذَا الرَّجُلُ غَائِبٌ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ : مَرْحَبًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ قَالَتْ خَرَجَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ ، وَإِذَا بِالرَّجُلِ ، وَعَلَيْهِ قِرْبَةُ مَاءٍ ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا أَجِدُ مِنْ النَّاسِ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي
فَأَتَاهُمْ بِعِذْقٍ مِنْ رُطَبٍ ، وَبُسْرٍ وَتَمْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا اجْتَنَيْته فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَيَّرُوا عَلَى أَعْيُنِكُمْ ، ثُمَّ أَخَذَ الْمُدْيَةَ فَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاكَ وَالْحَلُوبَ فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً فَأَكَلُوا ، وَشَرِبُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ ، وَفِي لَفْظٍ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ .
}
( فَصْلٌ ) وَيُقَالُ : إنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ تُضِيفُ إلَى مَا هِيَ فِيهِ مِنْ الْبَاطِلِ اسْتِحْضَارَ الْمُرْدِ فِي مَجَالِسِهِمْ ، وَالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ ، وَرُبَّمَا زَيَّنُوهُمْ بِالْحُلِيِّ ، وَالْمُصَبَّغَاتِ مِنْ الثِّيَابِ ، وَتَزْعُمَ أَنَّهَا تَقْصِدُ بِذَلِكَ الِاسْتِدْلَالَ بِالصَّنْعَةِ عَلَى الصَّانِعِ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهُوَ مِنْ رُؤَسَاءِ وَطَائِفَتِهِمْ قَوْلًا عَظِيمًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ، وَكَشْفِ فَضَائِحِهِمْ : مَنْ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَبْدٌ أَهَانَهُ اللَّهِ ، وَخَذَلَهُ ، وَكَشَفَ عَوْرَتَهُ ، وَأَبْدَى سَوْأَتَهُ فِي الْعَاجِلِ ، وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ سُوءُ الْمُنْقَلَبِ فِي الْآجِلِ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا } خَبَّبَ أَيْ أَفْسَدَ ، وَخَدَعَ ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْخِبِّ ، وَهُوَ الْخُدْعُ ، وَيُقَالُ : فُلَانٌ خِبٌّ هَبٌّ إذَا كَانَ فَاسِدًا مُفْسِدًا قَالَ الْوَاسِطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ : إذَا أَرَادَ اللَّهُ هَوَانَ عَبْدٍ أَلْقَاهُ إلَى هَؤُلَاءِ الْأَنْتَانِ الْجِيَفِ أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ } ؟ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { : لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَك الْأُولَى ، وَلَيْسَتْ لَك الْآخِرَةُ } ، وَقَالَ : بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : بَعْضُ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحَدِّقَ الرَّجُلُ النَّظَرَ إلَى الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ الْوَجْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : لِلشَّيْطَانِ مِنْ الرَّجُلِ ثَلَاثَةُ مَنَازِلَ فِي نَظَرِهِ وَقَلْبِهِ وَذَكَرِهِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : كُلُّ نَظْرَةٍ يَهْوَاهَا الْقَلْبُ لَا خَيْرَ فِيهَا ، وَقَالَ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا
عَبَثَ بِغُلَامٍ بَيْنَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ يُرِيدُ الشَّهْوَةَ لَكَانَ لِوَاطًا ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ : رَحِمَهُ اللَّهُ لَا تُجَالِسُوا أَبْنَاءَ الْأَغْنِيَاءِ فَإِنَّ لَهُمْ صُوَرًا كَصُوَرِ النِّسَاءِ ، وَهُمْ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ الْعَذَارَى ، وَقَالَ : بَعْضُ التَّابِعِينَ مَا أَخَافُ عَلَى الشَّابِّ النَّاسِكِ فِي عِبَادَتِهِ مِنْ سَبُعٍ ضَارٍ كَخَوْفِي عَلَيْهِ مِنْ الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ يَقْعُدُ إلَيْهِ ، وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : اللُّوطِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَصْنَافٍ : صِنْفٍ يَنْظُرُونَ ، وَصِنْفٍ يُصَافِحُونَ ، وَصِنْفٍ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ الْعَمَلَ ، وَرُوِيَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ جَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ ، وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ حَسَنُ الْوَجْهِ فَقَالَ : لَا تَجِئْنِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى فَقِيلَ لَهُ : إنَّهُ ابْنُهُ ، وَهُمَا مَسْتُورَانِ فَقَالَ : عَلِمْت ، وَلَكِنْ عَلَى رَأْيِ أَشْيَاخِنَا ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَجَاءَهُ غُلَامٌ حَدَثٌ لِيَجْلِسَ إلَيْهِ فَأَجْلَسَهُ مِنْ خَلْفِهِ فَأَمَّا إتْيَانُ الذُّكُورِ فَهِيَ الْفَاحِشَةُ الْعُظْمَى ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ مُغَلَّظُ التَّحْرِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ } قَالَ مَالِكٌ : وَيُرْجَمُ الْفَاعِلُ ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ أُحْصِنَا أَوْ لَمْ يُحْصَنَا ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُوَ كَالزِّنَا إنْ كَانَ بِكْرًا يُحَدُّ ، وَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا يُرْجَمُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ غُلَامٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ ، وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ ، وَالْمَفْعُولَ بِهِ } ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَجَمَهُمْ بِالْحِجَارَةِ قَالَ تَعَالَى { :
فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } الْآيَةَ ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فِي رَجُلٍ كَانَ يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ فَقَالَ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَى أَنْ يُحَرَّقَ فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : يُرْجَمُ اللُّوطِيُّ ، وَقَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : يُرْمَى مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ أَعْلَى مَا فِي الْبَلَدِ مُنَكَّسًا ، ثُمَّ يُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يُهْدَمُ عَلَيْهِ الْبَيْتُ ، وَقَالَ : عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُقْتَلُ .
وَرُوِيَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانَتْ فِيهِمْ عَشْرُ خِصَالٍ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا : كَانُوا يَتَغَوَّطُونَ فِي الطُّرُقَاتِ ، وَتَحْتَ الْأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ ، وَفِي الْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ ، وَفِي شُطُوطِ الْأَنْهَارِ ، وَكَانُوا يَحْذِفُونَ النَّاسَ بِالْحَصْبَاءِ فَيُعْوِرُونَهُمْ ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا فِي الْمَجَالِسِ أَظْهَرُوا الْمُنْكَرَ ، وَإِخْرَاجُ الرِّيحِ مِنْهُمْ ، وَاللَّطْمُ عَلَى رِقَابِهِمْ ، وَكَانُوا يَرْفَعُونَ ثِيَابَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَغَوَّطُوا ، وَيَأْتُونَ بِالطَّامَّةِ الْكُبْرَى ، وَهِيَ اللِّوَاطُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنْكَرَ } ، وَالنَّادِي الْمَجَالِسُ وَالْمَحَافِلُ ، وَمَنْ ارْتَقَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ حَالَةِ الْفُسُوقِ ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ بَلَاءِ الزَّوَاجِ ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَهَذِهِ وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ ، وَادِّعَاءُ الْعِصْمَةِ ، وَهُوَ الْكُفْرُ ، وَنَظِيرُ الشِّرْكِ فَاحْذَرْ مُجَالَسَتَهُمْ فَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ فَتْحُ بَابِ الْخِذْلَانِ ، وَإِدْخَالُ الْهِجْرَانِ بَيْنَك وَبَيْنَ الْحَقِّ ، ثُمَّ يُقَالُ : وَهَبْكَ أَيُّهَا الْمَغْرُورُ قَدْ بَلَغْت رُتْبَةَ
الشُّهَدَاءِ أَلَيْسَ قَدْ شَغَلْت ذَلِكَ الْقَلْبَ بِمَخْلُوقٍ ، وَفِي الْحَدِيثِ { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : حَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ سَكَنَهُ حُبُّ غَيْرِي أَنْ أُسْكِنَهُ حُبِّي } ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِالصَّنْعَةِ عَلَى الصَّانِعِ فَنِهَايَةٌ فِي سِعَايَةِ الْهَوَى ، وَمُخَادَعَةِ الْعَقْلِ ، وَمُخَالَفَةِ الْعِلْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ } قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الْهَوَى شَرُّ إلَهٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الِاعْتِبَارِ { : أَفَلَا يَنْظُرُونَ إلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } ، وَقَالَ تَعَالَى { : أَوَلَمْ يَرَوْا إلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلَّا الرَّحْمَنُ } ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا { : إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ } الْآيَةَ ، وَقَالَ تَعَالَى { : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جَنُوبِهِمْ } الْآيَةَ ، وَقَالَ تَعَالَى { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } فَعَدَلُوا عَمَّا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الِاعْتِبَارِ إلَى مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ بِقَوْلِهِ { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } الْآيَةَ
( فَصْلٌ ) : وَأَمَّا الدُّفُّ ، وَالرَّقْصُ بِالرِّجْلِ ، وَكَشْفُ الرَّأْسِ ، وَتَخْرِيقُ الثِّيَابِ فَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ أَنَّهُ لَعِبٌ ، وَسُخْفٌ ، وَنَبْذٌ لِلْمُرُوءَةِ ، وَالْوَقَارِ ، وَلِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ ، وَالصَّالِحُونَ رَوَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ ، وَصَبْرٍ ، وَأَمَانَةٍ لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ ، وَلَا تُؤَبَّنُ فِيهِ الْحُرُمُ ، يَتَوَاصَوْنَ فِيهِ بِالتَّقْوَى مُتَوَاضِعِينَ يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ ، وَيَرْحَمُونَ فِيهِ الصَّغِيرَ ، وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيِّنَ الْجَانِبِ سَهْلَ الْخُلُقِ دَائِمَ الْبِشْرِ لَيْسَ بِفَظٍّ ، وَلَا غَلِيظٍ ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَا فَحَّاشٍ ، وَلَا عَيَّابٍ ، وَلَا مَزَّاحٍ يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ : الْمِرَاءِ ، وَالْإِكْثَارِ ، وَمَا لَا يَعْنِيهِ ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ : كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا ، وَلَا يُعَيِّرُهُ ، وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ ، وَمَنْ تَكَلَّمَ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ يَعْنِي يَسْكُتُونَ ، وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ ، وَالطَّيْرُ لَا يَسْقُطُ إلَّا عَلَى سَاكِنٍ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاعِ وَالرَّقْصِ شَيْءٌ يُذَمُّ إلَّا أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى فَجَعَلُوا يُغَنُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَيُصَفِّقُونَ ، وَيَرْقُصُونَ فَبَقِيَ حَالُهُمْ كَذَلِكَ إلَى أَنْ جَاءَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَوَقَعَ مِنْ قِصَّتِهِمْ مَا قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَهُمْ أَصْلٌ لِمَا ذُكِرَ ، وَمَا كَانَ هَذَا أَصْلُهُ
فَيَنْبَغِي بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَهْرُبَ مِنْهُ ، وَيُوَلِّي الظَّهْرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَغْيِيرِهِ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ ، وَقَدْ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ : النِّسَاءُ ، وَالطِّيبُ ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } قَالَ : الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ قُرَّةَ أَعْيُنِهِمْ فِي الْغِنَاءِ ، وَاللَّهْوِ ، وَالنَّظَرِ فِي وُجُوهِ الْمُرْدِ .
( فَصْلٌ ) وَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَمَّا تَمْزِيقُ الثِّيَابِ فَهُوَ يَجْمَعُ إلَى مَا فِيهِ مِنْ السَّخَافَةِ - إفْسَادَ الْمَالِ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ } ، وَقَالَ : عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ : هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا فَقَالُوا : إنَّهَا مَيِّتَةٌ قَالَ : إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَيُحْجَرُ عَلَى السُّفَهَاءِ ، وَهُمْ الْمُبَذِّرُونَ لِأَمْوَالِهِمْ ، وَمَا فِي السَّفَهِ أَعْظَمُ مِنْ تَمْزِيقِ الثِّيَابِ ، وَقَالَ : أَنَسٌ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً ، وَاحِدَةٌ مِنْهَا مِنْ أَدِيمٍ أَحْمَرَ ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ فَقَالَ : إنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ مَنْ أَصْلَحَ مَالَهُ فَقَدْ صَانَ الْأَكْرَمَيْنِ دِينَهُ ، وَعِرْضَهُ ، وَتَمْزِيقُ الثِّيَابِ دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى لَإِبْلِيسَ { : وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } ، وَإِذَا كَانَ الْكَسْبُ خَبِيثًا كَانَ مَآلُهُ إلَى مِثْلِهِ انْتَهَى كَلَامُ الطُّرْطُوشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
( فَصْلٌ ) وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْله تَعَالَى { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } فَقَالَ : الْغِنَاءُ ، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ هُوَ الْغِنَاءُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَمَكْحُولٌ ، وَرَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ عَنْ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : وَالْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَزَادَ أَنَّ لَهْوَ الْحَدِيثِ الْمَعَازِفُ وَالْغِنَاءُ .
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغِنَاءُ بَاطِلٌ ، وَالْبَاطِلُ فِي النَّارِ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَأَلْت عَنْهُ مَالِكًا فَقَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } أَفَحَقٌّ هُوَ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فَاجِرَانِ أَنْهَى عَنْهُمَا : صَوْتُ مِزْمَارٍ ، وَرَنَّةُ شَيْطَانٍ عِنْدَ نِعْمَةٍ وَفَرَحٍ ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ لَطْمُ خُدُودٍ ، وَشَقُّ جُيُوبٍ } .
وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ : قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بُعِثْت بِكَسْرِ الْمَزَامِيرِ } خَرَّجَهُ أَبُو طَالِبٍ الْغَيْلَانِيُّ .
وَخَرَّجَ ابْنُ بَشْرَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : بُعِثْت بِهَدْمِ الْمَزَامِيرِ وَالطَّبْلِ } ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ جَلَسَ إلَى قَيْنَةٍ يَسْمَعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ
أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ اسْتَمَعَ إلَى صَوْتِ غِنَاءٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ الرُّوحَانِيِّينَ فَقِيلَ : وَمَا الرُّوحَانِيُّونَ ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : قُرَّاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ } خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ .
، وَمِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِ } ؛ وَلِهَذِهِ الْآثَارِ وَغَيْرِهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ بِتَحْرِيمِ الْغِنَاءِ ، وَهُوَ الْغِنَاءُ الْمُعْتَادُ عِنْدَ الْمُشْتَهِرِينَ بِهِ الَّذِي يُحَرِّكُ النُّفُوسَ ، وَيَبْعَثُهَا عَلَى الْهَوَى وَالْغَزَلِ وَالْمُجُونِ الَّذِي يُحَرِّكُ السَّاكِنَ ، وَيَبْعَثُ الْكَامِنَ ، فَهَذَا النَّوْعُ إذَا كَانَ فِي شِعْرٍ يُشَبَّبُ فِيهِ بِذِكْرِ النِّسَاءِ ، وَوَصْفِ مَحَاسِنِهِنَّ ، وَذِكْرِ الْخُمُورِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ لَا يُخْتَلَفُ فِي تَحْرِيمِهِ ؛ لِأَنَّهُ اللَّهْوُ ، وَالْغِنَاءُ الْمَذْمُومُ بِاتِّفَاقٍ فَأَمَّا مَنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ الْقَلِيلُ مِنْهُ فِي أَوْقَاتِ الْفَرَحِ كَالْعُرْسِ وَالْعِيدِ ، وَعِنْدَ النَّشَاطِ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ كَمَا كَانَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ .
فَأَمَّا مَا ابْتَدَعَهُ الصُّوفِيَّةُ الْيَوْمَ مِنْ الْإِدْمَانِ عَلَى سَمَاعِ الْأَغَانِي بِالْآلَاتِ الْمُطْرِبَةِ مِنْ الشَّبَّابَةِ وَالطَّارِ وَالْمَعَازِفِ وَالْأَوْتَارِ فَحَرَامٌ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فَأَمَّا طَبْلُ الْحَرْبِ فَلَا حَرَجَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِيمُ النُّفُوسَ ، وَيُرْهِبُ الْعَدُوَّ .
، وَذَكَرَ أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ قَالَ : أَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ الْغِنَاءِ وَعَنْ اسْتِمَاعِهِ ، وَقَالَ : إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَوَجَدَهَا مُغَنِّيَةً كَانَ لَهُ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
قَالَ النَّحَّاسُ : وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ
الْأَمْصَارِ عَلَى كَرَاهَةِ الْغِنَاءِ ، وَالْمَنْعِ مِنْهُ .
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالرَّقَّاصِ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَجُوزُ فَأَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ ادَّعَى أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ ، ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا فِي سُورَةِ سُبْحَانَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا } قَالَ : اسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ذَمِّ الرَّقْصِ وَتَعَاطِيهِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ : قَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الرَّقْصِ فَقَالَ { : وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا } ، وَذَمُّ الْمُخْتَالِ وَالرَّاقِصِ أَشَدُّ ، وَالْمَرَحُ الْفَرَحُ أَوَلَسْنَا قِسْنَا النَّبِيذَ عَلَى الْخَمْرِ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الطَّرَبِ وَالسُّكْرِ فَمَا بَالُنَا لَا نَقِيسُ الْقَضِيبَ وَتَلْحِينَ الشِّعْرِ مَعَهُ عَلَى الطُّنْبُورِ وَالطَّبْلِ لِاجْتِمَاعِهِمَا ؟ ، فَمَا أَقْبَحُ ذَا لِحْيَةٍ سِيَّمَا إذَا كَانَ ذَا شَيْبَةٍ يَرْقُصُ وَيُصَفِّقُ عَلَى تَوْقِيعِ الْأَلْحَانِ وَالْقُضْبَانِ خُصُوصًا إذَا كَانَتْ أَصْوَاتَ نِسْوَانٍ وَوِلْدَانٍ ، وَهَلْ يَحْسُنُ لِمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَوْتُ وَالسُّؤَالُ وَالْحَشْرُ وَالصِّرَاطُ ، ثُمَّ مَآلُهُ إلَى إحْدَى الدَّارَيْنِ يَشْمُسُ بِالرَّقْصِ شُمُوسَ الْبَهَائِمِ ، وَيُصَفِّقُ تَصْفِيقَ النِّسْوَةِ ؟ وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت مَشَايِخَ فِي عُمْرِي مَا بَانَ لَهُمْ سِنٌّ مِنْ التَّبَسُّمِ فَضْلًا عَنْ الضِّحْكِ مَعَ إدْمَانِ مُخَالَطَتِي لَهُمْ .
، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ : وَلَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَمَاقَةً لَا تَزُولُ إلَّا بِاللَّعِبِ ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى { وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِك } قَالَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَزَامِيرِ ، وَالْغِنَاءِ وَاللَّهْوِ لِقَوْلِهِ
تَعَالَى { ، وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْت مِنْهُمْ بِصَوْتِك } عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ ، وَمَا كَانَ مِنْ صَوْتِ الشَّيْطَانِ أَوْ فِعْلِهِ ، وَمَا يَسْتَحْسِنُهُ فَوَاجِبٌ التَّنَزُّهُ عَنْهُ .
( فَصْلٌ ) وَقَدْ حُكِيَ عَنْ إمَامِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، وَهُوَ الشَّيْخُ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سُئِلَ لِحُضُورِ السَّمَاعِ فَأَبَى ، ثُمَّ سُئِلَ فَأَبَى فَقِيلَ : لَهُ أَلَسْت كُنْت تَحْضُرُهُ قَالَ : مَعَ مَنْ ، وَمِمَّنْ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَكَابِرِ أَنَّهُ سُئِلَ لِحُضُورِ السَّمَاعِ فَأَبَى فَقِيلَ : لَهُ أَتُنْكِرُ السَّمَاعَ قَالَ : وَمِثْلِي يُنْكِرُهُ ، وَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، وَمِنْكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّيَّارُ ، وَإِنَّمَا أُنْكِرُ مَا أُحْدِثَ فِيهِ .
وَهَذَا كَمَا قَدْ سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْغِنَاءَ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالشِّعْرِ فَحَضَرَهُ هَذَا السَّيِّدُ لَمَّا أَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَمَّا أَنْ حَدَثَ فِيهِ مَا حَدَثَ تَرَكَهُ ، وَهَذَا أَيْضًا مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْجُنَيْدِ فِي قَوْلِهِ مَعَ مَنْ ، وَمِمَّنْ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقَوَّالَ هُوَ شَيْخُ الْجَمَاعَةِ الَّذِي مِنْهُ يَسْتَمِدُّونَ ، وَبِهِ يَقْتَدُونَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ بَعِيدَةٌ مِنْ سَمَاعِ هَذَا الزَّمَانِ لِمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ ، وَقَدْ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ لِبَعْضِهِ ، وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ حُضُورِ النِّسَاءِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُشْرِفَةِ عَلَيْهِ مِنْ سَطْحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَسَمَاعِهِنَّ الْأَشْعَارَ الْمُهَيِّجَةَ لِلْفِتْنَةِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْمَلْذُوذَاتِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحَرِّكُ عَلَيْهِنَّ سَاكِنًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْغِنَاءَ رُقْيَةُ الزِّنَا ، وَهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ ، سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُنَّ طَرِيقٌ إلَى التَّوَصُّلِ إلَى الرِّجَالِ أَوْ الرِّجَالِ إلَيْهِنَّ فَأَعْظَمُ فِتْنَةً وَبَلِيَّةً سِيَّمَا إذَا انْضَافَ إلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمُغَنِّي شَابًّا حَسَنَ الصُّورَةِ وَالصَّوْتِ ، وَيَسْلُكُ مَسْلَكَ
الْمُغَنِّيَاتِ فِي تَكْسِيرِهِمْ ، وَسُوءِ تَقَلُّبَاتِهِمْ فِي تِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْمَذْمُومَةِ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الزِّينَةِ بِلِبَاسِ الْحَرِيرِ وَالرَّفِيعِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَبَعْضُهُمْ يُبَالِغُ فِي أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ فَيَتَقَلَّدُ بِالْعَنْبَرِ بَيْنَ ثِيَابِهِ لِتُشَمَّ رَائِحَتُهُ مِنْهُ ، وَيَجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فُوطَةً مِنْ حَرِيرٍ لَهَا حَوَاشٍ عَرِيضَةٌ مُلَوَّنَةٌ يُصَفِّفُهَا عَلَى جَبْهَتِهِ ، وَلَهُمْ فِي اسْتِجْلَابِ الْفِتَنِ بِمِثْلِ هَذَا أُمُورٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا .
ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ هَذَا الْمِسْكِينِ الَّذِي عَمِلَ السَّمَاعَ لَهُمْ ، وَجَمَعَهُمْ لَهُ كَيْفَ يَطِيبُ خَاطِرُهُ أَوْ يَسْكُنُ بَاطِنُهُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِهِ لِمَا ذُكِرَ إذْ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ عِنْدَ سَمَاعِهَا أَوْ رُؤْيَتِهَا فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أَيْنَ غِيرَةُ الْإِسْلَامِ أَيْنَ نَجْدَةُ الرِّجَالِ السَّادَةِ الْكِرَامِ ؟ أَيْنَ الْهِمَمُ الْعَالِيَةُ الْعَفِيفَةُ عَنْ الْحَرَامِ ؟ أَيْنَ اتِّبَاعُ السَّلَفِ الْأَعْلَامِ ؟ فَتَحَصَّلَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَضَرَ السَّمَاعَ مِنْ الرِّجَالِ ، وَالشُّبَّانِ ، وَمَنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ سَمِعَهُمْ اُفْتُتِنَ ، وَقَلَّ أَنْ يَرْضَى بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْحَلَالِ غَالِبًا فَتَتَشَوَّفُ نُفُوسُهُمْ إلَى ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَصِلُ إلَى غَرَضِهِ الْخَسِيسِ ، وَهِيَ الْبَلِيَّةُ الْعُظْمَى ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَوَائِقِ الْمَانِعَةِ لَهُ فَيَكُونُ آثِمًا فِي قَصْدِهِ .
وَلَوْ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ لَرُجِيَتْ لَهُمْ التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ وَالْإِقَالَةُ مِمَّا وَقَعُوا فِيهِ ، لَكِنَّ الْبَلِيَّةَ الْعُظْمَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِذَلِكَ ، وَيَعْتَقِدُونَ بِهِ الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سِيَّمَا إنْ عَمِلُوهُ بِسَبَبِ الْمَوْلِدِ فَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْفِتْنَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ فِي أَكْبَرِ الطَّاعَاتِ ، وَإِظْهَارِ شَعَائِرِ الدِّينِ ، وَتُعْطِي هَذِهِ
الْقَاعِدَةُ الَّتِي انْتَحَلُوهَا أَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالشَّعَائِرِ مِنْ سَلَفِهِمْ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْمِحَنِ ، وَالْفِتَنِ ، وَمِنْ الِابْتِدَاعِ ، وَتَرْكِ الِاتِّبَاعِ - ، وَبِالْجُمْلَةِ فَفِتْنَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ، وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَالرِّيَاءِ ، وَالسُّمْعَةِ لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمْ : تَصَدَّقْ بِبَعْضِ مَا تُنْفِقُهُ فِيهِ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ الْمُحْتَاجِينَ سَرَى الشُّحُّ بِذَلِكَ وَبَخِلَ ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِوُجُوهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : خُبْثُ الْكَسْبِ غَالِبًا ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ وَجْهٍ خَبِيثٍ لَا يَخْرُجُ إلَّا فِي وَجْهٍ خَبِيثٍ مِثْلِهِ بِذَلِكَ جَرَتْ الْحِكْمَةُ .
الثَّانِي : إيثَارُ الشَّهَوَاتِ ، وَالْمَلَذَّاتِ .
الثَّالِثُ : الرِّيَاءُ ، وَالسُّمْعَةُ .
الرَّابِعُ : مَحَبَّةُ الثَّنَاءِ ، وَالْمَحْمَدَةِ ، وَالْقِيلِ وَالْقَالِ كَمَا تَقَدَّمَ .
الْخَامِسُ : مَحَبَّةُ النُّفُوسِ فِي الظُّهُورِ عَلَى الْأَقْرَانِ .
السَّادِسَةُ : أَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ خَالِصَةٌ لِلرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا ذُو حَزْمٍ ، وَمُرُوءَةٍ ، وَإِخْلَاصٍ ، فَالسَّعِيدُ السَّعِيدُ مَنْ تَمَسَّكَ بِنُورِ الشَّرِيعَةِ ، وَسَلَكَ مِنْهَاجَهَا ، وَشَدَّ يَدَهُ عَلَيْهَا ، وَتَرَكَ كُلَّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ ، وَعَمِلَ عَلَى خَلَاصِ مُهْجَتِهِ ، وَأَهْلِهِ ، وَوَلَدِهِ ، وَلَا خَلَاصَ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ ، وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ - سَلَكَ اللَّهُ بِنَا الطَّرِيقَ الْأَرْشَدَ إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ - بِمُحَمَّدٍ ، وَآلِهِ ( فَصْلٌ ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَبْقَ إلَّا فِي قِسْمَيْنِ : وَهُمَا الْوُجُوبُ ، وَالنَّدْبُ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ فَمَا بَالُك بِالْفَقِيرِ الْمُنْقَطِعِ الْمُتَوَجِّه إلَى رَبِّهِ الَّذِي تَرَكَ الدُّنْيَا ، وَشَهَوَاتِهَا ، وَمَلْذُوذَاتِهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ فَهُوَ أَوْلَى وَأَوْجَبُ بِالْمُطَالَبَةِ بِالِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالسَّمَاعُ إذَا سَلِمَ
مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي بَابِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْجُنَيْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ : لَا يَصِيرُ السَّمَاعُ مُبَاحًا إلَّا بِعَشْرَةِ شُرُوطٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُهَا ، وَالْفَقِيرُ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ أَنْ يَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ ، وَيَتَّقِيَ مَوَاضِعَ الرَّيْبِ ، وَيَسُدَّ عَنْ نَفْسِهِ أَبْوَابَ الْمَفَاسِدِ كُلَّهَا فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِالْعَالِمِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَصَلَاحُهُ يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ ، وَفَسَادُهُ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَ مُهْجَتَهُ ، وَمُهْجَةَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالنُّهُوضِ إلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ يُنْدَبُ إلَيْهِ ، وَيَتْرُكُ مَا عَدَا ذَلِكَ ، وَيُعْرِضُ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
( فَصْلٌ ) : وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصُونَ حُرْمَةَ الْخِرْقَةِ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا بِتَرْكِ الْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، وَمُخَالَطَتِهِمْ ، وَالتَّعَرُّفِ بِهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قُبْحُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَالِمِ فَفِي حَقِّ الْفَقِيرِ أَوْلَى وَأَحْرَى ؛ إذْ إنَّهُ أَقْبَلَ عَلَى طَرِيقِ الْآخِرَةِ ، وَتَرَكَ الدُّنْيَا وَأَهْلَهَا ، فَوُقُوفُهُ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ نَقِيضُ طَرِيقِهِ وَمَقْصِدِهِ ، بَلْ يَنْقَطِعُ عَنْهُمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ فِي خَلْوَتِهِ ، وَقَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ فَإِنْ تَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْهُمْ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَمْ يُكْثِرْهُمْ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا : إذَا رَأَيْت الْأَمِيرَ عَلَى بَابِ الْفَقِيرِ فَاتَّهِمْ الْفَقِيرَ ؛ لِأَنَّهُ مَا جَاءَ إلَّا لِنِسْبَةٍ حَصَلَتْ فِي الْفَقِيرِ مِنْ أَجْلِ مَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ الْأَمِيرُ لِحُصُولِ الْجِنْسِيَّةِ أَوْ كَمَا قَالُوا ، وَقَدْ يَكُونُ الْفَقِيرُ لَا يَشْعُرُ بِمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ .
حَتَّى لَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمُرُّ لَهُ خَاطِرٌ فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ حَصَلَ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ الْتِفَاتٌ إلَيْهَا ، وَإِذَا بِجُنْدِيٍّ يَدُقُّ الْبَابَ فَدَخَلَ إلَيْهِ ، وَجَلَسَ يَتَحَدَّثُ مَعَهُ فِي الدُّنْيَا فَرَجَعَ الشَّيْخُ إلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ هَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ أَتَيْت ، وَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْخَاطِرَ الَّذِي مَرَّ بِهِ فَتَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَقْلَعَ عَنْهُ ، وَإِذَا بِالْجُنْدِيِّ قَدْ قَامَ وَخَرَجَ مِنْ حِينِهِ .
فَهَذِهِ كَانَتْ أَحْوَالُهُمْ وَسِيرَتُهُمْ الْحَسَنَةُ ، وَهُمْ قُدْوَةٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ يَتَمَسَّكُ بِطَرِيقِهِمْ - أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يُخَالِفَ بِنَا عَنْ حَالِهِمْ - وَمَعَ هَذَا فَلَا نُنْكِرُ الِاجْتِمَاعَ بِهِمْ أَعْنِي إذَا جَاءُوا إلَى الْفَقِيرِ رَاغِبِينَ فَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِحُسْنِ الْبَشَاشَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ ،
وَالْأَخْذِ مَعَ الْمُضْطَرِّينَ ، وَالْمَسَاكِينِ فِيمَا نَزَلَ بِهِمْ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ احْتِيَاجَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا لِلْمُرِيدِ ، وَخَطَرَهُ أَعْظَمُ مِنْ احْتِيَاجِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ إلَى الْمُرِيدِ الْمُنْقَطِعِ إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ الْمِسْكِينَ أَقْرَبُ إلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ إذْ هُوَ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ ، وَالْمَسْكَنَةُ عَلَيْهِ ظَاهِرَةٌ بِخِلَافِ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ الشُّرُودُ عَنْ بَابِ رَبِّهِمْ لِأَجْلِ تَعَلُّقِهِمْ بِمَنْ هُوَ فَوْقَهُمْ أَوْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَيَحْتَاجُ الْمُرِيدَ إذَا أَتَوْا إلَيْهِ أَنْ يُبَاسِطَهُمْ لِكَيْ يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى مَوْعِظَتِهِمْ وَسِيَاسَةِ أَخْلَاقِهِمْ لِيَسْرِقَ طِبَاعَهُمْ بِالرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ وَعَدَمِ التَّنْفِيرِ قَاصِدًا بِذَلِكَ وُقُوفَهُمْ بِبَابِ رَبِّهِمْ ، وَإِرْشَادَهُمْ إلَيْهِ لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ ؛ لِأَنَّ نَجَاةَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَابِ خَرْقِ الْعَادَةِ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ ، فَإِذَا خَلَّصَ وَاحِدًا مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ الْجِهَادِ ، وَفِي الْجِهَادِ مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا فِيهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَغْتَنِمَ مَا سِيقَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ ، وَيَشُدَّ يَدَهُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَى مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ تَدْنِيسِهِ بِالتَّشَوُّفِ إلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ التَّعَزُّزِ بِعِزِّهِمْ الْفَانِي أَوْ الرُّكُونِ إلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ الزَّائِلَةِ فَإِذَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي قَضَاءَ حَوَائِجِ الْمُضْطَرِّينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَيْدِيهِمْ ؛ لِأَنَّ لَهُ بِذَلِكَ الْمِنَّةَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ سَاقَ إلَيْهِمْ خَيْرًا عَظِيمًا ، وَمَعْرُوفًا جَسِيمًا لَكِنْ بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يُرِيهِمْ أَنَّ الْحَظَّ وَالْمَنْفَعَةَ وَالْحَاجَةَ الْكُبْرَى لَهُمْ فِي اسْتِقْضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يُحَقِّقَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إلَى ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَاجَاتِ إلَيْهِمْ ،
وَأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ فَكَيْفَ مَعَ اطِّلَاعِهِ وَاطِّلَاعِهِمْ ، وَهَذَا بَابٌ كَبِيرٌ مُتَّسِعٌ فَيَكْفِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفُقَرَاءُ السَّالِكُونَ مِمَّنْ مَضَى مِنْهُمْ - نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ - قَدْ انْقَسَمُوا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ لَا يُخَالِطُ أَحَدًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَإِنْ وَقَعَ لِأَحَدِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ اسْتَعْمَلَ التَّحَيُّلَ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهُ .
كَمَا حُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا أَنْ تَوَلَّى الْخِلَافَةَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ ، وَيَرْجِعُ إلَيْهِ هَرَبَ مِنْهُ إلَى الْبِلَادِ ، وَسَافَرَ إلَى مَوَاضِعَ لَا يُعْرَفُ فِيهَا فَبَقِيَ الْخَلِيفَةُ يَسْأَلُ عَنْهُ ، وَيَبْحَثُ عَنْ أَمْرِهِ إلَى أَنْ اجْتَمَعَ بِهِ بَعْضُ مَنْ يَعْرِفُهُ فَتَكَلَّمَ مَعَهُ فِي أَنَّ اجْتِمَاعَهُ بِالْخَلِيفَةِ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَانَ جَوَابُهُ أَنْ قَالَ : يُصْلِحُ مَا يَعْلَمُ فَسَادَهُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ أَتَيْته ، وَجَلَسْت مَعَهُ ، وَعَلَّمْته مَا لَمْ يَعْلَمْهُ أَوْ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَظْهَرَ التَّوَلُّهَ حِينَ إتْيَانِ السُّلْطَانِ إلَيْهِ بِأَنْ جَعَلَ عَلَى بَابِهِ أَحْمَالًا مِنْ الْخُبْزِ فَوَضَعَهَا ، وَجَلَسَ هُنَاكَ فَلَمَّا أَنْ رَأَى السُّلْطَانَ مُقْبِلًا أَخَذَ رَغِيفًا ، وَجَعَلَ يَعَضُّ فِيهِ ، وَيَأْكُلُ بِنَهِمَةٍ فَجَاءَ السُّلْطَانُ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ : هُوَ ذَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ فَكَلَّمَهُ فَأَبَى عَنْ جَوَابِهِ فَسَأَلَهُ لِمَ لَا تَرُدُّ عَلَيَّ الْجَوَابَ فَقَالَ أَخَافُ أَنْ تَشْغَلَنِي عَنْ أَكْلِي أَوْ أَنْ تَأْكُلَ مَعِي فَيَذْهَبَ هَذَا الْخُبْزُ ، وَأَنَا لَا أَشْبَعُ أَوْ كَمَا قَالَ فَرَجَعَ السُّلْطَانُ عَنْهُ ، وَهَذَا بَابُ السَّلَامَةِ ، وَلَا يُعْدَلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْءٌ .
الْقِسْمُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ إذَا أَتَوْا إلَيْهِمْ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ : الْإِتْيَانُ إلَيْهِمْ ، وَفِيهِ خَطَرٌ مِنْ أَجْلِ
مُخَالَطَتِهِمْ وَالْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِهِمْ لِقَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ إذْ أَنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ أَحَدُهُمَا حَسَنٌ ، وَهُوَ قَضَاءُ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالتَّفْرِيجُ عَنْهُمْ وَالثَّانِي ضِدُّهُ ، وَهُوَ إهَانَةُ خِرْقَةِ الْفَقِيرِ بِالْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ لَا يَنْبَغِي ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : مَا أَقْبَحَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ الْعَالِمِ فَيُقَالُ : هُوَ بِبَابِ الْأَمِيرِ فَإِذَا كَانَ هَذَا الْقُبْحُ فِي حَقِّ الْعَالِمِ فَمَا بَالُك بِهِ فِي الْمُرِيدِ الَّذِي خَلَّفَ الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ يَطْلُبُهَا ، وَتَوَجَّهَ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالِانْقِطَاعِ إلَيْهِ ؟ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ إلَّا أَنَّا مَأْمُورُونَ بِالتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ ، وَالْوُقُوفُ بِبَابِهِمْ يُنَافِي ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْتَارُ الطَّرِيقَةَ الْوُسْطَى لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ لَا يَقِفُ بِبَابِهِمْ ، وَلَا يَنْفِرُ مِنْهُمْ ، بَلْ يَسْتَقْضِي حَوَائِجَ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْهُمْ إذَا أَتَوْا إلَيْهِ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَأْتِ مِنْهُمْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُرْسِلُ إلَيْهِ أَصْلًا ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ ضَرُورَةٌ ، وَأَتَى إلَيْهِ يُحِيلُهُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالتَّوْبَةِ مِمَّا جَنَى ، وَأَمَّا الْإِرْسَالُ إلَيْهِمْ فَكَانَ لَا يُرْسِلُ لِمَنْ يَعْرِفُ ، وَلَا لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ فَمَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ مِنْهُمْ إذَا جَاءَ ذِكْرٌ لَهُ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ ضَرُورَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَأَزَالَهَا ، وَهَذَا الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ هُوَ حَالُ أَكْثَرِ السَّلَفِ أَعْنِي الطَّرِيقَةَ الْوُسْطَى الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ هَذَا حَالُهُ مَعَ زِيَارَةِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الدُّنْيَا .
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ يَأْتِي إلَى زِيَارَةِ الْمُرِيدِ يَنْقَسِمُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ - إتْيَانُ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا لَهُ .
وَالثَّانِي - زِيَارَةُ الْمُرِيدِينَ وَالصُّلَحَاءِ .
وَالثَّالِثُ - زِيَارَةُ مَنْ شَارَكَهُ فِي الْخِرْقَةِ مِنْ جِهَةِ شَيْخِهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعَالِمِ الَّذِي اهْتَدَى بِهَدْيِهِ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْقَى مَنْ أَتَاهُ بِرَحَبٍ ، وَسَعَةِ صَدْرٍ ، وَأَنْ يُكْثِرَ التَّوَاضُعَ لَهُمْ ، وَيَرَى الْفَضْلَ لَهُمْ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلُوهُ ، وَيَرَى نَفْسَهُ أَنَّهَا مُقَصِّرَةٌ فِي حَقِّهِمْ إذْ إنَّهُ قَعَدَ عَنْ زِيَارَتِهِمْ حَتَّى احْتَاجُوا إلَى زِيَارَتِهِ فَيُعَوِّضُ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ كَثْرَةَ الْأُنْسِ ، وَإِظْهَارَ الْوُدِّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ بَاطِنًا كَمَا فَعَلَهُ ظَاهِرًا ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْأَدَبِ مَعَهُمْ بِتَوْقِيرِ كَبِيرِهِمْ ، وَاحْتِرَامِهِ ، وَاللُّطْفِ بِصَغِيرِهِمْ فِي إرْشَادِهِ ، وَتَهْذِيبِ أَخْلَاقِهِ وَتَهْيِئِ أَمْرِهِ لِلسُّلُوكِ وَالتَّرَقِّي ، وَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُخْرِجَ عَنْهُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ إلَّا عَنْ أَكْلٍ فَلْيَفْعَلْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ عَنْ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَنْصَرِفُونَ إلَّا عَنْ ذَوَاقٍ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَكَلُّفٍ مِثْلِ أَخْذِ دَيْنٍ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ فَالتَّرْكُ أَوْلَى بِهِ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَاءَهُ أَضْيَافٌ فَقَدَّمَ لَهُمْ خُبْزًا وَمِلْحًا ، وَقَالَ : لَوْلَا أَنَّا نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ لَتَكَلَّفْت لَكُمْ لَكِنْ يُعَوِّضُهُمْ عَنْ ذَلِكَ إمْدَادُهُمْ فِي بَوَاطِنِهِمْ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِمْدَادِ فَيَدْعُو لَهُمْ بِظَاهِرِ الْغَيْبِ ، وَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ - وَهُوَ الْغَالِبُ - مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ قَدْرًا ، وَأَعْظَمُ شَأْنًا فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ إذْ ذَاكَ يَعُودُ عَلَيْهِ بَرَكَتُهُ ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ { الْمَرْءَ إذَا دَعَا لِأَخِيهِ فِي ظَاهِرِ الْغَيْبِ فَإِنَّ
الْمَلَكَ يَقُولُ لَهُ : وَلَك مِثْلُ ذَلِكَ } أَوْ كَمَا وَرَدَ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : كُلُّ حَاجَةٍ أَحْتَاجُهَا ، وَأُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ بِهَا لِنَفْسِي أَدْعُو بِهَا لِأَخِي فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ لِأَنِّي إذَا دَعَوْت لِنَفْسِي كَانَ الْأَمْرُ مُحْتَمَلًا لِلْقَبُولِ أَوْ ضِدِّهِ ، وَإِذَا دَعَوْت لِأَخِي فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ فَالْمَلَكُ يَقُولُ : وَلَك مِثْلُ ذَلِكَ ، وَدُعَاءُ الْمَلَكِ مُسْتَجَابٌ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَاءَ إلَى زِيَارَةِ أَخِيهِ فَقَالَ لَهُ الْمَزُورُ : يَا أَخِي أَمَا كَانَ لَك شُغْلٌ بِاَللَّهِ عَنْ زِيَارَتِي فَقَالَ لَهُ الزَّائِرُ شُغْلِي بِاَللَّهِ أَخْرَجَنِي إلَى زِيَارَتِك .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ إذَا سَأَلَهُ أَحَدٌ مِنْ إخْوَانِهِ فِي حَاجَةٍ يَبْكِي ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَسُئِلَ عَنْ مُوجِبِ بُكَائِهِ فَقَالَ : أَبْكِي لِغَفْلَتِي عَنْ حَاجَةِ أَخِي حَتَّى احْتَاجَ أَنْ يُبْدِيَهَا لِي ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ هُوَ جَارٍ عَلَى جَادَّةِ غَالِبِ حَالِ النَّاسِ ، وَبَعْضُ الْأَكَابِرِ يُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ مَا هُوَ فِي الْإِيثَارِ أَكْثَرُ وَأَعَمُّ ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ اقْتِدَاءٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
كَمَا حَكَى لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ الْفَقِيهَ الْإِمَامَ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الْجُمَّيْزِيِّ جَاءَ إلَى زِيَارَةِ الْفَقِيهِ الْإِمَامِ الْمُحَدِّثِ الْمَعْرُوفِ بِالظَّهِيرِ التَّزْمَنْتِيِّ ، وَكَانَ إذْ ذَاكَ مُنْبَسِطًا مَعَ مَنْ حَضَرَهُ فَلَمَّا أُخْبِرَ بِمَجِيءِ الْفَقِيهِ ابْنِ الْجُمَّيْزِيِّ إلَى زِيَارَتِهِ انْقَبَضَ عَنْ ذَلِكَ ، وَزَالَ بَسْطُهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُنْقَبِضٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ لَهُ إلَّا جَوَابًا فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ رَجَعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَسْطِ مَعَ مَنْ حَضَرَهُ فَسُئِلَ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ فَقَالَ : اسْتَصْغَرْت نَفْسِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا السَّيِّدِ يَزُورُ مِثْلِي فَأَرَدْت أَنْ أُكَافِئَهُ بِبَعْضِ مَا يَسْتَحِقُّهُ فَوَجَدْتُ نَفْسِي عَاجِزَةً عَنْ مُكَافَأَتِهِ فَآثَرْته بِالْأَجْرِ كُلِّهِ حَتَّى
يَكُونَ فِي صَحِيفَتِهِ دُونِي لِمَا وَرَدَ { إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَأَكْثَرُهُمَا ثَوَابًا أَبَشُّهُمَا لِصَاحِبِهِ } فَآثَرْته بِذَلِكَ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ ، وَهَذَا لَهُ أَصْلٌ فِي الِاتِّبَاعِ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ { أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْت إذَا لَقِيتُ عَلِيًّا ابْتَدَأَنِي بِالسَّلَامِ فَلَقِيتُهُ الْيَوْمَ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيَّ حَتَّى ابْتَدَأْته بِالسَّلَامِ فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ فَجَلَسَ ، وَإِذَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَدْ جَاءَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِمَ لَمْ تَبْتَدِئْ أَبَا بَكْرٍ الْيَوْمَ بِالسَّلَامِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِمُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ فَقُلْت لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ فَقِيلَ : لِمَنْ يَبْتَدِئُ أَخَاهُ بِالسَّلَامِ فَأَرَدْت أَنْ أُوثِرَ الْيَوْمَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى نَفْسِي } أَوْ كَمَا قَالَ .
، وَهَذَا أَعْظَمُ فِي الْإِكْرَامِ ، وَأَبَرُّ فِي الِاحْتِرَامِ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ اسْتِطَاعَةٌ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْإِيثَارِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ لَكِنْ يُخَافُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يُنَفِّرَ النَّاسَ غَالِبًا عَنْ بَابِ رَبِّهِمْ ، وَيُوقِعَهُمْ فِيمَا لَا يَنْبَغِي فَارْتِكَابُ الطَّرِيقَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَوْلَى بَلْ أَوْجَبُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مَعَ مَنْ لَهُ رُسُوخٌ فِي السُّلُوكِ كَمَا تَقَدَّمَ وَصْفُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
( فَصْلٌ ) اعْلَمْ - رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ لِقَبُولِ الدُّعَاءِ مَوَاضِعَ عَدِيدَةً يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا لِيَعْرِفَ الْمُكَلَّفُ أَمَاكِنَهَا فَيَتَعَرَّضَ لَهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ اللَّهِ } فَمِنْ جُمْلَةِ النَّفَحَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ .
وَالثَّانِي الْمُضْطَرُّ ، وَهُوَ الْأَصْلُ لِعُمُومِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ } ، وَهَذَا لَفْظٌ عَامٌّ دُونَ الِاتِّصَافِ بِصِفَةٍ دُونَ أُخْرَى ، وَكَثِيرٌ مَنْ يَقَعُ لَهُ الْغَلَطُ وَالْوَهْمُ فِي هَذَا الْقِسْمِ فَيَرَى أَنَّهُ مُضْطَرٌّ فَيَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ فَيَقُولُ : أَنَّى هَذَا ؟ فَيَقَعُ لَهُ الْجَوَابُ بِلِسَانِ الْحَالِ { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } إذْ إنَّهُ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ حَالَةُ الِاضْطِرَارِ مَا رُدَّ ، وَمَا خُيِّبَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ .
وَمِثَالُ ذَلِكَ فِي الْحُسْنِ مَا كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ مِثْلُهُ مِثْلُ مَنْ رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ فَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى رِيحٍ يَمْشِي بِهَا ، وَإِلَى بَحْرٍ هَادٍ قَلِيلِ الْآفَاتِ لَكِنَّهُمْ مُطْمَئِنُّونَ بِسَفِينَتِهِمْ رَاكِنُونَ إلَيْهَا ، وَفِي هَذَا السُّكُونِ مِنْ عَدَمِ الِاضْطِرَارِ مَا فِيهِ فَلَوْ جَاءَ الرِّيحُ الْعَاصِفُ ، وَتَحَرَّكَ عَلَيْهِمْ هَوْلُ الْبَحْرِ لَكَانَ اضْطِرَارُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُمْ عِنْدَهُمْ قُوَّةٌ فِي أَنْفُسِهِمْ بِالسَّفِينَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ السَّلَامَةِ غَالِبًا فَلَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ مَثَلًا ، وَبَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ جَمَاعَةٍ عَلَى لَوْحٍ لَاشْتَدَّ اضْطِرَارُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الثَّانِي - لَكِنَّهُمْ يَرْجُونَ السَّلَامَةَ لِمَا تَحْتَهُمْ مِنْ الْأَلْوَاحِ ، وَذَلِكَ قَدْحٌ فِي حَقِيقَةِ اضْطِرَارِهِمْ فَلَوْ ذَهَبَتْ الْأَلْوَاحُ ، وَبَقُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ لَا بَرٌّ يُرَى ، وَلَا جِهَةٌ تُقْصَدُ ، وَلَا لَوْحٌ يُرَامُ أَنْ يُصْعَدَ عَلَيْهِ فَهَذِهِ
الصِّفَةُ هِيَ حَقِيقَةُ الِاضْطِرَارِ أَوْ كَمَا قَالَ .
فَمَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَهُوَ فِي حَالَةِ الِاتِّسَاعِ مِنْ أَمْرِهِ كَانَ مُضْطَرًّا حَقِيقَةً فَلَا يَشُكُّ ، وَلَا يَرْتَابُ فِي إجَابَتِهِ ، وَمَا وَقَعَ الْغَلَطُ إلَّا فِي صِفَةِ التَّحْصِيلِ لِهَذِهِ الصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الثَّالِثُ - مِنْ مَوَاطِنِ الْإِجَابَةِ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ .
الرَّابِعُ - عِنْدَ الْآذَانِ .
الْخَامِسُ : عِنْدَ اصْطِفَافِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ .
السَّادِسَةُ - عِنْدَ اصْطِفَافِهِمْ لِلْجِهَادِ .
السَّابِعُ - الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ .
الثَّامِنُ - الدُّعَاءُ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ حُضُورٌ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الدَّاعِي .
التَّاسِعُ - الدُّعَاءُ مِنْ الصَّائِمِ عِنْدَ إفْطَارِهِ .
الْعَاشِرُ - الدُّعَاءُ مِنْ الْمُسَافِرِ عِنْدَ سَفَرِهِ .
الْحَادِيَ عَشَرَ - وَهُوَ آكَدُهَا السَّاعَةُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا .
الثَّانِيَ عَشَرَ - يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَلَيْلَتُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ الثَّالِثَ عَشَرَ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، وَهِيَ أُمُّ الْبَابِ ، وَخِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ الرَّابِعَ عَشَرَ - الدُّعَاءُ مِنْ الْوَالِدَيْنِ لِوَلَدِهِمَا .
الْخَامِسَ عَشَرَ - الدُّعَاءُ عِنْدَ حُدُوثِ الْخُشُوعِ ، وَاقْشِعْرَارِ الْجِلْدِ ، وَالْخَوْفِ ، وَالْقَلِقِ ، وَغَلَبَةِ الرَّجَاءِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ كُلَّهَا مَحَلٌّ لِلْإِجَابَةِ .
السَّادِسَ عَشَرَ - وَهُوَ أَعْظَمُهَا ، وَأَوْلَاهَا الدُّعَاءُ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَعْيِينِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الِاتِّصَافِ بِحَالَةِ الِاضْطِرَارِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ قَوْله تَعَالَى { وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ { اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } وَ { الم اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ
الْقَيُّومُ } { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ { لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ } ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : آخِرَ سُورَةِ الْحَشْرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ .
السَّابِعَ عَشَرَ - يَوْمُ عَرَفَةَ .
الثَّامِنَ عَشَرَ - شَهْرُ رَمَضَانَ .
التَّاسِعَ عَشَرَ - فِي السُّجُودِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالدُّعَاءُ لَهُ أَرْكَانٌ ، وَأَجْنِحَةٌ ، وَأَسْبَابٌ ، وَأَوْقَاتٌ فَإِنْ صَادَفَ أَرْكَانَهُ قَوِيَ ، وَإِنْ صَادَفَ أَجْنِحَتَهُ طَارَ فِي السَّمَاءِ ، وَإِنْ صَادَفَ أَسْبَابَهُ نَجَحَ ، وَإِنْ صَادَفَ أَوْقَاتَهُ فَازَ فَمِنْ أَرْكَانِهِ الِاضْطِرَارُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَأَجْنِحَتُهُ قُوَّةُ الصِّدْقِ مَعَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا يَرْجُوهُ ، وَيُؤَمِّلُهُ مِنْهُ وَيَخَافُهُ ، وَأَسْبَابُهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَوْقَاتُهُ الْأَسْحَارُ .
وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ هُوَ عَلَى جَادَّةِ التَّكْلِيفِ ، وَأَمَّا مَنْ هُوَ فِي مَقَامِ الرِّضَى أَوْ مَا يُقَارِبُهُ فَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ فِي حَقِّهِ ذَنْبًا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ ، وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ .
كَمَا قَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ تَجَاسَرْت الْبَارِحَةَ ، وَسَأَلْت رَبِّي الْمُعَافَاةَ مِنْ النَّارِ ، وَكَمَا حَكَى الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ الْمَقَامَاتِ نِلْت مِنْهَا شَيْئًا إلَّا هَذَا الرِّضَا فَإِنِّي مَا نِلْت مِنْهُ إلَّا مِقْدَارَ سَمِّ الْخِيَاطِ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ أَهْلَ جَهَنَّمَ أَجْمَعِينَ ، وَأَدْخَلَهُ جَهَنَّمَ ، وَمَلَأَهَا بِجَسَدِهِ ، وَعَذَّبَهُ بِعَذَابِهِمْ أَجْمَعِينَ لَكَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا جَرَى لِلْكَلِيمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ الْعَابِد ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَمْرُ رَاجِعٌ إلَى حَالِ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الرِّضَا فِي حَقِّهِ أَوْلَى ، وَأَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِهِ ، وَمَا
اخْتَصَّ بِهِ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي وَقْتٍ آخَرَ الدُّعَاءُ ، وَالتَّمَلُّقُ ، وَإِظْهَارُ الْفَاقَةِ ، وَالِاضْطِرَارُ ، وَالْحَاجَةُ أَوْلَى ، وَأَفْضَلَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ ، وَعَنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِنْ أَقْسَامِ الزَّائِرِ وَالْمَزُورِ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ - الِاشْتِرَاكُ فِي الرَّضَاعَةِ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ ، وَمَجَالِسِ الشُّيُوخِ فَمَنْ جَاءَهُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَهُوَ مِنْ الْخَاصَّةِ بِهِ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَرْضًا فَلْيَفْعَلْ إذْ إنَّ احْتِرَامَهُمْ احْتِرَامٌ لِشَيْخِهِ الَّذِي أَخَذَ عَنْهُ .
وَآدَابُ الْمُرِيدِ مَعَ شَيْخِهِ لَا تَنْحَصِرُ ، وَلَا تَرْجِعُ إلَى قَانُونٍ ، وَلَا يَقْدِرُ الْمُرِيدُ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّهِ فِي الْغَالِبِ إذْ إنَّ حَقِيقَةَ أَمْرِ الشَّيْخِ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي بِحَارِ الذُّنُوبِ ، وَالْغَفَلَاتِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُجَازِي عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى
( فَصْلٌ ) : وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ أَهَمُّ الْأُمُورِ عِنْدَهُ وَآكَدُهَا الْخَلْوَةَ عَنْ النَّاسِ ، وَالِانْفِرَادَ بِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ سَبَبٌ لِلْفَتْحِ غَالِبًا ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَقْبَلَ مَا تُلْقِيهِ إلَيْهِ نَفْسُهُ أَوْ الشَّيْطَانُ مِنْ مَحَبَّةِ الِاجْتِمَاعِ بِالْإِخْوَانِ أَوْ الْمَيْلِ إلَيْهِمْ أَوْ الْمَيْلِ إلَى رُؤْيَتِهِمْ فَإِنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ غَالِبًا عَلَى حُبِّ الرَّاحَةِ ، وَالْبَطَالَةِ ، وَهِيَ لَا تَجِدُ لِذَلِكَ سَبِيلًا مَعَ دَءُوبِ الْخَلْوَةِ ، وَلَا تَجِدُ السَّبِيلَ إلَى أَنْ تَسْرِقَهُ أَوْ تَمِيلَ بِهِ عَمَّا هُوَ بِسَبِيلِهِ إلَّا بِسَبَبِ الِاجْتِمَاعِ بِالْإِخْوَانِ غَالِبًا إذْ بِالِاجْتِمَاعِ بِهِمْ تَجِدُ السَّبِيلَ إلَى الزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ فِيمَا يُرِيدُهُ ، وَيَخْتَارُهُ ، وَفِيهِ مِنْ الْخَطَرِ مَا فِيهِ أَوْ عَكْسُهُ ، وَهُوَ الدَّاءُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ فِي الْغَالِبِ إلَّا التَّوْبَةُ وَالْإِقْلَاعُ وَالتَّحَلُّلُ ، وَكَانَ فِي غُنْيَةٍ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَهَذِهِ دَسِيسَةٌ قَلَّ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا إلَّا مِنْ نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّقَلِّيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَالَاتِ لَهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَخْلُو لِأَسْلَمَ مِنْ ضَرَرِي لِلنَّاسِ فَصِرْت أَخْلُو لِأَغْنَمَ فَصِرْت أَخْلُو لِأَفْهَمَ فَصِرْت أَخْلُو لِأَعْلَمَ فَصِرْت أَخْلُو لِأَتَنَعَّمَ .
فَانْظُرْ - رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ - إلَى هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي انْتَقَلَ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ .
فَأَوَّلُهَا : طَلَبُ سَلَامَةِ النَّاسِ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ إذْ إنَّ طَلَبَ السَّلَامَةِ مِنْ النَّاسِ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ ، وَوُقُوعٌ فِي حَقِّ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا خَلَا بِنَفْسِهِ لِكَيْ يَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ ، وَبَصَرِهِ ، وَسَمْعِهِ ، وَبَطْشِهِ ، وَسَعْيِهِ ، وَحَسَدِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَوِرُهُ فِي خُلْطَتِهِ لَهُمْ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي شَهِدَ لَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ
عَلَيْهِ ، وَسَلَامُهُ بِالْإِسْلَامِ حَيْثُ يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ } ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَمَّا أَنْ حَصَلَ هَذَا الْمَقَامُ السَّنِيُّ تَرَقَّى بَعْدَهُ إلَى مَا هُوَ أَسْنَى مِنْهُ ، وَهُوَ حُصُولُ الْغَنِيمَةِ فَهُوَ فِي أَعْمَالِ الْآخِرَةِ يَنْتَهِبُهَا إذْ إنَّ الْخَلْوَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا أَعَانَتْهُ عَلَى افْتِرَاسِ ذَلِكَ ، وَالنُّهُوضِ إلَيْهِ لِعَدَمِ الْعَائِقِ ، ثُمَّ بَعْدَ حُصُولِ هَذَا الْمَقَامِ السَّنِيِّ تَرَقَّى إلَى مَا هُوَ أَسْنَى مِنْهُ ، وَهُوَ الْفَهْمُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَاتِهِ ، وَفِي أَحْكَامِهِ ، وَفِي تَدْبِيرِهِ فِي خَلْقِهِ ، وَإِحْسَانِهِ إلَى أَوْلِيَائِهِ ، وَقُرْبِهِ مِنْهُمْ ، وَعِلْمِهِ بِحَالِهِمْ إذْ هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْكَرِيمُ الَّذِي مَنَّ بِذَلِكَ ، وَسَهَّلَ الْأَمْرَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَالْفَهْمُ عَنْ اللَّهِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ مَا لِمَا عَدَا مَا ذُكِرَ ، ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَ هَذَا الْمَقَامِ السَّنِيِّ إلَى مَا هُوَ أَسْنَى مِنْهُ ، وَهُوَ الْعِلْمُ ؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ الْفَهْمِ إذْ إنَّهُ إذَا فَهِمَ عَلِمَ ، وَهَذَا الْعِلْمُ عَامٌّ فِي الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَالْعِلْمِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ إذْ إنَّهُ لَا يُوجَدُ جَاهِلٌ بِأَحْكَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ عَالِمًا بِاَللَّهِ ، وَالْعِلْمُ بِاَللَّهِ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ بِخِلَافِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّ لَهَا نِهَايَةً عَلَى مَا قَدْ عَلِمَ فَلَمَّا أَنْ حَصَّلَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ السَّنِيَّةَ انْتَقَلَ مِنْهَا إلَى مَا هُوَ أَسْنَى مِنْهَا ، وَهُوَ التَّنَعُّمُ فِي خَلْوَته ، وَالتَّلَذُّذُ بِالطَّاعَاتِ الَّتِي يُحَاوِلُهَا إذْ إنَّهُ عَبْدٌ قَدْ خُلِعَتْ عَلَيْهِ خُلَعُ الْقُرْبِ فَاتَّصَفَ بِالْمَقَامَاتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا ، وَلَا بَعْضَهَا إلَّا بِفَضْلِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَرَمِهِ وَامْتِنَانِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إخْوَانِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَوْنُهُ خَلَعَ عَلَيْهِ دُونَهُمْ هَذَا فَضْلٌ
عَمِيمٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَقُومَ بِشُكْرِ بَعْضِهِ - اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا ذَلِكَ فَإِنَّك وَلِيُّهُ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ - بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - فَإِذَا حَصَلَ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ انْتَفَعَ بِنَفْسِهِ ، وَانْتَفَعَ بِهِ مَنْ عَرَفَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ .
فَإِذَا حَصَلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ السَّنِيِّ جَاءَتْهُ الْأَلْطَافُ تَتْرَى إذْ إنَّهُ تَشَبَّهَ فِيهِ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الَّذِينَ لَا يَأْكُلُونَ ، وَلَا يَشْرَبُونَ ، وَبِذِكْرِ رَبِّهِمْ يَتَنَعَّمُونَ إذْ إنَّ الذِّكْرَ لَهُمْ كَالنَّفَسِ لَنَا ، وَمَنْ هَذَا حَالُهُ تَكُونُ الْعِبَادَةُ لَهُ كَالْغِذَاءِ ؛ لِأَنَّ الْغِذَاءَ جَمْعُ أَشْيَاءَ مِنْهَا شَهْوَةُ النَّفْسِ لِلْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، وَقَوَامِ الْبَدَنِ ، وَالْإِعَانَةِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ ، وَمَنْ حَصَلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَقَدْ تَمَّ لَهُ النَّعِيمُ .
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَأْكُلُ أَكْلَةً فِي الشَّهْرِ ، وَبَعْضَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَبَعْضَهُمْ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَبَعْضَهُمْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا كُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ التَّنَعُّمِ فِي الْخَلْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ انْقَطَعَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُرِيدِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُحَكِّمُوا الْآدَابَ فِي الْوُصُولِ إلَى هَذَا الْمَقَامِ فَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِمَنْ هُوَ فِيهِ فَيَنْقَطِعُونَ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ هَذَا غِذَاؤُهُ بِالتَّنَعُّمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، وَقَدْ مَضَتْ حِكْمَةُ الْحَكِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ هَذَا الْبَدَنَ لَا قَوَامَ لَهُ إلَّا بِقُوتٍ ، فَالْقُوتُ الْمَعْنَوِيُّ الَّذِي حَصَّلَهُ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَغْنَاهُ عَنْ الْقُوتِ الْحِسِّيِّ ، وَهُمْ لَمْ يُحَكِّمُوهُ ، وَتَرَكُوا الْقُوتَ الْحِسِّيَّ ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ تَكَفَّلَ لِهَذَا الْهَيْكَلِ بِرِزْقٍ لَا قَوَامَ لَهُ إلَّا بِهِ قَالَ : وَهَذَا الرِّزْقُ الَّذِي تَكَفَّلَ بِهِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ
مَحْسُوسًا فَتَارَةً يَكُونُ مَحْسُوسًا وَتَارَةً يَكُونُ مَعْنَوِيًّا أَوْ كَمَا قَالَ ، وَلِأَجْلِ الْجَهْلِ بِتَحْصِيلِ هَذَا الْقُوتِ الْمَعْنَوِيِّ حَصَلَ لِبَعْضِ مَنْ يَتَعَانَى كَثْرَةَ الْمُجَاهَدَةِ أَشْيَاءُ رَدِيئَةٌ مِثْلُ الْعَرْبَدَةِ أَوْ الْجُنُونِ أَوْ النَّشَّافِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَمَنْ تَأَدَّبَ بِهَذِهِ الْآدَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخَلْوَةِ يَغْلِبُ الرَّجَاءُ أَنَّهُ مِنْ النَّاجِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّهُ قَدْ كَانَ دَخَلَ فِي مُجَاهَدَةٍ بِنِيَّةِ أَمَدٍ مَعْلُومٍ فَلَمْ تَقْدِرْ نَفْسُهُ عَلَى إتْمَامِ الْمُدَّةِ ، وَضَاقَ ذَرْعُهُ بِذَلِكَ قَالَ : فَأَرَدْت أَنْ أُفْطِرَ ثُمَّ حَصَلَتْ لِي عَزِيمَةٌ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ فَلَمَّا أَنْ شَعَرَتْ نَفْسِي بِهَذِهِ الْعَزِيمَةِ غُشِيَ عَلَيْهَا فَرَأَيْت فِي تِلْكَ الْغَشْوَةِ كَأَنَّ إنْسَانًا يُطْعِمُنِي فَأَكَلْت حَتَّى شَبِعْت ، ثُمَّ سَقَانِي فَشَرِبْت حَتَّى رُوِيت ، ثُمَّ اسْتَفَقْت ، وَأَنَا شَبْعَانُ رَيَّانُ فَقُمْت أَغْتَنِمُ الطَّاعَةَ مُبْتَدِرًا بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ فَفَرَغَتْ الْمُدَّةُ ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ ، ثُمَّ بَقِيت بَعْدُ مُدَّةً أُخْرَى كَذَلِكَ ، وَلَوْ بَقِيت عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةَ الْعُمْرِ لَرَأَيْت أَنِّي لَا أَحْتَاجُ إلَى غِذَاءٍ بَعْدَهَا لَكِنْ رَجَعْت إلَى الْغِذَاءِ خَوْفًا مِنِّي عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ إذْ إنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِالْغِذَاءِ .
هَذَا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ لَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ ، وَعَرَفَهُ النَّاسُ بِذَلِكَ ، وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَبَرَكَةُ الْخَلْوَةِ لَا تَنْحَصِرُ ، وَلَا تَقِفُ عَلَى حَدٍّ يُنْتَهَى إلَيْهِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَمَرْتَبَتِهِ ، وَأَقَلُّ فَوَائِدِهَا ، بَلْ أَعْظَمُهَا وَزُبْدَتُهَا مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ الْخُشُوعِ وَتَصَاغُرِ النَّفْسِ وَالِاحْتِقَارِ بِهَا وَذَاتِهَا ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَسْكَنَتِهَا ، وَقِلَّةِ حِيلَتِهَا ، وَفَقْرِهَا ، وَاضْطِرَارِهَا
إلَى سَيِّدِهَا ، وَمُدَبِّرِهَا ، وَقَدْ سَأَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْأَعْمَشَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْخُشُوعِ فَقَالَ : يَا ثَوْرِيُّ أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ إمَامًا لِلنَّاسِ ، وَلَا تَعْرِفُ الْخُشُوعَ سَأَلْت إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ الْخُشُوعِ فَقَالَ : يَا أُعَيْمِشٌ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ إمَامًا لِلنَّاسِ ، وَلَا تَعْرِفُ الْخُشُوعَ لَيْسَ الْخُشُوعُ بِأَكْلِ الْجَشِيمِ ، وَلَا بِلُبْسِ الْخَشِنِ ، وَتَطَأْطُؤِ الرَّأْسِ لَكِنَّ الْخُشُوعَ أَنْ تَرَى الشَّرِيفَ وَالدَّنِيءَ سَوَاءً ، وَأَنْ تَخْشَعَ لِلَّهِ فِي كُلِّ فَرْضٍ اُفْتُرِضَ عَلَيْك .
وَالْغَالِبُ أَنَّ هَذَا قَلَّ أَنْ يَحْصُلَ إلَّا مَعَ كَثْرَةِ الْخَلْوَاتِ فَالْخَلْوَةُ نُورُ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَبَهَاؤُهُ ، وَعَلَيْهَا تُقَرَّرُ الْأَحْوَالُ السَّنِيَّةُ ، وَالْمَرَاتِبُ الْعَلِيَّةُ فَلْيَشُدَّ الْمُرِيدُ يَدَهُ لِيَحْصُلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْبَرَكَاتِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ
( فَصْلٌ ) : وَآكَدُ مَا عَلَيْهِ فِي خَلْوَتِهِ النَّظَرُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يَقْتَاتُ مِنْهَا فَلْيَحْتَفِظْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَطْرَأُ عَلَيْهِ فِيهَا إذْ إنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ وُجُوهٍ : إمَّا أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ أَصْلَهَا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ أَوْ مِيرَاثًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ وُجُوهِ الْحِلِّ ، فَهَذَا قَدْ لَطَفَ اللَّهُ بِهِ إذْ يَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ حِلٍّ ، وَانْقَطَعَ بِسَبَبِهِ إلَى الْخَلَوَاتِ وَبَرَكَاتِهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ مَا يَفْتَحُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْغَيْبِ فَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَالْآخَرُ بِوَاسِطَةٍ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ مِثْلُ الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ مَلْطُوفٌ بِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَخْشَى عَلَى بَعْضِ مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ الدَّسَائِسِ الْوَارِدَةِ عَلَى النُّفُوسِ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ .
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَيْسِيرُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ مَخْلُوقٍ فَهَاهُنَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ .
سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ .
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ - يَسُرُّ وَيَضُرُّ .
الْقِسْمُ الثَّانِي - عَكْسُهُ لَا يَسُرُّ وَلَا يَضُرُّ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ - يَسُرُّ وَلَا يَضُرُّ .
الْقِسْمُ الرَّابِعُ - عَكْسُهُ يَضُرُّ وَلَا يَسُرُّ .
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ الَّذِي يَسُرُّ وَيَضُرُّ هُوَ الْفُتُوحُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ جِهَةِ فَقِيرٍ مُحْتَاجٍ مُعْتَقِدٍ فَإِنْ أَنْتَ قَبِلْته مِنْهُ سُرَّ بِذَلِكَ ، وَيَتَضَرَّرُ فِي نَفْسِهِ لِأَجْلِ فَقْرِهِ فَهَذَا يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ أَنْ لَا يَرْزَأَهُ فِي شَيْءٍ ، وَيَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِسِيَاسَةٍ حَتَّى لَا يَنْكَسِرَ خَاطِرُهُ أَوْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ ، وَيُكَافِئَهُ عَلَيْهِ بِمَا تَيَسَّرَ ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُشَوِّشَ عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْعِوَضِ لَهُ ، بَلْ يُعَوِّضُهُ دُونَ إشْعَارٍ لَهُ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي - وَهُوَ عَكْسُ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَسُرُّ وَلَا يَضُرُّ فَهُوَ الْفُتُوحُ
الَّذِي يَأْتِي مِنْ عِنْدِ مَنْ لَهُ جِدَةٌ وَاتِّسَاعٌ ، وَهُوَ مَسْتُورٌ بِلِسَانِ الْعِلْمِ ، وَصَاحِبُهُ لَيْسَ بِمُعْتَقِدٍ فَإِنْ هُوَ أَخَذَهُ مِنْهُ لَمْ يُسَرَّ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَضُرَّهُ أَخْذُهُ مِنْهُ فَالْمُرِيدُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي الْوَقْتِ .
وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا لَكَانَ أَوْلَى بِهِ ، وَأَرْفَعَ لِمَقَامِهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ يَدُهُمْ هِيَ الْعُلْيَا .
كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى } ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ : الْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ ، وَالْيَدُ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا ، وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّ الْمُرَادَ بِالْعُلْيَا وَالسُّفْلَى : السَّائِلَةُ وَالْمَسْئُولَةُ .
فَإِنْ كُنْت سَائِلًا فِي قَبُولِ مَعْرُوفِك فَيَدُك سُفْلَى ، وَإِنْ كُنْت مَسْئُولًا فَيَدُك هِيَ الْعُلْيَا .
وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يُخْرِجُ صَدَقَةً حَتَّى يَفُكَّ فِيهَا لَحْيَيْ سَبْعِينَ شَيْطَانًا فَإِذَا هَمَّ الْمُكَلَّفُ بِإِعْطَاءِ صَدَقَةٍ ، وَاعْتَوَرَتْهُ هَذِهِ الشَّيَاطِينُ وَغَلَبَهُمْ ، وَأَتَاكَ بِمَعْرُوفِهِ فَإِنْ أَنْتَ رَدَدْته عَلَيْهِ فَقَدْ أَعَنْت الشَّيَاطِينَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ لَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُعْطِيَهَا لِغَيْرِك فَيُحْرَمُ مِنْ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ ، وَتَجِدُ الشَّيَاطِينُ السَّبِيلَ إلَى تَقْصِيرِ يَدِهِ عَنْ الصَّدَقَةِ ، وَإِنْ أَنْتَ قَبِلْتَ مِنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ أَعَنْتَهُ عَلَيْهِمْ ، وَيَئِسُوا مِنْهُ فَقَدْ حَصَلَ لَك بِذَلِكَ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَدُ الْآخِذِ هِيَ الْعُلْيَا ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ .
ثُمَّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ يَحْصُلُ لِأَخِيك الْمُؤْمِنِ مِنْ الثَّوَابِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مَا يَعْجِزُ عَنْ وَصْفِهِ .
يَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا
حُكِيَ أَنَّ شَابًّا جَاءَ إلَى شَيْخِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَإِمَامِهَا الْجُنَيْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ : لَهُ أَنَا جَائِعٌ فَهَلْ مَنْ يُطْعِمُنِي ؟ فَقَامَ إنْسَانٌ مِمَّنْ لَهُ اتِّسَاعٌ فَقَالَ : عِنْدِي فَأَخَذَ الشَّابَّ ، وَمَضَى مَعَهُ إلَى بَيْتِهِ ، وَقَدَّمَ لَهُ طَعَامًا كَانَ الشَّابُّ يَشْتَهِيهِ فَمَدَّ يَدَهُ فَرَفَعَ لُقْمَةً ، وَبَقِيَ بِهَا فِي يَدِهِ لَحْظَةً فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ كُلْ فَاللُّقْمَةُ إذَا أَكَلْتهَا عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا فَوَضَعَ الْفَقِيرُ اللُّقْمَةَ مِنْ يَدِهِ ، وَخَرَجَ وَلَمْ يَأْكُلْ عِنْدَهُ شَيْئًا ، وَأَتَى إلَى الْجُنَيْدِ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى فَقَامَ فَقِيرٌ فَقَالَ عِنْدِي فَذَهَبَ مَعَهُ فَقَدَّمَ لَهُ خُبْزًا وَبَصَلًا فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَجَاءَ الْأَوَّلُ إلَى الْجُنَيْدِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى .
فَقَالَ لَهُ : اجْلِسْ ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الشَّابُّ سَأَلَهُ الْجُنَيْدُ هَلْ أَكَلْت ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ لَهُ : وَمَا أَكَلْت ؟ قَالَ : خُبْزًا وَبَصَلًا فَقَالَ لَهُ ، وَمَا قَدَّمَ لَك هَذَا قَالَ لَهُ : قَدَّمَ لِي طَعَامًا مُفْتَخَرًا فَقَالَ لَهُ : مَا مَنَعَك مِنْ أَكْلِهِ ؟ فَقَالَ لَهُ كُنْت جَائِعًا فَرَفَعْت اللُّقْمَةَ ، وَأَنَا أَتَخَيَّرُ أَيَّ قَصْرٍ آخُذُهُ فِي الْجَنَّةِ فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ ، وَإِذَا هُوَ قَدْ قَالَ : اللُّقْمَةُ إذَا أَكَلْتهَا عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا فِيهَا فَاسْتَحْيَيْت مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ آكُلَ طَعَامَ رَجُلٍ خَسِيسِ الْهِمَّةِ لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلَّا فِي الدُّنْيَا فَتَرَكْتُهُ وَمَضَيْت ، وَأَمَّا هَذَا فَنِيَّتُهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فَهُوَ يَسْتَقِلُّهَا تَقْدِيمًا أَوْ كَمَا قَالَ .
فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ تُشْعِرُك بِأَنَّ الْآخِذَ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ يَدُهُ هِيَ الْعُلْيَا إذْ إنَّهُ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ يُعْطِي مَا يَبْقَى ، وَيَأْخُذُ مَا يَفْنَى فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْهُ صَوَابًا ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَسْتُورٌ بِلِسَانِ الْعِلْمِ ، وَأَمَّا لِسَانُ الْوَرَعِ فَهُوَ أَمْرٌ آخَرُ ، وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ فِي هَذَا
الزَّمَانِ غَالِبًا فَمَنْ وَقَعَ لَهُ الْحَالُ عَلَى ذَلِكَ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنَّهُ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ ، وَيُقِيمُ فِي الْبَرَارِي ، وَالْقِفَارِ أَوْ يَكُونُ خَرَقَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْعَادَةَ فَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا .
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ - وَهُوَ الَّذِي يَسُرُّ وَلَا يَضُرُّ فَهُوَ الْفُتُوحُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى يَدِ بَعْضِ الْإِخْوَانِ الْمُعْتَقِدِينَ الَّذِي يَعْرِفُ سَبَبَهُمْ ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَسَارِ فَإِنْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ السُّرُورُ بِذَلِكَ ، وَلَا يَتَضَرَّرُونَ بِهِ .
فَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْسَامِ كُلِّهَا وَأَسْلَمُهَا مِنْ الْآفَاتِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ - وَهُوَ الَّذِي يَضُرُّ وَلَا يَسُرُّ فَهُوَ مَا كَانَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ ، وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِوَصْفَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا لِمَا يُعْطِيهِ .
وَالثَّانِي - عَدَمُ اعْتِقَادِ الدَّافِعِ لِلْمَدْفُوعِ لَهُ فَإِنْ أَنْتَ قَبِلْت مِنْهُ مَا أَتَاك بِهِ تَضَرَّرَ بِذَلِكَ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَلَا تُدْخِلُ عَلَيْهِ سُرُورًا لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ لَك ، وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ الْتَزَمَ فِي نَفْسِهِ طَرِيقَةً غَرِيبَةً قَلَّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ إلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَلُ صَدَقَةً وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ تَطَوُّعًا ، وَلَا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنْ أَرْبَابِ الْخَدَمِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا ، وَإِنْ قَلَّتْ خِدْمَتُهُ ، وَإِنْ تَحَرَّزَ مَا أَمْكَنَهُ ، وَمَنْ أَهْدَى لَهُ مِنْ الْإِخْوَانِ الْمُعْتَقِدِينَ فَيَخْتَلِفُ حَالُهُ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهُمْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَتَى بِهِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقْبَلُ مِنْهُ ، ثُمَّ يُعَوِّضُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ بِلُطْفٍ وَسِيَاسَةٍ ، وَمَا أَتَاهُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْوَانِ الْمُتَسَبِّبِينَ الْمُعْتَقِدِينَ نَظَرَ إلَى اكْتِسَابِهِمْ .
فَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا بِلِسَانِ الْعِلْمِ نَظَرَ فِي حَالِ صَاحِبِهِ هَلْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ سُرُورٌ بِالْأَخْذِ مِنْهُ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ أَنَّهُ سَوَاءٌ عِنْدَهُ أَخَذَ مِنْهُ أَوْ
رَدَّ عَلَيْهِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يَنْكَسِرُ خَاطِرُهُ عِنْدَ الرَّدِّ عَلَيْهِ ، وَيَنْجَبِرُ خَاطِرُهُ ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ السُّرُورُ حِينَ الْأَخْذِ مِنْهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فَمَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ الَّذِي يُقْبَلُ مِنْهُ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ غَرِيبَةٌ عَزِيزَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا مَنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ يُقَارِبُهُ لَا جَرَمَ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَأَهْلُهُ ، وَمَنْ يَلُوذُ بِهِ مِنْ شَظَفِ الْعَيْشِ بِحَيْثُ الْمُنْتَهَى فَلَقَدْ كَانَ يَأْخُذُ بِفَلْسٍ لَيْمُونًا فَيَأْتَدِمُ بِهِ غَدْوَةً ، وَعَشِيَّةً هُوَ وَأَهْلُهُ .
وَقَدْ بَقِيَ أَهْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ لَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ يَتَقَوَّتُونَ بِهِ فَأَخَذَ ثَوْبًا ، وَدَخَلَ بِهِ إلَى الْبَلَدِ لِيَبِيعَهُ فَلَمْ يَدْفَعْ أَحَدٌ فِيهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ زِيِّ الْمَغَارِبَةِ فَرَدَّهُ ، وَجَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْبَيْتَ خَشْيَةً مِنْ الْأَوْلَادِ أَنْ يَنْقَطِعَ رَجَاؤُهُمْ مِنْ الْقُوتِ إذْ ذَاكَ فَيَزِيدَ قَلَقُهُمْ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَوْلَادُ قَدْ نَامُوا فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ ، وَجَدَهُمْ مَسْرُورِينَ يُكْثِرُونَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا أَكَلَ خَرُوفًا ، وَهُمْ فِي الشِّبَعِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى زِيَادَةٍ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ .
وَبَقِيَ أَمْرُهُمْ كَذَلِكَ مُدَّةً حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَأَنْوَاعُ هَذَا كَثِيرَةٌ ، وَهُوَ بَابٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَفْرَادُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ صَبَرَ فِي نَفْسِهِ فَالْأَهْلُ وَالْأَوْلَادُ لَا يَصْبِرُونَ فِي الْغَالِبِ فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَاتِ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ سَيِّدِي أَبُو مَدْيَنَ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْعَارِفُ مَنْ أَخَذَ نَفْسَهُ بِالْوَرَعِ ، وَأَطْلَقَ غَيْرَهُ فِي مَيْدَانِ الْعِلْمِ ، وَمَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ - نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ ، وَرَزَقَنَا التَّصْدِيقَ بِأَحْوَالِهِمْ - إذْ لَمْ
نَكُنْ أَهْلًا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ .
اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمَنِّك بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
( فَصْلٌ ) : فِي ذِكْرِ مَا اُبْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى طَرِيقِ الْقَوْمِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَعَلَّقَتْ خَوَاطِرُهُمْ بِفِعْلِ الْكِيمْيَاءِ ، وَاسْتِخْرَاجِ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَدْفُونَةِ فِيهَا ، وَهِيَ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَى تَسْمِيَتِهَا بِالْمَطَالِبِ ، وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْض النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ تَعَانِيهِمْ اسْتِخْرَاجَ مَا فِي الْأَرْضِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذَا قَبِيحٌ لَوْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْعَوَامّ فَهُوَ فِي حَقِّ الْمُرِيدِ أَقْبَحُ وَأَشْنَعُ إذْ إنَّهُ خَلَّفَ الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ بِكُلِّيَّتِهِ لَا مَطْلَبَ لَهُ سِوَاهَا ، وَتَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَشْهَدُ بِكَذِبِهِ فِي طَرِيقِهِ مِنْ دَعْوَاهُ الِانْقِطَاعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِهَذَا فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ الْفَقْرُ الْمُدْقِعُ ، وَالدُّيُونُ الْكَثِيرَةُ ، وَمُخَالَطَةُ مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ فِي دِينِهِ ، وَدُنْيَاهُ ، وَذَلِكَ سَبَبٌ كَبِيرٌ إلَى وُقُوعِ النَّاسِ فِي عِرْضِ مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَاطِيه مَا يُوقِعُ النَّاسَ فِيهِ فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُمْ فِي إثْمِ وَقِيعَتِهِمْ فِيهِ ، وَقَدْ يَئُولُ أَمْرُ فَاعِلِ ذَلِكَ إلَى الْحَبْسِ وَالْإِهَانَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الذَّمِّ إلَّا أَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ خَاطِرُهُ بِذَلِكَ فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِحُبِّ الدُّنْيَا ، وَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا فَهُوَ قَالٍ لِلْآخِرَةِ إذْ إنَّهُمَا ضَرَّتَانِ مُتَنَافِرَتَانِ فَمَهْمَا أَقْبَلَ الْإِنْسَانُ عَلَى إحْدَاهُمَا أَضَرَّ بِالْأُخْرَى ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الذَّمِّ إلَّا مَا وَرَدَ { مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا يُنَادَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا أَحَبَّ مَا أَبْغَضَ اللَّهُ } ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِعْلُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي هَرَبِهِمْ مِنْ الدُّنْيَا خِيفَةً مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهَا ، وَمَنْ طَلَبَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَهُوَ
مُسْتَشْرِفٌ لِطَلَبِهَا ، وَذَلِكَ مَذْمُومٌ يَذْهَبُ بِجَمِيعِ خَاطِرِهِ ، وَاشْتِغَالِهِ عَنْ أَمْرِ دِينِهِ ، وَدُنْيَاهُ بَلْ كَانُوا يَعُدُّونَ الدُّنْيَا إذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً نَزَلَتْ بِهِمْ .
وَقَدْ مَضَتْ حِكَايَةُ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا جَرَى لَهُ فِي الْعَطَاءِ الَّذِي أَتَاهُ ، وَعَلَى هَذَا دَرَجَ فِعْلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَقَدْ حُكِيَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّات أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَرَّ فِي سِيَاحَتِهِ وَمَعَهُ الْحَوَارِيُّونَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ ذَهَبٌ كَثِيرٌ فَنَظَرَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَيْهِ ، وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ : اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْقَاتُولِ ، وَمَرَّ فِي سِيَاحَتِهِ فَتَخَلَّفَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ ، وَقَالُوا : إلَى أَيْنَ هَذَا الْمَقْصُودُ ؟ أَوْ كَمَا قَالُوا .
فَقَسَمُوا ذَلِكَ أَثْلَاثًا فَجَلَسَ اثْنَانِ يَحْرُسَانِ ذَلِكَ ، وَأَرْسَلَا ثَالِثَهُمَا إلَى الْبَلَدِ لِيَأْتِيَ بِالدَّوَابِّ وَالْأَعْدَالِ وَمَا يَأْكُلُونَهُ فَلَمَّا أَنْ مَضَى لِذَلِكَ تَحَدَّثَ الِاثْنَانِ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَقَالَا : لَوْ كَانَ هَذَا الْمَالُ بَيْنَنَا لَكَانَ أَوْلَى ، ثُمَّ قَالَا : وَكَيْفَ الْحِيلَةُ ؟ فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ إذَا جَاءَ يَقُومَانِ إلَيْهِ ، وَيَقْتُلَانِهِ ، وَيَبْقَى الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَقَالَ الثَّالِثُ الَّذِي ذَهَبَ إلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ : مِثْلَ قَوْلِهِمَا فَقَالَ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ كُلُّهُ لِي لَكَانَ أَوْلَى ، ثُمَّ قَالَ : وَكَيْفَ الْحِيلَةُ ؟ فَخَطَرَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ سُمًّا فِي الْغِذَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ فَيَأْكُلَانِهِ فَيَمُوتَا فَيَأْخُذُ الْمَالَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ فَفَعَلَ فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلَ عَلَى صَاحِبَيْهِ ، وَثَبَا إلَيْهِ فَقَتَلَاهُ ، ثُمَّ أَكَلَا مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْغِذَاءِ فَمَاتَا فَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ هُنَاكَ مَطْرُوحِينَ فَلَمَّا أَنْ رَجَعَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ سِيَاحَتِهِ ، وَمَرَّ بِهِمْ فَوَجَدَهُمْ هُنَاكَ طَرْحَى فَقَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ هَذَا الْقَاتُولُ ، .
وَقَدْ
تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ } ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ اتَّصَفَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَرْبُو عَلَى الْمُسْتَشْرِفِ فَتَرْتَفِعُ الْبَرَكَةُ مِنْهُ فَطَلَبُ الْمُرِيدِ وَغَيْرِهِ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهَا يُذْهِبُ الْبَرَكَةَ مِنْهَا ، وَالْمَقْصُودُ حُصُولُ الْبَرَكَةِ ، وَأَنَّهَا إذَا عُدِمَتْ مِنْ الشَّيْءِ لَوْ كَانَ مِلْءَ الْأَرْضِ مَا أَغْنَى صَاحِبَهُ لِعَدَمِهَا مِنْهُ ، وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ الْجَلِيلُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْحِلْيَةِ لَهُ فِي تَرْجَمَةِ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعُ بَنِينَ فَمَرِضَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ : إمَّا أَنْ تُمَرِّضُوهُ ، وَلَيْسَ لَكُمْ فِي مِيرَاثِهِ شَيْءٌ : وَإِمَّا أَنْ أُمَرِّضَهُ ، وَلَيْسَ لِي فِي مِيرَاثِهِ شَيْءٌ قَالُوا : مَرِّضْهُ ، وَلَيْسَ لَك فِي مِيرَاثِهِ شَيْءٌ قَالَ : فَمَرَّضَهُ حَتَّى مَاتَ ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْئًا قَالَ فَأُتِيَ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ : لَهُ ائْتِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَخُذْ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ فَقَالَ فِي نَوْمِهِ أَفِيهَا بَرَكَةٌ ؟ قَالُوا : لَا فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِامْرَأَتِهِ ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ : خُذْهَا فَإِنَّ مِنْ بَرَكَتِهَا أَنْ نَكْتَسِي بِهَا وَنَعِيشَ مِنْهَا فَأَبَى فَلَمَّا أَمْسَى أُتِيَ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ : لَهُ ائْتِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَخُذْ مِنْهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ فَقَالَ : أَفِيهَا بَرَكَةٌ ؟ قَالُوا : لَا فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِامْرَأَتِهِ فَقَالَتْ لَهُ : مِثْلَ مَقَالَتِهَا الْأُولَى فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا فَأُتِيَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَقِيلَ : لَهُ ائْتِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَخُذْ مِنْهُ دِينَارًا قَالَ أَفِيهِ بَرَكَةٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ فَذَهَبَ فَأَخَذَ الدِّينَارَ ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى السُّوقِ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ يَحْمِلُ حُوتَيْنِ
فَقَالَ : بِكَمْ هُمَا ؟ قَالَ : بِدِينَارٍ قَالَ : فَأَخَذَهُمَا مِنْهُ بِدِينَارٍ ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمَا إلَى بَيْتِهِ فَلَمَّا دَخَلَ بَيْتَهُ شَقَّ بَطْنَهُمَا فَوَجَدَ فِي بَطْنِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دُرَّةً لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا قَالَ فَبَعَثَ الْمَلِكُ يَطْلُبُ دُرَّةً لِيَشْتَرِيَهَا فَلَمْ تُوجَدْ إلَّا عِنْدَهُ فَبَاعَهَا بِوَقْرِ ثَلَاثِينَ بَغْلًا ذَهَبًا فَلَمَّا رَآهَا الْمَلِكُ قَالَ مَا تَصْلُحُ هَذِهِ إلَّا بِأُخْتِهَا فَاطْلُبُوا أُخْتَهَا ، وَإِنْ أَضْعَفْتُمْ قَالَ فَجَاءُوهُ فَقَالُوا : أَعِنْدَك أُخْتُهَا ، وَنُعْطِيك ضِعْفَ مَا أَعْطَيْنَاك قَالَ : وَتَفْعَلُونَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ قَالَ فَأَعْطَاهُمْ إيَّاهَا بِضِعْفِ مَا أَخَذُوا بِهِ الْأُولَى ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
فَانْظُرْ - رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ - إلَى هَذِهِ الْبَرَكَةِ مَا أَعْظَمُهَا أَيْنَ هَذَا مِنْ الْمِائَةِ دِينَارٍ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِ أَوَّلًا .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَرَكَةَ كَامِنَةٌ فِي امْتِثَالِ السُّنَّةِ حَيْثُ كَانَتْ ؛ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فَالِاسْتِشْرَافُ مِنْهُ بَعِيدٌ ، وَإِذَا عُدِمَ الِاسْتِشْرَافُ حَلَّتْ الْبَرَكَةُ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ الْغَالِبِ عَلَيْهِمْ شَظَفُ الْعَيْشِ ، وَقِلَّةُ ذَاتِ الْيَدِ ، ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَسْبِقُهُمْ غَيْرُهُمْ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِوُجُودِ الْبَرَكَةِ الْحَاصِلَةِ مَعَهُمْ فِيمَا يَتَنَاوَلُونَهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا لِعَدَمِ اسْتِشْرَافِهِمْ لِدُنْيَاهُمْ ، وَاهْتِمَامِهِمْ بِأَمْرِ دِينِهِمْ ، وَالْوُقُوفِ بِبَابِ رَبِّهِمْ ، وَالتَّضَرُّعِ إلَيْهِ ، وَلُزُومِ الِامْتِثَالِ لِأَوَامِرِهِ ، وَالِاجْتِنَابِ لِنَوَاهِيهِ ، وَالنُّزُولِ بِسَاحَةِ كَرَمِهِ .
وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْفَاسِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّهُ كَانَ بِمَدِينَةِ فَاسَ ، وَكَانَ يَصْحَبُ بَعْضَ الْفُقَرَاءِ فَرَآهُ مَرَّةً وَهُوَ يَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَا نَزَلَ بِهِ فَسَأَلْته عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ فَأَبَى عَنْ
إجَابَتِهِ فَبَقِيَ كَذَلِكَ أَيَّامًا ، ثُمَّ سَرَى عَنْهُ فَرَجَعَ إلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ مُوجِبِ بُكَائِهِ ، وَسُرُورِهِ فَقَالَ : إنِّي كُنْت أَجْمَعُ بَيْنَ الْمَاءِ ، وَالْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَابْتُلِيت بِأَنِّي إذَا أَخَذْت حَجَرًا أَسْتَجْمِرُ بِهِ أَجِدُهُ ذَهَبًا فَأَرْمِيهِ ، وَآخُذُ غَيْرَهُ فَأَجِدُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ كَذَلِكَ فَضَاقَ ذَرْعِي مِنْ ذَلِكَ ؛ لِمَا نَزَلَ بِي فَبَقِيت أَتَضَرَّعُ اللَّهَ تَعَالَى فِي دَفْعِهِ حَتَّى أَزَالَهُ عَنِّي فَصِرْت آخُذُ الْحَجَرَ فَأَجِدُهُ حَجَرًا كَمَا هُوَ .
وَقَدْ حَكَى لِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَانَ بِمَدِينَةِ فَاسَ قَالَ : فَكُنْت أَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ فَأَرَى عِنْدَ السُّورِ صُنْدُوقًا مَفْتُوحًا مَمْلُوءًا ذَهَبًا قَالَ : فَكُنْت أُوَلِّي وَجْهِي عَنْهُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ الْتَفَتُّ إلَيْهِ ، وَإِذَا بِيَدٍ مِنْ الْهَوَاءِ لَطَمَتْ وَجْهِي فَرَدَّتْهُ إلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى فَتُبْتُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا أَلْتَفِتَ إلَيْهِ بَعْدُ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيتُ عَلَى مَعْلُومٍ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرَى فِي الْمَنَامِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ : إنَّك لَبَخِيلٌ ، وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا فَلَمَّا أَنْ كَانَ لَيْلَةً ، وَقِيلَ لَهُ : مَا قِيلَ آلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا فُتِحَ لَهُ مِنْ الْغَدِ بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَلْقَاهُ كَائِنًا مَا كَانَ فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنْ الْغَدِ فُتِحَ لَهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ لَقِيَهُ مِنْ الْغَدِ شَابٌّ ، وَهُوَ عِنْدَ مُزَيِّنٍ يَحْلِقُ لَهُ رَأْسَهُ فَأَعْطَاهُ الصُّرَّةَ فَقَالَ لَهُ الشَّابُّ : لَا حَاجَةَ لِي بِهَا عِنْدِي قُوتُ يَوْمِي فَقَالَ لَهُ أَعْطِهَا فِي أُجْرَةِ الْمُزَيِّنِ فَقَالَ لَهُ الْمُزَيِّنُ قَدْ دَخَلْت عَلَى هَذَا الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا آخُذُ عَنْهُ عِوَضًا فَقَالَ لَهُ : خُذْهَا لَك دُونَ أُجْرَةٍ فَقَالَ لَهُ لَا حَاجَةَ لِي بِهَا فَقَالَ لَهُ هِيَ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فَقَالَ لَهُ الْمُزَيِّنُ ، أَمَا قَدْ قِيلَ لَك :
إنَّك لَبَخِيلٌ فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ وَجْدًا شَدِيدًا ، وَأَخَذَ الصُّرَّةَ فَرَمَى بِهَا فِي الْفُرَاتِ .
فَإِذَا قِيلَ لِمِثْلِ هَذَا : بَخِيلٌ فَمَا بَالُك بِمَنْ يُنْسَبُ إلَى الطَّرِيقِ ، وَيَطْلُبُ الْمَطَالِبَ ، ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لَيْسَ الْأَمْرُ لِآرَائِنَا ، وَلَا لِمَا اصْطَلَحْنَا عَلَيْهِ مِنْ عَوَائِدِنَا ، وَلَا لِمَا يَخْطِرُ مِنْ الْهَوَاجِسِ فِي أَنْفُسِنَا ، بَلْ الْمَشْيُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي وَقَعَ مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الزَّمَانِ لِغَلَبَةِ الْبُخْلِ فِيهِ ، وَقِلَّةِ الْبَرَكَاتِ بِخِلَافِ زَمَانِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ إذْ أَنَّ الزَّمَانَيْنِ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالنُّزُولِ بِسَاحَةِ كَرَمِهِ مَعَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْفَاسِيِّ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَقَعَ مِثْلُهُ كَثِيرًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ } ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ الْمُسْتَشْرِفِ فَتَرْتَفِعُ الْبَرَكَةُ عَنْهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى .
ثُمَّ اُنْظُرْ - رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ - إلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ مَا أَكْثَرَ قُبْحَهَا ، وَبَشَاعَتَهَا .
أَلَا تَرَى إلَى مَا وَقَعَ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَقَدْ جَرَّ ذَلِكَ إلَى تَسْلِيطِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى هَدْمِ كَثِيرٍ مِنْ بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ وَمَسَاجِدِهِمْ بِسَبَبِ حَفْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ شَوْكَةٌ فَعَلَهُ جِهَارًا سَوَاءٌ كَانَتْ مَسْجِدًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَمْلَاك الْمُسْلِمِينَ ، وَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ شَوْكَةٌ عَمِلَ الْحِيَلَ الْكَثِيرَةَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَخْرَبَ ، وَتُهْدَمَ ، وَهَذَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ حَتَّى صَارَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ
الْبَاطِلَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُخَرِّبَ مَسْجِدًا أَوْ دَارَ مُسْلِمٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَتَبَ فِي وَرَقَةٍ أَنَّ مَوْضِعَ كَذَا فِيهِ كَذَا وَكَذَا ، وَيَكْتُبُ تَارِيخَهَا قَدِيمًا ، وَيُبَخِّرُهَا حَتَّى تَبْقَى كَأَنَّهَا وَرَقَةٌ عَتِيقَةٌ ، ثُمَّ يُعَلِّقُهَا فِي مَوْضِعِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِسَبَبِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ إمَّا بِيَدِهِ الْبَاطِشَةِ أَوْ كَثْرَةِ التَّحَيُّلِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَخْرِيبِ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَدُورِهِمْ يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الْيَهُودِ ، وَالنَّصَارَى قَلَّ أَنْ تُحْفَرَ لَهُمْ دَارٌ أَوْ كَنِيسَةٌ أَوْ بِيعَةٌ ، وَالْكُلُّ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ، وَمَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ إذَا عَجَزُوا عَنْ تَخْرِيبِ الْمَسَاجِدِ وَالدُّورِ تَسَلَّطُوا عَلَى تَعَبِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَبْدَانِهِمْ وَخَسَارَتِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَيَكْتُبُونَ أَوْرَاقًا فِي ذُرْوَةِ الْجَبَلِ الْفُلَانِيِّ مِنْ النَّاحِيَةِ الْفُلَانِيَّةِ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا إذَا حَفَرْت فِيهِ كَذَا وَكَذَا ، وَقِسْت كَذَا وَكَذَا تَجِدُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا ، وَفِي وَرَقَةٍ أُخْرَى الْغَارُ الْفُلَانِيُّ فِي جِهَةِ كَذَا ، وَكَذَا مِنْهُ تَحْفِرُ قَدْرَ كَذَا وَكَذَا فَتَجِدُ كَذَا وَكَذَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ ، وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ ، ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَحِيحًا فَعَلَيْهِ الْمَهَالِكُ الْكَثِيرَةُ ؛ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَلَمْ يَضَعُوا شَيْئًا إلَّا ، وَقَدْ أَحَاطَ بِهِ مَهَالِكَ عَظِيمَةً فَقَلَّ أَنْ يَصِلَ أَحَدٌ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِعَطَبِهِ ، وَعَطَبِ غَيْرِهِ ، ثُمَّ إنَّ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي فَيَافِي الْأَرْضِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ فَذَلِكَ فِيهِ الْخُمُسُ يُصْرَفُ فِي وُجُوهِهِ ، وَبَاقِيهِ لِوَاجِدِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ لُؤْلُؤًا أَوْ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ رَصَاصًا كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِيهِ الْخُمُسُ ، وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخُمُسُ ثَلَاثَةٌ هَذَا وَاحِدٌ مِنْهَا .
وَالثَّانِي -
النُّدْرَةُ تُوجَدُ فِي الْمَعْدِنِ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ أَوْ بِمُؤْنَةٍ يَسِيرَةٍ .
وَالثَّالِثُ - الْغَنِيمَةُ .
وَأَمَّا مَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ أَرْضِ الْعَرَبِ فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ أُخِذَ عَنْوَةً .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ أُخِذَ صُلْحًا فَإِنْ كَانَ عَنْوَةً فَهُوَ لِتِلْكَ الْجُيُوشِ الَّذِينَ فَتَحُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ثُمَّ لِأَوْلَادِهِمْ ، ثُمَّ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْغَالِبِ إذْ إنَّ أَوْلَادَ الصَّحَابَةِ مَوْجُودُونَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَإِنْ كَانَتْ صُلْحًا فَمَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهُوَ لِأَهْلِ الصُّلْحِ فَإِنْ عُدِمُوا فَلِأَوْلَادِهِمْ ثُمَّ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ ، وَهُمْ أَيْضًا مَوْجُودُونَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا ، وَلِلْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ .
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا : أَنَّ وَاجِدَهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا التَّعَبَ وَإِشْغَالَ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ كَانَتْ عَنْهُ فِي غِنًى وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ هَلَاكِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْعَاقِلُ اللَّبِيبُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْفِرَارُ مِنْ هَذَا ، وَمَا شَاكَلَهُ إذْ إنَّ غَنِيمَةَ الْمُسْلِمِ إنَّمَا هِيَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَمَنْ اشْتَغَلَتْ ذِمَّتُهُ قَلَّ أَنْ يَتَخَلَّصَ فَالسَّعِيدُ مَنْ لَجَأَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إعَانَتِهِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ الْكَرِيمُ الْمَنَّانُ اللَّطِيفُ الرَّحْمَنُ
( فَصْلٌ ) : وَأَمَّا الِاشْتِغَالُ بِتَحْصِيلِ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ فَهُوَ مِنْ الْبَاطِلِ الْبَيِّنِ ، وَالْغِشِّ الْمُتَعَدِّي ضَرَرُهُ لِأَهْلِ زَمَانِهِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَعَلَهَا فَقَدْ خَلَطَ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ ، وَبَخَسَهَا عَلَيْهِمْ إذْ إنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي فِعْلِهَا .
فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُهَا ، وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَنَّهَا تَتَغَيَّرُ بَعْدَ زَمَانٍ ، وَذَلِكَ الزَّمَانُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا تَتَغَيَّرُ ، وَيَغِشُّ النَّاسَ بِهَا فَيُشْغِلُونِ ذِمَّتَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ سُحْتٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ .
وَلَوْ قَدَّرْنَا عَدَمَ تَغْيِيرِهَا فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الذَّهَبَ الْمَعْدِنِيَّ ، وَالْفِضَّةَ الْمَعْدِنِيَّةَ يَنْفَعَانِ لِأَمْرَاضٍ ، وَلَهُمَا خَاصِّيَّةٌ فِي الْأَدْوِيَةِ ، وَغَيْرُهُمَا يَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلَى الْمَرِيضِ فَيَزِيدُهُ مَرَضًا أَوْ يَمُوتُ بِسَبَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْمَعْدِنِيِّ عَقَاقِيرُ قَدْ يُسْقِمُ بَعْضُهَا ، وَقَدْ يَقْتُلُ بَعْضُهَا فَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَنْ تَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ شَغَلَ ذِمَّتَهُ بِأَمْوَالِ النَّاسِ ، وَدِمَائِهِمْ ، وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : إنَّ صَرْفَهَا لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّهَا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَلَيْسَتْ بِمَعْدِنِيَّةٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ إجَازَةِ ذَلِكَ بَعْدَ الْبَيَانِ لَا يَسُوغُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِسَبَبِ أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ هُوَ فَمَنْ صَارَتْ إلَيْهِ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُبَيِّنُ ، وَالِاحْتِرَازُ مِنْ هَذَا مُتَعَذِّرٌ .
هَذَا وَجْهٌ وَوَجْهٌ ثَانٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ صَنْعَةِ يَدِهِ تَمَزَّقَ عِرْضُهُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَئُولُ إلَى سَفْكِ دَمِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُعْدَلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْءٌ .
فَإِذَا سَلِمَ مِنْ الِاتِّصَافِ بِطَلَبِ الْمَطَالِبِ ، وَالْكِيمْيَاءِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ خَلْطَةِ مَنْ يَتَعَانَى
ذَلِكَ أَوْ يُشَارُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مَا فَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِشْرَافِ نَفْسِهِ بِسَبَبِ سَمَاعِهِ مِنْهُمْ مَا يَخُوضُونَ فِيهِ ، وَذَلِكَ يَذْهَبُ بِبَهَاءِ عِزَّةِ الْفَقْرِ ، وَعِزَّةِ الْإِيَاسِ إذْ لَا بُدَّ لِمَنْ خَالَطَهُمْ أَنْ يَشْغَفَ بِشَيْءٍ مَا مِنْ حَالِهِمْ ، وَلَوْ قَلَّ ، وَذَلِكَ شُغْلٌ لِلْقَلْبِ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ التَّوَجُّهِ ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْمَوْلَى الْكَرِيمِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بِالْإِرَادَةِ الْهَرَبُ الْكُلِّيُّ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَالَ الْمُرِيدِ نَظِيفٌ جِدًّا ، وَالتَّنْظِيفَ أَقَلُّ شَيْءٍ يُقَابِلُهُ مِنْ الْوَسَخِ يُؤَثِّرُ فِيهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ فِي الْغَالِبِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا وَقَعَ فِيهِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ الرَّفِيعِ الْأَبْيَضِ النَّظِيفِ فَإِنَّ أَقَلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يُدَنِّسُهُ .
، وَلِهَذَا الْمَعْنَى يُقَالُ فِي صِفَتِهِمْ : قَلَّتْ ذُنُوبُهُمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ مِنْ أَيْنَ أُصِيبُوا ، وَكَثُرَتْ ذُنُوبُ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْ أَيْنَ أُصِيبُوا ، وَالْكِيمْيَاءُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هِيَ الرُّجُوعُ إلَى الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالنُّزُولُ بِسَاحَةِ كَرَمِهِ ، وَطَلَبُ الْعَبْدِ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ضَرُورَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ ، وَجَلَّ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ يَسْتَحْيِ أَنْ يَرُدَّ يَدَيْ سَائِلِهِ صِفْرًا ، وَقَدْ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ فِي صَلَاتِي لِحَوَائِجِي كُلِّهَا حَتَّى الْمِلْحَ لِعَجِينِي ، وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَا مُوسَى سَلْنِي حَتَّى الْمِلْحَ لِعَجِينِك فَوَعِزَّتِي ، وَجَلَالِي لَئِنْ مَنَعْتُك فَلَا أَحَدَ يُعْطِيك إيَّاهُ أَوْ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَهُ إذَا انْقَطَعَ } .
فَسَبِيلُ الْعَبْدِ طَلَبُ حَوَائِجِهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ جَاعَ يَقُولُ : يَا رَبِّأَنَا جَائِعٌ ، وَكَذَلِكَ إنْ عَطِشَ أَوْ تَعَرَّى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ كُلِّهَا فِي جَلْبِ النَّفْعِ ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ } ، وَقَالَ تَعَالَى { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا } ، وَقَالَ { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا } .
فَالْعَاقِلُ اللَّبِيبُ مَنْ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدَيْهِ ، وَتَوَكَّلَ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى رَبِّهِ ، وَأَنَابَ إلَيْهِ .
فَإِذَا حَصَلَ لِلْمُرِيدِ هَذَا الْحَالُ فَلَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا مَا قَبِلَهَا ، وَلَا أَقْبَلَ عَلَيْهَا ؛ لِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَحُسْنِ نَظَرِهِ لَهُ إذْ إنَّ مَفَاتِيحَ هَدَايَاهُ لَا تَنْحَصِرُ ، وَلَا تَرْجِعُ إلَى قَانُونٍ مَعْلُومٍ ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَأْخُذُهُ حَصْرٌ ، وَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ أَيْنَ ، وَلَا كَيْفَ فَكَذَلِكَ مَا سَتَرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ مِنْ عَطَايَاهُ الْجَمَّةِ ، وَهَدَايَاهُ الَّتِي لَا حَصْرَ لَهَا .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَصَابَتْهُ ضَرُورَةٌ ، وَجُوعٌ شَدِيدٌ فَتَضَرَّعَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي خَلْوَتِهِ ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْعَطَاءَ فَسَمِعَ هَاتِفًا ، وَهُوَ يَقُولُ : أَتُرِيدُ طَعَامًا أَوْ فِضَّةً فَقَالَ ، بَلْ فِضَّةً ، وَإِذَا بِصُرَّةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فِيهَا أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ إذَا طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ ، وَأَخْرَجَ مَا طُلِبَ مِنْهُ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَنْظُرُونَ إلَى جَيْبِهِ ، وَيَقْطَعُونَ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ إذَا طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْحَالِ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْخَضِرَ يَأْتِيهِ بِكُلِّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ ، وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْكِي أَنَّهُ كَانَ يَصْحَبُهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ يُعْرَفُ بِأَبِي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق